Indexed OCR Text
Pages 401-420
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
عند الدارقطنى، و منها حديث عقبة بن عامر عند الطبرانى بنحو حديث ابن عباس عند النسائى فهذه الأحاديث ليس
فيها ذكر نذر الحج وهى مع ما تقدم حجة من قال إن من وجب عليه الحج فى الحياة وترك مالا وجب أن يحج عنه،
وهى ظاهرة فى ذلك لتشبيهه بدين الأدبى، وأجاب المخالفون: بأن الحج أعمال بدنية، وإن كانت تحتاج إلى مال،
والأعمال البدنية تسقط بالموت فلا وجوب لعمل بعد الموت، والذى يحج عنه متطوع وفاعل خيرا. قالوا ووجه
تشبيهه بالدين انتفاع كل منهما بذلك الفعل ، فالمدين ينتفع بقضاء الدين عنه، والميت ينتفع بالحج عنه ، ولا يلزم من
قضاء الدين عن أحد أن القضاء عنه واجب، بل يجوز أن يكون قضاءه عنه غير واجب عليه، واحتجوا أيضا بأن جميع
الأحاديث الواردة بالحج عن الميت واردة بعد الاستيذان فى الحج عنه، قالوا والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد الحظر فهو
للإباحة ، لأن الاستئذان والحظر الأول كلاهما قرينة على صرف الأمر عن الوجوب إلى الإباحة. ومن أمثلة كون الأمر
بعد الاستئذان للإباحة أن الصحابة رضى الله عنهم لما سألوا النبي مؤتم عما اصطادوه بالجوارح واستأذنوه فى أكله نزل فى
ذلك قوله تعالى: ﴿فكلوا ما أمسكن عليكم - ٤:٥﴾ فصار هذا الأمر بالأكل للإباحة لأنه وارد بعد سؤال واستئذان،
ومن أمثلته من السنة حديث مسلم: أأصلى فى مرابض الغنم؟ قال نعم - الحديث. فإن معنى ((نعم)» هنا «صل فيها، وهذا
الأمر بالصلاة فيها للإباحة، لأنه بعد الاستئذان، وخلاف أهل الأصول فى المسئلة معروف. قال الشنقيطى بعد
سرد الأحاديث المذكورة: هذه الأحاديث تدل قطعا على مشروعية الحج عن المعضوب والميت، وقد قدمنا أن الأظهر
عندنا وجوب الحج فورا ، وعليه فلو فرط وهو قادر على الحج حتى مات مفرطا مع القدرة أنه يحج عنه من رأس ماله
إن ترك مالا، لأن فريضة الحج ترتبت فى ذمته فكانت دينا عليه، وقضاء دين الله صرح النبي مَّه فى الأحاديث
المذكورة بأحقيته حيث قال: فدين الله أحق أن يقضى. أما من عاجله الموت قبل التمكن فمات غير مفرط فالظاهر
لنا أنه لا إثم عليه، ولا دين لله عليه لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب فى ذمته، ولن يكلف الله نفسا إلا وسعها ،
وقد تقدم أن مالكا ومن وافقوه لم يعملوا بظاهر هذه الأحاديث المذكورة مع كثرتها وصحتها لأنها مخالفة عندهم لظاهر
القرآن فى قوله ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ماسعى) وقوله (من استطاع إليه سبيلا) والمعضوب والميت ليس واحد منهما
بمستطيع لصدق قولك: إنه غير مستطيع بنفسه، قال: وما اشتهر عن مالك من أنه يقول: لا يحج أحد عن أحد، معناه عنده
أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه فى الفرض. والمعضوب عنده ليس بقادر، وأحرى الميت، فالحج عنهما من مالهما
لا يلزم عنده إلا بوصية، فإن أوصى به صح من الثلث وتطوع وليه بالحج عنه خلاف الأولى عنده بل مكروه، والأفضل
عنده أن يجعل ذلك المال الذى يحتج به عنه فى غير الحج كأن يتصدق به عنه أو يعتق به عنه ونحو ذلك،فإن أحرم بالحج عنه انعقد
إحرامه وصح حجه عنه، والحاصل أن النيابة عن الصحيح فى غير الفرض عنده مكروهة، والعاجز عنده لا فرض عليه أصلا
للحج، قال الشنقيطى: والأحاديث المذكورة حجة على مالك ومن وافقه، قلت: القول الراجح المعول عليه عندنا هو
٤٠١
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
رواه الترمذى، وابن ماجه.
٢٥٥١ - (٢٣) وعنه، قال: سأل رجل رسول اللّه مَليل، فقال: ما الحاج؟ قال: الشعث التفل. فقام
آخر فقال: يا رسول الله! أى الحج أفضل؟ قال: المج والثج.
ما ذهب إليه الشافعى وأحمد ومن وافقهما للأ حاديث التی ذکرنا وهی نص فى ذلك ، هذا وقد تقدم شئ من الكلام فى
هذه المسألة فى شرح حديث ابن عباس فى قصة استفتاء الخثعمية (رواه الترمذى وابن ماجه) أخرجه الترمذى فى الحج
مختصرا كما ذكره المصنف وفى تفسير سورة آل عمران مطولا وهى الرواية الآتية بعد هذا، وأخرجه ابن ماجه مطولا
فقط فى الحج ، ورواه البيهقى مختصرا فى(ج ٤ : ص ٣٢٧) ومطولافی (ج ٤ : ص ٣٣٠) و (ج٥: ص ٥٨) وروى
الشافعى فى الأم (ج ٢: ص ٩٩) المطول فقط، والدار قطنى (ص ٢٥٥) معطولا ومختصرا كلهم من طريق إبراهيم بن
يزيد الخوزى عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومى عن ابن عمر، قال الترمذى: هذا حديث حسن ، وإبراهيم بن يزيد
هو الخوزى المكى ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه - انتهى. قلت: تحسين الترمذى لهذا الحديث لا وجه له
لأن إبراهيم بن يزيد الخوزى المذكور متروك لا يحتج به كما جزم به غير واحد بل ذكر الحافظ فى التهذيب ما يدل على
أنهم أجمعوا على تركه وتضعيفه، ومنهم من كان يرميه بالكذب. ونقل المذرى تحسين الترمذى وأقره، وقال الحافظ
فى التلخيص بعد نقل تحسين الترمذى: هو من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزى، وقد قال فيه أحمد والنسائى متروك
الحديث. وقيل لعل الترمذى حسنه لشواهده وقد تقدمت الإشارة إليها، وقيل: الظاهر أن الترمذى كان حسن الرأى فيه
وكان هو حسن الحديث عنده ولذلك حسن روايته هذه.
٢٥٥١ - قوله (ما الحاج؟) أى الكامل، والمعنى ما صفة الحاج الذى يحمج؟ أو يكون ((ما)) بمعنى (من)، قال
الطيبي: يسئل بما عن الجنس وعن الوصف، والمراد هنا الثانى بجوابه ويجى. قلت: وقع عند الترمذى فى التفسير بلفظ
((من الحاج؟، وكذا ذكره المنذرى فى ترغيبه وعزاه لابن ماجه والزيلعى فى نصب الراية (ج ٣: ص ٨) وعزاه
الترمذى وابن ماجه (قال الشعث) بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة ، وبالثاء المثلثة وهو البعيد العهد بتسريح شعره
وغسله، وقال القارى: أى المنبر الرأس من عدم الغسل، مفرق الشعر من عدم المشط، وحاصله تارك الزينة (التفل)
بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الفاء، وهو الذى ترك الطيب حتى تغيرت رائحته، وقال القارى: أى تارك الطيب فيوجد
منه رائحة كريهة ، من تفل الشئى من فيه إذا رمى به متكرها له (أى الحج) أى أعماله أو خصاله بعد أركانه (أفضل ؟) أى
أكثر ثوابا (قال العج والتج) الأول بفتح العين المهملة وبالجيم المشددة ، وهو رفع الصوت بالتلبية، والثانى بفتح الثاء
المثلثة وبالجيم المشددة، وهو سيلان دماء الهدى، وقيل دماء الأضاحى. قال وكيع فى رواية ابن ماجه: يعنى بالعج
المجيج بالتلبية، والتج نحر البدن. قال الطبي: ويحتمل أن يكون السؤال عن نفس الحج، ويكون المراد ما فيه المج
٤٠٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
فقام آخر فقال: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: زاد وراحلة. رواه فى شرح السنة ، وروى
ابن ماجه فى سننه، إلا أنه لم يذكر الفصل الأخير.
