Indexed OCR Text

Pages 221-240

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها. رواه مسلم.
٢٤٨٥ - (٥) وعن عبد الله بن عمر، قال: كان من دعاء رسول اللّه ◌َ ى «اللهم إنى أعوذ بك
من زوال نعمتك ،
ويحتمل أن يكون مراده من على ليس مما يحتاج إليه فى الدين وليس فى تعلمه إذن فى الشرع (ومن قلب لا يخشع) أى لا يخاف
الله أو لا يخشع لذكر الله ولا لاستماع كلامه وهو القلب القاسى الذى هو أبعد القلوب من حضرة علام الغيوب. وقال القارى:
أى لا يسكن ولا يطمئن بذكر الله (ومن نفس لا تشبع) بفتح الموحدة أى بما آتاها اللّه ولا تقنع بما رزقها الله ولا تفتر عن
جمع المال لما فيها من شدة الحرص أو الأشر والبطر أو من نفس تأكل كثيرا لأن كثرة الأكل جالبة لكثرة الأبخرة
الموجبة للنوم والكسل وكثرة الوساوس والخطرات النفسانية المؤدية إلى مضار الدنيا والآخرة. قال ابن الملك أى
حريصة على جمع المال وتحصيل المناصب، وقيل على حقيقته فهو إما لشدة حرصه على الدنيا لا يقدر أن يأكل قدر ما يشبع
جوعته ،وإما لاستيلاء الجوع البقرى عليه وهو جوع الأعضاء مع شبع المعدة عكس الشهوة الكلابية (ومن دعوة
لا يستجاب لها) لكونها معصية أو ما لا يرضاه الحق أو المراد التعوذ من عدم استجابة الدعاء مطلقا. قال الطبى:
الضمير فى «لهاء عائد إلى الدعوة واللام زائدة. قال الشوكانى: استعاذ مرتين من علم لا ينفع لأنه يكون وبالا على
صاحبه وحجة عليه، واستعاذ أيضا من القلب الذى لا يخشع لأنه يكون حينئذ قاسيا لا تؤثر فيه موعظة ولا نصيحة ولا
يرغب فى ترغيب ولا يرهب من ترهيب. واستعاذ من النفس التى لا تشبع لأنها تكون متكالبة على الحطام متجرئة على
المال الحرام غير قانعة بما يكفيها من الرزق فلا تزال فى تعب الدنيا وعقوبة فى الآخرة ، واستعاذ من الدعوة التى لا
يستجاب لها لأن الرب سبحانه هو المعطى المانع الباسط القابض الضار النافع فإذا توجه العبد إليه فى دعائه ولم يستجب
دعوته فقد خاب الداعى وخسر لأنه طرد من الباب الذى لا يستجلب الخير إلا منه ولا يستدفع الضر إلا به، اللهم إنا
نعوذ بك مما استعاذ بك رسول اللّه مَ ◌ّة (رواه مسلم) فى الدعوات وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٣٧١) والبغوى
(ج ٥: ص ١٥٨، ١٥٩) وأخرجه الترمذى فى الدعوات والنسائى فى الاستعاذة مختصرا ونسبه الشوكانى فى
تحفة الذاكرين اعبد بن حميد أيضا .
٢٤٨٥ - قوله (وعن عبد الله بن عمر) بلا واو (اللهم إنى أعوذ بك من زوال نعمتك) أى ذهاب نعمك
الدينية والدنيوية النافعة فى الأمور الأخروية من غير بدل قال فى فيض القدير : مفرد فى معنى الجمع يعم النعم الظاهرة
والباطنة ، والنعمة كل ملائم تحمد عاقبته، ومن ثم قالوا لا نعمة الله على كافر بل ملاذه استدراج والاستعاذة من زوال
النعم تتضمن الحفظ عن الوقوع فى المعاصى لأنها تزيلها ألا ترى إلى قوله:
٢٢١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
وتحول عافيتك، وجاءة نقمتك، وجميع سخطك. رواه مسلم.
٢٤٨٦ - (٦) وعن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إنى أعوذ بك
فإن المعاصى تزيل النعم
إذا کنت فی نعمة فارعها
وقال الشوكانى: استعاذ رسول اللّه مَّةٍ من زوال نعمته لأن ذلك لا يكون إلا عند عدم شكرها وعدم مراعاة ما
تستحقه النعم وتقتضيه من تأدية ما يجب على صاحبها من الشكر والمواساة وإخراج ما يجب إخراجه (وتحول عافيتك)
بضم الواو المشددة أى تبدلها بالبلاء. قال القارى أى انتقالها من السمع والبصر وسائر الأعضاء، فإن قلت ما الفرق.
بين الزوال والتحول؟ قلت: الزوال يقال فى شئى كان ثابتا لشفى ثم فارقه والتحول تغير الشئى وانفصاله عن غيره أى
إبدال الشئى بالشئى ، فمعنى زوال النعمة ذهابها من غير بدل وتحول العافية إبدال الصحة بالمرض والغنى بالفقر فكانه
سأل دوام العافية وهى السلامة من الآلام والأسقام وقال الطبي أى تبدل ما رزقنى من العافية إلى البلاء والداهية ،
والحديث رواه أبو داود أيضا إلا أن فى بعض نسخ السنن ((وتحويل عافيتك)) من باب التفعيل فيكون من باب إضافة
المصدر إلى مفعوله، واستعاذ من ذلك لأن من اختصه اللّه سبحانه بعافيته فاز بخير الدارين فإن تحولت عنه فقد أضيب
بشر الدارين فإن العافية يكون بها صلاح أمور الدنيا والآخرة (وبجاءة نقمتك) بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة بمعنى البغتة
مشتقة من فأجاه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير أن يعلم بذلك، ويروى بيأة بفتح الفاء وإسكان الجيم من غير مد ،
والنقمة بكسر النون وسكون القافى، وفى رواية بفتح فكسر ككلمة العقوبة ، وقال القارى: هى المكافاة بالعقوبة
والانتقام بالغضب والعذاب، وخص فجاءة النقمة بالذكر لأنها أشد من أن تصيب تدريجا كما ذكره المظهر واستعاذر اته.
من ذلك من حيث لا يكون له علم به ولا تكون له فرصة ومهلة للتوبة لأنه إذا انتقم اللّه من العبد فقد أحل به من
البلاء ما لا يقدر على دفعه ولا يستدفع بسائر المخلوقين وإن اجتمعوا جميعا كما ورد فى الحديث الصحيح القدسى أن العباد
لو اجتمعوا جميعا على أن ينفعوا أحدا لم يقدروا على نفعه أو اجتمعوا جميعا على أن يضروا أحدا لم يقدروا على ضره
(وجميع سخطك) بالتحريك أى ما يؤدى إليه يعنى سائر الأسباب الموجبة لذلك، وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها
وهو إجمال بعد تفصيل وتعميم بعد تخصيص، أو المراد جميع آثار غضبك، واستعاذ مَّم من جميع سخطه لأنه سبحانه
إذا سخط على العبد فقد هلك وخاب وخسر ، ولو كان السخط فى أدنى شئ وبأيسر سبب (رواه مسلم) فى الدعاء وكذا
البخارى فى الأدب المفرد (ج ٢: ص ١٢٦) وأبو داود فى أواخر الصلاة والحاكم (ج ١: ص ٥٣١) ونسبه فى
الحصن للنسائى أيضا ولعله فى الكبرى.
٢٤٨٦ - قوله (اللهم إنى أعوذ بك) قال الطيبي: استعاذ مما عصم منه ليلتزم خوف الله تعالى وإعظامه والافتقار
إليه وليقتدى به وليبين صفة الدعاء، وقال الشوكانى: هذا تعليم حمته مثل لأمته ليقتدوا به وإلا لجميع أعماله سابقها
٢٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل. رواه مسلم.
٢٤٨٧ - (٧) وعن ابن عباس، أن رسول اللّه مَفيم كان يقول: اللهم لك أسلمت، وبك آمنت،
وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إنى أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تضلنى،
أنت الحى الذى لا يموت،
ولاحقها كلها خير لا شر فيها (من شر ما عملت) بتقديم الميم على اللام فيه وفيما يأتى أى فعلت. قال الطيبي: أى من
شر عمل يحتاج فيه إلى العفو والغفران يعنى المراد من استعاذته من شر ما عمل طلب العفو والغفران منه عما عمل
(ومن شرما لم أعمل) استعاذ من شر أن يعمل فى مستقبل الزمان ما لا يرضاه الله بأن يحفظه منه فإنه لا يأمن من
مكر الله إلا القوم الخاسرون، أو من شر أن يصير معجبا بنفسه فى ترك القبائح فإنه يجب أن يرى ذلك من فضل ربه
أو المراد شر عمل غيره قال تعالى: (واتقوا فتنة لا تصين الذين ظلموا منكم خاصة - ٨: ٢٥) ويحتمل أنه
استعاذ من أن يكون ممن يحب أن يحمد بما لم يفعل - انتهى. وقيل المراد ما ينسب إليه افتراء ولم يعمله وقال السندى:
قوله من شر ما عملت، إلخ. أى من شر ما فعلت من السيئات وما تركت من الحسنات أو من شركل شئى ما تعلق
به كسي أولا، والله تعالى أعلم - انتهى (رواه مسلم) فى الدعاء وأخرجه أيضا أبو داود فى أواخر الصلاة والنسائى
فى الاستعاذة وابن ماجه فى الدعاء.
