Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
عقبةَ، عن عمرو بنِ ربيعةً ، عن سلامةَ بنِ قيصر ، قالَ : سمعتُ النبيَّ
وَهِ يقولُ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجهِ اللَّه ... ))؛ ليسَ هذا الإسنادُ مشهورًا ؛
قالَ أبو زرعةَ : سلامةُ بنُ قيصر ليستْ لهُ صحبةٌ ... )).
وقالَ أيضًا (١) :
(«سألتُ أبي عن حديث ؛ رواهُ : الحكم بنُ هشام ، قالَ : حدثنا
يحيى بنُ سعيدِ بنِ أبانَ القرشيَّ ، عن أبي فروةَ ، عن أبي خلادٍ - وكانَتْ
لهُ صحبةٌ - ، قالَ : قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ - فذكرَ حديثًا .
قالَ أبي : حدثنا بهذا الحديثِ ابنُ الطباعِ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ
الأمويِّ ، عن أبي فروةً يزيدَ بنِ سنانٍ ، عن أبي مريمَ ، عن أبي خلادٍ .
قلتُ لأبي : يصحّ لأبي خلادٍ صحبةٌ ؟
فقالَ : ليسَ له إسنادٌ)) اهـ .
يعني: إسنادًا صحيحًا؛ وإلا فإنَّهُ قد جاءَ بهذا الإسنادِ (٢).
الأمر الثاني :
أنْ لا يكونَ ذكرُ السماعِ في هذا الموضعِ ، مما زادَهُ بعضُ الرواة
الثقات خطأ ووهمًا ، فيكونُ ذكرُ لفظِ السماع حينئذٍ شاذًّا غيرَ محفوظ ،
ويكونُ المحفوظُ عدمَ ذكرِهِ .
ولأئمة الحديث في إدراك ذلكَ طرقٌ متعددةٌ ، لا يدركُهَا إلا نقادُ
الحدیث وجهابذتُهُ .
(١) في ((العلل)) (١٨٣٩).
(٢) وانظر: مثالاً آخر في ((تهذيب التهذيب)) (١١٢/١) و((الكامل)) لابن عدي (٢٥٨/١).

٤٠٢
التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
فمنها :
مخالفةُ الأوثقِ ، أو الأكثرِ عددًا .
ففي ((تهذيب التهذيب))(١) :
((قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: مَا أراهُ - يعني: الزهريَّ - سمعَ من عبدِ الرحمنِ
ابنِ أزهرَ ، إنَّما يقولُ الزهريُّ : كانَ عبدُ الرحمنِ بنُ أزهرَ يحدثُ ؛ فيقولُ
معمرٌ وأسامةُ عنهُ : سمعتُ عبد الرحمنِ !! ولم يَصنعا عندِي شيئًا)) .
فانظرْ؛ كيفَ لم يقبلْ ذكرَ معمرٍ وأسامةَ لفظَ السماعِ بين الزهريِّ
وعبدِ الرحمنِ بنِ أزهرَ ، مع أنهمَا مِن جملةِ الثقاتٍ ، وقد اتفقا ، وما ذلكَ
إلا لأنَّهما قد خالفًا من هُمْ أرجحَ منهما حفظًا ، وأكثرَ منهما عددًا ، فلم
يذكرُوا لفظَ السماعِ !
وقد أخطأ أسامةُ هذا مثلَ هذا الخطإِ في حديثٍ آخرَ عن الزهريِّ
أيضًا ؛ فقد روى حديثًا عن الزهريِّ ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، فذكرَ بينهما
لفظَ السماعِ، بينما لم يذكرُهُ غيرُهُ من أصحابِ الزهريِّ ، فأنكرَ ذلكَ عليه
يحيى القطانُ .
ذكر ذلكَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في ((التهذيب)) (٢)، ثم قالَ :
((أرادَ ذلكَ في حديثِ مخصوصٍ ، يتبينُ من سياقِهِ اتفاقُ أصحاب
الزهريِّ على روايته عنهُ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ بالعنعنةِ ، وشدَّ أسامةُ ،
فقالَ : ((عن الزهريِّ: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيبِ))؛ فأنكرَ عليهِ القطانُ هذا
لا غير) .
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٤٥٠/٩).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٢١٠/١).

٤٠٣
التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ
ومنْ ذلكَ :
ما في ترجمةِ إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريمِ الصنعانيُّ من ((تهذيب
الكمال)) (١) ، عن ابنِ معينٍ ، أَنَّه قالَ في حقِّه :
((ثقةٌ ، رجلُ صدْقٍ ، والصحيفةُ التي يرويها عن وهبٍ ، عن جابرٍ ،
ليست بشيءٍ ، إِنَّما هو كتابٌ وقعَ إليهم ، ولم يَسْمَعُ وهبٌ من جابرٍ شيئًا)).
فتعقبَهُ المزيُّ ، فذكرَ إسنادَ هذه الصحيفةِ من طريقِ إسماعيلَ هذا ،
وفيها : تصريحُ وهبٍ بالسماعِ من جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، ففيها: (( ... عن
وهب بن منّبِّهِ ، قالَ : هذا ما سألتُ عنهُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ ... )).
ثُمَّ قالَ المزيُّ :
((وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى وهبِ بنِ منبهٍ ، وفيهِ ردٌّ على مَن قالَ : إنه
لم يسمع من جابرِ ؛ فإنَّ الشهادةَ على الإثبات مُقَدَّمَةٌ على الشهادة على
النفي ، وصحيفةُ همامٍ عن أبي هريرةَ مشهورةٌ عندَ أهلِ العلمِ ، ووفاةُ أبي
هريرةَ قبلَ وفاةٍ جابرٍ ، فكيفَ يُستنكرُ سماعُهُ منهُ ، وكانا جميعًا في بلد
واحد ؟!)) .
فقالَ الحافظُ ابنُ حجر (٢) ؛ معقبًا عليهِ :
((أمَّا إمكانُ السماعِ فلا ريبَ فيهِ ، ولكنْ هذا في همامٍ ، فأمَّا أخوه
وهبٌ الذي وقعَ فيهِ البحثُ ، فلا ملازمةَ بينهما ، ولا يحسنُ الاعتراضُ
على ابنِ معينٍ بذلكَ الإسنادِ ؛ فإنَّ الظاهرَ أنَّ ابنَ معينٍ كانَ يُغلِّطُ إسماعيلَ
(١) ((تهذيب الكمال)) (١٤٠/٣).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٣١٦/١) .

