Indexed OCR Text

Pages 441-460

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
متفق عليه.
٢٥٦٥ -- (٢) وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبداً
على أن بقاء أثر الطيب وراتحته بعد الإحرام لا يضر ولا يوجب فدية كما هو مذهب الجمهور: الشافعى وأحمد وأبى حنيفة
وغيرهم من السلف والخلف خلافا لمالك ومن وافقه (متفق عليه) أى على أصل الحديث، وقد رواه البخارى فى الطهارة
وفى الحج وفى اللباس، ومسلم فى الحج، وصنيع المصنف والبغوى يدل على أن سياق الحديث على النسق المذكور للشيخين
جميعا وأنهما أورداه بهذا اللفظ، والأمر ليس كذلك فقولها ((لا. حرامه قبل أن يحرم ولحله)) لمسلم. ولفظ البخارى
(لا حرامه حين يحرم)) وفى أخرى له ((حين أحرم ولحله حين أحل، وقولها «بطيب فيه مسك)، لمسلم وحده. وأما قولها
( كأنى أنظر)) إلخ. فقد اتفقا عليه، رواه البخارى فى الطهارة والحج، ومسلم فى الحج. والحديث أخرجه أيضا أحمد ومالك
والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وابن حبان والطحاوى وابن الجارود والبيهقى وغيرهم بألفاظ مختلفة متقاربة
المعنى، من شاء الوقوف على اختلاف روايات الشيخين وأصحاب السنن رجع إلى جامع الأصول (ج ٣: ص ٣٩٧).
٢٥٦٥ - قوله (يهل) من الإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية (ملبدا) بكسر الباء وفتحها ، حال من فاعل يهل،
أى سمعته يرفع صوته بالتلبية حال كونه ملبدا شعر رأسه بنحو الصمغ لينضم الشعر ويلتصق بعضه بعض احترازا عن
تمعطه وتقمله. قال العلماء: التليد إلصاق شعر الرأس عند الإحرام بالصمغ أو الخطمى وشبههما مما يضم الشعر ويلزق
بعضه ببعض ويمنعه من النشعث، والتمعط والتقمل وتخلل الغبار فى الإحرام، وإنما يفعل ذلك من يطول مكثه فى
الإحرام، واستفيد منه استحباب التلبيد قبل الاحرام لكونه أرفق به. وقد نص عليه الشافعى وأصحابه ، وهو موافق
لحديث الأعرابى الذى خر عن بعيره وهو محرم فأمرهم النبي مؤهل أن لا يمسوه بطيب ولا يخمروا رأسه فإنه يبعث
يوم القيامة مليا. وفى رواية ((ملبدا، رواه أحمد والشيخان. قلت: التليد مندوب عند الشافعية صرح به العينى
والقسطلانى والطبرى وغيرهم، وكذا ذكره فى مندوبات الاحرام أصحاب فروع الشافعية كصاحبتحفةالمحتاج (ج٤ ص٥٦)
وغيره ، وأما عند الحنفية فصرح أهل فروعهم أن التليد إن كان بالثخين ففيه دم للتغطية وإن كان مع الطيب أيضا ففيه
دمان. قال ابن الملك: التلبيد جائز عند الشافعى، وعندنا يلزمه دم إن لبد بما ليس فيه طيب لأنه كتغطية الرأس، ودمان
إن كان فيه طيب. وأشكل عليه صاحب البحر بما ثبت فى الصحيحين من تلبيده مَّةٍ. قال ابن عابدين فى هامشه :
أجاب عنه العلامة المقدسى فى شرحه بقوله: أقول لا ريب فى وجوب حمل فعله مَّم على ما هو سائغ بل ما هو أكمل.
فالتليد الذى فعله تَّ يسير لا يحصل به التغطية، ولا يمنع ابتداء فعله فى الاحرام ولا بقاؤه. والموجب للدم يحمل على
المبالغة فيه بحيث تحصل منه تغطية. وقال أيضا فى رد المحتار: وعليه يحمل ما فى الفتح عن رشيد الدين فى مناسكه إذ قال:
وحسن أن يلبد رأسه قبل الاحرام - انتهى. وقال صاحب الغنية (ص ٣٥): وحسن أن يلبد رأسه بنحو خطمى أو
٤٤١

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
يقول: لبيك
غيره لكن تلبيدا سائغا وهو اليسير الذى لا يحصل به التغطية ، فإن استصحاب التغطية الكائنة قبل الاحرام لا يجوز
بخلاف الطيب، وعليه يجب أن يحمل تلبيده مَوّ فى إحرامه، وتمامه فى جنايات رد المختار. وقال القارى: ولعله كان
به مَُّ عذر، قال ويمكن حمله على التليد اللغوى من جمع الشعر ولفه وعدم تخليته متفرقا، ففى القاموس: تلبد الصوف
ونحوه تداخل ولزق بعضه ببعض - انتهى. قلت: حمل فعله ◌َ ◌ّه على عذر يحتاج إلى دليل، والأصل عدم العذر
وأما حمل التليد على المعنى اللغوى ففيه أن شراح الحديث وأهل اللغة وأصحاب غريب الحديث كالخطابى والحافظ والعينى
والمجدو الجوهرى والجزرى والزمخشرى وغيرهم قد اتفقوا على ما ذكرنا من العلماء من معنى التليد، ولزوق بعض الصوف أو
الشعر ببعضه لا يحصل إلا بما يصلح للالزاق والالإصاق كالصمغ أو الخطمى أو العسل وما يشبه ذلك، ويؤيد ذلك ما سيأتى فى
الفصل الثانى من حديث ابن عمر أنه مَو ◌َّ لبد رأسه بالغسل. قال الحافظ: قال ابن عبد السلام يحتمل أنه بفتح المهملتين، ويحتمل
أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة ، وهو ما يغسل به الرأس من خطمى أو غيره. قال الحافظ ضبطناه فى روايتنا فى سنن أبي داود
بالمهملتين - انتهى. والظاهر أن ابن عمر ذكر ما رأى من تلبيده مؤ لّم عند الاحرام وهو الذى فهمه أبو داود وغيره
حيث أورد حديثه هذا فى المناسك (يقول) بدل من يهل (لبيك) اختلف فى لفظه وفى اشتقاقه ومعناه ، أما لفظه فتشنية
عند سيبويه ومن تبعه، يراد بها التكثير فى العدد والعود مرة بعدمرة لا أنها لحقيقة التثنية بحيث لا يتناول إلا فردين وقال
يونس بن حبيب البصرى: هو اسم مفرد، والياء فيه كالياء فى لديك وعليك وإليك، يعنى فى انقلاب الألف ياء لاتصالها بالضمير،
ورد بأنها قلبت ياء مع المظهر. وعن الفراء: هو منصوب على المصدر ولا يكون عامله إلا مضمرا وأصله (((بالك)، فثنى على
التأكيد أى ألب إلبابا بعد إلباب. وأما معناه فقيل معناه: أجبتك إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة. قال ابن الأنبارى:
ومثله حنانيك أى تحننا بعد تحنن. وقيل معناه: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة ، من ألب بالمكان كذا ولب به،
إذا أقام به ولزمه ، وقيل معناه : اتجاهى وقصدى إليك، مأخوذ من قولهم: دارى تلب دارك وتواجهها. وقيل
معناه : محبتى لك، من قولهم: امرأة لبة، إذا كانت محبة لزوجها وعاطفة على ولدها. وقيل: إخلاصى لك، من قولهم:
حسب لباب أى خالص محض، ومن ذلك لب الطعام ولبابه. وقيل قربا منك، من الالباب وهو القرب. وقيل معناه: أنا
ملب بين يديك، أى خاضع لك. حكى هذه الأقوال القاضى عياض وغيره. قال الحافظ والعينى: والأول منها أظهر
وأشهر ، لأن المحرم مستجيب لدعاء اللّه إياه فى حج بيته، ولهذا من دعى فقال لبيك فقد استجاب. وقال ابن عبد البر:
قال جماعة من أهل العلم: إن معنى التلبية: إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام حين أذن فى الناس بالحج - انتهى. قال
الحافظ : وهذا أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن أبى حاتم بأسانيدهم فى تفاسيرهم عن ابن عباس ومجاهد وعطاء
وعكرمة وقتادة وغير واحد ، والأسانيد إليهم قوية ، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع فى مسنده
وابن أبى حاتم من طريق قابوس بن أبى ذبان عن أبيه ، عنه ، قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له:
٤٤٢
i
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاجرام والتلبي
اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك،
أُذن فى الناس بالحج، قال: رب! وما يبلغ صوتى؟ قال: أذن وعلى البلاغ. قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس
كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض
يلبون. ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وفيه «فأجابوه بالتلبية فى أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول
من أجابه أهل اليمن. فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ. قال ابن المنير فى
الحاشية: وفى مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه سبحانه وتعالى
(اللهم لبيك) أى يا الله! أقرت ببابك إقامة بعد إقامة وأجبت نداءك إجابة بعد أخرى. وجملة (اللهم، بمعنى يا الله بين المؤكد
والمؤكد، والنشنية لإفادة التكرار والتكثير، كما فى قوله تعالى: ﴿ثم ارجع البصر كرتين - ٦٧: ٤) أى
كرات كثيرة، وتكرار اللفظ لتوكيد ذلك (لبيك لا شريك لك ليك) استئناف فيستحسن الوقف على
لبيك الثانية كما يستحسن على الرابعة. قال القارى: التلبية الأولى المؤكدة بالنانية لإثبات الألوهية، وهذه
بطر فيها لنفى الشركة الندية والمثلية فى الذات والصفات (إن الحمد) روى بكسر الهمزة على الاستيناف وفتحها
على التعليل ، وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة. قال الجمهور: والكسر أجود. وحكاه الزمخشرى عن أبى حنيفة،
وابن قدامة عن أحمد بن حنبل، وحكاه ابن عبد البر عن اختيار أهل العربية. وقال الخطابي: الفتح رواية العامة.
