Indexed OCR Text

Pages 81-100

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥- باب
والنار مثل ذلك. رواه البخارى.
٢٣٩٢ (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال رجل لم يعمل خيرا قط
كل سير وقى به القدم من الأرض. قال الطيى: ضرب العرب مثلا بالشراك لأن سبب حصول الثواب والعقاب
إنما هو بسعى العبد ويجرى السعى بالأقدام، وكل من عمل خيرا استحق الجنة بوعده، ومن عمل شرا استحق النار
بوعيده وما وعد و أوعد منجزان فكأنهما حاصلان (والنار مثل ذلك) أى أقرب إلى أحدكم من شراك فعله.
وقال القارى: إشارة الى المذكور أى النار مثل الجنة فى كونها أقرب من شراك الفعل أى فلا يزهدن فى قليل
من الخير أن يأتيه فلعله يكون سببا لرحمة الله به ولا فى قليل من الشر أن يجتنبه، فربما يكون فيه سخط الله تعالى،
ثم قيل هذا لأن سبب دخول الجنة والنار مع الشخص وهو العمل الصالح والسيء وهو أقرب اليه من شراك فعله
اذهو مجاور له والعمل صفة قائمة به. قال ابن بطال: فى الحديث إن الطاعة موصلة الى الجنة وإن المعصية
مقربة إلى النار ، وإن الطاعة والمعصية قد تكون فى أيسر الأشياء، فينبغى لارأ أن لا يزهد فى قليل من الخير أن
يأتيه ولا فى قليل من الشر أن يجتنبه، فانه لا يعلم الحسنة التى يرحمه الله بها ولا السيئة التى يسخط عليه بها. وقال
ابن الجوزى: معنى الحديث إن تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة والنار كذلك بموافقة الهوى وفعل
المعصية (رواه البخارى) فى الرقاق وهو من أفراده وأخرجه أيضاً أحمد ( ج ١ ص ٣٨٧ - ٤١٣ - ٤٤٢)
٢٣٩٣ - قوله (قال رجل ) أى من كان قبلنا ففي حديث أبي سعيد عند البخارى إن رجلا كان قبلكم
رغسه الله مالا ، وفى رواية له ذکر رجلا فيمن سلف أو فيمن كان قبلكم، وصرح فى حديث حذيفة وأبىمسعود
عند الطبرانى إنه كان من بنى اسرائيل، ولذلك أورد البخارى حديث أبى سعيد وحذيفة وأبى هريرة فى ذكر بنى
اسرائيل. قيل اسم هذا الرجل جهينة فقد حكى الحافظ فى الفتح (ج ٢٦ ص ١٣١ - ١٣٢) إن أبا عوانة أخرج
فى صحيحه من حديث حذيفة عن أبى بكر الصديق إن الرجل المذكور فى حديث الباب هو آخر أهل النار خروجا
منها و آخر أهل الجنة دخولا الجنة. قال الحافظ (ج ٢٧ ص ٢٠٩) وقد وقع فى غرائب مالك للدار قطنى من
طريق عبد الملك بن الحكم وهو واء عن مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه إن آخر من يدخل الجنة رجل من
جهينة يقال له جهينة، فيقول أهل الجنة عند جهينة الخبر اليقين، وحكى السهيلى أنه جاء إن إسمه هناد (لم يعمل)
صفة رجل (خيرا قط) أى عملا صالحا بعد الاسلام، ووقع فى رواية لمسلم لم يعمل حسنة قط . قال الباجى:
ظاهر إن العمل ما تعلق بالجوارح وهو حقيقة العمل، وإن جاز أن يطلق على الاعتقاد على سبيل المجاز والاتساع
صلى الله عليه وسلم عن هذا الرجل أنه لم يعمل شيئا من الحسنات التى تعمل بالجوارح، وليس فيه إخبار عن
اعتقاد الكفر. وإنما يحمل هذا الحديث على أنه اعتقد الايمان ولكنه لم يأت من شرائعه بشىء فلما حضره
٨١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
لأهله - وفى رواية - أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه: اذا مات حرقوه،
ثم اذروا
الموت غاف تفریطه فأمر أهله أن يحرقوه ۔ انتهى. قلت: وقع فى رواية أحمد ( ج٢ ص ٣٠٤) كان رجل من
كان قبلكم لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، وهكذا وقع استثناء التوحيد فى حديث ابن مسعود أيضا عند أحمد
(ج١ ص٣٩٨) ورواية الباب وإن لم يذكر فيها هذا الاستثناء صريحا لكنها كالصريح فى ذكره لا طباق الروايات
