Indexed OCR Text

Pages 41-60

٢٣
طلائع الكتاب: مقدمة المناوي
إلى تخريج أحاديث ((المصابيح» و((المشكاة»
وَالْمُسْنَدُ، مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ مِنْ رَاويِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا جَاءَ عَنْ
رَسُول اللّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- دُونَ مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: المسْنَدُ مَا رُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَاصَّةً.
وَقَدْ يَكُونُ مُتَّصِلاً؛ مِثْلَ: مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَّرَ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ
وسَلَّم -.
وَقَدْ يَكُونُ مُنْقَطِعاً؛ مِثْلَ: مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِي، عَنِ ابْنِ عِبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وسَلَّمَ-؛ فَهذَا مُسْنَدٌ؛ لأَنَّهُ قَدْ أُسْنِدَ إِلَى رَسُول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ -! وَهُوَ
مَنْقَطِعٌ؛ لأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ !!
وَالْمَتَّصِلُ وُهَوَ الْمُوْصُولُ؛ وَهُوَ: الَّذِي اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ فَكَانَ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ قَدْ
سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُنْتَهَاهُ.
وَيَقَعُ عَلَى الَرفُوعِ والموقوفِ:
مِثَالُ الْمَتَّصِلِ المَرْفُوعِ: مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّه، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -.
وَمِثَالُ الْمَّصِلِ الْمُوْقُوفِ: مَالِكٌ، عِنْ نَافِعٍ، عِنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ؛ قَوْلَهُ.
وَالَرْفُوعُ؛ مَا أُضِيفَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَاصَّةً؛ قَوْلاً، أَوْ فِعْلاً،
أَوْ تَقْرِيراً، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْتَّصِلُ، وَالْنْقَطِعُ، وَالْمُرْسَلُ؛ وَنَحْوُهَا المَوْقُوفِ؛ مَا أُضِيفَ إِلَى
صَحَابِيٌّ كَذلِكَ.
وَالَقْطُوعُ؛ مَا أُضِيفَ إِلَى تَابِعِيِّ أَوْ مَنْ دُونَهُ كَذلِكَ.
وَالَنْقَطِعُ؛ مَا لَمْ يَتَّصِلْ سَنَدُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ انْقِطَاعُهُ.
فَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ رَجُلاَن فَأَكْثَرَ؛ سُمِّيَّ أَيْضاً مُعْضَلاً بفَتْحِ الضَّادِ المُعْجَمَةِ.
وَالْمُرْسَلُ؛ مَذْهَبُ الفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِِّينَ أَنَّهُ: مَا انْقَطَعَ سَنَدُهُ كَالْنْقَطِعِ.

٢٤
طلائع الكتاب: مقدمة المناوي
هداية الرواة
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الُحَدِّئِينَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ: لاَ يُسَمَّى مُرْسَلاً إلاَّ مَا أَخْبَرَ التَّابِعِيُّ فِيهِ عَنِ
النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ -.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْمُحَدِِّينَ إِلَى أَنَّ الْمُرْسَلَ لاَ يُخْتَجُّ بِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحَمْدُ، وَأَكْثَرُ الفُقَهَاءِ: يُخْتَجُّ بِهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ أَنَّهُ إِذَا انْضَمَّ إِلَى الْمُرْسَلِ مَا يَعْضُدَهُ احْتُجَّ بِهِ، وَبَانَ بِذلِكَ صِحَّتُهُ،
وَذلِكَ بِأَنْ يُرْوَى مُسْنَداً، أَوْ مُرْسَلاً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَوْ يَعْمَلَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، أَوْ أَكْثَرُ
العُلَمَاءِ، سَوَاءٌ فِي هذَا مُرْسَلُ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَغَيْرِهِ.
هذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُ، وَهذَا فِي مُرْسَلٍ غَيْرِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ.
أَمَّا مَرْسَلُهُ وَهُوَ رِوَايَتِهِ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ أَوْ يَحْضُرْهُ-، كَقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: كَانَ
أَوَّلَ مَا بُدِئَ بهِ رَسُولُ اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ- مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ؛ فَمَذْهَبُ
الشَّافِعِيِّ وَالْجَّمَاهِيِ؛ أَنَّهُ حُجَّةٌ.
وَقَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإِسْفَرَابِيُّ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ إِلاَّ أَنْ يَقُولَ: لاَ أَرْوِي إِلَّ عَنْ
صَحَابِيٌّ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَرْوِي عَنْ تَابِيِّ.
وَالصَّوَابُ الأَوَّلُ.
وَلَوْ رُوِيَ الحَدِيثُ مُتَّصِلاً وَمُرْسَلاً، أَوْ مَرْفُوعاً وَمَوْقُوفاً؛ فَالَّذِي عَلَيْهِ الفُقَهَاءُ، وَأَهْلُ
الأُصُولِ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ؛ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْوَصْلِ وَالرَّفْعِ.
وَقِيلَ: لِلإِرْسَالِ وَالوَقْفِ.
وَنَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَكْثَرِ المُحَدِّثِينَ.
وَالشَّذُّ؛ فِي تَفْسِيرِهِ اخْتِلاَفٌ، وَالصَّحِيحُ مَا لَخَّصَهُ ابْنُ الصَّلاَحِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ: مَا
انْفَرَدَ بِهِ الرَّاوِي مُخَالِفاً لِمَا رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ وَأَضْبَطُ.
أَوِ انْفَرَدَ بِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ، لَكِنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الثَّقَةِ وَالِحِفْظِ مَا يَجْبُرُ تَفَرُّدَهُ.

