Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
الَّنْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ
الشَّيخ ، فائْتني بحديثِهِ - يعني : محمدَ بنَ شجاعٍ - ، قالَ : فذهبتُ أَنَا
وأبو تُمَيْلَةَ، فَأَتَيْتُهُ بحديثِهِ ، فنظرَ ابنُ المباركِ في حديثه ، فقالَ : لا إلَه إلا
٠
اللهُ! ما أحْسَنَ حديثَهُ !!
أي : ما أَنْكَرَهَا، وأَبْعَدَهَا عن الصِّحة.
ويدلُّ على ذلكَ أمورٌ :
الأوَّلُ : أنَّ نعيم بن حماد حكى هَذه القصةَ ، وذكرَ أن ابن المبارك
أنكرَ أحاديثَهُ، وضعَّفَهُ من أجلها .
قال نعيم بن حمادٍ (١): محمد بن شجاعٍ ؛ ضعيفٌ ، أَخَذَ ابن المبارك
كتبَهُ ، وأرادَ أنْ يسمِعَ مِنْهُ ، فرأى منكراتٍ ، فلم يسمعْ منهُ .
الثّاني: أنَّ ابنَ المباركِ ، قد صرَّحَ في روايةٍ أخرى بضَعْفِ محمد بن
شجاعٍ هذا ، بل بَضعْفِه جدًّا؛ فقالَ :
((محمد بن شجاعٍ ؛ ليسَ بشيءٍ ، ولا يَعْرِفُ الحديثَ)).
الثَّالثُ : أنَّ غَيرَهُ من الأئمةِ قد ضعَّفُوه جدًّا .
قال البخاريُّ وأبو حاتمٍ :
((سكتُوا عنهُ)) .
وقالَ أبو عليٌّ محمد بن عليٌّ بن حمزة :
(«ضعيفُ الحديث ، وقد تركُوه)) .
ومنْ ذلكَ :
روى: النسائي في (السننِ)) (١)، عن أبي بكرٍ بن خلاَّدٍ ، عن
(١) ((السنن)) (٤/ ١٤٢).

١٤٢
الَّْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةَ
محمد ابن فُضَيلِ ، عن يحيى بن سعيد الأنصارِيِّ ، عن أبي سلمةَ ،
ءِ
عن أبي هريرةَ - مرفوعًا - : ((تسحّروا؛ فإنّ في السّحور بركةٌ)).
ثم قال النسائيُّ :
((حديثُ يحيي بن سعيد هذا ؛ إسناده حسنٌ، وهو منكرٌ، وأخافُ أن
يكونَ الغلطُ من محمد بن فضيلٍ )) .
و((الحَسن)) هنا بمعنى الغريب؛ لأن ((الحَسن)) الاصطلاحِيَّ لا يجامعُ
((المنكرَ)) ولا ((الغلطَ)).
ولا يقالُ : لعلَّ الإمامَ النسائيَّ إنَّما يَصِفُ الإسنادَ بالحسنِ ، والمتنَ
بالنكارةِ وأنَّ الضميرَ في قولِهِ: ((هو)) عائدٌ إلى المتنِ ، وكما هو معلومٌ لا
تلازمَ بين الحكم على الإسنادِ والحكمِ على المتنِ ..
لا يقالُ ذلكَ؛ لأنَّ هذه الأوصافَ الثلاثَ ((الحَسن)) و((المنكَر))
و((الغَلَط))، إنما أطلقها النسائيَّ على إسنادٍ هذا الحديث دونَ متنه ؛ فإنَّ هَذا
المتنَ صحيحٌ ثابتٌ ، وقد أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ (١) من غيرِ هذا الوجهِ
عن رسول الله وَّه، وكذلكَ؛ أخرجه النسائيِّ في أوَّلِ البابِ مِن هَذا
الوجهِ الصحيحِ ؛ ويُسْتَبَعُد على مثل الإمامِ النسائيِّ أنْ يخفى عليه صحةُ هذا
المتنِ؛ لاسيما مع قولِهِ : ((أخافُ أن يكونَ الغلطُ من محمد بن فُضَيْلٍ» ؛
فإنَّ ابن فضيلٍ لم يتفرَّد بالمتنِ ، وإنما تفرَّد بهذا الإسنادِ فَقَطْ ؛ فالإمامُ
النسائيَّ إنَّما ينكرُ روايةَ هذا المتنِ بهذا الإسنادِ ، ويرى أنَّ ابنَ فضيلِ أخطأٌ
(١) البخاري (١٣٩/٤)، ومسلم (٣/ ١٣٠) من حديث أنس .
وقد أخرجه النسائي (١٤١/٤) أيضًا.