٢٤٨٧ - قوله (اللهم لك) أى لا لغيرك (أسلمت) أى أنقدت (وبك آمنت) أى صدقت يعنى انقدت لأمرك
ونهيك وصدقت بك وبما أنزلت وأرسلت (وعليك توكلت) أى إليك فوضت أمورى كلها أو عليك لا على غيرك
اعتمدت فى تفويض أمورى (وإليك أنبت) أى رجعت مقبلا بقلبى عليك أو أقبلت بهمتى وطاعتى عليك وأعرضت عما
سواك (وبك) أى بقوتك ونصرك وإعانتك إياى (خاصمت) أى حاربت أعداءك وقاتلتهم، أو بما آتيتنى من البراهين
والحجج خاصمت من خاصمنى من الكفار (اللهم إنى أعوذ بعزتك) أى بغلبتك فإن العزة لله جميعا، وقيل أى بقوة
سلطانك (أن تضلنى) بضم التاء من الإضلال وهو متعلق بأعوذ أى من أن تضلنى وكلمة التوحيد معترضة لتأكيد العزة
يعنى أن تهلكنى بعدم التوفيق للرشاد والهداية والسداد، قال فى الصحاح: ضل الشئى يضل ضلالا، ضاع وهلك،
والضلال والضلالة ضد الرشاد، وأضله أى أضاعه وأهلكه. وقال القارى: أى أعوذ بك من أن تصلنى بعد
إذ هديتنى ووفقتنى لافقياد الظاهر والباطن فى حكمك وقضاءك والإنابة إلى جنابك والمخاصمة مع أعدائك والالتجاء فى
كل حال إلى عزتك ونصرتك وفيه إيماء إلى قوله تعالى {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا - ٣: ٨) (أنت الحى
الذى لا يموت) بلفظ الغية وعند أحمد تموت بالخطاب أى الحى الحياة الحقيقية التى لا يجامعها الموت بحال وهذا
٢٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
والجن والإنس يموتون. متفق عليه.
الفصل الثانى )
٢٤٨٨ - (٨) عن أبى هريرة، قال: كان رسول اللّه ◌َليل يقول: اللهم إنى أعوذ بك من الأربع:
من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع.
لفظ مسلم، وللخارى: أعوذ بعزتك الذى لا إله إلا أنت الذى لا يموت. واستغنى عن ذكر عائد الموصول فى هذه
الرواية فى قوله ((بعزتك الذى لا إله إلا أنت)) لأن نفس المخاطب هو المرجوع إليه وبه يحصل الارتباط وكذلك
المتكلم نحو :
أنا الذی سمتی أمی حیدره
لأن نسق الكلام سمته أمه (والجن والإنس يموتون) خصا بالذكر لأنهما المكلفان المقصودان بالتبليغ فكانتها الأصل.
قال الحافظ: استدل به على أن الملائكة لا تموت ولا حجة فيه لأنه مفهوم لقب ولا اعتبار له وعلى تقديره فيعارضه
ما هو أقوى منه وهو عموم قوله ﴿ كل شئ هالك إلا وجهه - ٢٨: ٨٨) مع أنه لا مانع من دخول الملائكة فى
مسمى الجن لجامع ما بينهم من الاستار عن عون الإنس (متفق عليه) أخرجه البخارى فى التوحيد مختصرا ومسلم فى
الدعاء واللفظ له وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٣٠٢) والنسائى فى النعوت من سنته الكبرى.
٢٤٨٨ - قوله (اللهم إنى أعوذ بك من الأربع) اللام للعهد الذهنى بينه بقوله من علم أو هو إجمال تفصيله قوله
(من علم لا ينفع) لا لى ولا لغيرى لا فى الدنيا بالعمل به ولا فى الآخرة بالثواب عليه وهو علم لا يكون لله تعالى ولم
يقترن به التقوى (ومن قلب لا يخشع) عند ذكر الله تعالى (ومن نفس لا تشبع) أى حريصة على الدنيا لا تشبع منها أو
من كثرة الأكل وأما الحرص على العلم والخير فمحمود ومطلوب قال تعالى: {وقل رب زدنى علما - ٢٠ : ١١٤)
(ومن دعاء لا يسمع) بصيغة المجهول أى لا يستجاب. يقال اسمع دعائى أى أجب لأن الغرض من السماع هو الإجابة
والقبول. قال البغوى ((من دعاء لا يسمح)) يعنى لا يجاب، ومنه قول المصلى: سمع الله لمن حمده. استجاب الله دعاء
من حمده .. قال الطيبي: اعلم أن فى كل من القرائن الأربع ما يشعر بأن وجوده مبنى على غايته وأن الغرض منه تلك
الغاية وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها فإذا لم ينتفع به لم يخلص منه كفافا بل يكون وبالا ولذلك استعاذ،
وأن القلب إنما خلق لأن يتخشع لبارته وينشرح لذلك الصدر ويقذف النور فيه فإذا لم يكن كذلك كان قاسيا فيجب
أن يستعاذ منه قال تعالى: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله - ٣٩: ٢٢﴾ وأن النفس إنما يعتد بها إذا تجافت عن دار
٢٢٤
١

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه .
٢٤٨٩ - (٩) ورواه الترمذى عن عبد الله بن عمرو، والنسائى عنهما.
٢٤٩٠ - (١٠) وعن عمر، قال: كان رسول اللّه رفع يتعوذ من خمس: من الجبن، والبخل، وحتوْ
العمر، وفتنة الصدر،
الغرور وأنابت إلى دار الخلود وهى إذا كانت منهومة لا تشبع حريصة على الدنيا كانت أعدى عدو المرأ فأولى الشئى
الذى يستعاذ منه هى أى النفس، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعى ﴿ يُنتفع بعلمه وعمله ولم يخشع قلبه ولم تشبع
نفسه - انتهى. وفى استعاذته موضع من هذه الأمور إظهار العبودية وإعظام الرب تبارك وتعالى وأن العبد ينبغى له
ملازمة الخوف ودوام الافتقار إلى جنابه تعالى وفيه حث للأمة على ذلك وتعليم لهم وإلا فهو مَثَة معصوم من هذه
الأمور ، وفيه أن الممنوع من السجع ما يكون عن قصد إليه وتكلف فى تحصيله، وأما ما اتفق حصوله بسبب قوة
السليقة وفصاحة اللسان فيمعزل عن ذلك (رواه أحمد) (ج ٢: ص ٣٤٠، ٣٦٥) (وأبو داود) فى الاستعاذة من أواخر
الصلاة (وابن ماجه) فى الدعاء وقد سكت عنه أبو داود والمنذرى والحاكم وصححه الذهبي.
٢٤٨٩ - قوة (ورواه الترمذى) فى الدعوات (عن عبد الله بن عمرو) بالواو ابن العاص، قال الترمذى:
وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وتقل المنذرى كلام الترمذى هذا وأقره وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢:
ص ١٩٨،١٦٧) وأبو نعيم فى الحلبة (ج .: ص ٩٣) والحاكم (ج ١: ص ٥٣٤) وسكت عنه هو والذهبى (والنسائى
عنهما) أى عن أبى هريرة وابن عمرو، وكذا أحمد والحاكم كما سبق، وفى الباب عن أنس عند أحمد وابن حبان
والبغوى (ج ٥: ص ١٥٩) وعن ابن عباس وجرير عند الطبرانى، وابن مسعود عند الحاكم.
٢٤٩٠ - قوله (كان رسول اللّه ◌َي يتعوذ من خمس) هذا لا ينافى الزيادة (وسوء العمر) بضم الميم وسكونها،
أى أرذله وهو البلوغ إلى حد فى الهرم يعود معه كالطفل فى سخف العقل وقلة الفهم وضعف القوة، وقال فى اللعات. يحتمل
أن يراد به سوء الكبر وأن يكون سوء المعيشة وضيقها وفسادها وقيل المراد به عمر غير مرضى لا يعمل فيه عمل صالح يعنى
مضيه فيما لا ينفعه فى العقبى بل يسوء. (وفتة الصدر) بفتح الصاد وسكون الدال المهماتين، قال الجزرى يعنى ما يوسوس به
الشيطان فى قلبه كما فى الحديث من وساوس الصدر - انتهى. وقيل هى قساوة القلب وحب الدنيا وأمثال ذلك، وقيل
موته وفساده. وقيل هى ما ينطوى عليه من غل وحسد وخلق سيئى وعقيدة باطلة ، وقيل هى ضيقه المانع من قبول
الحق وتحمل البلاء. وقال الطيبي: هى الضيق المشار إليه بقوله تعالى ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا
كأنما يصعد فى السماء - ٦: ٢٢٦) نهى الإنابة إلى دار الغرور والتجافى عن دار الخلود. وفسرها وكيع فى رواية
٢٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
وعذاب القبر. رواه أبو داود، والنسائى.
