Indexed OCR Text

Pages 201-220

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
كلاما إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قال: قلت بلى. قال: قل إذا أصبحت وإذا
أمسيت: اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من
البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدين
مزيدة للتأكيد وقيل أصله فألا أعلمك ثم قدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام وهو أظهر لبعده عن التكلف بل التعسف
فانه لا يبقى للفاء فائدة، كذا فى المرقاة (كلاما) أى دعاء (قال) أى الرجل المذكور وهو أبو أمامة (قلت بلى) هذا
صريح فى أن الحديث من رواية الرجل أى أبى أمامة وكذا قوله ((قال ففعلت ذلك فأذهب اللّه همى وقضى عنى دينى)
وظاهر سياقه فى أوله كما تقدم أنه من حديث أبى سعيد، قال الطبى: الظاهر أن يقال قال قال بلى أى بدل قوله ((قال قلت
على، لأن أبا سعيد لم يرو عن ذلك الرجل بل شاهد الحال كما دل عليه أول الكلام اللهم إلا أن يأول ويقال تقديره قال
أبو سعيد قال لى رجل قلت لرسول الله موفقة هموم لزمتنى (قل إذا أصبحت وإذا أمسيت) أى دخلت فى الصباح والمساء
(اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن) بضم الحاء وإسكان الزانى وبفتحهما ضد السرور، قيل الهم والحزن بمعنى واحد
وقيل الهم ما يتصور من المكروه الحالى والحزن لما فى الماضى وقيل الهم فيما يتوقع أى فى الخوف من أمر فى
المستقبل والحزن فيما قد وقع وفات أى بفوت أمر حصل فى الماضى كموت ولد أو الهم هو الحزن الذى يذيب الجسم
يقال همنى الأمر بمعنى أذانى وسمى به ما يعترى الإنسان من شدائد الغم لأنه يذيبه فهو أشد وأبلغ من الحزن الذى أصله
الخونة وقال ميرك: الهم الكرب الذى ينشأ عند ذكر ما يتوقع حصوله ما يتأذى به والغم ما يحدث للقلب بسبب ما
حصل والحزن ما يحصل لفقد ما يشق على المرأ فقده (وأعوذ بك من العجز) بفتح العين وسكون الجيم وهو ضد
القدرة، وأصله التأخر عن الشئى مأخوذ من العجز وهو مؤخر الشئ وللزومه الضعف والقصور عن الإتيان بالشئى
استعمل فى مقابلة القدرة واشتهر فيها ، والمراد هنا فقد القدرة على أداء الطاعة والعبادة ودفع الفساد وتحمل المصيبة
والمحنة (والكسل) بفتحتين وهو التثاقل عن الشئى مع وجود القدرة والداعية إليه وقيل التوانى عن الطاعة والتثاقل عن
الأمر المحمود وعدم انبعاث النفس فى الخير وقلة الرغبة فيه مع وجود القدرة عليه (وأعوذ بك من البخل والجبن) كذا
فى جميع النسخ من المشكاة وهكذا وقع فى جامع الأصول والذى فى سنن أبي داود (من الجبن والبخل، وهكذا فى
المصابيح والجامع الصغير والحصن ، والجبن بضم الجيم وسكون الموحدة وبضمها ضد الشجاعة وهو الخوف عند القتال
ومنه عدم الجرأة عند الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقيل هو ضعف القلب الناشئ عنه عدم الإقدام على
المخاوف، والبخل بضم الباء وكجبل ونجم وعنق ضد الكريم (وأعوذ بك من غلبة الدين) أى استيلائه وكثرته وهى
أن يفدحه الدين ويثقله وفى معناه ضلع الدين كما فى رواية أى ثقله الذى يميل صاحبه عن الاستواء والضلع بالتحريك
الاعوجاج والمراد به ههنا ثقل الدين وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاءه ولا يسامح الدائن مع المطالبة الشديدة
٢٠١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
وقهر الرجال. قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله هى، وقضی عنی دینی. رواه أبو داود.
٢٤٧٣ - (٣٥) وعن على أنه جاء مكاتب فقال: إنى جزت عن كتابى فأعنى، قال: ألا أعلمك
كلمات علمنيهن رسول اللّه مي لو كان عليك مثل جبل كبير دينا
(وقهر الرجال) أى غلبتهم كما فى رواية وهو شدة تسلطهم بغير حق تغلبا وجدلا، وقيل الاضافة إلى الفاعل أو المفعول
فكأنه إشارة إلى النعوذ من أن يكون مظلوما أو ظالما وفيه إيماء إلى العوذ من الجاه المفرط والذل المهين وقيل غير
ذلك. ويأتى مزيد الكلام فى معانى القرائن المذكورة فى شرح حديث أنس ثانى أحاديث باب الاستعاذة (قال) أى
الرجل وهو أبو أمامة (ففعلت ذلك) أى ما ذكر من الدعاء عند الصباح والمساء (فأذهب الله) ببركة هذا الدعاء (هى)
أى وحزنى (رواه أبو داود) فى آخر الصلاة وسكت عنه ، وقال المنذرى: فى إسناده غسان بن عوف وهو بصرى وقد
ضعف - انتهى. وفى تهذيب الحافظ قال الآجرى: سألت أبا داود عن غسان بن عوف الذى يحدث عنه الجريرى
بحديث الدعاء يعنى حديث أبى سعيد هذا فقال شيخ بصرى ، وهذا حديث غريب ، قلت (قائله الحافظ) : ضعفه الساجى
والأزدى ، وقال العقيلى: لا يتابع على كثير من حديثه - انتهى. وقال فى التقريب عنه: لين الحديث.
٢٤٧٣ - قوله (جاءه مكاتب) أى لغيره، والمكاتب بفتح التاء عبد علق سيده عتقه على إعطاءه كذا من المال
(إنى عجزت عن كتابتى) بكسر الكاف أى عن بدلها وهو المال الذى كاتب به العبد سيده يعنى بلغ وقت أداء مالى الكتابة
وليس لى مال، واختلف فى تعريف الكتابة فقيل: هى تعليق عنق بصفة على معاوضة مخصوصة. وقال ابن قدامة:
الكتابة إعتاق السيد عبده على مال فى ذمته يؤدى مؤجلا ، وقيل هى عتق على مال مؤجل من العبد موقوف على أدائه،
وقيل هى تحرير المملوك يدا (أى تصرفا فى البيع والشراء ونحوهما) ورقبة مالا (أى عند أداء البدل) (فأعنى) أى بالمال
أو بالدعاء بسعة المال (قال ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول اللّه ◌َو ◌َّةٍ) قال الطيبي: طلب المكاتب المال فعله الدعاء إما
لأنه لم يكن عنده من المال ليعينه فرده أحسن رد عملا بقوله تعالى ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة - ٢: ٢٦٣)
أو أرشده إشارة إلى أن الأولى والأصلح له أن يستعين بالله لأدائها ولا يتكل على الغير وينصر هذا الوجه قوله ((وأغنى
بفضلك عمن سواك، (لو كان عليك مثل جبل كبير دينا) بفتح الدال والنصب على التمييز. قال الطبي: قوله ((دينا.
يحتمل أن يكون تمييزا عن اسم كان الذى هو ((مثل) لما فيه من الابهام، و((عليك)) خبره مقدما عليه، وأن يكون («دينا.
خبر كان و((عليك، حالا من المستتر فى الخبر والعامل هو الفعل المقدر فى الخبر ومن جوز إعمال كان فى الحال فظاهر
على مذهبه - انتهى. وقوله ((مثل جبل كبير، كذا فى نسخ المشكاة تبعا للمصابيح، والذى فى جامع الترمذى ((مثل جبل
)) بكسر الصاد المهملة بعدها ياء تحتية ساكنة ثم راء وهو جبل ببلاد طفى، وهكذا وقع فى زيادات المسند لعبد الله
٢٠٢

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
أداه الله عنك، قل: اللهم اكفنى بحلالك عن حرامك، وأغنى بفضلك عمن سواك. رواه الترمذى
والبيهقى فى الدعوات الكبير، وسنذكر حديث جابر «إذا سمعتم نباح الكلاب، فى باب («تغطية الأوانى))
إن شاء اللّه تعالى.
( الفصل الثالث ):
٢٤٧٤ - (٣٦) عن عائشة، قالت: إن رسول اللّه عليه كان إذا جلس مجلسا أو صلى تكلم بكلمات،
فسألته عن الكلمات، فقال: إن تكلم بخير
ابن أحمد ووقع فى جامع الأصول ((صبير، بفتح الصاد وكسر الباء الموحدة وسكون التحتية وكذا فى رواية الحاكم
(ج ١: ص ٥٣٨) قال الجزرى فى جامع الأصول (ج٥: ص ٢٢٢): صبير جبل باليمن ، وقال بعضهم الذى جاء فى
حديث على مثل جبل صير بإسقاط الباء الموحدة وهو جبل بطئى وجبل على الساحل بين عمان وسيراف. قال: فأما
صبير فإنما جاء فى حديث معاذ - انتهى (أداه الله عنك) أى أعانك على أدائه إلى مستحقه وأنقذك من مذلته (قل) فى
الترمذى ((قال قل)) (اللهم ا كفنى) بهمزة وصل وكسر الفاء من كفى كفاية ثبت الهمزة فى الابتداء مكسورة وتسقط فى
الدرج (بحلالك عن حرامك) أى متجاوزا ومستغنيا عنه يعنى فنى واحفظنى بالحلال عن الوقوع فى الحرام (وأغنى)
بهمزة قطع من الاغناء (بفضلك عمن سواك) من الخلق فمن قاله بصدق نية وجد أثر الإجابة (رواه الترمذى) فى
الدعوات (والبيهقى فى الدعوات الكبير) وأخرجه أيضا عبد الله بن أحمد فى زيادات المسند (ج ١: ص ١٥٣) والحاكم
(ج ١: ص ٥٣٨) قال الترمذي حديث حسن غريب، وقال الحاكم صحيح وأقره الذهبي ، قلت : فى سنده عندهم
عبد الرحمن بن إسحاق القرشى الواسطى أبو شيبة الكوفى وهو ضعيف ، ففى تحسين الترمذى وتصحيح الحاكم والذهبي
نظر. قال الشيخ أحمد شاكر فى شرح المسند (ج ٢: ص ٣٣٢): إسناده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق.
قوله (وسنذكر حديث جابر: إذا سمعتم نباح الكلاب) بضم النون بعدها موحدة أى صياحها ، وتمامه على ما فى
المصابيح ( ونهيق الحمار بالليل فتعوذوا بالله من الشيطان فإنهن أى الكلاب والخيريرين مالا ترون)) (فى باب تغطية الأوانى)
لأنه أنسب لذلك الباب من هذا الباب بالنسبة إلى تتمته على ما ذكرما المصنف هناك وهى ((وأقلوا الخروج إذا هدأت
الأرجل فإن الله عز وجل بيث من خلقه فى ليلته ما يشاء، وأجيفوا الأبواب واذكروا اسم الله عليه فإن الشيطان لا يفتح
بابا إذا أجيف وذكر اسم الله عليه وغطوا الجرار وأكفئوا الآنية وأوكوا القرب».
٢٤٧٤ - قوله ( كان إذا جلس مجلسا أو صلى) أى صلاة (تكلم بكلمات) أى عند انصرافه منها أو عند قيامه
عنه (فسألته عن الكلمات) أى عن فائدتها (إن تكلم بخير) بصيغة المجهول فنائبه الجار وفى نسخة على بناء المعلوم أى إن
٢٠٣
:

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
كان طابعاً عليهن إلى يوم القيامة، وإن تكلم بشر كان كفارة له: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا
أنت، استغفرك وأتوب إليك. رواه النسائى.
٢٤٧٠ - (٣٧) وعن قتادة، بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال:
تكلم متكلم بخير أى طاعة قبل تلك الكلمات المسئول عنها ثم ذكر تلك الكلمات عقبه ( كان) أى الذكر الآتى وهو تلك
الكلمات وقيل أى تلك الكلمات وتذكير الضمير باعتبار الكلام (طابعا) بفتح الموحدة وتكسر أى خاتما (عليهن) أى على
كلمات الخير ، وقال السندى: أى على تلك الكلمات التى هى خير، إذ الغالب أن الخير يكون كلمات متعددة فلذلك جمع
الضمير وفيه ترغيب إلى تكثير الخير وتقليل الشر حيث اختير فى جانبه الافراد وإشارة إلى أن جميع الخيرات تثبته
بهذا الذكر إذا كان هذا الذكر عقبها ولا تختص هذه الفائدة بالخير المتصل بهذا الذكر فقط، والمراد أنه يكون مثبتا
لذلك الخير رافعا إلى درجة القبول آمنا له عن حضيض الرد - انتهى (وإن تكلم) بالوجهين (بشر) أى باثم (كان
كفارة له) أى لما تكلم به من الشر أى مغفرة الذنب الحاصل فيستحب للإنسان ختم المجلس به أى مجلس كان
(سبحانك اللهم) إلخ، تفسير لقوله بكلمات أى تكلم بكلمات سبحانك اللهم، إلخ. فسألته عن فائدتها ، وفى الكلام تقديم
وتأخير وضمير كان فى الموضعين راجع إلى قوله سبحانك فى المعنى كما لا يخفى، وقال الطبي: قوله عن الكلمات التعريف
للعهد والمعهود قوله كلمات وهو يحتمل وجهين إما أن لا يضمر شتى فيكون الكلمات الجملتين الشرطيتين واسم كان فيها
مبهم تفسيره قوله سبحانك اللهم، وإما أن يقدر فما فائدة الكلمات؟ فعلى هذا الكلمات هى قوله سبحانك اللهم والمضمر
فى كان راجع إليه ففى الكلام تقديم وتأخير وهذا الوجه أحسن بحسب المعنى وإن كان اللفظ يساعد الأول، كذا فى
المرقاة. وقال فى اللعات: لا شك أن الكلمات هى سبحانك اللهم، إلخ، فالسؤال يكون عنها والجواب بها، لكنه مؤل}
بين قبلها فضيلتها بقوله ((إن تكلم)، بصيغة المجهول الماضى أى وقع التكلم، أو بفتحات أى تكلم متكلم أو رجل ((بخير)) فى
المجلس، والضمير فى ((كان)) راجع إلى قوله ((سبحانك اللهم، إلخ، لكونه فاعلا أو مسندا إلى ظاهره فهو اسم ((كان)» و
(طابعا)) بفتح الباء بمعنى الخاتم، خبر مقدم والضمير فى ((عليهن)) راجع إلى الكلمات المفهومة من تكلم رعاية للمعنى، وفى
قوله «كان كفارة له) إلى الشرلر عاية اللفظ فافهم، هذا ماسنح لى فى توجيه الكلام انتهى. (رواه النسائي) فى الصلاةوإسناده
صحيح أو حسن وذكره المنذرى فى باب الترغيب فى كلمات يكفرن لغط المجلس بلفظ المشكاة وصدره بلفظة (عن)) فلا
أقل من أن يكون عنده حسنا أو قريبا من الحسن. وقال: رواه ابن أبى الدنيا والنسائى واللفظ لهما والحاكم والبيهقى
وفى الباب عن جبير بن مطعم ورافع بن خديج وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي برزة الأسلى ذكرها المنذرى فى
الباب المذكور والحاكم (ج ١: ص ٥٣٦، ٥٣٧).
٢٤٧٥ - قوله (وعن قتادة) مر قتادة بن دعامة السدوسى التابی، الجلیل (بلغه) فی سنن أبي داود «أنه بلغه»
٢٠٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالذى خلقك، ثلاث مرات، ثم
يقول: الحمد لله الذى ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا. رواه أبو داود.
٢٤٧٦ - (٣٨) وعن ابن مسعود، أن رسول اللّه عَّم قال: من كثر همه فليقل: اللهم إنى عبدك
وابن عبدك وابن أمتك ،
والحديث مرسل (هلال خيرورشد) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هذا أو هو هلال غير تفاؤلا فيكون ما
بعده التفاتا أو خبر معناه دعاء ، وقيل الظاهر أنه منصوب بمقدر، أى اللهم اجعله لنا أو أهله علينا هلال خير أى بركة ،
ورشد بضم الراء وسكون الشين ويجوز فتحهما أى هداية إلى القيام بعبادة الله تعالى فإنه ميقات الحج والصوم وغيرهما ،
قال الله تعالى ﴿يسألونك عن الأهلة - ٢: ١٨٩) الآية (هلال خير ورشد، هلال خير ورشد) قال القارى: كرره
ثلاثا لأنه خبر بمعنى الدعاء ويصح بقاؤه على الخبرية تفاؤلا بأن يكون الشهر عليه كذلك (آمنت بالذى خلقك) فيه رد
على من عبد القمر (ثلاث مرات) ظرف لقال، وقيل أى يكرر ذلك ثلاثا (الحمد لله الذى ذهب بشهر كذا) أى
بجمادى الأخرى مثلا أى بالخير والسلامة (وجاء بشهر كذا) أى برجب مثلا أى أبقى وفسح فى العمر وكلاهما نعمة ،
أو المراد ثاء، تعالى على هذه القدرة الكاملة وإيجاد الحالة العجيبة، قال الطبى: إما أن يراد بالحمد الثناء على قدرته بأن مثل
هذا الإذهاب العجيب وهذا المجنى الغريب لا يقدر عليه إلا الله أو يراد به الشكر على ما أولى العباد بسبب الانتقال من
النعم الدينية والدنيوية ما لا يحصى وينصر هذا التأويل قوله ((هلال خير)) (رواه أبو داود) فى الأدب ورجاله ثقات
لكنه مرسل، ورواه أيضا البغوى فى شرح السنة (ج ٥: ص ١٢٩) عن قتادة قال كان النبي ◌َّم إذا رأى الهلال كبر
ثلاثا وهلل ثلاثا ثم قال: هلال خير ورشد، ثلاثا. ثم قال: آمنت، إلخ. قال البغوى: هذا حديث منقطع. قال فى
مرقاة الصعود: وصله ابن السنى والطبرانى فى الدعاء من طريق محمد بن عبيد الله الفزارى عن قتادة عن أنس وزاد الطبرانى
يعد قوله خلقك «فعدلك وجعلك آية للعالمين، انتهى. قلت: روى ابن السنى (ص ٢٠٧) حديث أنس من طريق عمر بن
أبى سلبة عن زهير بن محمد عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن حرملة عنه أن النبي مَث كان إذا نظر إلى الهلال قال : اللهم
اجعله هلال يمن ورشد، وآمنت بالذى خلقك فعدلك فتبارك الله أحسن الخالقين. وروى أيضا من طريق الجريرى عن
أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى أن النبى مث كان إذا رأى الهلال قال: هلال خير ورشد، ثلاث مرات، آمنت بالذى
خلقك ، ثلاث مرات ، ثم يقول: الحمد لله الذى جاء بالشهر وذهب بالشهر.
٢٤٧٦ - قوله (من كثر) بضم الثاء المثلثة (همه فليقل اللهم) وفى رواية أحمد (ج ١: ص ١٩٣) «ما أصاب
أجدا قط هم ولا حزن فقال اللهم» (إنى عبدك وابن عبدك وابن أمتك) بفتح الهمزة والميم المخففة أى ابن جاريتك وهو
٢٠٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
وفى قبضتك، ناصيتي بيدك، ماض فى حكمك، عدل فى قضائك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت
به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به فى مكنون الغيب عندك،
أن تجعل القرآن ربيع قلبي،
اعتراف بالعبودية (وفى قبضتك) بفتح القاف المرة من القبض أى فى تصرفك وتحت قضائك وقدرك ولا حركة لى ولا
سكون إلا بإقدارك وهو إقرار بالربوبية ولم يقع هذا اللفظ فيما رأيت إلا لابن السنى (ناصيتي بيدك) أى لا حول ولا
قوة إلا بك، كناية عن كمال قدرته وإشارة إلى إحاطته على وقف إرادته وهو مقتبس من قوله تعالى (ما من دابة
إلا هو آخذ بناصيتها - ١١: ٥٦) (ماض) أى ثابت ونافذ (فى) بتشديد الياء أى فى حقى (حكمك) قال القارى فى
شرح الحصن: إيماء إلى أنه لا مانع لفعله ولا راد لحكمه أو المعنى سابق فى شأنى حكمك الأزلى ولا تبديل ولا تحويل
لأمرك وقال فى المرقاة: حكمك أى الأمرى أو الكونى كإهلاك وإحياء ومنع وعطاء (عدل فى قضاءك) أى ما قدرته
على لأنك تصرفت فى ملكك على وفق حكمتك (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك) أى ذاتك وهو مجمل وما
بعده تفصيل له على سبيل التنويع الخاص أعنى قوله (أو أنزلته فى كتابك) أى فى جنس الكتب المنزلة (أو علمته أحدا
من خلقك) أى من خلاصتهم وهم الأنبياء والرسل وهذا ساقط من بعض نسخ المشكاة ، وليس أيضا فى جامع الأصول
والصحيح وجوده ويشهد له رواية أحمد وابن حبان والحاكم وابن السنى (أو استأثرت به) أى اخترته وتفردت به
(فى مكنون الغيب) أى مستوره، وفى رواية أحمد وابن حبان والحاكم وابن السنى ((فى علم الغيب)) (عندك) أى فلم تلهمه
أحدا ولم تنزله فى كتاب، قال الجزرى: الاستئثار بالشتى التخصص به والانفراد أى انفردت بعلمه عندك لا يعلمه إلا
أنت، وفيه دليل على أن لله سبحانه وتعالى أسماء غير التسعة والتسعين الاسم المتقدم ذكرها، وفيه التوسل بأسماء الله تعالى
التى سِما بها نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا ، ومنها ما استأثر به فى علم الغيب عنده فلم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نيا
مرسلا وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله وأقربها تحصيلا المطلوب (أن تجعل القرآن) مفعول أسألك
(ربيع قلبي) شبه القرآن بزمان الربيع فى ظهور آثار رحمة الله وحياة القلب وارتياحه به. قال الشوكانى: أى أسألك أن
تجعل القرآن كالربيع الذى يرقع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب أى يجعل قلبه مرتاحا إلى القرآن مائلا إليه
راغبا فى تلاوته وتدبره ، وقيل أى منتزهه ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأشجاره وثماره المشبه بها أنواع العلوم
والمعارف وأصناف الحكم والأحكام واللطائف. قال الطبى: هذا هو المطلوب والسابق وسائل إليه، فأظهر أولا
غاية ذلته وصغاره ونهاية عجزه وافتقاره، وثانيا بين عظمة شأنه وجلالة اسمه سبحانه بحيث لم يبق فيه بقية، وألطف فى
المطلوب حيث جعل المطلوب وسيلة إلى إزالة الهم المطلوب أولا ، وجعل القرآن ربيع القلب وهو عبارة عن الفرح،
٢٠٦