٤٠٤
التَّدْليسُ .. وَالسَّماعُ
في هذهِ اللفظةِ عن وهبٍ: ((سألتُ جابرًا))، والصوابُ عندَهُ: ((عن
جابرٍ)). واللهُ أعلمُ)) اهـ .
13
ففي ردِّ المزيِّ على ابنِ معينٍ في نفيهِ السماعَ ، بكونِ الإسنادِ قد صح
إلى المصرحِ - : شاهدٌ جيدٌ للأمرِ الأولِ .
ثمَّ في توثيقِ ابنِ معينٍ للراوي ، مع توهينِ ذكرِهِ لفظَ السماعِ في
تلكَ الروايةِ ، ودفاع الحافظِ - : شاهدٌ جيدٌ أيضًا للأمرِ الثاني .
ومنْ ذلكَ :
رَوَى جماعةٌ ، عن ابنِ جريجٍ ، عن أبي الزبيرِ ، عن
جابرٍ - مرفوعًا - : ((لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ))، فلم يذكروا سماعَ ابنِ
جريجٍ من أبي الزبيرِ ، بينما ذكرَهُ اثنان ، وهما :
أبو عاصمٍ ؛ أخرجَ حديثَهُ الدارميّ (١) .
ء (١)
ابنُ المباركِ ؛ أخرجَ حديثَهُ النسائيُّ في ((الكبرى))(٢) من طريقِ محمدٍ
ابنِ حاتمٍ ، عن سويدِ بنِ نصرٍ ، عنه .
وقد وهَّمَ الأئمةُ هذه الروايةَ التي فيها ذكرُ التصريحِ بالسماعِ ، ورَأَوْا
أنَّها غلطٌ .
فقالَ أبو داودَ (٣):
((هذا الحديثُ ؛ لم يسمعْهُ ابنُ جريجٍ عن أبي الزبيرِ ؛ وبلغني عن
أحمدَ بنِ حنبلٍ ، أَنَّه قالَ : إنَّما سمعَهُ ابنُ جريجٍ من ياسينَ الزياتِ)).
(١) ((السنن)) (١٧٥/٢).
(٢) ((تحفة الأشراف)) (٣١٥/٢).
(٣) ((السنن)) (٤٣٩١).

٤٠٥
التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ
وقالَ أبو حاتمٍ وأبو زرعةَ الرازيان(١):
((لم يسمعُ ابنُ جريجِ هذا الحديثَ من أبي الزبيرِ ؛ يُقالُ: إِنَّه سمعَهُ
من ياسينَ : أَنَا حَدَّثْتُ بِهِ ابنَ جريجٍ عن أبي الزبيرِ .. )).
وقالَ النسائيّ :
(وقد روى هذا الحديثَ عن ابن جريجٍ : عيسى بنُ يونسَ ، والفضلُ
ابنُ موسى ، وابنُ وهبٍ ، ومحمدُ بنُ ربيعةَ ، ومخلدُ بنُ يزيدَ ، وسلمةُ
ابنُ سعيد البصريُّ ؛ فلم يقلْ أحدٌ منهم : ((حدثني أبو الزبيرِ)) ، ولا أحسبه
ـ ـ
سمعَهُ من أبي الزبيرِ . واللَّهُ أعلمُ)) .
وقالَ أبو يَعْلِي الخليليُّ (٢):
(يُقالُ: إنَّ هَذا لم يَسْمَعْهُ من أبي الزبير، لكنَّه أَخَذه عن ياسينَ
الزيات - وهو ضعيفٌ جدًّا - عن أبي الزبيرِ ، وابنُ جريجٍ يدلِّس في
أحاديثَ ، ولا يخْفى ذلكَ على الحفاظِ» .
فهكذَاً ؛ تَتَابِعَ الأئمةُ على نفي سماعٍ ابن جريج لهذا الحديثِ من
أبي الزبيرِ ، وتَوْهِيم مَنْ ذكرَ لفظَ السماعِ بينهما ؛ لمخالفتِهِ للأكثرِ .
ومنْ ذلكَ :
قال أحمدُ بنُ حنبلٍ :
((كانَ مباركُ بن فضالةَ يقول في غيرِ حديثٍ عن الحسنِ : «قالَ :
حدثنا عمرانُ. وقال : حدثنا ابنُ مغفَّلٍ))؛ وأصحابُ الحسنِ
(١) ((علل الحديث)) (١٣٥٣).
(٢) ((الإرشاد)) (٣٥٢/١-٣٥٣).