٢٥
طلائع الكتاب: مقدمة المناوي
إلى تخريج أحاديث (المصابيح)) و((المشكاة))
فَخَرَجَ مِنْ ذلِكَ: أَنَّ الشَّاذَّ المَرْدُودَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الفَرْدُ الْمُخَالِفُ.
وَالثَّانِي: الفَرْدُ الَّذِي لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الثَّقَةِ وَالضَّبْطِ مَا يَجْبُرُ تَفَرُّدَهُ.
وَالْمُنْكَرُ؛ الصَّوَابُ فِيهِ؛ أَنَّهُ بِمَعْنَى الشَّاذٌ.
وَالغَرِيبُ؛ مَا انْفَرَدَ بِهِ أَوْ بِبَعْضَهِ رَجُلٌ عَنْ مَنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ؛ كَالزُّهْرِيِّ.
وَيَنْقَسِمُ إِلَى: غَرِيبٍ مَتْنَاً وَإِسْنَاداً، وَإِلَى غَرِيبٍ إِسْنَاداً، وَإِلَى غَرِيبٍ مَتْناً.
وَالعَزِيزُ؛ مَا انْفَرَدَ بِهِ اثْنَان، - أَوْ ثَلاَثَةٌ- عَنْ مَنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ.
وَالَشْهُورُ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ، وَغَيْرُهُ، وَمَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
غَیْرِهِمْ.
وَمِنْهُ الْمُتَوَاتِرُ وَلاَ يَكَادُ يُوجَدُ فِي الْحَدِيثِ؛ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ جَمْعٌ يَحْصُلُ العِلْمُ بِصِدْقِهِمْ
مَعَ اسْتِوَاءٍ طَرَفَيْهِ وَالوَاسِطَةِ -.
وَقَدْ عَدَّ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّار)) مُتَوَاتِراً
وَهُوَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ جَمَاعَةٍ، وَذَكَرَ البَزَّارُ: أَنْهُ رَوَاهُ عَنِ النَّبيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيهِ
وسَلَّمَ - نَحْوٌ مِنْ أَرْبِعِينَ رَجُلاً مِنَ الصَّحَابَةِ -.
قَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: وَقَالَ بَعْضَهُمُ: اثْنَانِ وَسِتُونَ نَفْساً مِنَ الصَّحَابَةِ؛ فِيهِمُ العَشَرَةُ
المَشْهُودُ لَهُمْ بِالجنّةِ.
قَالَ: وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَدِيثٌ أَجْمَعَ عَلَيْهِ العَشَرَةُ غَيْرُهُ، وَلاَ يُعْرَفُ حَدِيثٌ يُرْوَى عَنْ
أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَلَيْسَ حَدِيثُ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّاتِ) مِنْ ذلِكَ.
وَالْمُعَلَّلُ وَلاَ يُقَالُ: المَعْلُولُ؛ فَإِنَّهُ لَحْنٌ؛ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ: سَبَبٍ غَامِضٍ قَادِحٍ مَعَ أَنَّ
الظَّاهِرَ السَّلاَمَةُ مِنْهُ-، وَيَتَطَرَّقُ إِلَى الإِسْنَادِ الْجَامِعِ لِشُرُوطِ الصِّحَّةِ ظَاهِراً.

٢٦
طلائع الكتاب: مقدمة المناوي
هداية الرواة
وَيُدْرَكُ بِتَفَرُّدِ الرَّاوِي، وَمُخَالَفَةٍ غَيْرِهِ لَهُ؛ مَعَ قَرَائِنَ تُنَبَّهُ العَارِفَ عَلَى وَهَمِ؛ بِإِرْسَالِ،
أَوْ وَقْفٍ، أَوْ غَيْرِ ذلِكَ.
وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرَفَتِهِ مَذْكُورٌ فِي الَبْسُوطَاتِ.
وَالمُضْطَرِبُّ؛ هُوَ: الَّذِي يُرْوَى عَلَى أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ مَتْقَارِبَةٍ؛ فَإِنْ تَرَجَّحَتْ إِحْدَى
الرَّوَايَيْنِ بِكَثْرَةِ الْحِفْظِ، وَقِدَمٍ صُحْبَةِ الرَّوَاي؛ فَالحُكْمُ لِلرَّاجِحِ، وَإِلاَّ اضْطِرَابٌ.
وَالْمُدْرَجُ؛ هُوَ الكَلامُ الْحَقُ بِآخِرٍ كَلاَمِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ- مِنْ كَلَامٍ
الرَّاوِي، أَوْ يُلْحَقُ مَتْنٌ بِمَثْنٍ - بِسْنَادٍ أَحَدِهَمَا -.
وَهَذَا قَدِ اسْتَعْمَلَهُ المُصَنَّفُ فِي ((الَصَابِيحِ)).
وَالَوْضُوعُ؛ هُوَ الْمُخْتَلَقُ، وَهُوَ شَرُّ الضَّعِيفِ، وَتَحْرُمُ رِوَايَتُهُ مَعَ العِلْمِ بِهِ - فِي أَيِّ
مَعْنَىَ كَانَ - إلاَّ مُبَيَّنَاً.
وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِقْرَارِ الوَاضِعِ، أَوْ قَرِينَةٍ فِي الرَّاوِيِ، أَوِ الَرْوِيِّ.
وَالنَّاسِخُ وَالَنْسُوعُ؛ المُخْتَارُ: أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الشَّارِعِ حُكْماً مِنْهُ مُتَقَدِّماً بِحُكْمٍ مِنْهُ
مُتَأَخْرٍ.
فَرْعٌ فِي مَعْرِفَةِ الاعْتِبَارِ، وَالْمُتَابَعَةِ، وَالشَّاهِدِ:
فَإِذَا رَوَى حَمَّدٌ مَثَلاً حَدِيثاً عَنْ أَيُوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيهِ وسَلَّمَ-، يُنْظَرُ:
هَلْ رَوَاهُ ثِقَةٌ غَيْرُ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ؟
أَوْ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ غَيْرُ أَيُوبَ؟
أَوْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ ابْنِ سِيرِينَ؟
أَوْ: عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ - غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ؟
فَأَيُّ ذلِكَ وُجِدَ عُلِمَ أَنَّ لَهُ أَصْلاً يُرْجَعُ إِلَيْهِ.