والتج. وقيل: على هذا يراد بها الاستيعاب لأنه ذكر أوله الذى هو الإحرام وآخره الذى هو التحال بإراقة الدم
اقتصارا بالمبدأ والمنتهى عن سائر الأفعال، أى الذى استوعب جميع أعماله من الأركان والمندوبات (ما السبيل ؟) أى
المذكور فى قوله تعالى ﴿من استطاع إليه سبيلا) (قال: زاد وراحلة) أى بحسب ما بليقان بكل أحد ، والظاهر أن
المعتبر هو الوسط بالنسبة إلى حال الحاج، وقوله ((زاد وراحلة)) كذا وقع فى جميع نسخ المشكاة، وهكذا وقع عند
الشافعى والبيهقى (ج ٤: ص ٣٣٠) ووقع عند الترمذى وابن ماجه والدارة ثنى والبيهقي (ج°٥: ص ٥٨) الزاد والراحلة
أى معرفا بالام، وكذا ذكره المنذرى فى الترغيب نقلاعن ابن ماجه (رواه) أى صاحب المصابيح (فى شرح السنة) أى
الحدیث بکاله مسندا (وروى ابن ماجه) أى الحديث، وكان حقه أن يقول: ورواه ابن ماجه(فى سننه إلا أنه) أی ابن
ماجه (لم يذكر الفصل الأخير) أى من الفصول الثلاثة فى الحديث، وهو الأخر من قوله: نظام آخر، والفصل هنا بمعنى
الفقرة فى الكلام ، وهذا وهم من المصنف فإن الحديث رواه ابن ماجه بكماله مسندا، وكذلك رواه الترمذى فى التفسير،
والشافعی والدار قطنی ثم البهق فى سننهما كلهم من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزی عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن
عمر، وتقدم أن إبراهيم بن يزيد ضعيف متروك فهذا الحديث أيضا ضعيف كالأول، ولكن حسنه المنذرى وقال:
رواه ابن ماجه بإسناد حسن ، وقال الترمذى فى التفسير بعد سياقه: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن
يزيد الخوزى المكى وقد تكلم بعض أهل العلم فى إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه انتهى. ومقتضى ما نقل الزيلمى
عن الترمذى أنه وصف الحديث فى التفسير بالغرابة حيث قال: قال الترمذى: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث
إبراهيم، إلخ. قال الزيلمى: وله طريق آخر عند الدارقطنى فى سننه، أخرجه عن محمد بن الحجاج المضفر ثنا جرير
ابن حازم، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عمر مرفوعا، ومحمد بن الحجاج المضفر ضعيف - انتهى. وهو - كما
قال الريلمى - ضعيف. قال الذهبي في الميزان فيه: روى عباس عن يحي: ليس بثقة. وقال أحمد تركنا حديثه. وقال
البخارى عن شعبة: سكتوا عنه. وقال النسائى: متروك. ثم ذكر بعض عجائبه، وعلى كل حال فهو لا يحتج به.
واعلم أن إبراهيم بن يزيد الخوزى كما تابعه فى هذه الرواية جرير بن حازم من طريق محمد بن الحجاج المضفر الذى
ذكرنا آنفا أنه لا يحتج به، فقد تابعه أيضا فيها غيره من الضعفاء. قال الزيلمى بعد أن ذكر حديث إبراهيم الخوزى
المذكور عند الترمذى وابن ماجه: ورواه الدار قطنى (ج ٢: ص ٢٥٥) ثم البيهقى (ج ٤: ص ٣٣٠) قال الدار قطنى:
وقد تابع إبراهيم بن يزيد عليه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثى، فرواه عن محمد بن عباد عن ابن عمر عن النبي
كذلك - انتهى. وهذا الذى أشار إليه رواه ابن عدى فى الكامل، وأعله بمحمد بن عبد الله الليثى، وأسند تضعيفه
٤٠٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
عن النسائى وابن معين. ثم قال: والحديث معروف بإبراهيم بن يزيد الخوزى، وهو من هذه الطريق غريب. ثم
ذکر عن البیهقی قضعيف إبراهيم المذكور. قال: وروی من أوجه أخرى كلها ضعيفه. وروى عن ابن عباس من
قوله، ورويناه من أوجه صحيحة عن الحسن عن النبى مرَّة مرسلا وفيه قوة لهذا السند - انتهى. ثم قال الزيلعى: قال
الشيخ فى الامام: قوله «فيه قوة، فيه نظر لأن المعروف عندهم أن الطريق إذا كان واحدا ورواه الثقات مرسلا وانفرد
ضعيف برضه ، أن يعلوا المسند بالمرسل، ويحملوا الغلط على رواية الضعيف، فإذا كان ذلك موجبا لضعف المسند
فكيف يكون تقوية له؟ انتهى. وهو كما قال كما هو معروف فى الأصول وعلم الحديث، ثم قال الزيلعى: قال يعنى الشيخ
فى الامام: والذى أشار إليه من قول ابن عباس رواه أبو بكر بن المنذر حدثنا علان بن المغيرة ثنا أبو صالح عبد الله
ابن صالح: حدثنى معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قوله. والمرسل رواه سعيد بن منصور فى سننه:
حدثنا هشام: ثنا يونس عن الحسن قال: لما نزلت {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ قال رجل:
يا رسول الله وما السبيل؟ قال: زاد وراحلة - انتهى. حدثنا الهشيم: ثنا منصور عن الحسن مثله، حدثنا خالد بن
عبد الله عن يونس عن الحسن مثله. قال: وهذه أسانيد صحيحة إلا أنها مرسلة. وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث الذى
فيه ذكر الزاد والراحلة مسندا، والصحيح رواية الحسن عن النبى تؤثّم مرسلا، وأما المسند فإنما رواه إبراهيم بن
يزيد وهو متروك، ضعفه ابن معين وغيره - انتهى من نصب الراية. وبهذا تعلم أن حديث ابن عمر المذكور لم يسند من
وجه صحيح، لأن إبراهيم الخوزى متروك، ومحمد بن الحجاج المضفر الذى ذكرنا أن إبراهيم تابعه عليه جرير بن حازم
من طريقه لا يحتج به كما بيناه ، وقد بينا أن متابعة محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليى لا تقويه لأنه ضعيف، ضعفه
النسائى وأعل الحديث به ابن عدى فى الكامل. وقال الذهبي فى الميزان: ضعفه ابن معين، وقال البخارى: منكر الحديث. وقال
النسائى متروك - انتهى. وأما مرسل الحسن البصرى المذكور وإن كان إسناده صحيحا إلى الحسن فلا يحتج به، لأن مراسيل
الحسن لا يحتج بها . قال الحافظ فى تهذيب التهذيب فى ترجمته: وقال الدار قطنى مراسيله فيها ضعف. وقال فيه أيضا: وقال
محمد بن سعد: كان الحسن جامعا عالما رفيعا فقيها، ثقة مأمونا، عابدا ناسكا، كثير العلم ، فصيحا جميلا وسيما . وكان ما
أسند من حديثه وروى عمن سمع منه فهو حجة، وما أرسل فليس بحجة. وقال السيوطى فى التدريب (ص ٦٩): وقال
أحمد بن حقبل: مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعى لا بأس بها ، وليس فى المرسلات
أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح ، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد ، ثم قال بعد ذلك: وقال العراقى:
مراسيل الحسن عندهم شبه الريح. وعدم الاحتجاج بمراسيل الحسن هو المشهور عند المحدثين. وقال بعض أهل العلم:
هى صحاح إذا رواها عنه الثقات. قال الحافظ فى تهذيب التهذيب: وقال ابن المدينى: مرسلات الحسن إذا رواها عنه
الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها، وقال أبو زرعة: كل شئى يقول الحسن ((قال رسول الله ملين، وجدت له أصلا
٤٠٤
.
١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
٢٥٥٢ - (٢٤) وعن أبى رزين العقيلى، أنه أتى التى مَِّي، فقال: يا رسول الله! إن أبى شيخ كبير
لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: حج عن أبيك واعتمر.
ثابتاً ، ما خلا أربعة أحاديث - انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن حديث ابن عمر المرفوع فى تفسير الاستطاعة بالزاد
والراحلة لم يثبت من وجه صحيح بحسب صناعة علم الحديث ، لكن له شواهد بعضها صحيح وبعضها حسن. وعلى هذا
فلا شك فى أن حديث الزاد والراحلة بمجموع طرقه صالح للقبول والاحتجاج كما قال الشوكانى وغيره .
٢٥٥٢ - قوله (وعن أبى رزين) بفتح الراء وكسر الزاى (العقيلى) بالتصغير واسمه لقيط بن عامر العامرى
وافد بنى المنتفق قال الترمذى بعد رواية حديثه: وأبو رزين العقيلى اسمه لقيط بن عامر. وقال الحافظ فى التقريب:
لقيط بن صبرة ، بفتح المهملة وكسر الموحدة صحابى مشهور، ويقال: إنه أى صبرة جده ، واسم أبيه عامر ، وهو أبو
رزين العقيلى، والأكثر على أنهما اثنان - انتهى. وقد تقدم ترجمة لقيط بن صبرة فى الفصل الثانى من باب سنن
الوضوء (أنه أتى النبي ◌َّ فقال يا رسول الله إن أبى شيخ كبير) إلخ. قال الحافظ: هذه قصة أخرى، أى غير قصة
الختعمية. قال ومن وحد بينها وبين حديث الخشعمية فقد أبعد وتكلف (ولا الظعن) بفتحتين أو سكون الثانى،
والأولى معجمة والثانية مهملة ، مصدر ظعن يظعن بالضم - إذا سار. وفى المجمع: الظعن الراحلة. أى لا يقوى على
السير ولا على الركوب من كبر السن - انتهى. وقيل: يمكن أن يكنى به عن القوة ويراد بنفى الاستطاعة عدم الزاد
والراحلة ، كأنه قال ليس له زاد ولا راحلة ولا قوة على السير والركوب. وقال المظهر: يحتمل أن يريد بقوله : لا
يستطيع الحج والعمرة، الذهاب إليهما راجلا ، وبالظعن ركوب الدابة (قال حج) بالحركات فى الجيم، والفتح هو
المشهور (عن أيك) الذى كبر ، وفيه دليل على جواز حج الولد عن أبيه العاجز. وقال المحب الطبرى: فيه أبين البيان
على جواز حج الإنسان عن الحى الذى لا يستطيع الحج بنفسه ، وأنه ليس كالصلاة والصوم وسائر الأعمال البدنية ،
وأنه ◌َّ أخبر أن الله عز وجل إنما أراد بقوله: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) بعض الأعمال دون بعض
وقيل: إن الآية عامة خصها هذا الحديث وأمثاله. وقيل: إن ولد الرجل من كسبه كما ورد فى بعض الآثار، وعليه فالآية
عامة، وحج الولد عن أبيه متناول لها ، وقد تقدم بسط الكلام فى مسألة النيابة بالحج فى شرح حديث الختعمية وفى شرح حديث الزاد
والراحلة (واعتمر) استدل به من قال بوجوب العمرة، وقد ذهب إلى وجوبها جماعة من أهل الحديث، وهو المشهورعن
الشافعى وأحمد، وبه قال إسحاق والثورى والمزنى. قال أحمد: لا أعلم فى إيجاب العمرة حديثا أجود من هذا ولا
أصح منه، وأجيب عنه بما قال السندى: لا يخفى أن الحج والعمرة عن الغير ليسا بواجبين على الفاعل، فالظاهر حمل
الأمر على الندب وحينئذ دلالة الحديث على وجوب العمرة خفاؤها لا يخفى - انتهى. وبما ذكر الشنقيطى: أن صيغة
٤٠٥
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
الأمر فى قوله ((واعتمر)) واردة بعد سؤال أبى رزين، وقد قرر جماعة من أهل الأصول أن صيغة الأمر الواردة بعد
المنع أو السؤال إنما تقتضى الجواز لا الوجوب لأن وقوعها فى جواب السؤال عن الجواز دليل صارف عن الوجوب
إلى الجواز، والخلاف فى هذه المسألة معروف - انتهى. والمشهور عن المالكية أن العمرة ليست بواجبة وهو قول
الحنفية، واستدل القائلون بالوجوب أيضا بما روى عن عمر فى سؤال جبريل عن الإسلام، وفيه (وأن تحج وتعتمر»
أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والدار قطنى وغيرهم، وأجيب عن هذا بأن مجرد اقتران العمرة بالأمور الواجبة المذكورة
فى الحديث لا يكون دليلا على الوجوب لما تقرر فى الأصول من ضعف دلالة الاقتران لا سيما وقد عارضها ما سيأتى
من الأدلة القاضية بعدم الوجوب، فإن قيل: إن وقوع العمرة فى جواب من سأل عن الاسلام يدل على الوجوب.
