Indexed OCR Text

Pages 1-20

7
-
ـSa
7
3
وَمَنْهُجُهُ فِى نَقْدِالرِّجَالِ
أَبُو الحَسَن عَلىّبن عَبْدُ اللَّه بنْ جَعْفَى المَدِيْنِ السَّعْدِيّ
(١٦١ - ٢٣٤ هـ)
تَأليفٌ
إكرام التد اجداد الحقّ
دَارُ الَِّ الإسْلامِيَّة

هذا اللّه
٧
رسالة علمية حصل بها المؤلف على درجة الماجستير من كلية
الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى بمكة المكرمة بتقدير ((ممتاز
مع التوصية بطبع الرسالة لتعم الفائدة منها)) ونوقشت في
١٤٠٨/٧/١٨ هـ وأعضاء لجنة المناقشة هم:
١ - فضيلة الدكتور أحمد محمد نور سيف.
٢ - فضيلة الدكتور الشريف منصور بن عون العبدلي.
٣ - فضيلة الدكتور عويد بن عياد المطرفي .

كلمة المناقش الأول
فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد محمد نور سيف
عن أهمية البحث وجِئَّتِه في موضوعه
بِسْمِ اللهِالرَّمِالرَّحَّةِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فيسعدني أن أشارك في مناقشة هذه الرسالة التي تناولت علماً من
أعلام الإسلام وأعلام المحدثين وأعلام النقاد، علي بن المديني رحمه الله تعالى،
ولقد كنت أتوق إلى مثل هذه الدراسات الجادة التي تتناول هؤلاء الأعلام، وتكشف
جانباً من حياتهم وجهودهم، وما بذلوه في خدمة السنة النبوية، وطالما شجّعنا أبناءنا
على تسجيل رسائلهم في دراسة هذه الشخصيات.
وفي الواقع أن هذه الجهود قد بُدئت منذ زمن فكتبت رسائل في عدد من
هؤلاء الأعلام، وهذه الكتابات تتفاوت من كاتب إلى كاتب آخر من حيث جهد
الطالب، ومستواه العلمي، ورغبته ومدى سعة اطلاعه، ورغبته في إنجاز العمل
العلمي على الوجه المطلوب، لهذا كانت هذه الرسائل تتفاوت، وهذا أمر طبيعي،
ولئن تفاوتت هذه الرسائل فيما قدم فيها من عمل علمي فإن بعض هذه الرسائل
تستحق منا التكريم والتشجيع على ما بذل فيها من جهد علمي رصين. والرسالة
التي بين أيدينا والتي استمعنا فيها من الطالب إلى عرض لما أنجز فيها من أبواب
ومباحث ومطالب في رحلة علمية طويلة استغرقت من الطالب جهوداً مضنية في مدة
زمنية إذا قيست بالجهد العلمي المبذول فإنها تتقاصر عن هذا الجهد مما يدل على
أن الطالب قد استفرغ كل طاقاته في خدمة هذه الرسالة وفي إنجازها.

