Indexed OCR Text

Pages 421-440

مزجاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
الله ◌َيَّ؟ قال: نعم. وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونها صيدا، ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال عن
عبيد بن عمير عن ابن أبى عمار عن جابر عن رسول اللّه وَل أنه سئل عن الضبع فقال: هى صيد وفيها كبش، قالوا:
وكذلك حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابريرفع ه: الضيع صيدفإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن ويؤكل،
قال الحاكم: حديث صحيح، وقوله (ويؤكل)) يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم يعارض به الأحاديث الصحيحة
الصريحة التى تبلغ مبلغ التواتر فى التحريم ، قالوا: ولو كان حديث جابر صريحا فى الاياحة لكانِ فردا وأحاديث
تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة ادعى الطحاوى وغيره تواترها فلا يقدم حديث جابر عليها، قالوا: والضبع
من أخبث الحيوان وأشرهه وهو مغرى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم وُ يأكل الجيف
ويكسربنابه، قالوا: والله سبحانه قد حرم عليها الخبانك وحرم رسول الله مري ذوات الأنياب والضع لا يخرج عن هذا
وهذا، قالوا : وغاية حديث جابر يدل على أنها صيد يفدى فى الاحرام ولا يلزم من ذلك أكلها ، وقد قال بكر بن
محمد : سئل أبو عبد الله يعنى الامام أحمد عن محرم قل ثملا فقال: عليه الجزاء، هى صيد ولكن لا يؤكل، وقال جعفر بن
محمد : سمعت أبا عبد الله سئل عن الثعلب فقال: الثعاب سبع فقد نص على أنه سبع وأنه يقدى فى الاحرام، ولما جعل التي مؤلّ}
فى الضبع كيشا ظن جابرأنه بؤكل فأنتى به ، والذين محدوا الحديث جعلوه مخصصا لعموم تحريم ذى الناب من غير فرق
بينهما حتى قالوا. ويحرم أكل كل ذي نابمن السباع إلا الضبع، وهذا لا يقع مثله فى الشريعة أن يخصص مثلاعلى مثل من كل وجه
من غير فرقان بينهما، وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت فى الشريعة.ـالة واحدة كذلك أعنى شريعة التنزيل لا شريعة التأويل،
ومن تأمل ألفاظه مَّع الكريمة تبين له اندفاع هذا السؤال، فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين أن یکون له ناب
وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد. وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين وهو كونها
ذات ناب وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنساب، والسبع
إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التى تورث المغتذى بها شبهها، فإن الغاذى شبيه بالمغتذى، ولا ريب أن القوة السبعية
التى فى الذئب والأسد والنمر والفهد ليست فى الضبع حتى تجب التسوية بينهما فى التحريم ، ولا تعد الضبع من السباع
لغة وعرفا - انتهى ما فى الاعلام. قال شيخنا فى شرح الترمذى (ج ٣: ص ٧٧) بعد ذكر كلام ابن القيم ما لفظه
«قلت: فى أقوال المحرمين التى نقلها الحافظ ابن القيم خدشات، أما قولهم: إن حديث الضبع تفرد به عبد الرحمن
ابن أبى عمار ففيه أنه ثقة ولم يتفرد به. قال الحافظ فى التلخيص: وأثله ابن عبد البر (فى التمهيد ج ١: ص ١٥٢،.
١٥٥) بعبد الرحمن بن أبى عمار فوهم لأنه وثقه أبو زرعة والنسائى ولم يتكلم فيه أحد، ثم إنه لم ينفرد به ـ انتهى. وقال
فى الفتح: وقد ورد فى حل الضبع أحاديث لا بأس بها - انتهى، وأما قولهم: لفظ الحديث يحتمل معتين أحدهما
٤٢١

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
فقال: نعم. فقلت: سمعته من رسول اللّه عَفي؟ قال: نعم. رواه الترمذى، والنسائى، والشافعى.
وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي مَ فيه وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدا فقط ففيه أن ظاهر لفظ الحديث يدل
على أن جابرا رضى الله عنه رفع الأكل وكونها صيدا كليهما إلى النبي رؤيتى، ويؤيده رواية أحمد (وعبد الرزاق
(ج ٤: ص ٥١٢) بلفظ سألت جابر بن عبد الله عن الضبع، فقال: حلال، فقلت: عن رسول الله مَ ل}؟ وأما
قولهم: والضبع لا يخرج عن هذا وهذا ففيه أن حـديث جابر المذكور صحيح ثابت قابل للاحتجاج فخروج
الضبع عن هذا وهذا ظاهر - انتهى. قلت : ويدل أيضا على عدم كونه من الخبائث وذوات الأنياب ما تقدم عن
الإمام الشافعى أن لحوم الضباع تباع عندنا بمكة بين الصفا والمروة ، وما تقدم عن الشوكانى أن العرب تستطيه وتمدحه
وتأكله ، وقال عروة بن الزبير: ما زالت العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها بأسا، وما تقدم عن ابن رسلان
وابن قدامة أن الضبع ليس لها ناب وأن جميع أسنانها عظم واحد كصفيحة فعل الفرس، وأما قول المحرمين أنه
لو كان حديث جابر صريحا فى الاياحة لكان فردا ، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة فلا يقدم حديث
جابر عليها ففيه أن حديث جابر صريح فى الإباحة كما تقدم، ولا يضر كونه فردا، لأنه لا معارضة بينه وبين
أحاديث تحريم ذوات الأنياب من السباع . فإن الضبع ليس من ذوات الأنياب كما ذكر ابن رسلان وابن قدامة،
ولا من السباع العادية كما قرره ابن القيم والإمام الشافعى فى الأم (ج ٢: ص ٢٢٠) تنبيه: قد صرح الحافظ
ابن القيم فى آخر ما بسط من الكلام المذكور أن الضبع ليست من السباع العادية، وعلى هذا فلا تدخل فى أحاديث تحريم
ذوات الأنياب من السباع وهذا كالصريح فى أنه لم يوافق الحنفية فى تحريم الضبع ولم يرجح تحريمه بل وافق القائلين
بالاياحة حيث قال: لا ريب أن القوة السبعية التى فى الذئب والأسد والنمر والفهد ليس فى الضبع، حتى تجب التسوية
بينهما فى التحريم ولا تعد الضبع من السباع لغة وعرفا والله أعلم (رواه الترمذى) فى الحج وفى الأطعمة (والنسائى)
فى الحج وفى الصيد والذبائح (والشافعى) فى الأم (ج ٢: ص ١٦٤) وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان وعبد الرزاق
(ج ٤: ص ٥١٣) والدار قطنى (ص ٢٦٦) وابن عبد البر فى التمهيد (ج ١: ص ١٥٣) والحاكم (ج ١: ص ٤٥٢)
والبيهقى (ج ): ص ١٨٣) وابن الجارود (ص ١٥٥، ٢٩٩) والدارمى فى آخر كتاب الحج كلهم من طريق
ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى عمار عن جابر (وقال الترمذى: هذا حديث
حسن صحيح) وقال: قال يحى القطان: وروى جرير بن حازم هذا الحديث عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابنه
أبى عمار عن جابر عن عمر قوله، وحديث ابن جريج أصح، والحديث أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه كما سيأتى،
٤٢٢

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
٢٧٢٩ - (٩) وعن جابر، قال: سألت رسول اللّه وَع عن الضبع، قال: هو صيد، ويجعل فيه
كيشا إذا أصابه المحرم.
وقد مكت عنه أبو داود، ونقل المذرى تصحيح الترمذى وأقره. وقال الحافظ فى التلخيص (ص ٢٢٦): قال
الترمذى: سألت عنه البخارى فصححه، وكذا صححه عبد الحق، وقد أعل بالوقف. وقال البيهقى: هو حديث جيد
تقوم به الحجة. ورواه البيهقى من طريق الأجلح عن أبي الزبير عن جابر عن عمر، قال: لا أراه إلا قد رفعه أنه حكم
فى الضبع بكش - الحديث. ورواه الشافعى عن مالك عن أبي الزبير به موقوفا وصحح وقفه من هذا الوجه الدار قطنى،
ورواه الدارقطنى والحاكم من طريق إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر قال: قال رسول اللّه مَ ئى: الضبع صيد، فإذا
أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل ، وفى الباب عن ابن عباس رواه الدار قطنى والبيهقى من طريق عمرو بن أبى عمرو
عن عكرمة عنه، وقد أعل بالإرسال، رواه الشافعى من طريق ابن جريج عن عكرمة مرسلا وقال لا يثبت مثله لو
انفرد، ثم أكده بحديث ابن أبى عمار، وقال البيهقى: روى موقوفا عن ابن عباس أيضا - انتهى كلام الحافظ.
وقال الشنقيطى بعد نقل كلام الحافظ عن التلخيص: قضاؤه مؤثر فى الضبع بكبش ثابت كما رأيت تصحيح البخارى
وعبد الحق له وكذلك البيهقى والشافعى وغيرهم، والحديث إذا ثبت صحيحا من وجه لا يقدح فيه الارسال ولا
الوقف من طريق أخرى كما هو الصحيح عند المحدثين ، لأن الوصل والرفع من الزيادات ، وزيادة العدل مقبولة كما
هو معروف.