٢٤٩١ - (١١) وعن أبى هريرة، أن رسول اللّه مَثيم كان يقول: اللهم إنى أعوذ بك من الفقر
والقلة والذلة ،
أحمد بأن يموت الرجل فى فتنة لم يتب منها، والظاهر العموم (وعذاب القبر) أى البرزخ (رواه أبوداود والنسائى) فى
الاستعاذة إلا أن النسايقي لم يذكر ((سوء العمر)) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١، ص ٢٢، ٥٤) وابن ماجه فى الدعاء وابن
حبان کما فى موارد الظمان (ص٦٠٥) واجےکم (ج ١: ص ٥٣٠) وقدسكتعنه أبوداود والمنذرى (ج ٢: ص ١٥٨)
وصححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
٢٤٩١ - قوله (اللهم إنى أعوذ بك من الفقر) الفقر الاحتياج والطلب وأراد به ههنا فقر القلب وكل قلب يطلب
شيئا ويحتاج إلى شتى ويحرص على شئ فهو فقير وإن كان صاحبه كثير المال يعنى من قلب حريص على جمع المال وهذا مثل
قوله ((ونفس لا تشبع)، قاله المظهر. وقال النور بشتى: الفقر المستعاذ منه إنما هو فقر النفس وجشعها الذى يقضى بصاحبه إلى
كفران نعمة الله ونسيان ذكره ويدعوه إلى سد الخلة بما يتدفس به عرضه وينثلم به دينه. وقال الطبي: أصل الفقر كسر
فقار الظهر، والفقر يستعمل على أربعة أوجه: الأول وجود الحاجة الضرورية وذلك عام للإنسان ما دام فى الدنيا بل
عام فى الموجودات كلها وعليه قوله تعالى (يا أيها الإنسان أنتم الفقراء إلى الله - ٣٥: ١٥) الثانى عدم المقتنيات وهو
المذكور فى قوله تعالى ﴿ للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله - ٢: ٢٧٣) و(إنما الصدقات للفقراء - ٩: ٦٠)
الثالث فقر النفس وهو المقابل لقوله ((الغنى غنى النفس، والمعنى بقولهم ((من عدم القناعة لم يفده المال غنى)). الرابع الفقر
إلى الله المشار إلیه بقوله «اللهم أغنی بالافتقار إليك ولا تفقرنی بالاستغناءعنك، وإباه عنی تعالى بقوله { رب إنى لما
أُنزلت إلى من خير فقير - ٢٨: ٢٤ ) أقول والمستعاذ منه فى الحديث هو القسم الثانى يعنى عدم المقتنيات وقلة المال
وإنما استعاذ منه عند عدم الصبر وهو فتنة وقلة الرضاء به أو استعاذ من القسم الثالث أى من الفقر الذى هو فقر النفس
وهو الشره الذى يقابل غنى النفس الذى هو قناعتها لا قلة المال. والفرق بين القول الأول والرابع أن الفقر الأول عام
اضطرارى والرابع خاص اختيارى أو شهود ذلك الاضطرار ودوام حضور ذلك الافتقار (والقلة) بكسر القاف ،
قال المظهر: أراد به قلة المال بحيث لا يكون له كفاف من القوت فيعجز عن وظائف العبادات من أجل الجزع وجوع
العيال، وقيل المراد قلة الصبر وقلة الأنصار أو قلة العدد أو العُدد أو الكل. وقال التوربشتى: المراد منها القلة فى
أبواب البر وخصال الخير لأنه عليه الصلاة والسلام كان يؤثر الإقلال فى الدنيا ويكره الاستكثار من الأعراض
الفانية. وفى صحيح ابن حبان الفاقة بدل القلة وهى شدة الفقر والحاجة إلى الخلق (والذلة) أى من أن أكون ذليلا فى
٢٢٦
1

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم. رواه أبو داود، والنسائى.
٢٤٩٢ - (١٢) وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إنى أعوذ بك من الشقاق،
أعين الناس بحيث يستخفونه ويحقرون شأنه. وقيل المراد بها الذلة الحاصلة من المعصية أو التذلل للأغنياء على وجه
المسكنة، والمراد بهذه الأدعية تعليم الأمة ولا ينافى هذا الحديث قوله ((اللهم أحينى مسكينا، إلخ، الآتى فى فضل
الفقراء لأن المراد بالمسكنة التواضع وعدم التكبر لا الفقر. قال المناوى: لم يسأل مسكنة ترجع للقلة بل إلى الاخبات
والتواضع ذكره البيهقى وجرى على قضيته حجة الإسلام أى الغزالى حيث قال: استعاذته من الفقر لا تنافى طلب المسكنة
لأن الفقر مشترك بين معنيين الأول الافتقار إلى الله والاعتراف بالذلة والمسكنة له، والثانى فقر الاضطرار وهو فقد
المال المضطر إليه كجائع فقد الخبز فهذا هو الذى استعاذ منه والأول هو الذى سأله - انتهى. وسئل الشيخ زكريا عن
معنى هذا الحديث فقال معناه طلب التواضع والخضوع وأن لا يكون من الجبابرة المتكبرين والأغنياء المترفين - انتهى.
ومنه أخذ السبكى قوله: المراد استكانة القلب لا المسكنة التى هى نوع من الفقر فإنه أغنى الناس بالله ، وقال القتي:
المسكنة حرف مأخوذ من السكون يقال تمسكن أى تخشع وتواضع. وقال الحافظ فى التلخيص: إن الذى استعاذ منه
وكرهه فقر القلب والذى اختاره وارتضاه طرح المال. وقال ابن عبد البر: الذى استعاذ منه هو الذى لا يدرك معه
القوت والكفاف ولا يستقر معه فى النفس غنى لأن الغنى عنده مَ لَّم غنى النفس وقد قال تعالى ﴿ ووجدك عائلا فأغنى -
٩٣: ٨) ولم يكن غناه أكثر من ادخاره قوت سنة لنفسه وعياله وكان الغنى محله فى قلبه ثقة بربه، وكان يستعيذ من
فقر منس وغنى مطغ ، وفيه دليل على أن الفقر والغنى طرفين مذمومين وبهذا تجتمع الأخبار فى هذا المعنى - انتهى.
(وأعوذ بك من أن أظلم) بالبناء للفاعل أى أحدا من المسلمين والمعاهدين ويدخل فيه ظلم نفسه بمعصية الله، والظلم وضع
الشئى فى غير محله وموضعه أو التعدى فى حق غيره (أو أظلم) بالبناء للمفعول أى يظلمنى ويتعدى على أحد وأو التوبع
وقيل بمعنى الواو (رواه أبو داود والنسائى) فى الاستعاذة وهو عند أبى داود والبخارى فى الأدب المفرد (ج ٢:
ص ١٣١) من رواية سعيد بن يسار عن أبى هريرة وأخرجه ابن ماجه من طريق جعفر بن عياض عن أبى هريرة
وجعله حديثا قوليا بلفظ تعوذوا بالله من الفقر والقلة، إلخ. وأخرجه أحمد (ج ٢: ص ٢٠٥، ) والنسائى وابن
حبان والحاكم (ج ١: ص ٥٣١، ٥٤١) من كلا الوجهين وقد سكت عنه أبو داود ولم يعترضه المنذرى وصححه الحاكم
وأقره الذمي.
٢٤٩٢ - قوله (اللهم إنى أعوذ بك من الشقاق) بكسر الشين ككتاب التنازع والخلاف والخصومة أو التعادى
لأن كلا من المتعاديين يكون فى شق أى ناحية فى غير شق صاحبه أو يريد مشقة الآخر أو لشق العصا بينهما، واستعاذ
منه مَّ لأنه يؤدى إلى المهاجرة والمقاطعة. وقال القارى: أى من مخالفة الحق ومنه قوله تعالى (بل الذين كفروا
٢٢٧

جرعاة المفاتيح ج٨
٩- كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
والنفاق، وسوء الأخلاق. رواه أبو داود والنسائى.
٢٤٩٣ - (١٣) وعنه أن رسول اللّه مميز كان يقول: اللهم إنى أعوذ بك من الجموع، فإنه بس
الضجيع،
فى عزة وشقاق - ٢:٣٨) (والنفاق) أى إظهار الإسلام وإبطان الكفر. قال فى اللعات: النفاق فى الدين أن يستر
الكفر ويظهر الايمان ولعل المراد هنا أعم من ذلك مما يشمل الرياء وعلامات النفاق. وقال الطبي: أى أن تظهر
لصاحبك خلاف ما تضمره. وقيل المراد النفاق فى العمل بكثرة كذبه وخيانة أمانته وخلف وعده والفجور فى
مخاصمته، والأظهر أن اللام الجنس فيشمل جميع أفراده (وسوء الأخلاق) من عطف العام على الخاص ، وفيه إشعار
بأن المذكورين أولا أعظم الأخلاق السيئة لأنه يسرى ضررهما إلى الغير، ذكره الطبي، وقال فى الملمات: هو تعميم بعد
تخصيص لأن الأخلاق هى الصفات الباطنة، أو المراد منه ضد بشاشة الوجه والسماحة ، وقال ابن الملك: هو إيذاء أهل
الحق وإيذاء الأهل والأقارب وتغليظ الكلام عليهم بالباطل وعدم التحمل عنهم وعدم العفو عنهم إذا صدرت خطيئة منهم
(رواه أبو داود والنساقى) فى الاستعاذة كلاهما من رواية بقية بن الوليد حدثنا ضبارة بن عبد الله بن أبى السليك عن
معزيد بن نافع عن أبى صالح النماق عن أبى هريرة، ويتكت عنه أبو داود وضعفه النووى فى الأذكار. وقال المنذرى
(ج ٢: ص ١٥٩): فى إستاده بقية بن الوليد ودويد بن نافع وفيها مقال - انتهى. قلت: بقية هذا صدوق كثير
التدليس. قال ابن معين ويعقوب وابن سعد والعجلى وأبو زرعة والنسائى والجوزجاني وأبو أحمد الحاكم: ثقة فى
حديثه إذا حدث عن الثقات والمعروفين، فأما إذا حدث عن الضعفاء والمجهولين فليس بشتى. وقال ابن عدى: إذا روى
عن أهل الشام فهو ثبت وإذا روى عن غيرهم خلط، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه .. وقال ابن المدينى:
صالح فيما روى عن أمل التيام. وضارة بن عبد الله بن أبى السلك أبو شريح الحضرى الحمصى مجهول، قاله الحافظ
فى التقريب وابن القطان كما فى تهذيب التهذيب، وذكره ابن حبان فى الثقات على ما اصطلح أن من لم يعرف بجرح ولا
تعديل فهو عدل عنده. وقال يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه - انتهى. ودويد بن نافع الشامى مقبول، وقال ابن
حان: مستقيم الحديث إذا كان دونه ثقة. قال الحافظ: وذكر ابن خلفون أن الذهلى والعجلى وثقاه.
