Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١
الفصل الأول : صفة رواية الراوي عمن روى عنه
وروى الفضل بن موسى، عن سفيان الثوري، عن محمد بن عبدالرحمن
مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ: "أنها اختلعت على
عهد النَّبِّل﴿، فأمرها النَّبِيّ ﴿ - أو أمرت - أن تعتد بحيضة" (١).
ورواه و کیع ، عن سفيان ، عن محمد بن عبدالرحمن ، عن سلیمان بن يسار:
"أن الربيع اختلعت، فأمرت بحيضة "(٢).
دلت رواية وكيع أن قوله في رواية الفضل بن موسى: عن الربيع، أي عن
قصتها، لا أن سلیمان یرویه عنها.
والقاعدة في جميع ما تقدم أن كل صيغة تبين أن الراوي قصد بها الرواية
عن الشخص، أو من حضر قصته، سواء كان من ظاهر الصيغة، أو عرف ذلك
بقرينة في المتن(٣)، فإنه يبحث في الاتصال بينهما، هل يثبت أولا ؟ وكل صيغة
تبين أن الراوي قصد بها حكاية قصة الشخص وليس الرواية عنه - سواء عرف
ذلك من ظاهر لفظ الصيغة ، أو من متن الحديث ، أو من الطرق الأخرى - فإنه
لا يبحث في اتصال الإسناد وانقطاعه بين الراوي وبين صاحب القصة ، هل
سمع منه أو لا ؟ ، لأنه تبين أنه لم يرد الرواية عنه، وإنما يكون النظر في حاكي
القصة هل أدرك زمانها أو لا ؟ فإن لم يكن أدرك زمانها فالإسناد منقطع ابتداء ،
(١) "سنن الترمذي" حديث (١١٨٥)، و"المنتقى" حديث (٧٦٣).
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" : ١١٤.
(٣) تأتي بعض الروايات في ظاهرها حكاية قصة الشخص، ولكن في أثناء المتن ما يدل على أنه
يرويها عن صاحب القصة، أو عمن حضرها، انظر: "هدي الساري" ص٣٦٢، ٣٦٨،
٣٧١، ٣٧٣، ٣٧٧، و"النكت الظراف" ٦:٨.
٤٢
الاتصال والانقطاع
وإن کان أدرك زمانها ویمکنه حضورها ومشاهدتها فيبحث في اتصال الإسناد .
فإذا روى الصحابي قصة مرفوعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - مع بعض
أصحابه ، فإن كان الصحابي يمكنه إدراكها ومشاهدتها فهو متصل ، وإلا - كأن
تكون القصة في مكة وهو أنصاري ، أو في أول الهجرة وقد تأخر إسلامه - فهو
مرسل صحابي ، وحكمه حكم الذي قبله ، إذ ليس في قبول مراسيل الصحابة
خلاف يذكر ، وإن كان راوي القصة تابعياً فهو مرسل تابعي ، ولا يلتفت إلى
سماعه من ذلك الصحابي ، لأنه لم يسندها إليه .
وإن روى التابعي حكاية جرت الصحابي غير مرفوعة فإن كان يمكنه
إدراكها وحضورها ، وقد علم سماعه من ذلك الصحابي ، فهو متصل ، بشرط
أن لا يعرف الراوي بالتدليس ، وإن لم يمكنه حضورها فهو منقطع ، حتى وإن
کان قد سمع من ذلك الصحابي صاحب القصة ، إذ قد یکون سمع منه ، لكن
تلك القصة وقعت في وقت لا يمكنه السماع منه وحضور قصة له ، وهو لم
يسندها إليه رواية(١).
وكثيراً ما يتفق أن يروي الراوي القصة في بعض الطرق حاكياً لها ، وفي
بعض الطرق يسندها إلى صاحب القصة ، وهو يمكنه حضورها، وقد سمع من
صاحبها ، فمثل هذا متصل على كل حال ، لكن ينظر ما هو المحفوظ من جهة
قواعد الرواية واختلافها ، هل الصواب أنه يحكيها هو ، أو الصواب أنه يسندها
عن صاحبها ، أو كلاهما صواب ؟
(١) انظر: "شرح علل الترمذي" ٦٠١:٢، و"التقييد والإيضاح" ص٨٦، و"النكت" ٢:
٥٩١.