٢٧٢٩ - قوله (قال: «و صيد) قال القارى: تذكيره باعتبار خبره أو المراد به الجنس فيجوز تذكيره وتأنيثه
وفى رواية «هی صید» (ويجعل) على بناء المعلوم أى قاتله (فيه) أی فی جزاء قله (کشا) بالنصب، وفى بعض النسخ لآبى
داود (كبش)، بالرفع، وعلى هذا يكون «يجعل) على بناء المجهول (إذا أصابه المحرم) أى بالاصطياد وقوله ((إذا أصابه))
كذا فى سنن الدارمى وهكذا ذكره الحافظ فى التلخيص (ص ٢٢٥) ولفظ أبى داود(( إذا صاده، وكذا ذكره المجد فى المنتقى
والحافظ فى التلخيص (ص ٣٨٩) وفى بضر نسخ أبى داود ((إذا اصاده)، وفى رواية الحاكم (جعلى رسول الله مَ ثل فى الضبع يصيبه
المحرم كبشا تجديا وجعله من الصيد، وكذا عند ابن ماجه، إلا أنه لم يقل «نجدياء قال القارى: وليس هذا الحديث حجة
علينا إذ لا تنافى بين كونه حراما أكله وبين كونه صيدا ويلزم الكيش فى قتله، وإنما يصلح دليلا للخصم حيث أنه يخص
تحريم الصيد بما يؤكل لحمه - انتهى. قلت: فى رواية جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن بن
أبى عمار عن جابر قال قات أيؤ كل الضبع؟ قال: نعم، قلت: أصيد هى؟ قال نعم، قال: أسمعته من رسول الله عَ ليه؟ قال:
نعم. رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. قال الشافعى : فى مسئلة ابن أبى عمار جابرا أصيد هى؟
قال: نعم. ومسئلته أتؤكل؟ قال: نعم، وسألته: أسمعت من التي تَثير؟ قال: نعم. فهذا دليل على أن الصيد الذى
٤٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
رواه أبو داود، وابن ماجه، والدارمى.
٢٧٣٠ - (١٠) وعن خزيمة بن جزء، قال: سألت رسول اللّه ◌َفّ عن أكل الضبع، قال: أو
يأكل الضبع أحد؟ وسألته عن
نهى الله تعالى المحرم عن قتله ما كان يحل أكله من الصيد، وأنهم إنما يقتلون الصيد ليأكلوه لا عبئا بقتله - انتهى فتأمل
(رواه أبو داود) فى الأطعمة (وابن ماجه) فى الحج (والدارى) فى آخر الحج، وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١:
ص ٤٥٢) وابن الجارود (ص ١٥٥) وابن حبان كما فى الموارد (ص ٢٤٣) والدارقطنى (ص ٢٦٦) وابن عبد البر فى
التمھید (ج ١ : ص ١٥٣) كلهم من رواية جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمیر عن عبد الرحمن بن أبى عمار عن
جابر، تنبيه صنيع المصنف تبعا للبغوى يوهم أن حديث جابر هذا والذى قبله حديثان ولا يخفى ما فيه، والصواب أنه
حديث واحد روى من طريق ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن أبى عمار، ومن طريق جرير بن حازم
عن عبد الله بن عبيد بن عمير به بالفاظ مختلفة مختصرا ومطولا ولذلك قال المنذرى فى مختصر السنن: وأخرجه الترمذى
والنسائى وابن ماجه، وقال الحافظ فى التلخيص (ص ٢٢٥): حديث ((أن النبي ◌َّ قضى فى الضبع بكيش، رواه
أصحاب السنن وابن حبان وأحمد والحاكم فى المستدرك من طريق عبد الرحمن بن أبى عمار عن جابر ، وقال فى الأطعمة
(ص ٣٨٩) منه: حديث جابر ((أنه سئل عن الضبع أ صيد هو؟ قال: نعم، قيل: أيوكل؟ قال نعم. قيل أ سمعته
من رسول اللّه ◌َث؟ قال نعم. الشافعى والترمذى والنسائى وابن ماجه والبيهقى وصححه البخارى والترمذى وابن
حبان وابن خزيمة والبيهقى ..... ورواه أبو داود بلفظ سألت رسول اللّه مَّثم عن الضبع، فقال: صيد ويجعل فيه
كبش إذا صاده المحرم - انتهى. وقال المجد فى المنتقى بعد ذكره بلفظ الترمذى: رواه الخمسة وصححه الترمذى، ولفظ
أبى داود عن جابر: سألت رسول اللّه تَثّل عن الضبع فقال: هى صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم.
٢٧٣٠ - قوله (وعن خزيمة) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاى (بن جزء) قال الحافظ فى التقريب: خزيمة بن
جزء - بفتح الجيم وسكون الزاى بعدها همزة - صحابي لم يصح الإسناد إليه، وقال فى الاصابة: خزيمة بن جزى -
بفتح الجيم وكسر الزاى بعدها ياء أى مشددة - له حديث فى أكل الضب والضبع وغير ذلك، أخرجه الترمذى وابن ماجه
والباوردى وابن السكن وقالا: لم يثبت حديثه ومداره على أبي أمية بن أبى الخارق أحد الضعفاء، وقال فى تهذيب
التهذيب: قال البخارى فى التاريخ لما ذكر حديثه فى الحشرات: فيه نظر. وقال البغوى: لا أعلم له غيره. وقال الأزدى: لا
يحفظ روى عنه إلا (أخوه) حبان ولا يحفظ له غير هذا الحديث. قال: وفى إسناده نظر (أويا كل الضبع أحد؟)
كذا فى جميع نسخ المشكاة والمصابيح وهكذا ذكره الشوكانى فى النيل، وفى الترمذى ((ويأكل الضبع أحد؟، أى بتقدير همزة
الاستفهام الإنكارى. وفى رواية ابن ماجه: ومن يأكل الضبع؟ قال السندى: يشير إلى أنه مكروه طبعا (وسألته عن
٤٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
أكل الذئب، قال: أو يأكل الذئب أحد فيه خير؟ رواه الترمذى، وقال: ليس إسناده بالقوى.
أكل الذئب) بالحمز ويبدل (قال: أو يأكل) أى أجهلت حكمه ويأكل (الذئب أحد فيه خير) أى صلاح وتقوى صفة
أحد، وفى الترمذى ((ويأكل، أى بحذف همزة الاستفهام، واستدل بهذا الحديث من قال بحرمة الضع. والحديث
ضعيف لا يصلح للاحتجاج (رواه الترمذى) فى الأطعمة وأخرجه أيضا ابن ماجه فى الذبائح (وقال: ليس إسناده بالقوى)
لا أعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم عن عبد الكريم أبى أمية وقد تكلم بعض أهل الحديث فى إسماعيل
وعبد الكريم أبى أمية، وهو عبدالكريم بن قيس بن أبى الخارق - انتهى. قال الزيلعى فى نصب الرأية (ج ٤: ص ١٩٣)
بعد نقل كلام الترمذى هذا: وضعفه ابن حزم بأن إسماعيل بن مسلم ضعيف وابن أبى الخارق ساقط وحبان بن جزء
مجهول - انتهى. وقال الحافظ فى التقريب: إسماعيل بن مسلم المكى أو إسحاق ضعيف الحديث. وقال فى التلخيص
(ص ٣٨٩): وأما ما رواه الترمذى من حديث خزيمة بن جزء قال: أ يأكل الضبع أحد؟ فضعيف لاتفاقهم على
ضعف عبد الكريم أبي أمية، والراوى عنه إسماعيل بن مسلم - انتهى. تنبيه قال القارى فى المرقاة معترضا على قول
الترمذى ((ليس إسناده بالقوى)) ما لفظه: وفيه أن الحسن أيضا يستدل به على أن اجتهاد المستند إليه سابقا يدل على أنه
صحيح فى نفس الأمر وإن كان ضعيفا بالنسبة إلى إسناد واحد من المحدثين، ويقويه رواية ابن ماجه ولفظه ((ومن يأكل
الضبع؟)، ويؤيده أنه ذو ناب من السباع فأكله حرام، ومع تعارض الأدلة فى التحريم والاياحة فالأحوط حرمته،
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: الضبع لست آكاء ولا أحرمه، كما رواه الشيخان وغيرهما فيفيد ما اختاره مالك من
أنه يكره أكله، إذ المكروه عندنا ما أتم آكله ولا يقطع بتحريمه، ومقتضى قواعد أنمتنا أن أكله مكروه كرامة
تحريم ، لا أنه حرام محض لعدم دليل قطعى مع اختلاف فقهى - انتهى كلام القارى. وقد ذكر شيخنا فى شرح
الترمذى كلامه ثم رد عليه فقال: فى كلام القارى هذا أوهام وأغلاط، فأما قوله «إن الحسن أيضا يستدل به)) ففيه أنه
لا شك أن الحديث الحسن يستدل به لكن حديث خزيمة بن جزء هذا ليس بحسن بل هو ضعيف لا يصلح للاحتجاج
كما عرفت. وأما قوله: أن اجتهاد المستند إليه سابقا يدل على أنه صحيح فى نفس الأمر، إلخ. ففاسد، وقد ينا
فساده فيما سبق (ج ١: ص ١٣٤ طبعة الحجر) وأما قوله: ويقويه رواية ابن ماجه ولفظه «ومن يا كل الضبع؟، ففيه
أن فى رواية ابن ماجه أيضا عبد الكريم فكيف تقويه؟ وأما قوله ((أنه ذوناب من السباع)) فممنوع، وسند المنع حديث
جابر المذكور فى الباب، ولو سلم أنه ذو ناب من السباع فحرمته منوعة لهذا الحديث، وأما قوله «ومع تعارض
الأدلة فى التحريم والإباحة فالأحوط حرمته)، ففيه أن هذا إذا كان دليل الحرمة ودليل الاباحة كلاهما صحيحين، وأما
إذا كان دليل الحرمة ضعيفا ودليل الإباحة صحيحا كما فيما نحن فيه فكون الحرمة أحوط منوع، وأما قوله «إن قوله
٤٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
( الفصل الثالث )
٢٧٣١ - (١١) عن عبد الرحمن بن عثمان التيمى، قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله، ونحن حرم،
فأهدى له طير، وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع، فلما استيقظ طلحة، وافق من أكله،
قال: فأكلناه مع رسول اللّه ◌َبَع. رواه مسلم.