فيقال: ليس كل أمر من الإسلام واجبا، والدليل على ذلك حديث شعب الإسلام والإيمان، فإنه اشتمل على أمور
ليست بواجبة بالإجماع، واستدلوا أيضا بما رواه ابن عدى والبيهقى عن جابر مرفوعا: الحج والعمرة فريضتان. وفيه
ابن لهيعة وهو ضعيف، وقال ابن عدى: هو غير محفوظ عن عطاء عن جابر. وأخرجه أيضا الدار قطنى من حديث
زيد بن ثابت بزيادة ((لا يضرك بأيهما بدأت)) وأجيب عنه بأن فى إسناده إسماعيل بن مسلم المكى وهو ضعيف. وفى
الحديث أيضا انقطاع. ورواه البيهقى موقوفا على زيد. قال الحافظ وإسناده أصح، واستدلوا أيضا بحديث عائشة عند
أحمد وابن ماجه «قالت: يا رسول الله أ على النساء جهاد؟ قال نعم عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة، وقد ذكره
المصنف فى الفصل الثالث ، وأجيب عنه بأن لفظة «عليهن، ليست صريحة فى الوجوب فقد تطلق على ما هو سنة مؤكدة،
وإذا كان محتملا لارادة الوجوب والسنة المؤكدة لوم طاب الدليل بأمر خارج، وقد دل دليل خارج على وجوب
الحج، ولم يدل دليل خارج يجب الرجوع إليه على وجوب العمرة، وبحديث الصبى بن معبد، قال: أتيت عمر فقلت:
يا أمير المؤمنين إنى أسلمت وإنى وجدت الحج والعمرة مكتوبين على فأهللت بهما، فقال عمر، هديت لسنة نيك مت }.
وبحديث عمرو بن حزم أن النبى ميز كتب إلى أهل اليمن كتابا ، وبعث به مع عمرو بن حزم، وكان فى الكتاب:
أن العمرة هى الحج الأصغر، أخرجه الدار قطنى والأثرم. وبحديث ابن مسعود المتقدم بلفظ «تابعوا بين الحج والعمرة»
وقد تقدم الجواب عنه، واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله) قال ابن قدامة: ومقتضى الأمر
الوجوب ثم تعطفها على الحج، والأصل التساوى بين المعطوف والمعطوف عليه، قال ابن عباس: إنها لقرينة الحج
فى كتاب الله. وفيه أن لفظ الاتمام مشعر بأنه إنما يجب بعد الإحرام لا قبله، ويدل على ذلك ما أخرجه الشيخان
وغيرهما عن يعلى بن أمية، قال: جاء رجل إلى النبي مَثَّم وهو بالجعرانة، عليه جبة وعليها خلوق، فقال كيف تأمرفى
أن أصنع فى عمرقى، فنزات: {وأتموا الحج والعمرة لله) والسائل قد أحرم، وإذا سأل كيف يصنع؟ وقد انعقد
الإجماع على وجوب إتمام الحج والعمرة ولو أفسدهما. قال ابن القيم: وليس فى الآية فرضها، وإنما فيها إتمام الحج
٤٠٦
ـرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
والعمرة بعد الشروع فيهما ، وذلك لا يقتضى وجوب الابتداء، وأجمع أهل العلم على مشروعيتها كالحج، واستدل
القائلون بعدم الوجوب بما رواه الترمذى وصححه وأحمد والبيهقى وغيرهم عن جابر أن أعرابيا جاء إلى رسول الله مز ٹے
فقال: يا رسول اللّه أخبرنى عن العمرة أواجبة هى؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك. وفى رواية: أولى لك.
وأجيب عنه بأن فى إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، وتصحيح الترمذى له فيه نظر، لأن الأكثر على تضعيف
الحجاج، واتفقوا على أنه مدلس على أن تصحيح الترمذى له إنما ثبت فى رواية الكروخى فقط ، وقد نبه صاحب
الإمام على أنه لم يزد على قوله حسن فى جميع الروايات عنه إلا فى رواية الکروخى. وقد رواه البيهقى من حديث
سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر بنحوه. ورواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن
جابر ، ورواه ابن عدى من طريق أبى عصمة عن ابن المنكدر عن أبى صالح، وأبو عصمة قد كذبوه. وفى الباب عن
أبى هريرة عند الدار قطنى وابن حزم والبيهقى أن رسول اللّه مَثم قال: الحج جهاد والعمرة تطوع. وإسناده ضعيف كما
قال الحافظ: وعن طلحة عند ابن ماجه بنحوه بإسناد ضعيف، وعن ابن عباس عند البيهقى. قال الحافظ: ولا يصح
من ذلك شفى قال الشوكانى: وبهذا تعرف أن الحديث من قسم الحسن لغيره وهو محتج به عند الجمهور ، ويؤيده ما عند
الطبرانى عن أبى أمامة مرفوعا: من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة ، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة.
قلت: ولما اختلفت الأدلة فى إيجاب العمرة وعدمه اختلف العلماء فى ذلك سلفا وخلفا، فذهب عمر وابن عباس وزيد
ابن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبى إلى
وجوبها ، وبه قال الثوری وإسحاق والشافعى وأحمد فى أحد قولیهما . واختاره الخاری فی صححه. وروى عن ابن
مسعود أن العمرة ليست واجبه، وبه قال مالك وأبو ثور وأبو حنيفة وهو أحد قولى الشافعى وأحمد واختيار ابن
تيمية. وقال الشوكانى بعد ذكر أدلة الفريقين، والحق عدم وجوب العمرة لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل
يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك لا سيما مع اعتضادها بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب، ويؤيد
ذلك اقتصاره توزيع على الحج فى حديث «نى الإسلام على خمس، واقتصار الله جل جلاله على الحج فى قوله تعالى:
{ولله على الناس حج البيت) قلت: ويؤيده أيضا قوله مثل الذى قال ((لا أزيد عليهن ولا أنقص»: لئن صدق
ليدخلن الجنة. وقال شيخنا الأجل المباركفورى بعد ذكر دلائل وجوب العمرة: والظاهر هو وجوب العمرة والله
أعلم. وقال الشنقيطى بعد ذكر كلام الشوكانى: الذى يظهر لى أن ما احتج به كل واحد من الفريقين لا يقل عن درجة
الحسن لغيره فيجب الترجيح بينهما، وقد رأيت الشوكانى رجح عدم الوجوب بموافقته البراءة الأصلية ، والذى يظهر
بمقتضى الصناعة الأصولية ترجيح أدلة الوجوب على أدلة عدم الوجوب، وذلك من ثلاثة أوجه: الأول أن أكثر أهل
الأصول يرجحون الخبر الناقل عن الأصل على الخبر المبنى على البراءة الأصلية. الثانى أن جماعة من أهل الأصول
٤٠٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
٢٥٥٣ - (٢٥) وعن ابن عباس، قال: إن رسول اللّه ◌َالله، سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة.
قال: من شبرمة؟ قال: أخ لى أو قريب لى. قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا.
رجحوا الخبر الدال على الوجوب على الخبر الدال على عدمه. ووجه ذلك هو الاحتياط فى الخروج من عهدة الطلب.
الثالث أنك إن عملت بقول من أوجبها فأديتها على سبيل الوجوب برئت ذمتك بإجماع أهل العلم من المطالبة بها ولو
مشيت على أنها غير واجبة فلم تؤدها على سبيل الوجوب بقيت مطالبا بواجب على قول جمع كثير من العلماء، والنبي مؤثّة
يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريك. ويقول: فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وهذا المرجح راجع فى الحقيقة لما
قبله - انتهى. واستدل بإطلاق الحديث على صحة حجة من لم يحج نيابة عن غيره. ويأتى الكلام فى هذا فى شرح
حديث ابن عباس الذى يليه (رواه الترمذى) إلخ، وأخرجه أيضا ابن ماجه وابن حبان فى صحيحه كما فى موارد الظمآن
(ص ٢٣٩) والدار قطنى (ج ٢: ص ٢٨٢) والحاكم (ج ١: ص ٤٨١) وصححه، والبيهقى (ج ٤: ص ٣٥٠) ونقل
المنذرى فى مختصر السنن (ج ٢: ص ٣٣٣) تصحيح الترمذى وأقره، وتقدم قول الامام أحمد: لا أعلم فى إيجاب
العمرة حديثا أجود من هذا ولا أصح منه .
