Indexed OCR Text
Pages 101-120
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
فإن هو هم بها فعملها، كتبها الله له سيئة واحدة . متفق عليه.
حديث الملتقيين بسيفيهما بأنه يتعلق بفعل خارجى أى يتعلق بالملتقين عزم كل منهما على قتل صاحبه واقترن بعزمه
فعل بعض ما عزم عليه وهو شهر السلاح وأشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤ اخذ به سواء حصل القتل أم لا،
ولا يلزم من قوله فالقاتل والمقتول فى النار أن يكونا فى درجة واحدة من العذاب بالاتفاق - انتهى كلام الحافظ.
باختصار يسير (فان هو) أى الشأن أو مريد العمل (هم بها) أى بالسيئة (فعملها) أى جمع بين القصد والعمل
( کتبها اله له سيئة واحدة) فی حديث أبى هريرة عند الشیخین ا کتبوما له بمثلها ولمسلم من حديث أبى ذر،
فيزاء، بمثلها أو اغفر له، وله فى آخر حديث ابن عباس أو محاها الله أى محاما بالفضل أو بالتوبة أو بالاستغفار
أو بعمل الحسنة التى تكفر السيئة، والأول أشبه بظاهر حديث أبى ذر ويستفاد من التأكيد بقوله واحدة إن السيئة
لا تضاعف كما تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى ﴿فلا يجزى إلا مثلها - غافر: ٤٠﴾ قال ابن عبد السلام
فى أماليه: فائدة التأكيد دفع توهم من يظن أنه اذا عمل السيئة كتبت عليه سيئة العمل، وأضيفت إليها سيئة الهم
وليس كذلك، إنما يكتب عليه سيئة واحدة. وقد استثنى بعضهم وقوع المعصية فى الحرم المكى والجمهور على
التعميم فى الأزمنة والأمكنة، ولكن قد تفاوت بالعظم ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿من يأت منكن بفاحشة
مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين-الأحزاب: ٣٠) لأن ذلك ورد تعظيما لحق النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن وقوع
ذلك من نساء، بقتضى أمرا زائدا على الفاحشة وهو أذى النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد مسلم بعد قوله أو محاها
القه ((ولا يملك على الله إلا هالك)) أى لا يهلك مع سعة هذه الرحمة الا من حقت عليه الكلمة، أى من أصر على
التجرى على السيئة عزما وقولا وفعلا، وأعرض عن الحسنات هما وقولا وفعلا. قال ابن بطال: فى هذه الحديث
بيان فضل الله العظيم على هذه الأمة، لأنه لولا ذلك كاد لا يدخل أحد الجنة لأن عمل العباد السيئات أكثر من
عملهم الحسنات، ويؤيد ما دل عليه هذا الحديث من الاثابة على الهم بالحسنة وعدم المؤاخذة على الحم بالسيئة
قوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما كتسبت - البقرة: ٢٨٦) اذ ذكر فى السوء الافتعال الذى يدل على المعالجة
والتكلف فيه بخلاف الحسنة. وفيه أن الله تعالى بفضله وكرمه جعل العدل فى السيئة، والفضل فى الحسنة نضاعف
الحسنة ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها إلى العدل الفصل ، فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله كتبت له واحدة
أو يمحوها وبقوله جزاء، يمثلها أو أغفر (متفق عليه) أخرجه البخارى فى باب من هم بحسنة أو سيئة من
كتاب الرقاق، ومسلم فى الايمان وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٢٢٧ - ٢٧٩ - ٣١٠ - ٣٦١) والنسائى فى
الكبرى ، وفى الباب عن أبى هريرة عند الشيخين وغيرهما ، وعن أبى ذر عند مسلم وعن أنس عند أبي يعلى.
١٠١
مرعاة المساتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥- باب
﴿ الفصل الثانى )
٢٣٩٨ - (١٢) عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مثل الذى
يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات، كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة
فاتفكت حلقة ثم عمل أخرى فانفكت أخرى حتى تخرج إلى الأرض رواه. ((فى شرح السنة)).
٢٣٩٩ - (١٣) وعن أبى الدرداء. أنه سمع التى صلى الله عليه وسلم: يقص على المنبر وهو يقول
٢٣٩٨ - قوله (إن مثل الذى يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات ) أى صفته (كمثل رجل) قيد به
لمناسبته بالدرع (كانت عليه درع) بكسر الدال المهملة ، وهى قميص من زر والحديد يلبس وقاية من سلاح العدو
مونث، وقد يذكر بخلاف درع المرأة أى قميصها فإنه مذكر (قد خفقته) أى عصرت حلقه وثبته لضيقها
(ثم عمل حسنة) أى أى حسنة كانت والتنوين للتنكير (فانفكت) أى إنحلت (حلقة) بسكون اللام أى من
حلق تلك الدرع ( ثم عمل أخرى) أى حسنة أخرى (فانفكت أخرى) أى حلقة من الحلق وهكذا تنفك واحدة
بواحدة بعد أخرى (حتى تخرج إلى الأرض) أى حتى تسقط تلك الدرع. قال الطيبي: أى حتى تنحل وتنفك بالكلية
ويخرج صاحبها من ضيقها فقوله تخرج الى الأرض كناية عن سقوطها - انتهى. والمقصود من الحديث أن عمل
السيئات يضيق صدر عاملها، ويحيره فى أمره ويعره عليه فلا تيسر له أموره ويسود قلبه ويضيق عليه رزقه
ويبغضه الى الناس، واذا عمل الحسنات تذهب حسناته سيئاته كما قال الله عزوجل ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات
هود: ١١٥﴾ فإذا زالت سيئاته إنشرح صدره وتوسع رزقه وطاب قلبه وتيسر له اموره وصار محبوبا فى
قلوب الناس فالحديث تمثيل وبيان لقوله تعالى ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (رواه) أى البغوى (فى شرح
السنة) أى باسناده، وأخرجه أيضا أحمد (ج٤ ص١٤٥) من رواية عبد الله بن المبارك. قال أنا ابن لهيعة قال
حدثنى يزيد بن أبى حبيب قال حدثنا أبو الخير، أنه سمع عقبة بن عامر وابن لهيعة فيه كلام معروف، لكن رواية
ابن المبارك عنه حسن. قال عبد الغنى بن سعيد الأزدى، اذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح ابن المبارك
وابن وهب والمقرى ، وذكر الساجى وغيره مثله كذا فى التهذيب (ج٥ ص ٣٧٨) وقال فى التقريب: إنه صدوق
خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله فى مسلم بعض شىء ،قرون.
والحديث ذكره المنذرى فى الترغيب (ج ٤ ص ٢٥) والهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠ ص ٢٠١ - ٢٠٢)
وقالا : رواه أحمد والطبرانى وأحد اسنادى الطبرانى رجاله رجال الصحيح.
٢٣٩٩ - قوله (يقص) أى يحدث الناس ويعظهم ويذكرهم (ويقول) أى والحال أنه يقول ويحتمل أن
١٠٢
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٥- باب
﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان قلت وإن زنى وإن سرق؟ يا رسول الله! فقال الثانية: (ولمن
غاف مقام ربه جنتان﴾
يكون للعطف على يقص (ولمن خاف) أى لكل فرد من أفراد الخائفين أولجموعهم يعنى الكلام على سبيل التوزيع
فاحدى الجنتين للخائف الانسى، والأخرى للخائف الجنى ، فكل خائف ليس له إلاجنة واحدة والأول هو المعتمد
(مقام ربه) مقامه سبحانه هو الموقف الذى يقف فيه العباد للحساب أو قيام الخائف عندربه للحساب يعنى ولمن خاف
من القيام بحضرة ربه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين - المطففين: ٦) وقيل: المعنى خاف مقام
ربه عليه وهو إشرافه على أحواله واطلاعه على أفعاله وأقواله من قام عليه اذ راقبه، كما فى قوله أفن هو قائم على
كل نفس بما كسبت، ومحصل ذلك إحتمالات ثلاث فى تفسير المقام. أولها أنه اسم مكان، والثانى: أنه مصدر تحته
إحتمالان إما بمعنى قيام الخلائق بين يدى الله أو بمعنى قيام اللّه على الخلائق، وأضاف إلى الرب تفخيما وتهويلا.
وقيل: أى لمن خاف ربه ومقام مقحم البالغة، كقوله أنفيت عنه مقام الذئب. قال مجاهد والنخعى: هو الرجل الذى
بهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من خوفه، وفيه اشارة إلى سبب استحقاق الجنتين فى نفس الأمر، وهو أنه ليس
مجرد الخوف بل الخوف الناشىء عنه ترك المعاصى. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس فى هذه الآية قال: وعدالله
المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة ، وأخرج ابن جرير عنه أيضا يقول خاف ثم أتقى والخائف من
ركب طاعة الله وترك معصيته. (جنتان) أى جنتان ذواتا أفنان الى آخر صفاتهما المذكورة فى القرآن المبينة أنهما
أعلى من الجنتين المذكورتين بعدهما من الجنان، ومن ثمة قال ومن دونهما جنتان أى فى المرتبة والنعيم والشرف.