عليه الصلاة والسلام: الضبع لست آكله ولا أحرمه، كما رواه الشيخان وغيرهما يفيد، إلخ. فقيه وهم فاحش، فإنه
لم يرو الشيخان ولا غيرهما «الضبع لست آكله ولا أحرمه)) بل رووا «ضب لست آكله ولا أحرمه)) والضب غير
الضبع - انتهى.
٢٧٣١ - قوله (عن عبد الرحمن بن عثمان التيحى) هو عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن
كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمى القرشى وهو ابن أخى طلحة بن عبيد الله وكان يلقب شارب الذهب أسلم يوم
الحديبية، وأول مشاهده عمرة القضاء، وقبل أسلم يوم الفتح وشهد اليرموك مع أبى عبيدة بن الجراح وكان من أصحاب
ابن الزبير فقتل ٠٠ه فى يوم واحد بمكة سنة ثلاث وسبعين ودفن بالحزورة، فلما زيد فى المسجد دخل قبره فى المسجد
الحرام، روى عن النبيِ مَّلم وعن عمه طلحة بن عبيد الله وعثمان بن عفان، وعنه ابناه عثمان ومعاذ وغيرهما ( كنا مع
طلحة بن عبيد الله) هو أحد العشرة المبشرة تقدم ترجمته فى الجزء الأول (ص ٦٣) (ونحن) أى كلنا (حرم) بضمتين جمع
حرام أى مخرمون (فأهدى له) أى لطاحة (طير) أى مشوى أو مطبوخ (فمنا من أكل) اعتمادا على الصداقة وتجويزا
الحرم من لحم الصيد (ومنا من تورع) ظنا منه أنه لا يجوز للحرم أكله (وافق من أكله) أى بالقول أو الفعل، والمراد
بطير إما جنس وكان متعددا، وإما طير كبير كفى جماعة، قاله القارى. وقوله («وافق، كذا فى المشكاة ، وهكذا وقع
فى بعض النسخ الهندية لسين النسائى، وفى صحيح مسلم ((وفق، بفتح أوله وتشديد الفاء مفتوحة من التوفيق، وهكذا وقع
فى المسند، أى صوبه، قاله النووى. قال الشوكانى: ويحتمل أن يكون معناه: دعا له بالتوفيق (قال) أى طلحة
(فأ كلناه مع رسول اللّه ◌َبِّ) أى أكلا نظيره معه مَّ، وقوله «فأ كلناء، هكذا فى جميع نسخ المشكاة، والذى فى
صحيح مسلم بأ كلناه)) أى بدون الفاء، وهكذا وقع فى مسند الإمام أحمد والسنن النسائى، وكذا ذكره المجد فى المنتقى
والجزرى فى الجامع والحافظ فى الفتح ، والظاهر أن ما وقع فى المشكاة خطأ من الناسخ، والحديث مما استدل به من
ذهب إلى جواز أ كل الصيد للحرم مطلقا، وهو عند الأئمة الثلاثة محمول على أن من أهدى لهم الطير صاده لنفسه ثم
أهدى لهم. قال الشوكانى: لابد من تقييد حديث طلحة بأن لا يكون من أهدى لهم الطير صاده لأجلهم جمعا بين الأدلة
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ١٦١، ١٦٢) والنسائى والبيهقى (ج ٥: ص ١٨٨).
٤٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
(١٣) باب الإحصار، وفوت الحج
(باب الاحصار) هو فى اللغة المنع والحبس مطلقا، وفى الشرع المنع عن الوقوف والطواف، فإن قدر على
أحدهما فليس بمحصر (وفوت الحج) بأن يكون محرما ولم يدرك مكان الوقوف وهو عرفة فى زمانه، وهو من بعد
الزوال إلى طلوع فجر يوم النحر ولوساعة، قاله القارى. وقال العينى: الاحصار المنع والحبس عن الوجه الذى يقصده،
يقال أحصره المرض أو السلطان إذا منعه عن مقصده فهو محصر، والحصر الحبس، يقال حصره إذا حبسه فهو محصور. وقال
القاضى اسماعيل: الظاهر أن الإحصار بالمرض والحصر بالعدو ومنه ((فلا حصر رسول الله مرثية)) وقال تعالى:
﴿فإن أحضرتم﴾ وقال الكسائى: يقال من العدو حصر فهو محصور، ومن المرض أحصر فهو محصر، وحكى عن
الفراء أنه أجاز كل واحد منهما مكان الآخر، وأنكره المبرد والزجاج وقالا: هما مختلفان فى المعنى، ولا يقال فى
المرض ((حصره)) ولا فى العدو («أحصره)) - انتهى. وقال صاحب فيض البارى: اعلم أن الاحصار عندنا (الحنفية)
وعند جماعة من السلف وأهل اللغة عام الرض والعدو كما نقل عن الفراء أيضا، وعند الشافعية يختص بالعدو ،
وادعى بعض من الحنفية أن المحصر لا يقال إلا فى المرض، أما فى العدو فيقال له محصور لا محمصر، قلت: وليس
يجيد فإن الآية حينئذ تقتصر على المرض مع أنها نزلت فى العدو بالاتفاق، فإنها نزلت فى قصة الحديبية ولم يكن التى تمَّه
فيها مريضا ، وههنا دقيقة وهى أن اللفظ قد يشتهر فى نوع من الجنس ثم يرد استعماله فى نوع آخر من ذلك الجنس أو فى
الجنس بعينه فيجعله الناس مقابلا كالا حصار فإنه عام الارض والعدو إلا أنه اشتهر الإحصار فى المرض والحصر فى
العدو حتى ذهبت أوهام العامة أنهما متقابلان فجعلوا الاحصار مختصا بالمرض والحصر بالعدو وليس كذلك، وإنما.