٢٥٥٣ - قوله (سمع رجلا) قال الحافظ فى التلخيص (ص ٢٠٣): زعم ابن باطيس: أن اسم الملي نيشة
وهو وهم منه فإنه اسم الملي عنه فيما زعم الحسن بن عمارة، وخالفه الناس فيه فقالوا إنه شبرمة. وقد قيل: إن الحسن
ابن عمارة رجع عن ذلك فحدث به على الصواب . وافقالرواية غيره. وقد بينه الدار قطنى فى السنن (ج ٢: ص ٢٧٦)
(لبيك عن شبرمة) أى نيابة عنه فى الحج والعمرة وشبرمة، بضم الشين المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة. قيل هو
صحابى توفى فى حياته مَّة. قال الجزرى فى أسد الغابة ((شبرمة) غير منسوب، له صحبة توفى فى حياة رسول الله ، ف}
روى عطاء عن ابن عباس: أن النبي مَّ سمع رجلا يلبي عن شبرمة، فذكر الحديث. وقال الحافظ فى الإصابة فى
القسم الأول من حرف الشين المعجمة ((شبرمة) غير منسوب وقع ذكره فى حديث صحيح، فروى أبو داود وأحمد
وإسحاق وأبو يعلى والدارقطنى والطبرانى من طريق عزرة بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: سمع مرّة
رجلا يلي عن شبرمة فقال: أحججت؟ قال: لا. قال: هذه عن نفسك وحج عن شبرمة. وروى الدار قطنى من
طريق عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس نجوه، ورواه الدار قطنى من طريق أبي الزبير عن جابر، ومن طريق
عطاء عن عائشة نحوه (قال: أخ لى) أى من النسب (أو قريب لى) شك من الراوى (أحججت) بهمزة الاستفهام
(عن نفسك؟) أى أولا. وعند ابن حبان ((هل حججت قط؟)) (قال: لا.) أى لم أحج عن نفسى
٤٠٨ .
مرعاة المفاتيح ج ٨.
١٠ - كتاب المناسك
قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة.
(قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) وفى رواية للدارقطنى وابن حبان وابن ماجه: فاجعل هذه عن نفسك ثم حج
عن شبرمة. قال ابن حبان: قوله اجعل هذه عن نفسك أمر وجوب، وقوله: ثم حج عن شبرمة أمر إباحة -انتهى. قال
السندى: مفاد الحديث أن من عليه حجة الإسلام وأحرم بغيرما لا يجب عليه المضى فى الغير بل يجب عليه صرف ذلك الاحرام
إلى حجة الإسلام، لأن جعل تلك الحجة عن نفسه لا يكون إلا كذلك - انتهى. قلت: ظاهر الحديث أنه لا يجوز لمن
لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره سواء كان مستطيعا أو غير مستطيع لأن النبي مؤثر لم يستفصل هذا الرجل الذى سمعه يلي
عن شبرمة ، وهو منزل منزلة العموم، وإلى ذلك ذهب الشافعى. وقال الثورى: إنه يجزئ حج من لم يحج عن نفسه ما لم
يتضيق عليه، واستدل له بقوله مثّ فى رواية للدار قطنى: أيها الملبى عن نبيشة! هذه عن نبيشة، واحجج عن نفسك، فكانه
جمع بين هذا وبين حديث الكتاب بحمل حديث الكتاب على من كان مستطيعا، ولكن رواية الدار قطنى هذه قد تفردبها الحسن
ابن عمارة وهو متروك الحديث. وقد روى الدار قطنى حديث نبيشة موافقا لحديث شبرمة، وتقدم قول من قال إن اسم شبرمة
نبيشة. قال المحب الطبرى: فى الحديث دلالة للشافعى على أنه لا يحج عن الغير من لم يحج عن نفسه، فإن فعل انقلب إليه ،
ووجه الدلالة قوله «ثم حج عن شبرمة، وثم للترتيب فاقتضى ذلك أن يكون حجه عن الغير بعد حجه عن نفسه، فلغت الإضافة
إلى الغير ، وبقى مجرد الاحرام فانصرف إليه لعدم القائل بالفصل إلا على رواية عن أحمد أنه لا ينعقد عنه ولا عن غيره
ويؤيد ما ذكرناه رواية الدار قطنى وابن ماجه وغيرهما بلفظ «فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)) وهو صريح
فى إثبات المقصود، وممن قال : لا يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه، أحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين وهو قول
الأوزاغى وإسحاق ، وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز أن يحج عن غيره وعليه فرضه وهو قول الحسن وعطاء والثورى،
وبه قال ابن المنذر من الشافعية -انتهى مختصرا، وقال ابن قدامة: ليس لمن لم يحج حجة الاسلام أن يحج عن غيره ، فإن فعل
وقع إحرامه عن حجة الإسلام، وبهذا قال الأوزاعى والشافعى وإسحاق. وقال أبو بكر عبد العزيز: يقع الحج باطلا ولا
يصح ذلك عنه ولا عن غيره . وقال الحسن وإبراهيم وأيوب السختيانى وجعفر بن محمد ومالك وأبو حنيفة: يجوز أن
يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه، وحكى عن أحمد مثل ذلك. وقال الثورى: إن كان يقدر على الحج عن نفسه حج عن "
نفسه، وإن لم يقدر على الحج عن نفسه حج عن غيره، واحتجوا بأن الحج مما تدخله النيابة فجازأن يؤديه عن غيره من لم
يسقط فرضه عن نفسه كالزكاة ، قال ابن قدامة: ولناما روى ابن عباس، فذكر حديث شبرمة ثم قال: ويفارق الزكاة فإنه
يجوز أن ينوب عن الغير وقد بقى عليه بعضها وههنا لا يجوز أن يحج عن الغير من شرع فى الحج قبل إتمامه. قال: إذا
ثبت هذا فإن عليه رد ما أخذ من النفقة لأنه لم يقع الحج عنه فأشبه ما لو لم يحج - انتهى. وقال الأمير اليمانى؛ الحديث
دليل على أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه، فإذا أحرم عن غيره فإنه ينعقد إحرامه عن نفسه، لأنه
٤
٩
منعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
مَفّة أمره أن يجعله عن نفسه بعد أن لى عن شبرمة فدل على أنها لم تنعقد النية عن غيره وإلا لأوجب عليه المضى فيه ،
وأن الاحرام ينعقد مع الصحة والفساد ، وينعقد مطلقا مجهولا معلقا، فجاز أن يقع عن غيره ويكون عن نفسه ، وهذا
لأن إحرامه عن الغير باطل لأجل النهى، والنهى يقتضى الفساد، وبطلان صفة الإحرام لا يوجب بطلان أصله ، وهذا
قول أكثر الأمة أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه مطلقا مستطيعا كان أولا ، لأن ترك الاستفصال
والتفريق فى حكاية الأحوال دال على العموم، ولأن الحج واجب فى أول سنة من سنى الإمكان، فإذا أمكنه فعله عن نفسه
لم يجز أن يفعله عن غيره، لأن الأول فرض والثانى نقل كمن عليه دين وهو مطالب به، ومعه دراهم بقدره لم يكن له أن
يصرفها إلا إلى دينه، وكذلك كل ما احتاج أن يصرفه إلى واجب عنه فلا يصرفه إلى غيره إلا أن هذا إنما يتم فى المستطيع ،
ولذا قيل إنما يؤمر بأن يبدأ بالحج عن نفسه إذا كان واجبا عليه، وغير المستطيع لم يجب عليه جاز أن يحج عن غيره، ولكن
العمل بظاهر عموم الحديث أولى -انتهى. قلت: وأعل ابن الهمام من الحنفية الحديث بالاضطراب فى الرفع والوقف
والإرسال وبعنعنة قتادة، وهو معروف بالتدليس. قال ولو سلم فحاصله أمره بأن يبدأ بالحج عن نفسه وهو يحتمل
الندب فيحمل عليه بدليل إطلاقه مثلهم قوله للخثعمية: حجى عن أيك، من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك وترك
الاستفصال فى مقام الاحتمال ينزل مقام عموم الخطاب، قال وحديث شبرمة يفيد استحباب تقديم حجة نفسه.
وبذلك يحصل الجمع ويثبت أولوية تقديم الفرض على النفل مع جوازه ـ انتهى ملخصا. قال القارى بعد ذكره: لكن
بقى فيه إشكال على مقتضى قواعدنا من أن الشخص إذا تلبس بإحرام عن غيره لم يقدر على الانتقال عنه إلى الإحرام عن نفسه
لللزوم الشرعى بالشروع وعدم تجويز الانقلاب بنفسه فكيف فى إطاعة الأمر، سواء قلنا إنه للوجوب أو الاستحباب فلا
مخلص عنه إلا بتضعيف الحديث أو نسخه لأن حديث الخثعمية فى حجة الوداع ، أو بتخصيص المخاطب بذلك الأمر ،
والله تعالى أعلم - انتهى. قلت: كل ما أعلوا به الحديث وضعفوه به مدفوع كما ستعرف، وأما حمله على النسخ أو
تخصيصه بالمخاطب بذلك الأمر ففيه أن حديث شبرمة خاص وحديث الخثعمية عام ، ولا تعارض بين العام والخاص ،
فيقدم الخاص وبنى العام عليه، والتخصيص خلاف الأصل حتى يرد المخصص صريحا ولا مخصص ههنا. وأما.