على ذكر خشيته وخوفه من عذابه وغفرانه تعالى (لأهله ) متعلق بقال (وفى رواية أسرف رجل على نفسه)
أى بالغ فى فعل المعاصى، وهذا لفظ مسلم والبخارى كان رجل يسرف على نفسه، وفى حديث حذيفة عند
البخارى إنه كان يسيء الظن بعمله. وفى حديث أبى سعيد عند الشيخين فانه لم يبتثر عند الله خيرا فسرما قتادة
لم يدخر، ووقع فى آخر حديث حذيفة عند البخارى. قال عقبة بن عمرو (أبو مسعود) وأنا سمعته (يعنى التى
صلى الله عليه وسلم) يقول ذلك وكان نباشا ( أى القبور يسرق أكفان الموتى) قال الحافظ : قوله « وكان نباشا
هو من رواية حذيفة وأبى مسعود معا كما يدل عليه رواية ابن حبان. ووقع فى رواية للطبرانى بلفظ: بينهما
حذيفة وأبو مسعود جالسين. فقال أحدهما سمعت رسول اللّه وَثم يقول: إن رجلا من بنى اسرائيل كان
ينبش القبور فذكره ( فذا حضره الموت) فيه تسمية الشىء بما قرب منه لأن الذى حضره فى تلك الحالة علامات
الموت لا الموت نفسه (أوصى بنيه) هذا لفظ مسلم والبخارى فلما حضره الموت قال لبنيه ، وفى حديث أبى سعيد
عند البخارى فلا حُضر قال لبنيه أىّ أب كنت لكم قالوا خير أب قال الخ (اذا مات حرقوه) بصيغة الأمر
من التحريق ، وهذا عند مسلم والبخارى فاحرقوه أى من الاحراق، ومقتضى السياق أن يقول اذا مت الحرةونى
لكنه على طريق الالتفات. قال الطيبي: قوله ((إذا مات الخ)) مقول قال على الرواية الأولى ومعمول أوصى على
الرواية الأخرى فقد تنازعا فيه فى عبارة الكتاب - انتهى. قلت قوله وفى رواية إلى قوله أوصى بنيه جملة معترضة
وقوله اذا مات الخ إنما هو مقول، قال فى الرواية الأولى كما يدل عليه سياق الحديث عند البخارى فى التوحيد
ومسلم فى التوبة . وأما سياق الرواية الثانية فعند البخارى فى ذكر بنى اسرائيل فلما حضره الموت قال لبنيه إذا
أنا مت فاحر قونى الخ. وعند مسلم فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال اذا أنا مت فاحرقونى الخ (ثم اذروا)
يجوز فيه وصل الهمزة وقطعها من الثلاثى المجرد والمزيد يقال ذرت الريح التراب وغيره تذروه ذرواً وذریا
واذَرَته وذَرّته، اطارته وَسَفّته وأذهَبَته وفرَّقَته بهوبها. قال الحافظ: بهمز قطع وسكون المعجمة من
أَذَرَتِ العينُ دمعها وأذْرَيْتُ الرجل عن الفرس وبالوصل من ذروت الشىء ومنه تذروه الرياح. وفى رواية
ثم اطعنونى ثم ذرونى بضم المعجمة وتشديد الراء من الذر أى فرقوبنى، وفى حديث حذيفة عند البخارى فى
٨٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
خصقه فى البر ونصفه فى البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين،
الرفاق فذرونى. قال الحافظ: بالتخفيف بمعنى الترك وبالتشديد بمعنى التفريق وهو ثلاثى مضاعف تقول
ذررت الملح أذره، ومنه الذريرة نوع من الطيب. قال ابن التين: ويحتمل أن يكون بفتح أوله وكذا قرأناه،
ورويناه بضمها وعلى الأول هو من التذرية وعلى الثانى من الذر (نصفه) أى نصف رماده (فى البر ونصفه
فى البحر) وفى حديث حذيفة عند البخارى فى أول ذكر بنى اسرائيل اذا أنا مت فاجمعوا لى حطبا كثيرا وأوقدوا
فيه ناراً حتى إذا أكلت لحمى وخلصت إلى عظمى فامتحشت خذوها فاطحنوها ثم انظروا يوما راحا (أى كثير
الريح وشديده) فاذروه فى اليم الحديث، وفى حديث أبى سعيد عنده أيضا فى الرقاق فإذا مت فاحر قونى: حتى
اذا صرت لحما فاسحقونى أو قال فاسهكونى، ثم اذا كان ريح عاصف فاذرونى فيها فأخذ مواثيقهم على ذلك
قال الباجى: وذلك على وجهين أحدهما على وجه الفرار مع اعتقاده إنه غير فانت كما يفر الرجل أمام الأسد مع
اعتقاده أنه لا يفوته سبقا ولكنه يفعل نهاية ما يمكنه فعله، والوجه الثانى أن يفعل هذا خوفا من البارى تعالى