أخذ القرآن فى النظم اللفظ العام لثلا يختص الحكم بالعدو ويعم المرض والعدو كليهما - انتهى، وقال الآلواسى فى تفسيره
(ج ٢: ص ٨٠): الا حصار والحصر كلاهما فى أصل اللغة بمعنى المنع مطلقا، وليس الحصر مختصا بما يكون من العدو والاحصار
بما يكون من المرض ونحوه كما توهم الزجاج من كثرة استعمالهما كذلك فإنه قد يشيع استعمال اللفظ الموضوع
المعنى العام فى بعض أفراده، والدليل على ذلك أنه يقال حصره العدو وأحصره كصده وأصده، فلو كانت النسبة إلى
العدو معتبرة فى مفهوم الحصر لكان التصريح بالاسناد إليه تكرارا ، ولو كانت النسبة إلى المرض ونحوه معتبرة فى مفهوم
الإحصار لكان إسناده إلى العدو مجازا وكلاهما خلاف الأصل، والمراد من الاحصار منا حصر العدو عند
مالك والشافعى لقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم) فإن الأمن لغة فى مقابلة الخوف ولنزوله عام الحديبية، ولقول ابن عباس:
لا حصر إلا حصر العدو. فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بموقع التنزيل، وذهب أبو حنيفة إلى أن المراد به ما يعم كل
منع من عدو ومرض وغيرهما لحديث الحجاج بن عمرو (الآتى فى الفصل الثانى) ولما روى الطحاوى من حديث عبد الرحمن
٤٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
ابن زيد قال: أهل رجل بعمرة يقال له عمر بن سعيد فلسع فبينا هو صريع إذ طلع عليه ركب فيهم ابن مسعود فسألوه
فقال: ابعثوا بالهدى واجعلوا بينكم وبينه يوم أمارة فإذا كان ذلك فليحل، وأخرج ابن أبى شيبة عن عطاء قال : لا
إحصار إلا من مرض أوعدو أو أمر حابس، وروى البخارى مثله عنه. وقال عروة: كل شئى حبس المحرم فهو
إحصار، وما استدل به الخصم (الشافعى ومن وافقه) مجاب عنه، أما الأول: فإنه يقال المريض إذا
زال مرضه وبرئى: أمن كما روى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس من طريق ابراهيم قال الآاوسى: فيضعف
استدلال الشافعى ومالك بالآية على ما ذهبا إليه، وأما الثانى: فإنه لا عبرة بخصوص السبب والحمل على أنه
التاييد يأبى عنه ذكره باللام استقلالا والقول بأن ((أحصر تم)، ليس عاما إذا الفعل المثبت لا عموم له فلا يراد إلا ما
ورد فيه وهو حبس العدو بالاتفاق ليس بشئى لأنه وإن لم يكن عاما لكنه مطلق فيجرى على إطلاقه، وأما الثالث:
فلأنه بعد تسليم حجية قول ابن عباس فى أمثال ذلك معارض بما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عنه فى تفسير الآية
أنه قال: يقول من أحبوم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أوعدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من
الهدى فكما خصص فى الرواية الأولى عيم فى هذه، وهو أعلم بمواقع التنزيل، والقول («بأن حديث الحجاج ضعيف)
ضعيف إذ له طرق مختلفة فى السنن ، وحمله على ما إذا اشترط المحرم الإحلال عند عروض المانع من المرض له
وقت النية لقوله مَ ه لضباعة: حجى واشترطى وقولى: اللهم محلي حيث حبستنى. لا يتمشى على ما تقرر فى أصول الخفية
من أن المطلق يجرى على إطلاقه إلا إذا اتحد الحادثة والحكم وكان الاطلاق والتقييد فى الحكم إذ ما نحن فيه ليس
كذلك كما لا يخفى، انتهى كلام الآلوسى. وإن شئت مزيد البسط فيما أجاب به الحنفية عن الآية وقرروا به مذهبهم
فارجع إلى شرح البخارى للقسطلانى والعين والجوهر التقى المارديني وأحكام القرآن لأبى بكر الرازى الجصاص وفتح
القدير لابن الهمام، وقال الشنقيطى: اختلف العلماء فى المراد بالإحصار فى قوله تعالى: (فإن أحصر تم فما استيسر
من الهدى ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله - سورة البقرة: الآية ١٩٢) فقال قوم: هو صد العدو المحرم
ومنعه إياه من الطواف بالبيت، وقال قوم: المراد به حبس المحرم بسبب مرض ونحوه، وقال قوم: المراد به ما
يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك، لكن قوله تعالى بعد هذا: ﴿فإذا أمنتم) يشير إلى أن المراد بالاحصار هنا
صد العدو الحرم، لأن الأمن إذا أطلق فى لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى الشفاء من المرض
ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشئى الذى منه الأمن ، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار فثبت أنه الخوف
من العدو، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من المرض كما فى حديث ((من سبق العاطس
٤٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
بالحمد أمن من الشوص واللوث والعلوص، أخرجه ابن ماجه فى سننه فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد
بكونه من المرض فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف، وقد يجاب أيضا بأنه يخاف وقوع المذكور من
الشوص الذى هو وجع السن، واللوث الذى هو وجع الأذن، والعلوص الذى هو وجع البطن، لأنه قبل
وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها، فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف. أما لو كانت وقعت به
بالفعل فلا يحسن أن يقال أمن منها لأن الخوف فى لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل لا واقع بالفعل فدل هذا على
أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر، وحاصل تحرير هذه المسئلة فى مبحثين :
الأول فى معنى الاحصار فى اللغة العربية، الثانى فى تحقيق المراد به فى الآية الكريمة وأقوال العلماء، وأدلتها فى
ذلك، فاعلم أن أكثر علماء العربية يقولون: إن الاحصار هوما كان عن مرض أو نحوه، قالوا: تقول العرب: أحصره
المرض يحصره بضم الياء وكسر الصاد إحصارا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر ، تقول العرب: حصره العدو
يحصره بفتح الياء وضم الصاد حصرا بفتح فسكون ، ومن إطلاق الحصر فى القرآن على ما كان من العدو قوله تعالى:
﴿وخذوهم واحصروهم - سورة التوبة: الآية ٥﴾ ومن إطلاق الاحصار على غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية
قوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله - سورة البقرة: الآية ٢٧٥﴾ وقول ابن ميادة:
وما هجر للى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول
وعكس بعض علماء العربية فقال: الاحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ابن فارس فى المجمل نقله عنه
القرطب ونقل البغوى نحوه عن ثعلب، وقال جماعة من علماء العربية: إن الإحصار يستعمل فى الجميع وكذلك
الحصر، ومن قال باستعمال الاحصار فى الجميع الفراء، ومن قال بأن الحصر والإحصار يستعملان فى الجميع
أبو قصر القشيرى، قال الشنقيطى: لا شك فى جواز إطلاق الاحصار على ما كان من العدو كما سترى تحقيقه، هذا
حاصل كلام أهل العربية فى معنى الاحصار، وأما المراد به فى الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال،
الأول: أن المراد به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزير وهو
١ - كذا ذكر الشنقيطى وهو وهم منه أو من نقل ذلك عنه، فإن الحديث المذكور ليس فى سنن ابن ماجه ولم أقف على من خرجه،
فعم ذكره ابن الأثير الجزرى فى النهاية (ج ١: ص ٢٦١) قال الفتنى فى تذكرة الموضوعات (ص ١٦٥): هو حديث ضعيف، وقال العجلونى فى كشف
الخقاء (ج ٢: ص ٢٥٢): ذكره (ابن الأثير) فى النهاية وهو ضعيف - انتهى. وروى فى معناه عن غير واحد من الصحابة بأسانيد ضعيفة من
شاء الوقوف على ذلك رجع إلى الفوائد المجموعة (ص ٢٢٢) للشوكانى، وكشف الخفاء (ج ٢: ص ٢٥٢) المجلونى، وتنزيه الشريعة (ج ٢: ص ٢٩٢)
لابن العراق واللآلى المصنوعة (ج ٢: ص ١٥٣) السيوطى.
