Indexed OCR Text
Pages 141-160
فيكون مع هذا بعض فوائده ومع هذا بعض. قال: فأخرجت إليه فتعجب من فوائده وكاد أن يكتب على الوجه)(١). ومن ذلك صحيفة ابن المبارك فقال علي بن المديني: (أتيت عبدالرحمن بن مهدي فقلت له: أخرج إليَّ صحيفة ابن المبارك عن معمر عن هشام(٢) قال: فأخرجها، فقلت: ادفعها إليَّ فقال: دعني حتى أملي عليك ما تحتاج إليه منها، فأملى عليَّ منها أربعة أحاديث)(٣)، فكان علي بن المديني حريصاً على معرفة ما في هذه الصحيفة من الأحاديث إذ طلب من عبدالرحمن بن مهدي إخراج الصحيفة إليه. ومن ذلك مصنفات وكيع بن الجراح فيروي عثمان بن سعيد الدارمي عن علي بن المديني أنه قال: (سمعنا مصنفات وكيع، وأخرج الزيادات بعد، فخرجنا إلى الكوفة، فجعلنا نتتبع تلك الزيادات، ويحيى بن معين يكتب على الوجه، لئلا يسقط عليه حديث)(٤) وكان يُعنى برواية الحديث من طرق مختلفة فقد ذكر الخطيب بسنده إلى علي بن المديني أنه قال: (قد كتبت كتب عبد الوارث(٥) عن عبدالصمد، وأنا أشتهي أن أكتبها عن أبي معمر)(٦)، وقد روى ابن المديني من عبدالوارث بن سعيد مباشرة وقد لقيه، وما فاته الأخذ منه مباشرة رواه عن ابنه عبدالصمد بن عبدالوارث عن أبيه لكنه كان يحب أن يسمع أحاديث عبدالوارث بن سعيد عن تلميذه أبي معمر عبدالله بن عمرو التميمي المِنْقَري(٧) تكثيراً للطرق؛ لأن أبا معمر (١) المعرفة والتاريخ: ٤٢٢/٢، وتاريخ دمشق: ٤٥٣/١٧ أ، وانظر: التهذيب: ١٥٢/١١، ١٥٣. ومعنى على الوجه: بأسانيده التامة. (٢) هو هشام بن عروة بن الزبير أبو المنذر أحد شيوخ معمر بن راشد وكان من حفاظ أهل المدينة ومتقنيهم وأهل الفضل والورع في الدين (مات سنة ١٤٥ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ٨٠. (٣) الكامل: ١١٩/١. (٤) الجامع: ١٨٨/٢. (٥) هو أبو عبيدة عبدالوارث بن سعيد التنوري التميمي كان من أهل الفضل والنسك (مات سنة ١٨٠ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ١٦٠. (٦) ت بغداد: ٢٥/١٠. (٧) بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف وفي آخرها راء هذه النسبة إلى منقربن عبيد. اللباب: ٢٦٤/٣. ١٤١ أقوى من عبدالصمد في عبدالوارث وهو راويته(١)، لذلك يقول الذهبي تعليقاً على قول ابن المديني هذا: (يقول علي مثل هذا القول مع أنه قد لقي أيضاً عبدالوارث وسمع منه جملة أحاديث)(٢). وعندما رأى حميد بن زنجويه(٣) حرص علي بن المديني على جمع الحديث قال له: (إنك تطلب الغرائب فأت عبدالله بن صالح(٤) واكتب كتاب معاوية بن صالح (٥) تستفد مائتي حديث)(٦). وهذا اللهف الشديد في تتبع الأحاديث وجمعها دفع شيخه يحيى بن سعيد القطان لأن يقول له: (ويحك يا علي، إنِّي أراك تتتبع الحديث تتبعاً، لا أحسبك تموت حتى تبتلى)(٧) - والله أعلم -. وانطلاقاً من رغبته الشديدة في استيعاب أكبر قدر ممكن من الأحاديث الصحيحة والعلوم المتعلقة بمتن الحديث وسنده، كان يراسل العلماء المعاصرين له الذین یثق بهم في شأن الحديث ورجاله جرحاً وتعديلاً، فحينما قدم بغداد لطلب الحديث عرض عليه أحمد بن منصور الرَّمَادي (٨) أن يسمع من محمد بن عمر (١) التهذيب: ٣٣٥/٥. (٢) السير: ٦٢٣/١٠. (٣) هو الحافظ البارع أبو أحمد حميد بن زنجويه الأزدي النسائي وكان ثقة من كبار الأئمة (مات سنة ٢٥١ هـ). تذكرة الحفاظ: ٥٥٠/٢. (٤) هو أبو صالح عبدالله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني مولاهم المصري کاتب الليث بن سعد (مات سنة ٢٢٣ هـ) المصدر السابق: ٣٨٨/١. والغرائب هي المناكير وذلك لمعرفتها: في مجال النقد. (٥) هو الإمام الفقيه أبو عمرو معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس كان من أوعية العلم ومعادن الصدق (مات سنة ١٥٨ هـ). المصدر السابق: ١٧٦/١. (٦) الكامل : :٢٤٠٠/٦، والسير :: ١٦٢/٧. (٧) ت بغداد: ٤٦٥/١١، ت الكمال: ٠٩٨٠/٢٠ (٨) هو الحافظ الحجة أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي البغدادي كان ذا حفظ ومعرفة (مات سنة ٢٦٥ هـ). تذكرة الحفاظ: ٢ /٥٦٤. والرمادي: بفتح الراء والميم وفي آخرها دال مهملة، نسبة إلى رمادة اليمن. اللباب: ٣٦/٢. ١٤٢ الواقدي - وهو قاضي بغداد حينذاك - وكان علي متروِّياً في ذلك، ولما لم يتضح له حال الواقدي كتب إلى معاصره الإمام أحمد بن حنبل في شأن الواقدي والكتابة عنه، فكتب إليه الإمام أحمد في ذلك: (کیف تستحل أن تكتب من رجل روى عن معمر حديث نبهان(١)، وهذا حديث يونس (٢) تفرَّد به)(٣). وقد ورد ذكر كتاب علي بن المديني إلى أحمد بن حنبل أكثر من مرة (٤). ويظهر أن المراسلة بين العلماء والمحدثين وكتابة بعضهم إلى بعض لم يتفرد بها علي بن المديني وإنما كانت المراسلة معروفة بين المحدثين فكانوا يكتب بعضهم إلى بعض ويرسلون رسلاً للسؤال عما يعنيهم ويهمهم في شأن الحديث وروايته ونقد الرجال، فهذا الإمام علي بن المديني عُرِف منه ذلك كما