٤٣
الفصل الأول، صفة رواية الراوي عمن روى عنه
ومن أمثلة ذلك حديث ابن عمر ، عن عمر أنه سأل رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - : (( أينام أحدنا وهو جنب ... )) الحديث ، وفي بعض طرقه عن
ابن عمر ((أن عمر قال: يا رسول الله .... )) الحديث(١).
وحديث أنس في قصة زواج عبدالرحمن بن عوف في أول الهجرة ، فقد
حكى القصة أنس، وأسندها أيضاً عن عبدالرحمن(٢).
والذي دعاني إلى إفراد هذا الموضوع - وهو الفرق بين رواية الراوي عن
الشخص وبين حكايته لقصته - بمبحث مستقل هو أنني رأيت بعض من يتكلم
على الأحاديث لا يراعي هذا الفرق ، فربما بحث عن سماع الراوي ممن فوقه
وقصد الرواية عنه غير موجود، کما وقع للحاكم حین ذکر قصة رؤیا عبدالله بن
زيد للأذان ، من رواية سعيد بن المسيب ، عن عبدالله بن زيد ، فقد تكلم على
إثبات سماع سعيد بن المسيب من عبدالله بن زيد(٣).
وبصرف النظر عن مناقشة الحاكم في إثبات سماعه منه ، فإن جعله من
رواية سعيد ، عن عبدالله بن زيد جاء في رواية محمد بن إسحاق ، عن الزهري ،
عن سعيد ، لكن أصل الرواية حكاية سعيد للقصة مرسلة لا يسندها إلى عبدالله
بن زيد ، هكذا رواه الحفاظ من أصحاب الزهري ، وهم معمر ، وشعيب بن
(١) انظر: "تحفة الأشراف" حديث (٧٢٢٤، ٧٧٨١، ٧٧٨٨، ٧٩٣٧، ٨١٧٨،٨٠١٩،
٨٢٤٧، ٨٣٠٣، ٨٥٣٠، ٨٥٨٧، ١٠٥٣٤، ١٠٥٤١، ١٠٥٥٢، ١٠٥٧٧).
(٢) انظر: "تحفة الأشراف" حديث (٢٨٨، ٥٧٦، ٦٦٨، ٦٧٨، ٧٣٦، ٧٩٨، ٨٠٢، ١٠٢٤،
٩٧١٦) .
(٣) "المستدرك" ٣٣٦:١.
٤٤
الاتصال والانقطاع
أبي حمزة، ويونس بن يزيد(١)، فدل على أن في رواية ابن إسحاق تجوزاً وتسامحاً ،
وأن المقصود بها عن قصة عبدالله بن زید .
وأخرج الترمذي من طريق مالك بن مغول، عن عبدالرحمن بن سعيد بن
وهب، أن عائشة رضي الله عنها - زوج النَّبِّ ﴿ - قالت : "سألت رسول الله
عن هذه الآية: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ ... " الحديث، ثم
قال الترمذي: " وقد روي هذا الحدیث عن عبدالرحمن بن سعيد، عن أبي حازم،
عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ {# نحو هذا "(٢).
فعلق أحد الباحثین علی کلام الترمذي هذا بأنه لم يقف عليه من حديث
أبي هريرة، وإنما وقف عليه من رواية أبي هريرة، عن عائشة، وذكر في ذلك ما
أخرجه ابن جرير من طريق عمرو بن قيس الملائي، عن عبدالرحمن بن سعيد،
عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: "قالت عائشة: یا رسول الله ( والذين يؤتون
ما آتوا وقلوبهم وجلة) ... "الحديث(٣).
ولم ينتبه الباحث إلى أن هذا الحديث لأبي هريرة، وليس لعائشة ، فهو
يحكي قصتها، لا يرويها عنها.
ولما ذكر أحد الباحثين حديث محمد بن عمرو الواقفي ، عن محمد بن
(١) رواية ابن إسحاق أخرجها أحمد ٤: ٤٢، وابن خزيمة حديث (٣٧٣)، ورواية معمر أخرجها
عبدالرزاق حديث (١٧٧٤)، ورواية شعيب أخرجها يعقوب الفسوي في "المعرفة
والتاريخ"١: ٢٦٠، والبيهقي ١: ٤٢٢، ورواية يونس أخرجها البيهقي ١: ٤١٤ .
(٢) "سنن الترمذي" حديث (٣١٧٥)، وحديث عائشة أخرجه أيضاً ابن ماجه حديث
(٤١٩٨)، وأحمد ٦: ١٥٩، ٢٠٥.
(٣) "تفسير ابن جرير " ١٨: ٣٣.
٤٥
الفصل الأول : صفة رواية الراوي عمن روى عنه
سيرين، عن محمد بن عبدالله بن زيد قال: (( أراد النبي - صلى الله عليه وسلم -
في الأذان شيئاً فجاء عمي عبدالله بن زيد .... )) الحديث(١) - عبر هذا الباحث
عن هذا الإسناد حین أراد أن یبین الاختلاف على محمد بن عمرو حيث رواه على
أوجه أخرى - بقوله : "فقال مرة : عن محمد بن سيرين ، عن محمد بن عبدالله
بن زيد ، عن عمه عبدالله بن زيد ، كما عند البخاري في تاريخه" .
والمؤاخذة على الباحث إن كان لا يدرك الفرق بين حكاية قصة الشخص،
وبين الرواية عنه، أما إن كان يدرك ذلك، وأراد التسامح، دون أن يبني عليه
شيئاً، فالخطب سهل، فإن الأئمة يتسامحون كثيراً في حكاية الرواية ،كما يفعله
الدارقطني في كتابه "العلل"، وذلك حين يسوق الاختلاف، يستخدم (عن)،
وإن كان الراوي يحكي القصة، فإذا روى الدار قطني هذا رواية أتى بالإسناد كما
هو (٢)، فينتبه لذلك.
ولا شك أن الفرق بين الرواية عن الشخص ، والرواية لقصته - من
المواضيع الدقيقة في علم الرواية ، فهو مزلة قدم ، سواء للمتكلمين على
الأسانيد، أو للرواة أنفسهم أيضاً ، فحديث البهزي الذي تقدم التمثيل به قريباً
جاء من رواية عباد بن العوام، ويونس بن راشد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ،
عن عيسى بن طلحة ، عن عمير بن سلمة ، أن البهزي أخبره(٣).
ولو صح هذا لم يستقم أن يقال: إن من قال فيه : عن عمير بن سلمة ، عن
(١) "التاريخ الكبير" ١٨٣:٥، و"سنن البيهقي" ٣٩٩:١.
(٢) ينظر مثلاً: "العلل" ١٩٣:١-٢١١.
(٣) "علل الدراقطني " ٤ : الورقة ١١٩ .
٤٦
=
الاتصال والانقطاع
البهزي - أراد عن قصة البهزي ، لأن في هذا الإسناد التصريح بتحديث البهزي
به لعمير بن سلمة ، لكن هذا التصريح لا يصح، ولذا قال ابن حجر : " يحتمل
أن يكون ذلك وهماً منهما ، ظنا أن قوله : عن البهزي على سبيل الرواية ، فروياه
بالمعنى ، فقالا : حدثه"(١).
ومن طريف ما وقع من ارتباك الباحث في فهم صيغة الرواية، أن أحد
الباحثين سألني: هل سمع الحسن البصري، من الحسن بن علي رضي الله عنه؟
فسألته عن الباعث على سؤاله هذا، فذكر أن ابن أبي شيبة روی عن وكيع، عن
الفضل بن دلهم، عن الحسن، قال: "جاء رجل إلى الحسن فقال: إني طلقت
امرأتي ألفاً، قال: بانت منك العجوز"(٢) .
فلما تأملت الإسناد تبين لي أن الحسن الثاني هو الأول، وهو الحسن
البصري، فقول الفضل بن دلهم أولاً : عن الحسن، أي أروي عن الحسن قولاً له
في قصة، ثم أنشأ الفضل يحكي القصة ومعها قول الحسن.
ولا شك أن الباحث معذور في هذا، لغموضه، ويحتاج الباحث إلى كثرة
قراءة في الأسانيد، فإن الرواة يتفننون في أساليب الرواية، وتكثر منهم الجمل
المعترضة، وعطف الأسانيد بعضها على بعض دون تمييز(٣).
وأما إذا كان الأمر ظاهراً ، کما یصنع بعض الباحثین ، حین يتكلمون عن
الاتصال والانقطاع بين الراوي ونفسه، فيتكلمون على تدليس الراوي مع أن
(١) "تهذيب التهذيب " ٨: ١٤٧، وانظر: "الإصابة " ٧ : ١٦٥.
