Indexed OCR Text
Pages 61-80
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
القدوم، وهو سنة لا شئى على تاركه ، وطواف الوداع، واجب ينوب عنه الدم إذا تركه، وبهذا قال أبو حنيفة
وأصحابه والثورى. وقال مالك: على تارك طواف القدوم دم، ولا شئ على تارك طواف الوداع، وحكى عن
الشافعى كقولنا فى طواف الوداع، وكقوله فى طواف القدوم - انتهى. وعد النووى فى مناسكه طواف القدوم
من السنن والوداع من الواجبات. وصرح الدردير بوجوب طواف القدوم، وصرح أتباع الأئمة الثلاثة فى
فروعهم أن القارن حكمه حكم المفرد خلافا للحنفية، فالقارن عند أتباع الثلاثة يطوف ثلاثة أطوفة كالمفرد، الأول
طواف القدوم ، والثانى طواف الإفاضة يوم النحر، لكنه عندهم للحج والعمرة كليهما فإنه دخل عمل العمرة فى عمل
الحج، والثالث طواف الصدر، وأما الحنفية فزادوا على ذلك طواف العمرة وقالوا: طواف الإفاضة هو الحج فقط
فصارت أطوفة القارن عندهم أربعة. قال فى الهداية فى بيان القارن: إذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط
يرمل فى الثلاث الأول منها ويسعى بعدها بين الصفا والمروة ، وهذه أفعال العمرة ثم يبدأ بأفعال الحج فيطوف طواف
القدوم ويسعى بعده كما بينا فى المفرد - انتهى. وقيل الأطوفة للقارن عند الحنفية أيضا ثلاثة كالمفرد لكن الطواف
الأول يوم الورود واللقاء هو للعمرة، وتداخل فيه طواف القدوم، والطواف الثانى أى يوم النحر هو للحج فقط. قال
الشيخ محمد أنور الكشميرى الحنفى: ويمكن أن يقال: إن الطواف الأول يوم القدوم كان للعمرة وتداخل فيه طواف
القدوم . وقال الشيخ ثناء الله الفانى فتى فى تفسيره: قلت: وذلك الطواف والسعى كان لعمرته وكفاه عن طواف القدوم
الحجه - انتهى. ولكون ظاهر حديث عائشة مخالفا للأحاديث الدالة على تعدد الطواف للمفرد والقارن احتاج الجميع
إلى توجيه وتأويله فقال السندى فى حاشيته على البخارى: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين الذين
طافهما السابقون على أحدهما إما الأول وإما الثانى، وليس الأمر كذلك بل هم أيضا طافوا الطوافين الأول والثانى
جميعا وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحا عن ابن عمر، ففى صحيح مسلم عنه «وبدأ رسول اللّه مَفيم فأهل
بالعمرة ثم أهل بالحج، إلى أن قال ((وطاف رسول الله مَّ حين قدم مكة)) إلى أن قال: ونحر هديه يوم النحر وأفاض
وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول اللّه مَثّم من أهدى وساق الهدى من الناس. ثم ذكر عن عائشة أنها أخبرت
يمثل ذلك، وسيجئى هذا الحديث فى البخارى أيضا فى باب سوق البدن ، فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوانا واحدا
والسابقون طفوا للركن طوافين، وقال أيضا: قوله «وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا)) أى
ما طافوا طواف الفرض إلا طوافا واحدا هو طواف الإفاضة ، والذى ط فوا أولا كان طواف القدوم الذى هو من
السنن لا من الفرائض بخلاف الذين حلوا فإنهم طافوا أولا فرض العمرة ثم فرض الحج فطافوا طوافين للفرض ،
ولم يرد أن الذين جمعوا ما طافوا أولا حين القدوم أو ما طافوا آخرا بعد الرجوع من منى كما يفيده ظاهر الكلام
٦١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
كيف والنبي ◌َّ كان من الذين جمعوا على التحقيق وعلى مقتضى هذا الحديث ، لأنه كان معه الهدى ألبتة، وقد ثبت
أنه طاف أولا حين قدم وطاف ثانيا طواف الإفاضة حين رجع من منى ، بل لعله ما ثبت أن أحدا ترك الطواف عند
القدوم ولا طواف الإفاضة ، فلا فرق بين الطائفتين إلا بصفة الافتراض، فطواف من حل كان مرتين فرضا وطواف
من لم يحل كان مرة فرضا ، والله تعالى أعلم ، والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين والثانية طافوا لهما
واحدا - انتهى. وقال الباجى: قولها «أما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوانا واحدا، تريد.
- والله أعلم - أحد وجهين: أما أنهم لم يطوفواغير طواف واحد الورود وطواف واحد للإفاضة إن كانوا قرنوا قبل
دخول مكة وإن كانوا أردفوافلم يطوفوا غير طواف واحد وهو طواف الإفاضة ، ويحتمل أن يريد بذلك أنهم سعوا
لهما سعيا واحدا والسعى يسمى طوافا. والوجه الثانى: أن طوافهم كان على صفة واحدة لم يزد القارن فيه على طواف
المفرد ، وذلك أن القارن لم يفرد العمرة بطواف وسعى بل طاف لهما كما طاف المفرد للحج، وهذا نص فى صحة ما
ذهب إليه مالك ومن وافقه فى أن حكم القارن فى ذلك حكم المفرد - انتهى. ثم قال: وهؤلاء جمعوا الحج والعمرة لا
يخلو أن يكونوا أهلوا بهما جميعا أو أردفوا الحج على العمرة إذا أمرهم التي تَّ بذلك، فإن كانوا من أهل بهما فقد
طافوا لهما طواف الورود، وسعوا بأثره، ثم طافوا لهما بعد ذلك طواف الإفاضة ولم يسعوا بعده. وأما من
أردف الحج على العمرة فإن كان أردفه قبل الوصول إلى مكة فحكمه حكم من أهل بهما وقد تقدم حكمه. وأما من
أردفه بعد الوصول إلى مكة وقبل التلبس بالطواف فإنه لا يطوف بالبيت ولا يسعى بين الصفا والمروة حتى يرجع من
منى لأنه محرم بالحج من مكة ، ومن أحرم بالحج من مكة فليس عليه طواف ورود، فهذا المردف لما أحرم بالحج من
مکه لا تأثير لما تقدم من عمرته فى الورود ولا فی غیر ذلك من الأفعال غیر وجوب الدم القران ۔ انتهى. وقال ابن
قدامة ما محصله: أن المراد الطواف الواحد للزيارة بعد الرجوع عن منى بخلاف المتمتع فإنه يطوف عند أحمد إذ ذاك
طوافين: طواف القدوم وطواف الزيارة، لأن المتمتع لم يأت بطواف القدوم قبل ذلك، والطواف الذى طافه قبل
الخروج إلى منى كان للعمرة، وعلى هذا معنى قولها «طوافا واحدا)) أى يوم النحر للزيارة فقط لا للقدوم طوانا آخركا
يفعله المتمتع عند الحنابلة، وقد تقدم كلام ابن قدامة بتمامه. وأجاب الحنفية عن حديث الباب وأولوه بوجوه،
فقال بعضهم إن المراد بقوله ((طوافا واحدا) أى طاف لكل واحد منهما طوانا يشبه الطواف الذى للآخر - انتهى.
ولا يخفى ما فى هذا التأويل من التعسف ، وقال الطحاوى: إن عائشة أرادت بقولها «وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة
فإنما طافوا لهما طوان واحدا، يعنى الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج، لأن حجتهم كانت مكية، والحجة المكية لا يطاف
لها إلا بعد عرفة. قال: والمراد بقولها ((جمعوا بين الحج والعمرة، جمع متعة لا جمع قران - انتهى. قال الحافظ
٦٢
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
بعد ذكره: وإنى لكثير التعجب منه فى هذا الموضع كيف ساغ له هذا التأويل ، وحديث عائشة مفصل للحالتين فإنها
صرحت بفعل من تمتع ثم من قرن حيث قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى.
نهؤلاء أهل التمتع، ثم قالت: وأما الذين جمعوا، إلخ. فهؤلاء أهل القرآن وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح - انتهى.