٤٢٩

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وبه قال مروان وإسحاق وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل ،
وهو مذهب مالك والشافعى، وعلى هذا القول أن المراد بالاحصار ما كان من العدو خاصة فمن أحصر بمرض ونحوه
لا يجوز له التحلل (إلا أن يشترط عند الإحرام عند الشافعى وأحمد كما سيأتى) حتى يبرأ من مرضه ويطوف بالبيت
ويسعى فيكون متحللا بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين، الأول : أن الآية الكريمة التى هو قوله تعالى:
﴿فإن أحصر تم فما استيسر من الهدى﴾ نزلت فى صد المشركين النبي مَ ئله وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية
عام ست بإطباق العلماء، وقد تقرر فى الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص
فشمول الآية الكريمة لا حصار العدو الذى هو سبب نزولها قطعی فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه، وروى عن
مالك أن صورة سيب النزول ظنية الدخول لاقطعيته وهو خلاف قول الجمهور ، وبهذا تعلم أن إطلاق الاحصار
بصيغة الرباعى على ما كان من عدو صحيح فى اللغة العربية بلا شك كما ترى وأنه نزل به القرآن العظيم الذى هو فى أعلى
درجات الفصاحة والاعجاز، الأمر الثانى: ما ورد به الآثار فى أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف
والسعى، فمن ذلك ما رواه الشافعى فى مسنده والبيهقى (ج ٥: ص ٢١٩) عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا
حصر العدو، قال النووى فى شرح المهذب: إسناده صحيح على شرط البخارى ومسلم وصححه أيضا (الحافظ)
ابن حجر، ومن ذلك ما رواه البخارى والنسائى عن ابن عمر أنه كان يقول: أليس حسبكم سنة رسول الله مطلع إن
حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحل من كل شئى حتى يحج عاما قابلا فيهدى أو يصوم إن
لم يحد هديا، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي (ج ٥: ص ٢١٩) عن ابن عمر أنه قال: المحصر بمرض لا
يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة إذا اضطر إلى لبس شتى من الثياب التى لابد له منها أو الدواء
صنع ذلك وافندى، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقى أيضا (ج ٥: ص ٢١٩) عن أيوب السخيانى
عن رجل من أهل البصرة كان قديما أنه قال: خرجت إلى مكة حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذى ، فأرسلت
إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس فلم يرخص لى أحد أن أحل فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر
حتى أحللت بعمرة، والرجل البصرى المذكور الذى أبهمه مالك، قال ابن عبد البر: هو أبو قلابة عبد الله بن زيد
الجرمى شيخ أيوب كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، ورواه ابن جرير من طرق، وسمى الرجل يزه
ابن عبد الله بن الشخير، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقى أيضا (ج ٥: ص ٢٢٠) عن سليمان بن
يسار أن سعيد بن حرابة المخزومى صرع بعض طريق مكة وهو محرم فسأل - على الماء الذى كان عليه - عن العلماء فوجد
عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم فذ کر لهم الذىعرض له فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه، ويقتدى،
٤٣٠

ـرعاة المفاتيح ج ١
١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
١٠ - كتاب المناسك
فإذا صح اعتمر فعل من إحرامه ثم عليه حج قابل ويهدى ما استيسر من الهدى. قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا
فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصارى وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج وأتيا
يوم النحر أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالا، ثم يحجان عاما قابلا ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة
إذا رجع إلى أهله. هذا هو حاصل أدلة القول بأن المراد بالإحصار فى الآية هوما كان من خصوص العدودون ما كان من
مرض ونحوه، القول الثانى فى المراد بالإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه وما كان من مرض ونحوه
من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم ، وممن قال بهذا القول ابن مسعود ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن
الزبير وإبراهيم النخعى وعلقمة والثورى والحسن وأبو ثور وداود وهو مذهب أبى حنيفة، وحجة هذا القول من جهة
شموله لإ حصار العدو قد تقدمت فى حجة الذى قبله، وأما من جهة شموله للإحصار بمرض فهى ما رواه أحمد
وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة والحاكم والبيهقى عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصارى رضى الله عنه قال:
يقول من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى، فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة
سمعت رسول الله
فقالا: صدق، وفى رواية لأبي داود وابن ماجه: من عرج أو كسر أو مرض، فذكر معناه، وفى رواية ذكرها
أحد فى رواية المروزى ((من حبس بكسر أو مرض، وبهذا تعلم قوة حجة أهل هذا القول، ورد المخالفون الاحتجاج
بحديث عكرمة هذا من وجهين، الأول: ما ذكره البيهقى فى السنن الكبرى (ج ٥: ص ٢٢٠) قال: وقد حمله
بعض أهل العلم إن صح على أنه يحل بعدفواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض فقدروينا عن ابن عباس ثابتًا عنه قال: لا
حصر إلا حصر عدو، واقه أعلم - انتهى، الوجه الثانى: هو حمل حله المذكور فى الحديث على ما إذا اشترط فى إحرامه
أنه يحل حيث حبسه الله بالعذر، والتحقيق جواز الاشتراط فى الحج بأن يحرم ويشترط أن محله حيث حبسه الله،
ولا عبرة بقول منع الاشتراط ثبوته عن النبي تربية ( كما سيأتى) القول الثالث فى المواد بالإحصار: أنه ما
كان من المرض ونحوه خاصة دون ما كان من العدو وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة ، وإنما جاز التحلل
من إحصار العدو عند من قال بهذا القول، لأنه من إلغاء الفارق وأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به، فإحصار
العدو عندهم ملحق بإحصار المرض بنفى الفارق، ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت
فى إحصار العدو عام الحديبية، وأن صورة سبب النزول قطعية الدخول كما عليه الجمهور وهو الحق، قال الشنقيطى
الذى يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعى وأحمد فى أشهر الروايتين عنه
أن المراد بالإحصار فى الآية إحصار العدو وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة، لأن هذا هو الذى نزلت
فيه الآية ودل عليه قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم) الآية، ولا سيما على قول من قال من العلماء: إن الرخصة لا تتعدى محلها، وهو
٤٣١

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
قول جماعة من أهل العلم. وأما حديث عكرمة الذى رواه عن الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة
فلا تنتهض به حجة لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام لحديث عائشة عند الشيخين ، وحديث ابن عباس
عند مسلم وأصحاب السنن وغيرهم من أنه مرَّم قال لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب: حجى واشترطى، ولو كان
التحلل جائزا دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو لما كان للاشتراط فائدة ، وحديث عائشة وابن
عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو، والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن ، وهو ممكن
فى الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك فى الاحرام فيتفق مع الحديثين الثابتين فى الصحيح،
فإن قيل: يمكن الجمع بين الأحاديث بغير هذا، وهو حمل أحاديث الاشتراط على أنه يحل من غير أن تلزمه
حجة أخرى، وحمل حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو وغيره على أنه يحل وعليه حجة أخرى ، ويدل لهذا الجمع
أن أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجة أخرى، وحديث الحجاج بن عمرو قال فيه النبي ◌َّثم: فقد حل وعليه
حجة أخرى. فالجواب أن وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم لأمر النبي مَّ أصحابه أن
يقضوا عمرتهم التى صدهم عنها المشركون، قال البخارى فى صحيحه فى باب (من قال ليس على المحصر بدل)) ما نصه
((وقال مالك وغيره: ينحر هديه ويحلق فى أى موضع كان، ولا قضاء عليه، لأن النبي مَئله وأصحابه بالحديبية نحروا
وحلقوا وحلوا من كل شئ قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدى إلى البيت ثم لم يذكر أن النبي مؤثم أمر أحدا أن يقضوا شيئا
ولا يعودوا له والحديبية خارج من الحرم)» - انتهى. وقد قال مالك: إنه بلغه أن رسول اللّه مَ ◌ّ حل هو وأصحابه
بالحديبية، فنحروا الهدى وحلتوا رؤسهم وحلوا من كل شئ قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدى، ثم
لم يعلم أن رسول اللّه ◌َّم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا يعودوا لشئى - انتهى.
ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدى فى المغازى من طريق الزهرى ومن طريق أبى معشر وغيرهما ، قالوا:
أمر رسول اللّه ◌َيّ أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيير أو مات، وخرج معه جماعة معتمرين من
لم يشهدوا الحديبية وكانت عدتهم ألفين، لأن الشافعى قال: والذى أعقله فى أخبار أهل المغازى شبيه بما ذكرت،
لأنا علينا من متواطئى أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضية فتخلف بعضهم
بالمدينة من غير ضرورة فى نفس ولا مال ، فهذا الشافعى جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون من غير ضرورة فى
نفس ولا مال، وقد تقرر فى الأصول أن المثبت مقدم على النافى. وقال الحافظ ابن حجر فى الفتح: ويمكن الجمع بين
هذا إن صح وبين الذى قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب ، لأن الشافعى جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر،
وقال الشافعى فى عمرة القضاء، إنما سميت عمرة القضاء والقضية للقاضاة التى وقعت بين النبي مَث ولبين قريش، لا على
٤٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
( الفصل الأول )
٢٧٣٢ - (١) عن ابن عباس، قال: قد أحصر رسول اللّه مَّه، فحلق رأسه، وجامع نساءه،
وتحر هديه،
أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة، وقد روى الواقدى أيضا من حديث ابن عمر قال: لم تكن هذه العمرة قضاء ولكن
كان شرطا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل فى الشهر الذى صدهم المشركون فيه. وقال البخارى فى صحيحه
فى الباب المذكور: وقال روح عن شبل عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما: إنما البدل على
من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع - انتهى. وقد ورد عن ابن عباس
نحو هذا بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من طريق على بن أبى طلحة عنه، وفيه: فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها ،
وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه، فإذا علمت هذا وعلمت أن ابن عباس ممن روى عنه عكرمة الحديث الذى
روى عن الحجاج بن عمرو وأن راوى الحديث من أعلم الناس به ولا سيما إن كان ابن عباس الذى دعا له النبي تزويد
أن يعلمه التأويل، وهو مصرح بأن معنى قوله مزّ فى حديث الحجاج بن عمرو ((وعليه حجة أخرى، محله فيما إذا كانت
عليه حجة الإسلام، تعلم أن الجمع الأول الذى ذكرنا هو المتعين، واختاره النووى وغيره من علماء الشافعية ، وأن
الجمع الأخير لا يصح لنعين حمل الحجة المذكورة على حجة الإسلام، وأما على قول من قال إنه لا إحصار إلا
بالعدو خاصة وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يبرأ و يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شئ حتى
يحج عاما قابلا فيهدى أو يصوم إن لم يجد هديا كما ثبت فى صحيح البخارى من حديث ابن عمر كما تقدم ، فهو من
حیث أن المریض عندهم غیر محصر ، فهو کمن أحرم وفاته وقوف عرفة ، يطوف ویسعی ویحج من قابل ويهدی أو
يصوم إن لم يحد هديا - انتهى كلام الشنقيطى، وسيأتى بسط الكلام فى مسئلة الاشتراط فى شرح حديث عائشة
آخر أحاديث هذا الفصل وتعيين القول الراجح فى مسئلة الاحصار بالمرض فى شرح حديث الحجاج بن عمرو فى
الفصل الثانى .