١٤٣
النَّْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَة
في إسنادِهِ ؛ دَخَل عليه إسنادُ حديثٍ في إسنادٍ حديثٍ آخرَ .
والله أعلمُ .
ومنْ ذلكَ :
ذكرَ ابنُ عديٌّ ((سلامَ بنَ سليمانَ المدائنيَّ)) في ((الكامل)) (١)، وقالَ :
((هو عندي منكر الحديث)) .
ثمَّ ذكرَ لهُ أحاديثَ كثيرةٌ ، وختمَ الترجمةَ بقولِهِ :
((ولسلامٍ غيرُ ما ذكرتُ، وعامةُ ما يرويه حسَانٌ، إلاَّ أنَّه لا يتابعُ
عليه)) .
وأدخلَ أيضًا في ((الكامل)): ((الضَّحاكَ بن حُمْرةَ))، ونقلَ عن غيرِ
واحدٍ من أهلِ العلمِ تضعيفَهُ ، ثمَّ ساقَ له عدَّةَ أحاديثَ مما أُنكر عليهِ ، ثم
قالَ في آخرِ الترجمةِ (٢) :
((وله غير ما ذكرتُ من الحديثِ، وليسَ بالكثيرِ ، وأحاديثُهُ حسَانٌ
غَرائبُ)) .
ومِنْ ذلكَ :
قالَ البرذعيُّ (٣) :
((قالَ لي أبو زرعةَ : خالدُ بنُ يزيدَ المصريُّ وسعيدُ بنُ أبي هلال
صدوقان ؛ وربما وقعَ في قلبي من حسنٍ حَديثهمَا)) .
(١) ((الكامل)) (١١٥٦/٣). وانظر أيضاً (١١٥٥/٣) و(١٦٩٦/٥) منه.
(٢) ((الكامل)) (١٤١٨/٤).
(٣) (٣٦١/٢).

١٤٤
التَّنْقِيَةُ .. قَبْلَ الَّقْوِيَة
يعني : لكونها غرائبَ ؛ لأنَّ الغرائبَ هي التي يُخشى مِنَ الخطإِ
فيها ، بخلافِ الأحاديثِ المشاهيرِ المتابعِ عليها .
وحكى البرذعيُّ (١) أيضًا عن أبي زرعةَ ، أَنَّه قالَ :
((زيادٌ البكائي، يهمُ كثيرًا، وهو حسنُ الحديث)) .
ومن يهمُ كثيرًا ، فهو ضعيفٌ .
وقالَ أبو حاتمِ الرازيُّ (٢):
(أبو إسرائيلَ المُلائيُّ، حسنُ الحديث، جيدُ اللقاءِ، لهُ أغاليطُ ، لا
يحتجّ بحديثه، ويكتبُ حديثُهُ، وهو سيءُ الحفظِ)) .
ء'
ومن ذلكَ :
روى الخليليَّ في ((الإرشاد)»(٣):
عن محمدِ بنِ موسى الباشانيِّ ، عن الفضلِ بنِ خالدِ أبي معاذٍ ، عن
نوحِ بنِ أبي مريمَ ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ ، عن النعمانِ بنِ سالمٍ ، عن
يعقوبَ بنِ عاصمٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو - مرفوعًا - : ((يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي
آخر الزَّمَانِ، فَيَلَبَثُ أَرْبَعِينَ .... )) - الحديث.
ثُمَّ قالَ الخليليُّ :
(لم يروِهِ عن داودَ إلا نوحٌ - وإنْ كانَ ضعيفًا (٤) - ، والحديثُ غريبٌ
جدًّا، حَسَنٌ ، لم يروِهِ غيرُ الباشانيِ) .
(١) (٣٦٨/٢).
(٣) (٩١٢/٣ - ٩١٣) .
(٢) ((الجرح والتعديل)) (١/ ١/ ١٦٦).
(٤) بل ؛ هو كذاب معروف .

١٤٥
التَّتْقِيَةُ .. قَبْلَ التَّقْوِيَة
وهذه أمثلةٌ عن الإمام الدار قطنيَّ :
فمن ذلكَ :
أخرجَ في ((السنن))(١):
حديثَ : الوليدِ بنِ مسلمٍ : أخبرني ابنُ لهيعةَ : أخبرني جعفرُ بنُ
ربيعةَ ، عن يعقوبَ بنِ الأشجِّ ، عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ ، عنِ ابنٍ
عباسٍ ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، عنِ النبيِّ وَّهِ - في التشهد -: ((التحيات
للَّه ، والصلواتُ الطيباتُ المباركاتُ لَلَّ)).
ثمَّ قالَ :
«هذا إسنادٌ حسنٌ ، وابنُ لهيعةَ ليسَ بالقويِّ).
وقولُهُ : ((إسنادٌ حسنٌ))، بمعنى : غريبٍ أو منكرٍ .
ويدلُّ على ذلكَ:
أَنَّه أخرجَهُ في كتابِ ((الغرائب والأفراد))(٢)، وقالَ :
((غريبٌ من حديث عمرَ عنِ النبيِّنَّه ، ومنِ حديثِ ابنِ عباسٍ عنهُ،
ولم يروِهِ غير جعفرِ بنِ ربيعةً عن يعقوبَ بنِ الأشجِّ ، ولا نعلمُ أحدًا رواهُ
غير الوليدِ بنِ مسلمٍ عنِ ابنِ لهيعةَ، وتابعَهُ عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ التّنِيسيّ)).
يعني : تابعَ الوليدَ ؛ فالحديثُ ممَّ تفردَ بهِ ابنُ لهيعةً .
وقالَ نحو هذا في ((العلل))(٢) ؛ وزادَ :
وَلا غير ابن لهيعةَ.
(( ... ولا نعلمُ رفعَهُ عن عمرَ عنِ النبيِّ
(١) (٣٥١/١) .
(٢) ((أطراف الغرائب)) لابن طاهر (٣٢ / ١ - ٢).
(٣) (٨٢/٢ - ٨٣).