واختلف فى الجنتين المذكورتين أولا، فقيل جنة لفعل الطاعة وأخرى لترك المعصية. وقيل جنة للعقيدة وأخرى
للعمل. وقيد: جنة بالعمل وجنة بالتفضل. وقيل: غير ذلك ، والأظهر أن يقال جنتان من ذهب آنيتهما
وقصورهما وحليهما وما فيهما ومن دونهما جنتان أى من فضة كذلك، واليه ذهب ابن كثير حيث قال الصحيح
إن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره بقول الله تعالى ﴿وأما من خاف مقام ربه - النازعات: ٤٠)﴾ بين يدى
اللّه عز وجل يوم القيامة (ونهى النفس عن الهوى - النازعات: ٤٠) ولم يطغ ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة
خير وأبقى فأدى فرائض الله واجتنب محارمه فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما روى البخارى (بسنده) عن
أبى موسى الأشعرى مرفوعا جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما - الحديث . وقال
فى فتح القدير ( ج ٥ ص ١٤١) أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه عن أبى موسى عن النبى يتم فى
قوله ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان - الرحمن: ٤٦﴾ وفى قوله ﴿ ومن دونهما جنتان - الرحمن: ٦٢﴾ قال جنتان
من ذهب المقربين ، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين. وأخرج ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم
١٠٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥- باب
فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق؟ يا رسول اللّه! فقال الثالثة: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان)
فقلت الثالثة : وان زنى وإن سرق يا رسول الله! قال: وان رغم أنف أبى الدرداء. رواه أحمد
٢٤٠٠ - (١٤) وعن عامر الرام،
وصححه وابن مردويه والبيهقى فى البعث عن أبى موسى فى الآية، قال جنتان من ذهب السابقين وجنتان من فضة
لابدبين. (قلت وإن زنى وإن سرق يارسول الله) إن وصلية أى ولوزنى وسرق الخائف له جنتان. قال ابن حجر:
وإن سبق منه قبل هذا الخوف نحو الزنا والسرقة ويصح على بعد وإن فعلهما مع هذا الخوف، ووجه بعده اجتماع
هذا الخوف وفعل ذينك وأمثالها - انتهى. وقيل المعنى من خاف الله فى معصيته فتركها يعطيه الله بستانين فى
الجنة وإن زنا وان سرق فى وقت وتاب لم يبطل زناه وسرقته ثواب خوفه من الله تعالى فى معصية أخرى غير
تلك الزنية والسرقة (فقال الثانية) أى فى المرة الثانية زيادة فى التأكيد (وإن رغم أنف أبى الدرداء) بكسر العين
المعجمة أى لصق بالرغام وهو التراب ذلا وهو اناً. قال القارى: ظاهر الحديث إن من على عمومه، والمراد بالخائف
المؤمن فيكون نظير حديث رواه الشيخان عن أبى ذر مرفوعا ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا
دخل الجنة. قلت: وان زنى وان سرق قال وإن زنى وإن سرق ثم قال فى الثالثة أو الرابعة على رغم أنف أبى ذر -
الحديث. كما سبق فى كتاب الايمان - انتهى. قلت: ونحوه ما رواه أحمد (ج ٦ ص ٤٤٢) عن أبى الدرداء قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال لا اله الا الله وحده لاشريك له دخل الجنة قال قلت :،وان زنى وان
سرق قال وإن زنى وأن سرق، ثم قال فى الثالثة على رغم أنف أبى الددراء، قال خرجت لانادى بها فى الناس، قال
فلقينى عمر فقال ارجع فان الناس ان علموا بهذه انكلوا عليها فرجعت فأخبرته صلى الله عليه وسلم فقال صدق
عمر. (رواه أحمد) لم أجده فى مسنده فى مسند أبى الدرداء. ويمكن أن يكون ذكره فى غير مظنته، والحديث
ذكره الحافظ ابن كثير فى تفسيره ولم يعز لاحمد بل عزاه لابن جرير والنسائى، وقال وقدروى موقوفاً على أبى الدرداء
وروى عنه أنه قال ان من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق، نعم عزا الحديث الهیشی فی مجمع الزوائد ( ج ٧
ص١١٨) لأحمد والطبرانى، وقال ورجال أحمد رجال الصحيح وذكره الشوكانى فى فتح القدير (ج ٥ ص ١٤٠)
وعزاه لابن أبي شيبة وابن منيع وأحمد والحاكم والنسائى والبزار وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر وان
أبى حاتم وابن مردويه والطبرانى.
٢٤٠٠ - قوله (وعن عامر الرام) أى الرامى، فذف الياء تخفيفاً كما فى المتعال، وهو أخر الخضر
بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين المحاربى من ولد مالك بن مطرف بن خلف بن محارب صحابى له حديث واحد
قال فى التهذيب: عامر الرام. وقيل الرامى أخو الخضر بن محارب عداده فى الصحابة، روى عن النبي صلى الله عليه
١٠٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
قال: بينا نحن عنده، يعنى عند النبى صلى الله عليه وسلم، اذا أقبل رجل عليه كساء فى يده شىء قد
التف عليه، فقال يا رسول الله! مررت بغيضة شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر، فأخذتهن
فوضعتهن فى كسائى، فجاست أمهن فاستدارت على راسى، فكشفت لها عنهن، فوقعت عليهن فلففتهن
بكسائى، فهن أولاء معى قال: ضعهن فوضعتهن وأبت أمهن إلا لزومهن. فقال رسول اللّه ◌ِوَ اللَّ
أ تعجبون لرحم أم الأفراخ؟ فراغها فوالذى بعثنى بالحق: لله أرحم بعباده من أم الأفراح بفراخها.
ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن
وسلم إن المؤمن إذا ابتلى ثم عافاه الله كان كفارة لذنوبه - الحديث. قاله محمد بن إسحاق عن رجل من أهل الشام
يقال له أبو منظور عن عمه عن عامر به، وقال فى الاصابة كان عامر راميا حسن الرمى فلذلك قبل له الرامى
وكان شاعراً وفيه يقول الشماخ :
أخو الخضر يرمى حيث تردى الهواجر
طفلاً ما عن ذى الاراكة عامر
وكان يقال لواد مالك الخضر لأنه كان شديد الادمة، وقال فى أسد الغابة قيل لمالك وأولاده الخضر لأنه كان آدم.
وكان عامر أرمى العرب (يعنى عند النبى ◌َالله) تفسير من الراوى عن الرامى قاله القارى، والظاهر إن هذا التفسير من
البغوى، اذ وقع كذلك فى المصابيح (كساء) بكسر الكاف (قد التف عليه) أى لف الرجل كساءه على ذلك الشىء
(فقال) أى الرجل (مررت بغيضة شجر) الغيضة بفتح الغين الاجمة ومجتمع الشجر وبالفارسية بيشه وجنكل والاجمة
الشجرة الكثيرة الملتف وبالفارسية نيستان وأنبوه درختان، والشجر اسم الجنس يقع على القليل والكثير وأضاف
الغيضة اليه لمزيد البيان (فسمعت فيها) أى فى الغيضة (أصوات فراخ طائر) بكسر الفاءجمع فرخ وهو ولد الطائر (فأخذتهن)
أى الفراخ (فاستدارت) أى دارت (فكشفت لها) أى لأم الفراخ (عنهن) أى عن الفراخ يعنى رفعت الكساء
وتحيته عن وجه الفراخ لأجل أمهن حتى رأتهن (فوقعت) أى سقطت أم الأفراخ (فلففتهن) أى جميعهن (فين)
أى من وأمهن (أولاء) اسم إشارة (معى) أى تحت كسائى (فقال) أى النبي مرَّة، وفى بعض النسخ قال أى
بدون الفاء كما فى أبى داود (فوضعتهن) أى وكشفت عنهن وعن أمهن (وابت أمهن) أى امتنعت (إلا لزومهن)
أى عدم مفارقتهن استثناء مفرغ لما فى أبت من معنى النفى، أى ما فارقتهن بعد كشف الكساء بل ثبتت معهن
من غاية رحمتها بهن ( أ تعجبون لرحم أم الأفراخ) أى لشفقتها ورحمتها، والرحم بالضم وبضمتين مصدر
كالرحمة وهو التعطف والشفقة (فراخها) منصوب على المفعولية (إرجع بهن حتى تضعون من حيث أخذتهن).
١٠٥
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥- باب
وامهن معهن فرجع بهن. رواه أبو داود.