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" ١٤:٥.
(٣) سيأتي شرح هذا في قسم "مقارنة المرويات" في الفصل الأول منه.
٤٧
الفصل الأول، صفة رواية الراوي عمن روى عنه
النص من كلامه هو ، أو القصة وقعت له هو يحكيها تلميذه ، فلا عذر له فيه
حينئذ .
الفصل الثاني
سماع الراوي ممن روى عنه
وفيه مبحثان :
المبحث الأول : الطريق إلى معرفة سماع الراوي ممن روى
عنه.
المبحث الثاني : اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن .
الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه
المبحث الأول
الطريق إلى معرفة سماع الراوي ممن روى عنه .
هناك ثلاث طرائق للتحقق من سماع الراوي ممن روى عنه يسلكها
الباحثون، سأتناولها في هذا المبحث، موضحاً درجة الاعتماد على كل طريقة منها.
الطريقة الأولى : النظر في ترجمة الراويين في كتب الجرح والتعديل،
للوقوف على أنه يروي عنه، فإن وجد الباحث في الترجمتين أو إحداهما أنه يروي
عنه حکم بالاتصال بینهما، وإلا توقف في ذلك.
ولما كان أشهر الكتب عناية بهذا الجانب كتاب "تهذيب الكمال" للمزي -
الذي هذّب به كتاب "الكمال" لعبدالغني المقدسي - صار الاعتماد عليه ، فنرى
كثيراً من الباحثين يستدل على الاتصال بين راوٍ وآخر بأن المزي ذكر في ترجمته أنه
يروي عنه ، أو العكس ، كما يستدل بعضهم على الحكم بالانقطاع بينهما أو بأن
فلاناً ليست له رواية عن فلان بعدم ذکر المزي لذلك.
وقد رأيت بعض الأئمة يفعل ذلك أيضاً بالنسبة للحكم بالاتصال ، فقد
ذكر البيهقي قول البخاري: "لا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعاً من قتادة"(١)،
فتعقبه ابن التركماني بقوله : "ذكر صاحب "الكمال" أنه سمع من قتادة"(٢).
والظاهر أن ابن التركماني يعني بذلك ذكر عبدالغني المقدسي لقتادة فيمن
(١) "سنن البيهقي " ١: ١٢٠، وقول البخاري رواه عنه الترمذي في "العلل الكبير"
١ : ١٤٩.
(٢) "الجوهر النقي"١ : ١٢٠.
=
٥٢
الاتصال والانقطاع
روى عنه أبوخالد الدالاني ، واعتبر ذلك حكماً منه بالسماع .
ولما کان أشهر کتاب بید الباحثین یعتني بمن روى عنه صاحب الترجمة أو
روی عن صاحب الترجمة هو کتاب المزي فسأکتفي بالحديث عنه .
وأبدأ بالقضية الثانية - وهي الحكم بالانقطاع بمجرد ذلك - إذ إن أمرها
واضح جداً، فهي طريقة مخطئة تماماً ، فالمزي وغيره لم يستوعبوا جميع من روى
عن المترجم له ، أو روى عنه المترجم له ، ولا سبيل إلى استيعاب ذلك في أغلب
الرواة، وقد حاول الإمام مغلطاي تتميم عمل المزي بإضافة ما يقف عليه ممن
أغفلهم المزي في كتابه "إكمال تهذيب الكمال" فأفاد جداً ، لكنه أيضاً لم يستوعب
وابن حجر في مختصره "تهذيب التهذيب" توقف عند عمل مغلطاي ،
وأشار إلى أن الفائدة إنما تكون لو تم استقصاء ذلك ، ولا سبيل إليه ، فعمد إلى
حذف کثیر ممن ذكرهم المزي(١)، ولا يشك أحد أنه لو تمم عمل مغلطاي بإضافة
من يقف عليه لكان أجود من المنهج الذي اختاره ، لكن الشاهد هنا هو قوله :
إنه لا سبيل إلى استيعابهم ، وهذا حق ، فعلى سبيل المثال ذكر المزي في ترجمة حماد
بن سلمة من روى عنهم حماد ، فبلغوا مائة واثنين وعشرين راوياً ، فذكر أحد
الباحثين أنه وقف على نحو هذا العدد ممن يروي عنهم حماد ، لكن بعضهم قد
ذکر المزي في تراجمهم أنه یروي عنهم(٢).