حمل ابن الهمام وغيره من الحنفية حديث شبرمة على الندب والأولوية والتمسك لذلك بحديث الخثعمية بأن ترك
الاستفصال ينزل منزلة العموم فى الأقوال، ففيه أنه لا تعارض بين الحديثين لما تقدم، فلا حاجة إلى تكاف الجمع
بينهما ، وقد تعقبه أيضا صاحب فتح الملهم من الحنفية وقد ذكرنا كلامه فى شرح حديث الخثعمية فتذكر ، وقال
الشنقيطى بعد ذكر حديث شبرمة: فيه دليل على أن النائب عن غيره فى الحج لابد أن يكون قد حج عن
نفسه حجة الإسلام وقاس العلماء العمرة على الحج فى ذلك وهو قياس ظاهر ، وخالف فى هذا الاشتراط بعض
العلماء كأبى حنيفة ومن وافقه فقالوا: يصح حج النائب عن غيره وإن لم يحج عن نفسه، واستدلوا بظواهر الأحاديث
٤١٠
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
رواه الشافعی ، وأبو داود ، وابن ماجه.
التى وردت فى الحج عن المعضوب والميت، فإن النبي ◌َّثم يقول فيها («حج عن أبيك، حج عن أمك)) ونحو ذلك من
العبارات، ولم يسأل أحدا منهم هل حج عن نفسه أو لا؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم فى الأقوال. قال
الشنقيطى: الأظهر تقديم الحديث الخاص الذى فيه قصة شبرمة، لأنه لا يتعارض عام وخاص فلا يحج أحد
عن أحد حتى يحج عن نفسه حجة الاسلام ـ انتهى (رواه الشافعى) فى الأم (ج ٢: ص ١٠٥) من طريق ابن
جريج، عن عطاء قال: سمع النبي مَّ رجلا يقول: لبيك عن فلان، فقال له النبي ◌َّم: إن كنت حججت لب عن
فلان، وإلا فاحجج عن نفسك ثم احجج عنه. وهذا كما ترى مرسل. ثم رواه الشافعى من طريق أيوب عن أبى قلابة ،
قال : سمع ابن عباس رجلا يقول : لبيك عن شبرمة ، فقال ابن عباس: ويحك وما شبرمة؟ قال نذكر قرابة له - الحديث
وهذا موقوف. قيل: وأبو قلابة لم يسمع من ابن عباس شيئًا (وأبو داود وابن ماجه) واللفظ لأبي داود ، روياه
من طريق عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا ، وكذا
روى من هذا الطريق ابن الجارود (ص ١٧٨) وإسناد هذا الحديث عند أبى داود وابن ماجه وابن الجارود رجاله
كلهم ثقات معروفون إلا عزرة الذى رواه عنه قتادة وقتادة روى عن ثلاثة كلهم اسمه عزرة، وعزرة المذكور فى إسناد
هذا الحديث عند أبى داود وابن ماجه ذكراه غير منسوب، وكذا ذكره الدار قطنى وابن حبان والبيهقى، وجزم البيهقى
بأنه عزرة بن يحيى ، وعزرة بن يحيى لم يذكره البخارى فى التاريخ، ولا ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ، ولم يخصه
الحافظ فى تهذيب التهذيب بترجمة، ولم يذكره الذهبى فى الميزان ، وقد ذكره الحافظ فى التقريب فقال: عزرة بن يحيى
عن سعيد بن جبير فى قصة شبرمة، وعنه قنادة أيضا، نسبه البيهقى. وبذلك جزم أبو على النيسابورى وهو مقبولاتهى.
وروى البيهقى من طريق عدة بن سلمان الكلابی عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس عن النی بُٹے ، ثم قال: هذا إسناد صحيح، وليس فى هذا الباب أصح منه، وروى موقوفاً ، رواه غندر عن سعيد
ابن أبى عروبة كذلك، وعبدة نفسه محتج به فى الصحيحين، وقد تابعه على رفعه أبو يوسف القاضى ومحمد بن عبد الله
الأنصارى ومحمد بن بشر عن سعيد بن أبى عروبة. ساق الدار قطنى بإسناده رواياتهم. قال البيهقى: من زواه مرفوعا
حافظ ثقة فلا يضره خلاف من خالفه ، يعنى لأن من رفعه حفظ ما لم يحفظ من.وقته، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ
قال: وعزرة هذا هو عزرة بن يحيى ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا على الحافظ يقول ذلك، وقد
روى قنادة أيضا عن عزرة بن تميم وعن عزرة بن عبد الرحمن ثم تساق البيهقى روايات أخرص ابن عباس تؤيد الحديث
المذكور. وذكره الحافظ فى التلخيص وقال بعد ذكر كلام البيهقى فى تصحيحه: وكذا رجح عبد الحق وابن
القطان رفعه. وأما الطحاوى فقال: الصحيح أنه موقوف وقال أحمد بن حنبل: رفعه خطأ. وقال ابن
٤١
١
مرحلة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
٢٥٥٤ - (٢٦) وعنه، قال: وقت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأهل المشرق العقيق.
المذر: لا يثبت رفعه، وقال الدار قطنى: المرسل أصح، قال الحافظ: هو كما قال لكنه يقوى المرفوع لأنه من
غير رجاله، ثم قال: فيجتمع من هذا صحة الحديث. وقال ابن تيمية: إن أحمد حكم فى رواية ابنه صالح عنه أنه
مرفوع، فیکون قد اطلع على ثقة من رفعه. قال: وقد رفعه جماعة على أنه وإن كان موقوفا فليس لابن عباس فيه
مخالف - انتهى. وقال النووى فى شرح المهذب: وأما حديث ابن عباس فى قصة شبرمة فرواه أبو داود والدار قطنى
والبيهقى وغيرهم بأسانيد صحيحة، ثم ذكر لفظ أبى داود ثم قال: وإسناده على شرط مسلم. والظاهر أن النووى يظن أن عزرة
المذكور فى إسناده هو ابن عبد الرحمن، وذلك من رجال مسلم خلافا لما جزم به البيهقى، ثم قال النووى: ورواه البيهقى بإسناد
صحيح عن ابن عباس، ثم ذكر بعض ما ذكر ناسابقا من تصحيح البيهقى للحديث، وأن رفعه أصح من وفقه، قلت: ويظهر من كلام
الحافظ فى التلخيص أن عزرة المذكور فى إسناد حديث شبرمة هو ابن عبد الرحمن، فقد قال: وأعل الحديث ابن الجوزى بعزرة
فقال: قال يحيى بن معين: عزرة لا شئ، ووهم فى ذلك، إنما قال ذلك فى عزرة بن قيس وأما هذا فهو ابن عبد الرحمن ويقال
فيه ابن يحيى، وثقه يحيى بن معين وعلى بن المدينى وغيرهما، وروى له مسلم - انتهى. وبذلك جزم صاحب الجوهر النقى
حیث قال بعد ذکر كلام البيهقى فى نسب عزرة : قلت عزرة الذى روى عن سعيد بن جبير وروى عنه قتاده هو عزرة
ابن عبد الرحمن الخزاعى، کذا ذکر البخاری فی تاریخہ و ابن أبى حاتم وابن حبان وصاحب الکمال والمزی ولیس فی کتاب
أبى داود أحد يقال له عزرة بن يحيى، بل ولا فى بقية الكتب الستة. وترجم المرى فى أطرافه لهذا الحديث فقال: عزرة بن
عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفى تقييد المهمل للغسانى: وروى مسلم عن قتادة عن عزرة وهو عزرة بن
عبد الرحمن الخزاعى عن سعيد بن جبير فى كتاب اللباس-انتهى. وأما إعلال الحديث بأن قتادة لم يصرح بسماعه من عزرة
وهو إمام فى التدليس فقد أجيب عنه بأن الحديث قد صححه ابن حبان، وهذا يدل على أن هذا الحديث عنده مما سمعه قتادة
من شيخه عزرة، وإن لم يذكر سماعه فيه، فقد قال فى مقدمة صحيحه (ج ١: ص ١٢٣): فإذا صح عندى خبر من
رواية مدلس أنه بين السماع فيه، لا أبالى أن أذكره من غير بيان السماع فى خبره بعد صحته عندى من طريق آخر -
انتهى. على أن قتادة قد وافقه فى رفع الحديث عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس عند الدارقطنى وغيره. وله
شاهد من حديث عائشة عند الدارقطنى أیضا وأیی یعلی ، وی سنده ابن أبى للى، وفيه كلام و من حديث جابر عند
الدار قطنى والطبرانى، وفيه ثمامة بن عبيدة وهو ضعيف. فتحصل من هذا كله أن الحديث حسن أو صحيح صالح
للاحتجاج، والله تعالى أعلم.
٢٥٥٤ - قوله (وقت رسول اللّه مثل لأهل المشرق العقيق) قال الطبرى: العقيق موضع قريب من ذات عرق
قبلها بمرحلة أو بمرحلتين. وفى بلاد العرب مواضع كثيرة تسمى العقيق (منها وادى العقيق الذى بقرب المدينة الذى
٤١٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
رواه الترمذى، وأبو داود .