٢٧
طلائع الكتاب: مقدمة المناوي
إلى تخريج أحاديث ((المصابيح)) و ((المشكاة))
فَهذَا النَّظَرُ وَالنَّفْتِيشُ يُسَمَّى اعْتِبَاراً.
وَأَمَّا الْتَابَعَةُ؛ فَأَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ أَيُّوبَ غَيْرُ حَمَّادٍ.
أَوْ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ غَيْرُ أَيُوبَ.
أَوْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ ابْنِ سِيرِينَ.
أَوْ: عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ - غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةً.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هذِهِ الأَقْسَامِ يُسَمَّى مُتَابَعَةً؛ وَأَعْلَهَا الأَوَّلُ؛ وَهِيَ مُتَابَعَةُ حَمَّادٍ فِي
الرِّوَايَةِ عَنْ أَيُّوبَ، ثُمَّ مَا بَعْدَهُا عَلَّى التَّرْتِبِ.
وَأَمَّا الشَّاهِدُ؛ فَأَنْ يُرْوَى حَدِيثٌ آخَرُ بِمَعْنَاهُ.
وَتَسَمَّى الْمُتَابَعَةُ شَاهِداً، وَلاَ يُسَمَّى الشَّاهِدُ مُتَابَعَةٌ.
وَإِذَا قَالُوا: تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوِ ابْنُ سِيرِينَ، أَوْ أَيُوبُ، أَوْ حَمَّدٌ: كَانَ مُشْعِراً بَانْتِفَاء
المُتَابَعَاتِ كُلِّهَا.

٢٩
هداية الرواة إلى تخريج أحاديث ((المصابيح)) و((المشكاة)) طلائع الكتاب: المناوي - مقدمة البغوي
الفَصْلُ الثَّالِثُ
قَالَ الْبَغَوِيُّ:
الحَمْدُ للَّهِ، وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَالصَّلاَةُ النَّمَّةُ الدَّائِمَةُ عَلَى رَسُولِهِ
المُجْتَبَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الوَرَى، وَعَلَى آلِهِ نُجُومِ الهُدَى.
أَمَّا بَعْدُ:
فَهذِهِ أَلْفَاظٌ صَدَرَتْ عَنْ صَدْرِ النُبُوَّةِ، وَسُنَنَ سَارَتْ عَنْ مَعْدِنِ الرِّسَالَةِ، وَأَحَادِيثُ
جَاءَتْ عَنْ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَخَاتَمِ النِّّينَ؛ هُنَّ مَصَابِيحُ الدُّجَى، خَرَجَتْ عَنْ مِشْكَاةِ التَّقْوَى،
مِمَّا أَوْرَدَهَا الأَئِمَّةُ فِي كُتُبِهِمْ، جَمَعْتُهَا لِلْمُنْقَطِعِينَ إِلَى العِبَادَةِ، لِتَكُونَ لَهُمْ بَعْدَ كِتَابِ اللَّه -
تَعَالَى - حَظّاً مِنَ السُّئَنِ، وَعَوْناً عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الطَّاعَةِ.
وَتَرَكْتُ ذِكْرَ أَسَانِدِهَا حَذْراً مِنَ الإِطَالَةِ عَلَيْهِمْ، وَاعْتِمَاداً عَلَى نَقْلِ الأَئِمَّةِ، وَرُبَّمَا
سَمَّيْتُ فِي بَعْضِهَا الصَّحَابِيَّ الَّذِي يَرْوِهِ عَنْ رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِمَعْنىَ
دَعَا إِلَيْهِ.
وَتَجِدُ أَحَادِيثَ كُلِّ بَابٍ مِنْهَا تَنْقَسِمُ إِلَى صِحَاحٍ وِحِسَانٍ:
أَعْنِي بِـ (الصِّحَاحِ) مَا أَوْرَدَهُ الشَّيْخَانِ: أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الجُعْفِيُّ
الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ القُشَيْرِيُّ [النَّيْسَأُبُورِيُّ](١) رَحِمَهُمَا اللَّه فِي
((جَامِعَيْهِمَا))، أَوْ أَحَدِهَمَا.
(١) زِيَادَةٌ مِنْ مَطَبُوعَةِ ((الَصَابِيحِ)).