أسلفنا آنفاً ثم هو يصوّر لنا ما كان المحدثون يقومون به من المراسلة في تلك الحقبة من الزمان تصويراً دقيقاً، يوضح ذلك التصوير جانباً من الحركة العلمية آنذاك، وأن العلماء يستفيد بعضهم من بعض ولو من بُعد. قال الإمام علي بن المديني رحمه الله (حدثنا وهب بن جرير(٥) عن أبيه قال: كتب إليَّ يعلى بن حكيم(٦) أن سَلْ قتادة عن حديث ثم اكتب إليّ، فأتيته فقال: انت سعيد بن أبي عَرُوبَة(٧)، فقد أخذ حديثي، يمليٍ عليك، ثم ائتني بها، فأتيت سعيداً فأملاها عليَّ ثم جئت به قتادة فما غيّر منها إلا حرفين). (١) هو أبو يحيى نبهان المخزومي المدني مولى أم سلمة ومكاتبها روى عنها وعنه الزهري وغيره. التهذيب: ٤١٦/١٠. (٢) هو أبو يزيد يونس بن يزيد بن أبي المخارق الأيلي القرشي من متقني أصحاب الزهري (مات سنة ١٥٩ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ١٨٣. (٣) تاريخ دمشق: ١٣٩٦/١٥، وانظر التهذيب: ٣٦٤/٩ بتصرف. (٤) انظر مثلاً: الكامل: ٤١٣/١، ٦٧٢/٢، ٦٩٩. (٥) هو الحافظ أبو العباس وهب بن جرير بن حازم الأزدي مولاهم البصري أحد الأثبات (مات سنة ٢٠٦ هـ). تذكرة الحفاظ: ٣٣٦/١. (٦) هو يعلى بن حكيم الثقفي مولاهم المكي نزيل البصرة. التقريب: ٣٧٨/٢. (٧) هو أبو النضر سعيد بن أبي عَرُوبَة مهران من فقهاء أهل البصرة، (مات سنة ١٥٠ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ١٥٨ . ١٤٣ قال علي: (كان يجيء كل رجل منهم له رسل عند قتادة، فكان رسل(١) سعيد مطر(٢)، ورسل هشام الدَّسْتُوائي أبو عمرو بن عامر) (٣). المطلب الرابع: رحلاته العلمية: بدأت الرحلة في طلب العلم في عهد الصحابة حيث تفرق الصحابة في الأقطار أيام الفتوحات الإسلامية زمن الخلفاء الراشدين، حاملين معهم حديث رسول الله وَله والعلم الذي تحمَّلوه عنه عليه الصلاة والسلام وبدهي أن الصحابة لم يكونوا على درجة واحدة في حفظ الحديث وجمع السنن، بل كان أحدهم يسمع ما لا يسمعه الآخر، ويحفظ هذا ما نسيه غيره الأمر الذي جعلهم يرحلون بعضهم إلى بعض لسماع حديث لم يسمعه، أو للتثبت من حديث سمعه، أو للتأكّد من ضبطه أو للالتقاء بصحابي للأخذ عنه، فكانت الرحلة في طلب الحديث سُنَّة متَّبعة منذ ذلك الحين، وكثيراً ما كان المحدِّث يقطع المسافات الطويلة ويواجه الأخطار والصعوبات في سبيل الحصول على حديث واحد بلغه عن غيره، فهذا الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يرحل من المدينة إلى عقبة بن عامر بمصر يسأله عن حديث سمعه من النبي وير فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلَّد الأنصاري أمير مصر عانقه، وبعث معه من يدلّه على منزل عقبة فلما لقيه قال له: حدثنا ما سمعته من رسول الله وَّر في ستر المسلم(٤) لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك، فلما حدثه ركب أبو أيوب راحلته راجعاً إلى المدينة وما حلَّ رحله، وما أدركته جائزة مسلمة إلَّ بعريش(٥) مصر(٦) .. (١) هكذا في المطبوع ((رسل سعيد مطر، ورسل هشام أبو عمرو)) فلعل العبارة ((من رسل سعيد مطر، ومن رسل هشام أبو عمرو)) كما يدل عليه مقتضى اللغة. والله أعلم. (٢) هو أبو رجاء مطر بن طهمان الوراق السلمي مولاهم الخراساني ثم البصري المصاحفي (مات سنة ١٢٥ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ٩٥، وانظر: الخلاصة: ص ٣٧٨. (٣) المعرفة والتاريخ: ٨٩/٢، ولم أقف على ترجمة أبي عمروبن عامر. (٤) حديث ستر المسلم أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ١٥٣/٤ عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((من ستر على مؤمن في الدنيا ستره الله يوم القيامة)). · (٥) العريش من ديار مصر في أسفل الأرض وهي من سواحل البحر والغالب على أرضها الرمال = ١٤٤ لقد خشي أبو أيوب أن يكون قد نسي شيئاً من حديث (ستر المسلم) فرحل من الحجاز إلى مصر يقطع المفاوز للتأكد والتثبت من صحة هذا الحديث. وهذا جابر بن عبدالله رضي الله عنه رحل إلى عبدالله بن أنيس في الشام واستغرق سفره شهراً ليحمل عنه حديثاً واحداً لم يكن جابر قد سمعه من النبي ◌َّي(١) وهو حديث: ((يُحشّر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلاً (٢) بُهماً (٣))(٤) فانظر رحمك الله إلى همَّة صحابة رسول الله وَار كيف هانت عليهم الحياة الدنيا في سبيل المحافظة على سنة رسول الله وَثر. ثم اتسعت الرحلة في جيل التابعين ومن بعدهم انطلاقاً من حرصهم الشديد على جمع السنن والإحاطة بعدد كبير من أحاديث رسول الله و# ولا يتمكنون من ذلك إلّ بالرحلة إلى الصحابة والتابعين المتفرقين في الأمصار. يقول سعيد بن المسيب: (إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام)(٥). ورحل الحسن البصري من البصرة إلى الكوفة لمقابلة كعب بن عجرة للسؤال عنه في مسألة (٦). ولها ثمار ونخل وفواكه. الروض المعطار في خبر الأقطار: ص ٤١٠. = (٦) انظر: مسند الإمام أحمد: ١٥٣/٤، وانظر: الرحلة في طلب الحديث للخطيب: ص ١١٨. وانظر أيضاً: جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر: ١١٢/١. (١) صحيح البخاري: ٢٩/١ تعليقاً في العلم باب الخروج في طلب العلم وانظر: في الأدب المفرد للبخاري مطولاً باب المعانقة: ٤٤٦/٢ ط مطابع الإرشاد حمص. (٢) الغرل جمع أغرل وهو الأقلف الذي لم يختن. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: ٣٦٢/٣، وانظر: لسان العرب: ٤٩٠/١١. (٣) البهم بضم الباء الموحدة هم الذين ليس فيهم شيء من عيوب الدنيا. انظر: النهاية: ١٦٧/١، ولسان العرب: ٥٩/١٢. (٤) مسند الإمام أحمد: ٤٩٥/٣، وجامع بيان العلم وفضله: ١١١/١، والرحلة في طلب الحديث: ص ١٠٩ وما بعدها. (٥) جامع بيان العلم وفضله: ١١٣/١، والرحلة في طلب الحديث: ص ١٢٨. (٦) الرحلة في طلب الحديث: ص ١٤٣. ١٤٥ وعن بسربن عبيدالله الحضرمي(١) قال: (إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه)(٢). وهذا أبو قلابة عبدالله بن زيد الجَرْمي (٣) أقام في المدينة ثلاثة أيام ليس له حاجة إلَّ قدوم رجل عنده حديث ليس عند أبي قلابة (٤). وقال الشَعْبِي: (لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبله من عمره رأيت أن سفره لا يضيع)(٥)، ورحل شعبة بن الحجاج في البحث عن أصل حديث واحد من الكوفة إلى مكة ثم إلى المدينة ثم إلى البصرة(٦). فهذه المشقة البالغة والسفر الطويل والجهد العظيم من شعبة للتحقّق من صحة حديث واحد فقط. ومن هنا فقد اتسعت دائرة الرحلة في طلب العلم في القرنين الثاني والثالث: الهجريين وأدرك العلماء المحدثون أهمية الرحلة وأثرها البعيد في حفظ السنة. وانتشارها فلما سئل الإمام أحمد بن حنبل عن طالب العلم هل يلزم رجلاً عنده علم فيكتب عنه أو يرحل إلى المواضع التي فيها العلم فيسمع منهم؟ فقال: (يرحل (١) هو بسربن عبيدالله الحضرمي الشامي أحفظ أصحاب أبي إدريس الخولاني. التهذيب: ٠٤٣٨/١ (٢) سنن الدارمي: ١٤٠/١ المقدمة باب الرحلة في طلب العلم، وانظر: جامع بيان العلم وفضله: ١١٣/١. (٣) هو أبو قلابة عبدالله بن زيد الجرمي البصري من عُيَّاد التابعين وزُهّادهم ممن هرب من البصرة مخافة أن يولى القضاء (مات سنة ١٠٤ هـ)، مشاهير علماء الأمصار: ص ٨٩: والجَرْمي: بفتح الجيم وسكون الراء وفي آخرها الميم هذه النسبة إلى قبيلة جرم بن رَبَّان،. بالراء المهملة المفتوحة والباء الموحدة المشددة، وفي آخره النون. اللباب: ٢٧٣/١، ٢٧٤. (٤) سنن الدارمي: ١٤٠/١ المقدمة باب الرحلة في طلب العلم، وانظر: الرحلة في طلب الحديث: ص ١٤٤. (٥) جامع بيان العلم وفضله: ١١٤/١، وانظر: الرحلة في طلب الحديث: ص ٩٦. (٦) انظر: المجروحين لابن حبان: ٢٨/١، والرحلة في طلب الحديث: ص ١٥٢. ١٤٦ يكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل المدينة ومكة يشام(١) الناس ويسمع منهم)(٢)، وعن يحيى بن معين أنه قال: (أربعة لا تؤنس منهم رشداً: حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدث ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث)(٣). وقال ابن الصلاح: (وإذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده فليرحل إلى غيره)(٤). وهكذا اعتبر العلماء الجهابذة الرحلة في طلب العلم وجمع الحديث وتمحيصه والتثبت فيه وطلب العلو في ذلك أمراً ضرورياً للمشتغل بالحديث والإمام علي بن المديني رحمه الله أحد هؤلاء الأعلام الذين أدركوا هذه الحقيقة فبعدما تلقَّى العلوم من مشايخ بلده ونهل من منهلهم الصافي على عادة العلماء في ذلك الحين، شرع منذ وقت مبكر في رحلاته حرصاً منه على القيام بمهمته التي تحملها في جمع السنن والبروز في هذا الشأن فسلك في ذلك الطريقة التي سنّها الصحابة والتابعون فرحل إلى البلدان المختلفة فقد كان شغوفاً للرحلة في طلب الحديث وجمع السنن والآثار، والسماع من المحدثين، وكان يقول: (حججت حجة وليس لي همة إلّا أن أسمع)!(٥) فاستطاب مشقة السفر من العراق إلى الحجاز وتحمل الصعاب في سبيل السماع من بعض الشيوخ وكان يتخذ رحمه الله من سيرة أسلافه المحدثين العلماء مسلكاً له فقد روى ابن المديني عن الشعبي أنه قيل له: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: (يعني الشعبي - بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الجماد، وبكور كبكور الغراب)(٦) فجمع الشعبي هذا العلم الغزير بهذه (١) شام شيماً تطلَّع وترقب والمعنى - والله أعلم - يختبرهم. انظر: المعجم الوسيط: ٥٠٤/١. (٢) الرحلة في طلب، الحديث: ص ٨٨، وعلوم الحديث لابن الصلاح: ص ٢٤٦، ٢٤٧ . (٣) الرحلة في طلب الحديث: ص ٨٩، والجامع للخطيب: ٢٢٥/٢. (٤) علوم الحديث: ص ٢٤٦. (٥) علوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي الصالح: ص ٥١، نقلاً عن سنن الترمذي: ١٩٦/١ طبعة بولاق ١٢٩٢ هـ. (٦) تذكرة الحفاظ: ٨١/١. ١٤٧ الصفات التي منها السير في البلاد، فاحتذى ابن المديني راوي هذه المقولة حذو هؤلاء الأعلام في رحلاتهم. وقد وصفه ابن حبان بأنه رحل وجمع وكتب وصنّف(١)، وعدّه ابن حبان من الجهابذة الأئمة الذين أخذوا عن السلف (مسلك الحديث والاختيار، وانتقاء الرجال في الآثار، ورحلوا في جمع السنن إلى الأمصار وفَتَّشوا المدن والأقطار، وبيّنوا كيفية أحوال الرجال حتى صاروا يقتدى بهم في الآثار، وأئمة يسلك مسلكهم في الأخبار)(٢). ۔۔ رحلاته إلى مدن العراق: من الأمور المتعارف عليها عند العلماء أن المحدث عندما يشرع في طلب الحديث وتدوينه يبدأ بادىء ذي بدء في الأخذ والتحمِّل عن علماء بلده ثم يبتدىء بالخروج والتجوال في المدن الأخرى، وهكذا كان الإمام علي بن المديني رحمه الله، فقد أخذ العلم عن أبيه وعن حماد بن زيد ولازم الشيوخ الكبار في مدينة البصرة كأمثال الإمام يحيى بن سعيد القطان والإمام عبدالرحمن بن مهدي وغيرهما. ثم خرج إلى البلدان العراقية الأخرى، وفيما يلي بيان رحلاته إلى تلك البلدان : علي بن المديني في الكوفة: إن مدينة الكوفة تعتبر مركزاً مُهِمَّاً من مراكز الحركة العلمية في ذلك العصر وهي شقيقة البصرة في تنشيط النهضة العلمية والفكرية ووجود العلماء الأئمة فيها، ويبدو أن رحلات ابن المديني المبكرة كانت إلى الكوفة نظراً لقربها من البصرة ولأهميتها في مجال العلوم المختلفة، فقد كان يرحل إليها كثيراً لجمع الحديث من (١) التهذيب: ٣٥٦/٧. (٢) كتاب المجروحين: ٥٤/١ بتصرف يسير. ١٤٨ علمائها(١) فقد كتب عن أبي نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ويحيى بن آدم، وحفص بن غياث وغيرهم، فلعله كتب عنهم في الكوفة. علي بن المديني في بغداد : لما كانت بغداد دار الخلافة وحاضرة العلم ومقصد العلماء وملتقى علماء بلاد الإسلام شرقاً وغرباً جعل طلاب العلم يرحلون إليها ويمكثون فيها طويلاً للاستفادة من علمائها والأئمة الوافدين عليها. وهكذا كان الإمام علي بن المديني فقد كان يتردِّد على بغداد وكتب بها عن أبي عبيد القاسم بن سلام، وإسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيَّةِ والحكم بن موسى(٢)، وطبقتهم، وهذه بعض أخباره في بغداد. قال عثمان بن سعيد الدارمي: (قدم علي بن المديني بغداد فحدثه الحكم بن موسى بحديث أبي قتادة (إِنَّ أسوأ الناس سرقة)(٣) فقال له علي: لو غيرك حدَّث به كنا نصنع به - أي لأنك ثقة، ولا يرويه غير الحكم -)(٤). وذكر الخطيب بسنده إلى عبدالله بن محمد بن سيار الفَرْهياني(٥) قال: (١) انظر: ت بغداد: ٢٤٥/١٠، الإرشاد في معرفة علماء الحديث: ٩٧ ب، ١٩٨. (٢) هو أبو صالح الحكم بن موسى بن شيرزاد البغدادي القنطري الحافظ الزاهد العابد (مات سنة ٢٣٢ هـ). تذكرة الحفاظ: ٤٧٤/٢. (٣) أخرجه أحمد في مسنده: ٣١٠/٥، والدارمي في سنته: ٣٠٥/١ في الصلاة باب في الذي لا يتم الركوع والسجود، وأخرج بنحوه الإمام مالك في الموطأ: ١٦٧/١ في قصر الصلاة في السفر باب العمل في جامع الصلاة عن النعمان بن مرة، وأخرجه أحمد: ٥٦/٣ عن أبي سعيد الخدري، والحديث كاملاً كما في مسند أحمد: ٣١٠/٥: ((أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته)) قالوا يا رسول الله: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: ((لا يتم ركوعها ولا سجودها، أو قال: لا يقيم صلبه في الركوع والسجود)» (٤) ت بغداد: ٢٢٧/٨. (٥) هو الإمام أبو محمد عبدالله بن محمد بن سيار الفرهياني أحد علماء العجم، وكان ذا بصر = ١٤٩ (سمعتهم يقولون: قدم علي بن المديني بغداد واجتمع إليه الناس فلما تفرقوا قيل له: من وجدت أكيس القوم؟ قال: هذا الغلام المُخَرَّمي)(١). وذكر أحمد بن منصور الرمادي أن علي بن المديني قدم بغداد سنة سبع أو : ثمان وثمانين ومائة وجعل يطوف على علمائها(٢)، ليأخذ الحديث عنهم ویفتش عن · أحوال رجال الحديث جرحاً وتعديلاً. علي في واسط: وقدم ابن المديني مدينة واسط وأخذ الحديث عن علمائها هشيم بن بشير الواسطي وحصين بن نمير الواسطي(٣)، وعلي بن عاصم الصدِّيقي (٤) وغيرهم. ذكر الخطيب البغدادي بسنده إلى عبدالله بن علي بن المديني قال: سمعت أبي يقول: (أتيت علي بن عاصم بواسط فنظرت في أثلاث كثيرة(٥)، فأخرجت منها قدر مائتي طرف(٦)) (٧). بالرجال (مات سنة نيف وثلاثمائة). تذكرة الحفاظ: ٧١٦/٢. والفرهياني ويقال أيضاً الفرهاذاني بفتح الفاء وسكون الراء نسبة إلى عبدالله بن محمد بن سيار. اللباب: ٤٢٧/٢. (١) هو أبو جعفر محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي قاضي حلوان كان من أحفظ الناس للأثر (مات سنة ٢٥٤ هـ) ت بغداد: ٤٢٣/٥ وما بعدها، والنص منه. والمخرمي : بضم الميم وفتح الخاء وكسر الراء المشددة نسبة إلى مخرم محلة ببغداد وإنما قيل لها المخرم لأن بعض ولد يزيد بن المخرم نزلها فسميت به. اللباب: ١٧٨/٣. (٢) ت بغداد: ١٨/٣، وانظر: تاريخ دمشق: ١٥/ ٣٩٦أ. (٣) هو أبو محصن حصين بن نمير الواسطي الضرير كوفي الأصل. التقريب: ١٨٤/١، والخلاصة: ص ٨٦. (٤) هو أبو الحسن علي بن عاصم بن صهيب مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه الواسطي مسند العراق (مات سنة ٢٠١ هـ). تذكرة الحفاظ: ٣١٦/١. والصديقي: بكسر الصاد والدال المشددة نسبة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. اللباب: ٢٣٧/٢. (٥) أثلاث جمع الثلث وهي الأجزاء. لسان العرب: ١٢٥/٢. (٦) الطرف جمعه أطراف وطرف الحديث: الجزء من متنه الدال على بقيته مثل قولنا: حديث ((كلّكم راع)) انظر: أصول التخريج ودراسة الأسانيد للطحان: ص ٤٨. (٧) ت بغداد: ٤٥٠/١١. ١٥٠ رحلاته إلى الحرمين مكة والمدينة : علي بن المديني في مكة المكرمة: لما كانت مكة مهوى أفئدة المسلمين وملتقى علماء البلدان الإسلامية، كان العلماء يقصدونها كثيراً لأداء مناسك الحج من جهة وانتهاز فرصة تلقي العلم عن كثير من علماء الحديث الوافدين من العالم الإسلامي لأداء الفريضة والعلماء المجاورين لها من جهة أخرى، وكان ناس يذهبون للحج وليس لهم قصد إلاّ لقاء العلماء والأخذ عنهم، يقول الدَاوُوْدِي(١): (فقد كان خلق يحجُّون والباعث لهم لُقِيُّ ابن عيينة فيزدحمون عليه في أيام الحج)(٢) ونظراً إلى هذه المكانة الدينية والاجتماعية لمكة المكرمة، كان الإمام علي بن المديني يتردّد إلى مكة محتملاً في ذلك المشاق ووعثاء السفر فقد أخذ الحديث من عالم مكة سفيان بن عيينة وكتب عن جرير بن عبدالحميد بمكة(٣) وعن الوليد بن مسلم وهما قد وفدا إلى مكة الحج (٤)، وكتب بمكة أيضاً عن شيخ عن صباح بن مجاهد بن جبر (٥). ويبدو أنه رحل إلى مكة قبل السابعة والعشرين من عمره لأنه كتب عن جرير بن عبدالحميد وقد توفي جرير سنة ١٨٨ هـ (٦)، وعمر ابن المديني إذ ذاك (١) هو الإمام شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداوودي المالكي شيخ أهل الحديث في عصره (مات سنة ٩٤٥ هـ). شذرات الذهب: ٢٦٤/٨، وانظر: الأعلام: ٢٩١/٦. والداوودي: بفتح الدال وسكون الألف وضم الواو الأولى وسكون الثانية وفي آخرها دال أخرى - هذه النسبة إلى مذهب داود بن علي الظاهري وإلى من اسمه داود من الآباء. اللباب: ١ /٤٨٧. (٢) طبقات المفسرين للداوودي: ١٩٠/١. (٣) ت الكبير: ٣٧٦/٣. (٤) المعرفة والتاريخ: ٤٢١/٢. (٥) ت الكبير: ٣١٤/٤. وصباح هو ابن مجاهد بن جبر مولى عبدالله بن السائب أخو عبدالوهاب بن مجاهد. الجرح: ٤ /٤٤٢. (٦) انظر التهذيب: ٧٦/٢. ١٥١ ٢٧ عاماً، ويبدو أيضاً أنه أقام بمكة مدةً لازم فيها شيخه سفيان بن عيينة فقد قال في حديث الحارث بن عبدالله الهمداني الأعور (تعلمت القرآن في سنة وتعلمت الوحي(١) في ثلاث سنين)، قال علي: (سمعت هذا الحديث من يحيى - يعني ابن سعيد القطان - قبل أن أخرج إلى مكة الخرجة التي أقمت عند سفيان فلا أدري لِمَ لَمْ أسأل عنه؟ نسيته أو تركته عمداً)(٢). وظاهرٌ من هذا النص أيضاً أنه خرج إلى مكة أكثر من مرة كما أسلفت، ورحل إلى مكة بصحبة الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين كما قال الخليلي في ترجمة الإمام أحمد بن حنیل: (وأتی علی حدیث بغداد ثم خرج إلى مكة وصحبه علي بن المديني ويحيى بن معين)(٣) كما أنه رحل إلى مكة من غير مصاحبة الإمام أحمد فلما عزم ابن المديني على الرحلة إلى مكة تمنى ابن حنبل أن يصحبه لكنه ترك المصاحبة خوف حصول الملل بينهما (٤). وذكر ابن عدي بسنده إلى العباس بن عبدالعظيم العنبري قال: (سمعت علي بن المديني يقول: سمعت معاذ بن هشام(٥) بمكة يقول: وقال له: ما عندك؟ قال عندي عشرة آلاف، فأنكرنا عليه وسخرنا به فلما جئنا إلى البصرة أخرج إلينا من الكتب نحواً مما قال - يعني عن أبيه - فقال: هذا سمعت وهذا لم أسمعه فجعل يميّزها)(٦) فدلَّت هذه النصوص على أن ابن المديني رحل إلى مكة مراراً وأنه أقام فيها إذ لازم سفيان فيها وأخذ عن المحدثين فيها - والله أعلم -. (١) الوحي: الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك. والمراد بالقرآن هنا القراءة، وبالوحي الكتابة والخط. انظر: لسان العرب: ٣٧٩/١٥، ٣٨٠. ٠٠ (٢) الضعفاء الكبير: ٢٠٩/١. (٣) الإرشاد في معرفة علماء الحديث: ٩٧ ب، ٩٨ أ. (٤) انظر: المنهج الأحمد: ١٦٠/١. (٥) هو معاذ بن هشام بن أبي عبدالله الدستوائي البصري صدوق صاحب حديث (مات سنة ٢٠٠ هـ)، تذكرة الحفاظ: ٣٢٥/١. (٦) الكامل: ٢٤٢٦/٦. ١٥٢ علي في المدينة المنورة: لا شك أن مدينة الرسول ## لها المكانة العظيمة في نفوس المسلمين يقصدونها في ذهابهم وإيابهم إلى الحج وتعتبر المدينة المركز الأمّ التي أنجبت مراكز العالم الإسلامي كلها وهي مركز الإشعاع الذي انبثق منه نور الإسلام إلى أنحاء العالم، ولا شك أيضاً أن ابن المديني دخلها كلَّما ذهب إلى الحج، ومما يدل على أنه دخل المدينة وأخذ من علمائها وكانت له معرفة بأهل العلم