وقال بعضهم إن مقصود عائشة بهذا الحديث ليس بيان وحدة الطواف وتعدده بل المراد بيان أنهم طافوا للتحلل عن
الحج والعمرة طوافا واحدا يعنى أن القارن يكون مهلا بإحرامين والطواف يكون محلا للإحرام فكان مقتضاه أن يكون
المحل طوافين للإحرامين كما وقع للتمتعين لكن القارن يكفى له للتحلل عن الإحرامين طواف واحد. وهذا التأويل
أيضا بعيد جدا ، لا يخفى بعده وتعسفه على المنصف، واختار ابن القيم وجها آخر فقال: الصواب أن الطواف الذى
أخبرت به عائشة وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة لا الطواف بالبيت فأخبرت عن القارنين
أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما لم يضيفوا إليه طوافا آخر يوم النحر وهذا هو الحق ، وأخبرت عن المتمتعين أنهم
طافوا بينهما طوانا آخر بعد الرجوع من منى للحج وذلك الأول كان للعمرة وهذا قول الجمهور ، وتنزيل الحديث على هذا
موافق لحديثها الآخر، وهو قول النبي وتَوَتَّى ((يسعك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك)، وكانت قارنة ،
ويوافق قول الجمهور ولكن يشكل عليه حديث جابر الذى رواه مسلم فى صحيحه (لم يطف النبي تزيثٍ ولا أصحابه بين
الصفا والمروة إلا طوانا واحدا طوافه الأول، هذا يوافق قول من يقول يكفى المتمتع سعى واحد كما هو إحدى الروايتين
عن أحمد نص عليها فى رواية ابنه عبدالله وغيره، وعلى هذا فيقال عائشة أثبتت وجابر نفى ، والمثبت مقدم على النافى،
أو يقال مراد جابر من قرن من أصحابه مع النی ◌ُٹے وساق الهدی کابى بكر وعمر وطلحة وعلى رضی الله عنهم وذوى
اليسار، فإنهم إنما سعوا سعيا واحدا، وليس المراد به عموم الصحابة، أو يعلل حديث عائشة بأن تلك الزيادة فيه مدرجة
من قول هشام، وهذه ثلاث طرق للناس فى حديثها، والله أعلم - انتهى كلام ابن القيم. قلت: والطريق الأخير
ضعيف جدا بل باطل لأنه ليس فى طريق حديث عائشة هذا هشام فإنه من رواية مالك عن ابن شهاب عن عروة بن
الزير عنها، فهذا إسناد غاية فى الصحة ، فمن الخطأ والادراج؟ ويؤيده أن له طريقا أخرى عنها فى الموطأ فى باب
دخول الحائض مكة ((عن عبد الرحمن بن القاسم عن أيه عنها، وهذا سند صحيح كالجبل ثبوتا. وسيجئى الكلام فى مسئلة
السعى بين الصفا والمروة التمتع بعد الرجوع من منى للحج. والراجح عندى فى معنى الحديث هو ما قال السندى ومن
وافقه، وهو المعروف فى توضيح الحديث وتوجيهه عند القائلين بوحدة الطواف للقارن، وما اختاره أبن القيم وجيه
أيضا عندى وسيأتى إيضاحه، واعلم أنه اختلف العلماء فى طواف القارن والمتمتع إلى ثلاثة مذاهب، الأول: أن على
القارن طوانا واحدا وسعيا واحدا وأن ذلك يكفيه لحجه وعمرته، وأن على المتمتع طوافين وسعين، وهذا مذهب
٦٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
جمهور العلماء، منهم مالك والشافعى وأحمد فى أصح الروايتين. الثانى: أن على كل واحد منهما سعيين وطوافين
وهذا مذهب أبى حنيفة. الثالث: أنهما معا يكفيهما طواف واحد وسعى واحد ، وهو مروى عن الامام أحمد كما
تقدم فى كلام ابن القيم، أما الجمهور المفرقون بين القارن والمتمتع القائلون بأن القارن يكفى لحجه وعمرته طواف زيارة
واحد وهو طواف الإفاضة، وسعى واحد ، فاحتجوا بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها، منها حديث
عائشة الذى نحن فى شرحه، فإن قولها «وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحداء نص صريح دال على
اكتفاء القارن بطواف واحد لحجه وعمرته، وقال ابن القيم: إن المراد بالطواف فى حديث عائشة هذا هو الطواف
بين الصفا والمروة، وله وجه من النظر كما سيأتى، وقد أجاب الحنفية عن هذا الحديث بوجوه، منها أن روايات
عائشة فى حجتها وحجته مؤقتة مضطربة. قال العينى: أحاديث عائشة فى هذا الباب مضطربة جدا لا يتم بها الاستدلال
لأحد من الخصوم، ثم ذكر بعض الاختلاف، قالوا: فيشكل على حديثها المدار فى مثل هذه المسألة ، قلت : حديث عائشة
هذا صحيح ثابت اتفق عليه الشيخان، وهو نص فى المسألة، وقد تقدم وجه الجمع بين ما يتوهم من الاختلاف فى بعض
رواياتها فرده بإدعاء الاضطراب فيه أمر قبيح جدا، ومنها ما تقدم عن الطحاوى، وقد تقدم الجواب عنه فى كلام الحافظ.
ومن الأحاديث التى استدل بها الجمهور ما رواه مسلم فى صحيحه من طريق طاوس عن عائشة أنها أهلت بعمرة
فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبي مؤ ثّم: يسعك طوافك لحجك
وعمرتك - الحديث. ففى هذا الحديث الصحيح التصريح بأنها كانت محرمة أولا بالعمرة ومنعها الحيض من الطواف
فلم يمكنها أن تحل بعمرة فأهلت بالحج مع عمرتها الأولى فصارت قارنة، ومع كونها قارنة صرح بأنها يكفيها لهما طواف
واحد. وروى مسلم أيضا من طريق مجاهد عن عائشة أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة فقال لها رسول اللّه توقيع:
يجزئ عنك طوانك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك - انتهى. وهذا الحديث الصحيح صريح فى أن القارن يكفيه لحجه
وعمرته طواف واحدوسعى واحد، ومنها حديث ابن عمر عند الشيخين ، روى البخارى من طريق أيوب عن نافع
أن ابن عمر دخل ابنه عبيد الله بن عبد الله وظهره فى الدار فقال: إنى لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فيصدوك
عن البيت فلو أقمت ، فقال: قد خرج رسول اللّه تَّى فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بينى وبينه أفعل كما
فعل رسول الله مريضة (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة - ٣٣: ٢١ ) ثم قال: أشهدكم أنى أوجبت مع عمرتى
حجا. قال: ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا - انتهى. وفيه دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد لحجه وعمرته
وأجاب بعض الحنفية عنه بأنه ليس بصريح فىاكتفاء القارن بطواف واحد فإنه يحتمل أن يكون المراد بقوله «طوانا
واحدا، أى طاف لكل منهما طوافا يشبه الطواف الذى للآخر، وكذا أولوا رواية عائشة المتقدمة كما سبق وفيه أنه يرفع
مے
٠
٦٤
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
هذا الاحتمال قوله فى الرواية الآتية (ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، وتأوله بعضهم بأن
المراد أنه طاف للقدوم طوافا واحدا يعنى أنه اكتفى قبل النحر بطوافه للقدوم فى العمرة وكان هذا الطواف فى الأصل
للعمرة وتداخل فيه طواف القدوم فلم يعده، ثم طاف يوم النحر طوافا للحج، وتأوله بعضهم بأن المراد أنه طاف
طوافا واحدا للحل منهما جميعا حيث لم يتحلل بعد أفعال العمرة يعنى أنه طاف للاحلال منهما طوافا واحدا وهو طواف
الإفاضة ، ولا يخفى ما فى هذين التأويلين من التكلف والتعسف. وروى البخارى من طريق الليث عن نافع أن ابن
عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال وإنا تخاف أن يصدوك، فقال ﴿لقد
كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة) إذا أصنع كما صنع رسول الله مرثية، إنى أشهدكم أنى قد أوجبت عمرة، ثم
خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال ما شأن الحج والعمرة إلا واحد أشهدكم أنى قد أوجبت حجا مع عمرتى وأهدى
هديا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك فلم ينحر ولم يحل من شئى حرم منه ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر
وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوانه الأول. وقال ابن عمر: کذلك فعل رسول الله ڑێے ـ انتهى.