٢٤٩٣ - قوله (اللهم إنى أعوذ بك من الجوع) أى الألم الذى ينال الحيوان من خلو المعدة عن الغذاء،
استعاذ منه لظهور أثره فى بدن الإنسان وقراء الظاهرة والباطنة، ومنعه من الطاعات والخيرات (فإنه بئس الضجيع)
بفتح فكسر ، وهو من ينام معك فى فراشك أى المضاجع سماه ضحيعا لزومه الإنسان فى النوم واليقظة وفيه إشارة إلى أن
الجوع المذموم الذى يلوم الإنسان ويتضرربه أى بئس الصاحب الجوع الذى يمنع الإنسان من وظائف العبادات ويشوش
٢٢٨
٠

مرعاة المفاتيح ج.٨
٩ - كتاب الدعوات
٨- باب الاستضافة
وأعوذ بك من الخيانة؛ فإنها بثت البطلنة. رواه أبو داود، والنسائى، وابن ماجه.
٢٤٩٤ - (١٤) وعن أنس، أن رسول اللّه فى كان يقول: اللهم إنى أعوذ بك من البرص،
والجذام، والجنون،
الدماغ ويثير الأفكار الفاسدة والخيالات الباطلة. قال الطيبي: الجوع بضعف القوى ويشوش الدماغ فيثير أفكارا
ردية وخيالات فاسدة فيخل بوظائف العبادات والمراقبات، ولذلك خص بالضجيع الذى يلازمه ليلا ومن ثم حرم
الوصال - انتهى. وقال النوربشتى: استعاذ من الجوع الذى يشغله عن ذكر الله ويشبطه عن طاعته لمكان الضعف وتحليل
المواد لا إلى بدل وأشار بالضجيع إلى الجوع الذى يمنع عن الهجوع (النوم بالليل) لأنه جعل القسم المستعاذ منه ما
يلازم صاحبه فى المضجع وذلك بالليل، وإلى التفريق الواقع بينه وبين ما شرع له من التعبد بالجرع المبرح فى نهار الصوم
(وأعوذ بك من الخيانة) هى ضد الأمانة. قال الطبي: سى مخالفة الحق بنقض العهد فى السر، والأظهر أنها شاعة
لجميع التكاليف الشرعية كما يدل عليه قوله تعالى ﴿ إنا عرضنا الأمانة - ٣٣: ٧٢) الآية، وقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا
لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم - ٨: ٢٧ ) شامل لجميعها (فإنها بتست البطانة) أى الخصلة الباطنة بكسر الباء
الموحدة خلاف الظهارة من الثوب ثم استغيرت لمن يخصه الرجل بالاطلاع على باطن أمره ، والتبطن الدخول فى
باطن الأمر فظا كانت الخيانة أمرا بطنه الإنسان ويستره ولا يظهره سماها بطانة. قال الطبى: البطانة عند الظهارة
وأصلها فى الثوب فاستغير لما يستبطنه الإنسان من أمره فيجعله بطانة حاله (رواه أبو داود والنسائى) فى الاستعاذة
وأخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه كلهم من حديث محمد بن عجلان عن المقبرى عن أبى هريرة وقد سكت عنه أبو داود
وقال المنذرى: فى سنده محمد بن عجلان وفيه مقال - انتهى. قلت: خرج له مسلم فى صحيحه ثلاثة عشر حديثا كلها فى
الشواهد ولذا صحيح النووى إسناد هذا الحديث فى الأذكار والرياض (وابن ماجه) فى باب التعوذ من الجوع من
أبواب الأطعمة من طريق ليث بن أبى سليم عن كعب عن أبى هريرة، وليث هذا صدوق اختلط أخيرا ولم يتميز
حديثه فترك ، قاله الحافظ، وأخرجه البغوى (ج ٥: ص ١٧٠) من رواية ليث عن رجل عن أبى هريرة ثم أشار إلى
طريق المقبرى عن أبى هريرة .
٢٤٩٤ - قوله (اللهم إنى أعوذ بك من البرص) بفتحتين، بياض رحى يظهر فى ظاهر البدن لفساد مزاج
(والجذام) بضم الجيم، علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء فى البدن كله فيفسد مراج الأعضاء وميتها وشكلها
وربما فسد فى آخره أوصالها حتى تأكل الأعضاء وتسقط. قال فى القاموس: الجذام كغراب علة تحدث من انتشار
السوداء فى البدن كله فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها وربما انتهى إلى تأكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح (والجنون) أى
٢٢٩

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
ومن سيئى الأسقام. رواه أبو داود، والنساتى.
٢٤٩٥ - (١٥) وعن قطبة بن مالك، قال: كان النبى معَّ يقول: اللهم إنى أعوذ بك من منكرات
الأخلاق، والأعمال، والأهواء.
زوال العقل الذى هو منشأ الخيرات العلمية والعملية (ومن سيئ الأسقام) الإضافة ليست بمعنى من كقولك خاتم فضة
بل هى من إضافة الصفة إلى الموصوف أى الأسقام السيئة يعنى الأمراض القبيحة الفاحشة الرديئة تكون سببا لعيب
يتفر منه الخلق أو فساد أعضائه كالاستسقاء والسل والفالج والمرض المزمن الطويل وهو تعميم بعد تخصيص نص على
تلك الثلاثة مع دخولها فى سيئى الأسقام لكونها أبغض شئ إلى العرب بل إلى جميع الناس ، ولهم عنها نفرة عظيمة ولهذا
عدوا من شروط الرسالة السلامة من كل ما ينفر الخلق ويشوه الخلق. قال صاحب الفتح الربانى: اعلم أن الأمراض
المنفرة لا تجوز على الأنبياء بل يشترط فى النبي سلامته من كل منفر وإنما ذكرها مدير تعليما للأمة كيف تدعو. قال
الطبي : وإنما لم يتعوذ من الأسقام مطلقا أى سائر الأسقام بل قيد بالسيئ فإن بعضها مما يخف مؤنته وتكثر مثوبته عند
الصبر عليه مع عدم إزمانه كالحى والصداع والرمد يعنى أن من الأمراض ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه بالصبر
خفت مؤقته وعظمت مثوبته. قال وإنما استعاذ من السقم المزمن فينتهى بصاحبه إلى حالة ينفر منها الحميم ويقل دونها
المؤانس والمداوى مع ما يورث من الشين فنها الجنون الذى يزيل العقل فلا يأمن صاحبه القتل، ومنها البرص
والجذام وهما العلتان المزمنتان مع ما فيهما من القذارة والبشاعة وتغير الصورة - انتهى. وقال ابن الملك: الحاصل
أن كل مرض يحترز الناس من صاحب ذلك المرض ولا ينتفعون منه ولا ينتفع منهم ويعجز بسبب ذلك المرض عن
حقوق الله وحقوق عباده يستحب الاستعاذة من ذلك (رواه أبو داود والنسائى) فى الاستعاذة وأخرجه أيضا أحمد
(ج: ص ) والطيالسى (ج ١: ص ٢٥٨) وابن أبى شيبة، وسكت عنه أبو داود والمنذرى وصحح النووى سنده
فى الرياض والأذكار.
٢٤٩٥ - قوله (وعن قطبة) بضم القاف ومكون الطاء المهمه وفتح الباء الموجدة (بن مالك) الثعاي بمثلثة
ومهملة من بنى ثعلبة بن ذيان ولذلك يقال له الذبيانى وهو عم زياد بن علاقة الذی روی هذا الحديث عنه ، صحابى سكن
الكوفة (اللهم إنى أعوذ بك من منكرات الأخلاق) المنكر ما لا يعرف حسنه من جهة الشرع أو ما عرف قبحه من
جهته، والمراد بالأخلاق الأعمال الباطنة كحقد وبخل وحسد وجبن ونحوها، واستعاذ من منكرات الأخلاق لأنها تكون
سببا لجلب كل شر ودفع كل خير (والأعمال) أى الأفعال الظاهرة وهى تعم الصغائر والكبائر من نحو قتل وزنا وشرب خمر
وسرقة ونحوها (والأهواء) جمع الهوى مصدر هواه إذا أحبه ثم سمى بالهوى المشتهى محمودا كان أو مذموما ثم غلب
٢٣٠
/

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
رواه الترمذى.