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
وجلاء همى وغنى. ما قالها عبد قط إلا أذهب الله غمه، وأبدله به فرجا. رواه رزين.
لأن الإنسان يرتاح قلبه فى الربيع من الأزمان ويميل إليه فى كل مكان ، وأقول كما أن الربيع سبب ظهور آثار رحمة
الله تعالى وإحياء الأرض بعد موتها، كذلك القرآن سبب ظهور تأثير لطف الله من الايمان والمعارف وزوال ظلمات
الكفر والجهل والهم ، كذا فى المرقاة . وزاد فی رواية أحمد«نور صدری، وكذا فى حديث أبي موسى الأشعرى عند
الطبرانى وابن السنى، أى يشرق فى قلبى نوره فأميز به الحق من غيره ، ووقع فى رواية ابن حبان وابن السنى من
حديث ابن مسعود «نور بصرى)) قال الشوكانى: سأله أن يجعل القرآن منور البصيرة، والنور مادة الحياة وبه يتم معاش
العباد. وقال القارى فى شرح الحصن. قوله ((ونور بصرى، أى إذا تلوته عينا كما أنه ربيع قلبي إذا تلوته غيا
(وجلاء همى وغنى) بكسر الجيم أى إزالتهما وكشفهما من جلوت السيف جلاء بالكسر أى صقته، وفى رواية أحمد
وابن حبان والحاكم وابن السنى ((وجلاء حزنى وذهاب ممى، سأله أن يجعل القرآن شفاء همه وغمه ليكون بمنزلة
الدواء الذى يستأصل الداء ويعيد البدن إلى صحته واعتداله وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذى يجلو الطبوع والأصدية
(ما قالها) أى الكلمات المذكورة (عبد قط إلا أذهب الله غمه وأبدله به فرجا) بفتحتين وبالجيم وهو كشف الغم وفى
بعض النسخ فرحا بالحاء المهملة وهكذا فى جامع الأصول، وفى رواية الأربعة المذكورين «إلا أذهب الله همه وأبدل
مكان حزنه فرحا، قالوا يا رسول اللّه ينبغى لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات قال أجل ينبغى لمن سمعهن أن يتعلمهن)» وفى الحديث
الحث على تعلم هذا الدعاء والعمل به وقت الحزن والهم والغم وأن من فعل ذلك أذهب الله عنه ما يحد وأبدله مكان
الهم والغم فرحا ، هذا وقد بسط ابن القيم فى شرح هذا الحديث وبيان ما يدل عليه الدعاء المذكور فيه من الفوائد والقواعد
فى شفاء العليل (ص ٢٧٤ - ٢٧٨) فليرجع إليه من شاء (رواه رزين) ذكره رزين فى تجريده ولا يوجد فى أصوله ،
وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠: ص ١٣٦) وقال رواه أحمد (ج١: ص ٣٩١، ٤٥٢) وأبو يعلى والبزار والطبرانى
ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبى سلمة الجهنى وقدوثقه ابن حبان-انتهى. قلت: وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١:
ص ٥٠٩) وابن السنی (ص ١١٠)وابنحبان کافی موارد الظمآن(ص٥٨٩) وابن أبى شيبة كما فى الحصن رواه كلهم غير
ابن السنى من رواية أبى سلمة الجهنى عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن عبد الله ورواه ابن
السنى من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود. قال الحاكم: حديث صحيح على
شرط مسلم إن سلم من إرسال عبدالرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف فى سماعه من أبيه. وتعقبه الذهبى فقال أبوسلمة
لا يدرى من هو ولا رواية له فى الكتب الستة - انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر فى شرحه للسند: إسناده صحيح ثم
فقل تخريجه عن الهيشمى وكلامه المتقدم ثم ذكر تصحيح الحاكم وتعقب الذهبى عليه، ثم قال: أبو سلمة الجهنى ترجمه
الحافظ فى التعجيل (ص ٤٩٠، ٤٩١) ونقل عن الحسينى أنه قال ((مجهول)) وكلام الذهبى أنه لا يدرى من هو، ثم قال:
وقد ذكره ابن حبان فى الثقات وأخرج حديثه فى صحيحه وقرأت بخط الحافظ ابن عبد الهادى ويحتمل أن يكون خالد بن
٢٠٧

مرعاء المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
٢٤٧٧ - (٣٩) وعن جابر، قال: كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا.
سلبة)) قلت: وهو بعيد لأن خالدا مخزومى وهذا جهنى - انتهى. وترجمه أيضا فى لسان الميزان (٦، ٣٨٧) بنحو هذا
ثم قال: والحق أنه مجهول الحال وابن حبان يذكر أمثاله فى الثقات ويحتج به فى الصحيح إذا كان ما رواه ليس بمنكر -
انتهى. وتعقبه الشيخ أحمد شاكر فقال: وهذه دعوى من الحافظ فكلهم يحتجون فى توثيق الراوى بذكر ابن حبان
إياه فى الثقات إذا لم يكن مجروحا بشئى ثابت وفضلا عن هذا فإن البخارى ترجمه فى الکتی برقم ٣٤١ م یذکر فيه جرحا
وهذا مع ذاك يرفعان جهالة حاله ويكفيان فى الحكم بتوثيقه وأما ظن ابن عبد الهادى أنه خالد بن سلمة فإنه بعيد كما قال
الحافظ وأقرب منه عندى أن يكون موسى بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن الجهنى ويكنى أبا سلمة فإنه من هذه الطبقة وقد
سبق توثيقه، قلت: وفى تعقبه على الحافظ عندى نظر فتأمل. ثم قال الشيخ أحمد شاكر وهنا بها مش ك رأى النسخة
الكتانية المغربية للسند) ((قال الحافظ المنذرى بعد الانيان بحديث ابن مسعود هذا وذكر تخريجه وذكر كلام الحاكم
• لم يسلم، أى الحديث من الإرسال، أقول: هذا ادعاء من الحافظ المنذري فإنه سلم منه لما رجحنا فى ٣٦٩٠ أن
عبد الرحمن سمع من أبيه)) - انتهى. وقال هناك (ج ٥: ص ٢٥٥) فى سماع عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه كلام
والراجح عندى أنه سمع منه، وهو الذى رجعه البخارى فى التاريخ الصغير ٤٠ فإنه روى عن ابن خيم المكى قصة
بإسناده قال فيها عبد الرحمن («وأنا مع أبى، ثم قال البخارى: قال شعبة: لم يسمع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود
من اییہ ، وحديث ابن خثم أُولی عندی ۔ انتهى.
٢٤٧٧ - قوله (كنا) أى فى سفرنا (إذا صعدنا) بكسر العين أى طلعنا مكانا عاليا وعلونا موضعا مرتفعا مثل
جبل وقل (كبرنا) أى قلنا ألله أكبر إظهارالكبريائه تعالى وعلى مكانه وارتفاع شأنه (وإذا نزلنا) أى هبطنا منزلا
واطئا وموضعا منخفضا نحو الوادى وفى رواية «تصوبنا)) بدل («نزلنا، والنصوب النزول والانحدار وقد ورد بلفظ
هبطنا عند النسائى (سبحنا) أى قلنا سبحان الله ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع أن الاستعلاء والارتفاع
محجوب للنفوس لما فيه من استشعار الکبریاء فشرع لمن تلبس به أن یذ کر کبریاءالله تعالی و أنه أ کبر من کل شتی لیشکر له
ذلك فيزيده من فضله، ومناسبة التسبيح عند الهبوط لكون المكان المنخفض محل ضيق، فيشرع فيه التسبيح لأنه من أسباب
الفرج كما وقع فى قصة يونس عليه السلام حين سبح فى الظلمات فنجى من الغم. قال المهلب: تكبيره مَّ عند الارتفاع
والإشراف على المواضع العالية استشعار لكبرياء الله عز وجل عند ما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل
شئى وأما تسبيحه فى بطون الأودية فهو مستنبط من قصة يونس عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: ﴿فلولا أنه كان من
المسبحين للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون - ٣٧: ١٤٤) فتجاه الله تعالى بتسبيحه فى بطن الحوت من الظلمات فامثل النبى
وَفّ هذا التسبيح فى بطون الأودية لينجيه الله منها ومن أن يدركه العدو، وقيل مناسبة التسبيح فى الأماكن المنخفضة .ن
٢٠٨