●( الفصل الثالث )
٢٤٠١ - (١٥) من عبد الله بن عمر، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فى بعض عزواته، فمر
بقوم، فقال: من القوم؟ قالوا نحن المسلمون وامرأة تحصب بقدرها،
من بمعنى فى نحو قوله تعالى ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة - الجمعة: ٩) وقيل: أنها زائدة على مذهب
الأخفش (وأمهن معهن) جملة حالية (فرجع) أى الرجل (بهن) أى بالفراخ من مجلس النبى يَّم الى موضعهن
فوضعهن فيه مع أمهن لألفتهن بمكانهن (رواه أبو داود) فى أول الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد كما فى الإصابة
كلاهما من طريق محمد بن اسحاق عن أبى منظور عن عمه عن عامر الرامى. قال: إنا ليبلادنا اذ رفعت لنا رايات
وألوية، فقلت ما هذا قالوا هذا لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وهو تحت شجرة قد بسط له كساء
وهو جالس عليه، وقد اجتمع له أصحابه فذكر الحديث فى ثواب الأسقام، ثم قال فبينا نحن عنده إذا قبل
وجل عليه كساء وفى يده شتى الخ، ورواه أيضا ابن أبى شيبة وابن أبى خيثمة وابن السكن. وقد سكت عليه
أبو داود ثم المنذرى وفى سنده كما ترى أبو منظور عن عمه وهما مجهولان أبو منظور الشامى، قال فى التقريب
والخلاصة أنه مجهول وقال البخارى: أبو منظور لا يعرف إلا بهذا وعم أبى منظور لم أقف على حاله ولم أر له
ترجمة فى كتب الرجال الموجودة عندى. وقال فى التقريب فى ترجمة عامی : صحابى ، له حديث يروى باسناد
مجهول . وقال ابن السكن : روى عنه حديث واحد فيه نظر. وقال المنذری فی الترغيب: بعد عزوه لأبي داود فى
:اسناده راو لم يسم .
٢٤٠١ - قوله (فقال من القوم قالوا نحن المسلمون) كأنهم توهموا أو خافوا إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ظنهم غير مسلمين . قال ابن حجر تبعا للطبى: كان من الظاهر أن يقال فى الجواب نحن مضريون أو
قرشيون أو طائيون فعدلوا عن الظاهر، وعرفوا الخبر حصرا أى نحن قوم لانتجاوز الاسلام توهما إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ظن أنهم غير مسلمين - انتهى. قال القارى: وهذا تكلف وقال قوله من القوم أى أنتم
أوهم من الأعداء الكافرين أو الأحباء المسلمين (وامرأة) أى والحال إن امرأة معهم (تحصب) بالحساء والصاد
المهملتين كتضرب كذا وقع فى بعض نسخ المشكاة من طبعات الهند، وهكذا وقع فى سنن ابن ماجه (بقدرها)
بكسر القاف أى ترمى الحصب والحطب تحت قدرها، وفى بعض طبعات الهند تحضب بالحاء المهملة والضاد
١٠٦
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
ومعها ابن لها فاذا ارتفع وهج تنحت به فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أنت رسول الله ؟
قال: نعم. قالت: بأبي أنت وأمى، أليس الله أرحم الراحين؟ قال: بلى. قالت: أليس الله أرحم
بعباده من الأم بولدما ؟ قال: بلى. قالت: ان الأم لا تلقى ولدما فى النار فاكب رسول الله صلى
الله عليه وسلم يبكى ثم رفع رأسه اليها فقال ان الله لا يعذب من عباده الا المارد المتمرد الذى
يتمرد على اللّه وأبى ان يقول لا اله إلا الله
المعجمة المكسورة، وهكذا فى نسخة القارى وفى النسخة التى على حاشية المرقاة من حضب النار إذا التقى فيها
الحطب. قال القارى: تحضب أى توقد وقوله ((بقدرها)) كذا فى جميع نسخ المشكاة الموجودة عندنا، والذى
فى ابن ماجه تزورها . قال السندى: تحصب تنورها أى ترمى فيه ما يوقد النار به فيه (ومعها ابن لها) أى صغير
(فاذا ارتفع وهج) بالفتح حر النار وفى ابن ماجه فإذا ارتفع وهج التنور (تنحت به) أى تبعدت الأم بالولد
عن النار (أنت رسول الله) استفهام بحذف أداته ولا ينافى اسلامها قبل ذلك لعلها به إجمالا وإن لم تعلم ذاته
بعينها (قالت إن الأم لا تلقى ولدها فى النار) أى فكيف أرحم الراحمين يلقى بعض العبيد فيها وإن كانوا كفرة
(٠أ كب) أى طأطأ رأسه (إن الله لا يعذب) أى عذابا مخلدا (من عباده) أى من جميع عباده فالاضافة
للاستغراق بدليل الاستثناء. وقال السندى: قوله لا يعذب أى على الدوام، والظاهر أنه لا يدخل النار إلا
هؤلاء إذا الكلام فى إدخال النار لا فى الخلود والدوام. والله أعلم. وبالجملة فالمعصية تعظم وتزيد قبحا وشناعة
بقدر حقارة العاصى وعظمة المعصى بها وكثرة إحسانه الى المعاصى فيعظم جزاء ها بذلك فبالنظر الى حالة
العبد العاصى وإنه خلق من أى شىء وأى شىء مقداره، والى عظمة خالق السماوات والأرض الذى قامت
السماوات بأمره والى كثرة نعمه وإحسانه تعظم أدنى المعاصى حتى تجاوز الجبال والبحار وقصير حقيقة بأن
يجعل جزاءها الخلود فى النار أو لا رحمة الكريم العفو الغفور الرحيم فكيف هذه المعصية المتضمنة لتشبيهه
بالاحجار التى هى أرذل الخلق فتعالى سبحانه عن ذلك علوا كبيرا، وحقائق هذه الأمور لا يعلها إلا علام
الغيوب، ثم ظاهر الحديث يقتضى أن جاحد النبوة قد أبى عن كلمة التوحيد على وجهها، وهو المراد مهنا -
انتهى كلام السندى. (الا المارد) أى شيطان الانس والجن المتعرى عن الخيرات من مرد كنصر وكرم
عنا وعصى. وجاوز حد أمثاله، أو بلغ الغاية التى يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف (المتمرد) مبالغة له
(الذى يتمرد على الله) أى يتجرأ على مخالفته ويعتو عليه (وأبى) عطف على يتمرد عطف تفسير أى امتنع
(أن يقول لا اله إلا الله) فيكون بمنزلة ولد يقول لأمه لست أمى وأمى غيرك ويعصيها ويتصورها بصورة كلب
أو خنزير فلا شك أنها حينئذ تتبرأ عنه وتعذبه إن قدرت عليه، وحاصل الجواب إن الكافر خرج من العبودية
١٠٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ ۔۔ باب
رواه ابن ماجه .
٢٤٠٢ - (١٦) وعن ثوبان، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إن البعد ليلتمس مرضاة
اللّه، فلا يزال بذلك، فيقول الله عز وجل لجبريل: إن فلانا عبدى يلتمس أن يرضينى، ألا وإن
رحمتى عليه . فيقول جبريل: رحمة اللّه على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى
يقولها أهل السماوات السبع، ثم تهبط له إلى الأرض رواه أحمد.
وأن يسمى عبد الله فلهذا يعذب وما كان الله ليظلهم ولكن كانوا أنفسهم يظلون (رواه ابن ماجه).
فى باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، وفى سنده اسماعيل بن يحيى الشيبانى ويقال له الشعيرى منهم بالكذب. وقال
العقيلى: لا يتابع على حديثه وحكى عن يزيد بن هارون أنه قال كان اسماعيل الشعيرى كذابا. وقال ابن حبان :
لا تحل الرواية عنه روى له ابن ماجه فى الزهد حديثا واحدا عن ابن عمر فى قصة المرأة التى تحصب تزورها ، وهو
الذى أشار اليه العقيلى كذا فى تهذيب التهذيب ( ج١ ص ٣٣٦) وقال فى الزوائد: اسناد حديث ابن عمر ضعيف
لضعف اسماعيل بن يحيى متفق على تضعيفه - انتهى . قال السندى: أصل الحديث ليس من الزوائد ولعله يشير الى
حديث أبى هريرة عند البخارى بلفظ: كل أمتى يدخلون الجنة الا من أبى قيل: ومن أبى؟ قال: من أطاعنى دخل
الجنة ومن عصانى فقد أبى، ويشهد له ما روى أحمد (ج٥ ص٢٨٥) برجال، ثقات من حديث أبى أمامة بلفظ:
كلكم فى الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله، ورواه أيضاً الطبرانى فى الأوسط بإسناد حسن كما فى
مجمع الزوائد .
٢٤٠٢ - قوله (إن العبد) أى الصالح (ليلتمس) أى يطاب (مرضاة الله) أى رضاه بأصناف الطاعات
(فلا يزال بذلك) أى ملتبساً أى بذلك الالتماس (إن فلانا) كناية عن اسمه ووصفه (عبدى) أى المؤمن إضافة
تشريف (يلتمس أن يرضينى) أى لأن أرحمه ( ألا) للتنبيه (وإن رحمتى) أى الكاملة (عليه) أى واقعة عليه
ونازلة اليه (رحمة الله على فلان) خبر أو دعاء وهو الأظهر (ويقولها) أى هذه الجملة (ويقولها من حولهم) أى
جميعا (ثم تهبط) على بناء المفاصل، ويحتمل أن يكون على بناء المفعول أى تنزل الرحمة (له) أى لأجله ( الى
الأرض:) أى الى أهل الأرض. قال القارى: يعنى محبة الله إياه ثم يوضع له القبول فيها. قال الطيبي. هذا
الحديث وحديث المحبة متقاربان - انتهى. ويريد بحديث المحبة ما رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة مرفوعا:
إن الله تعالى اذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال إنى أحب فلائاً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادى فى السماء فيقول إن
الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول فى الأرض - الحديث. (رواه أحمد)(ج٥ ص٢٧٩)
١٠٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
٢٤٠٣ - (١٧) وعن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم فى قول الله عزوجل: ﴿فمنهم
ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) قال: كلهم فى الجنة.