وتذ للاورجاء أن يكون هذا سببا إلى رحمته ولعله كان مشروعا فى ملته - انتهى. (فو الله لبن قدر الله عليه)
بتخفيف الدال وتشديدها من القدر بمعنى التضييق أو بمعنى القضاء لا من القدرة والاستطاعة (ليعذبنه ) بنون
التأكيد (عذابا) أى تعذيبا (لا يعذبه) أى ذلك العذاب (أحدا من العالمين) من الموحدين وقد استشكل
هذا الحديث لأن صنيع الرجل وقواه ظاهر فى الشك فى قدرة الله على البعث والاحياء والشك فى القدرة كفر،
وقد قال فى آخر الحديث خشيتك وغفرله والكافر لا يخشاه ولا يغفر له واختلف فى تأويله. فقيل إن قدر
بالتخفيف بمعنى ضيق ومنه قوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه - الطلاق: ٧) بالتخفيف والتشديد وهو أحد
الأقوال فى قوله تعالى ﴿فظن أن أن نقدر عليه - الأنبياء: ٨٧) والمعنى ابن ضيق الله عليه وناقشه فى الحساب
وقيل المعنى أن قدر عليه العذاب أى قضى من قدر بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد أى أن قدر عليه أن يعذبه
ليعذبنه. ولكن هذا كالذى قبله معنى غير مناسب للسوق أصلا مع أنه قد وقع فى حديث معاوية بن حيدة
عند أحمد (ج ٤ ص ٤٤٧) (ج ٥ ص ٣ - ٤) ثم اذرونى فى الريح لعلى أضل الله عز وجل أى أغيب عنه
وأفوته يقال ضل الشىء اذا فات وذهب وهو كقوله تعالى: ﴿لا يضل ربي) وهذا يدل على أن قوله لتن
قدر الله عليه على ظاهره وإنه أراد التمنع بالتحريق من قدرة الله ومع ذلك أخبر الصادق بغفرانه فلا بد من وجه
يمكن القول بإيمانه فقيل مقصود الرجل بهذه الوصية إن فرقوا أجزائى فى البر والبحر بحيث لا يكون هناك
سبيل إلى جمعها، فيحتمل أنه رأى أنه جمعه حينئذ يكون مستحيلا والقدرة لا تتعلق بالمستحيل فلذلك قال فلئن قدر
٨٣

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعرات
٥ - باب
فلما مات فعلوا
اللّه عليه فلا يلزم أنه ففى القدرة أو شك فيها، فصار بذلك كافرا فكيف يغفر له وذلك أنه ما نفى القدرة على
مكن. وإنما فرض غير المستحيل مستحيلا فيما لم يثبت عنده أنه ممكن من الدين بالضرورة والكفر هو الأول
لا الثانى. وقيل إن الرجل ظن أنه اذا فعل هذا الصنيع ترك فلم ينشر ولم يعذب. وأما تلفظه بقوله لتن قدر
الله وبقوله فلعلى أضل الله فلأنه كان جاهلا بذلك. وقد اختلف فى مثله هل يكفر أم لا، بخلاف الجاحد للصفة.
قال الخطابي: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه اذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه
بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله. وقيل كان هذا الرجل موحدا مثبتا الصانع، وكان فى زمن الفترة حين
ينفع مجرد التوحيد ولم تبلغه شرائط الايمان ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى:
﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا - الاسراء: ١٥) وقيل إنما وصى بذلك تحقير ا لنفسه وعقوبة لها
بعصيانها واسرافها رجاء أن يرحمه الله فيغفر له وهذا يؤيد أن قوله لمن قدر بمعنى ضيق. وقيل لق من
هول المطلع ما أدهشه وسلب عقله فلم يتمكن من تمهيد القول وتخميره فبادر بسقط من القول، وأخرج كلامه
مخرجا لم يعتقد حقيقته. قال التور بشتى: وهذا أسلم الوجوه. وقال الطيبي: هو كلام صدر عن غلبة حيرة ودهشة
من غير تدبر فى كلامه كالغافل والناسى فلا يؤاخذ فيما قال. قال القارى: هذا هو الظاهر من الحديث كما سيأتى
حيث قال تعالى لم فعلت قال من خشيتك يارب وأنت أعلم. وقيل ذلك لا يؤاخذ عليه وقال السندى:
!يحتمل أن شدة الخوف طيرت عقله فما التفت إلى ما يقول وما يفعل وأنه هل ينفعه أم لا، كما هو المشاهد
فى الواقعُ فىمهلکه فانه قد يتمسك بأدنى شىء لاحتمال أنه لعله بنفعه اذ هو فيما قال وفعل فى حكم المجنون ـ انتهى.