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
رواه البخارى.
٢٤٧٨ - (٤٠) وعن أنس، أن رسول اللّه ◌َفيم كان إذا كربه أمر يقول: يا حى يا قيوم برحمتك
أستغيث. رواه الترمذى، وقال: هذا حديث غريب وليس بمحفوظ .
جهة أن التسبيح هو التنزيه فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة
(رواه البخارى) فى الجهاد وأخرجه النسائى فى اليوم والليلة والبغوى فى شرح السنة (ج ٥: ص ١٤٨) وروى أبو
داود نحوه عن عبد الله بن عمر .
٢٤٧٨ - قوله (كان إذا كربه أمر) أى أصابه كرب وشدة وقيل أى شق عليه أمر وأهمه شأنه، وفى رواية
ابن السنى ((إذا حز به أمر)) وفى حديث ابن مسعود عند الحاكم إذا نزل به هم أو غم (يقول) فى الترمذى ((قال)) وفى
جامع الأصول ((يقول، كما فى المشكاة (يا حى) أى الدائم البقاء (با قيوم) أى المبالغ فى القيام بتدبير خلقه (برحمتك
أستغيث) أى أطلب الإغاثة وأسأل الاستعانة يقال أغائه اللّه أعانه ونصره وأغائه الله برحمته كشف شدته.
قال ابن القيم فى الطب النبوى (ص ١٥٩) فى تأثير قوله ((يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث، فى دفع هذا الداء
(أى الكرب والهم والغم) مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها وصفة القيومية متضمنة
لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحى القيوم
والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم م ولا غم ولا حزن ولا شئ من
الآفات ونقصان الحياة يضر بالأفعال وينافى القيومية فكمال القيومية لكمال الحياة فالحى المطلق التام الحياة لا يفوته صفقة
الكمال ألبتة والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن ألبتة فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير فى إزالة ما يضاد الحياة ويضر.
بالأفعال ، والمقصود أن لاسم الحى القيوم تأثيرا خاصا فى إجابة الدعوات وكشف الكربات (رواه الترمذى) فى
الدعوات وقال هذا حديث غريب - انتهى. وأخرجه أيضا ابن السنى (ص ١٠٩) كلاهما من طريق أبي بدر شجاع بن
الوليد عن الرحيل بن معاوية عن يزيد بن أبان الرقاشى عن أنس ، والرقاشى قال فى التقريب: إنه زاهد ضعيف، وقال
الساجى: كان يهم ولا يحفظ ويحمل حديثه لصدقه وصلاحه والظاهر أنه ضعف لأنه غفل عن حفظ الحديث شالا بالعبادة
(هذا حديث غريب وليس بمحفوظ) قد وهم المصنف ههنا فإن كلام التر مذى هذا إنما هو فى حديث أنس أن النبى مؤ قّم قال:
ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام. رواه من طريق مؤمل عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس به، ثم قال هذا حديث غريب
وليس بمحفوظ، وإنما يروى هذا عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن البصرى عن النبي تَثم وهذا أصح، والمؤهل
غلط فيه فقال عن حميد عن أنس ولا يتابع فيه - انتهى. وقد تعقب الحافظ كلام الترمذى هذا فى النكت الظراف على
الأطراف (ج ١: ص ١٨٢) فارجع إليه، وفى الباب عن ابن مسعود أخرجه الحاكم (ج ١: ص ٥٠٩).
٢٠٩

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
٢٤٧٩ - (٤١) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قلنا يوم الخندق يا رسول اللّه هل من شئى نقوله؟
فقد بلغت القلوب الحناجر. قال: نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا. قال: فضرب اللّه وجوه
أعدائه بالريح، هزم الله بالريح. رواه أحمد.
٢٤٧٩ - قوله (قال قلنا يوم الخندق) أى يوم الأحزاب فى المدينة، وسبب حفر الخندق أنه لما بلغه مئتي أن
أهل مكة تحزبوا لحربه وجمعوا من مشركى العرب وأهل الكتاب ما لا طاقة له بهم فاستشار أصحابه فأشار سلمان
الفارسى بحفره كما هو عرف بلادهم إذا قصدهم العدو الذى لا طاقة لهم بهم حول المدينة ليمنعهم دخولها بغتة ويستأمن به
المسلمون على نسائهم وأولادهم ففره هو وأصحابه بضعة عشر يوماً ورأوا فيها من الشدة والجوع والمعجزات ما هو
مسطور فى محله وكان ذلك فى شوال سنة خمس من الهجرة وقيل غير ذلك ، وقد بسط أهل السير فى هذه الوقعة ما هو
معروف فلا نطيل بذكرها (فقد بلغت القلوب الحناجر) أى فزعا ورعبا، فإن الرثة تنتفخ من شدة الروع فيرتفع
القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة وهى منتهى الحلقوم ، قال الشوكانى فى فتح القدير: الحناجر جمع حنجرة وهى جوف
الحلقوم أى ارتفعت القلوب عن أماكنها ووصلت من الفزع والخوف إلى الحناجر فلو لا أنه ضاق الحلقوم عنها وهو
الذى نهايته الحنجرة لخرجت كذا قال قتادة، وقيل هو على طريق المبالغة المعهودة فى كلام العرب وإن لم ترتفع القلوب إلى
ذلك المكان ولا خرجت عن مواضعها ولكنه مثل فى اضطرابها وجبنها يعنى هو على سبيل التمثيل عبر به عن شدة
الخوف والاضطراب. قال الفراء: والمعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم وسييل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ ربه
فإذا انتفخت الرئة ارتفع القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال الجبان انتفخ سحره (قال نعم) أى قولوا (اللهم استر عوراتنا)
جمع عورة وهى كل ما يستحي منه ويسوه صاحبه أن يرى منه (وآمن روعاتنا) جمع روعة وهى المرة من الروع بمعنى
الفزع والخوف (فضرب اللّه) أى بعد ما قال لهم وقالوا دفع الله وصرف عن مقاتلة المسلمين ومقابلتهم (وجوه أعدائه
بالريح) بأن جعلها مسلطة عليهم حتى كفأت قدورهم وألقت خيامهم ووقعوا فى برد شديد وظلمة عظيمة (هزم الله)
وفى بعض النسخ من المشكاة ((وهزم الله)) بالواو العاطفة، والمعنى على الأول هزمهم فيكون استئنافا لضرب أو بدلا منه
(بالريح) قال الطيبي: الظاهر أن يقال «فانهزموا بها، فوضع المظهر موضع المضمر ليدل به على أن الريح كانت سيا
لا يزال الرجز، وأقحم لفظ الله ليدل به على قوة ذلك السبب .. انتهى. قلت: والذى فى مسند أحمد فهزمهم الله عز وجل
بالريح وهذا ظاهر لا يحتاج إلى ما تكلفه الطبي (رواه أحمد) (ج ٣: ص ٣) ورواته ثقات، وأورده الهيشمى فى مجمع
الزوائد (ج ١٠: ص ١٣٦) وقال: رواه أحمد والبزار وإسناد البزار متصل ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحمد إلا
أن فى نسختى من المسند عن ربيح بن أبى سعيد عن أبيه وهو فى البزار عن أبيه عن جده، قلت: وهو كذلك فى نسخة
٢١٠
١