٢٤٩٦ - (١٦) وعن شتير بن شكل بن حميد، عن أبيه، قال: قلت: يا نى اللّه! على تعويذاً أتعوذ
به ، قال :
على غير المحمود فقيل فلان اتبع هواه إذا أريد ذمه، وفى التنزيل (ولا تبع الهوى - ٣٨: ٢٦) ومنه «فلان من أهل
الأهواء، لمن زاغ عن الشرع من أهل القبلة كالجبرية والقدرية والحشوية والخوارج والروافض ومن سار سيرتهم كذا فى
المغرب. قال الطبي: الاضافة فى القريتين الأوليين من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف وفى الثالثة بيانية لأن الأهواء كلها
منكرة انتهى . قال القارى: والأظهر أن الإضافات كلها من باب واحد، ويحمل الهوى على المعنى اللغوى كما فى قوله تعالى
﴿ ومن أضل من اتبع هواه بغير هدى من الله ٢٨: ٥٠) أو يحمل على ما تختاره النفس من العقائد ومنه قوله تعالى
﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هو ٤٥٠١: ٢٣ ) فالمراد بالأهواء مطلقا الاعتقادات وبالمنكرات الأهوية الفاسدة التى غير مأخوذة
من الكتاب والسنة وقيل منكرات الأهواء هى الزيغ والانهماك فى الشهوات جمع هوى مقصور هوى النفس وهو
ميلها إلى المستلذات والمستحسنات عندها واستعاذ منه لأنه يشغل عن الطاعة ويؤدى إلى الأشر والبطر وزاد فى رواية
الحاكم والأدواء أى من منكرات الأدواء وهى بمعنى سيئى الأسقام وذكر هذا الدعاء مع عصمته تعليما لأمته كما سبق (رواه
الترمذى) فى الدعوات وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١ ص ٥٣٢) والطبرانى فى الكبير ورواه ابن حبان فى صحيحه مختصرا
بلفظ «اللهم جنبنى منكرات الأهواء والأدواء، والحديث حسنه الترمذى وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
٢٤٩٦ - قوله (وعن شتير) أوله شين معجمة ثم تاء مثناة وآخره راء مصغرا (بن شكل) بفتح المعجمة والكاف
العبسى الكوفى يقال إنه أدرك الجاهلية ثقة من الطبقة الوسطى من التابعین ، مات فى ولاية ابن الزبير وقیل توفی زمن
مصعب (عن أبيه) أى شكل وهو من رهط حذيفة بن اليمان صحابى سكن الكوفة لم يرو عنه غير ابنه شتير وذكر له أبو القاسم
البغوى هذا الحديث وقال لا أعلم له غيره، كذا فى مختصر السنن (ج٢: ص ١٦١) لنذرى، وقال الحافظ فى الإصابة (ج٢:
ص ١٥٤) بعد ذكر هذا الحديث من رواية السنن قلت: وله رواية عن على (علمنى تعويذا) أى ما يتعوذ به. قال الجوهرى
فى الصحاح (ج ٢: ص ٥٦٧): العوذة والمعاذ والتعويذ كله بمعنى . وقال المجد فى القاموس: العوذة بالهاء الرقبة كالمعاذة
والتعويذ قلت: قوله ((تعويذا، كذا فى جميع النسخ من المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع عند البخارى فى تاريخه (٢ -
٢ - ٢٦٦) وفى شرح السنة للبغوى (ج ٥: ١٦٩) والترمذى تعوذا بتشديد الواو المضمومة، وهكذا وقع فى أسد
الغابة (ج ٣: ص ٣) وجامع الأصول (ج ٥: ص ١٣٢) وجمع الفوائد (ج ٢: ص ٦٦٧) والإصابة والمستدرك
الحاكم، وفى رواية أبى داود: علنى دعاء فقال، وأخرج النسائى الروايتين إلا أنه قال علنى الدعاء انتفع به، وهكذا
وقع عند أحمد فى المسند والبخارى فى التاريخ والأدب المفرد (ج ٢: ص ١١٧) (أتعوذ به) أى الخاصة نفسى، وفى
٢٣١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
قل: اللهم إنى أعوذ بك من شر سمعى، وشر بصرى، وشر لسانى، وشر قلبى، وشر منىٍ. رواه أبو
داود والترمذى والنسائى.
٢٤٩٧ - (١٧) وعن أبى اليسر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو:
الترمذى بعده ((قال فأخذ بكنى، والنسائى والبخارى فى التاريخ والبغوى («فأخذ يدى، وكان أخذه ومؤلّ كفه لمريد
الاعتناء والاهتمام بالتعليم (اللهم إنى أعوذ بك من شر سمعی) أی حتی لا أسمع شيئا تكرهه. وقال فى احرز الثمين
قوله من شر سمعى بأن أسمع كلام الزور والبهتان والغية وسائر أسباب العصيان أو بأن لا أسمع كلمة الحق وأن لا أقبل
الأمر بالمعروف والنهى عن المكر (وشر بصرى) أى حتى لا أرى شئيا تكرهه، وقيل: أى خائنة الأعين وغيرها من
معاصى النظر، وقيل بأن أنظر إلى محرم أو أرى إلى أحد بعين الاحتقار وأن لا أتفكر فى خلق السماء والأرض بنظر
الفكر والاعتبار (وشر لسانى) أى حتى لا أتكلم بما لا يعنينى، وقيل أى من شر نطقى فإن أكثر الخطايا منه وهو الذى
يورد المرأ فى المهالك، وخص هذه الجوارح لما أنها مناط الشهوة ومثار اللذة (وشر قلبى) أى حتى لا أعتقد اعتقاد!
فاسدا ولا یکون فيه نحو حقد وحسد وقصمیم فعل مذموم أبدا و قیل أى بأن أشتغل بغير أمر ربی و قیل أي من
شر نقى والفس مجمع الشهوات والمفاسد بحب الدنيا والرهبة من الخلق وخوف فوت الرزق والأمراض القلبية من
نحو جند وحقد وطلب رؤية وغير ذلك (وشر مني) هو المتى المشهور بمعنى الماء المعروف مضاف إلى ياء المتكلم أى
بأن أوقمه فى غير محله أو يوقعنى فى مقدمات الزنا من النظر والس والتقبيل والمشى والعزم وأمثال ذلك وقيل هو أن
يغلب عليه حتى يقع فى الزنا أو مقدماته وقيل أى من شر شدة الغلبة وسطوة الشهوة إلى الجماع الذى إذا أفرط ربما
أوقع فى الزنا أو مقدماته لا محالة فهو حقيق بالاستعاذة من شره، وخص هذه الأشياء بالاستعاذة لأنها أصل كل شر
وقاعدته ومنبعه وزاد فى رواية للنسائى والبغوى ((قال: حتى حفظتها)) قال سعد (أحد رواة الحديث): والمنى ماء،» وفى
رواية للنسائى أيضا يعنى ذكره، والترمذى يعنى فرجه. وقوله (مني، كذا فى جميع النسخ من المشكاة والمصابيح وهكذا
وقع فى النسخ الموجودة عندنا للترمذى وكذا عند أحمد والبخارى وأبى داود والنسائى والحاكم والبغوى والجزرى فى
أسد الغابة وذكره فى جامع الأصول بلفظ ((ومن شر هنى، يعنى الفرج. وقال هذهرواية الترمذى وكذا نقله فى جمع
الفوائد وعزاء لأصحاب الستن (رواه أبو داود) فى آخر الصلاة (والترمذى) فى الدعوات (والنسائى) فى الاستعاذة ،
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣: ص ٤٢٩) والبخارى فى الأدب المفرد (ج ٢: ص ١١٧، ١١٨) وفى التاريخ الكبير
(٢٦٦/٢/٢) والحاكم (ج ١: ص ٥٣٣،٥٣٢) والبغوى (ج ٥ ص ١٦٨، ١٦٩) وسكت عنه أبو داود وحسنه
الترمذى ونقل المنذرى تحسينه وأقره وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
٢٤٩٧ - قوله (وعن أبى اليسر) بفتح التحتية والسين المهملة آخره راء اسمه كعب بن عمرو بن عباد السلبى
٢٣٢
١
١

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
اللهم إنى أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردى، ومن الغرق، والحرق، والهرم، وأعوذ بك
من أن يتخبطنى الشيطان عند الموت ،
بفتحتين الأنصارى مشهور باسمه وكنيته صحابى شهد العقبة وبدرا وله فيها آثار كثيرة ، وكان عظيم الفناء يوم بدر وغيره ،
وهو الذى أسر العباس، وهو الذى انتزع راية المشركين من يد أبى عزيز بن عمير، ثم شهد المشاهد مع رسول الله
حَ، ثم شهد صفين مع على بن أبى طالب. مات بالمدينة سنة خمس وخمسين وقد زاد على المائة وهو آخر من مات من أهل
بدر (اللهم إنى أعوذ بك من الهدم) بسكون الدال، وهو سقوط البناء و وقوعه على الشئ يعنى انهدام البناء عليه،
وروى بالفتح وهو اسم ما انهدم منه. وفى النهاية: الهدم محركا البناء المهدوم وبالسكون الفعل نفسه ، وقال السندى:
الهدم بفتح فكون مصدر هدم البناء نقضه، والمراد من أن يهدم على البناء على أنه مصدر مبني للفعول أو من أن أهدم
البناء على أحد على أنه مصدر مبنى للفاعل (وأعوذ بك من التردى) أى السقوط من موضع عال كالوقوع من شاهق
جبل وسطح مرتفع أو الوقوع فى مكان سفلى كالبئر تفعل من الردى وهو الهلاك. قال الجزرى ، بفتح التاء المشاة من
فوق وفتح الراء المهملة وتشديد الدال المكسورة من تردى يتردى إذا سقط فى بئر أو تهور من جبل (ومن الغرق)
بفتحتين مصدر غرق فى الماء من باب تعب أى سقط فيه (والحرق) بالتحريك مصدر حرق بالنار، إنما استعاذ مَ ◌ّ من.