وحكاه الزمخشرى عن الشافعى. وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود فى المعنى من الفتح، لأن من كسر جعل
معناه: إن الحمد والنعمة لك على كل حال ، ومن فتح قال معناه: لبيك لهذا السبب، وكذا رجح الكسر ابن دقيق العيد
والنووى، قال ابن دقيق العيد: لأنه يقتضى أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة، وأن الحمد والنعمة لله على كل حال،
والفتح يدل على التعليل ، فكانه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعم وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر
أوجه ويجوز الفتح، أما الكسر فهو على استيناف الثناء وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية، أى ليك لأن
الحمد والنعمة لك. ومال الباجى إلى أن لا مزية لأحد الوجهين على الآخر ، وقال ابن عبد البر: المعنى عندى واحد ،
لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد ليك لأن الحمد على كل حال والملك لك والنعمة وحدك دون غيرك حقيقة
لا شريك لك. وتعقب بأن التقييد ليس فى الحمد، وإنما هو فى التلبية، فمعنى الفتح تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر.
تلبيته مطلقا غير معلل ولا مقيد فهو أبلغ فى الاستجابة لله (والنعمة لك) المشهور فيه النصب. قال عياض: ويجوز
الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفا، والتقدير: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك. قال ابن الأنبارى: إن شئت
جعلت خبر إن محذوفا ، والموجود خبر المبتدأ تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك (والملك) بالنصب أيضا على
المشهور، ويجوز الرفع وتقديره: والملك كذلك، قاله الحافظ، وقال الولى العراقى: فيه وجهان أيضا، أشهرهما النصب
٤٤٣

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
لا شريك لك. لا يزيد على هؤلاء الكلمات.
عطفا على اسم إن، والثانى الرفع على الابتداء، والخبر محذوف لدلالة الخبر المتقدم عليه. ويحتمل أن تقديره: والملك
كذلك. وقال القارى: بالنصب عطف على الحمد ولذا يستحب الوقف عند قوله ((والملك)) قال ابن المنير: قرن الحمد
والنعمة وأفرد ((الملك)) لأن الحمد متعلق بالنعمة ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه لجمع بينهما، وأما الملك فهو معنى مستقل
بنفسه ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك. قال القارى: ولا مانع من أن يكون ((الملك)) مرفوعا، وخبره
(لا شريك لك) أى فيه (لا يزيد) أى رسول الله مرثية (على هؤلاء الكلمات) أى كلمات التلبية المذكورة. قيل: هذا
لا ينافى ما رواه النسائى وغيره من حديث أبى هريرة قال: كان من تلبية رسول اللّه مَفي ((لبيك إله الحق، لاحتمال
أن ابن عمر لم يسمعها من النبى مُّ وسمعها أبو هريرة، والظاهر أنه كان يقول هذه الجملة التى رواها أبو هريرة قليلا
لتضافر الروايات على رواية ابن عمر. قلت : حديث ابن عمر الذى نحن فى شرحه رواه الشيخان من طريق سالم بن
عبد الله بن عمر عن أبيه، وروى أحمد (ج ٢: ص ٤٧، ٧٧) ومالك ومسلم من طريق نافع عن ابن عمر مرفوعا لفظ
التلية كما هو متفق عليه، ثم زادوا . قال (أى نافع) وكان عبد الله بن عمر يزيد مع هذا: لبيك لبيك لبيك وسعديك
والخير بيديك، ليك والرغباء إليك والعمل، فإن قيل: كيف زاد ابن عمر فى التلبية ما ليس منها مع أنه كان شديد
التحرى لاتباع السنة؟ واللائق بورعه وشدة اتباعه للنى ورؤثم أن لا يزيد على تلبيته مؤثر أجاب الأبى بأنه رأى أن
الزيادة على النص ليست نسخا، وأن الشئى وحده كذلك هو مع غيره، فزيادته لا تمنع من إتيانه بتلبية النبى مر ثية، أو
فهم عدم القصر على أولئك الكلمات، وأن الثواب يتضاعف بكثرة العمل، واقتصار المصطفى مؤ في بيان لأقل ما يكفى
وأجاب الولى العراقى بأنه ليس فيه خلط السنة بغيرها، بل لما أتى بما سمعه ضم إليه ذكرا آخر فى معناه ، وباب الأذكار
لا تحجير فيه إذا لم يؤد إلى تحريف ما قاله النبي تَثة، فإن الذكر خير موضوع والاستكثار منه حسن، على أن أكثر
هذا الذى زاده كان ميت يقوله فى دعاء استفتاح الصلاة، وهو لبيك وسعديك والخير فى يديك والشر ليس إليك ـ انتهى
والجوابان متقاربان. وفى مسلم وأحمد (ج ٢ ص ١٣١): عن ابن عمر ، كان عمر یهل باهلال رسول الله مئن من
هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللهم لبيك وسعديك، إلى آخر ما زاده هنا، قال الحافظ: نعرف أن ابن عمر اقتدى فى
ذلك بأبيه، وأخرج ابن أبى شيبة عن المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر ، فذكر مثل المرفوع وزاد: ليك مرغوبا
ومرهوبا إليك، ذا النعماء والفضل الحسن - انتهى. وأعلم أنه أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة فى حديث ابن
عمر المتفق عليه، وحديث جابر الطويل عند مسلم فى قصة حجة الوداع، ولكن اختلفوا فى الزيادة عليه بألفاظ فيه تعظيم
الله ودعاء، ونحو ذلك، فكره بعضهم الزيادة على تلبية رسول اللّه مَثيم، وحكاه ابن عبد البر عن مالك قال: وهو أحد
قولى الشافى. وقال آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة. قال ابن عبد البر: أجمع
٤٤٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
العلماء على القول بهذه التلبية المروية عن النبي مرَّة ، واختلفوا فى الزيادة فيها فقال مالك: أكره الزيادة فيها على تلبية
رسول اللّه مَالل، وقد روى عنه أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده. وقال الثورى والأوزاعى ومحمد
ابن الحسن: له أن يزيد فيها ما شاء وأحب. وقال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: لا بأس بالزيادة. وقال
الترمذى قال الشافعى: إن زاد فى التلبية شيئا من تعظيم الله تعالى فلا بأس إن شاء الله، وأحب ألى أن يقتصر على تلبية
رسول اللّه مٍَّ، وقال أبو يوسف والشافعى فى قول لا ينبغى أن يزاد فيها على تلبية النبي مؤثر المذكورة وإليه ذهب
الطحاوى واختاره، ذكره العينى. وقال الحافظ بعد ذكر ما روى عن ابن عمر وأبيه رضى الله عنهما من الزيادة على التلبية المروية
عنه عَّ ما لفظه: واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي مَ ◌ّ فى ذلك. قال الطحاوى بعد أن أخرجه أى لفظ
التلبية المرفوع من حديث ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معديكرب: أجمع المسلمون جميعا على هذه
التلبية غير أن قوما قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله ما أحب، وهو قول محمد والثورى والأوزاعى، واحتجوا
بحديث أبى هريرة يعنى الذى أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم ، قال : كان من تلية رسول
الله ◌َوَّ لبيك إله الحق لبيك، وبزيادة ابن عمر المذكورة. وخالفهم آخرون فقالوا: لا ينبغى أن يزاد على ما علمه
رسول اللّه ◌ُوّ الناس كما فى حديث عمرو بن معديكرب ثم فعله هو ولم يقل: لبوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علمهم
كما علمهم التكبير فى الصلاة ، فكذا لا ينبغى أن يتعدى فى ذلك شيئا مما علمه ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبى
وقاص عن أبيه: أنه سمع رجلا يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبى على عهد رسول
اللّه ◌َّ، قال: فهذا سعد قد كره الزيادة فى التلبية، وبه نأخذ - انتهى. قال فى البحر: هذا اختيار الطحاوى، ولعل
مراده من الكرامة أن يزيد الرجل من عند نفسه على التلبية المأثورة، أو أراد الزيادة فى خلال التلبية المسنونة، فإن
أصحابنا قالوا: إن زاد عليها فهو مستحب. قال صاحب السراج الوهاج: هذا بعد الإتيان بها، أما فى خلالها فلا -
انتهى. وفى ((غنية الناسك)) ندب أن يزيد فيها لا فى خلالها بل بعدها وجاز قلها فيقول لبيك إلى الخلق لبيك أو ليك
لبيك وسعديك، إلخ. ولا يستحب الزيادة من غير المأثور بل هو جائز كما يفهم من الفتح والتيين. أما النقص عنها
أو الزيادة فى حلالها فيكره تنزيها ، ذكره فى الكبير. وفى شرح اللباب: ما وقع من الزيادة ماثورا يستحب ، وما
ليس مرويا فجائز أو حسن، كذا فى رد المحتار. وقال محمد بعد رواية حديث ابن عمر من طريق نافع، وفيه
الزيادة المذكورة، وبهذا نأخذ، التلبية هى التلبية الأولى التى روى عن النبي ◌َّه، وما زدت فحسن وهو قول أبى حنيفة
والعامة من فقهائنا - انتهى. قال الحافظ: ويدل على الجواز ما وقع عند النسائى من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن
ابن مسعود قال كان من تلبية النبي مَّة، فذكره، ففيه دلالة على أنه قد كان يلبي بغير ذلك. وما تقدم من حديث أبى
هريرة عند النسائى وابن ماجه وابن حبان والحاكم وما تقدم عن عمر وابن عمر من فعلهما ، وروى سعيد بن منصور
٤٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
متفق عليه.