وفي الواقع أنه لا يستطيع أن يتصور الجهد الذي يبذل في مثل هذه الرسائل
إلا من عايش مثل هذه الأعمال وجرّبها، فالآن بين يديكم مجلدان لكن يا ترى
هذان المجلدان ما الذي بذل فيهما؟ ما هي الأوقات التي صرفت فيهما؟ كيف
جمعت المادة؟ كيف رتيت، كيف نقحت، كيف استنتجت منها الأفكار، كيف
رتبت، كيف صيغت؟ كل أولئك أمور ما نتصور الآن مدى الجهد العلمي الذي
يطلب في مثل هذا العمل، لقد كنت أسمع من بعض الأشخاص الاستهانة.
والاستخفاف بمثل هذه الأعمال، شخصية علمية يكتب عنها بمعنى تجمع
القصاصات من هنا وهناك وكتب التراجم فيها المعلومات المطلوبة وبالتالي فالكتابة
في العلم سهلة ميسورة، ولكن لو رجعنا إلى ترجمة علي بن المديني مثلاً في كتب
الرجال وفي كتب النقد وحاولنا أن نجمع الصفحات التي ضمت هذه الترجمة لما
وجدنا هذه الصفحات قد تعدو العشرات، فكيف تجمعت هذه المادة إذاً؟ تجمعت
هذه المادة بكثرة القراءة وبكثرة التتبع، يقرأ الإنسان تاريخ بغداد من أوله إلى آخره
ليستفرغ منه المادة التي ينشدها، يقرأ تهذيب التهذيب، يقرأ الميزان ويقرأ اللسان،
ويقرأ كتباً كثيرة من كتب النقد ومن كتب الجرح والتعديل، بل ومن التراجم والكتب
التي لا تتصل بحياة هذا الرجل، وإنما تتصل بحياة أقرانه علّ أن يكون هناك في ثنايا.
الحديث عن أولئك الرجال ما يتصل بشخصيته، هذا الجهد ليس بالأمر السهل، لا
يعرف الوجد إلا من يكابده.
بذل الطالب جهداً كبيراً في هذا العمل، جمع المادة صنفها بوّبها، وذلك
بعد استقراءات طويلة من نصوص، يقرأ النص مراراً وتكراراً ليستنطق تلك
النصوص ما توحي به من أفكار قريبة وبعيدة، وربما استغلق عليه فهم النص في
بعض المواطن فلم يستطع التغلب عليه إلا بعد أن ينضم إلى هذا النص نصوص
أخرى.
هذه المعاناة أذكرها بالذات في هذا الوقت؛ لأن هذا الوقت مناسب للتنبيه.
إلى أهمية هذه الرسائل وضرورة الإقبال عليها الإقبال على الكتابة في مثل هذه
الموضوعات.
٦

وفي الواقع أنني بعد أن قرأت هذه الرسالة واستمتعت بالمادة العلمية التي
فيها أذكى في نفسي ذلك أننا بدأنا نقرب من وضع منهج متقارب يصور لنا مناهج
النقاد في تلك الحقبة من الزمن، هذه الحقبة هي العصور الذهبية لنقاد الحديث،
مدرسة علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل والمدرسة التي قبلهم
والمدرسة التي بعدهم هذه المدارس في الواقع قد تكون مدارس وقد تكون مدرسة
قد تتقارب المناهج وقد تفترق وقد تختلف، ولكن لا يمكن أن نتصور أو أن نستطيع
أن نلم بتلك المناهج في إطار عام محدد إلا بمثل هذه الدراسة التي تقدم بها هذا
الطالب . ..
وفيما يلي إجمال لما تميّزت به هذه الرسالة من المحاسن العلمية :
أولاً: استهدف الدارس جمع المادة العلمية التي تتصل بهذه الشخصية وبذل
في ذلك جهداً كبيراً.
ثانياً: بذل جهداً آخر في محاولة الاستفادة من هذه النصوص ووفق في الكثير
من ذلك.
ثالثاً: ووفق أيضاً في ترتيب المادة وصياغتها وحقق في ذلك نجاحاً كبيراً.
رابعاً: تعد هذه الرسالة من الدراسات الرائدة في هذا الباب وستخدم
المشتغلين في هذا التخصص.
خامساً: استفرغ الطالب جهده في خدمة هذه الرسالة من الجانب العلمي
ومن الجانب الترتيبي الفهرسي ومن الجانب التنظيمي الشكلي ويتجلى ذلك في
هذين المجلدين(١).
(١) الرسالة المقدمة إلى الكلية والمنسوخة على الآلة الكاتبة كانت في مجلدين من (٨٧٨)
صفحة .
٧