١٤٦
التَّنْقِيَةُ .. قَبْلَ التَّقْوِيَةِ
والمحفوظُ : ما رواهُ عروةُ ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ القاري ، أنَّ عمرَ
كانَ يعلِّمُ النَّاسَ التشهدَ - من قولِهِ ؛ غير مرفوعٍ)) .
قلتُ : وهذا يدلُّ على أنَّ روايةَ ابنِ لهيعةَ عندَهُ شاذةٌ أو منكرةٌ ؛ لتفرده
برفعِ الحديثِ عن عمرَ عنِ النبيِّ
وَّةِ ، ثمَّ لمخالفتِهِ للمحفوظِ عندَ
الدار قطنيٌّ ، وهو وقفُ الحديثِ .
ومنْ ذلكَ :
أخرجَ الدار قطنيُّ في ((السنن))(١):
عن عبدِ اللهِ بنِ سالمٍ : عنِ الزبيديِّ: حدثني الزهريُّ ، عن
أبي سلمةَ وسعيد، عن أبي هريرةَ، قالَ: كانَ النبيُّ نَّهِ إِذَا فرغَ من قراءةِ
أمِّ القرآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ ، وقالَ : ((آمينَ)).
ثمَّ قالَ الدار قطنيُّ :
((هذا إسنادٌ حسنٌ) .
ولم يرد الدارقطنيَّ من قولِهِ هذا تثبيتَ الحديث ؛ بدليل أنَّه ذكرَ هذا
الحديثَ في ((العلل))(٢)، وذكرَ أوجهَ الخلافِ فيهِ سندًا ومتنًا، ثمَّ قالَ :
((والمحفوظُ : من قولِ الزهريِّ مرسلاً».
ومن ذلكَ :
أخرجَ في ((السنن))(٣):
حديثَ : محمدِ بنِ عقيلِ بنِ خويلدٍ ، عن حفصِ بنِ عبدِ اللَّهِ ، عن
(١) (السنن)) (٣٣٥/١).
(٢) (٨٤/٨ - ٩٢) .
(٣) ((السنن)) (٤٨/١).

١٤٧
النَّنْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ
إبراهيمَ بنِ طهمانَ، عن أيوبَ ، عن ابنِ عمرَ - مرفوعًا - : ((أَيَّمَا إهَاب
دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) .
ثمَّ قالَ الدارقطنيُّ :
((إسنادٌ حسنٌ)) .
أي : غريبٌ ؛ بدليلٍ :
أنَّ هذا الحديثَ - مع أحاديثَ أخرى - ممَّا استنكرُوهُ على ابنِ خويلد
هذا ، وهو وإنْ كانَ من جملةِ الثقات ، إلا أنَّهُ أخطأُ فِي إسنادِ هذا
الحدیث .
قالَ أبو أحمدَ الحاكمُ :
((حدَّثَ عن حفصِ بنِ عبدِ اللَّهِ بحديثينِ، لم يتابعْ عليهما، ويُقالُ :
دخلَ لهُ حديثٌ في حديثٍ ، وكانَ أحدَ الثقاتِ النبلاءِ» .
وقالَ ابنُ حبانَ في ((الثقات))(١):
(رَبَّمَا أخطأً؛ حَدَّثَ بالعراقِ بمقدارِ عشرةِ أحاديثَ مقلوبةٍ)) .
وذكرَهُ الذهبيُّ في ((الميزان))(٢)، وقالَ :
((معروفٌ، لا بأسَ بهِ ، إلاَّ أنَّه تفردَ بهذا)) .
ثمَّ ذكرَ لهُ هذا الحديثَ بعينِهِ ، وأتبعَهُ بقولِ الدار قطنيٌّ !
هذا ؛ وإنَّما يعرفُ هذا المتنُ من حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ وعلةَ ، عنِ
ابنِ عباسٍ، وقدْ أخرجَهُ مسلمٌ (١٩١/١) وغيرُهُ .
(١) ((الثقات)) (١٣٩/٩-١٤٧).
(٢) (٦٤٩/٣ - ٦٥٠).

١٤٨
النَّنْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ
راجع: ((غاية المرام)» (٢٨) للشيخ الألبانيِّ - حفظهُ اللَّهُ تعالى.
ومِن ذلكَ :
أخرجَ في ((السنن))(١):
حديثَ : ابنِ أبي مسرَّةً ، عن يحيى بنِ محمدِ الجاريِّ ، عن زکریا
ابنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مطيعٍ ، عن أبيه ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ -
مرفوعًا -: ((مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوَ إِنَاءٍ فِيهِ شَيَّةٌ مِنَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا
يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارِ جَهَنَّمَ) .
ثمَّ قالَ :
((إسنادُهُ حسنٌ)).
وقولُ الدارقطنيِّ هذا، لا يمكنُ حملُهُ على ((الحسنِ)) الاصطلاحيُّ ؛
وإنَّما هذا بمعنى الغريبِ أو المنكرِ ، على نحو ما يُعرفُ عنِ المتقدمينَ .
وذلكَ ؛ لأمورٍ :
الأولُ: أن يحيى الجاري هَذا ؛ لا يَرْقى حديثُهُ إلى رُتْبةِ الحسنِ ، بل
هُو إلى الضَّعفِ أقرب (٢) .
قال البخاريُّ : ((يتكلمونَ فيهِ» .
وأدخله ابن حبانَ في ((الثقاتٍ))، وقالَ: ((يُغْرب)).
ثم أدخله في ((المجروحين))، وقالَ :
(١) (١ / ٠ ٤) .
(٢) وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألباني (٣٤٣/٢).