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
٢٤٨٠ - (٤٢) وعن بريدة، قال: كان النبي ◌َّ إذا دخل السوق قال: بسم الله، اللهم إنى أسألك
خير هذه السوق، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، اللهم إنى أعوذ بك أن
أصيب فيها صفقة خاسرة. رواه البيهقى فى الدعوات الكبير.
المسند التى بين أيدينا كنسخة الحافظ الهيشمى، وربح مصغرا ابن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى المدنى يروى عن
أبيه عن جده ، يقال اسمه سعيد وربيح لقب ، مقبول ، قاله الحافظ فى التقريب.
٢٤٨٠ - قوله (إذا دخل السوق) أى أراد دخولها وقيل أى وصل إلى مكانها وفى رواية ابن السنى والطبرانى
((إذا خرج إلى السوق)) (قال) أى عند الأخذ فيه (اللهم إنى أسألك خير هذه السوق) السوق يذكر ويؤنث على ما فى
الصحاح وقيل أنتها لأن تأنيثها أفصح من تذكيرها ولذا يقال فى تصغيرها سويقة والمراد خير ذاتها أو مكانها (وخير
ما فيها) أى ما ينتفع به من الأمور الدنيوية ويستعان به على القيام بوظائف العبودية والوسائل حكم المقاصد، قال القارى
فى الحرز: قوله «وخير ما فيها، أى مما ينتفع به فى الأمور الدنيوية التى يستعان بها على الأحكام الأخروية وقال فى المرقاة
أی من الأمور التى معينة على الدين أو أسألك خير هذه السوق بتیسیر رزق حلال وعمل رامح وبرکه فی الوقوف بها
وخير ما فيها من الناس والعقود والأمتعة (وأعوذ بك من شرها) أى فى ذاتها أو مكانها لكونه مكان إبليس كما ورد
(وشر ما فيها) أى مما يشغل عن ذكر الرب سبحانه أو مخالفته بنحو غش وخيانة وارتكاب ربا وعقد فاسد وأمثال
ذلك وقيل من شرها أى من شر ما استقر من الأوصاف والأحوال الخاصة بها وشر ما فيها أى من شر ما خلق ووقع
فيها وسبق إليها (اللهم إنى أعوذ بك أن أصيب) أى أدرك (فيها صفقة) أى بيعة ومنه ألهاهم الصفق بالأسواق أى
التبايع قاله الجزرى. ويقال صفق يده على يده صفقا وصفقة ضرب يده على يده وذلك عند وجوب البيع (خاسرة) أى
عقدا فيه خسارة دنيوية أو دينية، قال الطبى: الصفقة المرة من التصفيق وهى اسم للعقد فإن المتبايعين يضع أحدهما يده فى
يد الآخر ووصف الصفقة بالخاسرة من الإسناد المجازى لأن صاحبها خاسر بالحقيقة - انتهى. فهى كقوله تعالى:
﴿عيشة راضية) ويمكن أن يكون التقدير فيهما ذات خسارة وذات رضا أو فاعلة مصدر بمعنى مفعول. قال المناوى:
إنما سأل خير السوق واستعاذ من شرها لاستيلاء الغفلة على قلوب أهلها فأتى بهذه الكلمات ليخرج من حال الغفلة فيندب
لمن دخل السوق أن يحافظ على قوله ذلك فإذا نطق الداخل بهذه الكلمات كان فيه تحرزا عما يكون من أهل الغفلة فيها
(رواه البيهقى فى الدعوات الكبير) ورواه الحاكم (ج ١: ص ٥٣٩) وابن السنى (ص ٦٣) والطبرانى أيضا ولفظهم
(«أصيب فيها يمينا فاجرة أو صفقة خاسرة، وأو التنويع والفاجرة بمعنى الكاذبة أى حلفا كاذبا وذكر هما تخصيص بعد
تعميم لكونهما أهم ووقوعهما أغلب والحديث ذكره الهيشى فى مجمع الزوائد (ج ١٠: ص ١٢٩) وقال: رواه الطبرانى
٢١١

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
(٨) باب الاستعاذة
( الفصل الأول )!
٢٤٨١ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌ُلَّم: تعوذوا بالله من جهد البلاء،
وفيه محمد بن أبان الجعفى وهو ضعيف، قلت: وهو فى سند ابن السنى أيضا رواه عن علقمة بن مرتد عن ابن بريدة عن
أيه، وقال الحاكم (ج ١: ص ٥٣٩) فى باب دعاء دخول السوق بعد رواية حديث عمر وابنه عبد الله بن عمر ((وفى
الباب عن جابر وأبى هريرة وبريدة الأسلى وأنس وأقربها بشرائط هذا الكتاب حديث بريدة بغير هذا اللفظ، ثم
روى حديث بريدة من طريق محمد بن عيسى المداينى ثا شعيب بن حرب حدثنا جار لنا يكنى أبا عمرو عن علقمة بن
مرثد عن سلمان بن بريدة عن أبيه قال الحافظ العراقى فيه أبو عمرو جار لشعيب بن حرب ولعله حفص بن سليمان
الأسدى مختلف فيه، وقال غيره فيه أبو عمرو جار لشعيب بن حرب ولا يعرف ، والمداينى متروك وبه رد الذهبي فى
التلخيص تقوية الحاكم له، وفى الميزان (ج ٣: ص ١١٢) محمد بن عمر ، عن علقمة بن مرتد ، له حديث واحد ، وهو
منكر، ذكره البخارى فى الضعفاء ومتن حديثه عن ابن بريدة عن أبيه «كان النبي ◌َّةٍ إذا دخل السوق قال: بسم الله»
قال البخارى: لا يتابع عليه - انتهى. قلت: ترجم له البخارى فى التاريخ الكبير (١، ١، ١٧٩) لكن فيه محمد أبو عمر،
قال شعيب بن حرب هو جار لنا سمع علقمة بن مرئد عن ابن بريدة عن أبيه ((كان النبي مؤثر إذا دخل السوق قال بسم
الله. قال محمد هذا لا يتابع عليه .
(باب الاستعاذة) أى أنواع الدعوات التى وقع فيها الاستعاذة من العوذ وهو الالتجاء واللوذ. قال فى
القاموس: العوذ الالتجاء كالعياذ والمعاذ والتعوذ والاستعاذة.
٢٤/١ - قوله (تعوذوا بالله) أمر ندب وهذا لفظ البخارى فى كتاب القدر ورواه فى الدعوات بلفظ «كان
يتعوذ، فيكون حديثا فعليا وهكذا وقع عند مسلم والنسائى، ولأحمد ((كان يستعيذ) وكذا فى رواية للنسائى قال الحافظ:
قوله«کان یتعوذ» کذا مو فی رواية الأ کثرین، ورواه مسدد عن سفيان بلفظ الأمر «تعودوا، وسیأتی فی کتاب
القدر، وكذا وقع فى رواية الحسن بن على الواسطى عن سفيان عند الاسماعيلى وأبى نعيم. وفيه مشروعية الاستعاذة
ولا يعارض ذلك كون ما سبق فى القدر لا يرد لاحتمال أن تكون هذه الاستعاذة والدعاء مما قضى الله به فقد يقضى على
المرأ مثلا بالبلاء ويقضى أنه إن دعا كشف وفرج عنه البلاء فالقضاء محتمل للدافع والمدفوع، وفائدة الاستعاذة والدعاء
إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه (من جهد البلاء) بفتح الموحدة ممدود، والجهد بفتح الجيم وتضم والفتح أشهر
وأفصح أى شدة البلاء، قال فى النهاية: جهد البلاء أى الحالة الشاقة، وقيل المراد به الحالة التى يمتحن بها الإنسان وتشق
٢١٢
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
ودرك الشقاء، وسوء القضاء،
عليه بحيث يتمنى فيها الموت ويختاره عليها أى لو خير بين الموت وبين تلك الحالة لأحب أن يموت تحرزا عن تلك
الحالة وقيل جهد البلاء كل ما أصاب المرأ من شدة المشقة وما لا طاقة له بحمله ولا قدرة له على دفعه وقيل المراد
به قلة المال وكثرة العيال كذا جاء عن ابن عمر والصواب والحق أنه أعم وأن ذلك فرد من أفراد جهد البلاء، استعاذ
مرَّح من جهد البلاء لأن ذلك مع ما فيه من المشقة على صاحبه قد يحصل به التفريط فى بعض أمور الدين وقد يضيق
صدره بحمله فلا يصبر فيكون ذلك سببا فى الاثم (ودرك الشقاء) بفتح الدال والراء المهملتين ويجوز إسكان الراء وهو
الإدراك واللحوق والوصول إلى الشئ يقال: أدركته إدراكا ودركا، قال الطيبي: ومنه الحديث «لوقال إن شاء الله لم يحنث
وكان دركا لحاجته، وقيل الدرك بفتح الراء اسم وبالاسكان المصدر، والشقاء بفتح الشين وبالقاف والمد الشدة والعسر
وهو ضد السعادة وقال الحافظ: الشقاء هو الهلاك ويطلق على السبب المؤدى إلى الهلاك قيل المراد بدرك الشقاء
سوء الخاتمة وقال الشوكانى: درك الشقاء شدة المشقة فى أمور الدنيا وضيقها عليه وحصول الضرر البالغ فى بدته أو
أهله أو ماله وقد يكون باعتبار الأمور الأخروية وذلك بما يحصل من التبعة والعقوبة بسبب ما اكتسبه من الوزروافترنه
من الاثم استعاذ مَّة من ذلك لأنه النهاية فى البلاء والغاية فى المحنة وقد لا يصبر من امتحنه الله به فيجمع بين التعب
عاجلا والعقوبة آجلا - انتهى. وقيل هو واحد دركات جهنم ودرجاتها ومنازلها ومعناه من موضع أهل الشقاوة
وهى جهنم أو من موضع يحصل لكم فيه شقاوة أو هو مصدر إما مضاف إلى المفعول أو إلى الفاعل أى من درككم
الشقاء أو من درك الشقاء إياكم (وسوء القضاء) هو ما يسو الإنسان ويحزنه من الأقضية المقدرة عليه وذلك أعم
من أن يكون فى دينه أو فى دنياه أو فى نفسه أو فى أهله أو فى ماله. قال ابن بطال: سوء القضاء عام فى الفس والمال
والأهل والولد والخاتمة والمعاد قال: والمراد بالقضاء هنا المقضى لأن حكم الله من حيث هو حكمه كله حسن لا سوء فيه.
قالوا فى تعريف القضاء والقدر: القضاء هو الحكم بالكليات على سبيل الإجمال فى الأزل، والقدر هو الحكم بوقوع
الجزئيات لتلك الكليات على سبيل التفصيل فى الإنزال. قال الله تعالى: ﴿وإن من شئى إلا عندنا خزائنه وما تنزله
إلا بقدر معلوم - ١٥: ٢١) قال الشوكانى وفى الاستعاذة منه مَّم من سوء القضاء ما يدل على أنه لا يخالف الرضاء
بالقضاء فإن الاستعاذة من سوء القضاء هى من قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره ولهذا شرعها لعباده، ومن هذا ما ورد
فى قنوت الوتر بلفظ «وقنى شر ما قضيت)) قال: والقضاء (أى المقضى به) باعتبار العباد ينقسم إلى قسمين خير وشر وقد
شرع لهم الدعاء بالوقاية من شره والاستعاذة منه ولا ينافى هذا ما ورد عنه مر ئية فى بيان معنى الايمان لمن سأله عنه بقوله:
أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره. فإنه لا مانع من أن يكون الإنسان مؤمنا بما قضاه الله من
خير وشر مستعيذا بالله من شر القضاء عملا بمجموع الأدلة حديث الإيمان بالقضاء دل على أن القضاء منقسم إلى ما هو
خير وإلى ما هو شر فنؤمن به ولما وقع منه مَيثير الاستعاذة من سوء القضاء وأمرنا أيضا بالاستعاذة منه فنستعيذ منه
٢١٣