٤٠٦
التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
لا يقولونَ ذلكَ)) .
قالَ الحافظُ ابن حجرٍ (١) :
((يَعْنِي : أنَّه يصرحُ بسماعِ الحسنِ من هؤلاءِ ؛ وأصحابُ الحسن
يذكرونَهُ عندهُمْ بالعنعنةِ)) .
ومِنْ ذلكَ :
روى : أبو المغيرةِ ، عن سليمانَ بنِ سليمِ الحمصيِّ ، قالَ : حدثنا
يحيى بن جابرِ ، قالَ : حدثنا المقدامُ بنُ معديكربَ ، قالَ : سمعتُ
رسولَ اللّهِ وَ لّه يقولُ: ((مَا مَلأَّ ابْنُ آدَمَ وِعَاءَ شَرًّا مِنْ بَطْنِ، حَسْبُ ابْن آدَمَ
أَكَلاَت يُقُمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ ، فَثُلُثٌ طَعَامٌ، وَثُلُثٌ شَرَابٌ، وَثُلُثٌ
لِنَفَسِهِ».
أخرجهُ: أحمدُ (١٣٢/٤) والحاكم (٣٣١/٤ - ٣٣٢).
هكذا ؛ رواهُ أبو المغيرةِ ، بذكرِ لفظِ السماعِ بينَ ابنِ جابرٍ والمقدامِ .
لكنَّهُ ؛ لم يثبتْ على ذلكَ ؛ فقد رَواهُ مرةً أخرى ، فلم يذكرْ لفظَ
السماعِ بينهما .
أخرجه: الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) (٢٧٢/٢٠ - ٢٧٣) وفى
ءِ
((مسند الشاميين)) (١٣٧٥) .
ومما يؤكدُ خطأَهُ في ذكرِ لفظِ السماعِ بينهما :
أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ قَالَ (٢):
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٩/١٠).
(٢) في ((المراسيل)) (ص٢٤٤) .

٤٠٧
النَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
((سألتُ أبي : هل لَقِي يحيى بنُ جابرِ المقدامَ بنَ معديكربَ ؟ قالَ
أبي : يحيى عن المقدامِ مرسلٌ)).
واعتمدَهُ المزيّ فى ((تهذيب الكمال)) (٢٤٩/٣١) والعلائي في ((جامع
ءِ
التحصيل)) (ص ٣٦٧) وابنُ حجرٍ في ((تهذيبه)) (١٩١/١١).
هذا ؛ وقد رواه غيرُ أبي المغيرةِ ، عن سليمانَ ، بدونِ ذكرِ لفظٍ
السماعِ .
منهم : إسماعيلُ بنُ عياشٍ .
أخرجهُ: الترمذيُّ (٢٣٨٠) وابنُ المبارك في ((الزهد)) (٦٠٣)
والبيهقيّ في ((الشعب)) (٥٦٤٨) (٥٦٥٠) والطبرانيّ في ((الكبير))
ءُ
(٢٧٤/٢٠) والبغويَّ في ((شرح السنة)) (٢٤٩/١٤).
وأخرجهُ: الطبرانيَّ أيضًا في ((الكبير)) (٢٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤) و((مسند
الشاميين)) (١١١٦) من طريقِ إسماعيلَ، فقالَ: عن أبي سلمةَ - هو:
سليمانُ بنُ سليمٍ - وحبيبِ بنِ صالحٍ ، عن يحيى بنِ جابرٍ ، به ؛ ولم
يذكرْ سماعًا أيضًا .
فزادَ : ((حبيبَ بنَ صالحٍ)) .
ومنهم : بقيةُ بنُ الوليدِ .
أخرجهُ: النسائيُّ في («الكبرى» .
ومنهم : محمدُ بنُ حربِ الأبرشُ .
قالَهُ - : حاجبُ بنُ الوليد ، عنه .
أخرجه: البيهقيّ في ((الشعب)) (٥٦٤٩) .

٤٠٨
التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
إلا أنَّه اختلفَ على الأبرشِ :
فرواهُ : عمرو بنُ عثمانَ ، عن الأبرشِ ، عن سليمانَ ، عن يحيى بنِ
جابرٍ ، عن صالحٍ بنِ يحيى بنِ المقدامِ ، عن جدهِ المقدامِ .
فزادَ : ((صالحَ بنَ يحيى)) ، بينَ يحيى بنِ جابرٍ والمقدامِ .
أخرجهُ: الطبرانيَّ في ((مسند الشاميين)) (١٣٧٦).
وهذا ؛ يؤكدُ عدمَ السماعِ ، ويبينُ الواسطةَ ؛ إنْ كانَ محفوظًا .
وأخرجهُ : النسائيَّ في ((الكبرى)) ، من طريقِ عمرِو بنِ عثمانَ ، به ؛
إلا أنَّه لم يذكرْ ((يحيى بنَ جابرٍ)) أصلاً .
ورواه : ابنُ أبي السريِّ ، عن الأبرشِ ، عن سليمانَ ، عن صالحِ بنِ
يحيى بنِ المقدامِ ، عن أبيهِ ، عن جدهِ .
فوافق الروايةَ السابقةَ في عدم ذكرِ (يحيى بنِ جابرٍ))؛ لكنّه زادَ: ((عن
أبيهِ)) .
أخرجهُ : ابنُ حبانَ (٥٢٣٦) والبيهقيّ (٥٦٤٩) .
ورواه : هشامُ بنُ عبدِ الملكِ ، عن الأبرشِ ، عن أمهِ ، عن أمها ،
عن المقدامِ .
أخرجهُ : ابنُ ماجه (٣٣٤٩).
ومَن فوقَ الأبرشِ لا يعرفون ، وهذا اختلافٌ عليه لا يُحتملُ ، وروايةٌ
إسماعيلَ ومَن تابعَهُ أرجحُ .
وكذلكَ ؛ رواهُ غيرُ سليمانَ ، عن يحيى بنِ جابرٍ ، بدونِ ذکرٍ

٤٠٩
النَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
لفظِ السماعِ .
فقد رواهُ : معاويةُ بنُ صالحٍ ، عن يحيى بنِ جابرٍ ، عن المقدامِ ؛
لم يذكرْ سماعًا .
أخرجهُ: النسائيَّ في ((الكبرى)) والحاكمُ في ((المستدرك)) (١٢١/٤)
والطبراني في ((الكبير)) (٢٠/ ٢٧٣).
والله أعلم (١).
* ومنها :
أنْ يكونَ الأئمةُ قد اتفقوا على عدمِ سماعِ هذا الراوي من ذاكَ الشیخِ،
فيُستدلُّ على خطٍ مَن ذكرَ لفظَ السماعِ بينهما بإجماعِهم على عدمِ سماعِهِ .
حكى ابنُ أبي حاتمٍ في ((المراسيل)) (٣)، عن أبيه، أنَّه قالَ:
((الزهريُّ؛ لم يسمعْ من أبانَ بنِ عثمانَ شيئًا، لا أنَّه لم يدركُهُ ، قد
أدركَهُ ، وأدركَ من هو أكبر منهُ ؛ ولكنْ لا يثبتُ لهُ السماعُ منهُ ؛ كما أنَّ
حبيبَ بنَ أبي ثابتِ لا يثبتُ لهُ السماعُ من عروةَ بنِ الزبيرِ ، وهو قد سمعَ
ممَّن هو أكبر منهُ ؛ غيرَ أنَّ أهلَ الحديثِ قد اتفقوا على ذلكَ ، واتِّفاقُ أهل
الحديثِ على شيءٍ يكونُ حجةً)) .
ومنها :
مخالفةُ الواقعِ ؛ كأنْ يكونَ الراوي الذي ذُكِرَ عنه التصريحُ بالسماعِ من
(١) وانظر أمثلة أخرى: في ((تهذيب التهذيب)) (٦/ ٩٠) و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب
(٥٩٢/٢-٥٩٤) وكتابي ((حسم النزاع في مسألة السماع)) (ص٣١-٣٢).
(٢) ((المراسيل)) (ص١٩٢).

٤١٠
الَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
شيخهٍ لم يدرك شيخَهُ أصلاً ، أو كانَ صغيرًاً وقتَ وفاة شيخه ، لا يمكنُهُ
السماعُ منه .
فمن ذلكَ :
قالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ (١) :
سمعت أبي يقولُ : قالَ رجلٌ لسفيانَ بنِ عيينةَ : يا أبا محمد ؛ عندنا
رجلٌ يُقالُ لهُ : خلفُ بنُ خليفةَ ، زعمَ أنَّه رأى عمرَوَ بنَ حريث ؟! فقالَ :
كَذَبَ (٢)، لعلَّهُ رأى جعفرَ بنَ عمرِو بنِ حریثٍ .
وقالَ أبو الحسنِ الميمونيُّ (١) :
سمعتُ أبا عبد اللَّهِ - يعني: أحمدَ بنَ حنبلٍ - يُسألُ: رأى خلفُ بنُ
خليفةَ عمرَوَ بنَ حريث ؟ قالَ : لا ؛ ولكنَّهُ - عندي - شَبِّهَ عليهِ حينَ قالَ:
((رأيتُ عمرو بنَ حريث)). قالَ أبو عبد اللَّهِ: هذا ابنُ عيينةَ ، وشعبةُ ،
والحجاجُ لم يَرَوا عمرو بنَ حريثٍ ، يَراهُ خلفٌ؟! ما هو - عندي - إلا
شبّه عليه .
رَوَى : الوليدُ بنُ مسلمٍ ، عن تميمٍ بنِ عطيةَ ، عن مكحولِ ، قالَ :
((جالستُ شُريحًا ستةَ أشهرِ ، ما أسألُهُ عن شيءٍ ، إنَّما أكتفي بما يقضي بهِ
بينَ الناسِ))(٣) .
ذكرَ ذلكَ ابنُ أبي حاتمٍ ، عن أبيهِ في ((المراسيل)) (٤)، ثمَّ ذكرَ عن
(١) ((تهذيب الكمال)) (٢٨٦/٨-٢٨٧).
(٢) الكذب هنا بمعنى الخطإ، وهذا معروف لغةً واصطلاحًا، وقوله: ((لعلَّه ... )) يؤكد
هذا. والله أعلم .
(٣) وانظر: ((الإيمان)) لأبي خيثمة رقم (٤٢).
(٤) ((المرسيل)) (ص٢١٣).

٤١١
الَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ
أبيه ، أنَّهُ قالَ :
((لم يدركْ مكحولٌ شريحًا ؛ هذا وهمٌ)) .
ثُمَّ عدَّ من مناكيرِ تميمٍ بنِ عطيةَ ، فقالَ (١):
(«محلُّهُ الصدقُ ، وما أنكرتُ من حديثه إلا شيئًا ؛ رَوى إسماعيلُ بنُ
عياشٍ ، عنهُ، عن مكحول ، قالَ : جالستُ شريحًا كذا شهرًاً؛ وما أَرَى
مكحولاً رَأى شريحًا بعينه قطُّ، ويدلُّ حديثُهُ على ضعفٍ شديدِ)) .
ومنْ ذلكَ :
قال ابنُ أبي حاتمٍ (٢):
(«سألتُ أبي عن حديثينِ؛ رَوَاهما : هماٌ ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ ،
عن الشعبيِّ، أن أسامةَ بنَ زيدٍ حدثَهُ، أَنَّه كانَ رِدْفَ النبيِّنَّ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.
هل أدركَ الشعبيُّ أسامةً ؟
قالَ : لا يمكنُ أنْ يكونَ الشعبيَّ سمعَ من أسامةَ هذا ، ولا أدركَ
الشعبيُّ الفضلَ بنَ العباسِ)) اهـ .
وكذا ؛ حكى عن أبيهِ في ((العلل)) (٣) ؛ نحو هذا .
قلتُ : هذا الحديثُ؛ أخرجَهُ : الطيالسيُّ (٦٣٥) وأحمد (٢١٣/١ -
٢١٤) (٢٠٦/٥)، وفيه ذكرُ لفظِ التحديثِ من الشعبيِّ عن الفضلِ أيضًا ؛
ولهذا قالَ أبو حاتم مضعِّفًا لهُ : ((ولا أدركَ الشعبيَّ الفضلَ بنَ العباسِ)).
(١) في ((الجرح والتعديل)) لابنه (٤٤٣/١/١).
(٢) في ((المراسيل)) (٥٩٠).
(٣) ((العلل)) (٨٢١) (٨٢٢).

٤١٢
التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ
فلفظُ التحديث المذكورُ في هذهِ الروايةِ ، عن الشعبيِّ أنَّ الفضلَ بنَ
العباسِ حدثَهُ ؛ خطأ لا شكَّ فيه ؛ لأنَّهُ تاريخيًّا لا يمكنُ للشعبيِّ أنْ يسمعَ
مِنَ الفضلِ بنِ العباسِ .
ذلكَ ؛ لأنَّ الفضلَ ماتَ سنةَ (١٨) في خلافةِ عمرَ ، بل جزمَ
البخاريُّ في ((التاريخ الكبير)) (١١٤/١/٤) بأنَّهُ ماتَ في خلافة أبي بكرٍ،
وحكى القولين في ((التاريخِ الصغير)) (٦١/١ - ٧٧)؛ والشعبيّ وُلُدَ سنةً
(١٩) ، فقد وُلُدَ بعدَ وفاتهِ، فكيفَ يمكنُ أنْ يسمعَ منهُ؟!
وأمَّا عدمُ سماعِهِ من أسامةَ بنِ زيدٍ ؛ فقد جزمَ بهِ أبو حاتمٍ وغيرُه ،
و
كابنِ معينٍ - فيما حكاهُ الدُّوريّ عنهُ (٣٠٥٥) -، وأحمدُ بنُ حنبلٍ وابن
المدينيِّ - كما في ((المراسيل)) (٥٩٥) -، والحاكم - كما في ((علوم
الحديث)) له (ص ١١١) .
وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ في ((المراسيل)) (١):
((ذكرَ أبي ، عن إسحاقَ بنِ منصورِ ، قلتُ ليحيى : قالَ الشعبيُّ : إنّ
الفضلَ حدَّثَهُ، وإنَّ أسامةَ حدثَهُ؟ قالَ : لا شيءَ . وقالَ أحمدُ وعليَّ : لا
شيء)) .
وهو مبنيٌّ على أدلةٍ تاريخيةِ أيضًا :
فإنَّ الشعبيَّ ؛ وإنْ كانَ بينَ ولادتهِ ووفاة أسامةَ أكثرُ من ثلاثينَ سنةً ،
إلاَّ أنَّه كانَ بالكوفة ، بينما كانَ أسامةُ بالمدينةِ ، وما زالَ الأئمةُ يستدلونَ
ببعد الشَّقة على انتفاءِ السماعِ .
(١) ((المراسيل)) (٥٩٥) .

٤١٣
التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
ثُمَّ إِنَّ أهلَ الكوفةِ لم يكن الواحدُ منهم يسمعُ الحديثَ إلا بعدَ
استكماله عشرينَ سنةً، ويشتغلُ قبلَ ذلكَ بحفظِ القرآنِ وبالتعبدِ ، كما في
٠٠
((الكفاية)) للخطيب البغداديِّ (ص ١٠٣).
ومعلومٌ ؛ أنهم ما كانَوا يبدءُون بالرحلةِ من أولِ الطلبِ ، بل كانوا
يسمعونَ من أهلِ بلدهم أوَّلاً، ثمَّ إذا فرغُوا وحصَّلُوا ما عندَهم بدَءُوا في
الرحلةِ .
ثمَّ الراوي وقع في الخطإِ البينِ في الروايةِ بذكرٍ لفظِ التحديث بينَ
الشعبيِّ والفضلِ ، مع أنَّه لا يمكنُ تاريخيًّا أنَ يسمعَ منهُ، فوقوعُهُ في
الخطٍ بذكرِهِ لفظ التحديثِ بينَ الشعبيِّ وأسامةَ بنِ زيدٍ أولى ؛ لأنَّ الأمرَ فيه
محتملٌ ، فإذا كانَ الراوي أخطأَ فيما لا احتمالَ فيهِ ، فكيفَ بالمحتملِ ؟!
فإنَّ الظاهرَ أنَّ الراوي لم يحفظ الروايةَ كما ينبغي (١) .
واللهُ أعلمُ .
الأمرُ الثالثُ :
أنْ لا يكونَ ذلكَ المصرحُ بالسماعِ ممَّن لهُ اصطلاحٌ خاصٌّ بألفاظِ
السماعِ ، يتنافى مع الاتصالِ ، كأنْ يكونَ ممَّن يَرى جوازَ إطلاقِ لفظِ
التحديثِ في الإجازةِ أو الوجادةِ ، كما ذُكِرَ ذلكَ عن أبي نعيم الأصبهانيِّ ،
أو ممَّن يرى التسامحَ في هذهِ الألفاظِ ، بإطلاقِها في موضعِ السماعِ
وغيرِهِ ، كما ذكرَ الإمامُ أبو بكرِ الإسماعيليُّ أنَّ المصريينَ والشاميينَ
يتسامحونَ في قولِهِم : ((حدثنا)) من غيرِ صحةِ السماعِ ، منهم : يحيى بنُ
(١) وانظر: تعليق الشيخ أحمد شاكر - عليه رحمه الله - على ((المسند)) (١٨٢٩).