وعليه فلا يصح الحكم بالانقطاع بمجرد أن المزي وبعده مغلطاي لم يذكرا
(١) "تهذيب التهذيب" ١: ٤ .
(٢) "حماد بن سلمة ومروياته في مسند أحمد عن غير ثابت" لمحمد الفوزان ص٣٧ .
٥٣
الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه
أحد الراويين في ترجمة الآخر ، ويمكن اعتبار ذلك قرينة ولکن بحذر شديد .
وأما القضية الأولى - وهي الاستدلال بالذكر على الاتصال ، فأما الجهة
الأولى فلم أقف على نص عن المزي في هذا الموضوع ، إلا أن هناك مواضع في
كتابه قد يستدل بها على أنه يحكم بالاتصال بين الراويين ، فمن ذلك أنه ربما
تعقب صاحب الكتاب الأصل وهو عبدالغني المقدسي في ذکرہ لبعض من روی
عنه المترجم له أو روى عن المترجم له ، فقد ذکر عبدالغني في ترجمة ( عبدالله بن
نافع الصائغ ) أنه يروي عن هشام بن عروة ، ويروي عنه عبدالوهاب بن بخت
- فتعقبه المزي قائلاً : "وذكر صاحب "الكمال" في شيوخه : هشام بن عروة ،
ولم يدركه ، وفي الرواة عنه عبدالوهاب بن بخت ، وفي ذلك - بل في إدراك
الصائغ لزمانه - نظر ... " (١).
وكذلك يفعل ابن حجر ، يتعقب المزي أحياناً ، من ذلك أن المزي ذكر
فيمن روى عنهم عبدالله بن معقل بن مقرن : سالماً مولى أبي حذيفة ، فقال ابن
حجر : "وأطلق المؤلف روايته عن سالم مولى أبي حذيفة ، والظاهر أنها
مرسلة ... " (٢).
وكل ما تقدم أرى أنه غير كافٍ لنسبة ذلك - أي الحكم بالاتصال - إلى
المزي، حتى يوقف على نص له هو في ذلك ، إذ تحول - في حال عدم الوقوف -
دون نسبة ذلك إلیه عقبات ، فهو يعنون لمن يريد ذكرهم بقوله: (( روى عن))
و (( روی عنه))، وهذا لا یفید سوی إثبات ورود روايته عنه ، ولا إشكال في
(١) "تهذيب الكمال" ٢٠٩:١٦.
(٢) "تهذيب التهذيب" ٤١:٦.
٥٤
الاتصال والانقطاع
ذلك ، إذ هو قد روى عنه، أو في أقل الأحوال وردت الرواية عنه بذلك ، لكن
الكلام - بعد إثبات صحة الرواية عنه بذلك - في الاتصال ، وقد جرت عادة
الأئمة أن یعبروا بالرواية عن الشخص ، ولا یریدون بذلك إثبات السماع
والاتصال .
من ذلك قول أحمد حين سأله أبوداود : عامر بن مسعود القرشي له
صحبة؟ قال : "لا أدري، قد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"(١).
وقال أبو داود أيضاً : "قلت لأحمد : صالح مولى التوأمة ؟ قال: لقيه مالك
- زعموا - بعد ما كبر ، قلت لأحمد : هو مقارب الحديث ؟ قال : أما أنا
فأحتمله وأروي عنه، وأما أن يقوم موضع حجة فلا"(٢)، وأحمد لم يدرك صالحاً
مولى التوأمة، فمعنى روايته عنه أي بواسطة .
وقال حرب بن إسماعيل : "قال أحمد بن حنبل : ابن جريج هو عبدالملك
بن عبدالعزيز بن جريج ، وأبوه يروي عن عائشة ، وذهب أحمد إلى أنه لم يلق
١١٦(٣)
عائشة®
.(
وقال ابن معين : "عمر بن معروف، شيخ من أهل الرأي ، روى عنه
جرير، ليس بشيء، روى عن عكرمة ولم يسمع منه شيئاً"(٤).
(١) "سؤالات أبي داود" ص ١٨٤.
(٢) "سؤالات أبي داود" ص٢٠٨، وآخر النص فيه هكذا: "وأما أن يقوم موضع مجد فلا" ،
والتصويب من المخطوط .
(٣) "المراسيل" ص١٣١، وانظر أيضاً: "المراسيل" ص ١٧٠، فقرة (٦٢٥).
(٤) "معرفة الرجال" ١: ٥١.
٥
الفصل الثاني، سماع الراوي ممن روى عنه
-
٥
وقال ابن المديني : "لم يسمع أبو قلابة من هشام بن عامر، وروى عنه"(١).
وقال أيضاً : "روى قيس بن أبي حازم عن بلال ، ولم يلقه ، وروى عن
عقبة بن عامر ، فلا أدري سمع منه أم لا"(٢).
وقال ابن أبي حاتم : "سئل أبوزرعة عن عنبسة بن سعيد بن غنيم
الكلاعي المدني ، روى عن عكرمة ، روى عنه عمر بن بشر بن السرح - قال : لم
يسمع من عكرمة شيئاً"(٣).
وقال ابن أبي حاتم : "قلت لأبي : عدي بن عدي سمع من الصنابحي ؟
قال : روى عنه ، فلا ندري سمع منه أم لا"(٤).
وقال أيضاً : "سألت أبي عن: الأعمش عن عبدالرحمن هل سمع منه؟
فقال: قد روی عنه ، ولم يسمع منه"(٥).
وأما استخدامهم لعبارة ( روى عن فلان )، و ( روى عنه فلان ) في
(١) "المراسيل" ص١٠٩ .
(٢) "المراسيل" ص١٦٨ .
(٣) "المراسيل" ص١٦١.
(٤) "المراسيل" ص١٥٣ .
(٥) "المراسيل" ص٨٤، و"جامع التحصيل" ص ٢٢٩ ، وفسر العلائي عبد الرحمن بقوله:
"أظنه ابن یزید" .
وانظر أيضاً: "المراسيل" ص٤٦ فقرة (١٥٨)، ص٦٨ فقرة (٢٣٨)، ص٢٠٨ فقرة
(٧٧٤)، ص٢١٥ فقرة (٨١٣)، ص٢١٦ فقرة (٨١٤)، ص٢٢٤ فقرة (٨٤٥)، ص٢٢٦
فقرة (٨٤٩)، ص٢٥٤ فقرة (٩٤٤).
٥٦
الاتصال والانقطاع
المتصل فكثير جداً لا يحتاج إلى التمثيل له .
ومثل ذلك يقال في عبارة : ( حدث عن فلان )، و ( حدث عنه فلان )، قد
يطلقونهما ويريدون بهما التحديث عنه بواسطة ، من ذلك قول أحمد في خالد
الحذاء: "حدث عن الشعبي، وما أراه سمع منه"(١).
وسئل ابن المديني عن القاسم بن عبدالرحمن هل لقي ابن عمر ؟ فقال :
"كان يحدث عن ابن عمر بحديثين، ولم يسمع من ابن عمر شيئاً"(٢).
وقال أبوداود : "سمعت أحمد يحدث عن رباح بن أبي معروف"(٣)، وهو لم
يدرك رباحاً ، فالمراد التحديث بالواسطة .
وقال أيضاً: "وسمعت أحمد يحدث عن المثنى بن الصباح"(٤)، وهذا مثل
سابقه.
وقال أبو داود: "حدث قتادة عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم "(٥).
وحينئذٍ فجعل صنيع المزي موافقاً لما عليه الأئمة ، وأنه يريد مجرد الرواية ،
وقد تكون متصلة أو منقطعة - أولى ، ما لم يقم دليل قوي على نقيض هذا.
ومما يدل أيضاً على أن المزي يقصد مجرد الرواية أنه يعقب ذكر بعضهم
بقوله: ((لم يدركه)) أو (( مرسلاً))، أو ((يقال: مرسل))، ونحو ذلك .
(١) "المراسيل" ص٥٤، وانظر أيضاً: ص٧٨ فقرة (٢٨١)، ص٢٣١ فقرة (٨٦٣).
(٢) "العلل" ص٦٧، و"المراسيل" ص١٧٥ .
(٣) "سؤالات أبي داود" ص٢٣٢.