٢٧٣٢ - قوله (قد أحصر رسول اللّه مَّث]) أى منع عن عمرته التى أحرم بها فى عام الحديبية (فحلق رأسه)
أى بنية التحلل (وجامع نساءه) أى بعد تحلله الكامل كما يشير إليه قوله (ونحر هديه) إذ الواو لمطلق الجمع، وفى
الصحيحين أنه ورث نحلل مو وأصحابه بالحديبية لما صده المشركون وكان محرما بالعمرة فنحر ثم حلق ثم قال لأصحابه :
قوموا فانحروا ثم احلقوا. وفى حديث المسور بن مخرمة عند البخارى فى الشروط «فلما فرغ من قضية الكتاب قال
رسول الله وزيع لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. واختلف العلماء هل نحر هديه يوم الحديبية فى الحل أو فى
٤٣٣

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
حتى اعتمر عاما قابلا.
الحرم؟ وظاهر قوله تعالى: ( والهدى معكونا أن يبلغ محله - سورة الفتح: الآية ٢٥) أنهم نحروه فى الحل ، وفى
ء
محل نحر الهدى للحصر أقوال، الأول للجمهور أنه يذبح هديه حيث يحل فى حل أو حرم الثانى الحنفية أنه لا نحره
إلا فى الحرم الثالث لابن عباس وجماعة: أنه إن كان يستطيع البعث إلى الحرم وجب عليه ولا يحل حتى ينحر فى
محله وإن كان لا يستطيع البعث به إلى الحرم نحره فى محل إحصاره ، وقيل: إنه نحره فى طرف الحديبية وهو من
الحرم، والأول أظهر كذا فى السبل (حتی اعتمر) غاية للجموع أی تحلل حتى اعتمر. قال القسطلانی: ولایی ذرعن
المستعلى ((ثم اعتمر) (عاما قابلا) أى آتيا يعنى السنة السابعة من الهجرة التى اعتمر فيها حسب المقاضاة التى وقعت بينه
مَثّ وبين قريش، وقيل قضاء لعمرة حل عنها، وفيه نظر، وهذا الحديث فيه حذف يدل عليه ما رواه ابن السكن
فى كتاب الصحابة كما نبه عليه الحافظ وقال: إنه لم ينبه عليه من شراح هذا الكتاب غيره ولا بنه الإسماعيلى ولا
أبو نعيم ، ولفظه عن يحى بن أبى كثير عن عكرمة قال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة أنها سألت الحجاج
ابن عمرو الأنصارى عمن حبس وهو محرم فقال قال رسول الله مثل: من عرج أو كسر أو حبس فليجزى
مثلها وهو فى حل قال: فحدثت به أبا هريرة فقال: صدق. وحدثته ابن عباس فقال قد أحصر رسول الله مرثية
فحلق ونحر هديه وجامع نسائه حتى اعتمر عاما قابلا ، والسبب فى حذف البخارى ما ذكر أن الزائد ليس على شرطه
لأنه قد اختلف فى حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير عن عكرمة كما بينه الحافظ مع كون عبد الله بن
رافع ليس من شرط البخارى فاقتصر على ما هو من شرط كتابه، واستدل بالحديث على وجوب القضاء على
المحصر، قال المحب الطبرى: هكذا يستدل به من قال بوجوب القضاء، ولا دلالة فيه على وجوب القضاء لأنه تضمن
حكاية ما وقع ، وقد تخلف بعض من كان معه فى عمرة الحديبية عن عمرة القضية بالمدينة من غير ضرورة فى نفس ولا
مال، ولو وجب عليهم القضاء لأمرهم رسول اللّه ◌َفي أن لا يتخلفوا عنه، وإنما سميت عمرة القصاص وعمرة القضية
لأن الله تعالى اقص لنبيه عرَّ فدخل عليهم كما منعوه لا على أن ذلك وجب عليه. قال البيهقى: وروى الواقدى
بسنده عن ابن عمر قال : لم تكن العمرة قضاء ولكن كان شرطا على المسلين أن يعتمروا من قابل فى الشهر الذى صدهم
المشركون فيه - انتهى. وقال الأمير المانى: قوله ((حتى اعتمر عاما قابلا)) قيل إنه يدل على إيجاب القضاء على من
أحصر ، والمراد من أحصر عن النفل ، وأما من أحصر عن واجبه من حج أو عمرة فلا كلام أنه يجب عليه الاتيان
بالواجب إن منع من أدائه، والحق أنه لا دلالة فى كلام ابن عباس على إيجاب القضاء، فإن ظاهر ما فيه أنه
أخبر أنه مَّمِ اعتمر عاما قابلا، ولا كلام أنه يمثل اعتمر فى عام القضاء ولكنها عمرة أخرى ليست قضاء عن
عمرة الحديبية، إلى آخر ما ذكر من الدلائل على ذلك، والحديث فيه دليل على أن المعتمر إذا أحصر يحل، وأن
٤٣٤
٠

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
رواه البخارى.
٢٧٣٣ - (٢) وعن عبد الله بن عمر، قال: خرجنا مع رسول اللّه مَ، فحال كفار قريش
دون البيت ، فنحر النبى مريض هداياه، وحلق، وقصر أصحابه.
التحلل بالاحصار لا يختص بالحاج وقد أورد البخارى هذا الحديث فى باب إذا أحصر المعتمر، قال الحافظ ، قيل:
غرض المصنف بهذه الترجمة الرد على من قال: التحلل بالاحصار خاص بالحاج، بخلاف المعتمر فلا يتحلل بذلك
بل يستمر على إحرامه حتى يطوف بالبيت، لأن السنة كلها وقت للعمرة فلا يخشى فواتها بخلاف الحج، وهو محكى عن
مالك، واحتج له إسماعيل القاضى بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابة قال خرجت معتمرا فوقعت عن راحلتى
فانكسرت فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر فقالا: ليس لها وقت كالحج يكون على إحرامه حتى يصل إلى البيت -
انتهى. وقال العينى: روى ذلك القول عن مالك، وهو محكى عن محمد بن سيرين وبعض الظاهرية، وقضية الحديبية
حجة تقضى عليهم - انتهى. قلت: هكذا ذكر خلاف مالك الجمهور فى مسئلة الاحصار فى العمرة عامة نقلة المذاهب
كابن قدامة وغيره، لكن الظاهر أن هذه الحكاية ليست بصحيحة ، فإن عامة فروع المالكية كالشرح الكبير والدسوقى
والمدونة وغيرها مصرية بصحة الحصر عن العمرة وجواز التحلل عنها عند الحصر فلا خلاف فى هذه المسئلة بين
الأئمة الأربعة (رواه البخارى) من طريق يحى بن أبى كثير عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أيضا الإسماعيلى
وأبو نعيم وابن السكن.
٢٧٣٣ - قوله (خرجنا مع رسول الله مرثية) أى معتمرين كما فى رواية ، وكان خروجهم يوم الاثنين مستهل
ذى القعدة سنة ست من الهجرة (فحال كفار قريش دون البيت) أى منعونا من دخول مكة والوصول إلى البيت
(فنحر النبي ◌َّيم هداياه) أى بالحديبية، وفى رواية «بدنه، بعدم الموحدة وسكون الدال جمع بدنة (وحلق) أى رأسه
كما فى رواية، يعنى ثم حلق فتحلل كما بينته الروايات الصحيحة الصريحة (وقصر أصحابه) أى بعضهم وحلق آخرون،
وذلك أنهم توقفوا فى الا حلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت فأشارت أم سلمة إلى
أن يحل هو تجميع قبلهم تعمل فتبعوه فعلى بعضهم وقصر بعض وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر من
اقتصر على التقصير، واعلم أنهم اختلفوا فى المحصر هل يجب عليه الحلق أو التقصير إذا نحر هديه أم لا؟ فذهب
الشافعية إلى الوجوب بناء على المشهور عندهم أنه نسك، وقال به أبو يوسف فى إحدى الروايتين، وهو رواية عن أحمد،
والمشهورعنه أنه لا يجب، وبه قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وإليه ذهب المالكية كما فى الدردير والدسوقى، قال ابن قدامة
(ج ٣: ص ٣٦١): هل يلزمه الحلق أو التقصير مع ذبح الهدى أو الصيام؟ ظاهر كلام الخرقى أنه لا يلزمه، لأنه
٤٣٥

مر عاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الاجصار، وفوت الحج
رواه البخارى.