وجعل الحافظ هذا القول أظهر الأقوال حيث قال، وأظهر الأقوال أنه قال ذلك فى حال دهشته وغلبة الخوف عليه
حتى ذهب بعقله لما يقول ولم يقله قاصدا لحقيقة معناه بل فى حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسى الذى لا يؤاخذ
بما يصدر منه، قال وأبعد الأقوال قول من قال إنه كان فى شَرعهم جواز المغفرة للكافر - انتهى. وقال ابن
أبى جمرة: كان الرجل مؤمنا لأنه قد أيقن بالحساب، وإن السيئات يعاقب عليها، وأما ما أوصى به فلعله كان
جائزا فى شرعهم لتصحيح التوبة، فقد ثبت فى شرع بنى اسرائيل قتلهم أنفسهم. وقيل ظن هذا الرجل إن الله
تعالى إن وجده على حاله وهيئته يعذبه شديدا واذا وجده محترقا مطحوناً مفرقا فلعله يرحمه ويشفق عليه، لتحمله
تلك المشاق والشدائد كما هو دأب الموالى الكرماء، فانهم اذا وجد أحدهم عبده المسئى فىمرض أوشدة رحمه وعطف
عليه ورضى عنه، وإن كان قبل ذلك ساخطا عليه وغضبان والله أعلم (فلما مات) أى الرجل الموصى (فعلوا)
٨٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
ما أمرهم، فأمر الله البحر، لجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال من
خشيتك يا رب! وأنت أعلم، فنفر له.
أى أهله أو بنوه (ما أمرهم) به من التحريق وغيره وقوله فلما مات الخ لمسلم فقط (فأمر الله البحر لجمع ما فمه
وأمر البر يجمع ما فيه) أى من أجزاء الرجل ، وفى رواية أخرى للبخارى فأمر الله تعالى الأرض فقال أجمعى
ما فيك منه فقلت فإذا هو قائم، وفى حديث أبى سعيد عنده أيضا فقال الله كن فاذا رجل قائم. قال الحافظ:
وفى حديث سلمان الفارسى عند أبى عوانة فى صحيحه فقال الله له كن فكان كأسرع من طرفة العين، وهذا جميعه
كما قال ابن عقيل أخبار عما سيقع له يوم القيامة، وليس كما قال بعضهم أنه خاطب روحه فإن ذلك لا يناسب
قوله لجمعه الله، لأن التحريق والتفريق إنما وقع على الجسد وهو الذى يجمع ويعاد عند البعث. (ثم قال) الله
عز وجل ( له) أى للرجل (لم فعلت هذا) أى ما ذكر من الوصية، وفى رواية ما حملك على ما صنعت
(قال من خشيتك يا رب) وفى حديث حذيفة عند البخارى ما حملنى إلا مخافتك (وأنت أعلم) أى إنما فعلته من
خشيتك . قال ابن عبد البر: وذلك دليل على إيمانه، اذ الخشية لا تكون الالمؤمن بل العالم. قال تعالى ﴿إنما يخشى
الله من عباده العلماء - فاطر: ٢٨) ويستحيل أن يخافه من لا يؤمن به. وقد روى الحديث بلفظ: قال رجل
لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، وهذه اللفظة ترفع الاشكال فى إيمانه والأصول تمضدها ( إن الله لا يغفر أن
يشرك به - النساء: ٤٨) قلت: الخشية من لوازم الايمان ولما كان فعله هذا من أجل حشية الله تعالى وخوفه
فلا بد من القول بإيمانه ، وعلى هذا فالحديث ظاهر بل هو كالصريح فى استثناء التوحيد كما تقدم فلا إشكال فيه .
(فغفر له) وفى حديث أبى سعيد عند البخارى فى الرقاق فما تلافاه إن رحمه أى تداركه ((وما)) موصولة أى الذى
تلافاه هو الرحمة ، أو نافية وصيفة الاستثناء محذوفة، وفى ذكر بنى اسرائيل بلفظ: فتلقاه رحمة. قال الحافظ
قالت المعتزلة: غفر له لأنه تاب عند موته وندم على فعله. وقالت المرجئة: غفر له بأصل توحيده الذى لا تضر
معه معصية، وتعقب الأول بأنه لم يرد أنه رد المظلة فالمغفرة حينئذ بفضل الله لا بالتوبة، لأنها لا تم الا بأخذ
المظلوم حقه من الظالم ، وقد ثبت أنه كان نباشا . وتعقب الثانى بأنه وقع فى حديث أبى بكر الصديق المشار اليه
أولا أنه عذب، فعلى هذا فتحمل الرحمة والمغفرة على إرادة ترك الخلود فى النار ، وبهذا يرد على الطائفتين معا
على المرجئة فى أصل دخول النار، وعلى المعتزلة فى دعوى الخلود فيها ، وفيه أيضاً رد على من زعم من المعتزلة
إنه بذلك الكلام تاب فو جب على اللّه قبول تو بته ! انتهى. وقيل: إن مغفرته إنما هى لكال خوفه و خشيته ن
الله عز وجل، لأن الخشية من المقامات السنية ولما كانت على أقصى مراتبها وإن حصلت عند حضور علامات
الموت صارت سبباً نحو جميع سيئاته، ووسيلة إلى مغفرة جميع ذلوية ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
متفق عليه.