كلمة المناقش الثاني
فضيلة الدكتور الشريف منصور بن عون العبدلي
في الإشادة بالبحث والثناء على الباحث
اللَّهُ الرّحمنِ الرَّحَيَّمِ
بشـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين
والآخرين وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأتباعه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فقد قرأت هذه الرسالة التي تقدم بها الشيخ إكرام الله إمداد الحق
لنيل درجة الماجستير فألفيتها رسالة قد بذل فيها الباحث جهداً كبيراً يستحق عليه
الشكر والتقدير والإكرام، وقد أعجبني في الباحث أنه التزم المنهج السليم في
إعداد رسالته، والتزم الباحث المنهج السليم في المصادر الأصلية التي اعتمد
عليها، وقرأها صفحة صفحة حتى وصل إلى هذه النتائج التي رأيناها في إعداد هذه
الرسالة، والتزم الباحث المنهج السليم في تنسيق هذه المعلومات التي جمعها،
وفي حسن عرضها، وفي حسن صياغتها الصياغة اللائقة بها، والتزم فيها المنهج
السليم في مناقشة القضايا التي تحتاج إلى إعمال فكر واستنباط، وأعجبني في
الرسالة عناية الباحث أيضاً بضبط النصوص القرآنية كما أعجبني أيضاً عنايته بضبط
المشتبه من الأسماء والكنى والألقاب وغير ذلك، كما أعجبني أيضاً عنايته ببيان
الألفاظ الغريبة في الحديث، وعنايته بتراجم الأعلام ...
وأشكر الطالب على هذا الجهد العظيم الذي بذله في إعداد هذه الرسالة،
وإني أتفق مع فضيلة الشيخين الجليلين على أن هذه الدراسة التي قام بإعدادها
الطالب هي تعتبر من الدراسات الرائدة في هذا المجال، وأسأل الله العظيم أن يزيد
٨
:

الطالب من فضله، وأن يوفق زملاءه إلى العمل الذي عمله، والجهد الذي بذله،
والصبر الذي صبر عليه في تتبع تلك الصفحات الكثيرة من المصادر التي يصل
عددها الشيء الكثير، فإن المادة العلمية التي جمعها الطالب ليست بالأمر الهين،
والمعاناة التي لقيها يعلمها كل من عانى مثل هذه البحوث.
٩

كلمة المشرف على إعداد البحث
فضيلة الدكتور عويد بن عياد المطرفي
في تقديم البحث والباحث في مجلس المناقشة
بِسْمِاللهِ الرَّمِ الرَّحْيَِّ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبدالله ورسوله الأمين سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فإنه ليسعدني في هذا اليوم المبارك وفي هذا المجلس العلمي الباهي
أن أقدم لكم إخوتي الحاضرين كلمة موجزة عن البحث والباحث اللذين نزفهما بين
أیدیکم هذا اليوم.
أما الباحث فهو الشيخ إكرام الله بن إمداد الحق الذي تخرج من هذه الجامعة في
مرحلة البكالوريوس، ثم كان الأول على دفعته في النجاح من السنة المنهجية
بالدراسات العليا الشرعية بفرع الكتاب والسنة، وهو أيضاً أحد شيوخ وأساتيذ
تدريس القرآن الكريم بجماعة تحفيظ القرآن بمكة المكرمة، عرفته منذ أن أخيل
إليّ لمساعدته في اختيار موضوع رسالته للماجستير، ثم طوال مدة جمع مادتها
العلمية قراءة وعرضاً إعداداً وتجهيزاً كتابة وقراءة ومراجعة فألفيته طالباً ممتازاً حريصاً
على اكتساب العلم والمعرفة بكل وسيلة لا يدع شاردة ولا واردة أوجّهه إليها إلا دوّنها.
في بطاقاته الكثيرة وانتفع بها، ولا كتاباً أو موضوعاً نصحته باقتنائه أو بقراءته أو
بالرجوع إليه أو بتحضير معلومة منه إلا أسرع إلى ذلك وقام بالمطلوب منه والموجّه
إليه بجد وإخلاص وهذه سمة طلاب العلم الأذكياء الذين يحرصون على اقتناص
الفوائد العلمية وتدوينها، كما أنه يتمتع بأدب جم وتواضع طيب وخلق إسلامي
كريم ولا أزكي على الله أحداً، زاده الله من فضله ونفع به الإسلام والمسلمين.
١٠