٢٧٣٤ - (٣) وعن المسور بن مخرمة،
لم يذكره، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، لأن الله تعالى ذكر الهدى وحده ولم يشترط سواه، والثانية عليه الحلق
أو التقصير، لأن النبي ◌َّم حلق يوم الحديبية وفعله فى النسك دال على الوجوب، ولعل هذا ينبنى على أن الحلاق
فسك أو إطلاق من محظور ، ولا يتحلل إلا بالنية مع ما ذكرنا، فيحصل الحل بشيئين النحر أو الصوم والنية إن قلنا:
الحلاق ليس بنسك، وإن قلنا: هو نسك حصل بثلاثة أشياء: الحلاق مع ما ذكرنا - انتهى. وقال النووى فى
مناسكه: اعلم أن التحلل يحصل بثلاثة أشياء ذبح ونية التحلل بذبحها والحلق إذا قلنا بالأصح أنه نسك ـ انتهى. وفى
غنية الناسك: وبذبحه يحل بلا حلق وتقصير إلا أنه لو حلق أو قصر فحسن كما فعله النبي مزيفة وأصحابه عام الحديبية
ليعرف استحكام عزيمته على الانصراف ويأمن المشركون منهم فلا يشتغلون بمكيدة أخرى هذا عندهما، وعليه المتون
وهو ظاهر الرواية عن أبى يوسف ـ انتهى، وقال فى البحر العميق بعد ما حكى خلاف أبى يوسف: وقال الجصاص : إنما
لا يجب الحلق عندهما إذا أحصر فى الحل لأن الحلق يختص بالحرم وأما إذا أحصر فى الحرم يجب الحلق عندهما وعليه
حمل حلقه وَي بالحديبية، وأجيب أيضا بأنه محمول على الاستحباب لأنهم كانوا يمتنعون عن التحلل طمعا فى دخول
مكة ويرون التحلل بالحلق فقطع بالأمر به أطماعهم تسليما لأمر الله تعالى. قلت: ومال الطحاوى إلى وجوب الحلق
كما ذكره القارى فى المرقاة وفى شرح اللباب وقال القارى أيضا: وإذا لم يجب عليه الحلق وأراد أن يتحلل فإنه يفعل
أدنى ما يحظره الإحرام كذا فى البحر الزاخر ، والأظهر وجوب الحلق لقوله تعالى: ﴿ ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ
الهدى محله) ولفعله عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام - انتهى (رواه البخارى) فى الحج وفى غزوة الحديبية
وعمرة القضاء من كتاب المغازى مختصرا ومطولا ، واللفظ المذكور له فى غزوة الحديبية وهو طرف من حديث طويل
وأخرجه أيضا أحمد مرارا والبيهقى ولم يخرجه مسلم ولا أصحاب السنن.
٢٧٣٤ - قوله (وعن المسور) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو فراء (بن مخرمة) بفتح الميم وسكون
الخاء المعجمة وفتح الراء، ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشى الزهرى أبو عبد الرحمن ، له ولأبيه
صحبة، مات النبي ◌َّ وهو ابن ثمان سنين وسمع منه وحفظ عنه، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين وقدم به أبوه المدينة
فى ذى الحجة بعد الفتح سنة ثمان وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وكان فقيها من أهل الفضل والدين ، لم يزل
مع خاله عبد الرحمن بن عوف مقبلا ومدبرا فى أمر الشورى، وبقى بالمدينة إلى أن قتل عثمان ، ثم انتقل إلى مكة ولم يزل
بها إلى أن حاصرها عسكر يزيد فقتله حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلى فى الحجر وذلك مستهل ربيع الأول سنة
٤٣٦

ـرعة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
قال: إن رسول الله ويل نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك. رواه البخارى.
٢٧٣٥ - (٤) وعن ابن عمر، أنه قال: أ ليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أربع وستين وصلى عليه ابن الزبير بالحجون، توفى وهو ابن اثنتين وستين سنة وقيل إن وفاته كانت يوم جاء فعى يزيد
إلى ابن الزبير وحصين بن نمير محاصر لابن الزبير (إن رسول الله مَّةٍ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك) أى
بالتحر قبل الحاتى، وفيه دلالة على تقديم النحر قبل الحلق، وقد تقدم أن المشروع تقديم الحاق قبل الذبح فقيل
حديث المسور هذا إنما هو إخبار عن فعله مَّة فى عمرة الحديبية حيث أحصر فتحلل ◌َّه بالذبح، وقد بوب عليه
البخارى ((باب النحر قبل الحلق فى الحصر، وأشار البخارى إلى أن هذا الترتيب يختص بالمحصر على جهة الوجوب فإنه
أخرجه بمعناه، هذا وقد أخرجه بطوله فى كتاب الشروط، وفيه أنه قال لأصحابه: قوموا فاتحروا ثم احلقوا، قال
الشوكانى: فيه دليل على أن المحصر يقدم النحر على الحلق ولا يعارض هذا ما وقع فى حديث ابن عباس المتقدم أنه
حلق رأسه وجامع نسائه ونحر هديه، لأن العطف بالواو إنما هو لمطلق الجمع ولا يدل على الترتيب، فإن قدم
الحلق على النحر فروى ابن أبى شيبة عن علقمة أن عليه دما، وعن ابن عباس مثله، والظاهر عدم وجوب الدم
لعدم الدليل - انتهى. قال الحافظ: وهذا الحديث طرف من حديث طويل أخرجه البخارى فى الشروط ولفظه فى
أواخر الحديث «فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ٹ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا-الحديث. وفيه قول
أم سلمة للنبي مثل: اخرج ثم لا تكلم أحدامنهم كلمة حتى تنحربدنك، فخرج فنحر بدنه ودعا حالقه خلقه، وعرف بهذا أن
الخارى أورد القدر المذكور هنا بالمعنى وأشار بقوله فى الترجمة ((فى الحصر)) إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من
أحصر. قال ابن التيمى: ذهب مالك إلى أنه لا هدى على المحصر ، والحجة عليه هذا الحديث لأنه نقل فيه حكم وسبب
كالسب الحصر والحكم النحر، فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب، والله أعلم، وسیأتی مزید الكلام فى ذلك فى
شرح حديث ابن عمر الذى يليه (رواه البخارى) فى الحج مختصرا باللفظ المذكور ، وفى الشروط مطولا كما تقدم،
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٣٢٧) والبيهقى (ج ٥: ص ٢٢٠) مطولا .
٢٧٣٥ - قوله (وعن ابن عمر أنه قال: أليس حسبكم سنة رسول الله مَ قع) كذا عند البخارى ولأحمد
والترمذى والنسائى: أنه كان ينكر الاشتراط فى الحج ويقول: أليس حسبكم سنة فيكم؟ قال العينى: قوله ((أ ليس
حسيكم سنة رسول الله؟، يريد به عدم الاشتراط كما هو مبين عند النسائى أنه كان ينكر الاشتراط فى الحج ويقول:
(أما حسبكم سنة نيكم؟ إنه لم يشترط)، وهكذا رواه الدارقطنى، ومعنى قوله ((أليس حسبكم سنة رسول الله، أى أ ليس
يكفيكم سنة رسول الله تَثّ؟ لأن معنى الحسب الكفاية، ومنه حسبنا الله أى كافينا، وحسبكم مرفوع لأنه اسم
٤٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
إن حبس أحدكم عن الحج، طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حل من كل شى حتى يحج عاما
قابلا، فیهدی أو يصوم إن لم يجد هدیا.