٤١٤
التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
ء (١)
أيوبَ المصريّ
ونقلَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ (٢) ، عن أبيهِ ، أَنَّهُ قالَ :
كانَ سَجِيَّةً في جريرِ بنِ حازمٍ ، يقولُ: ((حدثنا الحسنُ ، قالَ :
حدثنا عمرُو بنُ تغلبَ))؛ وأبو الأشهبِ يقولُ: ((عن الحسنِ ، قالَ: بلغني
أنَّ النبيَّ وَّ قال لعمرو بنِ تغلبَ)) .
قالَ ابنُ رجبِ الحنبليُّ (٣):
((يريدُ: أنَّ قولَ جريرِ بنِ حازمٍ : ((حدثنا الحسنُ: حدثنا عمرُو بنُ
تغلب)» كانَتْ عادةً لهُ، لا يرجعُ فيها إلى تحقيقٍ)).
وقد ذكرَ أبو حاتمٍ نحوَ هذا في أصحابِ بقيةَ بنِ الوليدِ ، أَنَّهم يَرْوُونَ
عنهُ، عن شيوخِهِ ، ويصرحُونَ بتحديثِهِ عنهم ، من غيرِ سماعٍ لهُ منهم (٤).
وكذلكَ ؛ قالَ يحيى بنُ سعيدِ القطانُ في فِطْرِ بنِ خليفةَ : إنَّه كانَ
يقولُ: ((حدثنا فلانٌ بحديث))، ثمَّ يدخلُ بينَهُ وبينَهُ رجلاً آخرَ ، كانَ ذلكَ
سَجِيَّةٌ منهُ .
ذكرَهُ العقيليَّ في ((ضعفائه)) (٥)
(١) انظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (٢٨٤/٢-٣١٧) (٢٠٠/٣) (٤٢/٤) (١٣٨/٦) ولابن
حجر (٤٩٨/١ -٥٠٦) .
(٢) في ((العلل)) (٣٩٨).
(٣) في ((شرح البخاري)) له (٤٧٩/٥ - ٤٨٠).
(٤) انظر: ((العلل)) لابن أبي حاتم (٢٣٩٤)، وأشار ابن حبان في ((المجروحين)) (١/ ٢٠١)
إلى ذلك، وكذلك صرح به أبو زرعة كما في ((العلل)) (٢٥/٦) أيضًا .
وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٨١٦) و((الضعيفة)) (١٩٥) و((شرح العلل)) (٥٩٤/٢).
(٥) ((الضعفاء)) له (٤٦٥/٣).

٤١٥
التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
وكذلكَ ؛ مَن كانَ في اصطلاحِهِ إطلاقُ لفظِ السماعِ على ضربٍ من
التأويلِ ، كمن كانَ يقولُ - مثلاً - : ((حدثنا فلانٌ))، أو ((خطبنا فلانٌ) ،
ويعني : أنَّه حدَّث قومَهُ أو خطَبَهم ، لا أَنَّه سمعَ منه ما يحدثُ بهِ عنهُ .
قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ (١):
«قد يدلسُ [ الراوي ] الصيغةَ، فيرتكبُ المجازَ، كما يقولُ - مثلاً -:
((حدثنا))، وينوي: حدَّثَ قومَنَا، أو أهلَ قريتنا، ونحو ذلكَ .
وقد ذكرَ الطحاويُّ منهُ أمثلةً :
مِن ذلكَ : حديثُ مِسعرٍ ، عن عبد الملك بن ميسرةَ ، عن النَّزَّال بن
سَبْرةَ، قَالَ: قالَ لنا رسولُ اللَّهِ نَّهِ: «أَنَا وَإِيَّاكُمَّ نُدْعَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ)) -
الحديث .
قالَ (٢): وأرادَ بذلكَ أَنَّهِ وَّ قَالَ لقومِهِ، أما هو فلم يَرَ النبيَّ ◌َّ .
وقالَ طاوسٌ : ((قدمَ علينا معاذُ بنُ جبلٍ - رضيَ اللَّهُ عنهُ - اليمن)).
وطاوسٌ ؛ لم يدركْ معاذًا - رضيَ اللَّهُ عنه - وإنَّما أرادَ قدمَ بلدنَا.
وقالَ الحسنُ : «خطَبَنا عتبةُ بنُ غزوانَ)) .
يريدُ ؛ أنَّه خطبَ أهلَ البصرةِ ، والحسنُ لم يكنْ بالبصرةِ لما خطبَ
عتبةُ) .
ثمَّ قالَ الحافظُ :
((ومن أمثلة ذلكَ: قولُ ثابت البنانيِّ: ((خطبَنا عمرانُ بنُ
(١) في ((النكت على ابن الصلاح)) (٦٢٥/٢ - ٦٢٦).
(٢) يعني : الطحاوي .