وفى هذه الرواية التصريح من ابن عمر با كتفاء القارن بطواف واحد، وأن النبي مَّ كذلك فعل. قال الكرمانى فى
شرح هذا الحديث: يعنى أنه لم يكرر الطواف للقران بل اكتفى بطواف واحد. وقال الحافظ: قوله ((بطوافه الأول))
أى الذى طافه يوم النحر للإفاضة - انتهى. وقال السندى فى حاشيته على البخارى: قوله ((بطوافه الأول)) أى بأول
طواف طافه بعد النحر والحلق فإنه هو ركن الحج عندهم لا الذى طافه حين القدوم، وإن كان هو المتبادر من اللفظ
فإنه للقدوم وليس بر كن للحج، والله تعالى أعلم، وأجاب عنه بعض الحنفية بأن المراد به طواف القدوم كما هو المتبادر،
وأن هذا الطواف الواحد أجزأ عن طواف القدوم للحج وطواف العمرة جميعا، ثم طاف طواف الإفاضة يوم النحر
ولم يذكره فى الرواية وهو مراد ألبتة وإن تركه الراوى. قالوا: ويدل عليه قوله ((وكذلك فعل رسول الله مزێے،
ورسول اللّه ◌َف فعل كذلك حيث طاف يوم القدوم، وأجزأ ذلك الطواف الأول عن القدوم والعمرة جميعا ثم
طاف يوم النحر ، وفيه أنه يلزم على هذا التأويل أن ابن عمر أو من دونه قد أخل بذكر طواف الزيارة الذى هو
وكن الحج لا يتم الحج إلا به، وذكر ما يستغنى عنه، وفيه أيضا أنه قد ثبت عنه طواف الإفاضة فى رواية سالم عنه عند
الشيخين حيث قال «بدأ رسول اللّه مَّ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، إلى أن قال ((وطاف رسول اللّه مَ للَّه حين قدم
مکه، إلى أن قال «ونحر هدیه يوم النحر وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله مؤ لم من أهدى وساق الهدى من
الناس، ثم ذكر عن عائشة أنها أخبرت بمثل ذلك. قلت: واستدل بظاهر حديث لمالك فيما ذهب إليه من إجراء طواف
القدوم عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلا أو نسيه. قال الحافظ: وتوهم بعضهم أنه أراد طواف القدوم. وقال ابن
٦٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
عبد البر: فيه حجة لمالك فى قوله ((إن طواف القدوم إذا وصل بالسعى يجزئى عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلا أو
فسيه حتى رجع إلى بلده وعليه الهدى، قال: ولا أعلم أحدا قال به غيره وغير أصحابه، وتعقب بأنه إن حمل قوله ((طوافه
الأول، على طواف القدوم وأنه أجزأ عن طواف الإفاضة كان ذلك دالا على الاجزاء مطلقا ولو تعمده ، لا بقيد
الجهل والنسيان - انتهى. قلت: حمله على طواف القدوم والقول بسقوط طواف الإفاضة فى تلك الصورة أو مطلقا
باطل بلا شك، لأن النبي ◌َّ لم يكتف بطوافه الذى طاف يوم دخل مكة بل طاف يوم النحر طواف الإفاضة الذى
هو ركن الحج بإجماع المسلمين ، وثبت ذلك ثبوتا قطعيا، وأما القول بأن ذلك الطواف الأول كان عن القدوم للحج
وطواف العمرة جميعا فادعاء محضر ليس عليه أثارة من على فلا يلتفت إليه ، وقال السندى فى حاشية البخارى بعد
ذكر التأويل الذى نقلنا عنها ما لفظه: ولا يخفى أن بعض روايات حديث ابن عمر يعد هذا التأويل ويقتضى أن الطواف
الذى يجزئ عنهما هو الذى حين القدوم، ففى رواية للبخارى «ثم قدم فطاف لهما طوانا واحدا، وسيجئى فى البخارى
فى باب من اشترى الهدى من الطريق بلفظ «ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا فلم يحل حتى حل منهما جميعا)، وسيجئى فى
باب الاحصار «وكان يقول أى ابن عمر: لا يحل حتى يطوف طوافا واحدا يوم يدخل مكة، وفى بعض روايات مسلم
((فخرج حتى إذا جاء البيت طاف به سبعا وبين الصفا والمروة سبعا لم يزد عليه ورأى أنه مجزئى عنه وأهدى، وفى أخرى
وثم طاف لهما طوانا واحدا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر، وفى رواية
أخرى «ثم انطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم
يحلق حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوانه الأول)) والنظر فى هذه
الروايات بعد ذلك التأويل، لكن القول بأنه ما كان يرى طواف الإفاضة مطلقا أو للقارن أيضا قول بعيد ، بل قد ثبت
عنه طواف الإفاضة فى صحيح مسلم كما ذكرنا فى القول السابق عنه، فإما أنه لا يرى طواف الإفاضة للقارن ركن الحج،
بل يرى أن الركن فى حقه هو الأول والإفاضة سنة أو نحوها وهذا لا يخلو عن بعد، أو أنه يرى دخول طواف العمرة
فى طواف القدوم للحج، ويرى أن طواف القدوم من سنن الحج الفرد إلا أن القارن يجزئه ذلك عن سنة القدوم للحج
وعن فرض العمرة وتكون الإفاضة عنده ركنا للحج فقط، هذا غاية ما ظهرلى فى التوفيق بين روايات حديث ابن عمر،
ولم أر أحداً تعرض لذلك مع البسط وجمع الطرق إلا ما قيل إن المراد بالطواف السعى بين الصفا والمروة ولا يخفى
بعده أيضاً فإن مطلق اسم الطواف ينصرف إلى طواف البيت سيما وهو مقتضى الروايات فلينظر بعده، والله تعالى
أعلم - انتهى. قلت: حمله على الطواف بين الصفا والمروة لا بعد فيه، بل هو الظاهر، ويؤيد ذلك حديث جابر عند
مسلم فلم يطف النبي ◌َّث ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوانا واحدا طوافه الأول)) - انتهى. قال الشنقيطى: الذى
٦٦
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
يظهرلى والله أعلم أن مراد ابن عمر فى قوله هورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول» هو الطواف
بين الصفا والمروة ، ويدل على ذلك أمران: الأول هو ما وقع فى بعض روايات مسلم ،ثم طاف لهما طوافا واحدا
بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم لم يحلل منهما حتى حل منهما بحجة)، (قال النووى: معناه حتى حل منهما يوم النحر بعمل
حجة مفردة) ومعلوم أن الحل بحجة لا يمكن بدون طواف الإفاضة ، أما السعى فى الحجة فيكفى فيه السعى الأول بعد
طواف القدوم فيتعين أن الطواف الأول الذى رأى إجراءه عن حجه وعمرته هو الطواف بين الصفا والمروة بدليل
الرواية الصحيحة بأنه لم يحل منهما إلا بحجة يوم النحر وحجة يوم النحر أعظم أركانها طواف الإفاضة فبدونه لا تسمى
حجة لأنه ركنها الأكبر المنصوص على الأمر به فى كتاب الله فى قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق - ٢٢: ٢٩)
الأمر الثانى هو أن ابن عمر قال: كذلك فعل رسول اللّه تَع، وفعل النبي مَثّم الثابت عنه فى الروايات الصحيحة أنه
اكتفى بسعيه بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم لحجه وعمرته وأنه بعد إفاضته من عرفات طاف طواف الإفاضة
يوم النحر على التحقيق فحديث ابن عمر هذا نص صحيح متفق عليه على أن القارن يعمل كعمل المفرد، وعلى هذا يحمل
الطواف الواحد فى حديث عائشة المتقدم فيفسر بأنه الطواف بين الصفا والمروة ، لأن القارن لا يسعى لحجه وعمرته
إلا مرة واحدة - انتهى كلام الشنقيطى، وأجاب بعض الحنفية عن رواية مسلم المذكورة فى كلام الشنقيطى بأنه يحتمل
أن هؤلاء الذين لم يطوفوا بين الصفا والمروة بعد طواف الإفاضة لأجل أنهم سعوا بينهما قبل الرواح إلى منى بأن يطوفوا
بالبيت نظواف النفل لأجل تقديم السعى جائز بعد أن يكون مسبوقا بطواف كطواف القدوم أو طواف النفل فكان
الغرض أنهم لم يعيدوا السعى مرة أخرى - انتهى. وفيه أنه لم يثبت عن النبي ◌َّم ولا عن أصحابه القارنين أنهم طافوا
طواف النفل وسعوا بعده بين الصفا والمروة قبل الرواح إلى منى، فحمله على ذلك بعيد جدا. قال الشيخ محمد أنور:
لم يثبت طواف النفل منه عليه صلوات الله وسلامه إلى العاشر، فعم ثبت بعد العاشر فى ليالى منى برواية قوية. وقال
بعضهم إن المراد فى حديث جابر المذكور أن السعى الواحد لنسك واحد كاف ، أى لا يحتاج إلى سعى آخر، وفيه أنه
يأبى هذا التأويل ألفاظ حديث جابر وحديث ابن عمر وعائشة كما لا يخفى ذلك على من أمعن النظر فيها، ومن
الأحاديث الصحيحة التى استدل بها للجمهور ما وقع فى حديث جابر عند مسلم من قوله مَ ثل ((دخلت العمرة فى الحج))
مرتين وتصريحه ◌َّثم بدخولها فيه يدل على دخول أعمالها فى أعماله حالة القران، قال الحافظ: دل هذا على أنها لا تحتاج
أى العمرة بعد أن دخلت فيه إلى عمل آخر غير عمله. واستدل للجمهور أيضا بما روى أحمد (ج ٢: ص ٦٧)
والترمذى وابن ماجه وسعيد بن منصور من حديث ابن عمر، واللفظ لأحمد قال: قال رسول اللّه مَّم ((من قرن بين
حجته وعمرته أجزأه لهما طواف واحد، ولفظ الترمذى ((من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد
منهما حتى يحل منهما جميعا، قال التر مذى: حديث حسن غريب صحيح. وأعله الطحاوى بأن عبد العزيز بن محمد
٦٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
الدراوردى (الراوى عن عبيد الله بن عمر) أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف ، وتمسك فى تخطته بما رواه أيوب
واللیث وموسى بن عقبة وغیر واحد عن نافع نحو سیاق ما تقدم من أن ذلك وقع لابن عمر ، وأنه قال إن التى ڑٹ
فعل ذلك لا أنه روی هذا اللفظ عن النبى {ٹے ۔ انتهى. قال الحافظ : وهو تعلیل مردود ، فالدراوردى صدوق ولیس
ما رواه مخالفا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين - انتهى. والحديث صححه
الترمذى كما تقدم ثم أعله بنحو ما أعله به الطحاوى حيث قال: تفرد به الدراوردى على ذلك اللفظ ، وقد رواه غير
واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه وهو أصح ـ انتهى. قلت: وهكذا أعله ابن عبد البر فى الاستذكار كما ذكره العينى.