من طريق الأسود بن يزيد أنه كان يقول: لبيك غمار الذنوب. والحاكم والبيهقى عن ابن عباس أنه مؤّ وقف
بعرفات ، فلما قال: لبيك اللهم لبيك، قال: إنما الخير خير الآخرة. وللدار قطنى فى العلل وأبى ذر الهروى والبزار عن
أفس أنه مرَّ قال: لبيك حجا تعبدا ورقا. ولمسلم فى حديث جابر الطويل فى صفة الحج: حتى استوت به ناقته على
البيداء وأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، إلخ. وأهل الناس بهذا الذى يهلون به فلم يرد عليهم شيئا منه، ولزم تلبيته.
وأخرجه أبو داود من الوجه الذى أخرجه منه مسلم، قال: والناس يزيدون ((ذا المعارج، ونحوه من الكلام،
والنبي ◌َّة يسمع فلا يقول لهم شيئا. وفى رواية البيهقى ((ذا المعارج)، و((ذا الفواصل، قال الحافظ بعد ذكر حديث جابر
من رواية مسلم وأبى داود: وهذا يدل على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو مؤثّ عليها، وأنه لا بأس
بالزيادة لكونه لم يردها عليهم وأقرهم عليها وهو قول الجمهور، وبه صرح أشهب، وحكى عن ابن عبد البرعن مالك
الكراهة. قال: وهو أحد قولى الشافعى، وحكى الترمذى عن الشافعى، قال: فإن زاد فى التلبية شيئًا من تعظيم الله فلا
بأس، وأحب إلى أن يقتصر على تلبية رسول اللّه مَّه وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه ، ثم زاد من قبله زيادة.
ونصب البيهقى الخلاف بين أبى حنيفة والشافعى فقال: الاقتصار على المرفوع أحب ولا ضيق أن يزيد عليها ، قال:
وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن، وحكى فى المعرفة عن الشافعى قال: ولا ضيق على أحد فى قول ما جاء عن ابن عمر
وغيره من تعظيم الله ودعائه ، غير أن الاختیار عندی أن یفرد ما روی عن النی ێے فى ذلك- انتهى. وهذا أعدل
الوجوه فيفرد ما جاء مرفوعا . وإذا اختار قول ما جاء موقوفا أو انشأه هو من قبل نفسه مما يليق قاله على انفراده
حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: ثم ليتخير من المسألة والثناء ما شاء أى
بعد أن يفرغ من المرفوع، كما تقدم ذلك فى موضعه - انتهى. قلت: الأفضل والأولى هو الاقتداء بالنبي مؤلّ ،
والاقتصار على لفظ تلبيته الثابت فى الصحيحين وغيرهما، لأن الله تعالى يقول ﴿ لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة)
وهو ◌َّ يقول: لتأخذوا عنى مناسككم، وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها ، لما روى من فعل عمر وابنه، ومعلوم أن
الزيادة على تلبية النبي مَثّه لو كان فيها محذور لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضى الله عنهما،
ولما وقع فى حديث جابر الطويل عند مسلم وأبى داود، وهو واضح فى أنهم يزيدون على تلبيته مؤثر ويقرم على ذلك.
ولم ينكره عليهم كما ترى (متفق عليه) رواه البخارى فى اللباس ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٥:
ص ٤٤) وأخرجه البخارى أيضا فى الحج من طريق نافع عن ابن عمر مختصرا ، ورواه أحمد بذكر التليد والتلبية جميعا
فى (ج ٢: ص ١٣١) وبذكر التلبية فقط مرارا، وروى النسائى وأبو داود وابن ماجه التليد فى باب التلبيد والتلبية فى
باب صفة التلبية، وروى مالك والترمذى التلبية فقط. وأما قوله ((لا يزيد على هؤلاء الكلمات، فلم أجده إلا عند الشيخين
والبيهقى، والله أعلم.
٤٤٦٠

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
٢٥٦٦ - (٣) وعنه، قال: كان رسول اللّه ) إذا أدخل رجله فى الغرز واستوت به ناقته قائمة
أهل من عند مسجد ذى الحليفة.
٢٥٦٦ - قوله (إذا أدخل) كذا فى جميع النسخ للشكاة والمصابيح، وهكذا فى رواية أحمد (ج ٢: ص ٢٩،
٣٧) والبيهقى (ج ٥: ص ٣٥) وابن ماجه، وكذا ذكر المحب الطبرى فى القرى (ص ٦٥) وعزاه لمسلم. والذى
فى صحيح مسلم ((وضع)) مكان أدخل (فى الغرز) بفتح الغين المعبية وسكون الراء بعدها زاى أى الركاب من جلد أو
خشب، وقيل: هو ركاب كور البعير من جلد أو خشب أو حديد ، وقيل: هو للكور مطلقا مثل الركاب للسرج الذى
يضع الرا كب قدميه فيه ، والكور بالضم بالفارسية (بالان)، والركاب بالكسر حلقة آهنى كه بر زين بندند تاوقت
سوارى بان در آن نهند (واستوت به ناقته) أى رفعته مستويا على ظهرها، فالباء للتعدية، وفى مسلم (وانبعثت به
راحلته قائمة)) وفى أخرى له ((أهل حين استوت به ناقته)) ومعنى انبعاثها به استواءها قائمة (أهل) أى رفع صوته بالتلبية
ونوى أحد الفسكين أو بهما (من عند مسجد ذى الحليفة) يريد بدأ بالاهلال منه، وكان ابن عمر ينكر بذلك على من
روى أنه مَّ إنما أهل حين استوى على البيداء، وقد اختلفت الروايات عن الصحابة فى مبدأ إهلاله مي ، فمنها ما يدل
على أنه أهل فى دبر الصلاة فى مسجد ذى الحليفة كما فى رواية ابن عباس عند أحمد والترمذى والنسائى والبيهقى (ج ٥:
ص ٣٧) وفى رواية أبى داود المازنى عند ابن حزم (ج ٧: ص ٩٣)، ومنها ما يدل على أنه أهل حين استوت به
ناقته قائمة خارج مسجد ذى الحليفة عند الشجرة كما وقع فى روايات ابن عمر عند أحمد والشيخين وغيرهم ، وفی حدیث
أنس عند البخارى وأبى داود والبيهقى والطحاوى. وقال الزيلعى بعد ذكر حديث أنس: وأخرج أى البخارى أيضا
عن عطاء عن جابر أن إهلال رسول اللّه وَّ من ذى الحليفة حين استوت به راحلته - انتهى. وقال المجد فى المنتقى
بعد ذكر حديث جابر: رواه البخارى ، وقال: رواه أنس وابن عباس ــ انتهى. ومنها ما يدل على أنه أهل حين
استوت به على البيداء أى بعد ما علا على شرف البيداء كما وقع فى روايات ابن عباس أيضا عند أحمد والبخارى ومسلم
والنسائى وأبى داود والدار قطنى والبيهقى والحاكم (ج ١: ص ٤٤٧) والطحاوى. وفى حديث جابر عند مسلم
والترمنی والطحاوى. وفی حدیث أنس عند أحمد والنسائى وأبى داود . وفی حدیث سعد بن أبى وقاص عند أبى داود
والنسائى والبيهقى والحاكم. والبيداء هذه قال العلماء هى الشرف الذى قدام ذى الحليفة إلى جهة مكة وهى بقرب ذى
الحليفة ، ذكره النووى ، وقال البكرى: البيداء هذه فوق علمى ذى الحليفة لمن صعد من الوادى وفى أول البيداء بثر ماء.
وقد جمع بين هذه الروايات المختلفة بأن الناس كانوا يأتون أرسالا جماعة بعد أخرى فرأى قوم شروعه مَ لّم فى
الإهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذى الحليفة فنقلوا عنه أنه أهل بذلك المكان ثم أهل لما استقلت به راحلته فسمعه
٤٤٧

مر عاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
آخرون فظنوا أنه شرع فى الا هلال فى ذلك الوقت لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد فقالوا : إنما أهل عند ما استقلت به
راحلته، ثم روى كذلك من سمعه يهل على شرف البيداء، وإلى هذا الجمع مال ابن القيم حيث قال: صلى رسول
اللّه ◌ُمَّ الظهر ركعتين ثم أهل بالحج والعمرة فى مصلاه ثم ركب على ناقته وأهل أيضا، ثم أهل لما استقلت به على
البيداء - انتهى مختصرا ملخصا. ويؤيد هذا الجمع ما رواه أحمد (ج ١: ص ) وأبو داود والحاكم (ج ١:
ص ٤٥١) والبيهقى (ج ٥: ص ٣٧) والطحاوى (ج ١: ص ٣٦٢) عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس عجبا
لاختلاف أصحاب رسول اللّه ◌ُّ فى إهلاله فقال إنى لأعلم الناس بذلك إنما كانت منه حجة واحدة ، فمن هنالك
اختلفوا، خرج رسول الله مَفّ حاجا فلما صلى فى مسجده بذى الحليفة ركعتيه أوجب فى مجلسه فأهل بالحج حين
فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل ، وأدرك ذلك منه أقوام ، وذلك
أن الناس كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول اللّه مو ئيل حين استقلت به ناقته،
ثم مضى رسول الله مَّ فلما علا على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل رسول اللّه عَ لَّه حين
علا على شرف البيداء، وأيم الله لقد أوجب فى مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء -
انتهى. قال الحافظ فى الفتح: وقد أزال الإشكال أى إشكال اختلاف الروايات فى مكان إهلاله مرثية
ما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبير قات لابن عباس: عجبت، فذكر الحديث، ثم قال: فعلى هذا
فكان إنكار ابن عمر على من يخص الاهلال بالقيام على شرف البيداء - انتهى. وقال الشوكانى فى شرح حديث ابن
عباس المذكور: هذا الحديث يزول به الإشكال ، ويجمع بين الروايات المختلفة بما فيه ، فأوضحه ثم قال : وهذا يدل
على أن الأفضل لمن كان ميقاته ذا الحليفة أن يهل فى مسجدها بعد فراغه من الصلاة، ويكرر الاهلال عند أن يركب
على راحلته وعند أن يمر بشرف البيداء - انتهى. وقال الطحاوى بعد رواية حديث ابن عباس المذكور: فبين عبد الله
ابن عباس الوجه الذى منه جاء اختلافهم، وأن إهلال النبي مريم الذى ابتدأ الحج ودخل به فيه كان فى مصلاه ، فبهذا
نأخذ، ينبغى للرجل إذا أراد الاحرام إن يصلى ركعتين ثم يحرم فى دبر هما كما فعل رسول اللّه رؤية وهذا قول أبى حنيفة
وأبى يوسف ومحمد ـ انتهى. وقال الحافظ فى الدراية: قوله «ولو لي بعد ما استوت به راحلته جاز، ولكن
الأول يعنى الاهلال دبر الصلاة فى مسجد ذى الحليفة أفضل لما روينا، كذا قال. والأحاديث فى أنه لبى بعد ما استوت
به راحلته أكثر وأشهر من الحديث الذى احتج به فذكرها من رواية ابن عمر وأنس وجابر ، ثم قال: وقد ورد ما
يجمع بين هذه الأحاديث (المختلفة) من حديث ابن عباس عند أبى داود والحاكم فذكره، ثم قال: وهذا لو ثبت المرجح
ابتداء الاهلال عقيب الصلاة إلا أنه من رواية خصيف (بن عبد الرحمن) وفيه ضعف - انتهى. وقال ابن حزم:
٤٤٨

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
حديث ابن عباس هذا فى طريقه خصيف وهو ضعيف، وحديث أبي داود الأنصارى المازنى من طريقة قوم غير مشهورين.
