Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
الفصل الثالث : التدليس
نحن فطالت علينا الأسانيد ، وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل
الدخل على الحاكم في تصرفه في (المستدرك)"(١) .
والتفريق بين ما هو من أخطاء الرواة وما هو من أخطاء النساخ قد لا يتهيأ
دائماً ، لكن النتيجة واحدة .
ولأهمية هذا الموضوع سأذكر الآن جملة من الأحاديث كأمثلة على هذه
المسألة .
منها ما أخرجه البخاري عن شيخه علي بن المديني، عن محمد بن
عبدالرحمن الطفاوي ، عن الأعمش ، قال : حدثني مجاهد ، عن ابن عمر مرفوعاً
"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل "(٢).
فهذا الحديث أنكر الإمام عمرو بن محمد الناقد على علي بن المديني جعله
رواية الأعمش عن مجاهد بصيغة ( حدثني )، وذكر أن الطفاوي إنما حدثهم
بالعنعنة بين الأعمش ومجاهد، واستظهر أن الأعمش إنما رواه عن ليث بن أبي
سلیم ، عن مجاهد (٣).
وذكر ابن رجب أن جماعة - لم يسمهم - أنكروا كذلك سماع الأعمش لهذا
الحدیث من مجاهد (٤).
وتأيد هذا بأن جماعة آخرين رووه عن الطفاوي بالعنعنة ، وكذلك رواه
(١) "الموقظة" ص٤٦.
(٢) "صحيح البخاري" حديث (٦٤١٦).
(٣) "الضعفاء الكبير" ٣: ٢٣٩.
(٤) "شرح علل الترمذي" ٢: ٨٥٤، و"جامع العلوم والحكم" ص٣٥٦.

٢٨٢
الاتصال والانقطاع
غير الطفاوي بالعنعنة أيضاً(١)، ثم إن الحديث معروف عن ليث بن أبي سليم،
حيث رواه حماد بن زيد ، وسفيان الثوري ، وأبو معاوية عنه عن مجاهد (٢)، وقد
سئل الأعمش عن شيء رواه عن مجاهد، فذكر أنه سمعه من ليث بن أبي
سلیم(٣).
ولعل البخاري تسامح في إخراجه لكونه في الرقاق ، ثم له طريق آخر إلى
ابن عمر ، فقد جاء عن الأوزاعي ، عن عبدة بن أبي لبابة ، عن ابن عمر (٤)، لكن
عبدة بن أبي لبابة رأی ابن عمر ، وفي سماعه منه خلاف (٥).
ومثله ما أخرجه مسلم عن نصر بن علي الجهضمي ، عن أبي أسامة حماد
ابن أسامة، عن الأعمش قال : حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة، قال : قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا
نَفَّس الله عنه كربة من کرب يوم القيامة ... " الحدیث(١).
(١) انظر: "صحيح ابن حبان" حديث (٦٩٨)، و"روضة العقلاء" لابن حبان ص١٤٨ -١٤٩،
و"المعجم الكبير" حديث (١٣٤٧)، و"فتح الباري" ٢٣٣:١١، و"هدي الساري"
ص٤٤١ .
(٢) "سنن الترمذي" حديث (٢٣٣٣)، و"سنن ابن ماجه" حديث (٤١١٤)، و"مسند أحمد"٣:
٤١.
(٣) "العلل ومعرفة الرجال" ١: ٢٥٥.
(٤) "مسند أحمد" ١٣٢:٢، و"علل ابن أبي حاتم" ٢: ١١٧، و"تحفة الأشراف" ٤٨١:٥.
(٥) انظر: "المراسيل" ص١٣٦، و"حلية الأولياء" ١١٥:٦، و"تهذيب الكمال" ٥٤٣:١٨.
(٦) "صحيح مسلم" حديث (٢٦٩٩).
:

=
٢٨٣
الفصل الثالث : التدليس
فهذا الحديث رواه محمود بن غيلان عن أبي أسامة فلم يذكر تصريح
الأعمش بالتحديث من أبي صالح (١)، وهكذا رواه جمع غفير عن الأعمش فلم
یذکروا تصريحه بالتحدیث (٢).
ورواه أسباط بن محمد ، عن الأعمش، قال: حدثت عن أبي صالح (٣)،
ورواه عبيدة بن الأسود ، عن الأعمش ، عمن حدثه، عن أبي صالح (٤).
(١) "سنن الترمذي" حدیث (٢٦٤٦، ٢٩٤٥).
(٢) "صحيح مسلم" حديث (٢٦٩٩)، و"سنن أبي داود" حديث (٤٩٤٦)، و"سنن الترمذي"
حديث (١٤٢٥)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (٧٢٨٨ -٧٢٨٩)، و"سنن ابن ماجه"
حديث (٢٢٥)، و"مسند أحمد" ٢٥٢:٢، ٤٠٧، و"مستدرك الحاكم" ٣٨٤:٤، و"علل
الدار قطني" ١٨٣:١٠.
(٣) "سنن أبي داود" حديث (٤٩٤٦)، و"سنن الترمذي" حديث (١٤٢٥، ١٩٣٠)، و"سنن
النسائي الكبرى" حديث (٧٢٩٠)، و"علل الأحاديث في صحيح مسلم" ص١٣٦ .
(٤) "علل الدار قطني " ١٠: ١٨٥ معلقاً.
وانظر أمثلة أخرى لما أخرجه البخاري، وقد قيل : إنه وقع فيه خطأ في التصريح بالتحديث على
مدلس في "صحيح البخاري" الأحاديث (٢٤١)، (٣٩١-٣٩٣)، (٧٥٠)، و"العلل
ومعرفة الرجال" ٣: ٢٢٢ فقرة (٤٩٦٦)، و" فتح الباري" لابن رجب ٢: ٣٢٥،٢٨٤
ولابن حجر ١ : ٤٩٧.
ومثالين آخرين لما أخرجه مسلم، في "صحيح مسلم" حديث (٣١١)، (٢٨٦٥)، و"مسند
أحمد" ١٦٢:٤، ٢٦٦، و"مسند الطيالسي" حديث (١١٧٥)، و"العلل ومعرفة الرجال"٣:
٢٢٢ فقرة (٤٩٦٦)، و"صحيح ابن حبان" حديث (٦٥٣)، و"المعجم الكبير"١٧: ٣٦٠ -
٣٦١ حديث (٩٩٢-٩٩٤).