٣٠
طلائع الكتاب: مقدمة المُناوي -البغوي
هداية الرواة
وَأَعْنِي بـ (الحِسَانِ) مَا أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، وَأَبُو عِيسَى
مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى [بْنِ سَوْرَةً](١) التِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَئِمَّةِ فِي تَصَانِيفِهِمْ رَحِمَهُمُ
الله -.
وَأَكْثَرُهَا صِحَاحٌ بِنَقْلِ العَدْلِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ غَايَةَ شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ فِي عُلُوِّ الدَّرَجَةِ
مِنْ صِحَّةِ الإِسْنَادِ؛ إِذْ أَكْثَرُ الأَحْكَامِ ثُبُوتُهَا بَطَرِيقٍ حَسَنٍ.
وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ ضَعِيفٍ أَوْ غَرِيبٍ أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِ مَا كَانَ مُنْكَراً أَوْ
مَوْضُوعاً.
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانِ، وَعَلَيْهِ التُّكْلاَن.
رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَّ اللَّه عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيهِ
وسَلَّمَ -:
((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُولِهِ،
فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا؛
فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
قُلْتُ (٢).
رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ؛ البُخَارِيُّ فِي سَبْعَةٍ مَوَاضِعَ: فِي (بَدْءِ الوَحْيٍ)، وَفِي (الإِيمَانِ)، وَفِي
(العِتْقِ)، وَفِي (الهِجْرَةِ)، وَفِي (النّكَاحِ)، وَفِي (النُّذُورِ) وَبَلَفْظِهِ فِيهِ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ؛ إِلاَّ أَنَّ
الْبُخَارِيَّ قَالَ: عَنْ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ-؛ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ لَفْظِ
المُصَنَّفِ-، وَفِي (تَرْكِ الحِيَلِ).
(١) زَيَادَةٌ مِنْ مَطْبُوعَةِ ((المَصَابِيحِ)).
(٢) هذّا مِنْ كَلاَمٍ صَاحِبِ ((كَشْفِ المَنَاهِجِ)، وَتَعْلِيقِهِ.

٣١
طلائع الكتاب: مقدمة المُناوي - البغوي
إلى تخريج أحاديث ((المصابيح)) و((المشكاة))
وَمُسْلِمٌ فِي (الجِهَادِ)، وأَبُو دَاوُدَ فِي (الطَّلاَق)، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي (الْحُدُودِ)، وَالنَّسَائِيُّ فِي
مَوَاضِعَ؛ مِنْهَا فِي (الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ)، وَابْنُ مَاجَه فِي (الزُّهْدِ):
كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمِّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ
عَلْقَمَةَ ابْنٍ وَقَّاصِ اللَّيْتِيِّ المَدَنِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ القُرَشِيِّ العَدَوِيِّ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ يَرْفَعُهُ
إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ -.
وَهذَا الْحَدِيثِ أَحَدُ الأَحَادِيثِ الأَرْبَعَةِ الَّتِي نُقِلَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ:
(إِنَّهَا تَكْفِي الإِنْسَانَ لِدِينِهِ»، نَقَلَ ذلِكَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ ابْنِ دَاسَةً،
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: كَتَبْتُ عَنْ رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيهِ وسَلَّمَ - خَمْسَ مِئَةٍ
أَلْفٍ حَدِيثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا تَضَمَّنَّهُ هذَا الكِتَابُ يَعْنِي: كِتَابَ ((السُّنَّنِ)؛ جَمَعْتُ فِيهِ أَرْبَعَةً
أَلاَفٍ وَثَمَانَ مِثَّةٍ حَدِيثٍ، ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ، وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَيَكْفِي الإِنْسَانَ لِدِينِهِ مِنْ
ذلِكَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّاتِ ... ))(١)
١١ (١) فِي خَاشِيَةِ((الْأَصْلِ) مَا نَصُّهُ: ((قَوْلُهُ: (( ... وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى ... ))؛ فَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ:
(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّاتِ ... )) بَيَانُ أَنْ تَعْيِينَ الَنْوِيِّ شَرْطٌ؛ فَلَوْ كَانَ عَلَى إِنْسَانِ صَلاَةٌ مَقْضِيَةٌ؛ لاَ يَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيّ
الصَّلاَةَ الفَائَِّةَ؛ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهَا ظُهَراً أَوْ عَصْراً، وَلَوْلاَ اللَّغْظُ الثَّانِي لاقْتَضَى الأَوَّلُ صِحَّةَ النّةِ بِلاَ
تَعْبِينٍ، أَوْ أَوْهَمَ ذلِكَ!
وَالهِجْرَةُ أَصْلُهَا التَّرْكُ، وَالْمُرَادُ هُنَا تَرْكُ الوَطَنِ، وَمَعْنَاهُ: مَنْ قَصَدَ بِهِجْرَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ، وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى
اللَّهِ، وَمَنْ قَصَدَ دُنْيَا، أَوِ امْرَأَةً؛ فَهِيَ حَظُهُ، وَلاَ نَصِيبَ لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَهذَا قِيلَ (١): إِنَّهُ جَاءَ عَلَى سَبْبٍ؛ وَهُوَ
أَنْ رَجُلاً هَاجَرٌ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قَيْسٍ، فَقِيلَ: مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ)»
(١) هو بهذا التمريض حقيق، فالسبب لا يثبت. نعم؛ قصة مهاجر أم قيس صحيحةُ بنفسها، دون أن تكون
سبباً للحديث المذكور

٣٢
طلائع الكتاب: مقدمة المُناوي -البغوي
هداية الرواة
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ)).
وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّه عَلَيهِ وسَلَّمَ -: ((لاَ يَكُونُ المُؤْمِنُ مُؤْمِناً حَتَّى يَرْضَى لِأَخِيهِ
مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ)).
وَالرَّابِعُ: قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ((الحَلَاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذلِكَ أَمُورٌ
مَشْتَبَهَاتٌ ... )) الحَدِيثَ.