ورد فيه الحديث عن ابن عمر رضى الله عنهما قال ((سمعت رسول اللّه موقع بوادى العقيق يقول: أنانى الليلة آت من
ربى ، فقال: صل فى هذا الوادى المبارك وقل: عمرة فى حجة)، فإن هذا بينه وبين المدينة أربعة أميال تقريبا) وكل موضع
شقه ماء السيل فوسعه فهو عقيق، والجمع أعقة وعقائق - انتهى. وقال الأزهرى فى تهذيب اللغة: يقال لكل مسيل ماء
شقه السيل فأنهره ووسعه عقيق ، قال: وفى بلاد العرب أربعة أعقة وهى أودية عادية. منها عقيق يدفق ماء، فى غور تهامة
وهو الذى ذكره الشافعى فقال: لو أهلوا من العقيق كان أحب إلى، وهذا غير العقيق الذى هو واد بقرب المدينة على
عدة أميال ، والذى جاء ذكره فى حديث ابن عمر المتقدم. وقال القارى: العقيق موضع بحذاء ذات العرق
مما وراءه، وقيل داخل فى حد ذات العرق، وأصله: كل مسيل شقه السيل فوسعه، من العق وهو القطع
والشق. والمراد بأهل المشرق من منزله خارج الحرم من شرقى مكة إلى أقصى بلاد الشرق وهم العراقيون
والمعنى: حد رسول الله موفّه وعين لا حرام أهل المشرق العقيق (رواه الترمذى وأبو داود) من طريق وكيع عن
سفيان عن يزيد بن أبى زياد عن محمد بن على بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس وأخرجه أيضا أحمد (ج ١:
ص ٣٤٤) بهذا الإسناد وقد رواه أبو داود عن أحمد بالاسناد المذكور ورواه البيهقى فى السنن الكبرى (ج ٥:
ص ٢٨) من طريق أبى داود. وقال الترمذى: هذا حديث حسن، وتعقبه المنذری فقال : فی إسناده یزید بن أبي زياد
وهو ضعيف، وذكر البيهقى أنه تفرد به - انتهى. وقال الزيلعى (ج ٣: ص ١٤) بعد نقل كلام البيهقى المذكور عن
معرفة السنن: قال ابن القطان: هذا حديث أخاف أن يكون منقطعا ، فإن محمد بن على بن عبد الله بن عباس إنما عهد
أن يروى عن أبيه عن جده ابن عباس، كما جاءفى ((صحيح مسلم، فى صلاته عليه الصلاة والسلام من الليل، وقال مسلم
فى ((كتاب التمييز)): لا نعلم له سماعا من جده، ولا أنه لقيه، ولم يذكر البخارى، ولا ابن أبى حاتم أنه يروى عن جده،
وذكر أنه يروى عن أيه - انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر فى شرح المسند (ج ٥: ص ٧٣): إسناده صحيح ، ثم
ذكر تخريجه وقال بعد نقل كلام المنذرى والبيهقى وابن القطان عن نصب الراية: أما يزيد بن أبى زياد فئقة عندنا كما
بینا فی (٦٦٢) وأما محمد بن على بن عبد الله بن عباس فقد سبقت روايته عن أبيه عن جده (٢٠٠٢) وذکر فی التهذيب
أنه «روى عن جده يقال مرسل، ولكن الظاهر عندى أنه أدرك جده عبد الله بن عباس وسمع منه، فإنه من طبقة
تدرك ذلك، إذ أن من الرواة عنه هشام بن عروة وهو قديم، أدرك ابن عباس صغيرا فإنه ولد سنة (٦١) أى كانت
سنه عند وفاة ابن عباس فوق السابعة يقينا ، فشيخه لو كان أقدم منه يبضع سنين لما بعد أن يسمع من جده وهو من
أهله، بل أكثر من هذا: أن من الرواة عنه أيضا، أعنى عن محمد بن على ، حبيب بن أبى ثابت ، وهو أقدم من هشام
ابن عروة ، وسمع من ابن عمر وابن عباس ، فأن یکون شيخه سمع من ابن عباس أولى، وقد ترجمه البخاری فی الکبیر
٤١٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١
٢٥٥٥ - (٢٧) وعن عائشة، أن رسول اللّه ورؤالم وقت لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود،
والنسائى.
٢٥٥٦ - (٢٨) وعن أم سلمة، قالت: سمعت رسول اللّه عليه، يقول: من أهل بحجة أو عمرة من
(١/١/ ١٨٣) فذكر أنه روى عن أبيه، وهذا لا ينفى أنه روى عن جده أيضا، ولعله لم يسمع من جده إلا قليلا،
فكانت أكثر روايته عن أبيه عن جده ، وإن لم يمتنع أن يروى عن جده أيضا - انتهى.
٢٥٥٥ - قوله (وقت لأهل العراق ذات عرق) تقدم ضبطها وهى موضع من شرقى مكة ، بينهما مرحلتان يوازى
قرن نجد وهى والعقيق متقاربان لكن العقيق قبيل ذات عرق، قال ابن الملك كأنه عر ◌ّ عين لأهل المشرق ميقاتين العقيق
وذات عرق ، فمن أحرم من العقیق قبل أن يصل إلى ذات عرق فهو أفضل ومن جاوزه فأحرم من ذات عرق جاز ولا
شئ عليه - انتهى. وقال الشافعى: ينبغى أن يحرم من العقيق احتياطا وجمعا بين الحديثين. قلت: قد تقدم فى شرح حديث
جابر فى المواقيت السابق فى الفصل الأول الجمع بين حديث ابن عباس وعائشة بوجوه فتذكر . وقال الطبرى: واستحب
الشافعى الإحرام من العقيق لأهل العراق لما وقع من الالتباس فى ذات عرق ، فإنه قد قيل إن ذات عرق خربت وخول
بناءها إلى صوب مكة ، فعلى الآتى من العراق أن يتحراها ويطلب آثارها، وذكر الشافعى أن من علامتها المقابر القديمة
(رواه أبو داود والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد والطحاوى والدارقطنى (ص ٢٦٢) والبيهقى (ج ٥: ص ٢٨) كلهم من
طريق المعافى بن عمران عن أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة. وزاد النسائى والدار قطنى والبيهقى بقية المواقيت.
ورواه ابن عدى فى الكامل ، ثم أسند عن أحمد بن حنبل أنه كان ينكر على أفلح بن حميد هذا الحديث يعنى ذكره فى هذا
الحديث لذات عرق، وقال الحافظ فى التلخيص (ج ١: ص ٢٠٥): تفرد به المعافى بن عمران عن أفلح عن القاسم والمعافى
ثقة ـ انتهى. قلت: أفلح بن حميد ثقة ، وزيادة العدل مقبولة، ولا يضره انفراد المعافى أيضا لأنه ثقة ، وكم من حديث
صحيح غريب انفرد به ثقة عن ثقة كما هو معلوم فى الأصول وعلى الحديث . وقال الذهبي فى ترجمة أفلح بن حميد المذكور:
وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال ابن صاعد: كان أحمد ينكر على أفلح بن حميد قوله ((ولأهل العراق ذات عرق، وقال ابن
عدى فى الكامل: هو عندى صالح وهذا الحديث ينفرد به المعافى بن عمران عن أفلح عن القاسم عن عائشة ، قلت : هو
صحيح غريب - انتهى كلام الذهبي. وتراه صرح بأن هذا الحديث صحيح غريب مع أن هذا الحديث فى توقيت النبي مؤّ
ذات عرق لأهل العراق أصله عند مسلم من حديث جابر إلا أن راويهشك فى رفعه كما بينا لكن له شواهد متعددة كما سبق
بيانها فى شرح حديث جابر المذكور فى الفصل الأول.
٢٥٥٦ - قوله (من أهل) وفى رواية لأحمد والدار قطنى ((من أحرم)» (بحجة أو عمرة) أو للتنويع (من
٤١٤
١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة. رواه
أبو داود ، وابن ماجه.
المسجد الأقصى) قيل إنما خص المسجد الأقصى لفضله ، وفى رواية ابن ماجه ((من بيت المقدس، و کذا وقع فى رواية لأحمد
والدار قطنى (غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) أى من الصغائر ويرجى الكبائر (أو وجبت) أى ثبتت (له الجنة) أى
ابتداء، و((أو)) للشك من الراوى، ورواه الدار قطنى بلفظ ((غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له الجنة)) من
غير شك. وفيه إشارة إلى أن موضع الإحرام متى كان أبعد كان الثواب أكثر ، قال الطبرى : قد استدل بهذا الحديث
من ذهب إلى فضيلة تقديم الاحرام عن الميقات ، ويحتمل أن تكون هذه الخصیصی ثبتت لبيت المقدس دون غيره ، ولو
كان لأجل البعد عن مكة لكان غيره مما هو أبعد أولى بالذكر. وقال الخطابي: فيه جواز تقديم الاحرام على الميقات
من المكان البعيد مع الترغيب فيه، وقد فعله غير واحد من الصحابة، وكره ذلك جماعة، أنكر عمر بن الخطاب على عمران
ابن الحصين إحرامه من البصرة ، وكرهه الحسن البصرى وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس ، وقال أحمد بن حنبل :
وجه العمل المواقيت ، وكذلك قال إسحاق. قلت: يشبه أن يكون عمر إنما كره ذلك شفقا أن يعرض للحرم إذا بعدت
مسافته آفة تفسد إحرامه ورأى أن ذلك فى قصير المسافة أسلم - انتهى. قلت: الأظهر أن عمر رأى أن ذلك باب فى
تعدى هدى الرسول مَّ ومخالفة عن أمره فيجر إلى فتنة، وقد ذكر أبو شامة فى كتاب البدع والحوادث أن مالكا
سئل عمن يحرم قبل الميقات فقال: يظن أنه أهدى من رسول اللّه مؤ لمه. وقد تقدم بسط الكلام فى ذلك فى شرح
حديث جابر فى المواقيت فى الفصل الأول فتذكر (رواه أبو داود وابن ماجه) واللفظ لأبي داود ولفظ ابن ماجه
فى رواية ((من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له)) وفى أخرى ((من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها
من الذنوب)، والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ٦: ص ٢٩٩) وابن حبان بلفظ ((غفر له ما تقدم من ذنبه،
فقط. ورواه البيهقى (ج ٥: ص ٣٠) بلفظ أبى داود. قال المنذرى: قد اختلف الرواة فى متنه وإسناده اختلافا كثيرا.
وقال النووى: إسناده ليس بالقوى. وقال ابن القيم: هذا الحديث قال غير واحد من الحفاظ : إسناده ليس بالقوى.
وقال الساعاتى فى شرح المسند (ج ١١: ص ١١٢) بعد نقل كلام النووى: إسناده عند الامام أحمد لا بأس به .-
انتهى. وأراد بذلك ما رواه أحمد من طريق ابن إسحاق حدثنى سليمان بن سحيم مولى آل جبير عن يحي بن أبى
سفيان الأخنسى عن أمه أم حكيم بنت أمية بن الأخنس السلمية عن أم سلمة ، ومن هذا الطريق أخرجه ابن حبان فى
صحيحه، والدار قطنى (ص ٢٨٢) ويحيى بن أبى سفيان، ذكره الحافظ فى تهذيب التهذيب فقال: يحيى بن أبى سفيان بن
الأخنس الأخفى المدنى روى عن جدته ، وقيل أمه ، وقيل خالته أم حكيم حكيمة بنت أمية بن الأخنس عن أم سامة
فی الاحرام من بیت المقدس ، وروى عنه عبد الله بن عبد الرحمن بن یحنس ومحمد بن إسحاق بن يسار ، وقيل بينهما
٤١٥
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
﴿ الفصل الثالث )!
٢٥٥٧ - (٢٩) عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون فلا يتزودون، ويُقولوان: نحن
المتوكلون. فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى).
سليمان بن سحيم. قال ابن أبى حاتم عن أبيه شيخ من شيوخ المدينة ، ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان فى الثقات -
انتهى. وقال فى التقريب فى ترجمته ((مستور، وقال فى ترجمة أم حكيم حكيمة ((إنها مقبولة)).
٢٥٥٧ - قوله (يحجون فلا يتزودون) قال الطبى: كان الظاهر أن يقال «ولا يتزودون) على الحال فجئى بالفاء
لارادة يقصدون الحج. قلت: كذا فى جميع نسخ المشكاة بالفاء ، ووقع فى صحيح البخارى وسنن أبي داود وغيرهما
(ولا يتزودون، أى بالواو، وهكذا ذكره ابن كثير وغيره ، فالظاهر أن ما وقع فى المشكاة من تصرف الناسخ ، وزاد
ابن أبى حاتم من وجه آخر عن ابن عباس «يقولون نحج بيت الله أفلا يطعمنا)»؟ (فإذا قدموا مكة سألوا الناس) أى أهل
مكة أو أعم منهم، الزاد حيث فرغت أزودتهم، أو سألوا فى مكة كما سألوا فى الطريق (فأنزل الله تعالى: وتزودوا) أى
خذوا زادكم من الطعام واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والثقيل عليهم (فإن خير الزاد التقوى) أى من السؤال. قال
الشوكانى: هو إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات فكأنه قال اتقوا الله فى إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد فإن خير
الزاد التقوى ، وقيل المعنى: فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الملكة والحاجة إلى السؤال والتكفف - انتهى.
وقيل معنى الآية وتزود المعادكم التقوى (أى الأعمال الصالحة التى هى كالزاد إلى سفر الآخرة) فإنه خير زاد ، فمفعول
تزودوا محذوف بقرينة خبر إن وهو التقوى بالمعنى الشرعى ، وما يدل عليه سبب نزول الآية أرجح وأقوى ، وعلى هذا
يكون الزاد بمعناه الحقيقى الحسى ، والتقوى بالمعنى اللغوى، أى الإتقاء والكف عن السؤال وإبرام الناس. وقال ابن
كثير: لما أمرهم بالزاد للسفر فى الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها كما قال { وريشا ولباس التقوى ذلك
خير - ٧: ٢٦) لما ذكر اللباس الحسى نبه مرشدا إلى اللباس المعنوى وهو الخشوع والطاعة والتقوى وذكر أنه خير من
هذا وأنفع - انتهى. قال المهلب: فى هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى ويؤيده أن الله مدح من لم
يسأل الناس إلحافا، فإن قوله «فإن خير الزاد التقوى)) أى تزودوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والاثم فى ذلك،
قال وفيه أن التوكل لا يكون مع السؤال، وإنما التوكل المحمود أن لا يستعين بأحد فى شتى، وقيل: هو قطع النظر
عن الأسباب بعد تهيئة الأسباب كما قال عليه السلام: اعقلها وتوكل - انتهى. وقال القسطلانى: ليس فى الحديث
ذم التوكل لأن ما فعلوه تآكل لا تؤكل، لأن التوكل قطع النظر عن الأسباب مع تهيئتها لا ترك الأسباب بالكلية ، فدفع
الضرر المتوقع أو الواقع لا ينافى التوكل ، بل هو واجب كالهرب من الجدار الهاوى وإساغة اللقمة بالماء
٤١٦
١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
رواه البخارى.
٢٥٥٨ - (٣٠) وعن عائشة، قالت: قلت يا رسول اللّه! على النساء جهاد؟ قال: نعم عليهن جهاد لا
قتال فيه، الحج والعمرة. رواه ابن ماجه.
٢٥٥٩ - (٣١) وعن أبى أمامة، قال: قال رسول اللّه مَّ: من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة،
أو سلطان جائر،
(رواه البخارى) فى الحج، وأخرجه أيضا أبو داود فى الحج والنسائى فى السير والتفسير من السنن الكبرى والبيهقى (ج ٤:
ص ٣٣٢) وابن حبان فى صحيحه وعبد بن حیدوابن أبى حاتم وغيرهم.
٢٥٥٨ - قوله (على النساء جهاد) بحذف الاستفهام، وفى المسند ((أعلى النساء جهاد))؟ أى بذكر همزة الاستفهام
ورواه ابن خزيمة فى صحيحه بلفظ هل على النساء من جهاد (عليهن جهاد لا قتال فيه) بل فيه اجتهاد ومشقة سفر وتحمل
زاد ومفارقة أهل وبلاد كما فى الجهاد (الحج والعمرة) بدل من جهاد أو خبر مبتدأ محذوف ويجوز نصبهما بتقدير أعنى
قال السندى: أى فإن الحج والعمرة يشبهان الجهاد فى السفر والخروج من البلاد والتعب، أما مقاتلة الأعداء فلا تقوى
عليها المرأة، وقال الأمير اليمانى: قوله ((على النساء جهاد، هو إخبار يراد به الاستفهام، وقوله ((لا قتال فيه) إيضاح
المراد، وبذكره خرج عن كونه استعارة، والجواب من الأسلوب الحكيم. وقوله (الحج والعمرة، كأنها قالت ما هو؟
فقال: الحج والعمرة، أطلق عليهما لفظ الجهاد مجازا، شبههما بالجهاد وأطلقه عليهما بجامع المشقة. والحديث فيه
دليل على أن الجهاد ليس بواجب على النساء، وسيأتى إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك. وفيه إشارة إلى وجوب العمرة
وقد تقدم البحث عن ذلك (رواه ابن ماجه) الحديث ذكره الحافظ فى بلوغ المرام بلفظ المشكاة وقال: رواه أحمد
وابن ماجه واللفظ له (أى لابن ماجه، ولفظ أحمد «قالت: يا رسول الله أعلى النساء جهاد؟ قال الحج والعمرة هو
جهاد النساء) وإسناده صحيح، وأصله فى الصحيح. قال الأمير اليمانى: أى فى صحيح البخارى، وأراد بذلك ما أخرجه
البخارى من حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت يا رسول الله: نرى الجهاد أفضل العمل أفلا
نجاهد؟ قال لا، لكن أفضل الجهاد، حج مبرور. وأفاد تقيد إطلاق رواية أحمد وابن ماجه للحج، وأفاد أن الحج
والعمرة تقوم مقام الجهاد فى حق النساء، وأفاد أيضا بظاهره أن العمرة واجبة إلا أنه ورد ما يخالفه ـ انتهى. والحديث
أخرجه أيضا ابن خزيمة كما فى الترغيب للنذرى.
٢٥٥٩ - قوله (حاجة ظاهرة) أى فقد زاد وراحلة، فإن الاستطاعة شرط الوجوب بلا خلاف ، قاله القارى
(أو سلطان جائر) أى ظالم، وفيه إشارة إلى أن منعه بطريق الجور والعنف فلا عبرة بمنعه على سبيل المحبة واللطف،
٤١٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
أو مرض حابس، فمات ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا. رواه الدارمى.
٢٥٦٠ - (٣٢) وعن أبى هريرة، عن النبى مؤيّ أنه قال: الحاج والعمار وفد اللّه، إن دعوه أجابهم،
وإن استغفروه غفرلهم.