٢٣٩٣ - (٧) وعن عمر بن الخطاب، قال: قدم على النبى صلى الله عليه وسلم: سي فاذا امرأة
من السبي قد تحلب ثديها تسعى، اذا وجدت صبيا فى السبى أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا
النبى صلى الله عليه وسلم :
ذلك لمن يشاء) وقد تقدم أن الخوف من الله من لوازم الايمان. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى ذكر بنى
اسرائيل، وفى باب يريدون أن يبدلوا كلام الله من كتاب التوحيد، ومسلم فى التوبة، وأخرجه أيضا أحمد (ج٢
ص ٢٦٩، ٣٠٤) ومالك والنسائى فى أواخر الجنائز ، وابن ماجه فى ذكر التوبة، وفى الباب عن أبى سعيد عند
أحمد والشيخين وغيرهم، وعن حذيفة عند البخارى والنسائى وغيرهما ، وعن ابن مسعود عند أحمد وأبي يعلى ،
وعن معاوية بن حيدة عند أحمد والطبرانى وعن سلان الفارسى عند أبى عوانة والطبرانى .
٢٣٩٣ - قوله (قدم) بكسر الدال (على النبى مَثّم سبى) أى أسرى من الغلمان والجوارى وسيته سيا
إذا حملته من بلد إلى بلد ، وقوله ((قدم)) على صيغة المعلوم فعل ماض و((سي)) بالرفع فاعله ، وفى رواية الكشميهنى
قدم بسي على صيغة المجهول، وبالباء الموحدة فى سي وكان هذا من السبى هوازن (فإذا إمرأة من السبى) لم يعرف
الحافظ اسمها (قد تحلب) بفتح الحاء وتشديد اللام على وزن تفعل (ثديها) بالأفراد والرفع فاعله أى سأل لبن
تديها على حذف المضاف لكثرته لعدم ولدها معها. وقال الحافظ: أى تهيأ لأن يحلب (تسعى) بفتح الفوقية
وسكون السين وفتح العين المهملتين من السعى وهو المشى بسرعة أى تعدو المرأة فى طلب ولدها. ووقع فى بعض
نسخ صحيح البخارى بقاف مكسورة من السقى بالسين المهملة والقاف. قال الحافظ : بفتح المثناة وبقاف مكسورة،
وللكشميهنى بسقى بموحدة مكسورة بدل الفوقية وفتح المهملة وسكون القاف وتنوين التحتية، والباقين تسعى بفتح
العين المهملة من السعى أى تمشى بسرعة تطلب ولدها الذى فقدته، وفى رواية تبتغى من الابتغاء وهو الطلب.
قال عياض: وهو وهم، والصواب ما فى رواية البخارى تسعى بالسين من السعى، وتعقبه النووى بأن كلا من
الروايتين صواب لا وهم فيه فهى ساعية وطالبة مبقغية لابنها. وقال القرطب: لاخفاء بحسن رواية تسعى ووضوحها
ولكن لرواية تبتغى وجها وهو تطلب ولدها وحذف المفعول للعلم به فلا يغلط الراوى مع هذا التوجيه
(اذا وجدت) قال الحافظ: قوله اذا كذا أى بالألف للجميع ولمسلم (صبيا فى السبي) أى فى جملة صبيان السبى
(أخذته فالصقته ببطنها) قال الحافظ: حذف منه شىء بينته رواية الاسماعيلى ولفظه إذا وجدت صبياً أخذته
فارضعته فوجدت صبياً فأخذته فالزمته بطنها. وعرف من سياقه إنها كانت فقدت صبيها وتضررت باجتماع اللبن
٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
۔ ۔۔ باب
أترون هذه طارحة ولدها فى النار؟ فقلنا: لا، وهى تقدر على أن لا تطرحه. فقال: لله أرحم
بعباده من هذه بولدها. متفق عليه.