٤١٦
الَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ
حصينٍ - رضي اللَّهُ عنه )) .
وقولهُ: ((خطبَنا ابنُ عباسٍ - رضي اللَّهُ عنهُ - واللَّهُ أعلمُ)) .
وقالَ البزارُ (١) :
((سمعَ الحسنُ البصريَّ من جماعةٍ ، وروى عن آخرينَ لم يدركْهُم ،
وكان يتأولُ فيقولُ: ((حدثنا)) و((خطبنا))؛ يعني: قومَهُ الذين حُدِّثُوا وخُطبوا
بالبصرة)) .
* الأمرُ الرابعُ :
أنْ يكونَ ذلكَ الراوي الذي ثبتَ عنه أنَّه صرحَ بالسماعِ من شيخِهِ ؛
بصحةِ الإسنادِ إليهِ ، وسلامتِهِ من ورودِ الخطإِ عليهِ من أحد ممن دونَهُ ، أنْ
يكونَ في ذاتِهِ ثقةً ، لا ضعيفًا ؛ فإنَّ الضعيفَ إذا رَوى عن شيخٍ بلفظِ
السماعِ ، فقد يكونُ أخطأُ هو في ذلكَ التصريحِ، ويكونُ إنَّمَا أخذَ
الحديثَ عن هذا الشيخِ بواسطةٍ ، ثمَّ أسقطَهَا ، وزادَ من كيسِهِ لفظَ السماعِ
خطأ ووهمًا ، فالضعيفُ يخطئُ بأشدَّ من هذا .
وقد لا يكونُ تحملَ الحديثَ من طريقِ هذا الشيخ أصلاً ، وإنَّما
دخلَ عليهِ حديثٌ في حديثٍ .
وروايتُه عن هذا الشيخِ ، إنَّما جاءَتْ مِن طريقِهِ ، وهو ضعيفٌ سيئُ
الحفظ ، لا يوثقُ بأيِّ شيءٍ يجيءُ بهِ ، ولو قبلنا منهُ بعضَ روايتِهِ - أعني :
ما ذكرَهُ من لفظِ السماعِ - ، لَزِمَنَا قبول الباقي من روايتِهِ ؛ إذْ هو المتفردُ
بالكلِّ .
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٦٩/٢). وكذلك؛ ((الصحيحة)) (٢٩٢/٤).

٤١٧
التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
ولهذه العلةِ ؛ لم يقبلْ أهلُ العلمِ من ابنِ لهيعةَ تصريحَهُ بالسماع فيما
يرويهِ عن عمرو بنِ شعيبٍ ، وقالوا : لم يسمعِ ابْنُ لهيعةَ منهُ شيئًا ، مع أنَّهُ
كانَ يُصرحُ بالسماعِ منهُ ؛ بلْ كانَ ينكرُ على من أنكرَ عليهِ سماعَ هذهِ
الأحاديثِ من عمرِو بنِ شعيبٍ .
قالَ يحيى بن بكيرِ :
((قيلَ لابنِ لهيعةَ : إنَّ ابنَ وهبٍ يزعمُ أنكَ لم تسمعْ هذه الأحاديثَ
مِن عمرو بنِ شعيبٍ ، فضاقَ ابنُ لهيعةَ ، وقالَ : ما يُدري ابنَ وهبٍ ؛
سمعتُ هذه الأحاديثَ من عمرِو بنِ شعيبٍ قبلَ أنْ يَلْتَقِيَ أَبَواهُ)) !! .
ومَعَ ذلكَ ؛ فلم يعرجُ أهلُ العلمِ على تصرِيحِهِ ، وصرّحوا بعدمِ
سماعه منه .
٠٠
وفي ((المراسيل)) لابن أبي حاتمٍ (١)، عن حرب بنِ إسماعيلَ ، عن
أحمدَ بنِ حنبلٍ ، قالَ :
((قالَ وهيبٌ : أتيتُ عطاءَ بنَ السائبِ ، فقلتُ لهُ : كَمْ سمعت من
عَبيدةَ ؟ قالَ : ثلاثينَ حديثًا . قالَ : ولم يَسمعْ من عَبَيدةَ شيئًا . قال :
ويدلُّ ذلكَ على أنَّه قد تغيَّرَ)).
ولعلَّه ؛ لهذه العلة ، اشترطَ الإمامُ مسلمٌ - عليه رحمةُ الله - لقبول
عَنْعنةِ المعاصرِ غيرِ المدلِّسِ ، إذَا كانَ لقاؤه بشيخه مُمْكِنًا - أنْ يكونَ هو
في نفسِهِ ثقةً ، فقالَ في ((مقدمةِ الصحيحِ)) (ص٢٣) :
((إنَّ كلَّ رَجُلِ ثقة، روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤه
(١) ((المراسيل)) (ص ١٥٧).

٤١٨
التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ
والسماعُ منهُ ؛ لكونهما جَميعًا كانا في عصرٍ واحدٍ - وإنْ لمْ يأتِ فِي خَبَرِ
قطُّ أنَّهما اجتمعًا ، ولا تَشَافَها بكلام - ، فالروايةُ ثابتهٌ ، والحجةُ بها
لازمةٌ؛ إلا أنْ يكونَ هناكَ دلالةٌ بَيِّنَةٌ أنَّ هَذا الرَّوي لم يلقَ من رَوَى عنهُ ، أوْ
لَمْ يَسْمِعْ مِنْهُ شَيْئً ... )).
والله الموفقُ ؛ لا ربَّ سواهُ .