فيها النص التالي: (قال علي بن المديني: سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة (١) سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة (٢) أشياء من رأي سليمان بن يسار. قال علي: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد بالمدينة من يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه سمعت أبي)(٣). فقوله في هذا النص (لم أجد بالمدينة ... ) يدل على دخوله المدينة وأَخْذ العلم عن أهلها إذ لا ينقّب عن الشيء في البلد إلاّ من دخله وعرفه وعرف من فيه - والله أعلم -. رحلاته إلى بلاد اليمن: قد سافر علي بن المديني أيضاً ضمن رحلاته العلمية إلى اليمن وأخذ عن شيوخه فيها عبدالرزاق بن همام الصنعاني، وهشام بن يوسف الصنعاني(٤)، ويبدو أن رحلته إلى اليمن لم تتأخر كثيراً لأن أمه كانت على قيد الحياة حينما ارتحل إلى اليمن ولا شك أن رحلته إليها كانت قبل المائتين لأن شيخه يحيى بن سعيد القطان كان موجوداً وقت الرحلة كما سيأتي، ولا يستبعد أن يكون ابن المديني خرج إلى (١) هو مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج من متقني أهل المدينة (مات سنة ١٥٩ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ١٣٩ . (٢) هو الإمام أبو عثمان ربيعة بن أبي عبدالرحمن فروخ التيمي المدني الفقيه مولى آل المنكدر كان مجتهداً بصيراً بالرأي (مات سنة ١٣٦ هـ). تذكرة الحفاظ: ١٥٧/١. (٣) الكامل: ٢٤٢١/٦، وانظر: الميزان: ٨١/٤. (٤) انظر: الإرشاد في معرفة علماء الحديث: ٩ ب. ١٥٣ اليمن أكثر من مرة فقد ذكر الخليلي أنه خرج إلى مكة برفقة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ثم خرجوا إلى صنعاء ثم رجعوا إلى بلاد العراق، الكوفة والبصرة وواسط(١). بينما نرى علي بن المديني فيما روى عنه يعقوب بن سفيان يذكر أنه غاب : عن البصرة مدة ثلاث سنوات إلى اليمن وأمه حيَّة ترزق وكان الإمام يحيى بن سعيد القطان يزور أمه ويسلّيها ويحثها على الصبر على فراق ولدها ويبيِّن لها فضل الرحلة في طلب العلم وفائدتها وكانت أم علي بن المديني مرتاحة لنصح يحيى القطان لها بالسماح لابنها علي بن المديني بمواصلة الرحلة طلباً للحديث(٢). لم يذكر ابن المديني في رحلته هذه إلى اليمن أنه ذهب أولاً إلى مكة ولا أنه كان بصحبة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فيترجَّح أنها رحلة أخرى. فتصوَّر - رعاك الله - كيف هان عليه قطع هذه المسافات الشاسعة بين العراق واليمن التي لا تَقِلُّ عن مسيرة شهرین ولم تكن هناك طرق معبّدة ولا سیارات ولا طائرات بل ربما كان مركبه الجمال إن لم يكن السفر مشياً على الأقدام، كان يقطع الفيافي المخيفة ما بين تلال وجبال وأسود وذئاب وبين قيظ الصحاري في النهار وبرد الليل، كل هذه المخاطر كانت في نظره هيّنة قليلة في سبيل جمعه لحديث رسول الله اخر والالتقاء بالعلماء وتلقى هذا الشأن عنهم. رحلته إلى الرَّي: تعتبر مدينة الرَّي من أهم المراكز العلمية في بلاد المشرق التي رحل إليها العلماء طلباً للحديث وغيره من العلوم وكان الإمام علي بن المديني حريصاً على أن لا تفوته هذه المراكز فرحل إلى الرَّي للاغتراف من المحدثين الذين يقطنون بها فكتب عن جرير بن عبدالحميد الرازي وغيره فقد قال الإمام البخاري: قال علي: (١) انظر الإرشاد في معرفة علماء الحديث: ٩٧ ب، ١٩٨. (٢) المعرفة والتاريخ: ١٣٦/٢ بتصرف. ١٥٤ (حدثنا جرير بمكة عن منصور (١) عن الحكم(٢) عن عبدالله بن نافع(٣) عن أبيه قلت لعمر : (في الصدقة). ثم سمعته بالرَّي - يعني سمع جريراً - عن منصور عن أبي النضر(٤) عن عبدالله بن نافع، وهو زياد بن النضر)(٥). وذكر البخاري أيضاً عن ابن المديني قوله: (ما خرجنا من الرِّي حتى رمينا بحديث سلمة(٦))(٧) فدلَّ هذان النصَّان على أن ابن المديني قد رحل إلى الرَّي وكتب فيها عن مشايخها واستفاد منهم. رحلته إلى هَمَذان (٨). مدينة همذان أحد المراكز العلمية في بلاد المشرق التي تقصد من قِبَل طلاب الحديث ويرحل إليها، وقد قام الإمام علي بن المديني برحلة إلى همذان وكتب عن مشايخها واستفاد منهم فقد قال ابن المديني عن أبي هشام أصرم بن حوشب قاضي (١) هو أبو عتّاب منصور بن المعتمر السلمي من عُبَّاد أهل الكوفة وقرّائهم وزُهَّاد مشايخها وفقهائهم (مات سنة ١٣١ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ١٦٦ . (٢) هو أبو عمر الحكم بن عتيبة الكندي مولاهم الكوفي الحافظ شيخ الكوفة، (مات سنة ١١٥ هـ). تذكرة الحفاظ: ١١٧/١. (٣) هو أبو جعفر عبدالله بن نافع الهاشمي مولاهم الكوفي مات بعد المائة. التقريب: ٤٥٦/١. (٤) هو أبو النضر زياد بن النضر روى عن محمد بن علي وعبدالله بن نافع وعنه منصور وغيره. الجرح: ٥٤٧/٣. (٥) ت الكبير: ٣٧٦/٣. (٦) هو سلمة بن الفضل الرازي الأبرش مولى الأنصار قاضي الري (مات بعد سنة ١٩٠ هـ). التقريب: ٣١٨/١. (٧) ت الكبير: ٢٠٨/٢، وانظر: الجرح: ١٦٩/٤. (٨) همذان بالتحريك والذال المعجمة وآخره نون، وهمذان وأصبهان أخوان بنى كل واحد منهما بلدة، فتح همذان المغيرة بن شعبة سنة ٢٤ هـ، وكانت أكبر مدينة بالجبال وهي أحسن البلاد وأنزهها وأطيبها هواءً. معجم البلدان: ٤١٠/٥. ١٥٥ همذان(١) قال: (كتبت عنه بهمذان، وضربت على حديثه)(٢) يعني كتب عنه الحديث في أول الأمر ثم لما اتضح له من حاله ما يوجب ترك حديثه ضرب على ما کتب . رحلته إلى مصر: لم أقف في المراجع على أخبار علي بن المديني في مصر ولا تلقّيه عن العلماء بمصر، ولكن أبا أحمد الحسن بن عبدالله العَسْكري(٣) ذكر عن الحسن بن يحيى الأرزِّي(٤) أن الإمام علي بن المديني دخل مصر(٥) ولا شك أن ابن المديني كان حريصاً حرصاً شديداً على التلقي عن جميع العلماء الموجودين في الأقطار. الإسلامية آنذاك، وترجم ابن تغري بردى لابن المديني في النجوم الزاهرة (٦) مما يدل على أن علي بن المديني قد دخل مصر والقاهرة أيضاً - والله أعلم -. هذا ما وقفت عليه من أخبار رحلات الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى إلى الأمصار الإسلامية المختلفة في طلب الحديث، غير أن تواريخ هذه الرحلات والتسلسل الزمني لها كان غامضاً، وذلك لأن المراجع التي وقفت عليها أغفلت بيانها، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) هو أصرم بن حوشب أبو هشام الكندي من أهل همذان قدم بغداد وحدث بها (مات بعد سنة ٢٠٢ هـ)، ت بغداد: ٣٠/٧. (٢) المصدر السابق: ٣١/٧، وانظر: الميزان: ٢٧٣/١. (٣) هو أبو أحمد الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكري أحد الأئمة في الآداب والحفظ، له التصانيف المفيدة (مات سنة ٣٨٢ هـ)، وفيات الأعيان: ٨٣/٢. : (٤) هو الحسن بن يحيى الأرُزِّي عن علي بن المديني، وعنه يحيى بن محمد بن صاعد. الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب لابن ماكولا: ١٥١/١. والأرزي: بفتح الألف وضم الراء وكسر الزاي المشددة نسبة إلى طبخ الأرز. اللباب: ٤٢/١. (٥) تصحيفات المحدثين: ٧٤/١. (٦) انظر: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: ٢٧٧/٢ . ١٥٦ المبحث الثاني: مكانة ابن المديني العلمية: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: إمامته في الحديث ونقد الرجال: لقد حظي علم الجرح والتعديل برجال موهوبين ألمعيين، صنعهم الله تعالى لهذا الشأن، وأقامهم لحفظ دينه، وخدمة حديث رسوله #* وقد بذلوا جهوداً هائلة في حفظ السنة النبوية الشريفة، ومن هؤلاء الرجال الإمام الألمعي الفَذّ علي بن عبدالله المديني، فقد تحمل هذه الأمانة بكل حب وإخلاص، وتفانٍ منقطع النظير، وهو أحد الأئمة المُجْمَع على إمامتهم في حفظ السنة المطهرة وعلومها، قال الإمام النووي في ترجمة ابن المديني: (أجمعوا على جلالته وإمامته وبراعته في هذا الشأن، وتقدّمه على غيره)(١) . وقال تاج الدين السبكي: (علي بن عبدالله المديني الحافظ، أحد أئمة الحديث، ورفعائهم، ومن انعقد الإجماع على جلالته وإمامته)(٢)، وقد وصفه الذهبي بأنه أمير المؤمنين في الحديث فقال في ترجمته: (الشيخ الإمام الحجة، أمير المؤمنين في الحديث)(٣). وقد ذكر العلماء الإمام علي بن المديني فيمن تصدَّى للكلام في الرواة جرحاً وتعديلاً قال الحافظ ابن كثير: (إن أول من تصدَّى للكلام في الرواة شعبة بن الحجاج، وتبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم تلامذته أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وعمرو بن الفَلَّاس، وغيرهم)(٤). (١) تهذيب الأسماء واللغات: ٣٥٠/١. (٢) طبقات الشافعية الكبرى: ١٤٥/٢. (٣) السير: ٤١/١١، ٤٢. (٤) اختصار علوم الحديث لابن كثير مع شرحه الباعث الحثيث لأحمد شاكر: ص ٢٤٣، وانظر أيضاً: الميزان: ٢،١/١، وفتح المغيث: ٣٥٢/٣. ١٥٧ وذكر الخطيب بسنده إلى أبي قدامة السرخسي(١) قال: سمعت علي بن المديني يقول: (رأيت فيما يرى النائم كأنَّ الثريًّا تدلّت حتى تناولتها)، قال أبو قدامة : فصدق الله رؤياه، بلغ في الحديث مبلغاً لم يبلغه أحد(٢). فانظر كيف جعل الله سبحانه وتعالى رؤياه حقاً قد أصبح بحرصه البالغ وعنايته الفائقة في مضمار حفظ السنة، أصبح شمساً دائم البزوغ والإشراق على الناس بحفظه القوي، واطلاعه الواسع، وعلمه الغزير. وقد شهد العلماء والنقاد في مختلف العصور لعلي بن المديني بالتقدم والفضل والإمامة، واعترفوا له بالمعرفة الواسعة والسبق في هذا الميدان وأكثُوا له في نفوسهم الود والتقدير فممن شهد له بذلك من شيوخه الإمام عبد الرحمن بن مهدي حيث يقول: (علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله و الغير وخاصة بحديث سفيان بن عيينة)(٣). ومن شيوخه الذين شهدوا له بالإمامة والتقدم أيضاً الإمام أبو عبيد القاسم بن. سلام إذ يقول: (انتهى العلم إلى أربعة، إلى أحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه، وإلى علي بن المديني - وهو أعلمهم به-، وإلى يحيى بن معين وهو أكتبهم له، وإلى أبي بكر بن أبي شيبة وهو أحفظهم له)(٤). والمراد بالعلم هنا علم الحديث لِمَا ورد في بعض روايات هذا النص بأنه قال: (انتهى الحديث إلى أربعة ... )(٥) - والله أعلم -. ويقول أبو عبيد أيضاً: (ربَّانيو الحديث أربعة: فأعلمهم بالحلال والحرام (١) هو أبو قدامة عبيدالله بن سعيد بن يحيى اليشكري السرخسي نزيل نيسابور ثقة مأمون (مات سنة ٢٤١ هـ). التقريب: ٠٥٣٣/١ (٢) ت بغداد: ٤٦١/١١، وت الكمال: ٩٧٩/٢، والسير: ٤٦/١١. (٣) ت بغداد: ٤٦٠/١١، وت الكمال: ٩٧٩/٢، تذكرة الحفاظ: ٤٢٨/٢. (٤) تقدمة الجرح: ص ٢٩٣، وتذكرة الحفاظ: ٠٤٣٣/٢ (٥) ت بغداد: ٦٩/١٠ وانظر: ت الكمال: ١٢٩/١. ١٥٨ أحمد بن حنبل، وأحسنهم سياقة وأداء له علي بن المديني، وأحسنهم وضعاً لكتاب ابن أبي شيبة، وأعلمهم بصحيح الحديث وسقيمه يحيى بن معين)(١). وممن شهد له بالرئاسة في الحديث من شيوخه الإمام عبدالرزاق بن همَّام الصنعاني، فيقول رحمه الله: (رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء الحديث: الشاذكوني وكان أحفظهم للحديث، وابن المديني وكان أعرفهم باختلافه، ويحيى بن معين وكان أعلمهم بالرجال، وأحمد بن حنبل وكان أجمعهم لذلك)(٢) فهذه شهادة عظيمة من شيخه هذا ومن جهابذة أهل العلم بالحديث بالتقدم والمعرفة، وقد شهد له بالتقدم في هذا الشأن أيضاً من معاصريه محمد بن سعد كاتب الواقدي، إذ يقول: (كأن علي بن المديني خُلِق للحديث)(٣). وكذلك تلامذة علي بن المديني شهدوا له بالإمامة والنبوغ في هذا الشأن فهذا عين عيون أهل الحديث تلميذه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري يقول عنه: :(كان أعلم أهل عصره)(٤) فقد قدَّمه في العلم على علماء عصره جميعاً. وهذا أبو حاتم الرازي يقول: (الذي كان يحسن صحيح الحديث من سقيمه، وعنده تمييز ذلك، ويحسن علل الحديث، أحمد بن حنبل ويحيى بن ( معين، وعلي بن المديني. وبعدهم أبو زرعة كان يحسن ذلك، قيل له: فغير هؤلاء تعرف اليوم أحداً؟ قال: لا)(٥). وهذا أبو علي صالح بن محمد جزرة يقول: (ما رأيت أحداً أعلم بحديث البصرة من عبيدالله بن عمر القواريري، ومن علي بن المديني، وإبراهيم بن عرعرة(٦)) . (١) ت بغداد: ٦٩/١٠، وتاريخ دمشق: ٩٩/١٨ أ، وتدريب الراوي: ص ٥٤٤. (٢) شرح علل الترمذي: ص ١٨٣، والمنهج الأحمد: ٦٩/١. (٣) التهذيب: ٣١٥/٥. (٤) التهذيب: ٣٥٦/٧. (٥) الجرح: ٢٣/٢، وانظر: شرح علل الترمذي: ص ١٩١. (٦) هو الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عرعرة بن البرند السامي البصري (مات سنة ٢٣١ هـ). تذكرة الحفاظ: ٤٣٥/٢. ١٥٩ = وفضّله الإمام أبو داود على الإمام أحمد في العلم باختلاف الحديث إذ يقول: (ابن المديني أعلم من أحمد باختلاف الحديث)(١). وقال إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد: (أفخر على الناس برجلين بالبصرة: أحمد بن المعدل(٢) يعلّمني الفقه، وعلي بن المديني يعلّمني الحديث)(٣) وقال أبو عمر الطَالْقَاني(٤): (رأيتهم يقولون: الناس عندنا أربعة: أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبدالله بن نمير، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وسمعتهم يقولون: محمد بن نمير ريحانة الكوفة، وأحمد قرة عين الإسلام، وابن المديني: أعلم علماء آثار رسول الله وَّر وابن معين أعلم برواته، وأكثر علم آثار رسول الله (*)(٥). وهذا النقل المشبع بالثناء على عَلِيّ بن المديني ومن ذكر معه من أعيان أهل العلم عن مجموعة كبيرة من الناس هو نقل للرأي السائد آنذاك في هؤلاء الأئمة الأعلام من غير نكير من أحد منهم، يدل على أحقية ما وصف به هؤلاء الرجال من إخلاص في العلم وحفظ لسنة رسول الله وَّة . وقال أبو عبد الرحمن النسائي: (كأنَّ الله خلق علي بن المديني لهذا الشأن)(٦): وقال مرة: (خلق للحديث)(٧). وانظر النص فى ت بغداد: ٣٢٢/١٠، وانظر: تذكرة الحفاظ: ٤٣٩/٢. (١) ت الكمال: ٩٨٠/٢، وانظر: تذكرة الحفاظ: ٤٢٨/٢. (٢) هو أبو الفضل أحمد بن المعذل - بذال معجمة مفتوحة - بن غيلان البصري الفهدي من أئمة المالكية (مات سنة ٢٤٠ هـ). ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض: ٥٥٠/١، وانظر: شذارت الذهب: ٩٥/٢ ووقع فيه ((المعدل)) بالدال المهملة والتصويب من ترتيب المدارك وتبصير المنتبه :: ٤ /١٢٩٩. (٣) طبقات الفقهاء: ص ١٦٤. (٤) هو أحمد بن أحمد بن محمد بن عبيدالله الطالقاني قدم بغداد سنة ٣٢٢ هـ، ت بغداد: ٠٣/٤ والطالقاني: يفتح الطاء وسكون اللام وفتح القاف وبعد الألف نون، نسبة إلى الطالقان بخراسان، وهي بلدة بين مرو الروذ ويلخ مما يلي الجبل. اللباب: ٢٦٩/٢. (٥) شرح علل الترمذي: ص ١٨٨ . (٦) ت بغداد: ٤٦١/١١، والسير: ٤٦/١١، وتذكرة الحفاظ: ٤٢٨/٢. (٧) التهذيب: ٣٥٦/٧. ٠١٦٠