الهدم والتردى والغرق والحرق لأن ذلك يكون بغتة، وقد يكون الإنسان فى ذلك الوقت غير مقرر أموره بالوصية فيما
يكون محتاج الوصية فيه وبإخراج ما يجب إخراجه ركونا منه على ما هو فيه من الصحة والعافية، وقد لا يتمكن عند
حدوث هذه الأمور من أن يتكلم بكلمة الشهادة لما يفجأه من الفزع ويدهمه من الخوف. قال النور بشتى: إنما استعاذ
من هذه البليات مع ما وعد عليها من الشهادة لأنها محن مجهدة مقلقة لا يكاد واحد يصير عليها ويثبت عندها أو يذكر
عند حلولها شيئا مما يجب عليه فى وقته ذلك، وربما ينتهض الشيطان عنه فرصة لم يكن لينال منه فى غيرها من الأحوال أى
فيحمله على ما يضر بدينه، ثم إنها تفجأ عليه فتضمن الأسباب التى ذكرناها فى موت الفجاءة. وقال الطبي: استعاذ منها
مع ما فيها من نيل الشهادة لأنها فى الظاهر مصائب ومحن وبلايا كالأمراض السابقة المستعاذ منها ، وأما ترتب ثواب
الشهادة عليها فللبناء على أن الله تعالى يشيب المؤمن على المصائب كلها حتى الشوكة يشاكها ومع ذلك فالعافية أوسع، ولان
الفرق بين الشهادة الحقيقية وبين هذه الشهادة أن الشهادة الحقيقية متمنى كل مؤمن ومطلوبه وقد يجب عليه توخى الشهادة
والتحرى لها والتجرؤ فيها بخلاف التردى والحرق والغرق ونحوها فإنه يجب التحرز عنها ولو سعى فيها عصى. وقيل:
فى الحقيقة الاستعاذة ترجع إلى وقوعها من حيث الاخلال بالدين والاستعاذة من المحن والمصائب كلها إنما هى من
حيث احتمال الجزع والشكوى مع كونها سببا للكفارة من الذنوب ورفع الدرجات (وأعوذ بك من أن يتخطى
الشيطان) أى يصرعنى ويلعب بى ويفسد دينى وعقلى (عند الموت) بنزغاته التى نزل الأقدام وتصارع العقول والأحلام،
٢٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
وأعوذ بك من أن أموت فى سبيلك مدبراً، وأعوذ بك من أن أموت لدينا. رواه أبو داود،
والنسائى، وزاد فى رواية أخرى. والغم،
٢٤٩٨ - (١٨) وعن معاذ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: استعيذوا بالله من طمع يهدى
والأصل فى التخبط أن يضرب البعير الشئى بخف يده فيسقط وقال الجزرى: من تخبطه الشيطان إذا صرعه ولعب به،
والخبط باليدين كالرمح بالرجلين وقال الشوكانى: أى يفتنه ويغلبه على أمره ويحسن له ما هو قبيح ويقبح له ما هو
حسن ويناله بشئى من المس كالصرع والجنون ولما قيده بالتخبط عند الموت كان أظهر المعانى فيه هو أن يغويه ويوسوس
له ويلهيه عن التثبت بالشهادة والإقرار بالتوحيد وقال الخطابي: هو أن يستولى عليه الشيطان عند مفارقته الدنيا
فيضله ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلة تكون قبله أو يؤيسه من رحمة الله أو يكره
الموت ويؤسفه على حياة الدنيا فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفاء والنقلة إلى الدار الآخرة فيختم له بالسوء ويلقى الله
وهو ساخط عليه (وأعوذ بك من أن أموت فى سبيلك مدبرا) أى عن الحق أو عن قتال الكفار حيث حرم الفرار، وقال
فى الحرز: أى فارا من الزحف أو تاركا للطاعة مرتكبا للعصية أو رجوعا إلى الدنيا بعد الإقبال على العقى أو اختيارا
للغفلة والهوى إلى سوى حضور المولى. قيل: هذا وأمثال ذلك تعليم للأمة وإلا فرسول الله مرثية لا يجوز عليه الخبط
والفرار من الزحف ونحوهما. والأظهر أن هذا كله تحدث بنعمة الله وطلب الثبات عليها والتلذذ بذكرها المتضمن
بشكرها الموجب لمزيد النعمة المقتضى لإزالة القمة ـ انتهى. قلت: وقع عند أحمد وكذا فى رواية للنسائى ((وأن أقتل
فى سبيلك مدراء وهذا يرجح بل يعين المراد من الادبار فى رواية الكتاب وهو الفرار من الزحف فى قتال الكفار
(وأعوذ بك من أن أموت لدينا) فعيل بمعنى مفعول من الدغ وهو يستعمل فى ذوات السم من الحية والعقرب ونحوهما،
والاستعاذة مختصة بأن يموت عقيب الدغ فيكون من قبيل بنجاءة الموت. قال الشوكانى: استعاذ مرؤية من أن يموت
لدينا لأنه قد يموت بذلك فجاءة فلا يقدر على التثبت وقد يتراخى موته فيشتغل بهذا الألم الشديد عن أن يتخلص بما يجب
عليه التخلص عنه. وقال النور بشتى: موت اللديغ مشابه فى المعنى لأسباب الهلاك التى ذكرناها قبل (رواه أبو داود) فى
أواخر الصلاة (والنسائى) فى الاستعاذة، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣: ص ٤٢٧) والحاكم (ج ١: ص ٥٣٠) (وزاد)
أى النسائى (فى رواية أخرى ((والغم)) أى كلمة الغم، وكذا زادها أحمد والحاكم، والحديث سكت عنه أبوداود والمذرى
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
٢٤٩٨ - قوله (استعيذوا بالله من طمع) بفتح الطاء المهملة والميم أى حرص شديد. وقال القارى: هو نزوع
النفس إلى الشئى شهوة له (يهدى) بفتح أوله أى يدل أو يؤدى أو يدنى ويقرب ويوصل أو يجر، قال الطبى: الهداية
٢٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
إلى طبع. رواه أحمد والبيهقى فى الدعوات التكبير.
٢٤٩٩ - (١٩) وعن عائشة أن النبى معه نظر إلى القمر فقال: يا عائشة: استعيذى بالله من شر
هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب.
الإرشاد إلى الشئى والدلالة إليه، ثم اتسع فيه فاستعمل بمعنى الإدناء من الشئى والإيصال إليه. قال القارى: الأظهر
أن الهداية هنا بمعنى الدلالة وهى متعد تارة بنفسه كاهدنا الصراط المستقيم. وتارة باللام كقوله: ﴿إن هذا القرآن يهدى
التى هى أقوم - ١٧: ٩) وتارة بإلى كقوله: ﴿ وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم - ٤٢: ٥٢) فلا حاجة إلى استعمالها
بمعنى الإدناء والإيصال (إلى طبع) بفتح الطاء والموحدة أى عيب وشين وأصله الدنس الذى يعرض السيف، وكانوا
يرون أن الطبع هو الرين. قال مجاهد: الرين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الإقفال. ثم استعمل الطبع فيما يشبه
الوسخ فى الدنس من الآثام والأوزار وغير ذلك من العيوب والمقابح المعنوية، والمعنى تعوذوا بالله من طمع يسوقكم
ويدلكم إلى ما يشينكم فى الدين ويزرى بكم فى المروءة من المقامح كالمذلة للسفلة والتواضع لأرباب الدنيا وإظهار السمعة
والرياء وغير ذلك مما يترتب على الطمع ، ولذا قيل الطمع فساد الدين والورع صلاحه. وللحديث عند أحمد والطبرانى
تتمة وهى «ومن طمع يهدى إلى غير مطمع)) (أى إلى تأميل ما بعد حصوله والتعلق به، قال فى المصباح: ومن كلامهم
((فلان طمع فى غير مطبع)، إذا أمل ما يبعد حصوله) ومن طمع حيث لا مطمع)، (أى ومن طمع شئ لا مطمع فيه
بالكلية لتعذره حسا أو شرعا، وهذه الثالثة أحط مراتب الدناءة فى مطمع وأقحها فإن حيث للتعميم فى الأمكنة والأزمنة
والأحوال أى حيث لا يمكن حصوله فى مكان أصلا ولا فى زمان أصلا ولا فى حال أصلا فهو محال فهو أشد ذَما
ودناءة ما قبله) (رواه أحمد) (ج ٥: ص ٢٣٢، ٢٤٧) (والبيهتى فى الدعوات الكبير) وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد
(ج ١٠: ص ١٤٤) مطولا وقال: رواه الطبرانى (فى الكبير) وأحمد والبزار بنحوه وفيه عبد الله بن عامر الأسلمى وهو
ضعيف. قلت: وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١، ص ٥٣٣) بنحوه وفى إسناده أيضا عبد الله بن عامر الأسلمى. وقال
الحاكم: هذا حديث مستقيم الإسناد ووافقه الذهبي. قلت: عبد الله بن عامر هذا من رجال ابن ماجه قال الحافظ
عنه فى التقريب: ضعيف. قلت: قد ضعفه أحمد وأبو زرعة والنسائى وأبو داود وابن معين والدار قطنى، وقال أبو حاتم:
متروك. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم، وقال البخارى: يتكلمون فى حفظه، وقال أيضا: ذاهب الحديث.
وقال ابن سعد: كان قارئا للقرآن وكان يقوم بأهل المدينة فى رمضان. وكان كثير الحديث استضعف. وقال ابن
عدى: كان عزيز الحديث لا يتابع فى بعض حديثه وهو من يكتب حديثه، وذكره البرقى فى «باب من غلب عليه الضعف».
٢٤٩٩ - قوله (استعيذى بالله من شر هذا) أى هذا القمر (فإن هذا هو الغاسق إذا وقب) قال المجد فى
القاموس الغسق محركة ظلمة أول الليل وغسق الليل كضرب غسقا اشتدت ظلمته والغاسق القمر أو الليل إذا غاب
١
٢٣٥

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
رواه الترمذى.