(٤) "سؤالات أبي داود" ص٢٣٨، وانظر أيضاً: ص٣١٦ فقرة (٤٢٦).
(٥) "سؤالات الآجري لأبي داود" ١٣٨:٢.
٥٧
الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه
وقد يقول قائل : هذا يصلح دليلاً على نقيض قولك ، إذ هو يدل على أن ما
سكت عنه فقد حكم عليه بالاتصال ، أما ما نبه عليه فلا إشكال فيه - فما
الجواب عن هذا الإيراد ؟
والجواب : أن المزي بعد أن يفرغ من سرد المذكورين في ترجمة الراوي
يأخذ في ذكر ما قيل في الراوي ، ومن ذلك أحكام الأئمة على سماعه من بعض
من ذكرهم المزي وسكت عنهم ، فينقل عنهم أو عن بعضهم نفي إدراكه ، أو
نفي سماعه ، ويبعد جداً أن يكون اجتهاد المزي قد خالف الأئمة في كل من صنع
بهم ما تقدم ، فإنه كثير جداً ، وكثير منه ظاهر الانقطاع ، ولو افترضنا أن المزي
خالف اجتهاده اجتهاد الأئمة فأقل الأحوال أن ينبه عند ذكر اسمه أن هناك من
قال بأنه لم يدركه ، أو لم يسمع منه ، وهو لم يفعل ذلك.
فإن قال معترض : ما نقل المزي في سماعه ممن روى عنه كلاماً للأئمة
ألحقناه بمن نص على ذلك عند ذكر اسمه ، لكن ما لم ينقل في سماعه شيئاً لم لا
نقول إنه حكم بالاتصال ؟
والجواب : أن هذا يفعله بعض الباحثين ، يجعل عدم اعتراض المزي على
الرواية دليلاً على ثبوت السماع عنده، وهذا في رأيي غير سليم ، ذلك أن عبارة
(( روى عن )) و ((روى عنه)) لا تفيد سوى وجود الرواية ، فيبقى ثبوتها ،
ويبقى ثبوت الاتصال ، كما تقدم آنفاً ، وحينئذٍ فتحميل المزي تبعة الحكم
بالاتصال بمجرد أنه لم يعترض فيه بعد ، فهو لم يدّع استيفاء أقوال الأئمة في
إثبات السماع ونفيه، وإنما ذكر من ذلك نتفاً ، وأضاف ابن حجر زيادات كثيرة،
وترك ابن حجر أيضاً قدراً لا بأس به يجده الباحث هنا وهناك ، وعليه فهذا ومن
أثبت المزي الكلام فيه بابه واحد ، لأن وقوف المزي على ما قيل في سماعه ممن
٥٨
الاتصال والانقطاع
روى عنه أو عدم وقوفه لا يغير من الأمر شيئاً .
ومما يؤكد ما تقدم أن جمع من روی عنه المترجم له ، ومن روى عن المترجم
له تم من الأسانيد التي في كتب الحديث المختلفة ، فإذا وقف المزي على إسناد
فيه رواية المترجم له عن شخص أثبت ذلك في ترجمته ، وقد يكون اعتمد في
ذلك على الإسناد الذي مع الباحث ، وحينئذٍ فالباحث يستدل بشيء قد اعتمد
أصلاً على ما يريد الباحث الاستدلال له ، فيكون المستدل له عين الدليل ، وهذا
هو الدور ، وهو خلل في الاستدلال .
والافتراض بأن المزي درس جميع ما يثبته من ذلك ولم یکتف بوجود ذلك
في الأسانید - فیه بعد ، کما تقدم في الاعتراض علیه من کلام ابن حجر .
ومن ذلك أيضاً أن المزي ذكر في ترجمة ( محمد بن قيس اليشكري ) أن من
الرواة عنه: حماد بن سلمة(١)، ويظهر أنه أخذ ذلك من بعض الأسانيد ، فهو
كذلك في إسناد عند الطبراني في "المعجم الكبير"(٢)، فتعقب ابن حجر المزي في
ذلك ، وذكر أن ابن المديني نص على أن هذا الراوي تفرد بالرواية عنه حميد
الطويل(٣)، وعليه يكون حماد بن سلمة يروي عنه بواسطة خاله حميد، وسقط
حمید من هذا الإسناد .