التَّدْليسُ .. وَالْمُتَابَعَةُ
المدلِّسُ ؛ إذا رَوى حديثًا ، ولم يصرح بالسماعِ فيهِ من شيخِهِ ،
فأردْنَا أنْ ندفعَ شبهةَ تدليسِهِ لهذا الحديثِ ، فلابدَّ حينئذٍ بأنْ يجيءَ في روايةٍ
أخرى لهذا الحديث تصريحُ هذا المدِّسِ بسماعِهِ لهُ من شيخِهِ المذكورِ ؛
بشرطِ أنْ يكونَ ذلكَ التصريحُ الواردُ في الروايةِ الأخرى محفوظًا ، وليسَ
خطأ مِن قبلِ بعضِ الرواةِ ؛ كما سبق .
ولا تنفعُ حينئذ متابعةُ غيره لهُ على رواية هذا الحديث عن هذا الشیخِ،
ولا أنْ يكونَ لمعنى حديثه من الشواهدِ ما يؤكدُ صحةَ المتنِ ، بل لابدَّ لإثباتَ
سماعه للحديثِ أنْ يصرحَ بالسماعِ من شيخِهِ في بعضِ الرواياتِ .
٠٠
:
وقد قالَ ابنُ رجب الحنبليّ (١)
((وكلامُ أحمدَ وأبي زرعةَ وأبي حاتمٍ في هذا المعنى كثيرٌ جدًّا ، يَطول
الكتابُ بذكره ، وكلُّه يدورُ على أنَّ مجردَ ثبوتِ الروايةِ لا يكفي في ثبوتِ
السماعِ ، وأنَّ السماعَ لا يثبتُ بدونِ التصريحِ بهِ ، وأنَّ روايةَ مَن رَوى عمَّن
عاصرَهُ ، تارةً بواسطةٍ ، وتارةً بغيرِ واسطةٍ ، يدلُّ على أنَّه لم يسمعْ منهُ ،
إلا أنْ يثبتَ لهُ السماءُ من وجهِ» .
وذلكَ ؛ لأنَّ المدلِّسَ إذا لم نتحققْ من سماعِهِ لهذا الحديثِ بعينِهِ من
شيخه ، ثمَّ تابعَهُ على روايَةِ هذا الحديثِ عن هذا الشيخِ غيرُه ، لم تكنِ
المتابعةُ - حينئذٍ - لذلكَ المدلسِ ، بل للواسطةِ التي أسقَطَها بِينَهُ وبِينَ
شيخه .
٠٠
(١) في ((شرح العلل)) (٥٩٥/٢) .

٤٢٠
التَّدْلِيسُ .. وَالْمُتَبَعَةُ
وقد يكونُ الرجلُ الذي أسقطَهُ المدلسُ بينَهُ وبينَ شيخه هو نفسَهُ ذلكَ
المتابعَ ، كأنْ يكونَ المدلسُ إنَّما أخذَ الحديثَ عن ذلكَ المتابعِ ، عن
شيخهِ ، ثمَّ أسقطَهُ وارتَقَى بالحديثِ إلى شيخِهِ ، فرواهُ عنهُ مباشرةً ،
مدلِّسًا إِيَّاهُ، وعليه ؛ يعودُ الحديثُ إلى ذلكَ المتابعِ ، ويبقى فردًا لا تعددَ
فيهِ ، ولا متابعةَ .
فإذا انضافَ إلى ذلكَ ، أنْ يكونَ ذلك المتابعُ ضعيفًا ، فقد رجعَ
الحديثُ إلى مخرجٍ ضعيف ، لا تقومُ بهِ الحجةُ ، وذلكَ يؤكدُ ضعفَ
مخرجٍ روايةِ المدلِّسِ (١) .
والشواهدُ أيضًا ؛ لا تنفعُ في دفع التدليسِ ؛ لأنَّ الشواهدَ إنما تؤكدُ
حفظَ الراوي للمتنِ ، أو لمعناهُ ، والتدليسُ علةٌ إسناديةٌ ، وحفظُ الراوي
للمتنِ أو معناهُ، لا يَسْتُلزِمُ حفظَهُ للإسنادِ ، فإنَّ صحةَ المتنِ واستقامَةَ
معناهُ، لا تَستلزمُ صحةَ كلِّ إسنادٍ يُروى بهِ هذا المتنُ(٢).
فمثالُ المتابعة :
حديثُ : عمرو بن شُعيب ، قال : طافَ محمدٌ - جدُّهُ - معَ أبيهِ
عبدِ الله بن عمرو ، فلمَّا كانَ سَبْعهما ، قالَ محمدٌ لعبد الله حيثُ
يَتَعوَّذُون: اسْتَعِذْ. فقالَ عبدُ اللهِ: أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ. فلمَّاً استلمَ
الرُّكْنَ تعوَّذَ بينَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ ، وَأَلْصَقَ جَبْهَتَهُ وصَدْرَهُ بالبيتِ ، ثمَّ قالَ :
رأيتُ رسولَ اللهِ وَلّهِ يَصْنِعُ هَذا.
(١) وهذا يقال في كل صور السقط ، كالإنقطاع وغيره .
وانظر: ((العلل)) لعبد الله بن أحمد (٢٦٢٥).
(٢) انظر: ((ردع الجاني)) (ص١٣٤).