الشفق، وقال فى مادة ((وقب)) وقب الظلام دخل والشمس وقباووقوبا غابت والقمر دخل فى الخسوف ومنه غاسق إذاوقب-
تهى. وقال القاضى: الغاسق الليل إذا غاب الشفق واعتكر ظلامه من غسق يفسق إذا أظلم وأطلق ههنا على القمر لأنه يظلم
ووقوبه دخوله فى الكسوف واسوداده قال الطيبي: وإنما استعاذ من كسوفه لأنه من آيات الله الدالة على حدوث بلية
ونزول نازلة كما قال عليه الصلاة والسلام ولكن يخوف الله به عباده ولأن اسم الإشارة فى الحديث كوضع اليد فى التعيين
وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين الخبر المعرف يدل على أن المشار إليه هو القمر لا غير وتفسير الغاسق بالليل يا بأه
سياق الحديث كل الاياء ولأن دخول الليل نعمة من نعم الله تعالى ومن الله تعالى على عباده فی کثیر من الآيات ، قال
تعالى ﴿جعل لكم الليل لتسكنوا فيه - ٦٧:١٠، ٤٠: ٦١) قال القارى: قد يرد مثل هذا ادعاء وإرادة البالغة وقصدا
التخصيص إيماء إلى أنه أعظم أفراد نوعه وبه يدفع قوله وتفسير الغاسق بالليل يأباه سياق الحديث. قال: ولا يشك
أحد أن دخول الليل فعمة ولكن لا يلزم من كونه نعمة أنه لا يتضمن نقمة، ولذا قال تعالى فى صدر السورة ﴿ قل أعوذبرب الفلق
من شر ما خلق - ١١٣: ٢،١ ) تعميما ثم قال ﴿ومن شر غاسق إذا وقب-٣:١١٣) الخ. تخصيصا -انتهى كلام القارى
مختصرا وقال الخازن فى تفسيره بعد ذكر حديث عائشة هذا ما لفظه: فعلى هذا الحديث المراد به القمر إذا خف وأسود.
ومعنى وقبدخل فى الخسوف أو أخذ فى الغوبة. وقیل سمی لأنه إذاغسفاسودوذهب ضوءه . و قیل إذا وقب دخل
. فى المحاق وهو آخر الشهر وفى ذلك الوقت يتم السحر المورث للتمريض وهذا مناسب لسبب نزول هذه السورة . وقال
ابن عباس (وإليه ذهب جمهور المفسرين) الغاسق الليل إذا وقب أى أقبل بظلمته من المشرق، وقيل سمى الليل غاسقا
لأنه أبرد من النهار والغسق البرد وإنما أمر بالتعوذ من الليل لأن فيها تنتشر الآفات ويقل الغوث وفيه يتم السحر. وقيل
الغاسق الثريا إذا سقطت وغابت، وقيل إن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها فلهذا أمر بالنعوذ من الثريا
عند سقوطها - انتهى وقال ابن جرير فى تفسيره: وأولى الأقوال فى ذلك عندى أن يقال أن الله أمر نييه مؤ لم أن
يستعيذ من شر غاسق وهو الذى يظلم ، يقال قد غسق الليل يفسق غسوقا إذا أظلم، إذا وقب يعنى إذا دخل فى ظلامه،
والليل إذا دخل فى ظلامه غاسق والنجم إذا أفل غاسق والقمر غاسق إذا وقب ، ولم يخصص بعد ذلك بل عم الأمر
بذلك فكل غاسق فإنه مري كان يؤمر بالاستعاذة من شره إذا وقب - انتهى. وارجع لمزيد الكلام فى ذلك إلى
التفسير القيم (ص ٥٥٧، ٥٦٠) (رواه الترمذى) فى تفسير سورة المعوذتين وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه
أيضا أحمد (ج ٦: ص ٦١، ٢٠٦، ٢١٥، ٢٣٧، ٢٥٢) والنسائى فى التفسير من سننه الكبرى وفى عمل اليوم والليلة
والبغوى (ج ٥: ص ١٦٧) وابن جرير فى تفسيره وابن المنذر وأبو الشيخ فى العظمة والحاكم (ج ٢: ص ٥٤٠،
٥٤١) وابن مردويه وابن السنى (ص ٢٠٩) وحسنه الحافظ وتعجب من تضعيف النووى له فى فتاويه مع قول الترمذى
فيه: أنه حديث حسن صحيح، وكذا صححه الحاكم ووافقه الذهبي ورجاله رجال الصحيح إلا الحارث بن عبد الرحمن
٢٣٦
١

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
٢٥٠٠ - (٢٠) وعن عمران بن حصين، قال: قال النبى ◌َّ لأبى يا حصين ! كم تعبد اليوم إلها؟
قال أبى سبعة ستا فى الأرض و واحدا فى السماء، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذى
فى السماء. قال: يا حصين! أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك. قال: فلما أسلم حصين.
قال: يا رسول الله
الراوى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة فقال على بن المدينى فيه: مجهول، ما روى عنه إلا ابن أبي ذئب، وخالفه
يحيى بن معين فقال : مشهور. وقواه أحمد والنسائى فقالا : لا بأس به ، وقد روى عنه أيضا محمد بن إسحاق حديثا
آخر ، وأقل درجاته أن يكون حديثا حسنا كذا فى هامش شرح السنة .
٢٥٠٠ - قوله (وعن عمران بن حصين) بالتصغير ابن عبيد بن خلف الخزاعى (لأبى) أى لوالدی حصین حال
كفره. قلت: واختلف فى اسلام حصين كما قال الحافظ فى الإصابة وابن الأثير فى أسد الغابة، والصحيح أنه أسهل
حديث عمران هذا نص فى إسلامه، وكذا ما رواه أحمد والنسائى، قال الحافظ: بإسناد صحيح والحاكم وصحمه
وأقره الذهبي عن ربعى عن عمران بن حصين أن حصينا أتى النبي مؤثّم قبل أن يسلم - الحديث، وفيه «ثم إن
حصينا أسلم، ورواه الفسائى من وجه آخر عن ربعى وفيه «فانطلق ولم يكن أسلم ثم أسلم فقال يا رسول اللّه فما أقول الآن
حين أسلمت))؟ الحديث. وفى رواية للنسائى ((ما أقول الآن وأنا مسلم))؟ قال الحافظ: وسنده صحيح من الطريقين ثم
ذكر من حديث عمران بن حصين أيضا عند ابن السكن والطبرانى أنه قال: أتى أبى حصين بن عيد إلى النبي مُبه فقال
يا محمد - الحديث. وفيه «قال: فما مضت عشرون ليلة حتى مات مشركاء قال الطبرانى بعد ذكره: الصحيح أن حصيا
أسلم، ثم ذكر الحافظ من رواية ابن خزيمة عن عمران قصة طويلة، وفيها «فلم يقم أى حصين حتى أسلم فقام إليه عمران
فقبل رأسه، إلخ. (با حصين كم تعبد اليوم) اللام للعهود الحاضرى نحو قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم - ٣:٥)
(إلها) قال ابن حجر المكى الهيتمى هو تمييز لكم الاستفهامية ولا يضره الفصل لأنه غير أجنبى (قال أبى سبعة) أى أعد
سبعة من الآلهة (ستا) كذا فى جميع النسخ: والذى عند الترمذى ستة وهكذا ذكره الجزرى فى جامع الأصول (ج ٥:
ص ١١٦) وفى أسد الغابة (ج ٦: ص ٢٥) بسنده إلى الترمذى وهكذا نقله فى جمع الفوائد (ج ٢، ص ٦٦١)
(فى الأرض وواحدا فى السماء) أى ستة آلهة فى الأرض وإلها واحدا فى السماء (فأيهم) بضم الياء (تعد) بفتح التاء وضم
العين أى تعده إلها (لرغبتك ورهبتك) قال القارى وفى نسخة يعنى من المشكاة بضم أوله وكسر ثانيه أى تهئه لفعك حين
ترجو وتخاف. قال الطبى: الفاء جزاء شرط محذوف أى إذا كان كذلك فأيهم تخصه وتلتجنى إليه إذا أابتك نائبة (أما)
بالتخفيف للتنبيه (إنك) بكسر الهمزة (لو أسلمت علمتك کلمتین)أی دعو تین (تفعانك) أی فی الدارين ، قال ابن حجر:
٢٣٧

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
علمنى الكلمتين اللتين وعدتنى. فقال: قل: اللهم ألهمنى رشدى، وأعذنى من شر نفسى.
رواه الترمذى.
٢٥٠١ - (٢١) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللّه عَ لله. قال: إذا فزع
أحدكم فى النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين،
وأن يحضرون .
هذا من باب الاغراء على الشئى بذكر ما يحمل عليه (على الكلمتين اللتين وعدتنى) أى بتعليمهما (اللهم ألهمنى رشدى)
بضم فكون وبفتحتين وهما لغتان، وقرئى بهما ﴿ مما علمت رشدا - ١٨ - ٦٦﴾ وقال فى القاموس: رشد كنصر وفرح
رشدا ورشدا ورشادا اهتدى والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه - انتهى. قال القارى: أى وفقنى إلى
الرشد وهو الاهتداء إلى الصلاح (وأعذفى من شر نفسى) بفتح فكسر عين أمر من الاعاذة أى أجرفى واحفظنى من
شرها فإنها منبع الفساد. قال الشوكانى: وهذا الحديث من جوامع الكلم النبوية لأن طلب إلهام الرشد يكون به السلامة
من كل ضلال والاستعاذة من شر النفس يكون بالسلامة من غالب معاصى الله سبحانه فإن أكثرها من جهة الفس
الأمارة بالسوء (رواه الترمذى) فى الدعوات وقال هذا حديث حسن غريب، وقد روى هذا الحديث عن عمران بن
حصين من غير هذا الوجه. قلت: وأخرجه البخارى فى التاريخ (٢/٢/١) مختصرا ورواه ابن الأثير الجزرى فى أسد
الغابة بسنده إلى الترمذى مطولا ، وفى سنده شبيب بن شيبة بن عبد الله المنقرى التميمى البصرى الخطيب البليغ. قال
الحافظ: صدوق يهم فى الحديث، وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وصححا من حديث حصين والد عمران.