قال الهيشمى (ج ١٠ ص ٢٠٢) ورجاله رجال الصحيح غير ميمون بن عجلان وهو ثقة - انتهى .
٢٤٠٣ - قوله (فى قول الله عز وجل فمنهم ظالم لنفسه) الفاء تفصيل لقوله ( ثم أورثنا الكتاب الذين
اصطفينا من عبادنا فمنهم - فاطر: ٣٢) والمفعول الأول، ((لأورثنا، الموصول، والمفعول الثانى الكتاب.
وإنما قدم المفعول الثانى لقصد التشريف والتعظيم للكتاب، والمعنى ثم أورثنا أى أعطينا الذين اصطفيناهم من
عبادنا الكتاب، وهو القرآن ((ومن)) البيان أو للتبعيض، والمراد بعبادنا أمة الإجابة أوأمة الدعوة وبالموصول
آله وأصحابه ومن بعدهم من أمته، والمعنى قضينا وقدرنا وحكمنا بتوريث القرآن منك الذين اخترناهم من أمتك
أو عبر بالماضى عن المضارع لتحققه، ثم قسم سبحانه هؤلاء الذين أورثهم كتابه واصطفاهم من عباده الى ثلاثة
أقسام فقال: ﴿فنهم ظالم لنفسه - فاطر: ٣٢) أى بالتقصير فى العمل به (ومنهم مقتصد) يعمل به فى أغلب
أحواله وأوقاته (ومنهم سابق بالخيرات) يضم الى العمل به التعليم والارشاد الى العمل. وقيل: الظالم لنفسه هو
المفرط فى فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، والمقتصد هو المؤدى للواجبات التارك الحرمات،
وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات، والسابق بالخيرات هو الفاعل للواجبات والمستحبات
التارك الحرمات والمكروهات وبعض المباحات. وقيل: الظالم هو المرجأ لأمر الله والمقتصد هو الذى خلط عملا
صالحا وآخر سيئا. قال النسفى: وهذا التأويل يوافق التنزيل فانه تعالى قال: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين -
التوبة: ١٠٠) الآية وقال بعده ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم - التوبة: ١٠٢) الآية وقال بعده (وآخرون
مرجون لأمر الله - التوبة: ١٠٦) - انتهى. وقيل: الظلم للنفس يصدق على الظلم للنفس بمجرد إحرامها للفظ
وتفويت ما هو خير لها فتارك الاستكثار من الطاعات قد ظلم نفسه باعتبار ما قوتها من الثواب، وإن كان قائماً بما
أوجب الله عليه وتاركا لما نهاه اللّه عنه، ومعنى المقتصد هو من يتوسط فى أمر الدين ولا يميل الى جانب الافراط
ولا إلى جانب التفريط. وأما السابق فهو الذى سبق غيره فى أمور الدين وهو خير الثلاثة وفى تفسير هؤلاء الثلاثة
أقوال أخرى كثيرة ذكرها الثعلبي وغيره ( قال) أى النبى مَّثة ( كلهم فى الجنة) إيذان بأن قوله: ﴿ جنات
عدن يدخلونها - النحل: ٣١) مبتدأ أو خبر، والضمير للثلاثة، والحديث ذكره الحافظ ابن كثير من رواية
الطبرانى بلفظ: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلهم من هذه الأمة، وذكره الشوكانى فى فتح القدير (ج ٤
ص ٣٤١) وعزاه للطبرانى وابن مردويه، والبيهقى بلفظ: كلهم من هذه الأمة وكلهم فى الجنة. قال ابن كثير
قال على بن أبى طلحة عن ابن عباس: فى قوله تعالى: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ قال هم
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
رواه البيهقى فى ((كتاب البعث والنشور))
أمة محمد ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله فظالمهم يغفر له ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيرا، وسابقهم
يدخل الجنة بغير حساب. وكذا روى عن غير واحد من السلف إن الظالم لنفسه من هذه الأمة من
المصطفين على ما فيه عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من
المصطفين الوارثين للكتاب، والصحيح إن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما
هو ظاهر الآية وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق يشد بعضها
بعضاً فذكرها، منها حديث أسامة بن زيد الذى نحن فى شرحه، ومنها حديث أبى سعيد عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال فى هذه الآية ( ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم
لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله) قال: هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم فى
الجنة أخرجه أحمد والترمذى وابن جرير وابن أبى حاتم، وفى أسانيد كلهم من لم يسم. قال ابن
كثير: ومعنى قوله ((بمنزلة واحدة)) أى فى أنهم من هذه الأمة وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم
فرق فى المنازل فى الجنة، ومنها حديث أبى الدرداء قال سمعت رسول اللّه عَ ل يقول قال الله تعالى
( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات
باذن اللّه) فأما الذين سبقوا فاولائك الذين يدخلون الجنة بغير حساب. وأما الذين اقتصدوا
فأولائك الذين يحاسبون حسابا يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولائك الذين يحسبون فى طول المحشر
ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته فهم الذين يقولون ( الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور
شكور - فاطر: ٣٤) إلى آخر الآية. أخرجه أحمد وابن جرير وابن أبى حاتم وابن المنذر والطبرانى
وابن مردويه والبيهقى فى البعث، وهذه الأحاديث يقوى بعضها بعضا، ويجب المصير إليها ويدفع بها
قول من حمل الظالم لنفسه على الكافر، وفى الباب آثار عن عمر وعثمان وعلى وعائشه وابن مسعود
وغيرهم ذكرها الحافظ ابن كثير والشوكانى فى تفسيرهما وكلها تزيد ما ذهب إليه الجمهور فى تفسير
الآية إن الطبقات الثلاث هم الذين اصطفى من عباده وهم أهل الإيمان من هذه الأمة وكلهم ناج يدخل
الجنة (رواه البيهقى فى كتاب البعث والنشور) وأخرجه أيضا الطبرانى وابن مردويه.
١١٠
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات ٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
(٦) باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
(الفصل الأول )﴾
٢٤٠٤ - (١) عن عبد اللّه، قال: كان رسول اللّه مؤلثم إذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله،
والحمد لله،
(باب ما يقول عند الصباح والمساء) قال الراغب: الصبح والصباح أول النهار وهو وقت ما احمر الأفق بحاجب
الشمس، قال {أليس الصبح بقريب - ١١: ٨١) (فساء صباح المنذرين - ١٧٧:٣٧) وقال فى القاموس: الصبح
الفجر أو أول النهار وهو الصبيحة والصباح والإصباح والمصبح كمكرم، والمساء والامساء ضد الصباح والإصباح.
قلت: الظاهر المتبادر من بعض الأحاديث الواردة فى الباب أن المساء أول الليل، ويمكن حمل كلام صاحب القاموس
عليه كما لا يخفى ، وقال فى مامش «تحفة الذا كرين، الصباح من طلوع الفجر أى إلى طلوع الشمس، والمساء من غروب
الشمس كما يدل له ما أخرجه عبد الرزاق والفريابى وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والطبرانى والحاكم وصححه
عن أبى رزين ، قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال هل تجد الصلوات الخمس فى القرآن قال نعم فقرأ
(فسبحان الله حين تمسون) قال: صلاة المغرب والعشاء (وحين تصبحون - ٣٠: ١٧) قال: صلاة الصبح (وعشيا)
صلاة العصر ﴿وحين تظهرون - ٣٠: ١٨) صلاة الظهر. فهذا تفسير الصحابى اللغوى الصباح والمساء ومثله عن مجاهد،
فالمساء لا يكون إلا من بعد غروب الشمس، فأذكاره من ذلك الوقت نحو أمسينا وأمسى الملك لله، إلخ - انتهى.
قلت: فمن قال إن المساء يدخل وقته بالزوال، والصباح يدخل وقته بانتصاف الليل، وإنه تدخل أوراد الصباح من نصف
الليل الأخير والمساء من الزوال فقد أبعد جدا، قال النووى فى الأذكار تحت باب ما يقال عند الصباح وعند المساء:
اعلم أن هذا الباب واسع جدا ليس فى الكتاب باب أوسع منه وأنا أذكر إن شاء الله تعالى فيه جملا من مختصراته فى
وفق العمل بكلها فهى نعمة وفضل من الله تعالى عليه وطوبى له، ومن عجز عن جميعها فليقتصر من مختصراتها على ما شاء
ولو كان ذكرا واحدا، ثم ذكر النووى آيات من القرآن العزيز ورد فيها الأمر بالذكر أو التسبيح أو الدعاء فى العشى
والايكار والإشراق والغدو والآصال وقبل طلوع الشمس وقبل غروبها أو ورد فيها مدح القائمين بذلك، ثم سرد جملا
من الأحاديث أورد المصنف أكثرها فى المشكاة (والمنام) أى زمان النوم، أو هو مصدر ميمى أى عند إرادة النوم،
والظاهر أن المراد به نوم الليل فلا يشمل القيلولة.