والجواب عن ذلك كله أن حديث ابن عمر الذى قدمناه عن البخارى ليس بموقوف، لأن ابن عمر لما طاف لهما طوافا
واحدا أخبر بأن النبي ◌َّ فعل كذلك، وهذا عين الرفع فلا وقف ألبتة ، ولا يبعد أن يكون قول ابن عمر «هكذا فعل
رسول الله ◌ُبّ، أى أمر من كان قارنا أن يقتصر على طواف واحد، واستدل لهم أيضا بما رواه الترمذى والنسائى
عن جابر أن رسول اللّه مَبل قرن الحج والعمرة فطاف لها طوافا واحدا. قال الترمذى: هذا حديث حسن، وفيه
الحجاج بن أرطاة. واستدل لهم أيضا بما روى عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن سلمة بن كهيل قال: حلف طاوس
ما طاف أحد من أصحاب رسول الله تع لحجه وعمرته إلا طوافا واحدا. قال الحافظ: هذا إسناد صحيح، وفيه بيان
ضعف ما روى عن على وابن مسعود من ذلك. وقد روى آل بيت على عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن محمد
الصادق عن أبيه أنه كان يحفظ عن على ((للقارن طواف واحد، خلاف ما يقول أهل العراق. ومما يضعف ما
روى عن على من ذلك أن أمثل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الاهلال
بالحج أن يدخل عليه العمرة، وأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. والذين احتجوا بحديثه لا يقولون بامتناع
إدخال العمرة على الحج، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلت عليه، وإلا فلا حجة فيها - انتهى
كلام الحافظ . وفى الباب أيضا عن ابن عباس عند ابن ماجه والدار قطنى بنحو حديث جابر عند مسلم وعن أبي قتادة
وأبى سعيد عند الدار قطنى أيضا بإسناد ضعيف وقد ثبت بما ذكرنا من الأحاديث والآثار الفرق بين القران والتمتع،
وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد لعمرته وحجته كفعل المفرد. أما أدلة الجمهور على أن المتمتع لابد له
من طوافين وسعيين: طواف وسعى لعمرته وطواف وسعى لحجه فمنها ما رواه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس أنه
سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ◌ٍُّ فى حجة الوداع وأهلنا ، فلما قدمنا مكة قال
رسول الله تَبي: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدى، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا
الثياب، وقال: من قلد الهدى فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدى معله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من
٦٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدى-الحديث، وأخرجه أيضا الاسماعيلى فى مستخرجه،
ومن طريقه البيهقى فى سننه (ج ٥: ص ٢٣) وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح، وهو صريح فى سعى المنمتع مرتين
ومنها حديث عائشة المتقدم فإن قولها «فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم
طافوا طوانا (آخر) بعد أن رجعوا من منى (لحجهم) وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوانا واحدا، يدل
على الفرق بين القارن والمتمتع ، وأن القارن يفعل كفعل المفرد والمتمتع يطوف لعمرته ويطوف لحجه ، وقال بعض
أهل العلم قول عائشة عن الذين أهلوا بالعمرة ((ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، نعنى به الطواف بين
الصفا والمروة على أصح الأقوال فى تفسير هذا الحديث. وأما قول من قال إنها أرادت بذلك طواف الإفاضة فليس
بصحيح لأن طواف الإفاضة ركن فى حق الجميع وقد فعلوه، وإنما المراد بذلك ما يخص المتمتع وهو الطواف بين الصفا
والمروة مرة ثانية بعد الرجوع من منى. وأما من قال إن المتمتع كالقارن یکفیه طواف واحد وسعى واحد وهو
رواية عن الإمام أحمد فقد استدل بما رواه مسلم فى صحيحه عن جابر أن النبي مَثّه وأصحابه لم يطوفوا بين الصفا
والمروة إلا طوافا واحدا طوانهم الأول. قالوا: فهذا نص صحيح صرح فيه جابر بأن النبي، و ئه لم يطف هو ولا أصحابه
إلا طوافا واحدا ، ومعلوم أن أصحابه فيهم القارن ، وهو من كان معه الهدى، وفيهم المتمتع ، وهو من لم يكن معه هدى ،
وإذا ففى هذا الحديث الصحيح الدليل على استواء القارن والمتمتع فى لزوم طواف واحد وسعى واحد، وأجاب
المخالفون عن هذا بأجوبة، الأول: هو أن الجمع واجب إن أمكن، قالوا: وهو ههنا ممكن بحمل حديث جابر هذا على
أن المراد بأصحاب النبي ◌َّ الذين لم يطوفوا إلا طوافا واحدا للعمرة والحج خصوص القارنين منهم كالنبي مَّل ، وهم
الذين ساقوا الهدى فإنهم بقوا على إحرامهم مع النبي تَث حتى حلوا من الحج والعمرة جميعا، والقارن بين الحج
والعمرة ليس عليه إلا سعى واحد كما دل عليه حديث جابر وغيره من الأحاديث الصحيحة وإن حمل حديث جابر على
هذا كان موافقا لحديث عائشة وحديث ابن عباس المتقدمين وبذلك يزول التعارض ويحصل العمل بالأحاديث كلها .
الجواب الثانى: أنا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا فى حديث جابر مع حديث عائشة وحديث ابن عباس كما جاء فى
ما رواه مسلم من طريق زهير عن أبى الزبير عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله مَثّل مهلين بالحج معنا النساء والولدان
فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول الله مز يل: من لم يكن معه هدى فظيحلل. قال، قلنا: أى
الحل؟ قال: الحل كله. قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا
الطواف الأول بين الصفا والمروة - الحديث. ولفظ جابر فى هذه الرواية لا يمكن حمله على القارنين بحال، لأنه صرح
بأنهم حلوا الحل كله وأتوا النساء، ولبسوا الثياب، ومسوا الطيب، وأنهم أهلوا يوم التروية بحج، ومع هذا كله صرح
٦٩
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
بأنهم ڪفاهم طوافهم الأول بين الصفا والمروة. ويؤيده ما وقع فى حديث جابر عند أحمد (ج ٣: ص ٣٦٢)
والطحاوى وأبى داود فى باب الافراد قال: قدم رسول اللّه مَثّم وأصحابه لأربع خلون من ذى الحجة فلما طاذوا بالبيت
وبالصفا والمروة قال رسول اللّه مؤثّم: اجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدى، فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج ظا
كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة - انتهى. فإن حديث جابر ينفى طواف المتمتع بعد
رجوعه من منى، وحديث عائشة وحديث ابن عباس يثبتانه، وقد تقرر فى علم الأصول ومصطلح الحديث أن المثبت مقدم على
النافى فيجب تقديم حديث ابن عباس وعائشة بأنهما مثبتان على حديث جابر النافى. الجواب الثالث: أن عدم طواف
المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت فى صحيح مسلم رواه جابر وحده، وطوانه بعد رجوعه من منى رواه فى صحيح البخارى
وغيره ابن عباس وعائشة، وما رواه اثنان أرجح ما رواه واحد. وأما من قالوا: إن القارن والمتمتع يلزم كل واحد
منهما طوافان وسعيان، طواف وسعى للعمرة وطواف وسعى للحج كأبى حنيفة ومن وافقه فقد استدلوا لذلك بأحاديث،
فمنها حديث الصبى بن معبد التغلي عند أبى حنيفة فى مسنده رواه عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعى عن الصبي بن
معبد قال: أقبلت من الجزيرة حاجا، إلى أن قال ((فأحببت أن أجمع عمرة إلى حجة فأهللت بهما جميعا ولم أنس، وفيه
((مضيت فطفت طوافا لعمرتى وسعيت سعيا لعمرتى ثم عدت ففعلت مثل ذلك، ثم بقيت حراما أصنع كما يصنع الحاج)).
وفى طريق آخر « كنت حديث عهد بنصرانية فقدمت الكوفة أريد الحج فى زمان عمر بن الخطاب)) وفيه ((١) قدم الصبى
مكة طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة لعمرته ثم رجع حراما لم يحل من شئى ثم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة
لحجته، وفيه «فضرب عمر على ظهره وقال هديت لسنة نبيك مثيل، وقال ابن حزم فى المحلى (ج ٧: ص ١٧٥): روينا
من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم النخعى أن الصبي بن معبد التغلبى قرن بين العمرة والحج
فطاف طوافين وسعى سعيين ولم يحل بينهما وأهدى وأخبر بذلك عمر بن الخطاب فقال هديت لسنة نيك ێے،
وأجيب عن ذلك بأن إبراهيم النخعى لم يدرك الصبي ولا سمع منه ولا أدرك عمر فهو منقطع، وقد رواه الثقات
مجاهد ومنصور عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن الصبى فلم يذكروا فيه طوانا ولا طوافين ولا سعيا ولا سعيين أصلا،
وإنما فيه أنه قرن بين الحج والعمرة فقط، قاله ابن حزم فى المحلى. قلت: رواه أبو داود والنسائى عن منصور، وابن ماجه
عن الأعمش كلاهما عن أبى وائل عن الصبى بن معبد قال: أهلات بهما معا، فقال عمر: هديت لسنة نيك - انتهى.