٢٨٤
الاتصال والانقطاع
وبهذا أعله جماعة من الحفاظ منهم الترمذي ، وأبو الفضل بن الشهيد،
والدار قطني، وهو ظاهر صنيع النسائي (١).
وقال أبوزرعة لما سئل عن رواية الجماعة ، عن الأعمش، عن أبي صالح:
"منهم من يقول: الأعمش، عن رجل، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله
عليه وسلم -، والصحيح : عن رجل ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه
وسلم -" (٢).
وإنما سقت هذين المثالين من "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"
ليضدرك الباحث ضرورة مراعاة الخطأ في التصريح بالتحديث من مدلس ، وأنه
إذا كان قد استدرك على هذين الكتابين مع جلالتهما ، وتحري مؤلفيها البالغ -
ومثالاً لما اتفقا عليه، وتعقبا بأنه وقع فيه تدليس ، لكن التصريح بالتحديث فيه خارج
"الصحيحين"، ويحتمل وقوع خطأ فيه، في "صحيح البخاري" حديث (١٨٥٣)، و"صحيح
مسلم" حديث (١٣٣٥)، و"سنن الترمذي" حديث (٩٢٨)، و"شرح مشكل الآثار"
حديث (٢٥٣٦)، و"الإلزامات والتتبع" ص ٣٥٢، ٤٧٣، و"هدي الساري" ص٣٥٨،
و"فتح الباري" لابن حجر ٦٦:٤.
(١) "سنن الترمذي" حديث ١٤٢٥، و"سنن النسائي الكبرى حديث (٧٢٨٨ - ٧٢٩٠، و"علل
الأحاديث في صحيح مسلم" ص١٣٦، و"جامع العلوم والحكم" ص٣١٨.
(٢) "علل ابن أبي حاتم" ٢: ١٦٢، وجاء في حواشي بعض النسخ كما في " علل ابن أبي حاتم"
تحقيق محمد الدباسي تعليقاً على عبارة: " منهم من يقول: الأعمش، عن رجل، عن أبي هريرة"
- ما نصه: "لعله: عن أبي صالح" ، أي لعله: عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة،
ومثل ذلك يقال في الجملة الأخيرة.

٢٨٥
الفصل الثالث: التدليس
فغيرهما من باب أولى ، والأمثلة على ذلك كثيرة.
فمن ذلك أن مالك بن أنس ، وأبا أويس، وعبدالرحمن بن خالد ، رووا
عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خَرَشة، عن قبيصة بن ذؤيب ، قصة
مجيء الجدة إلى أبي بكر الصديق في شأن الميراث(١)، وكذا رواه سفيان بن عيينة
مرة عن الزهري، إلا أنه لم يسم عثمان(٢).
ورواه جماعة كثيرون، منهم الأوزاعي، ومعمر، وشعيب، وصالح بن
كيسان، وإسحاق بن راشد، ويونس بن يزيد، وسفيان بن عيينة مرة، عن
الزهري، عن قبيصة مباشرة دون واسطة، وفي رواية صالح وحده قال الزهري:
أخبرني قبيصة (٣).
قال النسائي بعد أن أخرج رواية صالح: "الصواب حديث مالك،
(١) "موطأ مالك" ٢: ٥١٣، و"سنن أبي داود" حديث (٢٨٩٤)، و"سنن الترمذي" حديث
(٢١٠١)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (٦٣٤٦)، و"سنن ابن ماجه" حديث (٢٧٢٤)،
و"مسند أحمد" ٤: ٢٢٥، و"علل الدارقطني" ٢٤٨:١، و"التمهيد" ١١: ٩٥.
(٢) "سنن الترمذي" حديث (٢١٠٠)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (٦٣٤٥)، و"التمهيد".
١١ : ٩٥.
(٣) "سنن الترمذي" حديث (٢١٠٠)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (٦٣٣٩ -٦٣٤٠)،
(٦٣٤٢ - ٦٣٤٤)، و"سنن ابن ماجه" حديث (٢٧٢٤)، و"مسند أحمد" ٤: ٢٢٥، و"سنن
سعيد بن منصور" حديث (٨٠)، و"مصنف ابن أبي شيبة" ١١: ٣٢٠، و"مسند أبي يعلى"
حديث (١٢٠)، و"علل الدارقطني" ٢٤٨:١.