والأحاديث الدالة على إحرامه مر ◌ّ بعد ما استقلت به راحلته، وإحرامه بعد الاستواء على البيداء كلها صحيحة، متفق على صحتها،
إلا أن فى أحاديث ابن عمر زيادة على حديث جابر وأنس وعائشة، وهو أنه مَفتن أهل من عند مسجد ذى الحليفة حين
أدخل رجله فى الغرز واستقلت به الراحلة، وهذا صريح فى الدلالة على أنه لم يكن عقيب الركوب ولا فى مصلاه، ولو صح
حديث ابن عباس وأبي داود لوجب تقديم العمل به على حديث ابن عمر لما فيه من الزيادة، لكن لما كان حديث ابن
عمر متفقا على صحته ولم يصح حديثهما وجب المصير إليه دونهما ، ولما كان فى حديث ابن عمر زيادة على حديث من سواه
ممن اتفق على صحة روايته وهى كون الاهلال من عند المسجد فيكون ذلك قبل الاستواء على البيداء، وجب العمل به، ويكون
من رواه عند الاستواء على البيداء إنما سمعه حالتئذ يلى فظن أن ذلك أول إهلاله. ويمكن أن يقضى بحديث ابن عمر على
حديث ابن عباس، ويكون قوله ((فى مصلاه)) زيادة من الراوى ليس من قول ابن عباس ويصدق على من أحرم من عند المسجد
عند استقلال ناقته به أنه لما فرغ من ركعتيه أهل، ولا يلزم من ذلك التعقيب. وهذا الجمع أولى من إسقاط حديث من أصله،
والله أعلم، هذا آخر كلام ابن حزم. قال الطبرى بعد ذكره: وما رواه الترمذى وقال ((هو حسن، فيه دلالة على جواز
الاحتجاج به، والمختار المصير إليه والعمل به-انتهى. قلت: وقع فى نسخ التر مذى الموجودة عندنا بعدروايةحديث ابن عباس
من طريق خصيف مختصرا (هذا حديث غريب، ليس فيها لفظ ((حسن)) ونسب الزيلعى إليه أنه قال: حديث حسن
غريب، وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذى، والله أعلم. قال الحافظ فى الفتح: قد اتفق فقهاء الأمصار على جواز
جميع ذلك، وإنما الخلاف فى الأفضل - انتهى. قلت: ذهب مالك والشافعى والجمهور إلى أن الأفضل أن يحرم إذا
انبعثت راحلته لاتفاق أغلب الروايات فى المعنى وأصحها وأشهرها على أنه مثل أهل عند انبعاث راحلته وانبعاثها هو استواؤها
قائمة. وقال أبو حنيفة وأحمد وداود: يحرم عقب الصلاة وهو جالس فى مصلاه قبل ركوب دابته وقبل قيامه. قال النووى:
وهو قول ضعيف الشافعى، وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف - انتهى. قلت: يشير إلى حديث ابن
عباس الذى أحال عليه الزيلعى والحافظ والشوكانى وغيرهم للجمع بين الأحاديث المختلفة فى مبدأ إحرامه مؤثر، وقد
سكت عنه أبو داود ، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر (أى لغيره من الأحاديث الواردة)
فى الباب ولم يخرجاه، وأقره عليه الذهبى، وإنما ضعفه من ضعفه كالنووى والبيهقى والمنذرى لأن فى إسناده خصيف
ابن عبد الرحمن وهو غير متفق على ضعفه، على أن النووى نفسه قال فى شرح المهذب: وأما قول البيهقى أن خصيفا غير
قوى ، فقد حالفه فيه كثيرون من الحفاظ والأئمة المتقدمين فوثقه يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة ومحمد بن سعد.
وقال النسائى فيه «هو صالح)) - انتهى. قال ابن قدامة فى المغنى (ج ٣: ص ٢٧٥): قد روى عن أحمد أن الاحرام
٤٤

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
متفق عليه.
٢٥٦٧ - (٤) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: خرجنا مع رسول اللّه مَّل نصرح بالحج صراخا.
عقيب الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء، لأن الجميع قد روى عن النبي ◌َّم من طرق صحيحة
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك، الاحرام فى دبر الصلاة؟ أو إذا استوت به راحلته؟ فقال: كل ذلك
قد جاء، فى دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوسع ذلك كله. والأولى الاحرام عقيب الصلاة
لما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس وفيه بيان وزيادة علم فيتعين حمل الأمر عليه ولو لم يقله ابن عباس لتعين حمل الأمر
عليه جمعا بين الأخبار المختلفة، وهذا على سبيل الاستحباب، وكيفما أحرم جاز، لا نعلم أحدا خالف فى ذلك - انتهى
مختصرا (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ١٠، ١٧، ١٨، ٢٨، ٢٩، ٣٧) ومالك والترمذى وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والبيهقى وغيرهم بألفاظ مختلفة، واللفظ المذكور لأحمد (ج ٢: ص ٣٧،٢٩) ومسلم وابن
ما جه باختلاف يسير.
٢٥٦٧ - قوله (خرجنا مع رسول اللّه مَ نصرخ) بالضم حال أى نرفع أصواتنا بالتلبية وفى رواية قدمنا
مع رسول اللّه مَّة ونحن نصرخ، قال النووى: فيه استحباب رفع الصوت بالتلبية وهو متفق عليه بشرط أن يكون رفعا
متمتصدا بحيث لا يؤذى نفسه، والمرأة لا ترفع بل تسمع نفسها، لأن صوتها محل فتنة ، ورفع الرجل مندوب عند
العلماء كافة ، وقال أهل الظاهر: هو واجب - انتهى. ويأتى مزيد الكلام فى هذه المسألة فى شرح حديث خلاد بن
السائب الآتى (بالحج صراخا) بضم الصاد مفعول مطلق، ولعل الاقتصار على ذكر الحج لأنه الأصل والمقصود الأعظم
أو لأنه المبدوء به ثم أدخل علبه العمرة، قال القارى: وقد يقال: هذا حال الراوى ومن وافقه، وأما حاله عليه الصلاة
والسلام فمسكوت عنه يعرف من محل آخر فلا ينافى ما سيأتى - انتهى. وفى الحديث دليل على استحباب ذكر النسك
فى التلبية، ويدل عليه أيضا حديث أنس الآتى. قال المحب الطبرى: الظاهر من لفظ الحديث ذكر النسك فى التلبية،
وقد اختلف أصحابنا فى استحباب ذلك فمنهم من استحبه لظاهر هذه الأحاديث، ومنهم من قال : لا يستحب لما تقدم
من حديث جابر قال: ما سمى رسول اللّه مَّم فى تلبيته قط حجا ولا عمرة، ومن حديث عائشة قالت: خرجنا مع
رسول الله بروالق لا نذكر حجاً ولا عمرة. أخرجهما البيهقى ولما روى عن ابن عمر أنه كان إذا سمع بعض أهله يسمى
حجا يقول: لبيك بحج، صك فى صدره وقال: أتعلم اللّه بما فى صدرك؟ أخرجه البيهقى وسعيد بن منصور وقال: أتعلم
الله بما فى نفسك؟ قال الطبرى: وهذا الاختلاف - والله أعلم - فى غير التلبية الأولى التى تكون عند عقد الاحرام ، أما
تلك فالظاهر استحباب ذكر النسك فيها قولا واحدا، وعلى ذلك يحمل ما ورد من الأحاديث ، على أن حديث ابن عمر
يعم الأولى وغيرها .انتهى . قال القارى: فى حديث أبى سعيدرد على الشافعية أنه إنما يذكر الحج والعمرة فى أول تلبيته فقط.
٤٥٠

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلية
رواه مسلم.