فالخلاصة : أنه من الأهمية بمكان ألا يجعل الباحث ذكر الراوي فيمن
روى عنه المترجم له دليلاً على الاتصال ، وإنما يجعله قرينة على الاتصال فقط ،
(١) "تهذيب الكمال" ٣٢٧:٢٦.
(٢) "المعجم الكبير" ٢٤: ٤٣٥ حديث (١٠٦٤).
(٣) "تهذيب التهذيب" ٩: ٤١٥ .
.
=
٥٩
الفصل الثاني: سماع الراوي ممن روى عنه
وتقوى هذه القرينة إذا كان صاحب الكتاب عرف عنه بالاستقراء حرصه على
ذكر من سمع منهم المترجم له ، ومن سمعوا منه ، مثل "الجرح والتعديل" لابن
أبي حاتم .
الطريقة الثانية : كلام أئمة النقد في سماع بعض الرواة ممن رووا عنه نفياً
وإثباتاً ، فقد تكلموا في هذا كثيراً ، وتصدى أئمة للتأليف في هذا، وجمع
كلامهم، فألف ابن أبي حاتم كتابه "المراسيل"، والعلائي كتابه "جامع
التحصيل في أحكام المراسيل"، ثم أبوزرعة بن العراقي كتابه : "تحفة التحصيل
بأحكام المراسيل"، وكلها مطبوعة.
کما یوجد کلامهم في الكتب التي جمعت أقوالهم في الراوي مثل "تهذيب
الكمال" للمزي ، و " إكمال تهذيب الكمال " لمغلطاي ، و"تهذيب التهذيب"
لابن حجر .
وبعض كلامهم في ذلك لا يزال منثوراً في كتب العلل ، والسؤالات ،
وتواريخ الرجال ، والجوامع ، والسنن ، وغيرها .
وعلى الباحث أن يبذل جهده ما استطاع في الوقوف على كلامهم ، فقد
اختصروا لنا الطريق، ورأيت من بعض الباحثين الذي يتصدون للتصحيح
والتضعيف تقصيراً واضحاً في هذا الجانب .
وأعلى ذلك أن يقف الباحث على نص عن الراوي أنه لم يسمع ممن روى
عنه ، كما في قول عاصم بن أبي النجود: "قلت لأبي العالية: من أكبر من رأيت؟
= ( ٦٠
الاتصال والانقطاع
قال: أبو أيوب، غير أني لم آخذ منه"(١).
وقال مشاش : "قلت للضحاك : سمعت من ابن عباس ؟ قال : لا ،
قلت: رأيته ؟ قال: لا"(٢) ، وقال عبدالملك بن ميسرة : "قلت للضحاك:
سمعت من ابن عباس شيئاً؟ قال : لا ، قلت : فهذا الذي تحدث به؟ قال :
عنك، وعن ذا ، وعن ذا"(٣).
وقال سفيان بن عيينة : "قلت لعمرو بن دينار : رأيت الأسود بن يزيد ؟
قال : نعم، قلت : حفظت عنه شيئاً ؟ قال : لا"(٤).
وقال شعبة : "كنت عند أبي إسحاق الهمداني فقال له رجل: إن شعبة
يزعم أنك رأيت علقمة، ولم تسمع منه، قال : صدق شعبة"(٥).
وروى حسين المعلم قال: "لما قدم علينا يحيى بن أبي كثير وَجَّه إليَّ مطر:
أنِ احمل الدواة والقرطاس وتعال ، قال : فأتيته، فأخرج إلينا صحيفة أبي سلام،
فقلنا له : سمعت من أبي سلام ؟ قال : لا ، قلت : فمن رجل سمعه من أبي
(١) "المراسيل" ص٥٨ .
(٢) "أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص ٦٨٣، و"المراسيل" ص٩٤، و"الجرح والتعديل" ٣:
٤٥٨.
(٣) "أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص ٦٨٣، و"المراسيل" ص٩٥، و"الجرح والتعديل" ٣:
٣٣٣:٨،٤٥٩.
"تاريخ أبي زرعة الدمشقى " ١: ٥١١.
( ٤)
(٥) "العلل ومعرفة الرجال" ٣: ٣٦٥، و"المعرفة والتاريخ" ٢: ٥٦٢، و"المراسيل" ص ١٤٥،
و"الكامل" ٨٦:١.