فى قصة إسلامه وتعليمه النبي رؤيته الدعاء بلفظ «اللهم فنى شر نفسى واعزم لى على أرشد أمرى، اللهم اغفرلى ما أسررت
وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما علمت وما جهلت)).
٢٥٠١ - قوله (إذا فزع) بكسر الزاى أى خاف (فى النوم) أى فى حال النوم أو عند إرادته (أعوذ بكلمات
القه التامة) كذا فى بعض النسخ بلفظ الافراد والمراد به الجماعة وهكذا وقع عند الترمذى وأبى داود وكذا نقله فى
الأذكار والحصن وتحفة الذا كرين، ووقع فى بعض نسخ المشكاة (التامات)) بلفظ الجمع وهكذا وقع عند الحاكم وكذا
نقله فى الترغيب ومختصر السنن، والمراد من التامة الكاملة الشاملة الفاضلة وهى أسماء، وصفاته وآيات كتبه (وعقابه)
أى عذابه (وشر عباده) من الظلم والمعصية ونحوهما وهو أخص من («شر خلقه)) (ومن همزات الشياطين) جمع همزة
وهى النخس والغمز وكل شئ دفعته فقد همزته أى نزغاتهم وخطراتهم ودسائسهم وإلقائهم الفتنة والعقائد الفاسدة فى
القلب وهو تخصيص بعد تعميم (وأن يحضرون) بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلا عليها قاله القارى. وقال الشوكانى:
٢٣٨
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
فإنها لن تضره، وكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ منهم كتبها فى صك
ثم علقها فى عنقه.
بكسر النون وأصله يحضروننى حذفت النون الأولى لدخول الناصب عليها وحذفت الياء تخفيفا وبقيت نون الوقاية
مكسورة لتدل على الياء المحذوفة أى ومن أن يحضرونى فى أمورى كالصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك لأنهم إنما يحضرون
بسوء (فإنها) أى الهمزات (لن قضره) أى إذا دعا بهذا الدعاء، وفيه دليل على أن الفزع إنما هو من الشيطان (وكان
عبد الله بن عمرو) بالواو (يعلمها) أى هذه الكلمات، وفى بعض نسخ التر مذى يلقنها من التلقين (من بلغ من ولده) أى
ليتعوذ به (فى صك) الصك بفتح الصاد وتشديد الكاف ، ما يكتب فيه من الورقة ونحوها (ثم علقها) أى علق الورقة التى
هى فيها (فى عنقه) أى فى رقبة ولده الذى لم يبلغ، وفى رواية أبى داود (وكان عبد الله عمرو يعلمهن من عقل من بنيه
ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه، وفى رواية أحمد «فكان يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم
صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها فى عنقه)). ولا بن السنى ((كان يعلمها من أطاق الكلام من ولده ومن لم يطق
كتبها فعلقها عليه)). وفيه دليل على جواز تعليق التعويذات التى فيها أسماء اللّه تعالى على الصغار. قال فى اللعات: هذا
هو السند فيما يعلق فى أعناق الصبيان من التعويذات ، وفيه كلام. وأما تعليق الحرز والتمائم مما كان من رسوم الجاهلية
حرام بلا خلاف - انتهى. قلت: اختلف العلماء فى تعليق التمائم التى فيها أسماء الله وصفاته وآيات القرآن والأدعية
المأثورة قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
(ص ١٢٧): اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا فى جواز تعليق التمائم التى من القرآن وأسماء الله
تعالى وصفاته فقالت طائفة: يجوز ذلك وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وهو ظاهر ما روى عن عائشة وبه قال
أبو جعفر الباقر وأحمد فى رواية وحملوا الحديث (يعنى حديث ابن مسعود قال: سمعت رسول اللّه مَ في يقول: إن الرقى
والتولة والتمائم شرك. رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال صحيح وأقره الذهبي) على التماثم التى فيها
شرك (والقرينة على هذا الحمل اقتران التماثم بالرقى، ومن المعلوم أن المراد من الرقى ههنا هى التى فيها شرك) وقالت
طائفة لا يجوز ذلك ، وبه قال ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم ، وبه قال
جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد فى رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون واحتجوا
بهذا الحديث وما فى معناه (كحديث عقبة بن عامر عند ابن حبان وحديث عبد الله بن عظيم عند أحمد والترمذى
وأبى داود والحاكم) قلت: (قائله الشيخ عبد الرحمن بن حسن مؤلف فتح المجيد) هذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر
التأمل الأول عموم النهى ولا مخصص للعموم الثانى سد الذريعة فإنه يفضى إلى تعليق ما ليس كذلك، الثالث أنه إذا
علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه فى حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك - انتهى. قلت: وزاد بعضهم وجها
٢٣٩

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
رواه أبو داود والترمذى وهذا لفظه.
رابعا وهو إن فعل ذلك استهزاء بآيات الله ومناقضة لما جاءت به فإن الله أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى
والفرقان وشفاء لما فى الصدور ولا يزيد الظالمين إلا خسارا وإنه لتذكرة للنقين ولم ينزل القرآن ليتخذ حجا وتماثم ولا
ليتلاعب به المتأكلون به الذين يشترون به ثمنا قليلا والذين يقرؤنه على المقابر وأمثال ذلك مما ذهب بحرمة القرآن وجراً
رؤساء المسلمين على ترك الحكمبه. وأجاب هؤلاء عن حديث عبد الله بن عمرو أولا بأنه ضعيف وإن حسنه الترمذى وصححه
الحاكم وذلك لأن فى سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد ععن وثانيا بأنه لو فرضنا صحته فليس فيه أيضا حجة لأنه
ليس فيه أن الرسول مَ ثّ رأى ذلك وأقره. وثالثا بأنه عمل فردى من عبد الله بن عمرو لا يترك به حديث رسول الله ، لت} وعمل
كبار الصحابة الذين لم يعملوا مثل عبد الله بن عمرو رضى الله عنهم قال الشوكانى فى تحفة الذا كرين (ص ٨٩) فى شرح
حديث عبد الله بن عمرو هذا: قد ورد ما يدل على عدم جواز التمائم فلا تقوم بفعل عبد الله بن عمرو حجة - انتهى.
ورابعا بأن غاية ما يدل عليه فعل عبد الله بن عمرو الصحابى هو جواز تعليق التماثم على الصغار الذين لا يعقلون ولا
يقدرون على حفظ كلمات التميمة والذين ذهبوا إلى جواز التعليق أباحوه مطلقا أى لم يخصوه بالصغار بل توسعوا فيه
عملا للكبار والرجال والنساء حتى الكفرة الفجرة والفسقة أيضا ولا يخفى ما فى ذلك من القبائح. قال العلامة الشيخ
أبو الطيب صديق بن حسن القنوجى البوفالى فى ((الدين الخالص» بعد نقل الوجوه الثلاثة المذكورة فى فتح المجيد ما لفظه:
الوجه الثالث لمنع التعليق ضعيف جدا لأنه لا مانع من نزع التمائم عند قضاء الحاجة ونحوها لساعة ثم يعلقها ، والراجح
فى الباب أن ترك التعليق أفضل فى كل حال بالنسبة إلى التعليق الذى جوزه بعض أهل العلم بناء على أن يكون بما ثبت لا بما
لم يثبت لأن التقوى له مراتب وكذا الاخلاص وفوق كل رتبة فى الدين رتبة أخرى والمحصلون لها أقل ولهذا ورد فى
الحديث فى حق السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب أنهم هم الذين لا يرقون ولا يسترقون مع أن الرقى جائزة
وردت بها الأخبار والآثار والله أعلم بالصواب. والمتقى من يترك ما ليس به بأس خوفا مما به بأس - انتهى كلامه.
قلت: والأحوط عندى هو ترك التعليق وجوبا لا ندبا فقط سدا للباب وقطعا للذريعة والله تعالى أعلم (رواه
أبو داود) فى الطب (والترمذى) فى الدعوات (وهذا) أى المذكور (لفظه) أى لفظ الترمذى فرواه أبو داود بمعناه
وكذا ابن أبى شيبة وأحمد (ج ٢: ص ١٨١) والنسائى فى عمل اليوم والليلة والبيهقى فى الأسماء والصفات وابن
عبد البر فى التمهيد وابن السنى (ص ٢٣٩) والحاكم (ج ١: ٥٤٨) وليس عنده تخصيصها بالنوم رواه جميعهم من
طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقد سكت عنه أبو داود وحسنه الترمذى. وقال
المنذرى بعد نقل تحسين الترمذى (ج: ص ٣٦٦): وفى إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه وعلى عمرو بن
شعیب ـ انتهى. قلت : الحديث المرفوع روی أيضا من غير طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده فقد روى أحمد (ج ٤: ص ٥٧، وج ٦: ص ٦) وابن السنى (ص ٢٠٦) والنسائى فى اليوم والليلة من حديث
٢٤٠
ا
١