وأيضا من الموانع للوجوب إذا كان فى الطريق سلطان جائر بالقتل وأخذ الأموال فالسلامة منهما من شروط الأداء على
الأصح نعم إذا كان الأمن غالبا فيجب على الصحيح، قاله القارى (أو مرض حابس) أى مانع من السفر لشدته، فسلامة
البدن من الأمراض والعلل شرط الوجوب فحسب. وقيل: شرط الأداء فعلى الأول لا يجب الحج ولا الاحجاج،
ولا الإيصاء به على الأعمى والمقعد والمفلوج والزمن والمقطوع الرجلين والمريض والشيخ الكبير الذى لا يثبت على
الراحلة (فمات ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا) حيث ترك العمل بالكتاب مع إيمانه به وتلاوته وعلمه
بمواضع الخطاب (رواه الدارمى) (ص ٢٢٥) وأخرجه أيضا سعيد بن منصور فى السنن وأحمد وأبو يعلى والبيهقى
(ج ٤ : ص ٣٣٤) كلهم من طريق شريك عن ليث بن أبى سليم عن عبد الرحمن بن سابط عن أبى أمامة ، وهذا إسناد
ضعيف، ((ليث)) قال فى التقريب عنه صدوق اختاط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك، وشريك سيقى الحفظ، وقد تحالفه
سفيان الثورى فأرسله، رواه أحمد فى كتاب الايمان له عن وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط قال قال رسول
اللّه مَّ من مات ولم يحج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس أو سلطان ظالم أو حاجة ظاهرة فذكره مرسلا، وكذا ذكره
ابن أبى شيبة عن أبي الأحوص عن ليث مرسلا، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى عن شريك مخالفة للإسناد الأول وراويها
عن شريك عمار بن مطر ضعيف ذكره الحافظ فى التلخيص (ص ٢٠٢) وللحديث شاهدان ضعيفان من حديث على وهو
ثانى أحاديث الفصل الثانى، ومن حديث أبى هريرة، وقد تقدم تخريجه هناك مع الكلام عليه، وله شاهد مصحيح من قول عمر
ابن الخطاب رضى الله عنه، رواه سعيد بن منصور والبيهقى وقد ذكرنا لفظه فى شرح حديث على، وقد ذكرنا أيضا أن
مجموع تلك الروايات لا يقصر عن كون الحديث حسنا لغيره، وهو محتج به عند الجمهور.
٢٥٦٠ - قوله (الحاج) أى الفريق الحاج، والمراد به الجنس. قال الطبي: الحاج واحد الحجاج، وهو من إطلاق
المفرد على الجمع باعتبار المعنى للجنس مجاز معروف (والعمار) بضم العين وتشديد الميم جمع العامر بمعنى المعتمر، قال
الزمخشرى : لم يحثى فيما أعلم عمر بمعنى اعتمر لكن عمر الله إذا عبده فيحتمل أن يكون العمار جمع عامر من عمر بمعنى اعتمر
وإن لم نسمعه ولعل غير ناسمعهوأن يكون مما استعمل منه فى بعض التصاريف دون بعض كما قيل يذر ويدع (وفد الله)
الإضافة للتشريف والمراد وفد حرمه أى كجماعة قادمون عليه ونازلون لديه ومقربون إليه. قال الزمخشرى: الوفد
الذين يقصدون الأمراء لزبارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك أى إنهم بسفرهم قاصدون التقرب إلى الله تعالى (إن دعوه
أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم) وهذا فى حج مبرور وعمرة كذلك كما لا يخفى، قال ابن حجر: وجه إفراد الحاج
٤١٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
رواه ابن ماجه.
٢٥٦١ - (٣٣) وعنه، قال: سمعت رسول اللّه مَليل يقول: وفد اللّه ثلاثة: الغازى، والحاج،
والمعتمر. رواه النسائى، والبيهقى فى شعب الإيمان.
٢٥٦٢ - (٣٤) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إذا لقيت الحاج فسلم
عليه وصاحه، ومره
وجمع ما بعده الإشارة إلى تميز الحج بأن المتلبس به وإن كان وحده يصلح لأن يكون قائما مقام الوفد الكثيرين بخلاف
العمرة فإنها لتراخى مرتبتها عن الحج لا يكون المتلبس بها وحده قائما مقام أولئك - انتهى. قلت: قوله («الحاج، كذا فى
جميع نسخ المشكاة بلفظ المفرد وهكذا وقع عندالبيهقى فى السنن (ج ٥: ص ٢٦٢) والذى فى سنن ابن ماجه («الحجاج،
أى بلفظ الجمع وكذا ذكره المنذرى فى الترغيب ، وهكذا وقع فى حديث جابر عند البزار وحديث أنس عند البيهقى فى
الشعب، وحديث ابن عمر عند تمام الرازى (رواه ابن ماجه) وكذا البيهقى، وفى إسنادهما صالح بن عبد الله بن صالح
مولى بنى عامر ، قال فيه البخارى ((منكر الحديث)) وقال الحافظ فى التقريب مجهول.
٢٥٦١ - قوله (وفد اللّه ثلاثة) أى ثلاثة أشخاص أو أجناس (الغازى) فى سبيل الله (والحاج والمعتمر)
المتميزون عن سائر المسلمين بتحمل المشاق البدنية والمالية ومفارقة الأهلين. قال السندى: فى القاموس ((وفد إليه وعليه يقد
وفدا ورد، وفى الصحاح: وقد فلان على الأمير، أى ورد رسولا فهو وافد والجمع وفد مثل صاحب وصحب فالمعنى
السائرون إلى الله القادمون عليه من المسافرين ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين لاختصاص السفر بهم
عادة ، والحديث إما بعد انقطاع الهجرة أو قبلها لكن ترك ذكرها لعدم دوامها، والسفر للعلم لا يطول غالبا ظلم يذكر،
والسفر إلى المساجد الثلاثة المذكورة فى حديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ليس بمثابة السفر إلى الحج ونحوه
فترك، ويحتمل أن لا يراد بالعدد الحصر، والله تعالى أعلم (رواه النسائي) فى فضل الحج (والبيهقى فى شعب الإيمان) وكذا
فى السنن الكبرى (ج ٥: ص٢٦٢) وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما، وقدم ابن حبان الحاج والمعتمر،
كما فى موارد الظمآن (ص ٢٤٠) وفى الباب عن ابن عمر أخرجه ابن ماجه وابن حبان فى صحيحه، وعن جابر أخرجه
البزار برجال ثقات، وقال البوصيرى: رواه إسحاق والبزار بسند فيه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف - انتهى. وعن
أنس أخرجه البيهقى بسند ضعيف.
٢٥٦٢ - قوله (إذا لقيت الحاج) أى بعد تمام حجه، وكذا عند قدومه من حجه، وفى معناه المعتمر (فسلم عليه)
أى مبادرة إليه (وصافحه) أى ضع يدك اليمنى فى يده اليمنى تواضعا إليه (ومره) أمر من أمر أى أسأله والتمس منه
٤١٩
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
أن يستغفرلك قبل أن يدخل بيته، فإنه مغفور له. رواه أحمد.
٢٥٦٣ - (٣٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّلي: من خرج حاجا أو معتمرا أو غازيا
ثم مات فى طريقه، كتب الله له أجر الغازى والحاج والمعتمر. رواه البيهقى فى شعب الإيمان.
(أن يستغفر لك) أى يطلب لك المغفرة من الله، وقيل يقول: استغفر الله لى ولك، وفيه مبالغة عظيمة فى حقه حیث ترجی
مغفرة غيره باستغفاره (قبل أن يدخل بيته) أى محل سكنه، فإنه إذا دخل قد يخلط ويلهو ويتلوث بموجبات غفلته
(فإنه) أى الحاج (مغفور له) الصغائر والكبائر إلا التبعات إذا كان حجه مبرورا كما قيده فى عدة أخبار ، ومن دعا له
مغفور له غفر له، فإن دعاء المغفور له مقبول ، قال المناوى: فتلقى الحاج والسلام عليه ومصافحته وطلب الدعاء منه
مندوب. وظاهر الحديث أن طلب الاستغفار منه موقت بما قبل الدخول، فإن دخل فات. قال: لكن الحديث
محمول على الأولوية، فالأولى طلب ذلك منهقبل دخوله فلعله يخلط ويلهو (رواه أحمد) (ج ٢، ص ٦٩، ١٢٨) بسند
ضعيف ، ورمز السیوطی فی الجامع الصغير حسنه، ولیس کما قال . فنی،سنده محمد بن عبد الرحمن بن البلمانى وهو ضعيف
وقد اتهمه ابن عدى وابن حبان ، ومن جزم بضعفه الحافظ الهيشمى حيث قال (ج ٤: ص ١٦) بعد ذكره: رواه أحمد
وفيه محمد بن اليمانى وهو ضعيف.
٢٥٦٣ - قوله (من خرج حاجا أو معتمرا أو غازيا) أى قاصدا للغزو فى سبيل الله (ثم مات فى طريقه) أى
قبل العمل ( كتب الله له أجر الغازى والحاج والمعتمر) لقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله
ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله - ٤: ١٠٠) قيل فمن قال: إن من وجب عليه الحج وأخره ثم قصد بعد زمان
فات فى الطريق کان عاصیا فقد خالف هذا النص. ذكره الطبي. قال القاری : وفيه بحث إذ ليس نص فى الحديث
على مطلوبه ، فإنه مطلق فيحمل على ما إذا خرج حاجا فى أول ما وجب عليه وخرج أهل بلده للحج أو على ما إذا تأخر
لحدوث عارض من مرض أو حبس أو عدم أمن فى الطريق ثم خرج فمات فإنه يموت مطيعا، وأما إذا تأخر من غير عذر
حتى فاته الحج فإنه يكون عاصيا بلا خلاف عندنا على اختلاف فى أن وجوب الحج على الفور أو التراخى، والصحيح هو
الأول، ومع هذا يمكن أن نقول له أجر الحاج فى الجملة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا - انتهى (رواه البيهقى
فى شعب الإيمان) ويؤيده ما روى عن أبى هريرة أيضا مرفوعا بلفظ «من خرج حاجا فات كتب له أجر الحاج إلى
يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا فمات كتب له أجر الغازى
إلى يوم القيامة، ذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٣: ص ٢٠٨، ٢٠٩) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه
جميل بن أبى ميمونة ، وقد ذكره ابن أبى حاتم ، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان فى الثقات - انتهى.
٤٢٠