٢٤٠٤ - قوله (أمسينا وأمسى الملك له) أى دخلنا فى المساء ودخل الملك فيه كائنا لله ومختصا به، أو الجملة حالية
بتقدير ((قد)) أو بدونه أى أمسينا وقد صار بمعنى كان ودام الملك لله (والحمد لله) قال الطبي: عطف على ((أمسينا وأمسى
الملك)) أى صرنا نحن وجميع الملك وجميع الحمد لله - انتهى. قال القارى: أى عرفنا فيه أن الملك لله وأن الحد قه
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات ٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، اللهم إنى
أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إنى أعوذ بك من
الكسل، والهرم، وسوء الكبر، وفتنة الدنيا وعذاب القبر، وإذا أصبح قال ذلك
لا لغيره، ويمكن أن يكون جملة ((الحمد لله)) مستقلة والتقدير ((والحمد لله على ذلك)) وقيل: ويجوز أن يكون قوله «والحد
لله)، معطوفا على قوله ((الملك لله)) فيكون هذا أيضا اسمالأصبح(ولا إله إلا الله) كذا فى جميع نسخ المشكاة بزيادة الواو
وهكذا وقع فى المصابيح وجامع الأصول وكذا وقع عندابن السنى، قال الطيبي: عطف على ((الحمد لله)) على تأويل وأمسى
الفردانية والوحدانية مختصين بالله - انتهى. والذى فى صحيح مسلم ((لا إله إلا الله)) أى بدون الواو وهكذا وقع عند
الترمذى وأبى داود وكذا نقله النووى فى الأذكار وابن الجزرى فى الحصن، والظاهر أن ما وقع فى المشكاة تبعا للمصابيح
وجامع الأصول خطأ والصواب بحذف الواو (وحده) حال مؤكدة أى منفردا بالألوهية (اللهم إنى أسألك) أى
نصيبا وافرا وحظا وافيا (من خير هذه الليلة) أى ذاتها وعينها (وخير ما فيها) قال الطبى: أى من خير ما ينشأ
(يقع ويحدث) فيها وخير ما يسكن فيها، قال تعالى: ﴿وله ما سكن فى الليل - ١٣:٦) وقال ابن حجر: أى مما أردت
وقوعه فيها لخواص خلقك من الكمالات الظاهرة والباطنة وخير ما يقع فيها من العبادات التى أمرنا بها فيها، أو
المراد خير الموجودات التى قارن وجودها تلك الليلة وخير كل موجود الآن، وقيل: الأظهر أن يراد بخير ها ما يعمل فيها بنفسه
وبخير ما فيها ما يقع ويحدث فيها من الكوائن والحوادث (وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها) وفى رواية لمسلم (رب
أسألك خير ما فى هذه الليلة وخير ما بعدها (أى من الليالى أو مطلقا) وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها،
(اللهم إنى أعوذ بك من الكسل) بفتحتين أى التثاقل فى الطاعة مع الاستطاعة. قال الطبي: الكسل التثاقل عما لا ينبغى
التثاقل عنه ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة (والهرم) بفتحتين ، أى كبر السن المؤدى إلى
تساقط بعض القوى وضعفها وهو الرد إلى أرذل العمر لأنه يفوت فيه المقصود بالحياة من العلم والعمل ولذا قال تعالى:
﴿لكيلا يعلم بعد علم شيئا - ١٦: ٧٠﴾ (وسوء الكبر) بکسر الکاف وفتح الباء بمعنی الهرم والخرف ، وروی باسكان
الباء بمعنى البطرأى الطغيان عند النعمة والتعاظم على الناس والأول أصح رواية ودراية وتعضده رواية النسائى «وسوء
العمر، والمراد بسوء الكبر ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل واختلاط الرأى والتخبط فيه والقصور عن القيام بالطاعة
وغير ذلك مما يسوء به الحال. وقال فى المعات: فى الفقرات كلها ترق من الأدنى إلى الأعلى استعاذ أولا من الكسل أى
من الشاقل فى الطاعة مع الاستطاعة، ثم من الهرم الذى فيه سقوط بعض الاستطاعة فيفوت به بعض وظائف العبادات، ثم من سو.
الكبر الذى يصيرفيه كالحلس الملقى على الأرض لا يصدر منه شئى من الخيرات (وفتة الدنيا) أى الافتان بها ومحبتها أو
الابتلاء بفتنة فيها (وعذاب القبر) أى من نفس عذابه أو ما يوجبه (وإذا أصبح) أى دخل مَ ثة فى الصباح (قال ذلك) أى
١١٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات ٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
أيضا: أصبحنا وأصبح الملك لله. وفى رواية: رب إنى أعوذ بك من عذاب فى النار وعذاب فى القبر.
رواه مسلم.
٢٤٠٥ - (٢) وعن حذيفة، قال: كان النبى مؤتم إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده،
ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحى. وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا
ما يقول فى المساء (أيضا) أى لكن يقول بدل («أمسينا وأمسى الملك لله، (أصبحنا وأصبح الملك لله) ويبدل اليوم بالليلة
فيقول: اللهم إنى أسألك من خير هذا اليوم، ويذكر الضمائر بعده (وفى رواية) أى لمسلم وغيره يقول بعد قوله
(سوء الكبر)) (رب إنى أعوذ بك) كذا فى جميع النسخ الموجودة عندنا والذى فى صحيح مسلم (رب أعوذ بك)) أى
بسقوط ((إنى) وكذا وقع عند الترمذى وأبي داود وهكذا فى المصابيح وجامع الأصول والحصن (من عذاب فى النار
وعذاب فى القبر) التكير فيهما للتقليل لا للتفخيم كما وهم ابن حجر. وفى الحديث إظهار العبودية والافتقار
إلى قصرفات الربوبية، وأن الأمر كله خيره وشره بيد الله، وأن العبد ليس له من الأمر شئ، وفيه تعليم للأمة ليتعلموا
آداب الدعوة (رواه مسلم) وكذا الترمذى فى الدعوات وأبو داود فى الأدب وابن السنى (ص ١٣) والنسائي وابن
أبى شيبة كما فى الحصن ورواه أحمد (ج ١: ص ٤٤٠) مختصرا جدا. وفى الباب عن أنس أخرجه البخارى فى الأدب
المفرد والترمذى وأبو داود وابن السنى والبغوى فى شرح السنة (ج ٥: ص ١٣٢).
٢٤٠٥ - قوله (إذا أخذ مضجعه) بفتح الجيم أى أتى فراشه ومرقده (من الليل) أى فى بعض أجزاء الليل
فالمضجع كمقعد موضع الضجع، وفى رواية للبخارى ((إذا أوى إلى فراشه)) أى دخل فيه، وقال الطيبي: قوله (من
الليل» صلة لأخذ على طريق الاستعارة كأنه قيل إذا أخذ حظه من الليل أى أراد أن ينام، لأن لكل أحد حظا منه وهو
السكون والنوم والراحة فكأنه يأخذ منه نصيبه وحظه بالسكون والنوم قال تعالى: (جعل لكم الليل لتسكنوا فيه - ١٠
:٦٧) والمضجع مصدر ـ اتهى (وضع يده) أى كفه اليمنى (تحت خده) وعند أحمد (ج ٥: ص ٣٨٧) «وضع يده اليمنى
تحت خده اليمنى، (اللهم باسمك) بوصل الهمزة، أى بذكر اسمك جادا لا يكف اللسان عن ذكرك ولا بقلب غافل (أ.وت)
قدم الموت لأن النوم أخوه وهذا وقت النوم (وأحيى) بفتح الهمزة أى أنام واستيقظ يعنى بذكر اسمك أحي ما حيت
وعليه أموت، ويسقط بهذا سؤال من يقول باللّه الحياة والموت لا باسمه، ويحتمل أن يكون لفظ الاسم هنا زائدا كما
فى قول الشاعر :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
(الحمد لله الذى أحيانا بعدما أماتنا) ولأحمد فى الرواية المذكورة ((أحيانى بعد ما أمانى)) قيل هذا ليس إحياء ولا إمانة
١١٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات ٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
وإليه النشور: رواه البخارى.
٢٤٠٦ - (٣) ومسلم عن البراء.