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
وشماتة الأعداء.
فإيمانا واستعاذتنا كلاهما تحت أمر الشارع عليه الصلاة والسلام - انتهى بتغيير يسير. وقال السندى: المقضى من
حيث القضاء أزلى فأى فائدة فى الاستعاذة منه؟ والظاهر أن المراد صرف المعلق منه فإنه قد يكون معلقا، والتحقيق
أن الدعاء مطلوب لكونه عبادة وطاعة ولا حاجة لنا فى ذلك إلى أن نعرف الفائدة المترتبة عليه سوى ما ذكرنا (وشماتة
الأعداء) بفتح الشين المعجمة وهى فرح الأعداء بما يقع على من يعادونه من المكروه ويحل به من المحنة. قال فى
الصحاح: الشماتة الفرح بلية العدو ويقال شمت به بالكسر يشمت شمانة ، وفى القاموس شمت كفرح شمتا وشماتة فرح
بيلية العدو وفى النهاية شماتة الأعداء فرح العدو بيلية تنزل بمن يعاديه قيل: أى تعودوا من فرح أعداء الدين والدنيا
المتعلقة بالدين وأما إذا كان رجل مثلا له من الدنيا ما يسرف فيه ويبطر ويفسق ويظلم فيتشمت بزوالها الأعداء فلا
استعاذة منه وقال القارى: أى قولوا نعوذ بك من أن تصيبنا مصية فى ديننا أو دنيانا بحيث يفرح أعدائنا وبهذا على أن
الكلمات الأربعة جامعة مانعة لصنوف البلاء وأن بينها عموما وخصوصا من وجه كما فى كلام البلغاء والفصحاء وقيل: الخصلة
الأخيرة أى شماتة الأعداء تدخل فى عموم كل واحدة من الثلاثة ثم كل واحدة من الثلاثة مستقلة فإن كل أمر يكره
يلاحظ فيه جهة المبدأ وهو سوء القضاء وجهة المعاد وهو درك الشقاء لأن شقاء الآخرة هو الشقاء الحقيقى وجهة المعاش
وهو جهد البلاء، وأما شماتة الأعداء فتقع لكل من وقع له كل من الخصال الثلاثة قلت: والحديث رواه مسلم بلفظ
((كان يتعوذ من سوء القضاء ومن درك الشقاء ومن شماتة الأعداء ومن جهد البلاء» قال الكرمانى هذه الكلمة جامعة لأن
المكروه إما أن يلاحظ من جهة المبدأ وهو سوء القضاء أو من جهة المعاد وهو درك الشقاء أو من جهة المعاش وهو
إما من جهة غيره وهو شماتة الأعداء أو من جهة نفسه وهو جهد البلاء نعوذ بالله منه - انتهى. قال السندى: وأنت
خبير بأنه لا مقابلة على ما ذكره بين سوء القضاء وغيره بل غيره كالتفصيل لجزئياته فالمقابلة ينبغى أن تعتبر باعتبار أن
مجموع الثلاثة الأخيرة بمنزلة القدر فكانه قال من سوء القضاء والقدر، لكن أقيم أهم أقسام سوء القدر مقامه، يعنى استعيذ
بسوء القضاء ثم أتبع بأهم أقسام سوء القدر، فلا مقابلة بين سوء القضاء وغيره ، بل غيره كالتفصيل لجزئياته، بقى أن
المقضى من حيث القضاء أزلى أى فائدة فى الاستعاذة منه؟ والظاهر أن المراد صرف المعلق منه فإنه قد يكون معلقا
والتحقيق أن الدعاء مطلوب لكونه عبادة وطاعة ولا حاجة لنا فى ذلك إلى أن نعرف الفائدة
المترتبة عليه سوى ما ذكرنا - انتهى. قال الشوكانى: استعاذ مَّ ليل من شماتة الأعداء وأمر بالاستعاذة منها لعظم موقعها
وشدة تأثيرها فى الأنفس البشرية ونفور طباع العباد عنها وقد يتسبب عن ذلك تعاظم العداوة المفضية إلى استحلال ما
حرمه الله سبحانه وتعالى. وقال ابن بطال: شماتة الأعداء ما ينكا القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ وإنما تعوذ النبي
عَّ من ذلك تعايا لأمته، فإن الله تعالى آمنه من جميع ذلك. قال الحافظ: ولا يتعين ذلك بل يحتمل أن يكون استعاذ
بربه من وقوع ذلك بأمته ويؤيده رواية مسدد المذكورة بصيغة الأمر ، وفى الحديث دلالة على أن الكلام المسجوع
٢١٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
متفق عليه .
لا يكره إذا صدر عن غير قصد إليه ولا تكلف بل هو من السجع المحمود وهو ما جاء بانسجام واتفاق والمذهوم من
السجع ما يأتى بتكلف واستكراه (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الدعوات وفى القدر ومسلم فى الدعاء واللفظ للبخارى
فى القدر وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٢٤٦) والنسائى فى الاستعاذة والحميدى فى مسنده (ج ٢: ص ٤٢٩)
والبخارى فى الأدب المفرد (ج ١ ص ٥٢٩، وج٢: ص١٢٣) والبغوى (ج ٥: ص ١٦٠) كلهم من طريق سفيان بن
عينة عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة ، زاد البخارى فى روايته فى الدعوات ((قال سفيان الحديث ثلاث، زدت أنا
واحدة لا أدرى أيتهن هى، أى الحديث المرفوع المروى يشتمل على ثلاث جمل من الجمل الأربع والرابعة زادها سفيان
من عند نفسه ثم خفى عليه تعيينها ، وفى رواية للنسائى ((قال سفيان هو ثلاثة فذكرت أربعة لأنى لا أحفظ الواحد الذى
ليس فيه)، ووقع عند الحميدى عن سفيان ((الحديث ثلاث من هذه الأربع)). قال الحافظ: وأخرجه أبو عوانة
والإسماعيلى وأبو نعيم من طريق الحميدى ولم يفصل ذلك بعض الرواة عن سفيان كما سيأتى واستشكل جواز
زيادة سفيان الجملة المذكورة فى الحديث مع أنه لا يجوز الإدراج فى الحديث. قال الكرمانى: كيف جاز له أن يخاط
كلامه بكلام رسول اللّه تَّة بحيث لا يفرق بينهما ثم أجاب بأنه ما خلط بل اشتبهت عليه تلك الثلاث بعينها وعرف أنها كانت
ثلاثة من هذه الأربعة فذكر الأربعة تحقيقا لرواية تلك الثلاثة قطعا إذ لا تخرج منها ، وروى البخارى فى القدر الحديث
المذكور وذكر فيه الأربعة مسندا إلى رسول الله مؤقتة بلا تردد ولا شك ولا قول بزيادة وفى بعض الروايات ((قال
سفيان أشك أنى زدت واحدة)) - انتهى. وقال الحافظ: سيأتى فى القدر أى عند البخارى عن مسدد، وأخرجه مسلم
عن أبى خيثمة وعمرو الناقد ، والنسائى عن قنية، والاسماعيلى من رواية العباس بن الوليد، وأبو عوانة من رواية
عبد الجبار بن العلاء، وأبو نعيم من طريق سفيان بن وكيع كلهم عن سفيان بالخصال الأربعة بغير تميز إلا أن ملا
قال عن عمرو الناقد ، قال سفيان: أشك أنى زدت واحدة منها. وأخرجه الجوزقى من طريق عبد الله بن هاشم عن
سفيان فاقتصر على ثلاثة ، ثم قال قال سفيان ((وشماتة الأعداء، وأخرجه الاسماعيلى من طريق ابن أبى عمر عن سفيان
وبين أن الخصلة المزيدة هى شماتة الأعداء، وكذا أخرجه الاسماعيلى من طريق شجاع بن مخلد عن سفيان، مقتصرا على
الثلاثة دونها وعرف من ذلك تعيين الخصلة المزيدة. وأجاب الحافظ عن هذا الاختلاف بأن سفيان كان إذا حدث
ميزها ثم طال الأمر فطرأ عليه النسيان وطرقه السهو عن تعيينها حفظ بعض من سمع تعينها منه قبل أن يطرأ عليه النسيان
ويطرقه السهو ثم كان بعد أن خفى عليه تعيينها يذكر كونها مزيدة مع إمامها ثم بعد ذلك إما أن يحمل الحال حيث لم
يقع تميزها لا تعبينا ولا إبهاما أن يكون ذهل عن ذلك أو عين أو ميز فذهل عنه بعض من سمع ويترجح كون الخصلة
المذكورة أى شماتة الأعداء هى المزيدة بأنها تدخل فى عموم كل واحدة من الثلاثة - انتهى. قلت: وجنح بعضهم إلى
ترجيح رواية مسدد ومن وافقه لأنها فيها زيادة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة وإليه يشير صنيع البغوى والمؤلف إذا اقتصرا
٢١٥