٣٣
طلائع الكتاب: مقدمة العلائي
هداية الرواة إلى تخريج أحاديث ((المصابيح)) و((المشكاة))
مقدمة
«النقد الصريح»
بسم الله الرحمن الرحيم
وبالله التوفيق
أمّا بَعْدَ حَمدِ اللَّه على ما هدى إليه من معرفة السنن، ووفّق في اقتفاء معالمها لسلوك
أقصد السنن، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ المبعوث بالمعجز الخارق فصاحة اللسن،
المنعوت بالعقل القويم والخلق الحسن، وعلى آله وصحبه الذين لهم على كل من بعدهم
جزيل النّعم.
فقد وقع السؤال عن عدة أحاديث مما عدّه الإمام أبو محمد البغوي - رحمه الله - فى
كتابه الموسوم بـ(المصابيح)) من الحسان؛ أوردها عليه بعض المتأخرين اعتماداً على ذكر
الإمام أبي الفرج بن الجوزي لها في كتابه الذي جمع فيه - على زعمه - الأحاديث
الموضوعة، وحکم بأنها كذلك، فنظرتُ فيها فإذا غالبها لیس کما ذکر.
فعلَّقت هذه الأوراق مبيناً ما هو الصواب في الحكم على تلك الأحاديث، مستعيناً
بالله -تعالى-، ومتوكلاً عليه في جميع الأمور -وبالله التوفيق -.
وقبل الكلام على هذه الأحاديث نقدم مقدمات - تمهيداً لما يأتي من البيان بحالها -.
الأولى:
إن الحدیث المحتج به ینقسم إلى صحیح وحسن، وذلك بحسب تفاوت رجال إسناده
في الحفظ والإتقان، وأداء ما تحمّلوه، كما أن الحديث الذي لا يحتج به ينقسم إلى ضعيف،
ومنكر، وموضوع، بحسب تفاوت رواته في الوهم، والغلط، والتساهل، وتعمُّد الكذب.

٣٤
طلائع الكتاب: مقدمة العلائي
هداية الرواة
فمن كان في أعلى درجات الإتقان والحفظ؛ كان ما تفرَّد به صحيحاً، مركوناً إليه،
ومن نزل عن هذه الدرجة تكون أفراده حسنة، وما تابعه غيره فيه صحيحاً، ومن نزل عن
ذلك يكون ما رواه منكراً أو شاذاً، ومن نقص عن ذلك يكون حديثه ضعيفاً.
والمرجع في ذلك كله ما حرَّره الأئمة الحفاظ من أحوال الرجال، وبيَّنوا من صفاتهم،
أو تعرضوا له من الأحاديث بالتنصيص عليه؛ مع النقد الصحيح، والتّصرف الجاري على
قواعدهم.
الثانية:
إن الأئمة اتفقت على أن كل ما أسنده البخاري أو مسلم في كتابيهما -
((الصحيحين))- فهو صحيح لا ينظر فيه، وأنه لا يصل إلى درجتهما في ذلك كتب السنن
والمسانيد، بل هذه الكتب مشتملة على الصحيح، والحسن، والضعيف، وفي يسير منها
أحاديث واهية جداً وذلك قليل - أو نادر - في ((سنن النسائي))، وما كان فيه ضعف في
((جامع الترمذي)) فبينه وتخرج من عهدته، وأما ((سنن أبي داود)) و ((ابن ماجة))؛ فلا يبينان
شيئاً من ذلك، إلا في بعض منها؛ بينها أبو داود، وذكر أن ما سكت عنه فهو صالح
للاحتجاج به، ومقتضى ذلك أنه يكون حسناً عنده، ولكن لا يلزم منه أن يكون حسناً في
نفس الأمر، لا سيما إذا قوي حال رواته في الضعف.
ومن هذا الوجه تطرّق الاعتراض على الإمام أبي محمد البغوي - رحمه الله - في
كتابه ((المصابيح))؛ حيث وصف الأحاديث التي انفرد بها أصحاب السنن بالحسان، وليس
جميعها كذلك، بل فيها ما هو صحيحٌ وإن لم يكن مخرَّجاً في ((الصحيحين))، إذ ليس الحديث
الصحيح مقصوراً على ما في الكتابین، بل وراء ذلك أحاديث كثيرة صحيحة.
وفيها - أعني: كتب السنن - ما ليس بصحيح، ولا حسن، بل يكون ضعيفاً، أو
منكراً واهياً، كما صرّح الترمذي على قطعة من حديثه، وبينه الأئمة النقاد في كثير من
أحاديث أبي داود وابن ماجه.