ليس، و((سنة رسول الله)) منصوب على أنه خبر ليس، والجملة الشرطية وهى قوله ((إن حبس، إلخ) تفسير للسنة فحلها
النصب أو الرفع خبر مبتدأ محذوف أى هى. وقال عياض: ضبطا سنة بالنصب على الاختصاص أو على إضمار فعل
أى تمسكوا ونحوه، وقال السهيلى: من نصب سنة فهو بإضمار الأمر كأنه قال: الزموا سنة نبيكم، ويمكن أن يقال
أن يكون خبر ليس («طاف بالبيت)) على قول عياض والسهيلى. قال العينى: خبر ليس على وجه نصب سنة على قول
عياض والسهيلى قوله ((طاف بالبيت)) وهو أيضا سد مسد جواب الشرط. قال الطبرى قوله ((حسبكم سنة نبيكم، فيه
إشعار بالتسوية بين حصر العدو والمرض، فإن معنى قوله حسبكم سنة نبيكم أى فى جواز التحلل بهذا العذر دون اشتراط
وأشار ابن عمر بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتى به ابن عباس من جواز الاشتراط ، قال البيهقى: أو بلغ ابن عمر
حديث ضباعة فى الاشتراط لقال به، وسيأتى الكلام فى مسألة الاشتراط مفصلا إن شاء اللّه (إن حبس) بصيغة المجهول
أى منع (أحدكم عن الحج) أى عن ركنه الأعظم وهو الوقوف بعرفة (طاف بالبيت) أى إذا أمكنه ذلك، فقد وقع فى
رواية عبد الرزاق («إن حبس أحدا منكم حابس عن البيت فإذا وصل إليه طاف به)) الحديث (وبالصفا والمروة) أى
طاف بهما ، أى سعى بينهما (ثم حل) أى بالحلق والذبح (من كل شئى) حرم عليه بالاحرام (حتى يحج عاما قابلا) عاما
ظرف وقابلا صفة (فيهدى) أى يذبح شاة، إذ التحلل لا يحصل إلا بنية التحلل والذبح والحلق، قاله الكرمانى (أو يصوم
إن لم يجد هديا) حيث شاء، واستدل بقوله ((حتى يحج عاما قابلا)) على وجوب الحج من القابل على من أحصر، وقد
اختلف العلماء فى أنه هل يجب على المحصر القضاء أم لاأوجب الحنفية القضاء ولم يوجب الشافعية والمالكية ، وعن
أحمد روايتان، قالوا فإن كان حج فرض بقى وجوبه على حاله ، قال ابن قدامة فى الشرح الكبير: فى وجوب القضاء
على المحصور روايتان، إحداهما لا قضاء عليه إلا أن يكون واجبا ، فيفعله بالوجوب السابق، هذا هو الصحيح من
المذهب وبه قال مالك والشافعى ، والثانية عليه القضاء روى ذلك عن عكرمة ومجاهد والشعبى، وبه قال أبو حنيفة،
لأنه مُ ◌ّ لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل وسميت عمرة القضية، ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه القضاء
كما لو فاته، ووجه الرواية الأولى أنه تطوع جاز التحلل منه، وأما الخبر فإن الذين صدوا كانوا ألفا وأربعمائة،
والذين اعتمروا مع النبي مَث كانوا يسيرا، ولم ينقل إلينا أن النبي ◌َّ أمر أحدا بالقضاء وأما تسميتها عمرة
القضية فإنما يعنى بها القضية التى اصطلحوا عليها، ولو أرادوا غير ذلك لقالوا: عمرة القضاء - انتهى. ويشير بذلك إلى
أن تسميتها بعمرة القضاء إنما كان من بعض الصحابة ومن أصحاب المغازى والسير لا من عامة الصحابة ، وأما ما ذكره
٤٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
بعض أصحاب المغازى أنه تمَّ أمر أصحابه حين رأوا هلال ذى القعدة أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التى صد عنها المشركون
بالحديبية وأن لا يتخلف أحد من شهد الحديبية فلم يتخلف أحد منهم إلا من استشهد منهم بخيير ومن مات وادعى
تواتر الأخبار بذلك، فهو مجرد دعوى فلا يلتفت إليها. قلت: واستدل لوجوب القضاء أيضا بقوله تعالى: ﴿وأتموا
الحج والعمرة لله) فإنه يقتضى وجوب الإتمام من غير فرق بين حج الفرض والنفل ولا يخفى ما فيه ،
وبحديث حجاج بن عمرو الأنصارى الآتى بدون التفريق بينهما، وبحديث عائشة إذا أمرها مو ئيل برفض العمرة ثم
اعمرها من التنعيم وقال: هذه مكان عمرتك. وقد تقدم الجواب عن حديث الحجاج بن عمرو فى كلام الشنقيطى
المذكور فى أول الباب، وسيأتى أيضا عند شرحه، وأما حديث عائشة فقد سبق الكلام فيه مفصلا فى باب قصة حجة
الوداع فراجعه، واستدل أيضا بقوله ((فيهدى)) على وجوب الهدى على المحصر فى الحج. قال الشوكانى: ولكن
الاحصار الذى وقع فى عهد النبي مَثّ إنما وقع فى العمرة فقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الالتحاق بنفى الفارق،
وإلى وجوب الهدى ذهب الجمهور، وهو ظاهر الأحاديث الثابتة عنه ◌َيثير أنه فعل ذلك فى الحديبية ، ويدل عليه قوله
تعالى: ﴿فإن أحصر تم فما استيسر من الهدى﴾ وذكر الشافعى أنه لا خلاف فى ذلك فى تفسير الآية، وخالف فى
ذلك مالك فقال: إنه لا يجب الهدى على المحصر، وعول على قياس الاحصار على الخروج من الصوم للعذر والتمسك
بمثل هذا القياس فى مقابل ما يخالفه من القرآن والسنة من الغرائب التى يتعجب من وقوع مثلها من أكابر العلماء -
انتهى كلام الشوكانى. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٥٦): وعلى من تحلل بالإحصار (فى الحج أو العمرة) الهدى
فى قول أكثر أهل العلم، وحكى عن مالك: ليس عليه هدى لأنه تحلل أبيح له من غير تفريط أشبه من أثم حجه،
وليس بصحيح لأن الله تعالى قال: ﴿فإن أحصر تم فما استيسر من الهدى) قال الشافعى: لا خلاف بين أهل التفسير
أن هذه الآية نزلت فى حصر الحديبية ولأنه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه فكان عليه الهدى كالذى فاته الحج، وبهذا
فارق من أتم حجه. قال: وإذا قدر المحصر على الهدى فليس له الحل قبل ذبحه ، فإن كان معه هدى قد ساقه أجزاء،
وإن لم يكن معه لزمه شراءه إن أمكنه - انتهى. وقال النووى فى مناسكه: يلزم المتحلل بالاحصار ذبح شاة
يفرقها حيث أحصر - انتهى. وفى شرح المنهاج: من أراد التحلل بالإحصار ذج وجوبا شاة أو سبع بدنة
أو بقرة حيث أحصر ولو فى الحل - انتهى. وقال فى الهداية: إذا أحصر المحرم فمنعه من المضى جاز له
التحلل، ويقال له ابعث شاة تذبح فى الحرم وواعد من تبعثه بيوم بعينه يذبح فيه ثم تحلل. وفى شرح اللباب: إذا
أحصر المحرم بحجة أو عمرة وأراد التحلل أى الخروج من إحرامه يجب عليه أن يبعث الهدى - إلى آخر ما بسطه.
وقال الباجى: أما تحلله للحصر فلا يوجب هديا عند مالك. وبه قال ابن القاسم. وقال أشهب: عليه الهدى، وبه
٤٣٩

مرقاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
رواه البخارى
٢٧٣٦ - (٥) وعن عائشة، قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير،
قال أبو حنيفة والشافعى. ودليلنا أنه تحلل مأذون عار عن التفريط وإدخال النقص فلم يجب عليه الهدى، ودليل ثان
يختص بالشافى أن هذه عبادة لها تحرم وتحلل ، فإذا سقط قضاؤها بالفوات يجب أن يسقط جبرانها. واحتج أشهب
ومن تابعه بقوله تعالى: ﴿فإن أحضرتم} الآية، وقال: هذا من أحصر بعدو. وقد خالف سائر أصحابنا أشهب فى هذا وقالوا:
الاحصار إنما هو إحصار المرض، وأما العدوفانما يقال فيه حصر حصرافهو محصور - إلى آخر ما بسط الكلام فى ذلك. وقال
الدسوقى فى شرح قول الدردير «إن منعه عدو أو فتنة بحج أو عمرة فله التحلل ولا دم عليه)): أى خلافا لأشهب حيث
قال بوجوبه واستدل بالآية، وأجيب بأن الهدى فى الآية لم يكن لأجل الحصر ، وإنما ساقه بعضهم تطوعا فأمروا بذبحه
فلا دليل فيها للوجوب - انتهى. وقد ظهر بهذا كله أنه يلزم الهدى فى الاحصار عند الحنابلة والشافعية والحنفية
خلافا لمانك وأصحابه غير أشهب، لكن لا يخفى أن وجوب الهدى عند الحنابلة مقيد بعدم اشتراط النحلل عند الإحرام.
فأما إذا اشترط التحلل فلا يلزمه الهدى سواء كان الإحصار بالعدو أو المرض كما يدل عليه كلام ابن قدامة فى المغنى
(ج ٣: ص ٢٨٢، ٣٦٤) ويجب الهدى عند الشافعية فى الإحصار بالعدو مطلقا، أى سواء اشترط أو لم يشترط، وأما
فى الاحصار بالمرض فلا يجب إلا إذا اشترط التحلل بالهدى، وأما إذا لم يشترط ذلك بأن سكت فى اشتراطه
عنه الهدى أو نفاه فلا يلزم كما فى شرح الإقناع، والقول الراجح عندنا هو ما ذهب إليه الحنابلة، والله أعلم
(رواه البخارى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٣٣) والترمذى والنسائى وعبد الرزاق والدار قطنى والبيهقى بعضهم
مختصراً وبعضهم مطولا.
٢٧٣٦ - قوله (دخل رسول اللّه مَّم على ضباعة) بضم الضاد المعجمة بعدها باء موجدة مخففة وبعد الألف
عين مهملة (بنت الزبير) ابن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبى معمرثية، تزوجها المقداد بن عمرو البهرانى حليف بنى
زهرة، يعرف بالمقداد بن الأسود لتبنيه له، فولدت له عبد الله وكريمة، فقتل عبد الله يوم الجمل مع عائشة، روت
ضباعة عن النبي ◌َّثم وعن زوجها المقداد، وعنها ابنتها كريمة بنت المقداد وابن عباس وعائشة وابن المسيب وعروة
ابن الزبير وغيرهم ، قال ابن عبد البر: لضباعة عن النبي مؤثّم أحاديث منها الاشتراط فى الحج، قال الزبير بن بكار:
لم يكن للزبير بن عبد المطلب عقب إلا من ضباعة وأختها أم الحكم، ودخوله مثل على ضباعة عيادة أو زيارة وصلة
فإنها قريبته كما تقدم، وفيه بيان تواضعه وصلته وتفقده وَّة، وهو محمول على أن الخلوة هناك كانت منتفيسة، فإنه
عليه الصلاة والسلام لم يكن يخلو بالأجنبيات ، وإن كان أو فعل ذلك لم يلزم منه مفسدة لعصمته، لكنهم لم يعدوا
٤٤٠