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
٢٤٨٢ - (٢) وعن أنس، قال: كان النبى معَّ يقول: اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن،
والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال.
على إيراد الحديث القولى الذى ورد فيه الخصال الأربعة بغير تمييز وفصل ولم ينبها على رواية الشك والتردد والزيادة ولا
يخفى ما فى ذلك، فعم الأحوط لنا أن نذكر عند الدعاء بهذه الاستعاذة الجمل الأربع ونستعيذ من الخصال الأربعة جميعا.
٢٤٨٢ - قوله (اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل) الحزن بفتحتين
وبضم فسكون مثل وَشَد ورُ شُد ، قيل الفرق بينه وبين الهم أن الحزن إنما يكون فى أمر قد وقع والهم إنما هو فى ما يتوقع
وكثير من الناس لا يفرقون بينهما ويجعلونه من باب التكرير والتأكيد وكثيرا ما يحثى مثل هذا التأكيد بالعطف
مراعاة التغاير اللفظ والعجز بسكون الجيم قال النووي: هو عدم القدرة على الخير وقيل هو ترك ما يجب فعله
والتسويف به وأما الكسل وهو بفتحتين فهو عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة فيه مع إمكانه، وقيل العجز
سلب القوة وتخلف التوفيق إذ صفة العبد العجز. وإنما يقوى بقوة يحدثها الله فيه فكأنه استعاذ به أن يكله إلى أوصافه
فإن كل من رد إليها فقد خذل والكسل التثاقل والتراخى مما ينبغى مع القدرة والاستطاعة والقوة ، فالعاجز معذور
والكسلان لا، ومع ذلك هو حالة ردية ولو مع عذر فلذا تعوذمنه والجبن ضد الشجاعة التى فيها فضيلة قوة الغضب
وانقيادها للعقل وقيل هو الخور عن تعاطى الحرب خوفا على المهجة وإمساك النفس والضن بها عن إتيان واجب الحق
والبخل ضد الكرم، وفى كلام العرب منع الاحسان أو منع السائل المحتاج عما يفضل عن الحاجة ، وفى الشرع منع
ما وجب ، قيل الجبن والبخل قد يكونان غريزة وقد يعرض كل منهما لمن ليس هو غريزة له، وذلك بحسب قوة الدواعى
والموانع، ومن قوى إيمانه لم يكد يظهر منه أثر بخل أو جبن فى سبيل الله وإن كان سجية له اللهم إلا أن ينقل عن
استحضار مقتضى إيمانه فإنه حينئذ يظهر منه أثرهما فالاستعاذة من الجبن والبخل لئلا يظهر من أثرهما ما قد يخل بطاعة
الله عز وجل ولا يكون ذلك إلا بقوة الإيمان واليقين لا بتبديل الغريزة، إلا أن فيه خرقا للعادة، والمقصود لا
يتوقف عليه، كذا فى شرح الأدب المفرد. قال النووى: إنما استعاذ النبى ◌َّم من الجبن والبخل لما فيها من التقصير عن
أداء الواجبات والقيام بحقوق اللّه تعالى وإزالة المنكر والإغلاظ على العصاة، ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم
العبادات ويقوم بنصر المظلوم والجهاد وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال وينبعث للإنفاق والجود ولمكارم
الأخلاق ويمتنع من طمع النفس فيما ليس له (وضلع الدين) بفتح المعجمة واللام، قال الحافظ: أصل الضلع الاعوجاج
يقال ضلع بفتح اللام يضلع أى مال، والمراد به هنا ثقل الدين وشدته وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء ولا سيما
مع المطالبة. وقال بعض السلف: ما دخل هم الدين قلبا إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه (وغلبة الرجال) أى شدة
تسلطهم كاستيلاء العوام والرعاع (سفلة الناس) هرجا ومرجا. قال ابن القيم: كل اثنتين منها قريفتان، فالهم والحزن
٢١٦
.

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
متفق عليه.
٢٤٨٣ - (٣) وعن عائشة، قالت: كان النبى معَّم يقول: اللهم إنى أعوذ بك من الكسل والهرم،
والمغرم والمأثم، اللهم إنى أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار ،
قريفتان إذ المكروه الوارد على القلب إن كان من مستقبل يتوقعه أحدث الهم أو من ماض أحدث الحزن ، والعجز
والكسل قريتان فإن تخلف العبد عن أسباب الخير إن كان لعدم قدرته فالعجز، أو لعدم إرادته فالكسل، والجبن
والبخل قرينتان فإن عدم النفع إن كان ببدنه فالجبن أو بماله فالبخل، وضلع الدين وقهر الرجال قرينتان فإن استيلاء
الغير عليه إن كان بحق فضلع الدين أو بباطل فقهر الرجال. قال الكرمانى: هذا الدعاء من جوامع الكلم لأن أنواع
الرذائل ثلاثة نفسانية وبدنية وخارجية فالأولى بحسب القوى التى للإنسان وهى ثلاثة : العقلية والغضبية والشهوانية
فالهم والحزن يتعلق بالعقلية والجبن بالغضبية والبخل بالشهوانية والعجز والكسل بالبدنية. والثانى يكون عند سلامة
الأعضاء وتمام الآلات والقوى، والأول عند نقصان عضو ونحوه، والضلح والغلبة بالخارجية فالأول مالى والثانى جاهى
والدعاء مشتمل على جميع ذلك (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الدعوات هكذا مختصرا وفى جملة حديث طويل أيضا
من رواية عمرو بن أبى عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أنس، وأخرجه مسلم فى الدعاء مختصرا باختلاف
يسير من طريق آخر، وكذا البخارى فى الجهاد وأخرجه أيضا أحمد والترمذى فى الدعوات وأبو داود فى أواخر الصلاة
والسائى فى الاستعاذة والبغوى (ج ٥: ص ١٥٥).
٢٤٨٣ - قوله (والهرم) بفتحتين ، والمراد به الرد إلى أرذل العمر كما جاء فى رواية وهو صيرورة الرجل
خرفا من كبر السن، وسبب الاستعاذة من ذلك ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم وتشويه
بعض المنظر والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل فى بعضها. قال الشوكانى: الهرم هو البلوغ فى العمر إلى سن
قضعف فيه الحواس والقوى ويضطرب فيه الفهم والعقل وهو أرذل العمر ، وأما مجرد طول العمر مع سلامة الحواس
وصحة الإدراك فذلك مما ينبغى الدعاء به لأن بقاء المؤمن متمتعا بحواسه قائما بما يجب عليه متجنبا لما لا يحل له فيه حصول
الثواب وزيادة الخير (والمغرم) مصدر وضع موضع الاسم وقد تقدم تفسيره فى باب الدعاء فى التشهد. قال النووي:
أما استعاذته مَّ من المغرم وهو الدين فقد فسره رَبِّ أن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف، ولأنه قديمطل
المدين صاحب الدين، ولأنه قد يشتغل به قلبه، وربما مات قبل وفاته فبقيت ذمته مرتهنة به (والمأثم) مصدر وضع
موضع الاسم وقد تقدم بيانه وتفسيره أيضا (اللهم إنى أعوذبك من عذاب النار) أى بعد فتنتها. قال القارى: أى من أن
أكون من أهل النار وهم الكفارفانهم هم المعذبون. وأما الموحدون فإنهم مؤدبون ومهذبون بالنار لا معذبون بها (وفتنة النار)
أى فتنة تؤدى إلى عذاب النار لثلا يتكرر، ويحتمل أن يراد بفتنة النار سؤال الخزنة على سبيل التويخ وإليه الإشارة
٢١٧

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
وفتنة القبر وعذاب القبر، ومن شرفتنة الغنى وشر فتنة الفقر،
بقوله تعالى ﴿ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير -٦٧: ٨) وأصل الفتنة الامتحان والاختبار واستعملت
فى الشرع فى اختبار كشف ما يكره ويقال فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته، وفى الغفلة عن المطلوب كقوله
﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة - ٦٤: ١٥) وتستعمل فى الاكراه على الرجوع من الدين كقوله تعالى {إن الذين فتنوا
المؤمنين والمؤمنات - ٨٥: ١٠) قال الحافظ: واستعملت أيضا فى الضلال والاثم والكفر والعذاب والفضيحة
ويعرف المراد حيث ما ورد بالسياق والقرائن (وفتنة القبر) أى التحير فى جواب الملكين. قال الشوكانى: هى ما ورد
أن الشيطان يوسوس اليت فى قبره ويحاول إغوائه وخذلانه عند سؤال الملكين له (وعذاب القبر) هو ما يترتب
بعد فته على المجرمين، فالأول كالمقدمة للثانى وعلامة عليه (ومن شر فتنة الغنى) هى البطر والأشر والطغيان وتحصيل
المال من الحرام وصرفه فى العصيان والتفاخر بالمال والجاه والشح بما يجب إخراجه من واجبات المال ومندوباته
(وشر فتنة الفقر) كالتسخط وقلة الصبر والوقوع فى الحرام أو شبهته للحاجة. وقال القارى: هى الحسد على الأغنياء
والطمع فى أموالهم والتذلل بما يدنس العرض ويثلم الدين وعدم الرضاء بما قسم الله له وغير ذلك مما لا تحمد عاقبته وقيل
الفتنة هنا الامتحان والبلاء أى ومن بلاء الغنى وبلاء الفقر أى ومن الغنى والفقر الذى يكون بلاء ومشقة من أن يحصل
منا شر إذا امتحنا الله إيانا بالغناء وبالفقر بأن لا نؤدى حقوق الأموال وتتكبر بسبب الغناء وبأن لا نصبر على الفقر
وقال الطبى: إن فسرت الفتنة بالمحنة والمصيبة نشرها أن لا يصبر الرجل على لأواءها ويجزع منها ، وإن فسرت
بالامتحان والاختبار نشرها أن لا يحمد فى السراءولا يصبر فى الضراء، قال بعض المحققين: قيد فيهما بالشرلأن كلا منهما فيه
خير باعتباروشر باعتبار فالتقيد بالاستعاذة منه بالشر يخرج ما فيه من الخير سواءقل أو كثر، قلت: جاء فى هذه الرواية لفظ
الشر فى الفقرتين وذكر فى رواية للبخارى فى الفقرة الأولى دون الثانية. قال الكرمانى فى الكواكب: فإن قلت لم زاد لفظ
الشر فى الغنى ولم يذكره فى الفقر ونحوه وأجاب بأنه تصريح بما فيه من الشر وأن مضرته أكثر من مضرة غيره أو تغليظا
على الأغنياء حتى لا يغتروا بغناهم ولا يغفلوا عن مفاسده أو إيماء إلى أن صورته لا يكون فيها خير بخلاف صورة الفقر
فإنها قد تكون خيرا - انتهى. وتعقبه الحافظ فى الفتح بأن هذا كله غفلة عن الواقع فإن الذى ظهر لى أن لفظة شر فى
الأصل ثابتة فى الموضعين وإنما اختصره بعض الرواة فسيأتى بعد قليل فى باب الاستعاذة من أرذل العمر فى هذه الرواية
من طريق آخر بلفظ «وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر، ويأتى بعد أبواب أيضا من طريق أخرى بإسقاط شر فى الموضعين
والتقيد فى الغنى والفقر بالشر لا بد منه لأن كلا منهما فيه خير باعتبار فالتقييد بالاستعاذة منه بالشريخرج ما فيه من الخير
سواء قل أم كثر-انتهى . وتعقبه العینی فقال هذا غفلة منه حيث يدعى اختصار بعض الرواة بغيردليل على ذلك ، قال وأما
قوله وسيأتى بعد بلفظ ((شرفتنة الغنى وشر فتنة الفقر، فلا يساعده فيما قاله لأن للكرمانى أن يقول يحتمل أن يكون لفظ شر
٢١٨
١