٢٥٦٨ - (٥) وعن أنس، قال: كنت رديف أبى طلحة وإنهم ليصرخون بهما جميعا الحج والعمرة.
وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٢٩١،٢٩٠): ويستحب ذكرما أحرم به فى تلبيته. قال أحمد: إن شئت لبيت بالحج، وإن
شئت لبيت بالحج والعمرة، وإن شئت بعمرة، وإن لبيت بحج وعمرة بدأت بالعمرة، فقلت: لبيك بعمرة وحجة .
وقال أبو الخطاب: لا يستحب ذلك، وهو اختيار ابن عمر وقول الشافعى، لأن جابرا قال: ما سمى النبي يؤێے فى
تلبيته حجا ولا عمرة، وسمع ابن عمر رجلا يقول: ليك بعمرة ، فضرب صدره وقال: تعلمه ما فى نفسك؟ ولنا ما
روى أنس قال: سمعت رسول اللّه مَ ◌ّ يقول: لبيك عمرة وحجا، وقال جابر: قدمنا مع النبي ◌َّه ونحن نقول: ليك
بالحج. وقال ابن عباس: قدم رسول اللّه ◌ُب وأصحابه وهم يلبون بالحج، وقال ابن عمر: بدأ رسول الله عز له فأهل
بالعمرة ثم أهل بالحج، متفق على هذه الأحاديث. وقال أنس: سمعتهم يصرخون بهما صراخا. رواه البخارى .
وقال أبو سعيد: خرجنا مع النبي ◌َّمِ نصرخ بالحج فحللنا. فلما كان يوم التروية لبينا بالحج وانطلقنا إلى منى. وهذه
الأحاديث أصح وأكثر من حديثهم. وقول ابن عمر يخالفه قول أبيه ، فإن النسائى روى بإسناده عن الصبى بن معبد
أنه أول ما حج لبى بالحج والعمرة جميعا، ثم ذكر ذلك لعمر، فقال: هديت لسنة نبيك. وإن لم يذكر ذلك
فى تلبيته فلا بأس، فإن النية محلها القلب - انتهى (رواه مسلم) وأخرجه أحمد (ج ٣: ص ٥، ٧٥)
والبيهقى (ج ٥: ص ٤٠).
٢٥٦٨ - قوله ( كنت رديف أبى طلحة) أى راكبا خلف ظهره وهو زوج أمه (وإنهم) أى الصحابة والنبى
معهم (ليصرخون) اللام فيه التأكيد (بها) أى بالحج والعمرة (جميعا الحج والعمرة) بالجر على أنه بدل من الضمير فى
بهما ، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هما أو أحدهما الحج والآخر العمرة، ويجوز النصب على الاختصاص
بتقدير أعنى وفيه دليل على أنه منَّ كان قارنا. وقال المهلب: إنما سمع أنس من قرن خاصة، وليس فى حديثه
أنه سمع رسول اللّه مَّم يصرخ بهما وإنها أخبر بذلك عن قوم، وقد يمكن أن يسمع قوما يصرخون بحمج وقوما
يصرخون بعمرة. قال العينى: هذا تحكم وخروج عما يقتضيه الكلام، فإن الضمير فى ((يصرخون)) يرجع إلى النبي حَطّه
ومن معه من أصحابه والباء فى بهما يتعلق بيصرخون ، فكيف يفرق مرجع الضمير إلى بعضهم بشئى وإلى الآخرين بشئى
آخر - انتهى مختصرا. وقال الكرمانى أيضا: مراد أنس بذلك من نوى منهم القران، ويحتمل أن يكون على سبيل
التوزيع بأن يكون بعضهم صارخا بالحج وبعضهم بالعمرة. قال الحافظ: ويشكل عليه قوله فى الطريق الأخرى يقول:
لبيك بحجة وعمرة معا. وسيأتى إنكار ابن عمر على أنس ذلك، وسيأتى ما فيه فى باب التمتع والقران - انتهى. وقال
٤٥١

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
رواه البخارى.
٢٥٦٩ - (٦) وعن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
العينى بعد ذكر كلام الكرمانى: لا يوجد فى الرد عليه أقوى من قوله مَّ لبيك بحجة وعمرة معا كما سيجتى بيانه - انتهى.
وفى الحديث حجة للجمهور فى استحباب رفع الصوت بالتلبية ، وقد جاءت فيه أحاديث كما سيجتى الاشارة إليها فى
شرح حديث خلاد بن السائب (رواه البخارى) فى باب الارتداف فى الغزو والحج من كتاب الجهاد ، وأخرجه أيضا
فى الحج مقطعا فى مواضع، منها فى باب رفع الصوت بالإحلال بلفظ «صلى النبى مؤتم بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذى
الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرخون بهما جميعا، وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٥: ص ٤٠) ولمسلم ((سمعت النبي مَ ◌ّه يلي
بالعمرة والحج جميعا، وفى لفظ ((أنه رأى النبي ◌ُّ جمع بينهما بالحج والعمرة)).
٢٥٦٩ - قوله (خرجنا) أى من المدينة، واختلف فى عدد الذين كانوا معه مثله، فقيل: تسعون ألفا، ويقال:
مائة ألف وأربعة عشر ألفا ، ويقال: أكثر من ذلك ، حكاه البيهقي. قال الزرقانى: هذا فى عدة الذين خرجوا معه، وأما
الذين حجوا معه فأكثر المقيمين بمكة ، والذين أتوا من اليمن مع على وأبي موسى رضى الله عنهما - انتهى. وقال
القارى: بلغ جملة من معه ◌َّ تسعين ألفا، وقيل مائة وثلاثين ألفا - انتهى. وقال الشيخ الدهلوى فى الملمات: ورد
فى بعض الروايات أنهم كانوا أكثر من الحصر والإحصاء ولم يعينوا عددهم، وقد بلغوا فى غزوة تبوك التى هى آخر
غزواته مَثّ مائة ألف ، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، ولا بد أن يزدادوا فيها ، ويروى مائة وأربعة عشر ألفا وفى
رواية مائة وأربعة وعشرون ألفا - انتهى (مع رسول الله مَّة) زادت عمرة بنت عبد الرحمن عنها «خمس ليال بقين
من ذى القعدة، كما فى الموطأ والصحيحين وغيرهما، وكذا وقع فى حديث ابن عباس عند البخارى فى باب («الخروج آخر
الشهر، من كتاب الجهاد، وفى باب ((ما يلبس المحرم من الثياب، من كتاب الحج، وكذا وقع فى حديث جابر عند
النسائى. قال القسطلانى: يقتضى أن تكون قالته عائشة بعد انقضاء الشهر، ولو قالته قبله لقالت إن بقين - انتهى. وقال
الحافظ : فيه استعمال الفصيح فى التاريخ وهو ما دام فى النصف الأول من الشهر يؤرخ بما خلا ، وإذا دخل النصف
الثانى يؤرخ بما يقى ، وقال أيضا: فيه رد على من منع إطلاق القول فى التاريخ لئلا يكون الشهر : اقصا فلا يصح الكلام ،
فيقول مثلا خمس إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجة الجواز أن الإطلاق يكون على الغالب - انتهى. ويؤيده ما
ورد فى ليالى القدر عند الترمذى من حديث أبى بكرة رفعه «التمسوها فى تسع ببقين أو سبع بقين)) الحديث. وما وقع
فى حديث آخر «تاسعة تبقى وسابعة تبقى، واختلف فى يوم خروجه ودليل على ثلاثة أقوال، الأول: أنه خرج
یوم الجمعة وهذا وهم قبیح وخطأ فاحش یرده الروايات الصحیحة، إذ من المعلوم الذی لا ريب أنه صلى الظهریوم خروجه
بالمدينة أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين. القول الثاني: ما ذهب إليه ابن حزم واختاره العينى فى شرح البخارى: أن
٤٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
خروجه من من المدينة كان يوم الخميس لست بقين من ذى القعدة، حكى هذا القول ابن القيم فى الهدى (ج١: ص ١٨١،
١٨٢) عن ابن حزم، وذكر كلامه مفصلا ثم بسط فى الرد عليه، وسيأتى شتى من كلامه مع الجواب عنه. القول
الثالث: ما اختاره المحققون من شراح الحديث وأصحاب التاريخ: أن خروجه كان خمس بقين من ذى القعدة يوم السبت،
وبه جزم ابن القيم فى الهدى، وهو مختار الحافظ فى الفتح (ج ٦: ص ٨٠) إذ قال فى شرح قول ابن عباس ((وذلك
خمس بقين من ذى القعدة، ما لفظه: أخرج مسلم مثله من حديث عائشة ، واحتج به ابن حزم فى كتاب حجة الوداع له
على أن خروجه مَّم من المدينة كان يوم الخميس، قال: لأن أول ذى الحجة كان .رم الخميس بلا شك، لأن الوقفة
كانت يوم الجمعة بلا خلاف، وظاهر قول ابن عباس ((خمس) يقتضى أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة بناء على
ترك عد يوم الخروج، وقد ثبت أنه مرَّ صلى الظهر بالمدينة أربعا كما سيأتى من حديث أنس، فتبين أنه لم يكن
يوم الجمعة، فتعين أنه يوم الخميس، وتعقبه ابن القيم بأن المتعين أن يكون يوم السبت بناء على عديوم الخروج أو على ترك
عده، ويكون ذو القعدة تسعا وعشرين يوما - انتهى. ويؤيده ما رواه ابن سعد والحاكم فى الاكليل أن خروجه من ◌َّه
من المدينة كان يوم السبت خمس بقين من ذى القعدة. وقال الحافظ أيضا (ج ١٨: ص ٨٥): جزم ابن حزم بأن خروجه مله
من المدينة كان يوم الخميس، وفيه نظر، لأن أول ذى الحجة كان يوم الخميس قطعا لما ثبت وتواتر أن وقوفه بعرفة كان
يوم الجمعة وتعين أن أول الشهريوم الخميس فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر لخبر أن يكون يوم الجمعة،
لكن ثبت فى الصحيحين عن أنس «صلينا الظهر مع النبي ◌ُ ◌ّه بالمدينة أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين، فدل على أن
خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقى إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويحمل قول من قال ((خس بقين، أى إن كان
الشهر ثلاثين ، فاتفق أن جاء تسعا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذى الحجة بعد مضى أربع ليال لا خمس ، وبهذا
تنفق الأخار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوى هذا الجمع بقول جابر أنه خرج خمس
بقین من ذى القعدة أو أربع، وكان دخوله من مكة صبح رابعة كماثبت فىحديث عائشة وذلك يوم الأحد، وهنا زيد أن
خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدم ، فيكون مكثه فى الطريق ثمان ليال وهى المسافة الوسطى - انتهى. وقال فى
شرح ((باب الخروج آخر الشهر، من كتاب الجهاد: قد استشكل قول ابن عباس وعائشة أنه خرج خمس بقين ، لأن