٢٨٦
-
الاتصال والانقطاع
وحديث صالح خطأ، لأنه قال: إن قبيصة أخبره، والزهري لم يسمعه من
قبيصة"(١).
وروی جماعة کثیرون جداً من أصحاب ابن جريج عنه ، عن أبي الزبير ،
عن جابر مرفوعاً في أنه لا قطع على منتهب ، أو مختلس ، أو خائن، ومنهم من
اقتصر على بعضه، ومنهم من زاد فيه : " ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا"،
رووه عن ابن جريج بالعنعنة ، أو بصيغة : قال أبو الزبير، وقد نص جماعة من
الأئمة منهم أحمد، وأبوداود، وأبو حاتم ، وأبوزرعة ، والنسائي أنه لم يسمعه من
أبي الزبير ، وذكر أحمد أنه سمعه من ياسين الزيات ، عن أبي الزبير، وأشار إلى
ذلك أبو حاتم ، وأبوزرعة أيضاً ، وقالا : "قال زید بن حباب : أنا حدثت به ابن
جریج، عن أبي الزبير "().
وقد رواه عبد الرزاق، عن ياسين الزيات ، أن أبا الزبير أخبره عن جابر(٣).
(١) "تحفة الأشراف" ٨: ٣٦٢، وانظر: "علل الدار قطني" ٢٤٨:١، و"التمهيد" ٩٥:١١.
(٢) "سنن أبي داود" حديث (٤٣٩١-٤٣٩٣)، و"سنن الترمذي" حديث (١٤٤٨)، و"سنن
النسائي" حديث (٤٩٨٧-٤٩٨٩)، و"سنن ابن ماجه" حديث (٢٥٩١)، و"مسند أحمد" ٣:
٣٨٠، و"مصنف عبدالرزاق" حديث (١٨٨٥٨)، (١٨٨٦٠)، و"مصنف ابن أبي شيبة" ١٠:
٤٥، ٤٧، و"شرح معاني الآثار" ٣: ١٧١، و"شرح مشكل الآثار" حديث (١٣١٤)، و"علل
ابن أبي حاتم" ١: ٤٥٠، - وفي النسخة سقط - و"صحيح ابن حبان" حديث (٤٤٥٦ -
٤٤٥٧)، و"الكامل" ٧: ٢٦٤٢، و"سنن الدار قطني" ١٨٧:٣، و"الإرشاد" ٣٥٢:١،
و"سنن البيهقي" ٨: ٢٧٩، و"تاريخ بغداد" ٢٥٦:١، ١٥٣:١١.
(٣) "مصنف عبد الرزاق" حديث (١٨٨٤٥)، (١٨٨٥٩).

٢٨٧
الفصل الثالث . التدليس
وقد جاء عن ابن جريج مصرحاً فيه بالسماع من أبي الزبير (١)، ويترجح
جداً وقوع الخطأ في ذلك ، إما من الرواة ، أو من النساخ، ولمّا أخرجه النسائي
من طريق محمد بن حاتم ، عن سويد، عن عبدالله بن المبارك، عن ابن جريج
قال : أخبرني أبو الزبير به ، قال عقبه: "ما عمل شيئاً، ابن جريج لم يسمعه من
أبي الزبير عندنا" (٢).
وروی محمد بن طلحة، ویحیی بن أيوب ، ویزید بن هارون، وسليمان بن
بلال، عن حميد، عن ثابت، عن أنس قصة صلاته صلى الله عليه وسلم في مرضه
خلف أبي بكر (٣).
ورواه جماعة آخرون منهم سفيان الثوري، وإسماعيل بن جعفر بن أبي
كثير، وأخوه محمد، وحماد بن سلمة، وعبدالوهاب الثقفي عن حميد، عن أنس
لیس بينهما أحد (٤).
(١) "مصنف عبدالرزاق" حديث (١٨٨٤٤)، و"سنن الدارمي" حديث (٢٣٥١)، و"تاريخ
بغداد" ٢٥٦:١، و"العلل المتناهية" حديث (١٣٢٦).
(٢) "السنن الكبرى" حديث (٧٤٦٣.
(٣) "سنن الترمذي" حديث (٣٦٣)، و"مسند أحمد" ٣: ٢٤٣، و"شرح معاني الآثار" ١: ٤٠٦،
و"شرح مشكل الآثار" حديث (٤٢١٣)، (٥٦٤٩)، و"صحيح ابن حبان" حديث
(٢١٢٥).
(٤) "سنن النسائي" حديث (٧٨٥)، و"مسند أحمد" ٣: ٢١٦، ٢٤٣،٢٣٣، ٢٥٩، ٢٦٣،
و"مسند أبي يعلى" حديث (٣٧٥١)، و"الأوسط" لابن المنذر حديث (٢٠٤١)، و"دلائل
النبوة" ٧: ١٩٢.