٢٣٩٤ - (٨) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن ينجى
فى تديها فكانت ادا وجدت صيا أرضعته ليخف عنها، فلما وجدت صبيها بعينه أخذته فالتزمته والصقته ببطنها من
فرحها بوجدانه وغاية مجتماله. (أترون) بضم الفوقية أى تظنون (هذه) أى المرأة (طارحة) أى ملقية (فقلنا)
كذا فى جميع النسخ، والذى فى الصحيحين قلنا أى بدون الفاء ( لا) أى لا نظن إنها طارحة. وقال القسطلانى:
أى لا تطرحه. (وهى تقدر على أن لا تطرحه) أى لا تطرحه طائعة أبدا. وقال القارى: الواو الحال ، وفائدة
هذا الحال إنها إن اضطرت يمكن طرحها والله منزه عن الاضطرار فلا يطرح عبده فى النار البتة (الله) بفتح
أوله لام تأكيد وصرح بالقسم فى رواية الاسماعيلى فقال والله لله أرحم الى آخره (بعباده) أى المؤمنين أو مطلقا
(من هذه) المرأة (بولدها) هذا، قال الحافظ: كأن المراد بالعباد هنا من مات على الاسلام، ويؤيده ما أخرجه
أحمد والحاكم (والبزار ورجالهم رجال الصحيح) من حديث أنس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم فى نفر من
الصحابة وصبى على الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أو يوطأ فاقبلت تسعى، وتقول ابنى ابى
وسعت فأخذته، فقال القوم يا رسول الله ما كانت هذه لتلقى ابنها فى النار فقال ولا الله بطارح حبيبه فى النار،
فالتعبير بحبيبه يخرج الكافر، وكذا من شاء إدخاله ممن لم يتب من مرتكبى الكبائر. وقال الشيخ أبو محمد بن أبى جمرة:
لفظ العباد عام، ومعناه خاص باللؤمنين وهو كقوله تعالى: ﴿ورحتى وسعت كل شىء فسأ كتبها للذين يتقون -
الأعراف: ١٥٦) فهى عامة من جهة الصلاحية، وخاصة بمن كتبت له. ثم ذكر ابن أبي جمرة احتمال تعميمه
حتى فى الحيوانات ورجحه العينى حيث قال ، والظاهر إنها على العموم لمن سبق له . منها نصيب من أى العباد
كان حتى الحيوانات على ما ورد فى حديث أبى هريرة وأنزل فى الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم
الخلق - انتهى. قال ابن أبى جمرة: وفيه إشارة الى أنه ينبغى الرأ أن يحمل تعلقه فى جميع أموره بالله وحده وإن
كل من فرض إن فيه رحمة ما يقصد لأجلها فالله سبحانه وتعالى أرحم منه فليقصد العاقل لحاجته من هو أشد له
رحمة . قال: وفى الحديث ضرب المثل بما يدرك بالحواس لما لا يدرك بها لتحصيل معرفة الشىء على وجهه وإن
كان الذى ضرب له المثل لايحاط بحقيقته، لأن رحمة الله لا تدرك بالعقل، ومع ذلك فضربها النبى زيت السامعين
بجمال المرأة المذكورة (متفق عليه) أخرجه البخارى فى باب رحمة الولد من كتاب الأدب ومسلم فى التوبة.
٢٣٩٤ - قوله (لن ينجى) أى من النار ((ولن)) مجرد النفي. وقيل: لتوكيده، وينجى بفتح النون وكسر الجيم
٨٧

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
أحدا منكم عمله،
المشددة من التنجية، أو بسكون النون وتخفيف الجيم المكسورة من الانجاء، ومعناه لن يخلص النجاة من الشىء التخلص
منه ( أحدا ) بالنصب على المفعولية (منكم عمله) بالرفع على الفاعلية، وفى رواية أبى داود الطيالسى ما منكم من
أحد ينجيه عمله، وفى رواية للشيخين لن يدخل أحدا عمله الجنة ، وفى رواية لمسلم ليس أحد منكم ينجيه عمله، وفى
أخرى له لن ينجو أحد منكم بعمله واستشكل هذا الحديث ونحوه بقوله تعالى ﴿ وتلك الجنة التى أور ثتموها بما
كنتم تعملون - الزخرف: ٧٢) وأجيب بأنه تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال ، فان درجات
الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، ويحمل الحديث على أصل دخول الجنة والخلود فيها فان قلت إن
قوله تعالى: ﴿سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون - النحل: ٣٢) صريح بأن دخول الجنة أيضاً
بالأعمال أجيب بأنه بلفظ محمل بينه الحديث والتقدير ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، فليس
المراد بذلك أصل الدخول، ويجوز أن يكون الحديث مفسرا للآية والتقدير أدخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة
الله لكم وتفضله عليكم، لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته حيث الهم العاملين
ماذا لوابه ذلك ولا يخلو شىء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضل عليهم ابتداء بايجادهم ثم برزقهم
ثم بتعليمهم، هذا محصل ما قاله ابن بطال فى الجمع بين الآيتين وحديث الباب. وقال عياض طريق الجمع أن
الحديث فسر ما أجمل فى الآية فذكر نحوا من كلام ابن بطال الأخير، وإن من رحمة الله توفيقه للعمل وهدايته
للطاعة وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل الله ورحمته. وقال ابن الجوزى: يتحصل عن ذلك
أربعة أجوبة. الأول أن التوفيق للعمل من رحمة الله ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الايمان ولا الطاعة التى يحصل
بها النجاة الثانى إن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله. الثالث
جاء فى بعض الأحاديث إن نفس دخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات بالأعمال والرابع إن أعمال الطاعات
كانت فى زمن يسير، والثواب لا ينفد، فالانعام الذى لا ينفد فى جزاء ما ينفد بالفضل بمقابلة الأعمال وقال
الكرمائى: الباء فى قوله ( بما كنتم تعملون) ليست للسبية بل للالصاق أو المصاحبة أى أور ثتموها ملابسة أو مصاحبة،
أو القابلة نحو أعطيت الشاة بالدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين بن هشام فى المغنى فسبق اليه فقال(ج١
ص٩٧) ترد الباء القابلة وهى الداخلة على الأعراض نحو أشترية بألف وكافأت إحسانه بضعف. وقولهم هذا بذاك،
منه ( أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون - النحل: ٣٢) وإنما لم نقدرها باء السببية كما قالت المعتزلة (فإنهم يقولون
العمل الصالح سبب موجب للجنة) وكما قال الجميع (أى جميع أهل السنة) فى لن يدخل أحدكم الجنة بعمله لأن المعطى
٨٨

مرعاة المفاتيح ج٨
٩٠ - كتاب الدعوات
٥- باب
قالوا: ولا أنت يا رسول الله !