وأما البحث فإنه بعنوان ((علي بن المديني ومنهجه في نقد الرجال)) وعلي بن
المديني علم من أعلام الفكر الإسلامي الأصيل، وشيخ من شيوخ السنة النبوية
المطهرة، وبحر من بحور العلم الإسلامي الخالد حمى الله به وبمن كانوا على مثل
ما هو عليه من السنة حمى أحاديث رسول الله وغير من تحريف الغالين وزيف
المبطلين، كان علي رحمه الله شمساً من شموس السنة المطهرة، استمد علمه بها
من علم شموس أضاءوا الدنيا قبله وتلقاه منه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه من
نشر السنة وقمع البدعة، فكانوا - بفضل الله - شموساً وأقماراً استضاءت بهم الدنيا
ونشر بجهودهم علم وفضائل هذا الدين الحنيف رحمهم الله رحمة واسعة.
وقد بذل الطالب جهداً مشكوراً في جمع ما تبعثر في بطون الكتب من أخبار
علي بن المديني ما قاله علي في الرجال من نقد أو ثناء، وما قاله أهل العلم في
علي أيضاً ثم صاغ هذا الطالب من كل ذلك رسالته العلمية هذه في أسلوب عربي
بارع مستقيم يدل على اعتدال في الفكر واستنارة في الفهم وتمحيص في البحث
وموضوعية صدق في الحكم.
١١

مقَدّمة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم
سلطانه، حمداً يوافي نعمه ويكافىء مزيده، والصلاة والسلام على النبي المصطفى
الأمين، خير خلق الله وخاتم رسله أجمعين، وعلى آله وصحبه الذين ساروا على
هديه واقتفوا منهجه القويم، ومن تبعهم بإحسان وتأسَّى بهم في حفظ الهدي النبوي
الكريم .
أما بعد، فقد منّ الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين بأن أنزل كتابه
الحكيم، هداية مبيّنة تنير للناس سبل السعادة في دنياهم وأخراهم، وجعله أعظم
رسالة سماوية وأعلاها مكانة، وأجلّها معجزة، تخلد إلى يوم القيامة، فكان هو
المصدر التشريعي في الإسلام، وقد تولى الله تعالى حفظ هذا الكتاب الكريم بقوله
عز من قائل: ﴿إنا نحن نزَّلنا الذِكر وإنَّا له لحفظون﴾(١)، وهذه المكرمة الإلهية
بالحفظ والصيانة كانت مزية للقرآن الكريم على سائر الكتب السماوية، إذ أوكل الله
تعالى حفظها إلى العلماء، قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التَّوْرَانة فیھا هُدی ونور یحکم بِها
النَّبُّون الذِينَ أسلموا للَّذين هادُوا والرِّبْنيون والأحبار بما استحفظوا من كتب الله
وكانوا عَليه شُهداءً﴾(٢) الآية. وقد شرَّف الله عز وجل بهذا القرآن الكريم نبيه
محمداً وأعطاه السنة مبيّنة للقرآن، مفصّلة لمجمل أحكامه، شارحة ما يحتاج
إلى الشرح منه، فقال عز من قائل - وهو أصدق القائلين -: ﴿وَأنزلنا إليك الذكر
(١) سورة الحجر، آية ٩.
(٢) سورة المائدة، آية ٤٤.
١٣