٢٨٨
الاتصال والانقطاع
ورجح الترمذي بعد تخريجه قول من ذكر فيه ثابتاً، ومعناه أن حميداً قد
دلسه حین رواه عن أنس.
وحجة الترمذي ظاهرة، وهي أن حميداً مدلس، ولم يصرح بالتحديث،
وقد أدخل واسطة في بعض الطرق إليه، ولا يعكر عليه ما وقع في رواية محمد بن
جعفر بن أبي كثير، وهي عند البيهقي في "الدلائل" - من تصريح حميد
بالتحديث عن أنس، فمثل هذا لا يعتمد عليه، فهو إما من خطأ النساخ، أو من
خطأ أحد رواة الإسناد.
وقد تعرض أحد الباحثين لدراسة الإسناد، ثم قال في نهاية كلامه: "وكلا
الوجهين صحيح محفوظ عن حميد، سمعه حميد من أنس رضي الله عنه، كما
حفظه محمد بن جعفر عنه، وسمعه من ثابت ، عن أنس رضي الله عنه ، فكان
یرویه علی الوجهین".
وقال باحث آخر: " قد صرح حميد بسماعه الحديث من أنس عند البيهقي،
ورواه مرة أخرى بواسطة ثابت ، عن أنس ، فلعله سمعه من الاثنين، فرواه على
الوجهين ".
وما قرراه تساهل ظاهر لا يلتفت إليه.
وروی ابن حبان ، عن محمد بن المنذر بن سعید ، حدثنا یوسف بن سعيد ،
حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني يحيى بن سعيد ، عن عمرة، عن عائشة
قالت : " كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة ، فإذا
حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي 8 3: اجعلوا مكان الدم

٢٨٩
الفصل الثالث : التدليس
خلوقاً " (١).
فهذا إسناد رجاله ثقات ، صرح فيه ابن جريج بالإخبار ، فصححه ابن
حبان ، وتوارد على تصحيحه جمع من الباحثين المعاصرين ، اعتماداً على تصريح
ابن جريج بالإخبار عند ابن حبان ، وهو جزء من حديث مطول يعرف بحديث
(العقيقة)، وقد رواه عن ابن جريج غير حجاج بن محمد : روح بن عبادة ،
وعبدالرزاق ، وعبدالمجيد بن أبي رواد ، وهشام بن سليمان، فرواه روح ،
وعبدالمجيد ، عن ابن جريج بالعنعنة بینه وبین یحیی بن سعید ، وقيل عن روح
- وکذا هو في رواية هشام بن سلیمان - عن ابن جریج قال: حدثنا عن یحیی،
ورواه عبدالرزاق عن ابن جريج قال : حدثت حديثاً رفع إلى عائشة ... ، وروى
أيضاً بعض حديث (العقيقة) عن ابن جريج : أبو قرة موسى بن طارق ، ومحمد
ابن عمرو اليافعي بالعنعنة أيضاً ، بل صيغة أبي قرة: عن ابن جريج حديثاً ذكره
عن یحیی بن سعيد (٢).
فإذا أضيف إلى ذلك قول عبدالله بن أحمد: "قلت ليحيى (يعني ابن
معین): ابن أبي رواد حدث عن ابن جريج ، عن یحیی بن سعيد ، عن عمرة ، عن
عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العقيقة ، فقال : هذا في كتب ابن
جريج: عن رجل ، عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه
(١) "صحيح ابن حبان" حديث (٥٣٠٨).
(٢) "مصنف عبدالرزاق" حديث (٧٩٦٣)، و"مسند البزار" حديث (١٢٣٩)، و"مسند أبي يعلى"
حديث (٤٥٢١)، و"مشكل الآثار" حديث (١٠٥١)، و"صحيح ابن حبان" حديث
(٥٣٠٨)، (٥٣١١)، و"المستدرك" ٢٣٧:٤، و"سنن البيهقي" ٢٩٩:٩-٣٠٣.

٢٩٠
الاتصال والانقطاع
وسلم"(١) - وقول الدار قطني بعد أن ذكر رواية روح بن عبادة، وهشام بن
سليمان وفيهما قول ابن جريج: حدثنا عن يحيى بن سعيد - قال: "وهو
الصحيح، فإن ابن جريج لم يسمعه من يحيى"(٢) - ترجح جداً أن رواية حجاج
ابن محمد التي عند ابن حبان وقع فيها خطأ في صيغة التحديث ، ولعل أصلها :
أخبرت عن يحيى بن سعيد، وقد ذكر الدار قطني في "العلل" أن حجاجاً يرويه
بالعنعنة، فالخطأ ممن بعده بلا شك.
وأخرج أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي، من طرق عن ابن
إسحاق، عن عبدالله بن أبي نجیح، عن مجاهد، عن ابن عباس قصة إهدائه صلى
الله عليه وسلم يوم الحديبية جملاً لأبي جهل، ووقع عندهم تصريح ابن إسحاق
بالتحدیث(٣).
وقد جاء الحديث من طرق أخرى عن ابن إسحاق بعضها بالعنعنة ،
وبعضها بصيغة : قال ابن أبي نجيح، وبعضها بلفظ: حدثني من لا أتهم عن ابن
أبي نجيح(٤)، فترجح إذاً أن التصريح بالتحديث وقع فيه خطأ، ويظهر أن سبب
(١) "العلل ومعرفة الرجال" ١٩:٣.
(٢) "علل الأحاديث" الورقة ١٥٣.
(٣) "مسند أحمد" ١: ٢٦١، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (٢٨٩٨)، و"المستدرك" ٤٦٧:١،
و"سنن البيهقي" ١٨٥:٥.
(٤) "سنن أبي داود" حديث (١٧٤٩)، و"سيرة ابن هشام" ٣: ٤٢٠، و"صحيح ابن خزيمة"
حديث (٢٨٩٧)، و"شرح مشكل الآثار" حديث (١٤٠٣ - ١٤٠٤)، و"المعجم الكبير"
حديث (١١١٤٧)، و"معرفة علوم الحديث" ص١٠٧، و"سنن البيهقي" ٢٢٩:٥،
و"التمهيد" ١٧: ٤١٤، و"إتحاف المهرة" ١٦:٨.