١٤٩
النَّْقِيَةُ .. قَبْلَ الَّقْوِيَّةِ
((كان ممَّن ينفردُ بأشياء لا يتابعُ عليها ، على قلَّه روايته ، كأنَّه كانَ يَهمُ
كثيرًا؛ فمن هُنا وقعَ المناكيرُ في روايتهِ ، يجبُ التنكُّبُ عمَّ انفردَ من
الرواياتِ ، وإن احتجَّ به محتجٌّ فيما وافقَ الثقات ، لم أر بذلكَ بأسًا)).
ووثَّقه العجليُّ ، وقال ابن عديٌّ: ((ليسَ بحديثهِ بأسٌ» .
الثاني : أن زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مُطيع ، مجهولُ الحال ،
وكذا أبوه(١) .
الثالث : أن زيادة ((أو إناء فيه شيءٌ منْ ذلكَ))، زيادةٌ منكرةٌ في هذا
الحديث، وقد صرَّح بذلكَ، الإمامَ الذهبيُّ ، حيثُ أدخلَ هَذا الحديثَ
في ترجمةٍ يحيى الجاري من («الميزان))، ثم قالَ:
(«هذا حديثٌ منكرٌ ، أخرجه الدار قطنيُّ ، وزكريا ليسَ بالمشهورِ)) .
وجزمَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية بضعفِ هذه الزيادةِ، فقالَ (٢): ((إسنادُهُ
ضعيف) .
وإنما هذه الزيادةُ تصحُّ عن ابن عمرَ ، من فعلِهِ هُو ، وقدْ بَيَّن ذلكَ
الحافظُ البيهقيَّ في ((السنن الكبرى)) و((الخلافيات)). وأشارَ إليه الحاكمُ في
((معرفة علوم الحديث)) (٣).
(١) (فتح الباري) لابن حجر (١٠١/١٠)، و((الجوهر النقيّ)) (٢٩/١).
(٢) ((مجموع الفتاوى)) (٨٥/٢١).
(٣) ((الكبرى)) (٢٩/١) و((الخلافيات)) (٢٧٤/١-٢٧٨) و((المعرفة)) (ص١٣١).
هذا ؛ وقد استفدت كثيرًا من مادة هذا الحديث ، مما علقه أخونا مشهور حسن على
((الخلافيات)) ، فجزاه الله خيراً .

١٥٠
التَّنْقَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ
فالحاصلُ ؛ أن إطلاقَ الدار قطنيِّ لفظَ ((الحسنٍ)) على هذا الحديث ،
ليس من بابِ الإطلاقِ الاصطلاحيُّ ، بل بمعنى الغريبِ والمنكرِ ، كما
سبقَ .
وبالله التوفيقُ .
؛
+
:
٠

الْمُتَابَعَةُ .. وَظَنُّ الرَّجُلِ رَجُلَيْنِ
المتابعةُ التي يَعتدُّ بها العلماءُ ، ويقوونَ بها الروايةَ ، هي المتابعةُ
الحقيقيةُ ، وليسَ المتابعةُ الناتجةُ عنِ التخليطِ بين الرواةِ ، مِن ظنِّ الرجلِ
رجلينِ ، والواحدِ اثنينٍ .
كأنْ يكونَ الحديثُ حديثَ رجلٍ واحدٍ ، هو المتفردُ بِهِ ، إلاَّ أنَّه ذُكرَ
مرةً باسمِهِ ، ومرةً بكنيتهِ ، فاشتبَهَ ذلكَ : هل هو واحدٌ ، أمِ اثنانٍ ؟
فقد يَنْطَلي ذلكَ على البعض ، فيظنُّ أَنَّهما اثنانِ ، فيجعلُ كلاً منهما
متابعًا للآخرِ ، والصوابُ أنَّه رجلٌ واحدٌ ، ذُكرَ مرةً باسمِهِ ، ومرةً بكنيتهِ ،
وأَنَّه لا متابعةً .
مثالُ ذلكَ :
قالَ ابن أبي حاتمٍ (١) :
((سألتُ أبي عن حديثِ ؛ رواهُ: إسماعيلُ بن أبانِ الوراقُ ، عن
جعفرِ الأحمرِ ، عن أبي خالدٍ، عن أبي هاشمِ الرُّمانيِّ، عن زاذانَ ، عن
سلمانَ، أَنَّه رعفَ، فقال لهَ، رسولُ اللهِ وَلَّ: ((أَحْدثْ لِذَلَكَ وُضُوءً)).
فقالَ أبي : أبو خالدِ هَذا ؛ عَمْرو بن خالد ، متروكُ الحديث ، لا
يُشْتَغِلُ بهذا الحديثِ .
قلتُ لأبي : فإنَّ الرَّماديَّ حدثنا عن إسحاقَ بن منصورٍ ، عن هُرِيمٍ ،
(١) في ((العلل)) (١١٢).