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
ومن شر فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل خطاياى بماء الثلج والبرد، وفق قلبي كما ينقى الثوب
الأبيض من الدنس، وباعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب. متفق عليه.
فى فتنة الفقر مدرجا من بعض الرواة على أنه لم ينف مجثى لفظ شر فى غير الغنى، ولا يلزمه هذا لأنه فى بيان هذا الموضع
الذى وقع هنا خاصة - انتهى. قال الحافظ فى انتقاض الاعتراض: حكاية هذا الكلام أى الذى قاله العين تغنى العارف
عن التشاغل بالرد عليه - انتهى. قال الغزالى: فتنة الغنى الحرص على جمع المال والحب على أن يكسبه من غير حله
ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه وفتنة الفقر يراد به الفقر الذى لا يصحبه صبر ولا ورع حتى يتورط صاحبه بسببه
فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة ولا يبالى بسبب فاقته على أى حرام وثب ولا فى أى حالة تورط. وقيل المراد فقر
النفس الذى لا يرده ملك الدنيا بحذافيرها وليس فيه ما يدل على تفضيل الفقر على الغنى ولا عكسه (ومن شر فتنة المسيح
الدجال) تقدم شرحه فى باب الدعاء فى التشهد (اللهم اغسل خطاياى) أى أزلها عنى (بماء الثلج والبرد) بفتحتين حب
الغمام أى بأنواع الألطاف والرحمة كان كل نوع من الماء بمنز لةنوع من الرحمة والتطهير وحكمة العدول عن الماء الحار إلى
الثلج والبرد مع أن الحار فى العادة أبلغ فى إزالة الوسخ الإشارة إلى أن الثلج والبرد ماءان طاهران لم تمسهما الأيدى ولم
يمتهنهما الاستعمال فكان ذكرهما آكد فى هذا المقام، أشار إلى هذا الخطابى، وقد سبق كلامه فى شرح حديث أبى هريرة فى
أول باب ما يقرأ بعد التكبير . وقال الكرمانى: وله توجيه آخر وهو أنه جعل الخطايا بمنزلة النار لكونها تؤدى إليها فعبر
عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدا فى إطفاءها وبالغ فيه باستعمال المياه الباردة غاية البرودة (ونق) بفتح النون وتشديد
القاف من التنقية (قلبى) الذى هو بمنزلة ملك الأعضاء واستقامتها باستقامته. وقوله «فق قلبى، هكذا فى جميع نسخ المشكاة
والمصابيح وشرح السنة، والذى فى الصحيحين «وفق قلبى من الخطايا) والعجب أنه لم يتنبه لذلك المؤلف، والمراد الخطايا
الباطنية وهى الأخلاق الذميمة والشمائل الردية (كما ينقى) بصيغة المجهول الغائب، وفى رواية «نقيت)) بصيغة المعلوم
المخاطب (الثوب الأبيض من الدنس) بفتحتين أى الدرن والوسخ وفيه إيماء إلى أن القلب بمقتضى أصل الفطرة سليم
ونظيف وأيض، وإنما يتسود بارتكاب الذنوب والتخلق بالعيوب (وباعد) أى بعّد ، وعبر بالمفاعلة البالغة (بينى وبين
خطاياى) كرر بين هنا دون ما بعده لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض (كما باعدت) ما مصدرية
والكاف للتشبيه أى كتبعيدك (بين المشرق والمغرب) تقدم بيان موقع التشبيه والمراد من المباعدة فى شرح حديث
أبى هريرة فى باب ما يقرأ بعد التكبير، واستعاذته ميثية من الأشياء المذكورة فى هذا الحديث وغيره لتكمل صفاته فى
كل أحواله أو تعليما لأمته، أو المراد إظهار الافتقار والعبودية نظرا إلى استغنائه وكبريائه تعالى (متفق عليه) أخر جاه
فى الدعوات وأخرجه أيضا الترمذى وابن ماجه فى الدعاء والنسائى فى الاستعاذة والبغوى (ج ٥: ص ١٥٧°، ١٥٨)
غير أنه قدم بعضهم وأخر بعض الألفاظ، وأخرجه أبو داود مختصرا فى أواخر الصلاة والحاكم مطولا (ج١:
ص ٥٤١).
٣١٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
٢٤٨٤ - (٤) وعن زيد بن أرقم، قال: كان رسول اللّه مَيتم يقول: اللهم إنى أعوذ بك من
العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسى تقواها، وزكها أنت خير من
زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنى أعوذ بك من علم لا ينفع،
٢٤٨٤ - قوله (والجبن والبخل) قيل من خاف فأحجم عن أن يطلب الأمور العظيمة المرضية فى الشرع مثل
أن يجتهد فى تحصيل العلم حتى يبلغه اللّه تعالى درجة الإرشاد والفتوى فهو جبان إلا أن يكون له عذر من قلة الفهم وسوء
الحفظ واشتغاله بتحصيل القوت وغير ذلك ومن منع العلم إذا طلب الناس منه ما يحتاجون إليه فى دينهم فهو بخيل
(وعذاب القبر) من الضيق والظلبة والوحشة وضرب المقمعة ولدغ العقرب والحية وأمثالهما أو مما يوجب عذابه من
النميمة وعدم التطهير ونحوهما (اللهم آت) أمر من الإيتاء أى أعط (نفسى تقواها) أى صيانتها عن المحظورات وقيل
أى أرزقها الاحتراز عما يضرها ويهلكها فى الآخرة. قال الطبي: ينبغى أن تفسر التقوى بما يقابل الفجور فى قوله تعالى
﴿فألهمها فجورها وتقواها - ٩١: ٨ ) وهى الاحتراز عن متابعة الهوى وارتكاب الفجور والفواحش لأن الحديث
كالتفسير والبيان للآية فدل قوله ((آت)) على أن الإلهام فى الآية هو خلق الداعية الباعثة على الاجتناب عن المذكورات
وقوله (وزكها) أى وطهرها من الذنوب وفقها من العيوب واجعلها زاكية كاملة فى الايمان (أنت خير من زكاها)
دل على أن إسناد التزكية إلى من فى الآية هو نسبة الكسب إلى العبد لا خلق الفعل له كما زعمت المعتزلة لأن الخيرية
تقتضى المشاركة بين كسب العبد وخلق القدرة فيه يعنى قوله ((من زكاها)) إيماء إلى قوله تعالى ﴿قد أفلح من زكاها)
وإشارة إلى أن ضمير الفاعل فى زكاها راجع إلى من ليستقيم «أنت خير من زكاها، وأما إذا كان راجعا إلى اللّه تعالى
فيتعين فإنه المزكى لا غير على ماهو فى الحقيقة كذلك وأن الاسناد إلى غيره مجازى. وقال النووى: معنى ((زكها))طهرها ،
ولفظة خير ليست للتفضيل بل معناه لا مزكى لها إلا أنت كما قال (أنت وليها) أى المتصرف فيها ومصلحها ومزينها
وقيل ناصرها ، وهذا راجع إلى قوله «آت نفسى تقواها، كأنه يقول انصرها على فعل ما يكون سيبالرضاك عنها لأنك
ناصرها (ومولاها) أى ناصرها وعاصمها. وقيل عطف تفسيرى، وقيل هذا راجع إلى قوله ((زڪها)، يعنى طهرها
بتأديبك إياها كما يؤدب المولى عبده. وقال الطبي: أنت وليها ومولاها. استئناف على بيان الموجب وأن إيتاء التقوى
وتحصيل التزكية فيها إنما كان لأنه هو متولى أمورها ومالكها فالتزكية إن حملت على تطهير النفس عن الأفعال والأقوال
والأخلاق الذميمة كانت بالنسبة إلى التقوى مظاهر ما كان مكمنا فى الباطن وإن حملت على الانماء والاعلاء بالتقوى
كانت تحلية بعد التخلية لأن المتقى شرعا من اجتنب النواهى وأتى بالأوامر (اللهم إنى أعوذ بك من علم لا ينفع) يعنى من
على لا أعمى به ولا أعلمه الناس ولا يصل بركته إلى قلبى ولا يبدل أفعالى وأقوالى وأخلاقى المذمومة إلى المرضية ولا يهذبها ،
٢٢٠
١