٢٩١
الفصل الثالث : التدليس
وقوع الخطأ كون ابن إسحاق صرح بالتحديث عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،
عن ابن عباس، في حديث قبله، ثم عطف عليه هذا بقوله: وقال ابن أبي نجيح،
عن مجاهد، عن ابن عباس.
وأخرج ابن ماجه قال : حدثنا جعفر بن مسافر ، قال : حدثني كثير بن
هشام، قال : ثنا جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران ، عن عمر بن الخطاب
قال : قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إذا دخلت على مريض فمره أن
يدعو لك ، فإن دعاءه كدعاء الملائكة " (١).
قال النووي عن إسناد هذا الحديث : " صحیح أو حسن، لکن میمون بن
مهران لم يدرك عمر"().
وقال البوصيري: "إسناده صحيح، ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع ... "(٣).
وقد رأيت هذا الحديث في بعض مقررات التعليم عندنا ، وهو حديث
ضعيف جداً شبيه بالموضوع ، فقد رواه الحسن بن عرفة العبدي ، عن كثير بن
هشام، عن عیسی بن إبراهيم ، عن جعفر بن برقان (4)، وعیسی بن إبراهيم هذا
هو الهاشمي الشامي متروك الحديث ، يروي کثیراً عن جعفر بن برقان ، ويروي
عنه كثير بن هشام (*)، وقد سقط من الإسناد الأول .
(١) "سنن ابن ماجه" حديث (١٤٤١).
(٢) "الأذكار" ص ٢٨٩ .
(٣) "مصباح الزجاجة" ١: ٤٦٥ .
(٤) "عمل اليوم والليلة" لابن السني حديث (٥٦٢)، و"النكت الظراف" ٨: ١١١.
(٥) "الكامل" ١٨٩٠:٥، و"الميزان" ٣٠٨:٣ .

٢٩٢
وسواء كان سقط عمداً أو خطأً فإن صورته صورة التدليس ، لكن يكون
أصل صيغة الرواية بالعنعنة بين كثير، وجعفر بن برقان ، إن كان الإسقاط
عمداً، فأبدلت خطأ بصيغة تحديث ، لأن كثير بن هشام لم يوصف بتدليس ،
وهو من أروى الناس عن جعفر بن برقان (١)، ولهذا ذكرت المثال هنا ، وإن كان
الإسقاط وقع خطأ فالقائل : حدثنا جعفر بن برقان هو عيسى بن إبراهيم ، وقد
سقط من الإسناد .
وسئل أحمد عن حديث هشيم ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي
هريرة مرفوعاً : " الإمام ضامن ... " وقول هشيم عن الأعمش فيه : حدثنا
أبو صالح (٢)، فقال أحمد: "لم يسمعه هشيم من الأعمش"(٣).
يشير أحمد إلى خطأ التصريح بالتحديث ، وأن هشيماً دلسه عن الأعمش ،
ولم يسمعه منه ، فيحتمل أنه أسقط ضعيفاً عليه عهدة تصريح الأعمش
بالتحديث، وكان أحمد يذهب إلى أن الأعمش لم يسمع هذا الحديث من أبي
صالح .
وروى سفيان بن عيينة ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن حسان
ابن بلال ، عن عمار ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث (تخليل اللحية)،
(١) "معرفة الثقات" ٢٢٦:٢، وانظر: "تهذيب التهذيب" ٢: ١٠٧، و"النكت الظراف" ٨:
١١١.
(٢) أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" حديث (٢١٨٧) من طريق سريج بن النعمان، عن
هشیم به.
(٣) "مسائل أبي داود" ص٣٨٩.
:

٢٩٣
الفصل الثالث : التدليس
وقد جاء بالعنعنة بين سفيان ، وسعيد ، فأعله أبو حاتم باحتمال تدليس ابن عيينة
وبغير ذلك (١).
ورد ذلك أحمد شاكر بوقوع التصريح بالتحديث من ابن عيينة عند
الحاكم(٢)، ولا يخفى أنه لا يصح الاعتماد على "المستدرك" في إثبات تصريح
بالسماع ولا سيما مع التحريف الكثير في المطبوع، ولو لم يكن فهي رواية معلولة.
وروى يزيد أبو خالد القرشي، عن ابن جريج : أخبرني حبيب بن أبي
ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: " لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت "(٣)، وكذا جاء في
رواية عن روح بن عبادة ، عن ابن جريج(4).
وجاء من روايات متعددة ، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن
حبيب بن أبي ثابت ، هكذا بالعنعنة (*)، وكذا رواه عبدالعزيز بن أبي رواد (١)،
ورواه حجاج بن محمد ، عن ابن جريج قال : أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت (٧).
(١) " علل ابن أبي حاتم" ٣٢:١.
(٢) "المستدرك" ١٤٩:١، وتعليق شاكر على "سنن الترمذي" حديث (٣٠).
(٣) "مسند أحمد" ١: ١٤٦، و"مسند أبي يعلى" حديث (٣٣١)، و"الكامل" ٧: ٢٧٣٤ .
(٤) "سنن الدار قطني" ٢٢٥:١ .
(٥) "سنن ابن ماجه" حديث (١٤٦٠)، و"مسند البزار" حديث (٦٩٤)، و"المستدرك" ٤: ١٨٠،
و"سنن البيهقي" ٢٢٨:٢ .
(٦) "سنن الدارقطني" ٢٢٥:١.
(٧) "سنن أبي داود" حديث (٣١٤٠)، (٤٠١٥)، و"سنن البيهقي" ٢: ٢٢٨ .

٢٩٤
قال أبوحاتم : "ابن جريج لم يسمع هذا الحديث بهذا الإسناد من حبيب،
إنما هو من حديث عمرو بن خالد الواسطي ، ولا يثبت لحبيب رواية عن
عاصم، فأرى أن ابن جريج أخذه من الحسن بن ذكوان ، عن عمرو بن خالد،
عن حبيب، والحسن بن ذكوان، وعمرو بن خالد ضعيفا الحديث"(١).
وعمرو بن خالد أشدهما ضعفاً، فهو متروك الحديث ، متهم بالوضع (٢).
وقال ابن حجر : "وقع في "زيادات المسند" ، وفي الدار قطني ، و"مسند
الهيثم بن کلیب" تصریح ابن جريج بإخبار حبيب له، وهو وهم في نقدي"().
وتأيد وقوع الخطأ في التصريح بالتحديث ، وأن ابن جريج دلسه بما ذكره
ابن معین من کون ابن جریج لم یسمع من حبیب بن أبي ثابت سوی حدیثین،
ليس هذا واحداً منهما ، كما تقدم في المبحث الثالث.
وقد مر أحد الباحثين بأحد الطرق التي وقع فيها تصريح ابن جريج
بالتحديث ، فراح يشتغل ببيان قوة رواية ابن جريج إذا صرح بالإخبار ، ولم
يتعرض لكلام الأئمة على تدليسه لهذا الحديث ، وأن التصريح بالتحديث خطأ
ممن دونه ، ولا ذکر الباحث أن حبيب بن أبي ثابت لا تصح له رواية عن عاصم
ابن ضمرة ، كما تقدم آنفاً من كلام أبي حاتم ، وقاله غيره من الأئمة (٤)، فما جاء
من ذلك عنه فهو من رواية عمرو بن خالد المذكور آنفاً ، بل نقل الباحث عن أبي
(١) "علل الحديث" ٢: ٢٧١ .
(٢) "تهذيب التهذيب" ٢٧٦:٢، ٢٦:٨.
(٣) "التلخيص الحبير" ٢٩٨:١.
(٤) "سؤالات الآجري لأبي داود" ١: ٣٠١، و"جامع التحصيل" ص ١٩٠ .

٢٩٥
الفصل الثالث : التدليس
داود قوله بعد أن روى الحديث : "هذا الحديث فيه نكارة" (١)، ثم عقبه بقوله :
"وأما النكارة التي صرح بها أبوداود ... فهي ليست أكثر من وهم، لا يصمد
أمام الدراسة الجادة للحديث ولرجاله".
كذا قال الباحث - سامحه الله -، وهكذا فلتكن الدراسة الجادة للسنة
النبوية !!.
وهذا باحث آخر علق على نفي الإمام أحمد أن يكون شيخه هشيم سمع
كلمة (فانحرف) من يعلى بن عطاء في حديث يزيد بن الأسود ، فقال الباحث
معلقاً على كلام أحمد : "ولكن رواه الترمذي (حديث ٢١٩) عن شيخه أحمد بن
منيع ، عن هشيم قال : أخبرنا يعلى بن عطاء ، حدثنا جابر بن يزيد بن الأسود،
عن أبيه قال : " شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حجته ، فصليت معه
صلاة الصبح في مسجد الخیف ، قال : فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين
في أخرى القوم لم يصليا معه ، فقال: عليّ بهما ... "، والمدلس إذا صرح بالإخبار
والتحديث فروايته مقبولة صحيحة عند الجمهور ... ".
كذا قال الباحث ، وظاهر جداً أن رد كلام أحمد بمثل هذا غير لائق،
فالكلمة مدرجة في هذه الرواية بلا شك ، والباحث نفسه قد خرج الحديث من
"سنن النسائي" (حديث ٨٥٧)، من رواية زياد بن أيوب، عن هشيم، ومن
"مسند أحمد (٤: ١٦١)، وليس فيهما هذه الكلمة ، بل فيه في رواية أحمد: "وربما
قيل لهشیم : فلما قضى صلاته تحرف ، فيقول : تحرف عن مكانه".
(١) "سنن أبي داود" حديث (٤٠١٥).