٣٥
طلائع الكتاب: مقدمة العلائي
إلى تخريج أحاديث ((المصابيح)) و ((المشكاة))
وقد بسطت الكلام على هذا الموضع بسطاً شافياً في مقدمة كتابه ((نهاية الأحكام)).
الثالثة:
لا یلزم من کون سند الحدیث ضعيفاً؛ أن یکون كذلك في نفس الأمر، بل قد يكون
له سند آخر رجاله ممن يحتج بهم، وقد ينجبر بسند آخر ضعيف، فينتهي بمجموعها إلى
درجة الحسن.
وذلك أن ضعف الرواة يكون لاتهامهم بالكذب، وتارة يكون لنقص إتقانهم
وحفظهم.
فالقسم الأول لا ینجبر بسند آخر فیه مثل رجال الأول؛ لأنه انضم کذاب إلى مثله،
فلا یفید شيئاً، بل ربما یکون بعضهم سرق ذلك الحدیث من بعض وادعى سماعه.
أما إذا كان النقص دخل من جهة اتهامهم بالغلط والوهم؛ فإنه إذا جاء ذلك الحديث
من وجه آخر عن رجال مقاربين له ولا علم أن الوهم بعيد منه؛ فانجبر أحد السندین
بالآخر، وارتقى الحديث إلى درجة الحسن، وسيأتى في بعض الأحاديث ما هو مثال لهذا.
وكذلك الحديث الحسن لقصور رجال إسناده عن درجة رجال الصحيح في الحفظ
والإتقان؛ إذا روي ذلك المتن بسند آخر مثله في الحسن ارتقى بمجموعها إلى درجة الصحة
لاعتضاد ◌ُلِّ منهما بالآخر.
الرابعة:
الحكم على الحديث بكونه موضوعاً من المتأخرين عَسرٌ جداً؛ لأن ذلك لا يتأتى إلا
بعد جمع الطرق وكثرة التفتيش، وإنه ليس لهذا المتن سوى هذه الطريق الواحد، ثم يكون في
رواتها من هو متهم بالكذب، إلى ما ينضم إلى ذلك من قرائن كثيرة؛ يقتضي للحافظ
المتبحر؛ الجزم بأن هذا الحديث كذب.
ولهذا انتقد العلماء على الإمام أبي الفرج بن الجوزي في كتابه ((الموضوعات)) توسّعه
بالحكم بذلك على كثير من الأحاديث ليست بهذه المثابة، بل فيها ما فيه ضعف محتمل،

٣٦
طلائع الكتاب: مقدمة العلائي
هداية الرواة
ويمكن التمسك به في الترغيب والترهيب، وفيها ما هو حديث حسن أو قد صححه بعض
الأئمة - کما سيأتي في حدیث صلاة التسبيح-، وفيها ما له طريق، أخرى يقوى بها الحديث
لم يطلع عليها - كما سيأتي - إن شاء الله -تعالى- في بعض الأحاديث-، فدخلت الآفة عليه
من هذه الوجوه وغيرها، ويجيء بعده من لا يدَ له في علم الحديث ليقلده فیما حكم به من
الوضع.
بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم اللَّه التبحر في عالم الحديث والتوسع في حفظه:
كشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ونحوهم، ثم أصحابهم مثل: أحمد
ابن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وطائفتهم، ثم
أصحابهم مثل: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وکذلك إلى زمن
الدار قطني والبيهقي؛ ممن لم يجئ بعدهم مساوٍ لهم، بل ولا مقارب - رحمة الله عليهم-،
فمتى وجد في كلام أحد من المتقدمين الحكم على حديث بشيء كان معتمداً لما أعطاهم
اللَّه من الحفظ العظيم، والاطلاع الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح.
وهذا التعذر إنما يجيء في الأحاديث المحتملة، وإلا فكثير من الأحاديث - جداً -
يشهد القلب بوضعها، ويسهل الحكم عليها بذلك؛ ممن كثرت ممارسته لهذا الفن، وهو
غالب كتاب ((الموضوعات)) لابن الجوزي - والله أعلم(١) -.
(١) وقد أوردنا كلامه - رحمه الله- على الأحاديث المذكورة؛ كلاً في موضعِه.

٣٧
هداية الرواة إلى تخريج أحاديث ((المصابيح)) و((المشكاة)) طلائع الكتاب: مقدمة ((أجوبة ابن حجر))
مقدمة
أجوبة الحافظ ابن حَجَر العَسْقَلاني
عن أحاديث ((المصابيح))
بسم الله الرحمن الرَّحيم
ربِّ افتح بخير واختم بخير في عافية، آمين.
الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامُه على سيّدنا محمّد خاتم النبيين، وعلى آله
وصحبه أجمعين.
وبعد: فهذه أوراق مباركة، تشتمل على سؤال عن أحاديث رُمِيَتْ بالوضع، واشتمل
عليها كتاب ((المصابيح)) للإمام محبي السُّنَّة البَغَوي - رحمه الله-، سئل عنها شيخنا الإمام
خاتمة الحفّاظ، قاضي القضاة شهاب الدين أحمد الشهير بابن حجر، تغَمَّده الله برحمته.
ثم على جوابه عنها، وقف عليه العبد الضعيف بخطه الشريف، ومنه نَقَلْتُ.
صورة السؤال:
((ما تقول السادة العلماء أئمّة الدين -رضي الله عنهم أجمعين- في الأحاديث التي
استخرجها الشيخ الإمام القاسم سراج المِلَّة والدين أبو حفص عمر بن علي بن عمر
القزويني -رحمه الله- من كتاب ((المصابيح)) للإمام محبي السُّنّة -تغمَّده الله بغفرانه-، وقال:
إنَّها موضوعة !.
والأوَّل منها في ((باب الإيمان بالقدر))، وقال: ((فیه حديثان موضوعان)).
١- الأوّل: قوله: ((صِنْفَان من أمَّتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المُرْجئة والقَدَريَّة»
غريب.