١٥٢
الْمُتَابَعَةُ .. وَظَنُّ الرَّجُلِ رَجُلَيْنِ
عن عَمْرو القرشيِّ ، عن أبي هاشمٍ الرمانيِّ ؛ هذا الحديث ؟
فقالَ : هو عَمْرو بن خالد)) اهـ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : يحيى بنِ عَبْدويه ، عن قيسِ بنِ الربيعِ ، عن السُّدِّيِّ ،
عن زيدِ بنِ وهبٍ ، عن وَبِصَةَ بنِ مَعبدٍ ، أَنَّ رَجُلاً صَلَّى خَلْفَ الصَّفَهِّ
٠٫٠٠
وَحْدَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَرَى مِنْ خَلْفِهُ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ
النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((أَلاَ دَخَلْتَ فِي الصَّفِّ، أَوْ جَذَّبْتَ رَجُلاً صَلَّى مَعَكَ! أَعد
الصَّلَاةَ)).
٠٠
أخرجَهُ : ابنُ الأعرابيِّ في ((معجمه)) (١).
ويحيى بنُ عَبْدويه هذا ، أثنى عليه أحمدُ ، لكن كذَّبهُ ابنُ معينٍ .
لكنْ ؛ روى هذا الحديثَ أبو الشيخِ الأصبهانيّ في ((طبقاته))
(٢/ ٢٩٢) وعنه أبو نعيم في «أخبار أصبهان)) (٣٦٤/٢)، عن عقيلِ بنِ
93
يحيى : حدثنا الطّائِيّ - شيخٌ قدمَ علينا أيامَ أبي داودَ - : ثنا قيسٌ ، به .
وقد أَدخلا هذا الحديثَ في ترجمةِ ((الطائيٍ)) هذا، ولم يسمياهُ .
وهذا الطائيُّ ، هو نفسُهُ يحيى بنُ عَبْدويه .
فقد حكى أبو نعيمٍ عقبهُ عن أبي الشيخ ، أنَّه قالَ :
((هذا الشيخُ ؛ أُرَاهُ يحيى بنَ عَبْدويه البغداديَّ؛ لأنَّ هذا الحديثَ
معروفٌ به)) .
(١) كما في ((الإرواء)) (٣٢٦/٢).

١٥٣
الْمُتَبَعَةُ .. وَظَنُّالرَّجُلِ رَجُلَيْنِ
قلتُ : فلا مُتَبَعَةً .
ولذا ؛ قالَ الشيخُ الألبانيُّ (١) :
((أَوْرَدَاهُ في ترجمةِ الطائيِّ هذا، فقد يُتُوهمُ أنَّه متابعٌ لابن عَبْدويه
هذا ، وليسَ كذلكَ ، بلَ هُوَ هُوَ) .
ثُمَّ نقلَ كلامَ أبي الشيخِ ، ثمَّ قالَ :
((وعلى هذا يدلَّ صنيعُ الحافظِ في ((التلخيص)) (٣٨/٢)؛ فإنَّه عزا
الحديثَ لأبي نعيمٍ في ترجمةِ يحيى بنِ عَبْدويه ، وهو إنما أوردَهُ في ترجمة
الطائيِّ - كما سبقَ - ، ولكنه ختمَها بقولِ ابنِ حبانَ - يعني : أبا الشيخ -
هذا ، فدلَّ ذلك على أنَّ الحافظَ يَرَى ما أُريه أبو الشيخِ ، وهو الظاهر .
واللَّهُ أعلمُ» .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : حكيمٍ بنِ نافعِ الرقيِّ ، عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، عن
عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللّهِ وَهُ: ((سَجْدَتَا السَّهْوِ تُجْزِئُ فِي الصّلاةِ مِنْ
كُلِّ زِيَادَة وَنُقْصَان)) .
أخرجهُ: أبو يَعْلى (٦٨/٨ - ١٤٠) والبزارُ (٥٧٤ - كشف) وابنُ
عديٍّ (٦٣٩/٢) والطبراني في «الأوسط)) (٥١٣٣) (٧١٥٤) والخطيبُ في
((تاريخه)) (٢٦٢/٨)، من طرقٍ ، عن حكيمٍ بنِ نافعٍ ، به .
وقالَ الطبرانيّ :
((لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن هشامٍ بن عروةَ ، إلا حكيمُ بنُ نافعٍ)).
(١) في ((الإرواء)) (٣٢٦/٢ -٣٢٧).

