Indexed OCR Text
Pages 121-140
٠ النَّتْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ يجبُ على الباحثِ قبلَ الاعتبارِ بالروايةِ ، وضَمِّها إلى غيرِها لإحداث التَّقوية والاعتضَادِ ، يجبُ عليهِ أنْ يُوفِّي الروايةَ حقَّها منَ النقدِ الخاصِّ ؛ وذلكَ بالنظرِ في رُوَاتِها ، وهل فيهم من هو مُتُّهمٌ بالكذبِ أو غير ذلك مما يُفْضِي إلى اطرَاحِ رِوَايتهِ وعدمِ الاعتبارِ بها . وأيضًا ؛ إذَا كانَ الرَّاوي غير متَّهم ، ولا مغفَّلٍ ، يُنظرُ في مَدَى حفظه للإسناد ، وهل أخطأَ فيهِ خطأ فاحشًا ، يقدحُ في الاعتبارِ بهِ ، كأَنْ يكونَ - مثلاً - دَخَلَ عليه حديثٌ في حديثٍ ، أو إسنادٌ في إسنادٍ ، فيظهرُ بذلكَ أنَّ روايتَهُ تلكَ منكرةٌ بهذا الإسنادِ الذي جاءَ بهِ . وقد يكونُ أسقطَ من الإسناد كذَّابًا أو مَتْروكًا كانَ فيهِ - إما غَفْلَةً، أو تدليسًا - ، فيظهرُ بذلكَ، أنَّ الروايةَ راجعٌ إلى روايةٍ كذابٍ أو متروكِ ، فلا يعتبرُ بها . وقد يَنْقَلِبُ عليه راوٍ براوٍ آخرَ ، وقدْ يكونُ راوي الحديث كذابًا أو متروكًا ، فينقلبُ عليهِ بثقة ، إما لاشتباهِ الأسماءِ ، أو بسببِ تَصْحِيفِ ، أو غيرِ ذلكَ ، فيظهرُ أنَّ صَوَابَ الروايةِ أنَّها من روايةٍ ذاكَ الكذابِ أو المتروكِ، وليسَتْ من رواية ذلكَ الثقة ، فتسقطُ عنْ حدِّ الاعتبارِ . وقد يكونُ أصلُ الحديثِ معروفًا مشهورًا ؛ إلا أنَّ هَذا الرََّوي زادَ في المتنِ زيادةً منكرةً ليستْ هي في الحديث ، فهذه الزِّيادةُ بخصوصها لا يعتبرُ ١٢٢ النَّْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَة بها ؛ لأنَّها منكرةٌ، ليسَ لذكرها في الحديثِ أصلٌ يرجعُ إليهِ . المهمُّ ؛ أنْ يُولي الباحثُ الروايةَ حقَّها مِنَ البحثِ الذاتيِّ قبلَ اعتبارِها بغيرِها ، مكتفيًا بحال الراوي فحسب . فإنَّ التقويةَ ليسَتْ للراوي ، بل لروايتهِ ، فقدْ يكونُ الراوي ضَعْفُهُ هينٌ ، ولكنَّ روايتَهُ تلكَ راويةٌ منكرةٌ ، ثَبَتَ خَطَؤُهُ في إسنادِها أو مَنْنِها ، فالروايةُ ساقطةٌ عنْ حدِّ الاعتبارِ ، ولا ينفعُها حينئذٍ حالُ رَاوِيها . كما أنَّ الثقةَ إذا ثبتَ خطؤُهُ في روايةٍ بعينِها ، كانتْ روايتُهُ تلكَ شاذةً، ساقطةً عنْ حدِّ الاعتبارِ ، ولا ينفعُها ثقةُ رَاوِيهاَ . مثالُ ذلكَ : حديثُ : مروانَ بنِ عثمانَ ، عن عمارةَ بنِ عامٍ ، عن أمِّ الطُّفَيْل - امرأةٍ أُبَيِّ بنِ كعب - ، أنها سمعتْ رسولَ اللَّهِ وَلّ يذكرُ، أَنَّه رأى رَبَّه في المّامِ فِي صُوْرَةٍ شَابٌ مُؤَفَّرٍ، رِجْلاَهُ في حضرٍ ، عَلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، عَلَى وَجْهِهِ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبِ»(١) ! فهذا الحديثُ ؛ باطلٌ منكرٌ ، لا يشكُّ مَنِ اشْتَمَّ رائحةَ العلمِ في ذلكَ . وقد أنكرَه جماعةٌ من أهلِ العلمِ : فقد سُئلَ عنه الإمامُ أحمدُ (٢)، فَحَوَّلَ وجهَهَ عن السائلِ، ثمَّ قالَ : (١) واللَّه! لولا الرغبة في نفي الكذب عن رسول اللَّهَ وَّل، ونفي الباطل عنه، وتحذير إخواني من التساهل المفضي إلى قبول مثل هذا الباطل = ما كتبت هذا بيدي ، واللَّه ! إن يدي لتقشعر ، وإن شعري ليقف ، وأنا أكتبه ، فأستغفر اللَّه العظيم . (٢) كما في ((المنتخب من علل الخلال)) (١٨٣) بتحقيقي. ١٢٣ التَّقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةَ ((هذا حديثٌ منكرٌ ؛ مروانُ بنُ عثمانَ هذا رجلٌ مجهولٌ ، وعمارةُ بنُ عامرِ هذا الذي روى عنه مروانُ لا يعرفُ» . وقالَ النسائيُّ (١): ((ومَنْ مروانُ بنُ عثمانَ حتَّى يَصدقَ على اللَّهِ عزَّ وجلَّ ؟!)). وقالَ عبدُ الخالقِ بنُ منصورِ(١): ((رأيتُ يحيى بنَ معينٍ كأَنَّه يَهْجِنُ نعيمَ بنَ حمادِ في حديثِ أمِّ الطفيلِ حديثِ الرؤيةِ - يعني : هذا الحديث - ، ويقولُ : ما كانَ ينبغي لهُ أنْ يحدثَ بمثلِ هذا الحديثِ» . قلتُ : يعني - واللَّهُ أعلمُ - : أنَّه ما كانَ لنعيمٍ - وهو من أهلِ السنةِ - أن يُحدثَ بهذا الحديثِ المنكرِ ، الذي تُشْتَمُّ منهُ رائحةُ التَجْسِيمِ . وقالَ ابنُ حبانَ في ترجمةِ عمارةَ بنِ عامرٍ من ((الثقات)) (٢): (يَروي عن أمِّ الطُّفيلِ - امرأةٍ أُبيِّ بنِ كعبٍ -، عنِ النبيِّ ◌ِ لّهِ، قالَ: ((رأيتُ رَبِّي)) - حديثًا منكرًاً، لم يسمع عمارةُ من أمُّ الطفيلِ ؛ وإنما ذكرتُه لكي لا يَغْتَرَّ الناظرُ فيهِ ، فيحتج بهِ من حديثِ أهلِ مصرَ)» . وقالَ الحافظُ ابنُ حجر (٣) : ((هو متنٌ منكرٌ)). وقد أخرجَهُ : ابنُ أبي عاصم في ((السنة)) (٤٧١) بإسناده مختصرًاً ، (١) ((تاريخ بغداد)» (٣١١/١٣) و((العلل المتناهية)) (٢٩/١ -٣٠). (٢) ((الثقات)) (٢٤٥/٥) . (٣) في ((التهذيب)) (٩٥/١٠). ١٢٤ التَّنْقِيَةُ .. قَبْلَ الَّقْوِيَةِ فحذفَ القدرَ المنكرَ مِنْهُ، واكتَفى بقولهِ : ((رَأَيْتُ رَبِّي فِي المَنَامِ فِي أَحْسَنِ صُوْرَة))، وقالَ : ((وذكرَ كلامًا)) . فلم يَتَنَبَهُ بعضُ أَفَاضِلِ أهلِ العلمِ لنكارةِ متنِهِ ، فاعتبرَه صحيحًا بالأحاديثِ التي قبلَهُ ، والتي فيها : ((رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورةٍ)). وهذا ؛ من عيبِ الاختصارِ من جهةٍ ، ومن جهةٍ أخرى من عيبٍ تقوية الرواية بغيرِها من الشواهد التي توافقُها في المعنى ، قبلَ النظرِ في حالٍ الروايةِ بذاتِها ، واستفراغِ البحثِ في نقدِها بخصوصِها ، وهل هي منكرةٌ ، أم محتملةٌ . لأنَّه إذا ثِيتَ أنها منكرةٌ ، وأنَّ الراوي أخطأَ في المتنِ ، فأتى بهِ بلفظِ منكرٍ ، فما المانعُ من أنْ يكونَ قد أخطأ في السندِ أيضًا ، وأتى به على غيرِ وجههِ ، وهو قد تفرَّد بالإسنادِ والمتنِ معًا . ومعلومٌ ؛ أنَّ الخطأ في الأسانيد أكثرُ من الخطإِ في المتونِ ، فإنَّ الأسانيدَ كثيرةٌ ومتشعبةٌ ، بخلاف المتون ، ولذا تَجدُ الرُّواةَ كثيرًا ما يتفقونَ على المتنِ ، وإن اختلفوا في إسنادِهِ ، بل كثيرًا ما يجيءُ الضعفاءُ بأسانيدَ متعددةٍ لمتنٍ واحدٍ ، فيتفقونَ في المتنِ ، وإنْ تفردَ كلٌّ منهم بإسنادٍ له . فما ثبت في متنه نكارةٌ ، لا ينفعُ إسناده في باب الشواهد ، إذا كان راويه قد تفردَ بالإسناد والمتن معًا . وبالله التوفيق . حديثُ : عبد الله بن بُدَيْلِ ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، عنِ ابنِ عمرَ ، أنَّ مثالٌ آخرُ : : : : 1 ١٢٥ النَّْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ عمرَ - رضي اللَّهُ عنهُ - جعلَ عليهِ أنْ يعتكفَ في الجاهلية ليلةٌ أو يومًا عندَ الكعبةِ، فسألَ النبيَّ بَّهِ، فقال: ((اعْتَكفْ وَصُمْ)). أخرجَهُ: أبو داودَ (٢٤٧٤) (٢٤٧٥) والنسائي في ((الكبرى))(١) والدارقطنيّ (٢٠٠/٢) والحاكم (٤٣٩/١). ورواهُ مرةً ، فقالَ : عن ابنِ عمرَ ، عن عمرَ ، أَنَّه نَذَرَ - الحديث . أخرجَهُ: ابنُ عديٍّ (١٥٢٩/٤) والبزارُ (١٤٢) والبيهقيَّ (٣١٦/٤). فهذا الحديثُ ؛ قد أنكرَهُ جماعةٌ من أهلِ العلمِ على عبدِ اللَّهِ بنِ بديلٍ هذا ؛ فقد تفردَ بهِ عن ابنِ دينارٍ ، ولم يتابعْهُ عليهِ أحدٌ من أصحابِهِ ، ثمّ إنَّهُ قد اضطربَ في إسنادِهِ ، فتارةً يرويِهِ فيجعلُهُ من مسندِ ابنِ عمرَ ، وتارةً يجعلُهُ من روايةِ ابنِ عمرَ عن عمرَ ، وهو رجلٌ ضعيفٌ لا يُعتمدُ عليهِ ؛ لا سيما إذا تفردَ عن مثلِ ابنِ دينارٍ ، على كثرةِ أصحابِهِ العارفينَ بحديثه ؛ فكيف إذا اضطربَ أيضًا ؟! قالَ الدار قطنيُّ : (تفردَ بهِ ابنُ بديلٍ عن عمرو ، وهو ضعيفُ الحديث)) .. قالَ : ((وسمعتُ أبا بكرِ النيسابوريَّ يقولُ: هذا حديثٌ منكرٌ ؛ لأنَّ الثقاتَ من أصحابِ عمرو بنِ دينارٍ لم يذكرُوهُ ، منهم : ابنُ جريج ، وابنُ عيينةً ، وحمادُ بنُ سلمةَ ، وحمادُ بنُ زيدٍ ، وغيرُهم ؛ وابنُ بديلٍ ضعيفٌ الحدیث)). (١) كما في ((تحفة الأشراف)) (١٨/٦ - ٧٣٥٤/١٩). ١٢٦ النَّْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَة وذكرَ البيهقيُّ قولَهما ؛ معتمدًا عليهِ ، مقرًّا لهُ. وذكرَهُ الدارقطنيُّ في «العلل))(١)، وقالَ : (يرويه عبدُ اللَّهِ بنُ بُديلٍ، وكانَ ضعيفًا، ولم يتابعْ عليهِ ، ولا يُعرفُ هذا الحديثُ عن أحدٍ من أصحابِ عمرو بنِ دينارٍ ، ورواهُ نافعٌ ، عنِ ابنِ عمرَ ، فلم يذكرْ فيهِ ((الصِّيَّامَ)) وهو أصحَّ من قولِ ابنِ بُديلٍ عن عمرٍو)) . وعدَّهُ ابنُ عديٍّ من مناكيرِ ابنِ بديلٍ في ترجمتِهِ من ((الكامل))، ثمَّ قالَ : (لا أعلمُ ذُكِرَ في هذا الإسنادِ ذِكْرُ (الصَّوْمِ)) مع الاعتكافِ ، إلا من روايةِ عبدِ اللهِ بنِ بديلٍ، عن عمرو بنِ دينارٍ) . ثمَّ قالَ في آخرِ الترجمةِ : ((وعبدُ اللَّهِ بنُ بديلٍ ، لهُ غيرُ ما ذكرتُ ممَّا ينكرُ عليهِ ، من الزيادةِ في متنٍ أو إسنادٍ ، ولم أرَ للمتقدمينَ فيهِ كلامًا فأذكرُهُ» . قلتُ : كونُهُ لم يرَ للمتقدمينَ فيهِ کلامًا ، ومع ذلكَ أدخلَهُ في الضعفاء ، مستدلاً على ضعفهِ بما يرويهِ من المناكيرِ ، مثلِ هذا الحديث وغيرهِ ، يدلُّ على أنَّ هذهِ الأحاديثَ التي أنكرَها عليهِ - ومنها هذا الحديثُ - عندَ ابنِ عديٌّ في غايةِ النكارةِ ؛ حيثُ إنَّهُ لم يضعفْهَا فحسبُ ، بل استدلَّ بها على ضعفِ راويها المتفردِ بها ، والذي لا يعلمُ للمتقدِّمين فيه كلامًا . فهذا هو شأنُ هذا الحديث عندَ نقاد الحديث ، أنَّه حديثٌ منكرٌ ، أخطأَ فيه (١) (٢٦/٢ - ٢٧) . ١٢٧ النَّتْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ عبدُ اللَّهِ بنُ بديلِ المتفردُ بهِ عنِ ابنِ دينارٍ ، أو على الأقلِّ أخطأً في ذكر ((الصوم)) فيهِ ، والصوابُ أنَّ هذه الزيادةَ غيرُ محفوظة ، وأنَّها ليستْ في الحديث . فجاءَ بعضُ إخوانِنَا مِنَ المشتغلينَ بالحديثِ(١)، فحكمَ على هذهِ الروايةِ بمقتضى حالِ راويها فحسبُ ، فذهبَ إلى أنَّها صالحةٌ للاعتضادِ ، على أساسٍ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ بديلٍ ليسَ متهمًا بكذبٍ أو فسقٍ ، وغفلَ عن أنَّ روايتَهُ تلكَ منكرةٌ، وأنَّ الأئمةَ أنكرُوها عليهِ ، بصرفِ النظرِ عن حالِ راويها، والمنكرُ أبدًا منكرٌ . ثُمَّ إِنَّهُ جاءَ لها برواية أخرى كشاهدٍ ، وهذه الروايةُ الأخرى منكرةٌ أيضًا، ذِكرُ ((الصومِ)) الواردِ فيها خطأٌ مِن راويها ، وقدْ أنكرَهُ عليهِ أهلُ العلمِ أيضًا ، هذا فضلاً عن كونِ هذا الشاهدِ قاصراً عنِ الشهادة ، كما سيأتي . وهذا الشاهدُ ؛هو : ما رواهُ : سعيدُ بنُ بشير ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ نذرَ أنْ يعتكفَ في الشركِ ويصومَ، فسألَ النبيِّنَّهِ بعدَ إسلامه، فقالَ : ((أَوْف بِنَذْرِكَ)). أخرجَهُ: الدار قطنيّ (٢/ ٢٠١)، ثمّ قالَ : ((وهذا إسنادٌ حسنٌ؛ تفردَ بهذا اللفظِ سعيدُ بنُ بشيرٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ». وسعيدُ بنُ بشيرِ ؛ ضعيفٌ ، معروفٌ بالضعف ، وتفرّدُهُ بهذا الحديث (١) في ((الإنصاف في أحكام الاعتكاف)) (ص ١٨). ١٢٨ النَّتْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَة عن عبيد الله بن عمرَ على كثرةٍ أصحابِهِ العارفينَ بحديثه ممَّا يعدُّ منكرًا عندَ أهلِ العلمِ (١)؛ لا سيما وأنَّه قد رواهُ غيرُهُ من أصحابِ عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ الثقاتِ ، بدونِ ذكرِ ((الصومِ)) في الحديثِ ، وهذا من أكبرِ دليلٍ على أنَّ ذكرَ (الصومِ) منكرٌ في هذا الحديثِ ، وسيأتي تفصيلُ ذلكَ ، وكلامُ أهلِ العلمِ في إنكارِ هذهِ الزيادةِ عليهِ في هذا الحديثِ . وقبلَ ذلكَ ؛ ينبغي أنْ نقفَ قليلاً عندَ قولِ الإمامِ الدار قطنيّ : ((هذا إسنادٌ حسنٌ ... )). فقد فهمَ منهُ أخونا الفاضلُ المعنى المتبادرَ ، والمتقررَ عندَ العلماء المتأخرينَ من هذا المصطلحِ ((الحَسَن))، ففهمَ أنَّ الإمامَ الدار قطنيَّ يثبتُ الحديثَ بمقتضى هذا ، ثمَّ ذهبَ في موضعٍ أخرَ (٢) إلى أنَّ تحسينَ الإمامِ الدار قطنيِّ هذا الحديثَ لسعيدِ بنِ بشيرٍ ممَّا يرفعُ مِن حالِهِ ، وينفعُهُ في التوثيقِ . وفي كلِّ هذا نظرٌ !! فأولاً : لو سلَّمْنَا بأنَّ الإمامَ الدارقطنيَّ قصدَ («الحسنَ)) بمعناهُ عندَ المتأخرينَ ، لما كانَ تحسينُهُ لهذا الحديثِ ممَّا ينفعُ سعيدَ بنَ بشيرِ ، ويرفعُهُ فوقَ المكانة التي أنزلَهُ عليها الأئمةُ ، وهو أنَّه ضعيفُ الحفظِ ، لا يحتجُّ بما (١) وهذا؛ ما أشار إليه الإمام مسلم في ((مقدمة الصحيح)) (٥/١-٦)، وانظر: ((لسان الميزان» (٤٠٢/٢ -٤٠٣)، و(«الصحيحة» (٤٥٢/٥)، وما سيأتي في المثال الأول من «فصلٍ: الشَّواهِد .. وتصحيفُ المتزِ». (٢) في كتابه ((قرة العينين .... )) (ص ٣٧). ١٢٩ التَّْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ ٠ تفردَ بهِ ؛ وذلكَ لأمرين : الأولُ : أنَّ الدارقطنيَّ قد صرحَ في موضعٍ آخرَ من ((سننه)) بحال سعيد ابنِ بشيرٍ عندَهُ ، فقال (١): ((سعيدُ بنُ بشيرٍ ... ليس بقويّ في الحديثِ)). وهذا القولُ ؛ يقتضي ضعفَ سعيدِ بنِ بشيرِ عندَهُ ، وهذا يتنافى مع تحسينِ ما تفردَ بهِ . الثاني : أنَّ تحسينَ الناقد للحديث أو تصحيحَهُ لهُ ، لا يكفي بمفردِهِ للدلالة على أنَّ الراوي المتفردَ بهِ صدوقٌ في الحفظ ، أو ثقةٌ فيه ، عندَ هذا الناقد . فقدْ يكونُ لكلِّ حديثٍ من حديثِ هذا الراوي حكمٌ يخصُّهُ ، فيطلعُ فيهِ الناقدُ على ما يفهمُ منهُ حفظَ الراوي لهُ ، ويثيرُ ظنًّا خاصًّا في حسنِ ذلكَ الحديث أو صحته ، فيحسنُهُ الناقدُ أو يصححُهُ اعتمادًا على ما احتفّ به من القرائنِ ، لا على مجردِ صدقِ الراوي أو ثقتِهِ . وكذلكَ ؛ فقدْ يُضَعِّفُ الناقدُ حديثًا تفردَ بروايتِهِ بعضُ الثقاتِ ، فتضعيفُ هذا الناقدِ لهذا الحديثِ ، لا يكفي بمفردِهِ للدلالةِ على ضعف ذاكَ المتفردِ بهِ عندَ هذا الناقد ، فقدْ يكونُ ثقةً عندَهُ ، بل قدْ ينصُّ هو على ذلكَ، لكنَّهُ يرى - لضميمة - أنَّ هذه الروايةَ ضعيفةٌ ، قد أخطأ فيها هذا الراوي الثقةُ . وقد صرحَ أخونا الفاضلُ في بعضِ ما كتبَ بمثلِ هذا : (١) ((سنن الدار قطني)) (١٣٥/١). ١٣٠ الَّنْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَة فقد قالَ في توجيهِ صنيعِ الشيخِ الألبانيِّ - حفظهُ اللَّهُ تعالى - ، حيثُ اعتبرَ عنعنَةَ بعضِ المدلسينَ ، فأعلَّ بها بعضَ الأحاديثِ ، ومشَّاهَا في حديثٍ آخرَ ، ولم يجعلْهَا علَّةً تقدحُ فيهِ ، فقالَ في غضونِ كلامِهِ(١): ((إنَّ هذهِ أمورٌ تنتقدحُ في قلبِ الناقدِ حَسَب مرجِّحاتٍ تقومُ عندَهُ ، فلا يلزمُ أنْ يكونَ هذا الشيءُ موجودًا عندَهُ في كلِّ حديثٍ)). ثانيًا : أنَّ لفظَ ((الحسنِ)) هَاهُنا، لم يُرِدْ بِهِ الإمامُ الدار قطنيُّ المعنى المتبادرَ والمتقررَ لهذا المصطلحِ لدى العلماءِ المتأخرينَ ، والذي يقتضي ثبوتَ الحديث ، وصدقَ الراوي المتفردِ بهِ في الحفظِ . وإنَّما أرادَ به أحدَ معنيين ، لا ثالث لهما ، مِنَ المعاني التي يعنيها العلماءُ المتقدمونَ عندَ إطلاق هذا اللفظ ، وكلاهما لا يدلّ على ثبوت الحديثِ ، ولا على صدقِ الراوي ، عندَ مَن أرادَهُما أو أَحدهُمَا (٢). المعنى الأولُ: الحسنُ المعنويُّ . أي : أنَّ المعنى الذي تضمنتهُ روايةُ سعيدِ بنِ بشيرِ معنَى حسن (١) ((كشف المعلم ... )) (ص ٩٧). (٢) ليسَ معنى هذا أنَّ المتقدمينَ لا يطلقونَ هذا المصطلحَ على المعنى المتقرر عندَ المتأخرينَ ، أي : الحسنُ لذاتهِ ، والحسنُ لغيرِهِ ، وإنما أعني أنَّ هناك معاني أخرى أرادَها المتقدمونَ من إطلاقِ هذا المصطلحِ أحيانًا ، ولم يجرِ عليها عرفُ المتأخرين أو أكثرِهم . وقد ذكرتُ في كتابي ((لغة المحدث)) ( ص٥٤ - ٥٨) أمثلةً على إطلاقِ المتقدمينَ ((الحسن)) على الصحيحِ ، وعلى الحسنِ الذاتي ، وأيضًا على الحسنِ لغيرِهِ ، والإمامُ الترمذيُّ - وهو متقدمٌ - من أكثرِ الذين أطلقُوا ((الحسنَ) على إرادةِ ((الحسنِ لغيرِهِ))، كما هو معلوم . ١٣١ النَّْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ مقبولٌ ؛ صحَّتِ الروايةُ بهِ ، أو لم تصحَّ . ولعلَّ مما يُقوِّي هذا : أنَّ الدارقطنيَّ نفسَهُ قد تعرضَ لروايةِ سعيدِ بنِ بشيرٍ هذهِ في ((العلل))(١)، فقالَ : ((إنْ كانَ سعيدُ بنُ بشيرِ ضبطَ هذا، فهو صحيحٌ ، إذا كانَ في عَقْد نذرِهِ الصومُ مع الاعتكافِ» . وقولُ الدارقطنيِّ هذا ؛ لا يدلُّ على صحة روايةٍ سعيدٍ بنِ بشيرِ عندَهُ؛ لأَنَّهُ قالَ : ((إِنْ كانَ ضبطَ هذا فهو صحيحٌ) ؛ فقد علقَ صحتَهُ على شرط ، فإنْ لم يحصلِ الشرطُ لم يحصلْ ما عُلِّقَ بِهِ ، وسيأتي أنَّه قد خالفَهُ أصحابُ عُبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ في ذكرِ ((الصومِ)) في الحديثِ ، فهذا يدلُّ على أنَّه لم يضبطْ حديثَهُ هذا ، فليسَ هو بصحيحٍ . وإنَّما غايةُ ما يدلُّ عليه كلامُ الدارقطنيِّ : أنَّ هذا المعنى صحيحٌ ؛ ولكنْ ليسَ على سبيلِ اشتراطِ الصومِ للاعتكافِ ، بلْ على مَن جمعَ في عقدِ نذرِهِ الصومَ مع الاعتكافِ . وروايةُ سعيد تُساعد على هذا المعنى؛ لأنَّها ليسَ فيها أنَّ النبيَّ وَسْتَّلم عبد الله أمرَهُ بالصومِ ، كما جاءَ في روايةِ عبدِ اللَّهِ بنِ بُديلٍ ، وإنَّما في روايةِ سعيدٍ أَنَّه ذكرَ للنبيِّ وَ ﴿ أَنَّه نذرَ أنْ يعتكفَ ويصومَ ، فقدْ جمعَ في عقدِ نذرِهِ الصومَ مع الاعتكافِ، فأمرَهُ النبيِّ وَّهِ أنْ يُوفي بنذرِهِ؛ أي: على الصفةِ التي عقدَ نذرَهُ عليها (٢). (١) (٢/ ٢٧) . (٢) سيأتي ما يؤكد أن الدارقطني ضعَّف هذه الزيادة في رواية سعيد أيضًا. ١٣٢ النَّقْيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ وبهذا ينجلي لكَ ؛ أنَّ حديثَ سعيدِ بنِ بشيرِ هذا لا يصلح كشاهد الحديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ بديلٍ ، لأَنَّه قاصرٌ عنهُ ، فَحديثُ ابنِ بُديلٍ فيه أنَّ النبيُّ وَلّ اشترطَ للمعتكفِ الصومَ، بينما حديثُ سعيدٍ بن بشيرِ ليسَ فيهِ اشتراطُ الصومِ ؛ كما علمتَ . المعنى الثاني : الحسنُ بمَعْنَى الغريبِ والمنكرِ . وبيانُ ذلكَ : أنَّ هذا الحديثَ الذي حسَّنَ إسنادَهُ الدارقطنيَّ لسعيدِ بنِ بشيرٍ ، قدِ اشتملَ على زيادة استغربَها أهلُ العلمِ ، واستنكرُوهَا على سعيدِ بنِ بشيرٍ ، وهي زيادةُ ذكرِ ((الصومِ)) مع الاعتكافِ . وقد أشارَ إلى ذلكَ الدارقطنيّ ، بقولِهِ : (( ... تفردَ بهذا اللفظِ سعيدُ بنُ بشيرٍ ... )) . ( وقالَ البيهقيُّ (١): ((ذكرُ نذرِ الصوم مع الاعتكاف غريبٌ ؛ تفردَ بهِ سعيدُ بنُ بشيرٍ عن عبيدِ اللَّهِ). وكذا؛ أنكره عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ (٢). وضعفَ ابنُّ الجوزيِّ في ((التحقيق)) هذا الحديثَ من أجلِهِ (٢). يعني : ضعفَ زيادةَ ذكرِ ((الصومِ)) من أجلِ تفردِ سعيدِ بنِ بشيرٍ بها . (١) ((السنن الكبرى)) (٣١٧/٤). (٢) ((التلخيص الحبير)) (٢٣٢/٢). ١٣٣ النَّنْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ قلتُ : وقد رواهُ أصحابُ عبيد الله بن عمرَ ، بدون هذه الزيادة ؛ منهم : شعبةُ ، ويحيى القطانُ، وأبو أسامةَ ، وابنُ المباركِ ، وعبدُ الوهابِ الثقفيّ ، وحفص بن غياثٍ ، وعبدة بن سليمان . أخرجَهُ: البخاري (٢٠٤٢) (٢٠٤٣) (٦٦٩٧) ومسلم (٨٨/٥-٨٩) والنسائي (٢٢/٧) وابن ماجه (٢١٢٩) وأحمد (٢٠/٢ - ٨٢) وابن خزيمة (٢٢٣٩) وابن حبان (٤٣٧٩) (٤٣٨٠) والدارمي (١٨٣/٢) وغيرهم. وكذلكَ ؛ رواهُ أيوبُ ، عن نافعٍ ؛ بدونِهَا . أخرجَهُ: أحمدُ (١٠/٢) والحميديّ (٦٩١) والنسائي (٢١/٧) . وهذا كلُّهُ ؛ يدلُّ على نكارة هذه الزيادة ، عن عبيدِ اللَّه ، وأيضًا عن نافعٍ ، وعلى خطٍ سعيدِ بنِ بشيرٍ حيثَ زادَهَا في الحديثِ . فإنْ قِيلَ : أليسَ مِنَ الممكنِ أنْ يكونَ تحسينُ الدارقطنيِّ لحديثِ سعيدٍ ؛ لِمَا انضمٌ إليهِ من روايةِ ابنِ بديلٍ ، فيكونُ ذكرُ ((الصومِ)) ((حسنًا)) عندَهُ بانضمامٍ الطريقين ؟ قلتُ : لو صحَّ هذا ؛ لكانَ أدلَّ على أنَّ سعيدَ بنَ بشيرِ عندَهُ ليسَ صدوقًا في الحفظ ؛ لأنَّ الصدوقَ لا يحتاجُ إلى انضمامِ شيءٍ إليهِ ليحسنَ حديثُهُ . ومع هذا ؛ فهذا الحملُ أبعدُ ما يكونُ ؛ لأنَّ الدارقطنيَّ وغيرَهُ ممن ذكرنا قد أنكرُوا روايةَ ابنِ بديلٍ ، فلا معنى بعدَ ذلكَ لتقويتها بروايةٍ سعيد ؛ لأنَّ المنكرَ أبدًا منكرٌ . ١٣٤ النَّغْيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَّةِ وأيضًا ؛ فإنَّ رواية سعيد قد أنكرُوهَا عليه ، بل إِنَّ مخالفتَهُ لأصحاب عبيدِ اللَّهِ ، ثمَّ لأصحابِ نافعٍ ، لهو أدلُّ دليلٍ على نكارةِ روايَتِهِ ، والمنكرُ لا يتقوى بالمنكرِ ، بل لا يتقوى أبداً . هذا ؛ فضلاً عن أنَّ روايةَ سعيدِ قاصرةٌ عنِ الشهادةِ لروايةِ ابنِ بديلٍ - كما سبقَ - ، فهي إنْ لم تُخَالِفْهَا ، لا توافقُهَا . وقد أشارَ الدارقطنيُّ نفسُهُ إلى إعلالِ روايتي ابنِ بديلٍ وسعيدِ بنِ بشيرٍ ، بالروايةِ المحفوظةِ والتي لم يُذكرْ فيها ((الصوم)) . فقد تقدمَ ؛ أنَّ الإمامَ الدارقطنيَّ أعلَّ روايةَ ابنِ بديلٍ عن عمرِو بنِ دینارٍ بقوله : ٤١٥ ((ورواهُ نافعٌ عن ابنِ عمرَ، فلم يذكرْ فيهِ «الصيامَ))؛ وهو أصحّ من قولِ ابنِ بديلٍ عن عمرٍو)) . وحديثُ ((نافعٍ عن ابنِ عمرَ))، هو أصلُ حديثِ سعيدِ بنِ بشيرٍ هذا ؛ لكنْ مِن روايةِ الثقاتِ ، كما سبقَ . فإذا كانَ الدارقطنيُّ يستدلُّ بروايةِ ((نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ)) والتي ليسَ فيها ذكرُ ((الصوم))، على إعلالِ روايةِ ((ابنِ بديلٍ عن عمرو بنِ دينارٍ))، فهي أدلُّ على إعلالِ روايةٍ سعيدِ بنِ بشيرٍ ، والتي زادَ فيها ذكرَ («الصيامِ)). لأنَّ الروايةَ إذا اسْتُدِلَّ بها على خطٍ لفظةٍ وردَتْ في روايةٍ أخرى ، فمِنْ بابِ أَوْلَى أنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا على خطٍ هذهِ اللفظةِ إِذا زادهَا راوٍ في الروايةِ نَفْسِهَا ؛ وهذا واضحٌ . والحاصلُ : أنَّ تحسينَ الإمامِ الدارقطنيِّ لحديثِ سعيدِ بنِ بشيرٍ ، ١٣٥ النَّْقِيَةُ .. قَبْلَ الَّقْوِيَةِ ليسَ من بابِ التحسينِ المصطلحِ عليهِ ، والذي جرى عليه عرفُ الأئمة المتأخرينَ ، والذي يقتضي أنَّ الراوي المتفردَ بالحديثِ صدوقٌ في الحفظِ، وأنَّ الحديثَ حجةٌ وثابتٌ عن رسول اللَّهِ وَّه؛ وإنَّما هو تحسينٌ جارٍ على اصطلاحِ العلماءِ المتقدمينَ ، حيثُ يطلقونَ ((الحسَنَ)) أحيانًا ويريدونَ بهِ الحسنَ المعنويَّ، وأحيانًا أخرى يريدونَ به الغرابةَ والنكارةَ . وكِلاَ المعنيينِ لا يدلُّ على ثبوتِ الحديثِ الذي وصفوهُ بهذا الوصف ((الحسن))، ولا على صدقِ الراوي الذي تفردَ بهِ في حفظِهِ وضبطِهِ . هذا ؛ ولنذكُرْ أمثلةً من كلامِ الأئمةِ ، لما أطلقوا فيه لفظَ ((الحسنِ)) على إرادةِ الحسنِ المعنويِّ ، أو إرادةِ الغريبِ والمنكرِ . ولنبدأ بذكر أمثلة عن الأئمةِ عامةً، ثمَّ نُرْدِفُهَا بأمثلةِ عن الإمامِ الدار قطنيِّ خاصَّةٌ . فمنْ ذلكَ : أنَّ الخطيبَ البغداديَّ رَوى في كتابهِ «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (١) عن إبراهيمَ بنِ يزيدَ النخعيِّ ، أنَّه قالَ : ((كانوا يكرهُونَ إذا اجْتَمَعُوا ، أنْ يُخرجَ الرجلُ أَحْسَنَ حديثه ، أو أَحْسَنَ ما عندَهُ) . قالَ الخطيبُ : ((عَنَى إبراهيمُ بالأحسن : الغريبَ؛ لأنَّ الغريبَ غيرَ المألوف يُسْتَحْسَنَ أكثرُ منَ المشهورِ المعروف ، وأصحابُ الحديثِ يُعَبِّرُونَ عن المناكيرِ (١) ((الجامع)) (١٠١/٢). وانظر: ((الكامل)) (١٩٤٠/٥) و((تقدمة الجرح والتعديل)) (ص١٤٦). ١٣٦ النَّثْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَة بهذه العبارة)) . ثمَّ رَوى بإسنادِهِ إلى أميةَ بنِ خالدٍ ، قالَ : قِيلَ لشعبةَ : مَا لَكَ لا تَروي عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ - يعني : العَرْزَمَيَّ - وهو حسنُ الحديثِ ؟ فقالَ : مِن حُسْنِهَا فَرَرْتُ ! وكذا ؛ صنعَ ابنُ السمعانيُّ في كتابهِ ((أدب الإملاء والاستملاء)) (ص ٥٩) ، ذكرَ ما ذكرَهُ الخطيبُ، وقالَ كما قالَ . وممَّا يؤكِّد صحَّةَ تفسيرِ الخطيبِ البغداديِّ للفظ ((الحسَنِ)) في كلمةٍ النَّخعيِّ هذه بـ ((الغريبِ)) و(المنكرِ))؛ أمرانِ : الأوَّلُ: أنَّ الإمامَ أبا داودَ ذكرَ كلمةَ النخعيِّ هذه في ((رسالته إلى أهلِ مكةَ)) (١)، بلفظ: ((كانوا يكرهون الغريب من الحديث)). ورواهُ : الخطيبُ في ((شرفِ أصحابِ الحديثِ)) (ص١٢٥-١٢٦)؛ بلفظ : ((كَانوا يكرهونَ غريبَ الكلامِ ، وغريبَ الحديثِ)) . فإنْ كانَ اللَّفظانِ من قولِ النخعيِّ ، فهذا خيرُ ما يُفَسَّرُ به ؛ وإنْ كانَ لفظُ ((الغريبِ)) من تصرَّفِ بعضِ الرَّواةِ عنه، فهذا يدلُّ على أنَّ إطلاقَ ((الحسنٍ)) على ((الغريب)) كانَ معروفًا ؛ وإنْ كانَ من تصرُّفِ أبي داودَ نفسِهِ، فهذا تفسيرٌ من أبي داودَ ((للحسنٍ)) بأنَّه مرادفٌ ((للغريب)) وحَسْبُكَ بِهِ . (١) (ص٢٩) . ١٣٧ النَّقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ الثَّاني: أنَّ الرَّامهرمزيَّ ذكرهَا في ((المحدثِ الفاصلِ)) (١) في ((بابِ: من كَرِهَ أنْ يرويَ أحسنَ ما عندهُ»، مع نصوصٍ أخرى عن أهلِ العلمِ في ذمّ الغرائبِ والمناكيرِ . هذا ؛ فضلاً عن دلالةِ السِّاقِ؛ فإنَّ ((الحسنَ)) الاصطلاحيَّ لا يَكْره أحدٌ روايتَه وَلا التحديثَ بِهِ ، بينمَا هَذا شأنُهم مع المنكرِ . ومنْ ذلكَ : ما ذكره الرَّامهر مزيُّ في هذا البابِ أيضًا : عن عبد الله بن داودَ - هو: الخُرَيْبِيُّ - ، قال : قلتُ لسفيانَ : يا أبا عبد الله ! حديثُ مجوسِ هَجَرِ ؟ قال : فنظرَ إليَّ ، ثم أعرضَ . فقلت : يا أبا عبد اللهِ ! حديثُ مجوسِ هَجَر ؟ قال : فنظر إليَّ ، ثم أعرضَ عني . ثم سألته ، فقال له رجل إلى جنبه ؛ فحدَّثني به . وكانَ إِذَا كانَ الحديثُ((حَسَنَ))، لمْ يَكَدْ يحدِّثُ بِهِ . و((الحسنُ)) هاهنا بمعنى ((منكرٍ))؛ كما هو واضحٌ . ولعلَّ هذا الحديثَ هو ما سأله عنه يحيى القطانُ : وذلكَ ؛ فيما قالَ يحيى القطانُ : سألتُ سفيانَ عن حديثِ حمادٍ ، عن إبراهيمَ في الرَّجلِ يتزوَّجُ المجوسيةَ ، فجعلَ لا يَحَدثني به ، مَطَلَني به (١) (ص٥٦١ - ٥٦٢) . ١٣٨ النَّقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ أَيَّامًا، ثم قالَ : إنَّما حدثني به جابرٌ - يعني : الجعفيّ - ، عن حماد ؛ ما تَرْجُو بِهِ ؟! أخرجه : ابن أبي حاتم في ((التقدمة)) (ص٦٩) والعقيليّ (١٩٥/١). والله أعلم . ومن ذلكَ : رَوَى : ابنُ عبدِ البرِّ في ((جامع بيان العلم وفضله)) (ص ٩٤ - ٩٥) حديثَ معاذ - مرفوعًا -: ((تَعَلَّمُوا العلمَ ؛ فَإِنَّ تَعلمَهُ للَّهِ خَشْيَةٌ، وطَلَبَهُ عبَادَةٌ .. )) - الحديث. ثُمَّ قالَ ابنُ عبدِ البرِّ : ((حديثٌ حسنٌ جدًّا! ولكنْ ليسَ لهُ إسنادٌ قويّ) !! قالَ العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)(١): ((أرادَ بـ ((الحسن)) حسنَ اللفظِ قطعًا؛ فإنَّه من روايةِ موسى بنِ محمدٍ البَلْقاويِّ عن عبد الرحيمِ بنِ زيدِ العَمِيِّ. والبلقاويُّ هذا كذابٌ ؛ كذبَهُ أبو زرعةَ وأبو حاتمٍ ، ونسبَهُ ابنُ حبانَ والعقيليَّ إلى وضعِ الحديثِ ؛ والظاهرُ أنَّ هذا الحديثَ مما صنعَتْ يداهُ. وعبدُ الرحيمِ بنُ زيدِ العميُّ متروكُ الحديثِ أيضًا)) . وساقَ في ((التمهيد)) (٢) حديثًا منكرًا: (١) ((التقييد)) (ص ٦٠) . (٢) (٥٤/٦ - ٥٥) . ١٣٩ النَّنْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ يرويهِ : بعضُ الضعفاءِ ، عن مالك ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمر - مرفوعًا - : ((مَنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مائةَ مَرَّةٍ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ .... )) - الحديث . ثُمَّ قالَ : ((وهذا لا يرويه عن مالك مَن يوثقُ به ، ولا هو معروفٌ من حديثه ، وهو حديثٌ حَسَنٌ، تُرْجَى بركتُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى)) ! ومنْ ذلكَ : ذكر الذهبيُّ في ترجمةِ عبَّاسِ الدُّوريِّ من ((السِّير))(١) ، عن الأصمِّ ، أَنَّه قالَ فیهِ : (لمْ أرَ في مَشَايخي أَحْسَنَ حَدِيثًا منهُ) . ثم قال الذهبيّ : ((يُحْتَمَلِ أَنَّه أرادَ بـ ((حُسْنِ الحديثِ)): الإتقانَ ، أو أنه يتَّبِعُ المتونَ المليحةَ، فيرويها، أو أنَّه أرادَ عُلُوَّ الإسناد ، أو نَظَافةَ الإسناد، وتركَهُ روايةَ الشَّاذِّ والمنكرِ ، والمنسوخِ، ونحو ذلكَ ؛ فهذه أمورٌ تَقْتَضي للمحدِّث إذَا لازَمَها أنْ يُقَالَ: ما أحسنَ حديثَهُ)) . وساقَ الذهبيَّ في ((السير))(٢) حديثًا: يرويهِ : أبو صالحٍ ذكوانُ ، عن صهيبٍ مولى العباسِ . (١) (١٢/ ٥٢٣). وانظر أيضاً : (٩ /٥٦٩) منه. (١) ((السير)) (٢/ ٩٤). ١٤٠ النَّْقِيَةُ .. قَبْلَ النَّقْوِيَةِ ثمّ قالَ الذهبيّ : ((إسنادُهُ حسنٌ، وصهيبٌ لا أعرفُهُ)) ! ومنْ ذلكَ : ذكرَ الإمامُ عليٌّ بنُ المدينيِّ في ((العلل))(١) حديثَ عمرَ - رضي اللَّهُ عنه - ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قَالَ: «إِنِّي مُمْسِكٌ بِحُجَزِكُمْ مِنَ النَّارِ». وهُو مَنْ روايةِ : يَعْقوب القُمِّيِّ، عن حَفْص بن حُمَيَدٍ ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ ، عن عمرَ بن الخطابِ - رضي الله عنهما - ، عن النبي وَالدِ . ثُمَّ قالَ ابنُ المدينيُّ : ((هذا حديثٌ حسنُ الإسناد ؛ وحفصُ بنُ حميدٍ مجهولٌ ، لا أعلمُ أحدًا روى عنهُ إلاَّ يعقوب القُمِّي، ولم نجدْ هذا الحديثَ عن عمرَ إلا من هذا الطريقِ ؛ وإنَّما يرويهِ أهلُ الحجازِ مِن حديث أبي هريرةَ». قلتُ : ومقتضى هذا ؛ أنَّ الحديثَ منكرٌ عندَهُ من هذا الوجه ، وبهذا يظهرُ معنى قولِهِ : ((حسنُ الإسنادِ)» . وقد قالَ يعقوبُ بنُ شيبة مثلُ قولِ ابنِ المدينيُّ في ((مسندٍ عمرَ بن الخطابِ))(٢)؛ فانظرهُ . ومنْ ذلكَ : قالَ الفضلُ بن موسى (٣) : قالَ عبدُ اللهِ بن المباركِ: اخْرُجْ إلى هَذا (١) (ص ٩٤) . (٢) (ص ٨٢ - ٨٣) . (٣) ((الضعفاء)) للعقيلي (٨٤/٤) و((تهذيب الكمال)) (٣٦١/٢٥).