لتبين للنَّاسِ ما نُزِّل إليهم ولعلَّهم يتفكّرون﴾(١)، وقال سبحانه في آية أخرى: ﴿وما
أنزلنا عليك الكِتَبَ إلَّ لتُبيِّن لهم الَّذي اختلفوا فيه وهدى ورحمةً لقوم يؤمنون﴾(٢)
ففي هاتين الآيتين الكريمتين بيان أن وظيفة رسول الله صلار هي تبيان هذا الكتاب
الكريم، وتوضيحه، وقد بيّن النبيُّ ◌َ﴿ أيضاً منزلة السنة من القرآن الكريم فقال
عليه الصلاة والسلام فيما روى عنه المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه: ((ألا إني
أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته(٣) يقول: عليكم بهذا
القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه ... ))
الحدیث(٤).
وجاء في آخر رواية أخرى لهذا الحديث عنه أن رسول الله وَ له قال: ((.
وإنّ ما حرّم رسول اللهِ وَ﴿ كما حرَّم الله))(٥)، وروى الدارمي(٦) بسنده إلى حسَّان(٧)
قال: (كان جبريل ينزل على النبي ◌َّه بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن)(٨) فالسنة إذاً
(٢) سورة النحل، آية ٦٤.
(١) سورة النحل، آية ٤٤.
(٣) الأريكة سرير في حجلة، والحجلة ستر يضرب للعروس في جوف البيت، انظر: لسان
العرب للعلامة ابن منظور الإفريقي: ٣٨٩/١٠، وانظر أيضاً: المعجم الوسيط: ١٥٨/١.
(٤) رواه أبو داود في سننه: ١٠/٥ في كتاب السنة باب في لزوم السنة، ورواه أيضاً الإمام
أحمد في مسنده بنحوه: ١٣١/٤.
(٥) رواه الترمذي في سننه: ٣٨/٥ في العلم باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث
رسول الله #، ورواه أيضاً ابن ماجه في سننه بنحوه: ٦/١ في المقدمة باب تعظيم حديث
رسول الله ﴿ والتغليظ على من عارضه، ورواه أيضاً أحمد في مسنده بنحوه: ١٣٢/٤،
ورواه أيضاً الدارمي في سنته بنحوه: ١٤٤/١ في المقدمة باب السنة قاضية على كتاب الله.
(٦) هو الإمام الحافظ أبو محمد عبدالله بن عبدالرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي الدارمي
السمرقندي (مات سنة ٢٥٥ هـ). انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٥٣٤/٢.
والدارمي: بفتح الدال وسكون الألف وكسر الراء وبعدها ميم هذه النسبة إلى دارم بن مالك
بطن كبير من تميم. اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير: ٤٨٤/١.
(٧) هو أبو بكر حسان بن عطية المحاربي مولاهم الدمشقي روى عن أبي أمامة وعنبسة بن أبي
سفيان وغيرهما، وروى عنه الأوزاعي والوليد بن مسلم وغيرهما كان من أفاضل أهل زمانه
(مات سنة ١٢٠ هـ). انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني: ٢٥١/٢.
(٨) أخرجه الدارمي في سننه: ١٤٥/١، في المقدمة باب السنة قاضية على كتاب الله.
والحديث مرسل؛ لأن حسان بن عطية تابعي قد أضاف هذا الأثر إلى النبي ◌َّار والله أعلم.
١٤

وحي من الله تعالى، ومعلوم أن النبي ◌َل#، ــ وهو الصادق المصدوق -لم یکن يأتي
بشيء من عند نفسه، بل كل ما يأتي به من تشريع موحى من عند الله سبحانه
وتعالى، قال تعالى: ﴿وما ينطقُ عن الهوىُ، إن هُو إلَّ وحي يوحى﴾(١) لذلك
أوجب الله تعالى علينا طاعة رسوله و # كما أوجب علينا طاعته جلّ وعلا، وحذرنا من
معصيته فقال تبارك وتعالى: ﴿وما ءاتكم الرَّسُولُ فخذوه وما نَهكم عنه فانتهوا﴾(٢)
الآية، وقال تعالى: ﴿فليحذرِ الَّذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنةٌ أو يصيبهم
عذابٌ أليمٌ﴾(٢)، بل جعل الله تعالى طاعة الرسول وَلفر من طاعته قال تعالى: ﴿من
يُطعِ الرَّسول فقد أطاع اللَّهَ﴾ الآية (٤)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وروى أبو
داود وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (صلى بنا رسول الله وَل
ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها
القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنَّ هذه موعظة مودّع فما تعهد إلينا؟ قال:
((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم
بعدي، فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين،
وتمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ(٥)، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة
بدعة، وكل بدعة ضلالة)))(٦) فيتضح لنا من هذا الحديث أن الرسول ﴿ قد دعانا
أيضاً إلى الأخذ بهديه في كل شيء، واتباع سنته ولزومها.
(١) سورة النجم، آية ٣، ٤.
(٣) سورة النور، آية ٦٣.
(٢) سورة الحشر، آية ٧.
(٤) سورة النساء، آية ٨٠.
(٥) النواجذ جمع ناجذ وهي أقصى الأضراس وأواخر الأسنان. انظر: لسان العرب: ٥١٣/٣،
٥١٤.
قال أبو سليمان الخطابي: ((إنما أراد بذلك الجد في لزوم السنة، فعل من أمسك الشيء بين
أضراسه، وعض عليه منعاً له أن ينتزع».
انظر: معالم السنن للخطابي: ١٢/٧.
(٦) سنن أبي داود: ١٣/٥ في السنة باب في لزوم السنة، وسنن الترمذي بنحوه: ٤٤/٥ في
العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، وسنن ابن ماجه بنحوه: ١٠/١ في
المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ومسند أحمد بنحوه: ١٢٦/٤، وسنن
الدارمي بنحوه: ٤٤/١ باب اتباع السنة.
١٥