١٥٤
الْمُتَبَعَةُ .. وَظَنُّ الرَّجُلِ رَجُلَيْنِ
وقال ابنُ عديِّ :
((لا أعلمُ رَوَاهُ عن هشامٍ بنِ عروةً ، غير حكيمٍ بنِ نافعٍ)) .
وحكيمٌ هذا ؛ ضعيفٌ ، وقد تفردَ بهذا الحديثِ عن هشامٍ بنِ عروةَ،
وهذا ممَّا لا يُحْتَمَلُ ، لأنَّ هشامًا مِنَ المكثرينَ حديثًا وأصحابًا ، فتفردُ مثلٍ
هذا عنه مما يُعدُّ منكرًا؛ ولهذا عدَّه ابنُ عديٍّ من مناكيرِهِ في ترجمتهِ .
لكنْ ؛ جاءَتْ له متابعةٌ .
فقد رَوَاهُ : عليّ بنُ محمدِ الحَنْظَلِيُّ المَنْجُورِيُّ ، عن أبي جعفرٍ
الرازيِّ ، عن هشامٍ بنِ عروةَ ، بهِ .
أخرجهُ : الخطيبُ في ((تاريخه)) (١٠/ ٨٠).
والمنجوريُّ هذا ؛ فيهِ ضعفٌ ؛ فهذهِ متابعةٌ لا تصحُّ .
لكنْ ؛ قالَ ابنُ عديٍّ :
((ورُوِيَ عن أبي جعفرِ الرازيِّ، عن هشامٍ بنِ عروةَ ؛ ويُقالُ: إنَّ ((أبا
جعفرٍ)) هو كنيةُ ((حكيمِ بنِ نافعٍ))، فكأنَّ الحديثَ رجعَ إلى أنَّهُ لم يَرْوِهِ عن
هشامٍ غيرُ حکیمٍ)) .
قلتُ : فإنْ صحَّ هذا ، فلا متابعةً ، بل هو راوٍ واحدٌ ، ذُكرَ مرةً
باسمِهِ ، ومرةً بكنيته ؛ لا سيّما وأنَّهم لم يذكُرُوا هشامَ بنَ عروةَ في شُيُوخِ
أبي جعفرِ الرازيِّ ، واسمُهُ : عيسى بنُ ماهانَ .
فمن قوَّى الحديثَ بمجموعِ الروايتينِ ، مع وجودِ هذا الاحتمالِ ،
فقدْ أبعدَ النُّجْعَةَ جدًّا .
لا سيما ؛ وأنَّ روايةَ أبي جعفرِ الرازيِّ - إنْ صحَّ أنَّه غيرُهُ ؛ أيْ : أنه

١٥٥
الْمُتَبَعَةُ .. وَظَنُّ الرَّجُلِ رَجُلَيْنِ
عيسى بن مَاهَانَ - لم تصحَّ إليهِ ، لأنَّها من روايةٍ مُضَعَّفَ عنهُ ، ثمَّ إنَّ أبا
جعفرٍ ضعيفٌ أيضًا ، وتفرَّدُ ضعيفٍ عن ضعيفٍ عن مثلِ هشامٍ بن عروةَ ،
بهذا الإسناد المشهور ، مما يُستنكرُ ، إذ يُستبعدُ أنْ يخفى مثلُ هذا على
أصحابِ هشاٍ ، ولا يحفظُهُ إلا الضعفاءُ.
مثالٌ آخرُ :
حديث : الحسين بن محمد ، عن دُوَيّد ، عن أبي إسحاقَ ، عن
زُرْعَةَ، عن عائشةَ - مرفوعًا - : ((الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لا دَارَ لَهُ ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لا
عَقْلَ لَهُ)) .
أخرجهُ: أحمدُ في ((المسند)) (٧١/٦)، وأيضًا؛ الخلالُ في
((علله)(١) من طريقِ حنبلٍ ، عن أحمدَ ، عنِ الحسينِ ، بِهِ .
ونقلَ عن أحمدَ ، أَنَّه قالَ :
((هذا حديثٌ منكرٌ) .
فهذا الحديثُ ؛ هكذا رواهُ الإمامُ أحمدُ ، وسمى فيهِ شيخَ الحسينِ :
((دُوَيْدً)).
وقد رواهُ ابنُ أبي الدنيا في «ذم الدنيا» (١٨٢)، وعنهُ البيهقيُّ في
((الشُّعب)) (١٠٦٣٨) من طريقٍ أخرى، عنِ الحسينِ بنِ محمدِ أيضًا، عن
أبي سليمانَ النَّصِبِيِّ ، عن أبي إسحاقَ ، بهِ .
فلم يسمِّ شيخَهُ في هذه الروايةِ ، بل كنَّهُ بـ ((أبي سليمانَ النصيبيِّ).
وقد ذهبَ بعضُ أفاضلِ العصرِ إلى أنَّ (دُوَيْدً)) هذا هو ((دويدُ بنَ نافع))
(١) من ((المنتخب له)) لابن قدامة (رقم: ٥) بتحقيقي.