بعوض قد يعطى مجانا بخلاف المسبب فلا يوجد بدون السبب قال ، وقد تبين أنه لا تعارض بين الحديث والآية
لاختلاف محمل الباءين جمعا بين الأدلة، قلت: سبقه الى ذلك ابن القيم كما قال الحافظ ، وقد حكى كلامه عن كتاب
مفتاح دار السعادة قال الحافظ: ويظهر لى فى الجمع بين الآية والحديث وجه آخر، وهو أن يحمل الحديث على أن
العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولا، واذا كان كذلك فأمر القبول الى الله
تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ أى تعملونه
من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للصاحبة أو للالصاق أو المقابلة ولا يلزم من ذلك أن تكون
سببية وحاصل هذا الجواب، إن المنفى فى الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول والمثبت فى الآية ، دخولها
بالعمل المتقبل، والقبول إنما يحصل من الله تفضلا وقال النووى: معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال،
والجمع بينها وبين الحديث أن التوفيق للأعمال والهداية للاخلاص فيها وقبولها، انما هو برحمة الله وفضله
فيصح أنه لم يدخل الجنة بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنه دخل بالأعمال أى بسببها وهى من
رحمة الله تعالى، ورد الكرمانى الأخير بأنه خلاف صريح الحديث. وقال التور بشتى: ليس المراد من هذا
الحديث نقى العمل وتوهين أمره، بل توقيف العباد على أن العمل إنما يتم بفضل الله وبرحمته لئلا يتكلوا على
أعمالهم اغترارا بها ، فان الانسان ذو السهو والنسيان عرضة للآفات ودرية للففلات ، قلما يخلص له من شائبة رياء
أو شهوة خفية أو فسادنية أو قصد غير صالح، ثم إن سلم له العمل عن ذلك ولا يسلم إلا برحمة من الله فان
أرجى عمل من أعماله لا يفى بشكر أدنى نعمة من نعم ربه فأنى له أن يستظهر بعمل لم يهتد إليه أيضا إلا برحمة من
اللّه وفضل. وقال الطبى: أى النجاة من العذاب والفوز بالثواب بفضل الله ورحمته والعمل غير مؤثر فيهما
على سبيل الايجاب ، بل غايته أنه يعد العامل لأن يتفضل عليه ويقرب الرحمة اليه، ولذا قال فددوا الخ،
والخطاب للصحابة والمراد معشر بنى آدم. قال الماذرى: مذهب أهل السنة إن إثابة الله تعالى من أطاعه بفضل
منه، وكذلك انتقامه ممن عصاه بعدل منه ولا يثبت واحد منهما الا بالسمع، وله تعالى أن يعذب الطائع وينعم
العاصى ، لأن العالم كله ملكه والدنيا والآخرة فى سلطاته يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذب المطيعين وأدخلهم النار كان
عدلا منه، واذا أكرمهم ونعمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه، ولو نعم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك
ولكنه أخبر وخبره صدق لا خلف فيه أنه لا يفعل ذلك بل يغفر للمؤمنين ويدخلهم الجنة برحمته ، ويعذب
الكافرين ويخلدهم فى النار عدلا منه. وهذا الحديث يقوى مقالتهم ويرد على المعتزلة حيث يثبتون الأعراض
بالعقل ویوجبون ثواب الأعمال. ویوجبون الا صلح، ولهم فى ذلك خبط کثیر وتفصیل طويل (قالوا) وفى
رواية لمسلم ، فقيل وفى أخرى له قال رجل. قال الحافظ: لم أقف على تعيين القائل (ولا أنت يا رسول اللّه)
٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله منه برحمته، فسددوا، وقاربوا،
أى لا ينجيك عملك مع عظم قدره ، قال الطيبي: الظاهر ولا إياك أى للعطف على أحدا فعدل إلى الجملة الاسمية
أى من الفعلية المقدرة مبالغة، أى ولا أنت ممن ينجيه عمله استبعادا عن هذه النسبة إليه، قلت: وقع فى رواية