و کذا رواه مختصرا أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسی فی مسانيدهم و ابن أبى شيبة فى مصنفه وابن حبان فى
صحيحه والدار قطنى فى العلل. فرواية النخفى عن الصبى بن معبد لا يصح الاحتجاج بها لكونها منقطعة، ومنها حديث
على أخرجه النسائى فى سننه الكبرى فى مسند على من طريق حماد بن عبد الرحمن الأنصارى عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية
٧٠
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
قال: طفت مع أبى وقد جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعبين، وحدثنى أن عليافعل ذلك، وقد حدثه
أن رسول اقه رت} فعل ذلك، ذكره الزيلعى ثم قال: قال صاحب التقيح: وحماد هذا ضعفه الأزدی، وذكره ابن حبان
فى الثقات، قال بعض الحفاظ: هو مجهول، والحديث من أجله لا يصح - انتهى. وقال الحافظ فى الدراية: رواته
موثقون وأخرجه محمد بن الحسن من قول على موقوفا بلفظ الأمر، وفى إسناده راو مجهول - انتهى. ولحديث على
إسناد آخر أخرجه الدار قطنى (ص ٢٧٣) من طريق الحسن بن عمارة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن على، قال رأيت النبي
وَيَح قرن وطاف طوافين وسعى سعيين - انتهى. والحسن بن عمارة ضعيف بإجماع منهم قاله السهيلى. وقال أبو حاتم ومسلم
والنسائى والدار قطنى وأحمد ويعقوب بن شيبة متروك الحديث. وقال الجوزجاني: ساقط ، وقال الساجى: ضعيف
متروك أجمع أهل الحديث على ترك حديثه. وقال ابن معين: لا یکتب حديثه، وقال مرة ضعيف ، وقال مرة : ليس
حديثه بشئ. وقال عمرو بن على: هو رجل صالح صندوق كثير الوهم والخطأ متروك الحديث. وقال عبد الله بن
المدنى عن أبيه: ما احتاج إلى شعبة فيه، أمره أبين من ذلك. قيل له: كان يغاط؟ فقال أى شئى كان يغلط ؟ كان
يضع. وقد أطال العقيلى فى تضعيف الحسن بن عمارة فى كتاب الضعفاء كما فى نصب الراية. وأخرجه الدار قطنى أيضا
عن حفص بن أبى داود عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن على بنحوه، قال: وحفصِ هذا تُضعيف
وابن أبى ليلی ردی الحفظ کثیر الوهم. وأخرجه أيضا عن عیسی بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علی حدثنى أبى عن
أبيه عن جده عن على أن النبي ◌َّ كان قارنا فطاف طوافين وسعى سعيين - انتهى. قال: وعيسى بن عبد الله يقال له
مبارك وهو متروك الحديث، ذكره الزيلمى (ج ٣: ص ١١٠) وسكت عنه، ومنها حديث ابن عمر أخرجه
الدار قطنى (ص ٢٧١) من طريق الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عمر أنه جمع بين عمرة وحج فطاف لهما طوافين
وسعی سعیین، وقال: هكذا رأيت رسول اللّه مَّ صنع كما صنعت - انتهى. قال الدار قطنى بعد ذكر حديث ابن عمر
هذا، وحديث على المتقدم من طريق الحسن بن عمارة : لم يروهما غير الحسن بن عمارة وهو متروك ثم هو قد روىعن
أبن عباس ضد هذا ثم أخرجه عن الحسن بن عمارة عن سلمة بن كهيل عن طاوس، قال سمعت ابن عباس يقول: لا واللهما
طاف لهما رسول اللّه رَّح إلا طواها واحدا فهاتوا من هذا الذى يحدث أن رسول الله مرثية طاف لهما طوافين - انتهى
ومنها حديث ابن مسعود أخرجه الدار قطنى من طريق أبي بردة عمرو بن يزيد عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن
عبد الله قال طاف رسول اللّه مزثم لعمرته وحجه طوافين وسعى سعيين وأبو بكر وعمر وعلى وابن مسعود. قال
الدار قطنى: وأبو بردة متروك، ومن دونه فى الاستاد ضعفاء - انتهى. وقال الحافظ فى الدراية: وفيه أبو بردة عمرو
ابن يزيد أحد الضعفاء، ورواه عن حمادبن أبي سليمان، ومنها حديث عمران بن حصين أخرجه الدار قطنى أيضا من طريق
٧١
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
محمد بن يحى الأزدى ثنا عبد الله بن داود عن شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف عن عمران بن حصين ، أن النبي
وَّ طاف طوافين وسعى سعيين - انتهى. قال الدار قطنى: يقال إن محمد بن يحى حدث بهذا من حفظه فوهم فى مته،
والصواب بهذا الإسناد أن النبي ◌َ ◌ّ قرن الحج والعمرة، وليس فيه ذكر الطواف ولا السعى، ويقال إنه رجع عن ذكر الطواف
والسعى وحدث به على الصواب كما حدثنا به محمد بن إبراهيم بن فيروز حدثنا محمد بن يحمى الأزدى به أن النبي ( ێے قرن- انتهى.
قال: وقد خالفه غيره فلم يذكر فيه الطواف ولا السعى كما حدثنا به أحمد بن عبد الله بن محمد الوكيل ومحمد بن مخلد، قالا حدثنا القاسم
ابن محمد بن عباد المهلبى ثنا عبد الله بن داود عن شعبة بهذا الإسناد أن النبى مؤتم قرن -انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أن جميع الأحاديث
الدالة على طوافين وسعيين للقارن ليس فيها حديث قائم كما رأيت، وقال الحافظ فى الفتح: واحتج الحنفية بما روى عن على أنه
جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللّه مَّمه فعل، وطرقه عن
على عند عبد الرزاق والدار قطنى وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج
من حديث ابن عمر نحو ذلك. وفيه الحسن بن عمارة وهو متروك والمخرج فى الصحيحين ، وفى السنن عنه من طرق كثيرة
الاكتفاء بطواف واحد. وقال البيهقى: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم وطواف الإفاضة، وأما
السعى مرتين فلم يثبت وقال ابن حزم: لا يصح عن النبي مُؤثّ ولا عن أحد من أصحابه شتى فى ذلك أصلا. قال الحافظ:
لكن روى الطحاوى وغيره مرفوعا عن على وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت ، ولم أر فى الباب أصح
من حديث ابن عمر وعائشة المذكورين فى هذا الباب - انتهى. وقال ابن القيم: وأما من قال إنه حج قارنا قرانا طاف له
طوافين وسعى سعيين كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدار قطنى من حديث مجاهد عن ابن عمر وعن
على بن أبى طالب وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود وعن عمران بن حصين فذكر ألفاظ أحاديث هؤلاء الصحابة ثم
قال: وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة بل لا يصح منها حرف واحد، أما حديث ابن عمر فقيه
الحسن بن عمارة. وقال الدارقطنى: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث. وأما حديث على
فنى أحد سنديه حفص بن أبي داود. وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خراش : هو كذاب
يضع الحديث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ضعيف ، وفى السند الثانى عيسى بن عبد الله، ويقال له مبارك.