١٥٦
الْمُتَابَعَةُ .. وَظَنُّ الرَّجُلِ رَجُلَيْنِ
المترجمُ في ((التهذيب))، وأنَّ ((أبا سليمانَ النصيبيَّ) هذا غيرُهُ ، فهو متابعٌ
لهُ، وعليه ؛ أثبتَ الحديثَ عن أبي إسحاقَ السبيعيِّ ؛ لمتابعةِ كلٌّ منهما
للآخرِ - في ظنِّه ـ ثمَّ أعلَّهُ بعدَ ذلكَ بعنعنةِ أبي إسحاقَ واختلاطِهِ .
ولسنا نوافقُ ذلكَ الفاضلَ على شيءٍ مما ذهبَ إليهِ في ذلكَ كلِّه ؛
فليسَ ((دُوَيْدٌ) هذا هو ((ابنَ نافعٍ))، ولا ((النصيبيُّ) متابعًا لهُ، بل هو («دُوَيَّدٌ))
نفسُهُ ، ذُكرَ مرةً باسمه ، ومرةً بكنيتهِ ونسبِهِ .
وعليهِ ؛ فهو متفردٌ به عن أبي إسحاقَ ، لم يتابعْهُ أحدٌ ، فلا يصحّ
الحديثُ عن أبي إسحاقَ ؛ لأنَّ ((دويدًا)) هذا مجهولٌ ، وقد تفردَ به عن أبي
إسحاقَ في جلالةِ قدرِهِ وكثرةٍ أصحابِهِ ، وهذا معنى إنكارِ الإمامِ أحمدَ -
عليهِ رحمةُ اللَّهِ تعالى .
وقد ذكرَ الدارقطنيَّ في ((المؤتلف)) (١٠٠٨/٢ - ١٠٠٩): ((دُوَيَّد بن
نافعٍ))، وقال : ((يَرْوي عن الزهريِّ وضبارةَ بن عبد اللَّهِ بن أبي السليكِ ،
روى عنه بقيةُ بن الوليدِ)) .
ثم ذكر بعدَهُ : ((دُوَيْد ، لم يُنْسب ، يروي عن أبي إسحاقَ ، عن
زُرعةَ، عن عائشةَ : الدنيا دارُ من لا دارَ له ، ولها يجمعُ من لا عقل له))،
وقالَ : ((وله أحاديثُ نحو هذا في الزهدِ)).
فصنيع الدارقطنيٌّ؛ يدلُّ على أن ((دُوَيْدًا)) صاحبنا ، ليس هو ((دُوَيد بن
نافعٍ)) ، بل هو آخر غير منسوب ، وهو لا يعرف .
ويدلُّ عليه ؛ أنهم لم يذكروا في ترجمةِ ((ابن نافعٍ)) له روايةً عن
أبي إسحاقَ ، ولا للحسينِ روايةً عنه .

١٥٧
الْمُتَابَعَةُ .. وَظَنُّالرَّجُلِ رَجُلَيْنِ
وذكر ابن ماكولا (١):
((دُوِيْد بن سليمانَ .... روى عنه حسينُ بن محمد المروزيّ).
وهذا ؛ يفيدُ أن ((دُوَيْدً)) الذي يَرْوي عنه الحسينُ بن محمدٍ ، ليس
بابن نافعٍ ، وإنما هو : ((ابن سليمانَ) .
فالذي يترجَّح، أن (دُوَيْدًا)) صاحبَ هذا الحديث ، هو نفسَهُ
((أبو سليمانَ النصيبيَّ)؛ فالحسينُ يروي الحديث عنهما جميعًا ، والحديثُ
واحدٌ ، وشيخُهُما واحدٌ ، والرَّاوي يُذكر مرةً باسمِهِ ، ومرةً بكنيتهِ .
ثم وجدتُّ الحافظ ابن حجرٍ قال (١) :
((دُوَيْد ؛ هو: داودُ بن سليمانَ النَّصيبيّ».
وهذا يؤكد ما حققته، وهو يدلُّ على أن ((دُوَيْدًا)) لقبٌ ، وأن اسمَهُ :
((داودُ بن سليمانَ) (٣).
وبالله التوفيق .
(١) في ((الإكمال)) (٣٨٦/٣).
(٢) في (نزهة الألباب)) (١٠٧٧).
(٣) راجع : تعليقي على ((المنتخب)) .
و((السلسلة الضعيفة)) (١٩٣٣).

الْمُتَابَعَةُ .. والرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى
قد يقعُ اسمُ الراوي في الإسنادِ غيرَ منسوبٍ ، فيشتبهُ على بعضٍ مَن
دونَهُ بغيرِهِ ممَّن هُو في طبقتهِ ؛ فَيَنْسبهُ اجتهادًا منهُ ، فيخطئُ ، ولا يبينُ أنَّ
هذه النسبةَ إنَّما هي اجتهادٌ منْهُ ، وليسَتْ روايةً، حتَّى تعاملَ بقدرِها .
فإذا جاءَ هذا الحديثُ من رواية أخرى ، ونُسبَ فيها الراوي على
الصوابِ ، قد يغترُّ البعضُ، فيظنُّ أَنَّ النسبتينِ صوابٌ ، وأنَّ الحديثَ
الرجلينٍ وليسَ لرجلٍ واحدٍ ، فيثبتُ بمقتضى ذلكَ المتابعةَ ، وليسَ الأمرُ
كذلكَ ، بل الحديثُ لرجلٍ واحدٍ ، هو المتفرِّد بِهِ .
مثالُ ذلكَ :
رَوَى : حسانُ بنُ إبراهيمَ الكِرْمَانِيُّ - وهو صدوقٌ - حديثًا ، عن
أبي سعيد الخدريِّ - مرفوعًا - : ((مفْتَاحُ الصَّلاة الوُضُوءُ، وَالتَّكْبِيرُ تَحْرِيمُهَا ،
وَاَلَّسْلِيمُ تَحْلِيلُهَا)) .
فقالَ مرةً : ((عن أبي سفيانَ ، عن أبي نضرةَ، عن أبي سعيدِ)) .
وأبو سفيانَ هذا ؛ هو طَرِيفُ بنُ شهابِ العدويُّ ، وهو المتفردُ بهذا
الحديثِ ، وهو رجلٌ ضعيفٌ واهي .
غيرَ أنَّه لما كانَ مذكوراً في حديثِ الكرمانيُ بكنيتِهِ «أبو سفيانَ» ، ظنَّه
الكرمانيَّ والدَ سفيانَ الثوريِّ، واسمُهُ: ((سعيدُ بنُ مسروقٍ))، فرواهُ مرةً
أخرى على ما توهَّمَ ، فقالَ : ((عن سعيدِ بنِ مسروق ، عن أبي نضرةَ ،
عن أبي سعيدٍ)) .