وعلى هذا فالسنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد
القرآن الكريم بأمر الله تعالى وأمر رسوله في﴿ وكما قرَّر ذلك علماء الإسلام
رحمهم الله تعالى في مدوَّناتهم.
ولما كان للسنة النبوية هذه المكانة العظمى عنيت الأمة الإسلامية بها العناية
التامة فقدّروها حق قدرها ورعوها حق رعايتها، وبالغوا في المحافظة على حديث
رسول الله *. وهذه العناية الفائقة وتلك الرعاية التامة كانت من مميزات السنة
النبوية الشريفة، وخصوصية من خصوصياتها .
وبقيت السنة صافية نقية حتى وقعت الفتنة ثم ظهر الكذب على
رسول الله ﴿ وظهر - إلى جانب ذلك - الخلل في ضبط الحديث وحفظه من بعض
الرواة نتيجة الغفلة والنسيان، فهبَّ فريق من النقّاد الأمناء، وانبرى الجهابذة(١)
الفضلاء للدفاع عن سنة النبي ◌َله وتنقيتها من الدخيل، فبدأوا يبحثون عن
الإسناد(٢)، ويتبعون أحوال الرواة. يقول محمد بن سيرين رحمه الله فيما يرويه عنه
الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة
قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل
البدع فلا يؤخذ حديثهم)(٣)، وقيل للإمام عبدالله بن المبارك: (هذه الأحاديث
المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة)(٤). فقد بذل هؤلاء الجهابذة النقاد من
المحدثين جهوداً مشكورة مأجورة إن شاء الله في المحافظة على السنة من كيد
الكائدين، وتمييز الخبيث من الطيب، فكان من ثمار هذه الجهود المباركة بروز
علم نقد الرجال أو علم الجرح والتعديل(٥)، وهو علم يعتبر عماد علوم السنة،
(١) الجهابذة جمع الجهاذ وهو النقّاد الخبير بغوامض الأمور والمراد هنا فحول علماء السنة
النبوية المشرفة. انظر: المعجم الوسيط: ١٤١/١.
(٢) الإسناد هو رفع الحديث وعزوه إلى قائله مسنداً، أو سلسلة الرجال الموصلة للمتن. انظر:
لسان العرب: ٢٢١/٣، وانظر: تيسير مصطلح الحديث للدكتور الطحان: ص ١٥.
(٣) مقدمة صحيح مسلم: ١٥/١.
(٤) الكفاية في علم الرواية للخطيب: ص ٨٠.
(٥) انظر: تعريف هذا العلم في ص: ٢٨٧.
١٦

وثمرة علم دراية الحديث، وهو من أهم ما يعنى به أهل الأثر. يقول ابن أبي حاتم
مبيِّناً أهمية هذا العلم ومشروعيته: (فلما لم نجد سبيلاً إلى معرفة شيء من معاني
كتاب الله، ولا من سنن رسول اللّه ◌َله إلا من جهة النقل والرواية وجب أن نميز بين
عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والتثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة
والوهم، وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة، ولما كان الدين هو
الذي جاءنا عن الله عز وجل، وعن رسوله صل# بنقل الرواة حق علينا معرفتهم،
ووجب الفحص عن الناقلة والبحث عن أحوالهم)(١).
ويقول الدكتور محمد محمد أبو زهو رحمه الله في كتابه ((الحديث
والمحدثون))(٢) ما نصه: (وقد أطبق العلماء على وجوب كشف حال الضعفاء
والكذابين من الرواة، وإقامة النكير عليهم صيانة للدين، فالكلام على جرح الرواة
وتعديلهم أمر واجب على المسلمين، وقد دلَّت قواعد الشريعة الغراء على أن
حفظها فرض كفاية، ولا يتأتّى حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو
واجب).
ويقول الدكتور محمد مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه ((السنة ومكانتها
في التشريع الإسلامي))(٣) مشيداً بجهود العلماء الجبَّارة في مجال النقد يقول: (لا
يستطيع من يدرس موقف العلماء - منذ عصر الصحابة إلى أن تمَّ تدوين السنة - من
الوضع والوضاعين وجهودهم في سبيل السنة، وتمييز صحيحها من فاسدها، إلا أن
يحكم بأن الجهد الذي بذلوه في ذلك لا مزيد عليه، وأن الطرق التي سلكوها هي
أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا
رحمهم الله هم أول من وضعوا قواعد النقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين
أمم الأرض كلها، وأنَّ جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال، وتتيه به على
الأمم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم).
(١) تقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ص ٥.
(٢) الحديث والمحدثون لمحمد محمد أبو زهو: ص ٤٥٤.
(٣) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي: ص ٩٠.
١٧

فقد تبيّن من نصوص هؤلاء العلماء مدى أهمية نقد الرجال، وتظهر منها
ضرورة الاعتناء بهذا العلم الجليل صوناً للشريعة وحفظاً للسنة.
وبعد أن عرفنا فيما سبق ذكره هذه الأهمية وتلك المكانة العظمى للنقد
يحسن بنا الدخول إلى موضوع بحثنا هذا وذلك ببيان أسباب اختياري لهذا
الموضوع الهام والحوافز التي دفعتني إلى اختياره من دون سائر المواضيع
المختلفة .
أسباب اختيار الموضوع:
لما كان المطلوب ممن يريد الحصول على درجة العلمية العالمية ((ماجستير))
أن يكتب رسالة علمية في مجال تخصصه، فقد استشرت أهل الاختصاص من:
أساتذتي المخلصين الكرام وغيرهم، وبعد أخذ رأيهم وتشجيعهم لي استخرت الله.
تعالى، واخترت موضوعاً بعنوان ((علي بن المديني ومنهجه في نقد الرجال)) والذي
دفعني وشجَّعني على اختيار هذا الموضوع دون سواه الأسباب التالية:
١ - الأهمية البالغة لنقد رجال الحديث ورواة الأخبار نقداً علمياً متمخصاً.
للتمييز بين صحيح الحديث وسقيمه لئلا يدخل في الإسلام ما ليس منه، على ما
سبق بيان أهمية هذا الفن فيما مضى.
٢ - بالنظر إلى نشأة النقد وتطوّره، وإلى أعلام النقاد في كل عصر نجد أن
الإمام علي بن عبدالله المديني رحمه الله كان أحد أولئك الأعلام الذين أسهموا.
إسهاماً فعَّلاً بجهودهم العظيمة في سبيل المحافظة على السنة النبوية، فقد كان
رحمه الله غزير العلم بالسنة النبوية بجميع علومها وفنونها، وكان ذا دراية واسعة
برجال الحديث وخبرة شاملة بعلله ودقائقه، ناقداً بصيراً حتى فاق علماء عصره،
وحاز الرتبة المتقدمة بين أقرانه وشيوخه.
٣ - عندما قسَّم الإمام الذهبي النقاد إلى ثلاثة أقسام: قسم تكلموا في أكثر
الرواة، ومثّل لهذا القسم بابن معین وأبي حاتم الرازي، وقسم تكلموا في کثیر من
الرواة ومثَّل لهذا القسم بمالك وشعبة، وقسم تكلموا في الرجل بعض الرجل،
١٨