٣٨
طلائع الكتاب: مقدمة ((أجوبة ابن حجر))
هداية الرواة
٢- والثّاني: قوله: «القَدَريَّة مجوسُ هذه الأمَّةِ؛ إن مَرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا
فلا تشهدوهم)).
٣- وفي ((باب التطوع: صلاة التسبيح)) موضوعة، قاله الإمام أحمد بن حنبل، وکثیر
من الأئمة.
٤ - وفي ((باب البكاء على الميِّت)) حديث موضوع، وهو قوله: ((من عزَّى مصاباً فله
مثل أجره)).
٥ - وفي ((كتاب الحدود)) حديث موضوع، وهو قوله: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم،
إلّ الحدود)).
٦ - وفي ((باب الترجُّل)) حديث موضوع، وهو قوله: ((يكون في آخر الزَّمان قوم
يَخْضِبُون بهذا السواد كحواصل الحمام، لا يجدون رائحة الجنّة)).
٧- وفي ((باب التصاوير)) حديث موضوع، وهو قوله: ((رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال:
شيطان يتبع شيطانة)).
٨- وفي («كتاب الآداب)) حديث موضوع، وهو قوله: ((إذا كتب أحدكم كتاباً فَلْيْتَرَّبْهُ،
فإنَّه أنجح للحاجة)) هذا منكر.
٩ - وفي ((باب حفظ اللسان والغيبة))، حديث موضوع، وهو قوله: ((لا تُظْهر الشماتة
لأخيك فيرحمه الله ويبتليك)) غريب.
١٠ - وفي ((باب المفاخرة والعصبيّة)) حديث موضوع، وهو قوله: ((حبّك الشيء يُعْمي
ويُصِمّ)).
١١ - وفي ((باب الحب في الله ومن الله)) حديث موضوع، وهو قوله: ((المرء على دين
خليله فلينظر أحدكم من يُخالِل)) غريب.
١٢ - وفي باب ((الحذر والتأني)) حديث موضوع، وهو قوله: ((لاحليم إلا ذو عثرة،
ولا حکیم إلا ذو تجربة».

٣٩
طلائع الكتاب: مقدمة ((أجوبة ابن حجر))
إلى تخريج أحاديث ((المصابيح)) و((المشكاة))
١٣ - وفي («باب الرِّفق والحياء وحسن الخلق)) حديث موضوع، وهو قوله: ((المؤمن غِرّ
کریم، والفاجر خِبٌّ لئیم)).
١٤ - وفي ((باب فضل الفقر، وما كان فيه من عيش النبي -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ-))
حديث موضوع، وهو قوله: ((اللَّهم أحيني مسكيناً، وأمِتني مسكيناً، واحشرني في زمرة
المساکین».
١٥ - وفي ((باب الملاحم)) حديث موضوع، وهو قوله: ((إنَّ النّاس يُمَصّرون أمصاراً،
وإن مصراً منها يقال لها: البصرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإيّاك وسِباخَها وكلأها
ونخيلها وسوقها، وباب أمرائها))، الحديث.
١٦ - وفي ((باب مناقب علي بن أبي طالب -كرَّم الله وجهه-)) ثلاثة أحاديث
موضوعة:
أحدها: قوله: ((اللّهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطّير)» فجاء علي
وأكل معه، غريب. قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع.
وقال الحاكم أبو عبد اللَّه: إنَّه ليس بموضوع.
١٧ - والثاني: قوله: ((أنا دار الحكمة وعليٌّ بابها))، قال محيي السُّنة: «هذا حديث
غريب، لا يُعْرَف عن أحد من الثّقات غير شَريك، وإسناده مضطرب)).
وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع)) ذكره في ((الموضوعات)).
١٨ - والثالث: ((يا علي لا يَحِلُّ لأحد يُجْنِب في هذا المسجد غيري وغيرك)) واللّه
أعلم بالصواب- أَفتونا أثابكم الله -تعالى -.
صورة الجواب:
بسم الله الرحمن الرَّحیم
الحمد لله، وسلامه على عباده الَّذي اصطفى.
أمَّا بعد: فإنَّ الفقير إلى عفو اللَّه الحليم الكريم، وَقَفَ على هذا السؤال، وتصدَّى
للجواب عمّا تضمنته دعوى الحافظ سراج الدّين القزويني - تغمده اللَّه برحمته-، من أنَّ

٤٠
طلائع الكتاب: مقدمة ((أجوبة ابن حجر))
هداية الرواة
الأحاديث المذكورة موضوعة، ولو نَقْلَ لنا السائل لفظه لكان أولى، ولكن أقول بعون الله -
تعالى -:
إنَّ أَكثر هذه الأحاديث لا يُطْلَق عليه وصفُ الوَضعِ، لعدم وجود شرط الحكم على
الحديث بكونه موضوعاً.
وها أنا ذا أُوَضِّح ذلك مفصِّلاً، بعد أنْ أذْكُر كلام أئمَّة الحديث في الموضوع، وبيان
العَلامة التي إذا وجدت جاز الحكم عليه بالوضع.
قُرئ على المُسنِدِ الكبير أبي الحسن علي بن محمد بن أبي المجد -بقراءة شيخ النُّحَاة
الإمام مُحِب الدين بن هشام -وأنا أسمع-، عن محمد بن يوسف بن عبد اللَّه بن المهتار،
قال: أخبرنا العلاّمة أبو عمرو تقي الدين عبد الرّحمن الشَّهْرَزُورِي -الشهير بابن الصلاح-
في كتابه ((علوم الحديث))، قال: ويُعرَف الوضع بإقرار واضعه، أو ما يتنزَّل منزلة الإقرار،
وبركاكة لفظه ومعناه.
وأن يكون منافياً لما ثبت في دين الإسلام بالضرورة فینفیه ذلك الخبر، وهو ثابت، أو
يُثْبته وهو منفي. وهذه العلامة دلالتها على الموضوع متفاوتة، والأغراض الحاملة للوضع
عند ذلك مختلفة.
وإِذا تقرَّر ذلك، عُدْتُ إلى بيان حكم كل حديث ادَّعى الحافظ المذكور أنه موضوع،
على ترتيب ما وقع في هذا السؤال بعون الملك الكبير المتعال(١).
(١) وقد أوردنا كلامَه - رحمه الله- على الأحاديث المذكورة؛ كُلاّ في موضعه.