١٥٩
الْمُتَابَعَةُ .. والرِّوَايَةُ بالْمَعْنَى
فربما توهمَ متوهمٌ أنَّ طريقًا العدويَّ لم يتفردْ بالحديثِ ، بل تابعهُ
عليهِ سعيدُ بنُ مسروقِ الثوريُّ، بمقتضى هذه الرواية ، وليسَ الأمرُ كذلكَ،
بل هو كما ذكرتُ ، إنَّما هو حديثُ العدويِّ ، ليسَ لوالد الثوريِّ فيه خفّ
ولا حافرٌ .
وقد بينَ ذلك ابنُ عديٍّ في ((الكامل)) (٧٨٣/٢ - ٧٨٤) وابنُ حبانَ في
((المجروحين)) (٣٧٧/١)، واعتمدَهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ في ((التلخيص
الحبير)) (٢٢٩/١) .
مثالٌ آخرُ :
رَوى : الحاكمُ في ((مستدركه)) (٣٧٩/٢)، عن عمرَ بنِ حفصِ بنِ
غياثٍ ، عن أبيهِ وخلفِ بنِ خليفةَ ، عن حميد بن قيس ، عن عبدِ اللهِ بنِ
الحارث، عن عبد اللَّهِ بنِ مسعودٍ - رضي اللَّهُ عنه - ، قالَ : قالَ
رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يَوْمَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كَانَتْ عَلَيْهِ جَبَّةُ صُوفٍ، وَكِسَاءُ صُوفٍ ،
وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ، وَكُمُُّ صُوفٌ ، وَنَعْلَهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرٍ ذَكِّ) .
وقالَ الحاكمُ :
(«هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ، ولم يخرجَاهُ) !!
فتعقبَهُ الذهبيُّ ، قائلاً :
((ليسَ على شرطِ البخاريِّ، وإنما غَرَّهُ أنَّ في الإسنادِ ((حميدُ بنُ
قيسٍ))، كذا! وهو خطأٌ، إنَّما هو: حميدٌ الأعرجُ الكوفيُّ ابنُ عليّ ، أو
ابنُ عمارٍ ، أحدُ المتروكينَ ؛ فظنَّهُ : المكيَّ الصادقَ».

١٦٠
الْمُتَبَعَةُ .. والرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى
وقالَ الحافظُ (١)
((رواهُ الحاكمُ في ((المستدرك))، ظنًّا منهُ أنَّ حميدًا الأعرجَ هو : حميدُ
ابنُ قيسِ المكيُّ الثقةُ ؛ وهو وهمٌ منهُ) .
والعجبُ ! أنَّ الحاكمَ قد فرقَ بينهما ، وصرحَ بأنَّ صاحبَ هذا
الحديثِ هو (ابنُ عليٍّ) الضعيفُ، وليسَ ((ابنَ قيسٍ)) الثقةَ .
فقد رواهُ في ((المستدرك)) أيضًا (٢٨/١) من طريقِ سعيدِ بنِ منصورٍ ،
عن خلفِ بنِ خليفةَ ، عن حميد الأعرجِ ، بهِ .
ثمَّ قالَ :
((حميدٌ هذا، ليسَ بابنِ قيسِ الأعرج ؛ قالَ البخاريّ في ((التاريخ)):
حميدُ بنُ عليِّ الأعرجُ الكوفيُّ، منكرُ الحديثِ ... ))(٢).
مثالٌ آخرُ :
روى : الحاكمُ في ((المستدرك)) (٣٥٤/١) من طريقِ أبي بكرِ بن
أبي شيبةَ : ثنا أبو معاويةَ : ثنا أبو بردةَ بريدُ بنُ عبد اللَّه ، عن علقمةَ بنِ
مرئدٍ ، عن سليمانَ بنِ بريدةَ، عن أبيهِ ، قالَ : لَمَّا أَخَذُوا فِي غُسْلِ
رسول اللَّهِ بِ ﴿ه، فَإِذَا هُمْ بِمُنَادٍ مِنَ الدَّاخِلِ: لاَ تَنْزِعُوا عَنْ رسولِ اللَّهِ
وَلَ قَمِيصَةً.
هكذا؛ وقعَ في هذه الروايةِ نَسَبُ ((أبي بردةَ» هذا، بأنَّهُ: ((بريدُ بنُ
عبد اللَّه))، وهو خطأ؛ إمَّا منَ الحاكم أو من أحدٍ ممَّن فوقَهُ، وإنَّمَا
(١) في ((اللسان)) (٤/ ١١٣).
(٢) وانظر: ((البحر الزخار)) للبزار (٢٠٣١).