٢٩٦
الاتصال والانقطاع
وكما يقع الخطأ على المدلس في تصريحه بالتحديث يقع عليه أيضاً إذا دلَّس
تدليس تسوية، فيرد التصريح بالتحديث بين راويين قد أسقط المدلس مَنْ بينهما،
كما تقدم مثاله في رواية إسحاق بن راهويه ، عن بقية بن الوليد ، عن أبي وهب
الأسدي ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعاً : " لا تحمدوا إسلام امرئ حتى
تعرفوا عقدة رأيه"، حيث جاءت هذه الرواية بالتصريح بالتحديث بين أبي
وهب ونافع، مع أن بقية قد أسقط أحد المتروکین بينهما .
ومثله حديث الوليد بن مسلم المتقدم أيضاً، فقد رواه جماعة كثيرون منهم
داود بن رشيد في رواية أحمد بن يحيى الحلواني عنه، عن الوليد، عن ثور بن
يزيد، عن رجاء بن حيوة ، عن كاتب المغيرة ، عن المغيرة ، هكذا بالعنعنة بين ثور
ورجاء ، ورواه البغوي ، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم بالتصريح
بالتحديث بين ثور ورجاء ، فيترجح جداً أن هذه الرواية وقع فيها خطأ ، ولا
يصح الاعتماد عليها لنفي تدليس التسوية من الوليد، ومعارضة أقوال كبار
الأئمة ، كما فعل أحمد شاكر وغيره من الباحثین (١).
وروى إبراهيم بن المنذر ، ودحيم، عن الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي،
أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو إلى المصلى
والعنزة بين يديه ... " الحديث(٢)، وكذا رواه ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي(٣).
(١) انظر: "التلخيص الحبير" ١٦٩:١، وتعليق أحمد شاكر على "سنن الترمذي" ١: ١٦٤، وتعليق
محقق "العلل الكبير" ١: ١٨٠ .
(٢) "صحيح البخاري" حديث (٩٧٣)، و"سنن ابن ماجه" حديث (١٣٠٤).
(٣) "النكت الظراف" ١١٤:٦.

٢٩٧ ١
الفصل الثالث : التدليس
ورواه داود بن رشيد، وإسحاق بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن
الأوزاعي، عن نافع، هكذا بالعنعنة بين الأوزاعي، ونافع، وكذا قال عيسى بن
يونس، وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي.
ورواه الوليد بن مزيد، وعمر بن عبدالواحد، عن الأوزاعي قال: بلغني
عن نافع، ورواه شعبة ، عن الأوزاعي، عن رجل، عن نافع(١).
فالاحتمال الأقوی أن یکون الأوزاعي لم يسمعه من نافع، وأنه دلس علیه
تدليس تسوية، ثم وقع التصريح بالتحديث خطأ ممن دونه، وليس للأوزاعي،
عن نافع في الكتب الستة، و"مسند أحمد"، وكتب أخرى كثيرة غير هذا
الحديث(٢)، وقد قال أبو داود السجستاني: "لا نعلم أن الأوزاعي حدث عن
نافع إلا بمسألة"(٣).
وروى أبو زرعة الدمشقي بإسناده إلى عمرو بن أبي سلمة قال: "قلت
الأوزاعي: يا أبا عمرو: الحسن أو رجل عن الحسن؟ قال: رجل عن الحسن،
قلت: فنافع أو رجل عن نافع؟ قال: رجل عن نافع ... "(٤).
قال أبو زرعة بعد أن روى هذا: "لا يصح عندنا للأوزاعي عن نافع
شيء ... "(٥).
(١) "سنن ابن ماجه" حديث (١٣٠٤).
(٢) "تحفة الأشراف" ١١٣:٦، و"إتحاف المهرة" ١٤١:٩.
(٣) "سؤالات الآجري لأبي داود" ١٨٦:٢.
(٤) "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" ٧٢٣:٢،٢٦٥:١.
(٥) "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" ٧٢٣:٢.