٤١
طلائع الكتاب: دراسة منهج ابن حجر
هداية الرواة إلى تخريج أحاديث ((المصابيح)) و((المشكاة))
دِراسَةٌ عامَّةٌ - مُجْمَلَةٌ - لِمَنْهَجِ الْحافِظِ ابْنِ حَجَرِ
فِي كِتَابِهِ
(هِدايَةِ الرّواةِ إلى تَخْرِيجٍ أَحادِيثِ «الْمَصابيحِ» وَ «الْمِشْكاة»)
يُعَدُّ هذا الْكِتابُ - عَلَى اخْتِصَارِهِ - عَظِيمَ النَّفْعِ، كَبِيرَ الْفائِدَةِ؛ وَذَلِكَ عائِدٌ إلى
تَنَوُعِ تَعْلِيقَاتٍ مُؤَلِّهِ، وَتَفْنِهِ فِيها، مِنْ ذَلِكَ:
- التَّضْعِيفُ وَالتَّصْحِيحُ: كَمَا في (٧٥١) و (٢٠١٧) و(٢٠١٨).
- نَقْلُ تَصْحِيحِ الْعُلَمَاءِ وَكَلامِهِمْ: كَمَا في (١١٦) و (٢٥٥) و (٣٦٧) و (٧٤٨)
و (٩١٨) و (١٢٨٦) و (١٧١٧) و (٢٠١٥).
- التَّحْسِينُ بِذِكْرِ الشَّوَاهِدِ: كَمَا في (٩٧٤) و (١٣٦٨).
- تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ مَعَ بَيانِ أَصْلِهِ: كَمَا في (٦٧٥) و (٦٨٧) و (١٨٥٤).
- بَيَانُ وَجْهِ الانْقِطاعِ في السَّنَّدِ، وَذَلِكَ مِنْ طُرُق:
أ - الْمُنْقَطِعُ: كَمَا في (١٢٣) و (٣٣٣).
ب - الْمُعْضَلُ: كَمَا في (١٨٨) و (٧٤٥) و (٧٨٨).
جـ - الْبلاغاتُ: كَمَا في (١٨٦).
د - الْمُرْسَلُ: كَمَا في (١٨٩) و (٢٤٩) و (٢٦٥).
هـ - الْتَّعْلِيقُ: كَمَا في (٦٨٣).
- تَمْيِيزُ الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ: كَمَا في (٤٣) و (٧٨) و (١١٥) و (١١٥٦) و
(١١٥٨) و (١٧١٧).

٤٢
طلائع الکتاب: دراسة منهج ابن حجر
هداية الرواة
- تَمْيِيزُ الأَلْفَاظِ مِنْ خِلالِ الْمَرْويّاتٍ: كَمَا في (٧٦) و (٣٧٠) و (١٦٣٠).
- وَصْلُ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِغَيْرِ سَنَدٍ: كَمَا في (٤٣) و (١٩٠) و (١٥٨٩) و
(١٧٤٩) و (٢٠١٧) و (٢٠١٨).
وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّه - أَثْنَاءَ ذَلِكَ - يُطَوِّلُ التَّعْلِيقَ، أَوْ يَخْتَصِرُهُ؛ كَمَا في
(٢٧٥) و (٣٦٥) و(٥٨٤) و (٦٢٣) و (١١٣٤) و (١١٤٨).
وَيَكُونُ بَعْضُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ كَلامِ التَّبْرِيزِيِّ في ((مِشْكاتِهِ))؛ كَمَا في (١٠٠٩) و
(١٩٢٦)، وَيَعْضُ أَقَلَّ؛ كَمَا في (٩٧٣).
وَقَدْ يَضْطَرُّ الْبَحْثُ الْعِلْمِيُّ - أَحْياناً - إلى أَنْ يُصَحِّحَ بَعْضَ أَخْطاء ((الأَصْلِ))؛
كما في (١٣٠٤).
وَنَرَاهُ يَذْكُرُ - فِي أَحْيانِ أُخْرَى - فَوَائِدَ إِسْنَادِيَّةً عَامَّةً، كَمَا في (١٣٧) و (٢٥١) و
(٨٦٧).
... إلى غَيرِ ذَلِكَ مِنْ عُلومٍ حَدِيثِيَّة، وَمَعَارِفَ سُنِّيَّة.
أَقُولُ: هَذِهِ نُبَذٌ عِلْمِيّة، وَإِشارَاتٌ مَنْهَجِيَّةٌ؛ تَفْتَحُ لِلْباحِثِينَ آفَاقَ الدِّرَاسَةِ الْمُتَوَسِّعَةِ
لِهَذا الْكِتَابِ - خاصّةٌ-، وَلِعُلُومٍ مُؤَلّفِهِ الإمامِ - عامَّةٌ -.
وَلَوْلا ضِيقُ الْوَقْتٍ، وَكَثْرَةُ الْمَشاغِلِ، وَوَفْرَةُ الْمُنَغِّصاتِ: لَكَانَ لي - إنْ وَفَّقَ اللَّه
وَأَعَانَ - دِراسَةٌ ضافِيَةٌ لِلْمُؤَلِّفِ وَالْمُؤَلَّفِ؛ أَنْتَفِعُ بِها بِنَفْسي - أَوّلاً-، وَأَنْفَعُ بِها
إخْوانِ طَلَبَةَ الْعِلْمِ - آخِراً -.
وَالْمُوَفِّقُ - مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ - هُوَ رَبُّ العالَمِينَ.