بل إيقاظ وإنامة، وأجيب أن الموت عبارة عن انقطاع تعلق الروح بالبدن، وذلك قد يكون ظاهرا فقط وهو النوم ولهذا
يقال ((النوم أخو الموت)) أو ظاهرا وباطنا وهو الموت المتعارف فإطلاق الموت على النوم يكون مجازا لاشتراكهما فى انقطاع
تعلق الروح بالبدن، وقيل سمى النوم بالموت لأن الصفات السع من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام كما
تزول بالموت بنة تبقى بالنوم بحيث لم تكن فالنوم يعطل هذه الصفات بحيث نستطيع أن نقول إنها بطلت كلها سوى الحياة
حتى يستيقظ، والحياة وإن كانت باقية للنائم لكن النائم لا يدربها فى حقه لا يبعد أن يقال زالت عنه تلك الصفات السبع كلها
فيدخل فى سلك الموتى. وقال أبو إسحاق الزجاج: النفس التى تفارق الانسان عند النوم هى التى للتميز، والتى تفارته عند الموت هى التى
للحياة. وهى التى تزول معها التنفس وسمى النوم موتالأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلا وتشبيه الاتحقيقا، وقال الخطابي: هذا مجاز
لأن الحياة غير زائلة عند النوم لكن جعل السكون عن الحركات وزوال القدرة عند النوم بمنزلة الموت فقال ((بعد ما أماتنا)) أى
رد علينا القوة والحركة بعدما أن أزالهما منا بعد النوم (وإليه النشور) أى البعث يوم القيامة والاحياء بعد الإماتة، يقال
نشر الله الموقى فنشروا أى أحياهم فحيوا، قاله الحافظ. وقال فى النهاية: نشر الميت نشورا، إذا عاش بعد الموت، وأنشره
الله أى أحياه. قيل ما سبب الشكر على الانتباه من النوم، وأجاب الطبى مينا لحكمة إطلاق الموت على النوم بأن
انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو بتحرى رضا الله عنه وتوخى طاعته والاجتناب عن سخطه وعقابه فمن نام زال عنه هذا
الانتفاع بالكلية ولم يأخذ نصيب حياته وكان كالميت فكان قوله ((الحمد لله)) شكرا لنيل هذه النعمة وزوال ذلك المانع.
وقال الطيبي: وهذا التأويل موافق للحديث الآخر الذى فيه «وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وينتظم
معه قوله ((وإليه النشور، أى وإليه المرجع فى نيل الثواب بما يكتسب فى الحياة. قيل الذكر فى بدء نومه والحمد بعد يقظته
مشعر بأنه ينبغى أن يكون السالك عند نومه ذا كرا لله تعالى متهيئالموت لأنه خاتمة أمره وعمله، وعند تنبهه حامدالله وشاكرا
على فضله ، ويتذكر باليقظة بعد النوم البعث بعد الموت وأن يعلم أن مرجع الخلق كله إلى مولاه (رواه البخارى) فى الدعوات
والتوحيد أى عن حذيفة، وكذا رواه عنه أحمد (ج ٥: ص ٣٨٥، ٣٩٧٠٣٨٧، ٤٠٧،٣٩٩) والترمذى فى الدعوات،
وأبو داود فى الأدب، وابن ماجه فى الدعاء، والنسائى وابن السنى (ص ٢٢٥) وابن أبى شيبة والبخارى فى الأدب المفرد
والدارمى فى الاستيذان والبغوى فى شرح السنة (ج ٥ : ص ٩٨، ٩٩).
٢٤٠٦ - قوله (ومسلم عن البراء) قال القارى: فالحديث متفق عليه، والخلاف فى الصحابى. قلت: ليس هذا
الحديث متفقا عليه فى عرف المحدثين إذ شرطوا فيه اتحاد الصحابى. والحديث رواه أحمد أيضا عن البراء (ج ٤:
ص ٣٠٢،٢٩٤).
١١٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات ٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
٢٤٠٧ - (٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مؤمّم: إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه
بداخلة إزاره، فإنه لا يدرى ما خلفه عليه.
٢٤٠٧ - قوله (إذا أوى) بقصر الهمزة أى نزل (إلى فراشه) بكسر الفاء أى أتى إليه لينام عليه. وفى رواية
البخارى فى التوحيد «إذا جاء أحدكم إلى فراشه)) ولابن ماجه. إذا أراد أحدكم أن يضطجع على فراشه)، والترمذى ((إذا
قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه، ولأحمد (ج ٢: ص ٢٨٣) ((إذا قام أحد كم من الليل ثم رجع إلى فراشه)) (فظينفض)
بضم الفاء من باب نصر من النفض بالنون والفاء والضاد المعجمة وهو تحريك الشئى ليسقط ويزول ما عليه من غار
ونحوه ومعناه بالفارسية بفشاند (فراشه) قبل أن يدخل إليه (بداخلة إزاره) ولابن ماجه «فاينزع داخلة إزاره ثم
لينفض بها فراشه)) والبخارى فى الأدب المفرد «فليحل، وله أيضا ولمسلم («فا أخذ) قال الحافظ: قوله «بداخلة إزاره)) كذا
للا كثر، وفى رواية أبى زيد المروزى «بداخل، بلا هاء. وداخلة الإزار حاشيته التى تلى الجسد وتماسه، وقيل هى
طرفه مطلقا ، وفى القاموس: طرفه الذى يلى الجسد ويلى الجانب الأيمن. قال القرطبى حكمة هذا النفض قد ذكرت فى
الحديث ، وأما اختصاص النفض بداخلة الإزار فلم يظهر لنا ، ويقع لى أن فى ذلك خاصية طبية تمنع من قرب بعض
الحيوانات كما أمر بذلك العائن، ويؤيده ما وقع فى بعض طرقه ((فلينفض بها ثلاثا، فزا بها حذو الرقى فى التكرير - انتهى.
وأشار الداودى إلى أن الحكمة فى ذلك أن الإزار يستر بالثياب فيتوارى بما يناله من الوسخ فلو نال ذلك بكمه صار
غير لدن الثوب ، والله يحب إذا عمل العبد عملا أن يحسنه. وقال صاحب النهاية (ج ٢: ص ١٧): داخلة الإزار طرفه
وحاشيته من داخل، وإنما أمربداخلنه دون خارجته لأن المؤتزر يأخذ إزاره بيمينه وشماله فيلزق ما بشماله على جسده وهى داخلة
إزاره (يعنى أن المؤتزر إذا انتزر يأخذ أحد طر فى إزاره بيمينه والآخر بشماله فيردما أمسكه بشماله على جسده) ثم يضع ما بيمينه
فوق داخلته فتى عاجله أمر وخشى سقوط إزاره أمسكه بشماله ودفع عن نفسه بيمينه، فإذا صار إلى فراشه فحل إزاره فإنما
يحل بيمينه خارجة الإزار وتبقى الداخلة معلقة وبها يقع النفض لأنها غير مشغولة باليد - انتهى. وأشار الكرمانى إلى
أن الحكمة فيه أن يكون يده حين النفض مستورة لئلا يكون هناك شئ فيحصل فى يده ما يكره. قال الحافظ: وهى
حكمة النفض بطرف الثوب دون اليد لا خصوص الداخلة. وقال القارى: قيد النفض بإزاره لأن الغالب فى العرب
أنه لم يكن لهم ثوب غير ما هو عليهم من إزارورداء، وقيدبداخل الإزار ليبقى الخارج نظيفا ، ولأن هذا أيسر ولكشف
العورة أقل وأستر. وإنما قال هذا لأن رسم العرب ترك الفراش فى موضعه ليلاونهارا ولذا علله وقال: (فإنه) أى
الشأن أو المريد للنوم (لا يدرى ما خلفه) بالفتحات والتخفيف (عليه) أى جاء عقبه على الفراش، قال البغوى: يريد لعل
هامة دبت فصارت فيه بعده. ولمسلم وكذا البخارى فى الأدب المفرد «وليسم اللّه فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه))
أى ما صار بعده خلفا وبدلا عنه إذا غاب ، خلف فلان فلانا إذا قام مقامه، والمراد ما يكون قد دب على فراشه بعد
١١٥
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩- كتاب الدعوات ٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسى فأرحمها، وإن أرسلتها فاحفظها
بما تحفظ به عبادك الصالحين. وفى رواية: ثم ليضطجع على شقه الأيمن
مفارقته. قال الطبي : معناه لا يدرى ما وقع فى فراشه بعد ما خرج منه من تراب أو قذاة أو هوام. وقال النووى: معناه
أنه يستحب أن ينفض فراشه قبل أن يدخل فيه لئلا يكون قد دخل فيه حية أو عقرب أو غيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر.
ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره لثلا يحصل فى يده مكروه إن كان شئ هناك (ثم يقول) أى بعد النفض ووضع الجنب
كما يدل عليه الرواية الآتية ،ثم ليضطجع ثم ليقل» (باسمك ربي وضعت جنبي) أى مستعينا باسمك ياربى. وفى الأدب المفرد
((وليقل سبحانك ربى بك وضعت جنبي)، ولمسلم ((وليقل سبحانك اللهم ربى بك وضعت جنبي)) (ويك أرفعه) أى باسمك
أو بحولك وقوتك أرفعه حين أرفعه فلا استغنى عنك بحال (إن أمسكت نفسي) وفى رواية ((احتبست نفسى، أى قبضت روحى
فى النوم وتوفيتها (فارحها) أى بالمغفرة والتجاوز عنها (وإن أرسلتها) بأن رددت الحياة إلى وأيقظنى من النوم (فاحفظها)
أى من المعصية والمخالفة (بما تحفظ به) أى من التوفيق والعصمة والأمانة (عبادك الصالحين) أى القائمين بحقوق الله
وعباده. والباء فى ((بما تحفظ)) مثلها فى ((كتبت بالقلم) وما موصولة مبهمة، وبيانها ما دل عليه صلتها لأن الله تعالى إنما
يحفظ عباده الصالحين من المعاصى ومن أن لا يتهاونوا فى طاعته وعبادته بتوفيقه ولطفه ورعايته ، والحديث ،وافق لقوله
تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل
مسمى - ٣٩: ٤٢) جمع النفسين فى حكم التوفى ثم فرق بين جهتى التوفى بالحكم بالامساك وهو قبض الروح، وبالإرسال
وهو رد الحياة، أى الله يتوفى الأنفس التى تقبض والتى لا تقبض فيمسك الأولى ويرسل الأخرى. وزاد فى رواية
الترمذى فى آخر هذا الحديث شيئا لم أره عند غيره وهو قوله «وإذا استيقظ فليقل الحمد لله الذي عافاني فى جسدى
ورد على روحى (أى روحى المميزة برد تميزها الزائل عنها بنومها) وأذن لى بذكره، وهو يشير إلى ما ذكره الكرمانى
أن الامساك كناية عن الموت فالرحمة أو المغفرة تناسبه والإرسال كناية عن استمرار البقاء والحفظ يناسبه ، وقد تقدم
قول الزجاج فى الكلام على حديث حذيفة وكذلك كلام الطبي. قال ابن بطال: فى هذا الحديث أدب عظيم وقد ذكر
حكمته فى الخبر وهو خشية أن يأوى إلى فراشه بعض الهوام الضارة فتؤذيه. وقال القرطبي: يؤخذ من هذا الحديث أنه
يقبغى لمن أراد المنام أن يمسح فراشه لاحتمال أن يكون فيه شئ يخفى من رطوبة أو غيرها . وقال ابن العربى: هذا من الحذر
ومن النظر فى أسباب دفع سوء القدر، أو هو من الحديث الآخر (اعقلها وتوكل، قلت: الظاهر هو الأول فقيه حث
على الحزم والاحتراس من مظان الضر والأذى وقد ورد فيما يقال عند النوم أحاديث أخرى ذكر أكثرها فى هذا
الباب (وفى رواية) لمسلم وغيره (ثم ليضطجع على شقه الأيمن) فيه ندب اليمين فى النوم لأنه أسرع إلى الانتباه لعدم
استقرار القلب حينئذ لأنه معلق بالجانب الأيسر فيعلق فلا يستغرق فى النوم بخلاف النوم على الأيسر فإن القلب ليستقر
١١٦
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات ٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
ثم ليقل: باسمك. متفق عليه. وفى رواية : فلينفضه بصفة ثوبه ثلاث مرات، وإن أمسكت نفسى فاغفرلها.
٢٤٠٨ - (٥) وعن البراء بن عازب، قال: كان رسول اللّه ◌َم إذا أوى إلى فراشه نام على شقه
الأيمن ثم قال: اللهم أسلمت نفسى إليك ،
فتكون الاستراحة له بطأ للانتباه، ثم هذا إنما هو بالنسبة إلينا دونه مؤ لأنه لا ينام قلبه فلا فرق فى حقه عليه الصلاة
والسلام بين النوم على شقه الأيمن والأيسر، وإنما كان يؤثر الأيمن لأنه كان يحب التيامن فى شأنه كله ولتعليم أمته (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى الدعوات وفى التوحيد ومسلم فى الدعاء، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٢٤٦، ٢٨٣، ٢٩٥)
والبخارى فى الأدب المفرد فى موضعين، والترمذى فى الدعوات وأبو داود فى الأدب والنسائى فى عمل اليوم والليلة ،
وابن ماجه فى الدعاء والدارمى فى الاستيذان (ص ٣٦٠) والدار قطنى فى غرائب مالك وابن السنى (ص ٢٢٦) والطبرانى
فى الدعاء وابن أبي شيبة والبغوى فى شرح السنة (ج ٥: ص ٩٩، ١٠٠) (وفى رواية) للبخارى فى التوحيد وكذا
للترمذى والطبرانى (فلينفضه) قيل لأن البيوت إذ ذاك كانت مظلمة لم يكن فيها المصابيح فأمر بالنفض من قبل التلبس به
حتى لا يؤذيه ما دخله من المؤذيات (بصفة ثوبه) والترمذى ((بصنفة إزاره)) بياء الجر بعدها صاد مهملة مفتوحة فنون
مكسورة فضاء فهاء تأنيث أى بطرف ثوبه ، وقال الطبي: أى بحاشية إزاره التى تلى الجسد فكأنه أراد الجمع بين الروايتين
وإلا ففى النهاية: صنفة الإزار بكسر النون طرفه مما يلى طرته. وفى القاموس صنفة الثوب كفرحة، وصنْفه وصنْفته
بكسرهما حاشيته أى جانب كان أو جانبه الذى لا هدب له أو الذى فيه الهدب ـ انتهى (ثلاث مرات) حذرا من وجود
مؤذية وهو لا يشعر وقيد بالثلاثة مبالغة فى النظافة (فاغفر لها) أى بدل قوله «فارحها، وهذا اللفظ البخارى ومسلم
والدارمى وأحمد (ج ٢: ص ٢٨٣، ٢٩٥).
٢٤٠٨ - قوله (كان رسول اللّه ◌َ ل إذا أوى إلى فراشه) إلخ. هكذا وقع فى رواية العلاء بن المسيب عن
أبيه عن البراء من فعل النبى معَّةٍ، وهى عند البخارى فى باب النوم على الشق الأيمن من كتاب الدعوات وكذا رواه
فى الأدب المفرد ، وهكذا وقع فى رواية للنسائى فى عمل اليوم والليلة والبغوى فى شرح السنة، ووقع فى روايةسعد بن
عبيدة وأبى إسحاق عن البراء من قوله وتعليمه كما سيأتى وهى عند الشيخين وأصحاب السنن وغيرهم فيستفاد مشروعية هذا
الذكر من قوله مَّه ومن فعله (نام على شقه) بكسر المعجمة وتشديد القاف أى جانبه (الأيمن) لأنه كان يحب التيامن
فى شأنه كله (ثم قال: اللهم) وفى رواية للنسائى ((كان النبي مرفق إذا أوى إلى فراشه توسد يمينه (أى جعل يده اليمنى تحت
رأسه من التوسد وهو اتخاذ النائم تحت رأسه وسادة وهى المخدة) ثم قال بسم الله) (أسلمت) أى سلمت وقيل أى أخلصت (نفسى)
أى ذاتى (إليك) أى مائلة إلى حكمك، وقيل أسلمت نفسى إليك أى استسلمت وانقدت والمعنى جعات ذاتى منقادة لك
طائعة لحكمك إذ لا قدرة لى على تدبيرها ولا على جلب ما ينفعها إليها ولا دفع ما يضرها عنها فأمرها مفوض إليك
١١٧
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات ٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
ووجهت وجهى إليك، وفوضت أمرى إليك، وألجأت ظهرى إليك، رغبة ورهبة إليك ،
تفعل بها ما تريد واستسلمت لما تفعل فلا اعتراض عليك فيه (ووجهت وجهى) أى وجهتى وتوجهى وقصد قلبى (إليك)
وقيل الوجه هنا بمعنى الذات والشخص كالنفس ، وفيه نظر لأن الجمع بينهما يدل على تغايرهما فالمراد بالنفس الذات
وبالوجه القصد (وفوضت أمري إليك) من التفويض وهو تسليم الأمر إلى الله تعالى أى رددت أمرى إليك والمعنى توكلت
عليك فى أمری کله ثتکفینی همه و تتولى صلاحه (وآجات) أی أسندت (ظهری إليك) أى اعتمدت فى أموری (ومنها
القيام لصلاة التهجد ولصلاة الفجر) عليك لتعينى على ما ينفعنى لأن من استند إلى شئى تقدّوى به واستعان به تشبيها
للاستناد المعنوى بالاستناد الحسى بجامع الراحة فى كل وخصه بالظهر لأن العادة جرت أن الإنسان يعتمد بظهره إلى
ما يستند إليه. وقال الطبى: فى هذا النظم عجائب وغرائب لا يعرفها إلا النقاد من أهل البيان فقوله ((أسلمت نفسى»
إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى فى أوامره ونواهيه، وقوله ((وجهت وجهى)) إلى أن ذاته وحقيقته مخلصة له
تعالى بريئة من النفاق، وقوله ((فوضت أمري إليك)) إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه لا مدبر لها غيره،
وقوله ((ألجأت ظهري إليك)، بعد قوله ((فوضت أمري)) إشارة إلى أنه بعد تفويض أموره التى هو مفتقر إليها وبها معاشه
وعليها مدار أمره يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة (رغبة ورهبة) علة لكل من المذكورات
أى طمعا فى رفدك وثوابك وخوفا من غضبك ومن عذابك ، وقال الطبي: منصوبان على العلة بطريق الف والنشر أى
فوضت أمورى إليك رغبة أى طمعا فى ثوابك وألجأت ظهرى من المكاره والشدائد إليك رهبة منك أى مخافة من
عذابك. وقيل مفعول لهما لألجأت، وقال القارى: الأظهر أن نصبهما على الحالية أى راغبا وراهبا أو الظرفية أى فى
حال الطمع والخوف يتنازع فيهما الأفعال المتقدمة كلها (إليك) متعلق برغبة ومتعلق الرهبة محذوف أى منك، يدل
عليه أنه وقع فى الرواية الآتية عند أحمد (ج ٤: ص ٢٩٦) والنسائى ((رهبة منك ورغبة إليك، وقيل («إليك)) متعاق برغبة
ورهبة وإن تعدى الثانى بمن لكنه أجرى مجرى رغب تعليما يعنى أعطى للرحبة حكم الرغبة، والعرب تفعل ذلك كثيرا كقوله:
٠
متقلدا سيفا ورمحا
ورأيت بعلك فى الوغى
والرمح لا يتقلد ، ونحوه:
علفتها تبنا وماء باردا
والماء لا يعلف. وقال الجزرى فى النهاية وجامع الأصول: قد عطف الرهبة على الرغبة ثم أعمل لفظ الرغبة وحدها
ولو أعمل الكلمتين معا لقال «رغبة إليك ورهبة منك)) ولكن هذا سائغ فى العربية أن يجمع بين الكلمتين فى النظم ويحمل
إحداهما على الأخرى فى اللفظ ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما
وزججن الحواجب والعيونا
١١٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات ٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذى أنزلت ، ونبيك الذى أرسات ، وقال
رسول اللّه مَيضع : من قالهن ثم مات تحت ليلته مات على الفطرة.