ذا الحجة كان أوله الخميس للاتفاق على أن الوقفة كانت يوم الجمعة، فيلزم من ذلك أن يكون خرج يوم الجمعة، ولا يصح
ذلك لقول أنس أنه تَّ صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم خرج. وأجيب بأن الخروج كان يوم السبت، وإنما قال الصحابة
((لخمس بقين)) بناء على العدد، لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء فاتفق أن جاء ناقصا، فجاء أول ذى الحجة الخميس، فظهر
أن الذى كان بقى من الشهر أربع لا خمس، كذا أجاب به جمع من العلماء، ويحتمل أن يكون الذى قال ((لخمس بقين)) أراد
٤٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومـ من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج،
ضم يوم الخروج إلى ما بقى، لأن التأهب وقع فى أوله ، وإن اتفق التأخير إلى أن صليت الظهر فكانهم لما تأهبوا باتوا
ليلة السبت على سفر اعتدوا به من جملة أيام السفر، والله أعلم، وقال ابن القيم: وجه ما اخترناه أن الحديث صريح فى
أنه خرج الخمس بقين وهى يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء فهذه خمس ، وعلى قول ابن حزم يكون
خروجه لسبع بقين، فإن لم يعد يوم الخروج كان لست، وأيهما كان فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر الليالى كان
خروجه لست ليال بقين لا لخمس ، فلا يصح الجمع بين خروجه يوم الخميس وبين بقاء خمس من الشهر ألبتة ، بخلاف
ما إذا كان الخروج يوم السبت كان الباقى بيوم الخروج خمس بلا شك، ويدل عليه أن النبي مَّةٍ ذكر لهم فى خطبته شأن
الاحرام، وما يلبس المحرم، بالمدينة على منبره، والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة لأنه لم ينقل أنه جمعهم ونادى فيهم
لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر رضى الله عنهما هذه الخطبة بالمدينة على منبره، وكان عادته مرة أن يعلمهم فى كل
وقت ما يحتاجون إليه إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التى تلى خروجه، والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة وبينه
وبينها بعض يوم من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخلق، وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين ، وقد حضر ذلك
الجمع العظيم ، والجمع بينه وبين الحج ممكن بلا تفويت، والله أعلم (عام حجة الوداع) بكسر الحاء المهملة وبفتحها وبفتح
الواو، وجاز كسرها ، قال النووى: سميت بذلك لأن النبي ◌َّ ودع الناس فيها، وقال: لعلى لا أحج بعد عامى هذا فلم
يحج بعد الهجرة غيرها وكانت سنة عشر من الهجرة، وفيه دليل على أنه لا بأس بالتسمية بذلك خلافا لمن كرهه، وتسمى
البلاغ أيضا، لأنه قال رَّم فيها: هل بلغت؟ وحجة الإسلام، لأنها التى حج فيها بأهل الإسلام ليس فيها مشرك
(فمنا من أهل بعمرة) أى لي بها بأن قال لبيك بعمرة فقط، فقد كان مؤثّ خيرهم عند الاحرام بين الانساك الثلاثة
فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحمج فليهل، ومن أراد أن يبل بعمرة فليهل (ومنا من
أهل بحج وعمرة) أى جمع بينهما فكان قارنا (ومنا من أهل بالحج) وحده ويشكل على ما وقع فى هذه الرواية من
التخيير بين الأنساك الثلاثة ما ورد فى الصحيحين وغيرهما من رواية الأسود عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله
وَّ لا نرى إلا الحج، وللخارى من وجه آخر عن أبى الأسود عن عروة عنها مهلين بالحج، ولمسلم عن القاسم
عنها ((لا نذكر إلا الحج)) وله أيضا ((ملبين بالحج)) فظاهره أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولا محرمين بالحج.
وأجاب الحافظ وغيره بأن هذا محمول على أول الأمر إذ خرجوا من المدينة لا يرون إلا الحج لما كانوا يعهدونه
من ترك الاعتمار فى أشهر الحج، ورواية الباب على آخر الأمر إذ بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الاحرام ،
وجوز لهم الاعتمار فى أشهر الحج، وجمع القارى بينهما بأن قول عائشة لا نذكر إلا الحج أى ما كان قصدنا الأصلى
٤٥٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
من هذا السفر إلا الحج بأحد أنواعه من القرآن والتمتع والانفراد فنا من أفرد ومنا من قرن ومنا من تمتع ـ انتهى.
وأما ما وقع عند مسلم وغيره من رواية ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله مَفى عام حبة
الوداع فأهلنا بعمرة، فقال الزرقانى: أى أدخلناها على الحج بعد أن أهللنا به ابتداء، وهو إخبار عن حالها، وحال من كان
مثلها فى الإهلال بعمرة لا عن فعل جميع الناس، فلا ينافى قولها «فنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بالحج، ومنا من
أهل بحج وعمرة، وفيه أن عائشة لم تكن من أهل بالحج ابتداء، وقد تظافرت الروايات الواردة فى هذا الباب على أنها
كانت معتمرة ابتداء، ولما شكت إلى النبي ◌َّثَن أنها لم قطف أمرها برفض عمرتها، فانتقلت إلى الإفراد أو أدخلت عليها
الحج وصارت قارنة. وقال الباجى: قولها «فأهلنا بعمرة)) يحتمل أن تريد بذلك أزواج النبي مؤ لم، ويحتمل أن
تريد من كان معها أو طائفة أشارت إليهم، ولا يصح أن تريد جماعة أصحاب النبي ◌َّم لأنها قد ذكرت أن منهم من
أهل بعمرة ومنهم من جمع بين العمرة والحج ومنهم من أهل بحج - انتهى. واعلم أنه اختلفت الروايات فى إحرام
عائشة فى نفسها اختلافا كثيرا ، ولذلك اختلف أهل العلم فى إحرامها ابتداء وانتهاء هل أحرمت بالحج فقط فكانت مفردة
أو أحرمت بالعمرة فكانت متمتعة، وعلى الثانى هل فسخت العمرة وأهات بالحج مفردا أو قرنت العمرة مع الحج
قال ابن القيم فى الهدى (ج ١: ص ٢٠٤): قد تنازع العلماء فى قصة عائشة هل كانت متمتعة أو مفردة فإذا كانت
متمتعة ، فهل رفضت عمرتها وانتقلت إلى الإفراد أو أدخلت عليها الحج وصارت قارنة ، وهل العمرة التى أتت بها من
التنعيم كانت واجبة أم لا ، وإذا لم تكن واجبة فهل هى مجزية عن عمرة الإسلام أم لا؟ واختلف العلماء فى مسألة
مبنية على قصة عائشة ، وهى أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة خاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف فهل ترفض الاحرام
بالعمرة وتهل بالحج مفردا أو تدخل الحج على العمرة وقصير قارنة؟ فقال بالقول الأول فقهاء الكوفة منهم أبو حنيفة
وأصحابه رحمهم الله، وبالثانى فقهاء الحجاز منهم الشافعى ومالك رحمهما الله، وهو مذهب أهل الحديث كالا مام أحمد
رحمه الله وأتباعه، ثم ذكر ابن القيم دليل الكوفيين وبسط الكلام فى الرد عليه هذا، وقد تصدى الشيخ محمد عابد السندى
وغيره من الحنفية لتقوية مذهبهم، والجواب عن حجة فقهاء الحجاز لكنهم لم يأتوا بشئى غير تأويلات بعيدة وقال
الأبى فى الا كمال: اختلفت الروايات فى إحرام عائشة، ففي رواية عروة عنها ((أهللنا بعمرة، وفى رواية القاسم عنها «لينا
بالحج)، وفى روايته الأخرى عنها ((لا نعرف إلا الحج)، وهذا كله صريح فى أنها أهلت بالحج، وفى رواية الأسود عنها
((ملبين لا تذكر حجا ولا عمرة)) واختلف العلماء فى الكلام على حديث عائشة فقال إسماعيل القاضى: إنها كانت مهلة بالحج
لأنها رواية الأكثر عن عمرة والقاسم والأسود ، وغلطوا رواية عروة، ورجحوا ذلك أيضا بأن عروة قال فى رواية
حماد: حدثنى غير واحد أن النبي ◌َّم قال لها: دعى عمرتك. فقد بان أنه لم يسمع الحديث منها، ولا بيان فيه لأحد
٤٥٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
من حدثه ذلك ، قالوا وأيضا فإن رواية عمرة والقاسم ساقت عمل عائشة فى الحج من أوله إلى آخره ، ولذا قال القاسم
عن رواية عمرة: أتك بالحديث على وجهه - انتهى. قلت: وقع عند البخارى من رواية هشام وابن شهاب عن
عروة عن عائشة قالت: وكنت من أهل بعمرة ، وهى نص فى كونها معتمرة ابتداء، وقد رد الحافظ على من ادعى كون
رواية عروة غلطا فرجح رواية القاسم ومن وافقه على رواية عروة، قال الحافظ: ادعى إسماعيل القاضى وغيره أن
هذا غلط من عروة، وأن الصواب رواية الأسود والقاسم وعمرة عنها أنها أهلت بالحج مفردا ، وتعقب بأن قول
عروة عنها ((أنها أهلت بعمرة)) صريح، وأما قول الأسود وغيره عنهنا «لا نرى إلا الحج)، فليس صريحا فى إحلالها بحج
مفرد، فالجمع بينهما ما تقدم (بأن المذكور فى روايتهم ما كانوا يعهدون من ترك الاعتمار فى أشهر الحج، فخرجوا
لا يعرفون إلا الحج، ثم بين لهم النبي ◌َّ وجوه الاحرام) من غير تغليط عروة وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه
جابر بن عبد الله الصحابى كما أخرجه مسلم عنه، وكذا رواه طاوس ومجاهد عن عائشة، ثم قال الحافظ: ويحتمل
فى الجمع أيضا أن يقال: أهلت عائشة بالحج مفردا كما فعل غيرها من الصحابة، وعلى هذا يتنزل حديث الأسود ومن
تبعه. ثم أمر النبي ◌َّثة أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة ففعلت عائشة ما صنعوا فصارت متمتعة، وعلى هذا يتنزل
حديث عروة، ثم لما دخلت مكة وهي حائض فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج - انتهى.