قال الدار قطنى : هو متروك الحديث. وأما حديث علقمة عن عبد الله غیرویه أپو پردة عمرو بن يزيد عن حماد عن
إبراهيم عن علقمة. قال الدارقطنى: وأبو بردة ضعيف ومن دونه فى الإسناد ضعفاء - انتهى. وفيه عبد العزيز بن
أبان ، قال يحيى: هو كذاب خبيث. وقال الرازى والنسائى: متروك الحديث، وأما حديث عمران بن حصين فهو
مما غلط فيه محمد بن يحيى الأزدى وحدث به من حفظه فوهم فيه ، وقد حدث به على الصواب مرارا ويقال إنه رجع عن
ذكر الطواف والسعى - انتهى. واستدل أيضا للحنفية بما روى من آثار بعض الصحابة كعلى وابن مسعود والحسن
٧٢
۔
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ابن على والحسين بن على ذكرها الزيلعى فى نصب الراية (ج ٣: ص ١١١) وابن حزم فى المحلى (ج ٧: ص ١٧٥، ١٧٦)
مع الكلام عليها والبيهقى فى المعرفة وفى السنن والحافظ فى الدراية، وقد ذكرنا ما يعارض ذلك ويضعفه نقلا عن الحافظ
تذكر، وإذا عرفت أن أحاديث السعيين والطوافين ليس فيها شئى قائم كما رأيت، فاعلم أن الذين قالوا بأن القارن
يطوف طوافا ويسعى سعيا كفعل المفرد أجابوا عن تلك الأحاديث من وجهين الأول: هو ما يناه الآن بواسطة نقل
الزيلعى والحافظ ابن حجر وابن القيم عن الدار قطنى وغيره من أوجه ضعفها. والثانى: أنا لو سلمنا أن بعضها يصلح
للاجتهاد كما يقوله الحنفية وضعانها يقوى بعضها بعضا فلا يقل مجموع طرقها عن درجة القبول كما أشار إليه الحافظ نهى
معارضة بما هو أقوى منها وأصح وأرجح وأولى بالقبول من الأحاديث الثابتة فى الصحيح الدالة على أن النبي مز ئي لم
يفعل فى قرانه إلا كما يفعل المفرد كديث عائشة المتفق عليه وحديث ابن عمر عند البخارى، وكالحديث المتفق عليه أن
التى تَّ قال لعائشة: يكفيك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة لحجك وعمرتك. كذا حققه الشنقيطى، ثم قال: وقد
اقضح من جميع ما كتبناه فى هذه المسألة أن التحقيق فيها أن القارن يفعل كفعل المفرد لاندراج أعمال العمرة فى أعمال
الحج، وأن المتمتع يطوف ويسعى لعمرته ثم يطوف ويسعى لحجته، وما يوضحه من جهة المعنى أنه يطوف ويسعى
لحجه بعد رجوعه من منى، أنه يهل بالحج بالإجماع، والحج يدخل فى معناه دخولا مجزوما به الطواف والسعى، فلو
كان يكفيه طواف العمرة التى حل منها وسعيها لكان إهلاله بالحج إهلالا بحج لا طواف فيه ولا سعى،
وهذا ليس بحمج فى العرف ولا فى الشرع - انتهى. تنبيه: استدل بعض الحنفية لتعدد السعى بأنه وقع فى بعض الروايات
ذكر سعيه ماشيا كما تقدم فى حديث جابر الطويل عند مسلم وأبى داود وهو قوله: حتى إذا انصبت قدماه فى بطن الوادى
سعى حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة - الحديث. قالوا هذا صريح فى السعى راجلا و ماشيا على الأقدام ووقع
فى بعض الروايات ذكر سعيه راكا كما وقع فى حديث جابر أيضا عند مسلم فى باب جواز الطواف على البعير ((طاف
رسول الله وزيع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف ويسألوه، فإن الناس غشوه» قالوا فيكون
السعى اثنين، الأول ماشيا راجلا بعد الطواف الأول عند دخول مكة وهو للقدوم عند الشافعية ومن وافقهم، وللقدوم
والعمرة عندنا الحنفية، والسعى الثانى راكبا ، وتاريخ هذا السعى الثانى وإن كان غير معلوم يعنى أنه كان قبل يوم النحر
أو بعده لكن الأقرب والأليق بمسائل الحنفية أن يكون يوم النحر بعد طواف الإفاضة حيث يكون السعى مسبوقا
بطواف، ولم يطف النبي مرثية بعد طوافه للقدوم والعمرة على اختلاف المذهبين إلا هذا الطواف أى يوم النحر. وتأول ابن
حزم قول جابر فى قصة حجة الوداع ((حتى إذا انصبت قدماه)) أى وهو على راحلته، والنزول والصعود إنما هو نزول
الناقة وصعودها. قال الحنفية: إن هذا التأويل غير مقبول، فإن ألفاظ الحديث وتبادرها، يخالفه، وأيضا من كان
راكبا لا يسعى بين الميلين الأخضرين آل يمشى، قالوا: ويرد هذا التأويل حديث بنت أبى تجراة (الآتى فى باب دخول
٧٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
مكة والطواف) وفيه «فرأيته وإن ميزره ليدور من شدة السعى، قالوا: وتاول ابن حزم الرواية التى تدل على سعيه
واكبا بأن بعض الأشواط من السعى كان راكبا وبعضها كان ماشيا. قالوا: يرد هذا التأويل ما رواه أبو داود فى باب
الطواف الواجب عن أبى الطفيل عن ابن عباس أنه طاف سبعا على راحلته فصرح فيه أنه طاف بينهما سبعة أشواط
راكبا. والظاهر أنه فى حجة الوداع، يدل على ذلك ما وقع فى رواية مسلم فى باب استحباب الرمل فى الطواف عن
أبى الطفيل، قال: قلت لابن عباس: أوانى قد رأيت رسول اللّه مَّة، قال: فصفه لى. قال، قلت: رأيته عند المروة
على ناقة، وقد كثر الناس عليه. قال، فقال ابن عباس: ذاك رسول اللّه تَّفيه، إنهم كانوا لا يدعون عنه ولا
يكبرون - انتهى. قالوا: وهذه الواقعة واقعة حجة الوداع، لأن كثرة الناس وسؤالهم لا يكون إلا فى حجة الوداع.
قالوا فظهر من هذا كله أن تعدد السعى لازم وإن لم يصرح به أحد. قلت: التأويل الثانى الذى نسبوه إلى ابن حزم صحيح
متعين عندى، وأما رواية أبى داود فأصلها فى صحيح مسلم ولكن ليست فيه هذه اللفظة، ويؤيد التأويل المذكور ما وقع
فى رواية عند مسلم بإسناده عن أبى الطفيل، قال قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت - الحديث. وفيه ((قال
إن رسول اللّه ◌ُي كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العوائق من البيوت. قال: وكان رسول
اللّه تَّ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشى والسعى أفضل - انتهى. فإن سياقه يدل على أن
الركوب كان فى أثناء السعى حين كثر الناس عليه فيه. وأما حديث بنت أبى تجراة فليس فيه تصريح أنه كان فى حجته
ولا أن سعيه ماشيا كان فى جميع الأشواط. قال المحب الطبرى بعد ذكر الروايات التى تدل على أنه مێے سعى راكبا
ما لفظه: فى هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على ركوبه مولي فى السعى، والأحاديث المتقدمة فى الفصل قبله وحديث جابر
الطويل يدل على مشيه، فيحتمل أن يكون مَّم مشى فى طوافه على ما دل عليه بعض الأحاديث، ثم خرج إلى السعى
ماشیا فسعی بعضه ماشیا ورأته بنت أبى تجراة إذ ذاك، ثم لما ڪثر عليه ر کب ناقته، ويؤيد ذلك قول ابن عباس:
وكان ◌َّ لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه ركب، والسعى والمشى أفضل. فإن سياقه دال على أن الركوب
كان فى أثناء السعى حين كثر الناس عليه فيه. وذهب ابن حزم فى كتابه المشتمل على صفة الحج الكبرى إلى أنه مؤثته
كان راكبا فى جميع طوافه بين الصفا والمروة عملا بحديث جابر هذا، قال: وما رواه فى حديثه الطويل من أنه يؤفين لما
انصبت قدماه فى بطن الوادى رمل ، ليس بمعارض لما ذكرناه، لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب جميع بدنه
وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده، وكذلك الرمل، يعنى به رمل الدابة براكبها، ولم يطف مَثّ بين الصفا والمروة
فى تلك الحجة إلا مرة واحدة، وذكر فى الحديث أنه كان فيه راكبا، قال: ولا يقطع بأن طوافه ترثم بالبيت الأول
كان راكبا لأنه ويّ طاف فى تلك الحجة مرارا، منها طوافه الأول، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، فالله أعلم
أى تلك الأطواف كان راكبا؟ قال الطبرى: وظاهر حديث ابن عباس يرد هذا التأويل، وحديث بنت أبى تجراة
٧٤
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
متفق عليه.
٢٥٨١ - (٣) وعن عبد الله بن عمر، قال: تمتع رسول الله عزله فى حجة الوداع بالعمرة إلى
الحج، فساق معه الهدى من ذى الحليفة، وبدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي
مَثّ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي معفي مكة
قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شى حرم منه حتى يقضى حجه،
يصرح برده، والمختار فيه ما تقدم ذكره جمعا بين الأحاديث كلها. وأما ركوبه فى الطواف بالبيت فكان فى طواف
الإفاضة. ويكون قول جابر التقدم فى هذا الفصل ((طاف على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة)) محمولا على طواف
الإفاضة والسعى بعد طواف القدوم، وجمع بينهما لوقوع الركوب فيهما - انتهى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد
ومالك وأبو داود والنسائى وغيرهم .