ومثّل لهذا القسم بابن عيينة والشافعي. لم يذكر الذهبي ابن المديني في أي قسم
من تلك الأقسام.
وكذلك لما قسَّم الذهبي هؤلاء النقاد مرة أخرى إلى ثلاثة أقسام أُخَر: قسم
متشدّد، وقسم متساهل، وقسم معتدل في النقد، ومثّل لكل قسم منها ببعض
النقاد؛ لم يذكر الذهبي أيضاً ابن المديني في أي قسم منها(١).
فأوجد إغفال الذهبي لذكر اسم ابن المديني في هذه التقسيمات عندي رغبة
في الكشف عن منهج ابن المديني في النقد لمعرفة ما إذا كان رحمه الله يعد من
القسم الأول أو الثاني أو الثالث في كل من التقسيمين السابقين، علماً بأن أحداً لم
يقم - حسب علمي - بدراسة منهج ابن المديني في نقد الرجال، دراسة تقوم على
الدقة والتمحيص والاستقصاء في جمع أقواله في نقد الرجال، قبل هذه الدراسة
على النحو الذي قمت به في هذا البحث والحمد لله.
٤ - على الرغم من أن الإمام علي بن المديني كان يتمتع بعلو مكانته بين
معاصريه، ورسوخ قدمه في ميدان علم الحديث ومصطلحه، لم يحظ رحمه الله
- فيما وقفت عليه - بترجمة وافية شاملة تؤرخ لجميع جوانب حياته، وتوضح معالم
شخصيته، إلا ما كان من الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في مقدمة كتاب
العلل لعلي بن المديني، وما فعله الدكتور لا يعدو ترجمة موجزة قدَّمها بين يدي
كتاب ((العلل)) الذي قام بتحقيقه. لذلك أردت أن أسدَّ هذه الثغرة، وأقوم بدراسة
حياة الإمام علي بن المديني دراسة موضوعية شاملة تبرز معالم شخصيته، وتكشف
عن جوانب حياته، دراسة تقوم على التعمق والدقة والأمانة.
هذه هي أهم الأسباب والحوافز التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع
المهم.
(١) انظر: ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي: ص ١٥٨ - ١٥٩ تحقيق عبدالفتاح
أبو غدة.
١٩

منهج البحث الذي سرت عليه :
لما كان معظم كتب الإمام علي بن المديني وخاصة كتبه في الرجال مفقودة،
كان جُلُّ اعتمادي على كتب التاريخ وكتب تراجم الرجال، ولا سيما كتب
المعاصرين له ككتب ابن سعد وخليفة بن خياط، وكتب تلاميذه ككتب الإمام :
البخاري، وأبي حاتم الرازي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان
الفسوي وغيرهم، ثم اعتمدت على كتب المتأخرين في هذا الشأن الذين نقلوا عن
كتب المتقدمين وفيها كتب كثيرة مفقودة الآن، ومضيت أبحث وأستعرض كل ما
وقفت عليه من المصادر في هذا الشأن لمعرفة أحواله وأخباره، ودراسة منهجه في
نقده للرجال.
هذا وقد اتبعت في كتابة الرسالة المنهج التالي:
١ - عزوت الآيات القرآنية إلى القرآن الكريم بذكر اسم السورة ورقم الآية.
٢ - كتبت الآيات القرآنية بالرسم العثماني الموافق للمصحف الشريف.
٣ - خرَّجت الأحاديث النبوية، وذلك بعزوها إلى مواضعها في كتب السنة بذكر
الصفحة والباب والكتاب، ولم ألتزم بيان الحكم على الأحاديث، وراعیت في
ترتيب كتب السنة تقديم الأمهات الست على بقية الكتب.
٤ - عزوت جميع أقوال العلماء في نقد الرجال وما يتعلق ببحث هذه الرسالة إلى
أماكنها في المصادر المختلفة، وما أعزوه من هذه الأقوال في المصادر
المختلفة فإني أرتّب العزو إليها تبعاً لأقدميتها التاريخية.
٥ - ترجمت الأعلام الواردين في الرسالة، وتركت ترجمة الأعلام الذين رأيتهم
مشهورين، ونظراً لاشتمال الرسالة على أعلام كثيرين راعيت في الترجمة
الاختصار الشديد، واعتمدت في الغالب على مرجع واحد أو مرجعين،
وللسبب ذاته استعملت غالباً الأرقام دون الحروف في ذكر تاريخ الوفيات.
٦ - فسّرت الكلمات التي رأيتها غريبة.
٧ - ضبطت الكلمات التي قد يشكل على القارىء ضبطها.
٨ - عرَّفت البلدان والأماكن الواردة في الرسالة بتعريف موجز.
٢٠