والعيون لا تزجج وإنما تكحل ـ انتهى بتوضيح. وكذلك قال البغوى وابن الجوزى والطبى (لا ملجأ ولا منجا منك إلا
إليك) أى لا مهرب ولا ملاذ ولا مخلص من عقوبتك إلا إلى رحمتك. قال الحافظ : أصل ملجأ بالهمزة ومنجأ بغير
همزة ولكن لما جمعا جاز أن يهمزا للازدواج وأن يترك الهمز فيهما وأن يهمز المهموز ويترك الآخر فهذه ثلاثة أوجه
ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة. قال العينى: إعرابهما مثل إعراب «عصا، وفى هذا التركيب خمسة أوجه لأنه
مثل لا حول ولا قوة إلا بالله أى فتجرى فيه الأوجه الخمسة المشهورة وهى فتح الأول والثانى، وفتح الأول ونصب الثانى
وفتح الأول ورفع الثانى ورفع الأول وفتح الثانى ورفع الأول والثانى. قال العينى: والفرق بين نصبه وفتحه
بالتنوين وعدمه، وعند التنوين تسقط الألف، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتازعان فى ((منك)) وإن كانا مكانين فلا، إذ
اسم المكان لا يعمل، وتقديره، لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجأ إلا إليك (آمنت بكتابك) أى صدقت أنه
كتابك، وهو يحتمل أن يريد به القرآن ويحتمل أن يريد اسم الجنس فيشمل كل كتاب سماوى أنزل (الذى أنزات)
أى أنزلته (ونبيك الذي أرسلت) وقع فى رواية ((أرسلته وأنزله) فى الأول بزيادة الضمير المنصوب فيهما (من قالهن)
أى الكلمات المذكورة (ثم مات تحت لله) قال الطبى: معنى «تحت ليلته)) أنه لم يتجاوز عنه إلى النهار لأن الليل يساخ
منه النهار فهو تحته يعنى أنه يقع ذلك قبل أن ينسلخ النهار من الليل وهو تحته، قال أو يكون بمعنى مات تحت نازلة تنزل
عليه فى للته، وكذا معنى ((من)) فى الرواية الأخرى أى من أجل ما يحدث فى ليلته، وقال ابن حجر: سبب التعبير بالتحت أن
الله جعل الليل لباسا فالناس مغمورون ومستورون تحته كالمستور تحت ثيابه ولباسه (مات على الفطرة) أى على الدين
القويم ملة إبراهيم عليه السلام فإن إبراهيم عليه السلام أسلم واستسلم ، قال الله تعالى عنه (جاء ربه بقلب سليم - ٣٧:
٨٤) وقال عنه: ﴿أسلمت لرب العالمين - ٢: ١٣١﴾ وقال ﴿فلما أسلما - ١٠٣:٣٧) وقال ابن بطال وجماعة: المراد
بالفطرة هنا دين الإسلام وهو بمعنى الحديث الآخر من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)). قال القرطبى فى المفهم:
كذا قال الشيوخ وفيه نظر لأنه إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للعانى التى ذكرت من التوحيد والتسليم والرضا إلى أن
يموت كمن يقول: لا إله إلا الله ممن لم يخطر له شئ من هذه الأمور فأين فائدة هذه الكلمات العظيمة وتلك المقامات الشريفة
ويمكن أن يكون الجواب أن كلا منهما وإن مات على الفطرة فبين الفطرتين ما بين الحالتين فقطرة الأول فطرة المقربين
وفطرة الثانى فطرة أصحاب اليمين. قلت: وقع فى حديث رافع بن خديج عند الترمذى وقد حسنه «فإن مات من ليلته
دخل الجنة، ووقع فى رواية حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عند أحمد بدل قوله ((مات على الفطرة)) ((بنى له بيت
فى الجنة)) قال الحافظ: وهذا يؤيد ما ذكره القرطبي، وقال الشيخ أكمل الدين الحنفى فى شرحه لمشارق الأنوارفإن قات:
١١٩
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات ٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
وفى رواية قال: قال رسول اللّه مَ يّ لرجل: يا فلان! إذا أويت إلى فراشك فتوضأ وضوءك
للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسى إليك، إلى قوله : أرسلت.
وقال: فإن مت من ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرا. متفق عليه.
٢٤٠٩ - (٦) وعن أنس، أن رسول اللّه ◌َتم كان إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذى أطعمنا
وسقانا وكفانا
إذا مات الإنسان على إسلامه ولم يكن ذكر من هذه الكلمات شيئا فقد مات على الفطرة لا محالة فما فائدة ذكر هذه
الكلمات؟ أجيب بتويع الفطرة ففطرة القائلين فطرة المقربين الصالحين وفطرة الآخرين فطرة عامة المؤمنين، ورد بأنه
يلزم أن يكون للقائلين فطرتان: فطرة المؤمنين وفطرة المقربين ، وأجيب بأنه لا يلزم ذلك بل إن مات القائلون فهم على
فطرة المقربين، وغيرهم لهم فطرة غيرهم-انتهى (وفى رواية) للشيخين وغيرهما (قال) أى البراء (قال رسول الله عزّة لرجل)
هو البراء راوى الحديث فنى رواية للبخارى ((قال لى رسول اللّه ◌َيتم: إذا أتيت مضجعك)). وفى رواية للترمذى عن البراء
(أن النبي ◌َّم قال له: ألا أعلمك كلمات تقولها إذا أويت إلى فراشك)) (إذا أويت إلىفراشك) أیانضممت إليه ودخلت
فيه النوم كما قال فى الرواية الأخرى .إذا أخذت مضجعك)، أى أنيت مكان نومك وأردت أن تضطجع (فتوضأ) أمرندب
(وضوءك للصلاة) أى كوضوءك للصلاة فهو منصوب بنزع الخافض ، قال الترمذى: لا نعلم فى شئى من الروايات ذكر
الوضوء عندالنوم إلا فى هذا الحديث. وفى رواية لأبي داود ((إذا أويت إلى فراشك وأنت طاهر فتوسديمينك)) الحديث.
(ثم اضطجع) أصله اضتجع لأنه من باب الافتعال فقلبت التاء طاء (وقال) أى النبى ◌َّم فيكون من جملة كلام البراء
عطف على((قال رسول اللّه) (فإن مت) بضم الميم وكسرها (من ليلتك) أى فى ليلتك (وإن أصبحت أصبت خيرا) أى خيرا
كثيرا. أو خيرا فى الدارين. قال النووى: فى هذا الحديث ثلاث سنن مهمة مستحبة ليست بواجبة: إحداها الوضوء
عند إرادة النوم ، فإن كان متوضأ كفاه ذلك الوضوء لأن المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت فى ليلته وليكون
أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به فى منامه وترويعه إياه، والثانية النوم على الشق الأيمن لأن النبي حديثة كان
يحب التيامن، ولأنه أسرع إلى الانتباه، الثالثة ذكر الله تعالى ليكون خاتمة عمله - انتهى (متفق عليه) فيه نظر فإن الرواية
الأولى للبخارى وحده كما تقدم والرواية الثانية رواها البخارى فى آخر الوضوء وفى الدعوات وفى التوحيد فى باب قوله
((أنزله بعلمية والملائكة يشهدون)) ورواها مسلم فى الدعاء، وكذا الترمذى وابن ماجه ورواها أبو داود فى الأدب والنسائى
فى عمل اليوم والليلة وأخرجها أيضا أحمد (ج ٤: ص ٢٩٠، ٢٩٢، ٣٠٢٠٢٩٦) والدارمى فى الاستيذان، وابن السنى
(ص ٢٢٥) والبغوى فى شرح السنة (ج ٥: ص ١٠٣، ١٠٤).
٢٤٠٩ - قوله (وكفانا) أى كفى مهماتنا وقضى حاجاتنا ودفع عناشر ما يؤذنا فهو تعميم بعد تخصيص
١٢٠