قلت : فى هذا الجمع نظر من وجوهٍ، منها أن ألفاظ روايات عروة ص بحة فى أنها لم تهلل أولا إلا بعمرة، فلفظ
البخارى من رواية عقيل عن الزهرى عن عروة عن عائشة: خرجنا مع النبى من فى حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا
من أهل بمج - الحديث. وفيه «ولم أهلل إلا بعمرة فأمرفى النبى مؤتم أن أنقض رأسى وأهل بالحج وأترك العمرة ففعلت
ذلك - الحديث. فهذا نص فى أنها لم تحرم أولا إلا بعمرة، ومنها أنه يخالف هذا الجمع حديث جابر عند مسلم: قال
أقبلنا مهلين مع رسول اللّه مَ ضئيل بحمج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طقنا
بالكعبة والصفا والمروة، فأمربنا رسول اللّه رؤيته أن يهل منا من لم يكن معه هدى - الحديث. وقد بسط ابن القيم
الكلام فى الرد على إسماعيل القاضى ومن وافقه وحقق أن عائشة كانت من أهل بعمرة ابتداء حيث قال: اختلف الناس
فيما أحرمت به عائشة أولا على قولين أحدهما أنه عمرة مفردة، وهذا هو الصواب لما ذكرنا من الأحاديث، وفى الصحيح
عنها «قالت خرجنا مع رسول الله وضع فى حجة الوداع موافين (أى مقاربين) هلال ذي الحجة، فقال رسول الله مر ثية
من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل، فلو لا أنى أهديت لأهللت بعمرة، قالت: وكان من القوم من أهل بعمرة ومنهم من
أهل بالحج، قالت: فكنت أنا من أهل بعمرة، وذكرت الحديث. وقوله فى الحديث ((دعى العمرة وأهلى بالحج)، قاله لها
بسرف وهو صريح فى أن إحرامها كان بعمرة ، والقول الثانى: أنها أحرمت أولا بالحج وكانت مفردة، قال ابن
٤٥٦

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
وأهل رسول اللّه ◌َبي بالحج،
عبد البر: روى القاسم بن محمد والأسود بن يزيد وعمرة كلهم عن عائشة ما يدل على أنها كانت محرمة بحمج لا بعمرة،
قال وغلطوا عروة فى قوله عنها «كنت ممن أهل بعمرة)) قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء يعنى الأسود والقاسم
وعمرة على الروايات التى ذكرنا فعلنا بذلك أن الروايات التى رويت عن عروة غلط. قال ابن القيم: من العجب رد
هذه النصوص الصحيحة الصريحة التى لا مدفع لها ولا مطعن فيها ولا تحتمل تأويلا ألبتة بلفظ محمل ليس ظاهرا فى أنها
كانت شرسة، فإن غاية ما احتج به من زعم أنها كانت مفردة قولها: خرجنا مع رسول الله تَّم لا نرى إلا أنه الحج.
فيليه/ صليظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج. بل خرج للحج متمتعا كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن
يقول: حرجت لغسل الجنابة، وصدقت أم المؤمنين إذا كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت بعمرة بأمره مؤثله،
وكلامها يصدق بعضه بعضا. وأما قولها «لبينا بالحج، فقد قال جابر عنها فى الصحيحين أنها أهلت بعمرة ، وكذلك قال
طاوس عنها فى صحيح مسلم ، وكذلك قال مجاهد عنها ، فلو تعارضت الروايات عنها فرواية الصحابة عنها أولى أن يؤخذ
بها من رواية التابعين. كيف ولا تعارض فى ذلك ألبتة. فإن القائل ((فعلنا كذا)» يصدق ذلك منه بفعله وبفعل
أصحابه. ومن العجب أنهم يقولون فى قول ابن عمر: تمتع رسول اللّه مؤثّه بالعمرة، معناه تمتع أصحابه، فأضاف
الفعل إليه لأمره به، فهلا قلتم فى قول عائشة ((لبينا بالحج)) أن المراد به جنس الصحابة الذين لبوا بالحج ، ويتعين قطعا
إن لم تكن هذه الرواية غلطا أن تحمل على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة أنها كانت أحرمت بعمرة، وكيف ينسب
عروة فى ذلك إلى الغاط وهو أعلم الناس بحديثها، وكان يسمع منها مشافهة بلا واسطة، وأما قوله فى رواية حماد بن
زيد: حدثنى غير واحد أن رسول اللّه تَّ قال لها: دعى عمرتك. فهذا إنما يحتاج إلى تعليله ورده إذا خالف الروايات
الثابتة عنها ، فأما إذا وافقها وصدقها وشهد لها أنها أحرمت بعمرة فهذا يدل على أنه محفوظ ، وأن الذى حدثه ضبطه
وحفظه، هذا مع أن حماد بن زيد انفرد بهذه الرواية المعللة وهى قوله «فحدثنى غير واحد، وخالفه جماعة فرووه متصلا
عن عروة عن عائشة، فلو قدر التعارض فالأكثرون أولى بالصواب فيا لله العجب! كيف يكون تغليط أعلم الناس
بحديثها وهو عروة فى قوله عنها ((وكنت فيمن أهل بعمرة)، سائغا بلفظ مجمل محتمل ويقضى به على النص الصحيح
الضريح الذى شهد له سياق القصة من وجوه متعددة، إلى آخر ما قال (وأهل رسول اللّه مَفيه بالحج) أى وحده،
احتج به من قال: كان حجه مَّ مفردا، وهم عامة الشافعية والمالكية، وحمله المحققون منهم كالقاضى عياض والنووى
والحافظ وغيرهم على أن فيه يان ابتداء الحال ، ثم صار قارنا ، فإنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه
العمرة، وحله الحنفية والحنابلة القائلون بكونه مَثّم قارنا ابتداء، على أن عائشة سمعت تلبيته بالحج فقط، وللقارن أن
يلبي بأيهما شاء، فيقول تارة لبيك بحجة وتارة لبيك بعمرة، وتارة لبيك بحجة وعمرة فحكت عائشة ما سمعت فلا يخالف
٤٥٧

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
قولها من حکی أنه لی بهما جميعا وكان قارنا من الابتداء. وسیأنی بیان الاختلاف فى صفة إحرامه تتم ، وفى أن حجه
هل كان إفرادا أو تمتعا أو قرانا، أعلم أن الحج على ثلاثة أنواع، الافراد والتمتع والقرآن، ويخير مريد الإحرام بين
هذه الأنواع الثلاثة ، قال ابن قدامة: إن الاحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتع وإفراد وقران. وأجمع أهل
العلم على جواز الاحرام بأى الأنساك الثلاثة شاء، وكذا حكى النووى فى شرح المهذب وشرح مسلم الاجماع على
جواز الأنواع الثلاثة وتأول ما ورد من النهى عن التمتع عن بعض الصحابة. وقال الولى العراقى فى طرح الشريب:
أجمعت الأمة على جواز تأدية نسكى الحج والعمرة بكل من هذه الأنواع الثلاثة الافراد والتمتع والتق، قال
الحافظ: والافراد مو الإهلال بالحج وحده فى أشهره عند الجميع وفى غير أشهره أيضا عند مجيزيه، والاعتمار
بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء ـ انتهى. ومعنى قوله ((عند مجیزیه)) أن الاحرام بالحج قبل أشهره مختلف فيه، قال
ابن قدامة: لا ينبغى أن يحرم بالحج قبل أشهره، هذا هو الأولى. فإن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه لكونه
إحراما به قبل وقته، فأشبه الاحرام به قبل ميقاته، ولأن فى صحته اختلافا، فإن أحرم به قبل أشهره صح، وإذا بقى على
إحرامه إلى وقت الحج جاز، نص عليه أحمد، وهو قول مالك والثورى وأبى حنيفة وإسحاق ، وقال عطاء وطاوس
ومجاهد والشافعى: يجعله عمرة، لقول الله تعالى ﴿الحج أشهر معلومات - ٢: ١٩٧) تقديره وقت الحج أشهر، أو
أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ومتى ثبت أنه وقته لم يجز تقديم إحرامه عليه
كأوقات الصلوات. ولنا قول الله تعالى ﴿ يسألونك عن الأهلة، قل هى مواقيت الناس والحج - ٢: ١٨٩﴾ فدل على
أن جميع الأشهر ميقات ـ انتهى. وفيه أنه لو صح ذلك لجاز صيام رمضان فى شهر آخر، فإن قوله تعالى ﴿الحج
أشهر معلومات) لا يختلف عن تعين شهر رمضان باسمه، فإن قوله ((معلومات، كتسميتها سواء. والتمتع أن يهل
بعمرة مفردة من الميقات فى أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه. قال الحافظ: أما التمتع فالمعروف أنه
الاعتمار فى أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج فى تلك السنة ، ويطلق التمتع فى عرف السلف على
القران أيضا. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنن التمتع المراد بقوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى
الحج - ٢: ١٩٦ ) أنه الاعتمار فى أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضا القران لأنه تمتع بسقوط سفر النسك
الآخر من بلده ، ومن التمتع أيضا فسخ الحج إلى العمرة - انتهى. وقال ابن قدامة فى المغنى: قال ابن المنذر: أجمع
أهل العلم على أن من أهل بعمرة فى أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات وقدم مكة نفرغ منها وأقام بها وحج من
عامه أنه متمتع. وقال أيضا: لا نعلم بين أهل العلم خلافا فى أن من اعتمر فى غير أشهر الحج عمرة وحل منها قبل أشهر
الحج أنه لا يكون متمتعا إلا قولين شاذين أحدهما عن طاوس أنه قال: إذا اعتمرت فى غير أشهر الحج ثم أقت حتى
٤٥٨
1

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
الحج فأنت متمتع ، والثانى عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهى متعة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قال بواحد
من هذين القولين - انتهى. قال الراغب: المتاع انتفاع ممتد الوقت، يقال: متعه الله بكذا، ومتعة النكاح هى أن الرجل
كان يشارط المرأة بمال معلوم يعطيها إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فارتها من غير طلاق، ومتعة الحج ضم
العمرة إليه - انتهى. قال القارى: التمتع فى اللغة بمعنى التلذذ والانتفاع بالشئى، قال: وإنما سمى متمتعا لانتفاعه
بالتقرب إلى الله تعالى بالعبادتين، أو لتمتعه بمحظورات الإحرام بعد التحلل من العمرة، أو لاتفاعه بسقوط العود إلى
الميقات ولا يبعد أن يقال لتمتعه بالحياة حتى أدرك إحرام الحجة - انتهى. واختلف أصحاب المذاهب الأربعة فى معنى
التمتع المصطلح وشرائطه، من شاء الوقوف على ذلك فليرجع إلى كتب فروعهم ومناسكهم، كشرح اللباب لعلى القارى
وغنية الناسك من مناسك الحنفية، والمغنى مع الشرح الكبير ونيل المآرب ونور الظلام من كتب الحنابلة ، وشرح
المنهاج والمواهب من كتب الشافعية، والمنتقى الباجى، والدسوقى على الشرح الكبير للدردير والبداية لابن رشد من
كتب المالكية. وأما القران فصورته: الإهلال بالحج والعمرة معا وهذا متفق على جوازه، أو الإهلال بالعمرة
ثم يدخل عليها الحج أو عكسه، وهذا مختلف فيه، وهو مصدر قرن من باب («نصر» وقيل من باب («ضرب» وفعال
يحتى مصدرا من الثلاثى كلباس، وهو الجمع بين الشيئين ، قال المحب الطبرى: للقران ثلاث صور: الأولى أن يهل بهما
جميعاً، وعليه دل ظواهر الأحاديث. الثانية أن يهل بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف ، وعليه دل ما تقدم من
حديث ابن عباس وابن عمر وعائشة وحفصة. الثالثة: عكسه، وفيه قولان الشافعى ، أحدهما لا يجوز، وبه قال مالك
وهو الأصح، والثانى يجوز، وبه قال أبو حنيفة. والأول أصح، ويؤيده ما روى عن على أنه سأله أبو نضرة فقال قد
أهللت بالحج فهل أستطيع أن أضيف إليها عمرة ؟ قال لا ذاك لو كنت بدأت بالعمرة، وبأن أفعال العمرة استحقت
بالاحرام بالحج، فلم يبق فى إدخالها فائدة بخلاف العكس - انتهى. قلت: اختلفوا فى مصداق القران اصطلاحا
كالتمتع، فقالت الشافعية: هو أن يحرم بهما معا، ولو أحرم بعمرة فى أشهر الحج أو قبلها ثم يحمج فى أشهره قبل
الشروع فى الطواف كان قارنا بخلاف ما إذا شرع فى الطواف ولو بخطوة فإنه لا يصح إدخاله حينئذ لأخذه فى أسباب
التحلل ، ولا يجوز عكسه وهو إدخال العمرة على الحج فى الجديد إذ لا يستفيد به شيئا آخر، كذا فى شرح المنهاج.
وقال الولى العراقى: لو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة ففيه قولان الشافعى، أصمهما لا يصح إحرامه بالعمرة ، والثانى
يصح ويصير قارنا بشرط أن يكون قبل الشروع فى أسباب التحلل من الحج. وقيل قبل الوقوف بعرفات ، وقيل قبل
فعل فرض، وقيل قبل فعل طواف القدوم أو غيره - انتهى. وقال أيضا: اختلفوا فى إدخال العمرة على الحج فجوزه
أصحاب الرأى، وهو قول الشافعى لهذه الأحاديث يعنى التى تدل على أنه مَ ◌ّ أحرم بالحج أولا ثم صار قارنا بإدخال
٤٥٩

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠- كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
العمرة عليه، قال: ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصا بالني مَثّ لضرورة الاعتمار حينئذ فى أشهر الحج - انتهى. ولا
يخفى ما فى دعوى الاختصاص. وقالت الحنابلة: القران هو أن يحرم بهما معا أو يحرم بها ثم يدخل الحج عليها،
ويشترط لصحة إدخال الحج عليها أن يكون ذلك قبل الشروع فى طوافها ، ولا يشترط للإدخال كون ذلك فى أشهر.
الحج ولا كون ذلك قبل طوافها وسعيها لمن معه هدى فيصح من معه هدى ولو بعد سعيها، وإن أحرم بالحج ثم أحرم
بها لم يصح إحرامه بها، كذا فى نيل المآرب. وقال ابن قدامة: أما إدخال العمرة على الحج فغير جائز، فإن فعل لم
يصح ولم يصر قارنا، روى ذلك عن على، وبه قال مالك وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: يصح
ويصير قارنا لأنه أحد السكين ، فجاز إدخاله على الآخر قياسا على إدخال الحج على العمرة، ولنا ما روى الأثرم
بإسناده فذكر أثر على بنحو ما تقدم، وقال أيضا: وكل متمتع خشى فوات الحج فإنه يحرم بالحج ويصير قارنا ، وكذلك
المتمتع الذى معه هدى، فإنه لا يحل من عمرته بل يهل بالحج معها فيصير قارنا. ولو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف
من غير خوف الفوات جاز وكان قارنا بغير خلاف. وقد فعل ذلك ابن عمر. ورواه عن النبى مَّة ، فأما بعد الطواف
فليس له ذلك ولا يصير قارنا. وبهذا قال الشافعى. وقال مالك: يصير قارنا وحكى ذلك عن أبى حنيفة - انتهى.
وأما عند الحنفية، فهو أى القارن من أحرم بهما معا أو أدخل إحرام الحج على إحرام العمرة قبل أن يطوف لها
أكثر الأشواط، أو أدخل إحرام العمرة على إحرام الحج قبل أن يطوف للقدوم ولو شوطا ولا إساءة فى القسمين
الأولين وهو قارن مسئى فى الثالث، قاله ابن نجيم ، وارجع لمزيد التفصيل إلى «غنية الناسك، وأما عند المالكية،
ففى البداية هو أن يهل بالفسكين معا أويهل بالعمرة فى أشهر الحج ثم يردف ذلك بالحج قبل أن يحل من العمرة ، واختلف
أصحاب مالك فى الوقت الذى يكون ذلك له فيه، فقيل: ذلك له ما لم يشرع فى الطواف ولو شوطا واحدا ، وقيل ما لم
يطف ويركع ، ويكره بعد الطواف وقبل الركوع، فإن فعل لزمه، وقيل له ذلك ما بقى عليه شئ من عمل العمرة من
طواف أو سعى، ما خلا أنهم اتفقوا على أنه إذا أهل بالحج ولم يق عليه من أفعال العمرة إلا الحلاق فإنه ليس بقارن -
انتهى. وقال الدردير: القرآن أن يحرم بهما معا، أو يحرم بالعمرة ويردف الحج عليها بعد الإحرام قبل طوافها أو فى
طوانه قبل تمامہ، و کرهبعدالطواف قبل الركوع، ویصح فىالر کوع أیضا لا بعده ۔انتھی باختصار ، وقد ظهر بما قدمنا
من اختلاف الأئمة فى مصداق القران المصطلح أنه لا يصح إدخال العمرة على الحج عند مالك وأحمد والشافعى فى أصح قوليه
قلت: ويشكل هذا على المحققين من الشافعية والمالكية كالنووى والحافظ والقاضى عياض ومن تبعهم ، فانهم كما قدمنا
أولوا الأحاديث التى تدل على أنه تمَّ كان مفردا، بأنه لي أولا بالحج مفردا ثم أدخل عليه العمرة وصار قارنا، فإنه إذا لم
يجز عند الشافعية والمالكية إدخال العمرة على الحج فكيف رجح هؤلاء فى إحرامه مؤثر أنه أحرم بالحج أولا ثم أدخل
٤٦٠