٢٥٨١ - قوله (تمتع رسول اللّه ◌َيثة فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) قد تقدم فى شرح حديث ابن عمر فى
باب الإحرام والتلية أن المراد بالتمتع ههنا المعنى اللغوى وهو الانتفاع والالتذاذ ، ولا شك أن ذلك فى القرآن بوجود
الاكتفاء عن التسكين بنسك، فالقارن متمتع من حيث اللغة ومن حيث المعنى، لأنه ترفه باتحاد الميقات والإحرام
والفعل. قال القارى: ظاهر هذا الحديث أنه أحرم بالعمرة أولا ثم أحرم بالحج، ويدل عليه قوله «وبدأ فأهل بالعمرة
ثم أهل بالحج، مع أنه ورد صريحا فى أحاديث أنه أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة فكيف يصار إليه؟ ولو ثبت لكان
معارضا، فالذى أدين الله تعالى به أنه مَّه لا يبتدئى بالعمرة بعد فرض الحج عليه فى أول الوهلة، وقد اعتمر مرارا بعد
الهجرة ، فالصواب أنه كان قارنا أولا، ومعنى قوله «بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، أنه لما جمع بين النسكين قدم ذكر
العمرة على الحج لأنه الوجه المسنون فى القران دون العكس ثم كان أكثر ما يذكر فى إحرامه الحج لأنه ٦أصل
المفروض والعمرة سنة تابعة - انتهى (فساق معه الهدى من ذى الحليفة) أى من الميقات، وفيه الندب إلى سوق الهدى
من المواقيت من الأماكن البعيدة، وهى من السنن التى أغفلها كثير من الناس، قاله الحافظ (فتمتع الناس) قال
القارى: أى أكثرهم هذا التمتع اللغوى بالجمع بين العبادتين (مع النبي مَ له بالعمرة إلى الحج) أى بضميا إليه (فكان
من الناس) أى الذين أحرموا بالعمرة (من أهدى) وعند الشيخين بعده «فساق الهدى)) (فلما قدم التي تزويّ .كا قال
الناس) أى المعتمرين (من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شئى حرم منه حتى يقضى حجه) فيه حجة على الشافعية ومن
٧٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد،
فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام فى الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
وافتهم فى أن سوق الهدى لا يمنع التحلل عندهم، وقد تقدم بيانه فى شرح حديث عائشة (ومن لم يكن منكم أهدى فليطف
بالبيت) أى طواف العمرة (وليقصر) بتشديد الصاد. قال النووى: معناه أنه يفعل الطواف والسعى والتقصير ويصير
حلالا، وهذا دليل على أن الحلق أو التقصير نسك وهو الصحيح. وقيل استباحة محظور. قال: وإنما أمره بالتقصير
دون الحلق مع أن الحلق أفضل ليبقى له شعر يحلقه فى الحج (وليحلل) قال القارى: أى ليخرج من إحرام العمرة
باستمتاع المحظورات. وقال الحافظ: هو أمر معناه الخبر، أى قد صار حلالا فله فعل كل ما كان محظورا عليه فى
الإحرام، ويحتمل أن يكون أمرا على الإباحة لفعل ما كان عليه حراما قبل الاحلال (ثم ليهل بالحج) أى يحرم وقت
خروجه إلى عرفة، ولهذا أتى ثم الدالة على التراخى فلم يرد أنه يهل بالحج عقب إحلاله من العمرة (وليهد) أى لذيح
الهدى يوم النحر بعد الرمى قبل الحلق وهو هدى التمتع وهو واجب بشروطه المذكورة فى كتب الفقه (فمن لم يجد هديا)
أى لم يجد الهدى بذلك المكان ويتحقق له ذلك بأن يعدم الهدى أو يعدم ثمنه حينئذ أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من
ذلك، أو يجده لكن يمتنع صاحبه من بعه أو يمتنع من بيعه إلا بغلائه فينتقل إلى الصوم كما هو نص القرآن، كذا فى
الفتح. وفسر الحنفية العجز من الهدى بأن لا يكون فى ملكه فضل عن كفاف قدر ما يشترى به الدم ولا هو أى الدم
فى ملكه (ثلاثة أيام فى الحج) قال القارى: أى فى أشهره قبل يوم النحر، والأفضل أن يكون آخرما يوم عرفة. وقال
الحافظ : أى بعد الإحرام به. قال النووى: هذا هو الأفضل وإن صامها قبل الإهلال بالحج أجزأه على الصحيح.
وأما قبل التحلل من العمرة فلا على الصحيح، وجوزه الثورى وأصحاب الرأى، وعلى الأول فمن استحب صيام عرفة
بعرفة قال يحرم يوم السابع ليصوم السابع والثامن والتاسع ، وإلا فيحرم يوم السادس ليفطر بعرفة، فإن فاته الصوم
قضاه، وقيل يسقط ويستقر الهدى فى ذمته وهو قول الحنفية، وفى صوم أيام التشريق لهذا قولان الشافعية، أظهر مما لا
يحرز. قال النووى: وأصمهما من حيث الدليل الجواز انتهى (وسبعة إذا رجع إلى أهله) قال القارى: أى توسعة
ولو مام بعد أيام التشريق ؟كم، جاز عندنا - انتهى. فالرجوع إلى الأهل عند الحنفية كناية عن الفراغ عن أفعال الحج.
وقال النووى: أما صوم السبعة فيجب إذا رجع. وفى المراد بالرجوع خلاف، الصحيح فى مذهبنا أنه إذا رجع إلى
أهله، وهذا مر الصواب لهذا الحديث الصحيح الصريح، والثاني إذا فرغ من الحج ورجع إلى مكه من منى. وهذان
القولان الغانى ومالك، وبالثانى قال أبو حنيفة - انتهى. قلت: اختلفوا فى تفسير قوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم)
فقيل: إذا رجعهم إلى أهليكم، وهو أحد تولى الشافعى، أو إذا نفرتم وفرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى مكة وهو قوله
٧٦
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فطاف حين قدم مكة، واستلم الركن أول شتى، ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعا، فركع حين
قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم، فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة
أطواف، ثم لم يحل من شئی حرم منه حی قضی حجه ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم
جل من كل شئى حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول اللّه مؤثر من ساق الهدى من الناس. متفق عليه.
٢٥٨٢ - (٤) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه عمرة استمتعنا بها،
الثانى ومذهب أبى حنيفة (فطاف) أى التي مرثية (حين قدم مكة) أى طواف القدوم (واستلم الركن) أى الحجر
الأسود (أول شئ) أى من أفعال الطواف (ثم خب) أى رمل، والخب نوع من العدو كالرمل، والمراد هنا الرمل
(ثلاثة أطواف) أى فى ثلاثة أشواط. قال ابن الملك: إظهارا للجلادة والرجولية فى نفسه وفيمن معه من الصحابة كيلا
يظن الكفار أنهم عاجزون ضعفاء، قال القارى: هذا كان علة فعله ثم فى عمرة القضاء ثم استمرت السنة بعد زوال
العلة (ومشى) أى بسكون وهيئة (أربنا) أى فى أربع مرات من الأشواط (فركع) أى صلى (حين قضى) أى أدى
وأتم (عند المقام) متعلق بركع (ركعتين) أى صلاة الطواف (ثم سلم) أى من صلاته (فانصرف) أى عن البيت أو
عن المسجد (فأتى الصفا) ظاهره أنه لم يتخلل بين صلاة الطواف والخروج إلى الصفا عمل آخر ، لكن تقدم فى حديث
جابر فى صفة الحج «ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفاء (فطاف) أى سعى (بالصفا والمروة سبعة
أطواف) أى أشواط. وفى الحديث مشروعية طواف القدوم للقارن والرمل فيه إن عقبه بالسعى، وأن الرمل هو
الخب، وأنه يصلى ركعتى الطواف وأنهما يستحبان خلف المقام ، وتسمية السعى طوافا (ثم لم يحل) وفى الصحيحين ، ثم
لم يحلل» (من شئ حرم منه حتى قضى حجه) تقدم أن سبب عدم إحلاله كونه ساق الهدى وإلا لكان يفسخ الحج إلى
العمرة ويتحلل منها كما أمر به أصحابه (ونحر هديه يوم النحر) قال القارى: وهو التحلل الأول بالحلق فيما عدا الجماع.
وقال الحافظ : استدل به على أن الحلق ليس بركن، وليس بواضح لأنه لا يلزم من ترك ذكره فى هذا الحديث أن لا
يكون وقع، بل هو داخل فى عموم قوله ((حتى قضى حجه)) (وأفاض) أى إلى مكة (فطاف بالبيت) أى طواف
الإفاضة (ثم حل من كل شئى حرم منه) وهو التحلل الثانى المحلل النساء (وفعل مثل ما فعل رسول اللّه مريم من ساق
الهدى من الناس) وفى الصحيحين (من أهدى وساق الهدى من الناس)) والموصول فاعل قوله ((فعل)) أى فعل من أهدى
وساق الهدى مثل ما فعل رسول اللّه مَّي، وفيه إشارة إلى عدم خصوصيته بذلك (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد
(ج ٢: ص ١٤٠) وأبو داود والنسائى والبيهقى.
٢٥٨٢ - قوله (هذه عمرة استمتعنا بها) قال القارى: الاستمتاع هنا تقديم العمرة والفراغ منها فهو فى معناه.
٧٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فمن لم يكن عنده الهدى، فليحل الحل كله ، فإن العمرة قد دخلت فى الحج إلى يوم القيامة. رواه
مسلم. وهذا الباب خال عن الفصل الثانى.
الفصل الثالث )
٢٥٨٣ - (٥) عن عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد الله فى ناس معى قال: أهللنا أصحاب محمد
بالحج خالصا وحده. قال عطاء: قال جابر فقدم النبى معَّ صبح رابعة مضت من ذى الحجة،
فأمرنا أن نحل. قال عطاء: قال حلوا وأصيبوا النساء. قال عطاء: ولم يعزم عليهم،
اللغوى أى الانتفاع. وقال الأبى: لا يقال فيه أنه أحرم متمتعا، لأن الإشارة بهذه إلى عمرة الفسخ ومعنى ((استمتعنا»
استمتعتم، أو يكون أدخل نفسه معهم فيها ولكن قام المانع وهو كون الهدى معه - انتهى (فايحل) بفتح الياء وكسر
الحاء (الحل) نصبه على المصدر، وقوله (كله) تأكيد له أى الحل التام (فإن العمرة قد دخلت فى الحج) أى فى أشهره
(إلى يوم القيامة) قال ابن الملك: يعنى أن دخولها فيه فى أشهره لا يختص بهذه السنة بل يجوز فى جميع السنين - انتهى.
والحديث يحتمل معانى أخرى بعضها بعيد ذكرناها فى شرح حديث جابر فى قصة حجة الوداع (رواه مسلم) فى باب
جواز العمرة في أشهر الحج. وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٢٣٦) وأبو داود والنسائى والبيهقي (وهذا الباب
خال عن الفصل الثانى) أى فى المصابيح، وهو اعتذار من صاحب المشكاة عن تركه. ولئلا يشكل قوله ((الفصل الثالث)).
٢٥٨٣ - قوله (عن عطاء) أى ابن أبى رباح المكى التابعى الجليل تقدم ترجمته (أهللنا أصحاب محمد عزبة) منصوب
على الاختصاص ، أو بتقدير أعنى ، أى أحرمنا (بالحج خالصا وحده) أى ليس معه عمرة ، قال ذلك على حسب ما سبق
إلى فهمه ، وإلا فقد تقدم من حديث عائشة قالت خرجنا مع رسول الله مؤثّ فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج
وعمرة ومنا من أهل بالحج، أو أراد بالأصحاب أكثرهم أو كثيرا منهم، وقيل: هو محمول على ما كانوا ابتدأوا به ثم
أذن لهم بإدخال العمرة على الحج، وبفسخ الحج إلى العمرة فصاروا على ثلاثة أنواع (فأمرنا أن تحل) بكسر الحاء أى
نفسخ الحج إلى العمرة قاله القارى، وأمر روزبي بالحل من كان مفردا أو قارنا ولم يكن معه هدى، أما من كان معه هدى
فقد بقى على إحرامه (قال عطاء) أى راويا عن جابر (قال) أى النبى مَثّة، وقال فى اللعات: الظاهر من السياق أن يكون
فاعل ((قال)) جابر، أى قال جابر فى تفسير قوله ((أمرنا أن نحل)) حاكيا من قول رسول اللّه مَ في ((حلوا)) ويجوز أن يكون
فاعل (قال)، رسول اللّه مَثّة، فانهم (حلوا) بكسر الحاء وتشديد اللام صيغة أمر من ((حل يحل، بكسر الحاء فى المضارع
أى اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا منها بالطواف والسعى والنقصير (وأصيبوا) بفتح الهمزة أمر من الإصابة (ولم يعزم)
٧٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ولكن أحلهن لهم، فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نفضى إلى نسائنا، فتأتى
عرفة تقطر مذاكيرنا المنى. قال: يقول جابر بيده، كأنى أنظر إلى قوله بيده يحركها. قال: فقام
النبى وَيُ فينا، فقال: قد علمتم أنى أتقاكم الله وأصدقكم وأبركم، ولو لا هديى لحللت كما تحلون،
ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى، خلوا. خللنا وسمعنا وأطعنا.
بفتح الياء وكسر الزأى، أى لم يوجب النبي مَّم عليهم وطيهن (ولكن أحلهن لهم) يعنى لم يجعل الجماع عزيمة عليهم
بل جعله رخصة لهم بخلاف الفسخ فإنه كان عزيمة فأمر ((حلوا) للوجوب و((أصيبوا)) للإباحة لأن من لازم الاحلال
إباحة الجماع والوطى، قال الطيبي: أى قال عطاء فى تفسير قول جابر «فأمرنا، ثم فسر هذا التفسير بأن الأمر لم يكن جزما
(فقلنا) أى فيما بيننا يعنى فى جملة تذاكرنا فيما بيتنا (لما لم يكن) أى حين لم يبق (بيننا وبين عرفة إلا خمس) أى من
الليالى بحساب ليلة عرفة أو من الأيام بحساب يوم الأحد الذى لا كلام فيه (أمرنا) أى النبي مُؤذّر (أن نقضى) من
الإفضاء، أى فصل (إلى نسائنا) وهو كناية عن الجماع كقوله تعالى ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض - ٤: ٢١﴾ (فأتى)
بالرفع أى فنحن حينئذ نأتى. قال الطبى: قوله «فأتى)، ليس من تمام أمر رسول اللّه مَّةٍ، بل هو عطف على مقدر أى
فتتزهنا من ذلك فقلنا نأتى عرفة (تقطر مذا كيرنا المنى) جمع ذكر على غير قياس. وقال الأخفش: هو من الجمع
الذى ليس له واحد مثل العبايد والأبابيل، والجملة حالية، وهو كناية عن قرب العهد بالجماع، وكان هذا عيبا
فى الجاهلية حيث يعدونه نقصا فى الحج (قال) أى عطاء (يقول جابر) أى يشير بيده (كأنى أنظر إلى قوله بيده)
أى إشارته بها (يحركها) أى يده، قال الكرمانى: هذه الإشارة لكيفية التقطر، ويحتمل أن تكون إلى محل التقطر -
انتهى. وقيل: لعله أراد تشبيه تحريك المذا كير بتحريك اليد (فقام النبي مزفتة فينا) أى خطيبا، وفى رواية «فبلغ ذلك النبي
وبثّ فما ندرى أشقى بلغه من السماء أم شى بلغه من قبل الناس، فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، (فقال) زاد
فى رواية «بلغنى أن أقواما يقولون كذا وكذا) (قد علمتم) أى اعتقد تم (أنى أتقاكم لله) أى أدينكم وأخشاكم (وأصدقكم)
أى قولا (وأبركم) أى عملا، وقيل أى أطوعكم لله (ولو لا مدنى لحللت كما تحلون) وفى رواية «لو لا أنى سقت الهدى
فعلت مثل الذى أمرتكم، ولكن لا يحل منى حرام حتى يبلغ الهدى محله)) (ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت) ما
موصولة محلها النصب على المفعولية (لم أسق الهدى) أى لو علمت فى ابتداء شروعى ما علمت الآن من لحوق المشقة
لأصحابی بانفرادهم بالفسخ حتى توقفوا وترددوا وراجعوا لما سقت الهدیحتی فسختوحللتمعهم، اراد به رتّ تطيب
قلوبهم وتسكين نفوسهم فى صورة المخالفة بفعله وهم يحبون متابعته وكمال موافقته، ولما فى نفوسهم من الكراهية فى الاعتمار
فى أشهر الحج ومقاربة النساء قرب عرفة (فعلوا) بكسر الحاء أمر التأكيد (فحللنا وسمعنا وأطعنا) وفى رواية
٧٩
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
قال عطاء: قال جابر فقدم على من سعايته، فقال: بم أهللت؟ قال: بما أهل به النبى معَِّى. فقال له
رسول اللّه وَلَّى: فأهد وامكث حراما. قال: وأهدى له على هديا. فقال سراقة بن مالك بن جعثم:
يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: لأبد. رواه مسلم.
٢٥٨٤ - (٦) وعن عائشة، أنها قالت: قدم رسول اللّه عَلّ لأربع مضين من ذى الحجة أو خمس،
فدخل على وهو غضبان ، فقلت: من أغضبك يا رسول الله! أدخله الله النار. قال: أو ما شعرت
أنى أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى
معی حی أشتريه ،
((فأحلما حتى وطننا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال)) (فقدم على من سعايته) بكسر السين أى من عمله من القضاء وغيره فى
اليمن، وقد سبق بيان معناه فى شرح حديث جابر الطويل نقلا عن القاضى عياض والنووى (فأهد) أمر من الإهداء
أى فى وقت الهدى دم القرآن (وامكث) أى الآن (حراما) أى محرما (قال) أى جابر (وأهدى) أى أتى بالهدى
(له على هديا) أى من اليمن كما سبق (ألعامنا هذا؟) أى جواز العمرة فى أشهر الحج أو جواز فسخ الحج إلى العمرة
مختص بهذه السنة أم لأبد؟ والأول قول الجمهور والثانى قول أحمد ، وقد سبق الكلام فى ذلك مفصلا (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد والبخارى وأبو نعيم فى المستخرج وأبو داود والنسائى وابن ماجه والطحاوى والحاكم والبيهقى
والطيالسى وغيرهم مختصرا ومطولا بألفاظ مختلفة.
٢٥٨٤ - قوله (قدم رسول اللّه ◌َي لأربع) أى لال (أو خمس) شك منها أو من الراوى عنها . وقد تقدم فى
حديث جابر أنه مرَّ قدم صبح رابعة مضت من ذى الحجة (فدخل على وهو غضبان) أى ملآن من الغضب حين تأخر
بعض أصحابه فى فسخ الحج إلى العمرة. قال النووى: أما غضبه ويتم فلانتهاك حرمة الشرع وترددهم فى قبول حكمه،
وقد قال الله تعالى ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا.
تسليما - ٤: ٦٥) فغضب ◌َّ لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم فى نقص إيمانهم بتوقتهم، وفيه دلالة
لاستحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين (أدخله الله النار) دعاء أو إجبار. وفيه جواز الدعاء على المخالف لحكم
الشرع (قال: أو ما شعرت) أى أو ما علمت (أنى أمرت الناس) أى بعضهم وهم الذين أحرموا بالحج مفردا أو
أحرموا بالحج والعمرة قرانا ولم يكن معهم هدى (بأمر) وهو فسخ الحج (فإذا هم يترددون) أى فى طاعة الأمر
ومسارعته، أو فى أن هذه الإطاعة هل هى نقصان بالنسبة إلى حجهم، قاله القارى (حتى اشتريه) أى الهدى بمكة أو فى
٨٠