=
٢٩٨
الاتصال والانقطاع
والحديث له طرق مشهورة إلى نافع من غير طريق الأوزاعي(١).
ومن دقائق موضوع أخطاء التصريح بالتحديث من مدلس أن يكون
التدليس قد وقع في جملة من الحديث، وباقيه على السماع، فتأتي الرواية عن
المدلس مصر حاً فيه بالتحديث في الكل.
فمن ذلك أن جماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي - ومنهم شعبة ،
والثوري، وأبو الأحوص، وابن عيينة - رووا عن أبي إسحاق ، عن البراء بن
عازب: "أن النبي # أوصى رجلاً فقال: إذا أردت مضجعك فقل: اللهم
أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك ، ووجهت وجهي إليك ، وألجأت
ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ... "
الحديث، وفي رواية شعبة قول أبي إسحاق : سمعت البراء بن عازب (٢).
وجاء عن أبي إسحاق من رواية حفيده إسرائيل بن يونس: " وكان أبو
إسحاق يزيد فيه: لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، ويقول : لم أسمع هذا من
البراء، سمعتهم يذكرونه عنه: لا ملجأ ولا منجى " (٣).
(١) "صحيح البخاري" حديث (٤٩٤)، (٤٩٨)، (٩٧٢)، و"صحيح مسلم" حديث (٥١٠)،
و "سنن أبي داود" حديث (٦٨٧)، و"سنن النسائي" حديث (٧٤٦)، و"سنن ابن ماجه"
حديث (١٣٠٥)، و"مسند أحمد" ١٣:٢، ١٨، ٩٨، ١٤٥،١٤٢،١٠٦.
(٢) "صحيح البخاري" حديث (٦٣١٣)، (٧٤٨٨)، و"صحيح مسلم" حديث (٢٧١٠)،
و"سنن الترمذي" حديث (٣٣٩٤)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (١٠٦٠٩ -
١٠٦١٢)، و"سنن ابن ماجه" حديث (٣٨٧٦)، و"مسند أحمد" ٤: ٢٩٩،٢٨٥.
(٣) " سنن النسائي الكبرى" حديث (١٠٦١٣)، وانظر: "فتح الباري" ١١: ١١٤.

٢٩٩
الفصل الثالث : التدليس
وغير خاف - بعد ما تقدم - أهمية التحقق من صواب تصريح المدلس
بالتحديث، وأن ما يفعله كثير من المتكلمين على الأسانيد من التعلق بأدنى شبهة
طريقة غير سليمة، وفي نظري أن تشدد المتأخرين في الرد بعنعنة المدلس قابله
تسامح كبير منهم في إزالة شبهة التدليس بما يقفون عليه من التصريح بالتحديث
دون دراسة له وتمعن فیه.
والذي يوصى به الباحث أن يسلك منهج أئمة النقد في المقارنة، وإنعام
النظر، وتوقع أخطاء الرواة والنساخ ، ويتأكد هذا الأمر إذا كان الراوي عن
المدلس ممن نسب إليه الخطأ في هذا الجانب ، أي إنه يخطىء على شيخه فيجعل
روایته بالتصریح بالتحدیث، كما تقدم في حال أصحاب بقية بن الوليد، ويوجد
ذلك في غيره أيضاً.
فممن نسب إليه الخطأ على شيخه : عبد الواحد بن زياد مع الأعمش ، قال
أبو داود الطيالسي: "عمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها كلها،
يقول: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا مجاهد - في كذا وكذا - " (١) .
ومحمد بن کثیر العبدي مع سفيان الثوري، قال ابن معين : "کان في حديثه
ألفاظ، حدثنا أبو إسحاق - كأنه ضعفه - "(٢).
وكذلك إذا كان رواة الإسناد من الأمصار التي نص العلماء على تساهلهم
بألفاظ الأداء، فیبدلون بالصيغ غیر الصريحة صیغاً صريحة، کما تقدم في كلام أبي
(١) "الضعفاء الكبير"٣: ٥٥.
(٢) "سؤالات ابن الجنيد لابن معين" ص ٣٥٧.

=
(٣٠٠
الاتصال والانقطاع
حاتم وابن عدي في أهل حمص مع أحاديث بقية.
وقال الإسماعيلي: "عادة الشاميين والمصريين جرت على ذكر الخبر فيما
يروونه، لا يطوونه طيّ أهل العراق".
قال ابن رجب معقباً على كلمة الإسماعيلي: "يشير إلى أن الشاميين والمصريين
يصرحون بالتحديث في رواياتهم، ولا يكون الإسناد متصلاً بالسماع"(١).
وقال في موضع آخر في كلام له على حديث من رواية الشاميين قيل إنه
وقع فيه خطأ في التصریح بالتحديث : "قد قیل: إن الشامیین كانوا يتسامحون في
لفظة (أنا) و(ثنا)، ويستعملونها في غير السماع، ذكره الإسماعيلي وغيره"(٢).
ويكفي لإدراك ما تقدم من ضرورة التحقق من تصريح المدلس بالتحديث
أن شعبة بن الحجاج هو أشهر من كان يتفقد السماع من شيوخه المدلسين وغير
المدلسين، كما تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول، وكما سيأتي قريباً في هذا
المبحث، ومع هذا وقع في الخطأ، قال ابن رجب : "لا يغتر بمجرد ذكر السماع
والتحديث في الأسانيد، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر
فيه الإخبار عن شيوخه ويكون منقطعاً "(٣).
وبعد، فهذه أربعة أسباب إذا وجد واحد منها لزم التوقف في تصريح
المدلس بالتحديث، ولا شك أن ترجيح وجود الأول والثاني والرابع منها ليس
بالأمر اليسير ، وإنما تثور الشبهة إذا عارض التصريح بالتحديث ما يعلم منه
(١) " فتح الباري " ٢: ٢٨٤، وانظر: ٣١٧:٢، ٣٢٦، ٣: ٢٠٠.
(٢) "فتح الباري" ١٣٨:٦.
(٣) " شرح علل الترمذي"٢: ٥٩٤.