Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ ويُشْبِهُ أنْ يكونَ سببُ ذلكَ ؛ هو أنْ يكونَ حدثَ بالحديث حفظًا ، وهو ليسَ بحافظِ ، فدخلَ عليهِ إسنادُ هذا في إسنادٍ ذاكَ ، أو أنَّ الحديثين كانا في كتابهِ ، يتلو أحدُهما الآخرَ ، فكتبَ أبو المغيرةَ إسنادَ حديثٍ ((إيّاكُمْ وَالْكَذْبَ ... ))، ثمَّ زاغَ نظرُهُ، فنزلَ إلى متنِ حديثِ ((لِسَانِي هَذا ... ))، فتركبَ متنُ هذا على إسنادِ ذاكَ . واللهُ أعلمُ . وقد وقعَ مثلُ ذلكَ في غيرِما حديثٍ ، سيأتي ذكرُ بعضِها - إنْ شاءَ اللهُ تعالى . مثالٌ آخرُ : حديثُ : همامِ بنِ يحيى ، عنِ ابنِ جريجٍ ، عنِ الزهريِّ، عن أنسٍ ، قالَ : كَانَ النبيُّ ◌َّهِ إِذَا دَّخَلَ الخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمَّهُ . أخرجَهُ : أبو داودَ (١٩) والترمذيُّ (١٧٤٦) والنسائيّ (١٥٥/٨) وابن ماجه (٣٠٣) والبيهقيَّ (٩٥/١). قالَ النسائيُّ (١) : (هذا الحديثُ غيرُ محفوظ)). وقالَ أبو داودَ : ((هذا حديثٌ منكرٌ ؛ وإنما يُعرفُ عن ابن جريج ، عن زيادِ بنِ سعد، عن الزهريِّ، عن أنس ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ (اَّخَذَ خَاتَمًا مِّنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ)؛ والوهمُ فيه من همامٍ ، وَلم يروِهِ إلا همامٌ) . (١) كما في ((تحفة الأشراف)) (١٨٥/١). ٣٤٢ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ وذكرَ البيهقيُّ قولَ أبي داود هذا ، ثمَّ قالَ : «هذا هو المشهورُ عنِ ابنِ جريجٍ ، دونَ حديثِ همامٍ)). قلتُ : وهذا؛ معناهُ : أنَّ همامًا دخلَ لهُ حديثٌ في حديثٍ . ولعلَّ سببَ وقوعِ همامٍ في هذا الخطإِ ؛ هو تشابُهُ المتنينِ ، فكلاهما فيه ذكرُ الخاتم ، وفي مثلِ ذلكَ يقعُ الاشتباهُ . واللهُ أعلمُ . مثالٌ آخرُ : حديثُ : محمد بنِ عبدِ اللَّهِ الأنصاريِّ ، عن حبيبٍ بنِ الشهيدِ ، عن ميمونِ بنِ مهرانَ ، عن ابنِ عباسٍ ، أنّ النبيِّ وََّ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. ,و٠َ وفي رواية : ((وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائمٌ)) .. أخرجهُ : الترمذيُّ (٧٧٦) والنسائيُّ في ((الكبرى)) (١) والطحاويُّ فِي ((شرح معاني الآثار)) (١٠١/٢) والخطيبُ في ((التاريخ)) (٤٠٩/٥) و ((الموضح)) (٤٠/٢). وهذا الحديثُ ؛ إسنادُه صحيحٌ في الظاهرِ ، ومعَ ذلكَ ؛ فقد أنكرَهُ جماعةٌ من أهلِ العلمِ على محمدِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأنصاريِّ، ورَأَوْا أنَّهُ دخلَ عليهِ حديثٌ في حديثٍ ، فأرادَ أنْ يحدثَ بحديثِ زواجٍ رسولِ اللهِ مَكَذ الله وَسَّلم بمَيْمونةَ ، فأخطأَ وقالَ : احتجمَ وهو محرمٌ صائمٌ . قالَ عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ (٢) . (١) كما في ((تحفة الأشراف)) (٢٥٣/٥ - ٢٥٤). (٢) في ((العلل)) (٥٥٦)، وهو في ((تاريخ بغداد)) (٤٠٩/٥ - ٤١٠). ٣٤٣ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد ((قالَ أبي : وقالَ أبو خيثمةَ : أنكرَ معاذٌ - يعني : ابنَ معاذِ العنبريّ - ويحيى بنُ سعيدٍ - يعني : القطانَ - حديثَ الأنصاريِّ - يعني : محمدَ بنَ عبد اللَّهِ - ، عن حبيبِ بنِ الشهيدِ ، عن ميمونِ بنِ مهرانَ ، عن ابنٍ عباسٍ: احتجمَ النبيّ وَّ وهو محرمٌ وصائم)) (١). وقالَ أبو بكرِ الأثرمُ (٢): («سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ ذكرَ الحديثَ الذي رواهُ الأنصاريُّ ، عن حبيبٍ ابنِ الشهيدِ، عن ميمونٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ نَّهِ احتجمَ وهو صائمٌ ؛ فضعفَهُ، وقالَ : كانتْ ذَهَبَتْ للأنصاريِّ كتبٌ ، فكانَ بعدُ يحدثُ من كتبِ غلامِهِ: أبي حكيم أُراهُ. قالَ : فكانَ هذا من تلكَ)) . وقالَ في روايةٍ مهنَّا (٣) . ((ليسَ بصحيحٍ ؛ وقد أنكرَهُ يحيى بنُ سعيد [على] (٤) الأنصاريِّ)). وسُئِلَ عليٌّ بنُ المدينيِّ ، عن هذا الحديثِ ، فقالَ (٥): ((ليسَ من ذلكَ شيءٌ؛ إنَّما أرادَ حديثَ حبيبٍ ، عن ميمون ، عن يزيدَ بنِ الأصمِ: تزوجَ النبيُّنَّهِ مَيْمُونَةً مُحْرِمًا» . (١) في ((تاريخ بغداد)): ((محرم صائم)) وكذا في ((تهذيب الكمال)) (٥٤٣/٢٥) و((السير)) (٥٣٤/٩) . (٢) ((تاريخ بغداد)». (٣) ((الفتاوى)) لابن تيمية (٢٥٣/٢٥) و((زاد المعاد)) لابن القيم (٦٢/٢). (٤) زيادة متعينة، فيحين هذا هو القطان وليس الأنصاري. ثم وجدته في ((شرح العمدة)) لشيخ الإسلام (١/ ٤٤٠ - صيام) على الصواب . (٥) «تاريخ بغداد)» (٥/ ٤١٠). ٣٤٤ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ يعني : أنَّه دخلَ عليهِ حديثٌ في حديثٍ . وبمثلِ هذا ؛ أعلَّهُ النسائيُّ ، فقالَ : («هذا حديثٌ منكرٌ ؛ لا أعلمُ أحدًا رواهُ عن حبيبٍ غيرَ الأنصاريِّ، ولعلَّهُ أرادَ أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّهِ تزوجَ ميمونةً)) . وبمثلِ ذلكَ أيضًا؛ أعلَّهُ الخطيبُ في (التاريخ)) (١). وكذلكَ ؛ الذهبيّ في ((الميزان)) (٢). مثالٌ آخرُ : قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ (٣): ((عرضتُ على أبي حديثَ : عبيدِ اللَّهِ بنِ موسى ، عن سفيانَ ، عن حكيمٍ بنِ الديلمِ ، عن أبي بردةَ، عن أبيهِ ، قالَ: قَامَ فِينَا رسولُ اللَّهِ وَلّـ بِأَرْبَعٍ ، فَقَالَ : ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنَامُ) . فقالَ أبي: هذا حديثُ الأعمشِ ، عن عمرِو بنِ مرةً، عن أبي عبيدةَ، عن أبي موسى ؛ هذا لفظُ حديثِ عمرو بنِ مرةً ، أراهُ دخلَ لعبيدِ اللَّهِ بنِ موسی إسنادُ حدیث في إسنادٍ حدیث)) اهـ . مثالٌ آخرٌ : حديثُ : أبي عميرِ بنِ النحاسِ ، عن ضمرةَ بنِ ربيعةً ، عن الثوريِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ ◌َِّهِ، قالَ: ((مَنْ مَلَكَ ذَا (١) ((تاريخ بغداد)) (٤١٠/٥). (٢) («الميزان)) (٦٠١/٣). (٣) ((العلل)) (١٣٢٧). ٣٤٥ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد رَحِمٍ مُخْرِمٍ، فَهُوَ عَنِيقٌ) . ذكرهُ: الترمذيَّ في ((الجامع))(١)؛ ثمَّ قالَ: ((ولم يُتابعْ ضمرةُ على هذا الحديث ، وهو حديثٌ خطأُ عندَ أهل الحديث» . وقد بيَّنَ البيهقيَّ في ((السنن الكبرى))(٢) وجهَ ذلكَ الخطإ، وأنَّهُ دخلَ على الراوي حديثٌ في حديثٍ ، فقالَ : ((وهمَ فيهِ راويهِ ، والمحفوظُ بهذا الإسنادِ حديثُ: (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هَبَتْه))، وقد رواهُ أبو عميرِ ، عن ضمرةً ، عن الثوريِّ مع الحدیثِ الأولِ» . قلتُ : يشيرُ إلى أنَّه دخلَ عليه إسنادُ هذا الحديثِ في إسنادِ حديثٍ النهي عن بيعِ الولاءِ وعن هبتهِ وقالَ في ((معرفة السنن والآثار))(٣): (هذا وهمٌ فاحشٌ، والمحفوظُ بهذا الإسنادِ حديثُ : النَّهي عن بيعِ الولاءِ وعن هبتهِ)) . وحَكَى أبو داودَ في ((المسائل)) (٤) عن الإمامِ أحمدَ ، أنَّه قالَ في هَذا الحديث : ((ليسَ مِنْ ذَا شيءٌ؛ وَهِمَ ضَمْرةُ) . (١) ((جامع الترمذي)) (٦٣٨/٣). (٢) ((السنن الكبرى)) (٢٨٩/١٠ - ٢٩٠). (٣) ((المعرفة)) (٥٠٥/٧) . (٤) ((المسائل)) (ص ٣١٤). ٣٤٦ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد وقالَ أبو زرعةَ الدمشقيَّ في ((تاريخه)) (١): ((قلتُ لأبي عبدِ اللَّهِ أحمدَ بنِ حنبلٍ : فإنَّ ضمرةَ يحدثُ عن الثوريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عنِ ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ نَّهِ: (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ فَهُوَ حُرٍّ)؟ فَرَدَّهُ ردًّا شديدً)» . وذكرَهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ في ((التهذيب)»(٢) عن أحمدَ ، وزادَ : ((وقالَ : لو قالَ رجلٌ: إنَّ هذا كذبٌ ؛ لما كانَ مخطئًا)) . هذا ؛ مع أنَّ ضمرةَ هذا عندَ الإمام أحمدَ («صالحُ الحديث من الثقات المأمونين))(٣)، وهذا مما يستدلُ به على أنَّ الخطأَ - إسنادًا أو متنًا - منكرٌ لاَ أصلَ لهُ، لا يعتبرُ به ولا يستشهدُ، ولو كانَ راويه ثقةً، كما سبق في فصل : (المنكرُ .. أبدًا منكرٌ)) . وقد رُوي هذا المتنُ بإسنادٍ آخرَ ، وهو خطأٌ أيضًا : رواه : حمادُ بنُ سلمةَ ، عن قتادةَ ، عن الحسنِ ، عن سمرةَ - مرفوعًا . واختلفَ فيهِ على حمادٍ : فقيلَ : عنهُ ، كذلكَ . وقيلَ : عنهُ ، عن قتادةَ ، عن الحسن ، عن سمرةً - فيما يحسبُ حمادٌ . (١) ((تاريخه)) (١١٦٨) (٢٢٩٤) . (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٤٦١/٤). وانظر: ((الإرشاد)» للخليلي (٤٧٦/٢) . (٣) ((العلل)» لعبد الله بن أحمد (٢٦٢٤)(٣٦٠٤) و(تهذيب الكمال)) (٣١٩/١٣). ٣٤٧ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد أي : بشكهِ في ذكرِ ((سمرةَ)) في إسنادِهِ . وقد خالفَهُ : سعيدُ بنُ أبي عروبةَ ، فقالَ : عن قتادةَ ، عنِ الحسنِ ، عن عمرَ - قوله . وهذا أشبهُ ؛ لأنَّ ابنَّ أبي عروبةَ من أثبتِ الناسِ في قتادةَ ؛ وفي المقابلِ ، فإنَّ حمادَ بنَ سلمةَ لهُ أوهامٌ معروفةٌ عن قتادةَ ، فكيفَ وهو قد شكَّ في روايتهِ ، ولم يثبتْ عليها . ولذا ؛ قالَ البيهقيُّ (١): ((والحديثُ إذا انفردَ به حمادُ بنُ سلمةَ ، ثم يشكُّ فيه، ثمَّ يخالفُهُ فيهِ من هو أحفظُ منهُ ، وجبَ التوقفُ فيهِ)) . وقد أشارَ البخاريُّ، والترمذيُّ ، وأبو داودَ (٢) إلى تضعيفِ حديثٍ حمادِ بنِ سلمةَ هذا . وقالَ عليٌّ بنُ المدينيِّ(٣): (هذا عندي منكرٌ) . مثالٌ آخرُ : حديثُ : محمودِ بنِ محمدِ أبي يزيدَ الظفريِّ ، عن أيوبَ بنِ النجارِ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ ، قالَ : قالَ رسولُ اللَّهِ وَّ: (مَا تَوَضَأْ مِّنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ)) - الحديث . (١) ((المعرفة)) (٥٠٤/٧ _ ٥٠٥) وانظر («السنن الكبرى)) (٢٨٩/١٠). (٢) ((الجامع)) للترمذي)) (١٣٦٥) و((العلل الكبير)) (ص ٢١١) و((السنن)) لأبي داود (٣٩٤٩). (٣) ((المعرفة)) للبيهقي. وراجع: ((إرواء الغليل)) (١٧٤٦). ٣٤٨ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد أخرجه : الدارقطنيَّ (٧١/١) والبيهقيّ (٤٤/١). قالَ البيهقيُّ : «هذا الحديثُ ؛ لا يعرفُ من حديثٍ يحيى بنِ أبي كثير ، عن أبي سلمةَ ، إلا من هذا الوجهِ ، وكانَ أيوبُ بنُ النجارِ يقولُ : لم أسمعْ من يحيى بن أبي كثيرٍ إلا حديثًا واحدًا، وهو حديثُ: ((الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى)) - : ذكرَهُ يحيى بنُ معينٍ، فيما رواهُ عنهُ ابنُ أبي مريمَ (١)؛ فكانَ حديثُه هذا منقطعًا. والله أعلم)). وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ (٢): (( ... فعلى هذا يكونُ في السندِ انقطاعٌ ؛ إنْ لم يكنْ الظفريُّ دخلَ عليهِ إسنادٌ في إسنادٍ)). والظفريَّ هذا؛ قالَ فيهِ الدار قطنيّ: ((ليسَ بالقوي، فيهِ نظرٌ)) . مثالٌ آخرُ : حديثُ : عبد الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ قارظِ ، عن السائبِ بنِ يزيدَ، عن رافعٍ بنِ خديجٍ، عنِ النبيِّ نَّهِ، قالَ: (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومَ)). أخرجهُ: في ((مصنفه)) (٤/ ٢١٠)، وعنه الترمذيّ في ((الجامع)) (٧٧٤) و((العلل)) (ص ١٢١ - ١٢٢) وأحمدُ (٤٦٥/٣) وابنُ خزيمةَ (١٩٦٤) وابنُ حبانَ (٣٥٣٥) والطبرانيُّ (٢٤٢/٤) والحاكمُ (٤٢٨/١) (١) وهو في (تهذيب الكمال)) (٥٠٠/٣). (٢) في ((نتائج الأفكار)) (٢٢٦/١ - ٢٢٧). ٣٤٩ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ والبيهقيُّ (٢٦٥/٤). فهذا الحديثُ ؛ قد ذُكِرَ عن أحمدَ بن حنبلٍ وعليٍّ بن المدينيِّ ، أنَّه أصحّ شيءٍ في بابهِ . حكاهُ الترمذيُّ (١) ، عن أحمدَ . وحكاهُ عباسٌ العنبريُّ ، عن ابنِ المدينيِّ . ذكرهُ عن عباسٍ: ابنُ خزيمةَ في ((صحيحه))، وعنهُ الحاكمُ في ((المستدرك)) والبيهقيّ في ((السنن)) (٢). ورُوي عنهما أيضًا خلافُ ذلكَ : فروى: البيهقيُّ (٢٦٧/٤)، عن عليٍّ بنِ سعيدِ النسويِّ، أَنَّه قالَ : ((سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلِ ، وقد سُئِلَ : أَيُّما حديث أصحٌ عندكَ في ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) ؟ فقالَ : حديثُ ثوبانَ ؛ من حديثٍ يحيى بنِ أبي كثيرٍ ، عن أبي قلابةَ، عن أبي أسماءَ ، عن ثوبانَ . فقيلَ لأحمد بنِ حنبلٍ : فحديثُ رافعٍ بِنِ خديجٍ ؟ قالَ : ذاكَ تفردَ به معمرٌ)) . ومثلُ ذلكَ ؛ حكى عنه غير واحدٍ ، كما في ((شرح العمدة)) لشيخ الإسلام (١/ ٤١١ - صيام). (١) في ((الجامع)) (١٣٦/٣). (٢) (صحيح ابن خزيمة)) (٢٢٧/٣) و((المستدرك)) (٤٢٨/١) و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٤ / ٢٦٧) . ٣٥٠ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد وحكى الترمذيَّ أيضًا عن عليٍّ بنِ المدينيِّ ، أنَّه قالَ : (أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ ثوبانَ وشدادِ بنِ أوسٍ ... )) . هذا ؛ وقد صرحَ غيرُهما من النقادِ بضعفِ حديثِ رافعٍ في هذا الباب ، وأنَّه دخلَ على راويهِ حديثُ في حديثٍ . قالَ ابنُ معينٍ : ((هُو أضعفُ أحَادِيثِ البابِ)) (١) . وحكى الترمذيَّ في ((العلل)) عن البخاريِّ، أنَّه قالَ : ((هو غيرُ محفوظ)) . وقالَ الترمذيُّ : ((وسألتُ إسحاقَ بنَ منصورِ عنهُ، فأبى أن يُحدثَ به عن عبدِ الرزاقِ، وقالَ : هو غلطٌ . قلتُ لهُ : ما علتُهُ ؟ قالَ : رَوى عنه هشامٌ الدستوائيّ ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ قارظِ ، عن السائبِ ابنِ يزيدَ، عن رافعِ بنِ خديجٍ، عنِ النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَثَمَنُّ الْكَلْبِ خَبِتٌ) . وحكى ابنُ أبي حاتمٍ(٢)، عن أبيهِ ، أَنَّه قالَ: ((إنَّما يَروي هذا الحديثَ يحيى بنُ أبي كثيرٍ ، عن أبي قلابةَ ، عن أبي أسماءَ ، عن ثوبانَ، واغترَّ أحمدُ بنُ حنبلٍ بأنْ قالَ : الحديثين(٣) (١) ذكرَهُ ابنُ حجرٍ في ((الفتح)) (١٧٧/٤) و((التلخيص)) (٢٠٥/٢). (٢) في ((العلل)) (٧٣٢) . (٣) كذا . ٣٥١ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ عندَهُ(١). وإنَّما يُروى بذلكَ الإسنادِ، عنِ النبيِّ وَّهِ، أَنَّه نَهى عن كسب الحجامِ ، ومهرِ البغي ؛ وهذا الحديثُ في ((يفطرُ الحاجمُ والمحجومُ)) عندي باطلٌ)) . فقد تبيَّنَ بهذا ؛ أنَّ معمرًا دخلَ عليهِ حديثٌ في حديث ، فأخطأ ، والصوابُ بهذا الإسنادِ حديثُ : النهي عن كسبِ الحجامِ . ولذا ؛ قالَ الحافظُ ابن حجرٍ (٢) ((فهذا هو المحفوظُ عن يحيى ؛ فكأنَّه دخلَ لمعمرٍ حديثٌ في حديثٍ . واللَّهُ أعلمُ)) . مثالٌ آخرٌ : حديثُ : محمدِ بنِ غالبِ المعروفِ بـ (تَمْتَامِ)) ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ الورْكانيُّ ، عن حماد بنِ یحیی الأُبَحِّ، عن ابنِ عون ، عن ابنِ سیرینَ ، عن عمرانَ بِنِ حصينٍ، عن النبيِّنَّهِ، قالَ: ((شَّتِي هُودٌ وَأَخَوَتَّهَ)). وهذا الإسنادُ ؛ يمكنُ أنْ يحسَّنَ بمفرده ، بل قد حسنَهُ فعلاً بعضُ العلماءِ الأفاضلِ ، اغترارًا بظاهرِ الإسنادِ ، فَأَخطأ ؛ حيثُ إنهُ إسنادٌ لا أصلَ لهذا المتنِ بهِ . وهذا المتنُ ؛ مرويٌّ بأسانيدَ كثيرةٍ ، عن أبي إسحاقَ السبيعيِّ ، ولا يصحّ منها إلا مرسلاً ، أي: عن أبي أسحاقَ ، عن عكرمةً، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَله . (١) يعني : عند ابن أبي كثير . وقد سبق أن أحمد لم يثبت على تصحيحه . (٢) في ((فتح الباري)) (٤/ ١٧٧). ـنـ ٣٥٢ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ ورُوي أيضًا عن حمادِ بنِ يحيى الأَبَحِّ ، عن يزيد الرقاشيِّ ، عن أنسٍ ؛ ويزيد الرقاشيَّ ضعيفٌ جدًّا . وأمَّا بهذا الإسناد ؛ فهو ممَّا أخطأَ فيه تمتامٌ هذا، وهو ثقةٌ ، إلا أنَّ هذا ممَّا أخطأُ فيهِ . وقد أنكرَهُ عليه موسى بنُ هارونَ وغيرُهُ ؛ ذكرَ ذلكَ حمزةُ بنُ يوسفَ السهميُّ في ((سؤالاته)) (١) ، ثمَّ ذكرَ عن الدارقطنيٌّ، أنَّهُ قالَ : ((والصوابُ : أنَّ الوركانيَّ حدَّثَ بهذا الإسنادِ ، عن عمرانَ بنِ حصينٍ، أنَّ النبيَّ وَّ قالَ: ((لاَ طَاعَةً لِمَخْلُوق في مَعْصِيَة الْخَالقِ)) ، وحدَّثَ على أَثَرِهِ : عن حمادِ بنِ يحيى الأبحِّ ، عن يزيدَ الرقاشيِّ ، عن أنس ، أنَّ النبيِّ وَّهِ قالَ: ((شَيَّتني هُودٌ))؛ فيشبهُ أنْ يكونَ التمتامُ كتبَ إسنادَ الأولِ ومتنَ الأخيرِ ، وقرأَهُ على الوركانيِّ، فلم يتنبّهُ عليهِ)(٢). * تَنْبِيهُ : حكى السهميّ في الموضعِ المشارِ إليهِ : أنَّ تمتامًا لمَّا أنكرَ عليه موسى بنُ هارونَ وغيرُهُ هذا الحديثَ، ((جاءَ بأصلِهِ إلى إسماعيلَ بنِ إسحاقَ القاضِي ، فأوقفَهُ عليهِ ، فقالَ إسماعيلُ (١) ((سؤالات السهمي)) (٩). (٢) وراجع: ((العلل)) للدار قطني (١٩٣/١ - ٢١١) و((السلسلة الصحيحة)) (٩٥٥). هذا ؛ وقد وقع تمتامٌ في نحو هذا الخطإٍ أيضًا في حديث آخر ، فانظره في ((السلسة الضعيفة)) للشيخ الألباني (٩٤٣) . وانظر: حديثًا آخر ، وقع فيه نحو هذا الخطإِ ، وقد بينه الشيخ الألباني في ((الإرواء)) (٣٦٣/٣) . ٣٥٣ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ القاضي : ربَّما وقعَ الخطأُ للناسِ في الحداثة ، فلو تركتَهُ لم يضركَ . فقالَ تمتامٌ : لا أرجعُ عما في أصلٍ كتابي)) . وحكى السهميُّ أيضًا عن الدارقطنيِّ، بعدَ كلامِهِ السابقِ والمتضمنِ إعلالَ الحديثِ بدخولِ إسنادٍ في إسنادٍ على تمتامٍ ، قالَ الدارقطنيُّ : ((وأمَّا لزومُ تمتام كتابَهُ وتثبته فلا ينكرُ ، ولا ينكرُ طلبُهُ ، وحرصُهُ على الكتابة)) . ثمَّ قالَ الدار قطنيُّ : ((شيبتني هودٌ والواقعةُ؛ معتلةٌ كلُّها)). والذي أريدُ أنْ أنّبِّهَ عليهِ : أنَّ عدمَ إنكارِ الإمامِ الدارقطنيُّ لزومَ تمتامٍ لكتابِهِ ، لا يعني تصحيحَهُ لحديثه هذا ، وعدمَ تخطئةِ تمتامٍ فيهِ ، كيفَ وقد صرحَ هو بخطئه فيما ٠٠ سبقَ. وإنَّما معنى هذا ؛ أنَّ تمتامًا يُعذرُ في هذا الخطإِ ، ولا يُضعفُ من أجله ؛ فقد عُلمَ من قواعدِ علومِ الحديثِ من حالِ المصرِّ على الخطإ، أنَّ ٠ مَنْ بَيَّنَ لهُ نقادُ الحديثِ خطأَهُ في حديثٍ ما ، ثمَّ أصرّ على روايتِهِ ، غيرَ ملتفتٍ لإنكارِ أهلِ الاختصاصِ ، أَنَّه يُضعفُ بذلكَ ، بل ويتركُ ؛ لتعمدِهِ روايةَ ما تبيَّنَ لهُ فيهِ الخطأُ ؛ اللَّهمَّ إلا أنْ يكونَ له عذرٌ في ذلكَ ، كما هو حالُ تمتامٍ ؛ فإنَّ الحديثَ في كتابِهِ ، وكتابُهُ لم يعهدْ فيهِ الخطأَ ، فكانَ جانبُ توقفِ تمتامٍ في تخطئةِ النقادِ عندَه قويًّا ، فعذَرَهُ الدارقطنيُّ بذلكَ ، ٣٥٤ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ ولم يضعفْهُ ، وإنْ كانَ الحديثُ خطأ (١) ٠ واللهُ أعلمُ . مثالٌ آخرُ : سألَ ابن أبي حاتمٍ أباهُ (٢) : عن حديث ؛ رواه : هشامُ بن إسماعيلَ ، عن محمد بن شعيب بن شَابور، عن عبد الله بن العلاء بن زَبّر، عن سالم، عن أبيه، عن النبيُّ وَله، أنَّه صَلَّى، فتركَ آيَةً، فلمَّا انظرفَ قال: ((أَفيكُمْ أَبيَّ؟)) - وذكر الحديثَ فقال أبو حاتم : ((هَذَا وَهْمٌ ؛ دَخَلَ لهشامٍ بن إسماعيلَ حديثٌ في حديثٍ ؛ نظرتُ في بعضِ أصنافِ محمد بن شعيبٍ ، فوجدتُ هَذا الحديثَ ، رواه محمد بن شعيب ، عن محمد بن يزيدَ البصريِّ ، عن هشامٍ بن عروةَ ، عن أبيه ، أن النبيَّ وَّهِ صلَّى، فتركَ آيَةً؛ هكذا مرسلٌ. ورأيتُ بجَنْبه: حديثَ عبدِ الله بن العلاءِ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن النبيِّ وَّهِ، أنه سُئل عن صلاة الليلِ ، فقال: ((مَثْنِى مَثْنى، فإذا خشيتَ الصَّبْحَ))؛ فعلمتُ أنَّه سَقَط على هشامٍ بن إسماعيلَ متنُ حديث عبد الله بن العلاءِ ، وبَقيَ إسنادُهُ ؛ وسقط إسنادُ حدیث محمد بن يزيدَ البصريِّ ؛ فصارَ متنُ حدیث محمد بن يزيدَ البصريِّ بإسنادِ حديث عبد الله بن العلاءِ بن زَبْر ؛ وهَذا حديثٌ. (١) كما فعل الإمام ابن خزيمة مع أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب ، انظر : ((تهذيب الكمال)) (٣٨٩/١)، وقد تقدم في مقدمة هذا الكتاب. (٢) في ((العلل)) (٢٠٧). ٣٥٥ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ مشهورٌ ، يرويه الناسُ عن هشام بن عروةَ)). قال أبو حاتمٍ : ((فلما قدمتُ السفرةَ الثانيةَ ، رأيتُ هشام بن عمارِ يحدثُ به عن محمد بن شعيب ، فظننتُ أن بعضَ البغداديين أدخلوه عليه ، فقلتُ له : يا أبا الوليدِ ! ليسَ هذا من حديثكَ ! فقال : أنتَ كتبتَ حديثي كلَّه ؟! فقلت : أما حديثُ محمد بن شعيبٍ ؛ فإنِّي قدمتُ عليكَ سنةً بضعةَ عشرَ ، فسألتني أنْ أُخْرِجَ لكَ مسندَ محمد بن شعيبٍ ، فأخرجتَ إليّ حديثَ محمد بن شعيبٍ ، فكتبتُ لكَ مسندَهُ . فقال : نعمْ ؛ هي عندي بخطّكَ ، قد أَعْلَمْتُ الناسَ أن هَذا بخطٌّ أبي حاتمٍ . فسكت)) اهـ . مثالٌ آخرُ : حديثُ : ابنِ صاعدٍ ، عن محمدِ بنِ يحيى القطعيِّ ، عن عاصمِ بنِ هلال البارقيٌّ ، عن أيوبَ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، قالَ : قالَ رسولُ اللَّهُ وٍَّ: (لاَ طَلَقَ وَلاَ مِثْقَ، إِلَّ بَعْدَ نِكَاَحٍ)). فهذا المتنُ ؛ مشهورٌ من حديثِ : عمرِو بنِ شعيبٍ ، عن أبيهِ ، عن جدّه ؛ هكذا يرويهِ الناسُ . أخرجهُ: أحمدُ (١٨٩/٢ - ١٩٠ - ٢٠٧) وأبو داودَ (٢١٩٠) ٣٥٦ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ (٢١٩١) (٢١٩٢) والترمذيُّ (١١٨١) وابنُ ماجه (٢٠٤٧) وغيرُهم. أمَّا بهذا الإسناد ؛ فهو ممَّا لا يعرفُ إلا من هذا الوجه ، وهو خطأٌ لا أصلَ لهُ . وقد بينَ ابنُ عديٍّ (١) سببَ الخطإِ، وأَنَّه كانَ في كتابِ القطعيِّ حديثُ : عاصمٍ بنِ هلالِ ، عن أيوبَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، عنِ النبيِّ وَّ في تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وبعقبه حديثُ: عمرو بن شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عن النبيِّ وَّةِ: ((لاَ طَلاَقَ ... ))، فدخلَ على ابنِ صاعدٍ إسنادُ الحديثِ الأولِ بمتنِ الحديثِ الثاني . وقد حكى أبو يعلى الخليليُ (٢)، عن أبي عروبةَ الحرانيِّ، أنَّه قالَ : (لَوَ كانَ هذا الحديثُ عند أيوبَ عن نافعٍ؛ لاحتجَّ (٣) بِهِ الناسُ منذُ مائتي سنةٍ ، عن عمرو بن شعيبٍ ، عن أبيهِ ، عن جده)) . يعني : لو كانَ هذا الحديثُ ثابتًا بهذا الإسنادِ ((عن أيوبَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ))، لما تركَهُ الناسُ واحتجوا في هذا البابِ بما هو دونَهُ في الصحةِ ، أي : بإسنادِ ((عمرو بنِ شعيبٍ ، عن أبيهِ ، عن جدهِ)) . وهذا ؛ يدلُّ على أنَّه ليسَ لهُ أصلٌ من حديث أيوبَ ، ولا من حديث نافعٍ ، ولا ابنِ عمرَ، وإنَّما إسنادُه الذي يُروى به ويُعرفُ بهِ ، هو : ((عمرو ابنُ شعيب ، عن أبيه ، عن جده)) . (١) في («الكامل)) (١٧٨٣/٥ -١٨٧٤). (٢) في ((الإرشاد)) (٤٥٩/١). (٣) لعل الأشبه: ((لما احتج))، والمعنى مفهوم . ٣٥٧ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ فهذا ؛ هو الإسنادُ الذي يُحكمُ بمقتضاهُ على هذا المتنِ ، ولا اعتبارَ بهذا الإسنادِ الآخرِ . فانظرْ ؛ إلى دقة نقد أئمة الحديث ، ومدى أهمية الكتاب لمعرفة ما إذا كانَ الحديثُ محفوظًا أم خطأ ، وهذا مما يسلَّمُ لهم فيه ؛ لأنَّ الكتبَ ٠ والأصولَ ليست في حوزتنا كما كانت في حوزتهم ، وقد كانَ أسهلَ عليهم أنْ يعتبروا بحديث عاصم بن هلال هذا، ويجعلوهُ شاهدًا لحديث عمرو بن شعيب ، فرحمَهم اللَّهُ تعالَى ، وجزاهُم اللَّهُ خيرًا على سعيهم ونصحِهم للأمةِ. مثالٌ آخرُ : حديثُ : محمدِ بنِ عبدِ الرحيمِ المعروفِ بـ ((صاعقة)) ، عن أبي المنذرِ إسماعيلَ بن عمرَ ، عن ورقاءَ، عن سعد بن سعيد، عن عمرَ بنِ ثابت ، عن أبي أيوبَ، قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَالَ: ((لاَ تَسْتَقْبَلُوا الْقَبْلَةَ وَّلا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطِ وَ بَوْلٍ ؛ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرَّبُوا)) . أخرجهُ: الطبرانيُّ (١٣٧/٤) وابنُ عديٍّ في ((الكامل)) (١١٨٩/٣) والدار قطنيَّ (١ /٦٠) والخطيبُ في ((تاريخ بغداد)) (٣٦٣/٢) (١). قالَ الدارقطنيَّ في ((العلل))(٢): ((لم يحدثْ بهِ - فيما أعلمُ - إلا صاعقةُ)) . وقد بينَ الإمامُ ابنُ عديٌّ وجهَ الخطإِ في روايةِ هذا المتنِ بهذا (١) استفدت مواضع تخريج هذا الحديث من: ((الإرواء)) (٩٩/١)، و((بذل الإحسان)) لأخي الفاضل أبي إسحاق الحويني (٢١٧/١ - ٢١٨). (٢) (١١٦/٦) . ٣٥٨ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ الإسناد ، فقالَ بعدَ أنْ ذكرَ بعقبه بهذا الإسناد متنَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ، وَأَنْبَعَهُ بِسِتٌّ مِنْ شَوَّالِ ، فَهُوَ صَائِمُ الدَّهْرِ» قالَ ابنُ عديٌّ : ((حديثُ سعدِ بنِ سعيد ، عن عمرَ بنِ ثابتٍ ، عن أبي أيوبَ: ((من صامَ رمضانَ))، فهو مشهورٌ ، ومدارُ هذا الحديث عليه ؛ قد حدثَ بهِ عنهُ: يحيى بنُ سعيدٍ أخوهُ ، وشعبةُ ، والثوريُّ ، وابنُ عيينةً ، وغيرُهم من ثقاتِ الناسِ». قالَ : ((وحديثُ ورقاءَ ، عن سعدِ بنِ سعيدٍ ، عن عمرَ بنِ ثابتٍ ، عن أبي أيوبَ، عنِ النبيِّ نَّهِ: ((لا تَستقبلوا القبلةَ))، فهو غريبٌ؛ غريبٌ هذا المتنُ بهذا الإسناد ؛ لأنَّ بهذا الإسنادِ لا يعرفُ إلا ((مَن صامَ رمضانَ»، وفي حديثٍ ورقاءَ قد جمعَ بينَ المتنينِ ((لا تَستقبلوا القبلةَ))، وهو غريبٌ ، و((مَن صامَ رمضانَ))، وهو مشهورٌ)) اهـ . مثالٌ آخرُ : حديثُ : يحيى بنِ يمانِ ، عن الثوريِّ، عن منصورِ ، عن خالدِ بنِ سعد، عن أبي مسعود، قالَ: عَطِشَ النبيُّ بِّهِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَأْتِيِّ بِنِيْدٍ مِنَ السِّقَايَةِ ، فَشَمَّهُ ، فَقَطََّ ، فَقَالَ: ((عَلَيَّ بِذَنُوبٍ مِنْ زَمْزَمَ) ، فَصَبَّ عَلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ((لا)) أخرجهُ : النسائيَّ (٣٢٥/٨). وهذا الحديثُ ؛ أنكرَهُ أهلُ العلمِ على يحيى بنِ يمانِ ، منهم : ٣٥٩ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد أحمدُ، والنسائيُّ، وأبو حاتمٍ، وأبو زرعةَ ، والدارقطنيُّ ، وابنُ عديٍّ، وغیرُهم(١). وقالوا: هذا المتنُ إنما يرويهِ الثوريَّ، عنِ الكلبيِّ ، عن أبي صالحٍ، عن المطلبِ بنِ أبي وداعةً، عن النبيِّ ◌َِّةِ. والكلبيُّ ، متروكُ الحديثِ . وقد بيَّنَ وجهَ الخطاٍ فيه أبو حاتم الرازيُّ ، فقالَ (٢): ((والذي عندي؛ أنَّ يحيى بنَ يمانِ دخلَ حديثٌ لهُ في حديث : رواهُ الثوريُّ ، عن منصورٍ ، عن خالدِ بنِ سعدٍ مولى أبي مسعودٍ ، أنَّه كانَ يَشربُ نبيذَ الجرِّ - وعن الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ ، عن المطلبِ ، عنٍ النبيِّ بَّهِ، أَنَّه كانَ يطوفُ بالبيت - الحديث(٣)؛ فسقطَ عنهُ إسنادُ الكلبيِّ ، فجعلَ إسنادَ منصورٍ ، عن خالدٍ ، عنْ أبي مسعودَ لمتنِ حديثِ الكلبيِّ». ونحوَ ذلكَ؛ قالَ الدارقطنيُّ في ((العلل)) (٤) . مثالٌ آخرُ : حديثُ : ابن لهيعةَ ، عن محمدِ بنِ زيدِ بنِ المهاجرِ ، عن محمد بنِ المنكدرِ، عن جابرٍ ، قالَ: كَانَ النبيُّ ◌َ﴿ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ سَلَّمَ. فهذا الحديثُ ؛ ممَّا أخرجتْهُ لهُ الأرضُ من أفلاذ أكبادها ؛ فإنَّ هذا (١) انظر: ((علل الحديث)) للدارقطني (٦/ ١٩٢)، والتعليق عليه. (٢) كما في ((العلل)) لابنه (٦٧٥). (٣) يعني : حديثنا هذا . (٤) ((العلل)) (١٩٣/٦). وانظر: ((الكامل)) لابن عدي (٩٠٠/٣) (٢٦٩١/٧). ٣٦٠ الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ البابَ إنَّما يقومُ على موقوفاتٍ على بعضِ الصحابةِ وبعضِ التابعينَ ؛ فقد رُوي ذلكَ عن عثمانَ وابنِ عباسٍ وابنِ الزبيرِ ، ثمّ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ . ورُوي مرسلاً ، من مرسلِ الشعبيِّ وعطاءٍ(١). فهذا ؛ أَعلى ما في البابِ ، فإذا بابنِ لهيعةَ يأبى إلا أنْ يأتيَ به مسندًا مرفوعًا إلى رسول اللَّه وَله . والعجبُ !! أنَّه جاءَ لهُ بإسناد كالشمسِ ، فقالَ : ((عن محمدِ بنِ المنكدرِ عن جابرٍ))، ولو كانَ هذا الحديثُ من حديثِ ابنِ المنكدرِ ، وأنّه حدَّثَ به فعلاً ، لرواهُ عنهُ أصحابُه العارفونَ بحديثهِ - أو بعضُهم على الأقلِّ - ، كالسفيانينِ وغيرِهما . ولهذا؛ عدَُّ ابنُ عديٍّ من مناكيرِهِ في ترجمتِهِ من ((الكامل)) (٢). ولمَّا سألَ ابنُ أبي حاتم الرازيُّ أباهُ عنه (٣) ، قالَ أبو حاتمٍ : ((هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ) . وهذا الحديثُ؛ قد رواهُ ضعيفٌ آخرُ ، واسمُهُ : عيسى بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصاريُّ، فجاءَ لهُ بإسنادٍ آخرَ ، فقالَ : ((عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ)، وهذاَ من أنكرِ شيءٍ يُروى ، فلو كانَ هذا من حديثِ نافعٍ لما تفردَ هذا الضعيفُ به عنهُ؛ ولهذا أنكرَهُ عليهِ ابن حبانَ في ((المجروحين)) (١٢١/٢) وابنُ عديّ (١) راجع: ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٩٣/٣) و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٠٥/٣) و((شرح السنة)» للبغوي (٢٤٢/٤) و((الصحيحة)) للشيخ الألباني (٢٠٧٦). (٢) ((الكامل)) (٤ /١٤٦٥). (٣) في ((العلل)) (٥٩٠) .