لمسلم قال رجل ولا اياك يا رسول الله؟ قال الكرمانى: اذا كان كل الناس لا يدخلون الجنة الا أن يتغمدهم الله
برحمته فوجه تخصيص رسول اللّه مَّفة بالذكر أنه اذا كان مقطوعا له بأنه يدخل الجنة ثم لا يدخلها الا برحمة
اللّه فغيره يكون فى ذلك بطريق الأولى. وقال الرافعى: لما كان أجر النبي تَث فى الطاعة أعظم، وعمله فى العبادة
أقوم قيل ولا أنت أى لا ينجيك عملك مع عظم قدره فقال لا إلا برحمة الله، (قال ولا أنا) مطابق ولا أنت
أى ولا أنا ممن ينجيه عمله، وفى رواية مسلم المشار اليها قال ولا إياى (إلا أن يتغمدنى الله) أى يسترنی وفی
رواية لمسلم إلا أن يتداركنى (منه برحمة) وفى رواية لهما بفضل ورحمته والمستعلى بفضل رحمته باضافة بفضل
للاحقها، وفى رواية لمسلم برحمته وفضل، وفى أخرى له بمغفرة ورحمته. قال أبو عبيد: المراد بالتغمد السقر
وما أظنه إلا مأخوذا من غمد السيف ، لأنك إذا غمدت السيف فقد البسته الغمد وسترته به، كأنه جعل رجمة له
غمداً وستره بها وغشاه. قال القارى: والاستثناء منقطع أى إلا أن يلبسنى لباس رحمته فأدخل الجنة برحمته،
والتغمد الستر أى يسترفى برحمته ويحفظنى كما يحفظ السيف بالغمد بكسر الغين وهو الغلاف ، ويجعل رحمته محيطة
فى إحاطة الغلاف للسيف. وقال الشيخ الدهلوى: معنى الاستثناء أى لا ينجينى عملى إلا أن يرحمنى الله
فحينئذ ينجينى عملى ويصير سببا فى نجاتى وبدونه لا يصير سببا، لأن العمل ليس علة حقيقية موجبة
للنجاة . وقال الطيبي: الاستثناء منقطع. قال القسطلانى: ويحتمل أن يكون متصلا من قبيل قوله تعالى
﴿لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الأولى - الدخان: ٥٦) ولما أشعر هذا الكلام بالغاء العمل من حيث
إيجابه النجاة وهو لا ينافى سببيته ومدخليته فيها باعتبار أنه يعد العامل لأن يتفضل عليه، ويقرب إلى الرحمة من
جهة حكمه تعالى بذلك ووضعه إياه كذلك أشار إلى إثباته بقوله (فددوا) بالسين المهملة المفتوحة وكسر
الدال المهملة الأولى المشددة أى أقصدوا السداد من الامر وهو الصواب من قولهم سدد السهم اذا تحرى
الهدف. وقيل: هو القصد من القول والعمل واختيار الصواب منهما، وهو ما بين الافراط والتفريط يعنى
قوموا العمل واطلبوا الصواب واقصدوا فى العمل بلا افراط وتفريط فلا تغلوا ولا تقصروا، وفى رواية لمسلم
ولكن سددوا. قال الحافظ: ومعنى هذا الاستدراك أنه قد يفهم من النفى المذكور نفى فائدة العمل فكأنه قيل
بل له فائدة ، وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التى تدخل العامل الجنة فاعملوا وأقصدوا بعملكم الصواب
وهو اتباع السنة من الاخلاص وغيره ليقبل عملكم فينزل عليكم الرحمة (وقاربوا) أى اطلبوا المقاربة وهى

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
واغدوا، وروحوا، وشىء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا. متفق عليه
القصد فى الأمر الذى لاغلو فيه ولا تقصير . وقيل: المعنى إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه
يعنى اعملوا بالسداد، فإن عجزتم عنه فقاربوا أى أقربوا منه. وقال الحافظ: أى لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم فى
العبادة لئلا يفضى بكم ذلك إلى الملال فتركوا العمل فتفرطوا (واغدوا) بالغين المعجمة الساكنة والدال المهملة
من الغدو وهو السير من أول النهار (وروحوا) بضم الراء وسكون الواو من الروح وهو السير من أول
النصف الثانى من النهار. وقال الجزرى: الغدو الخروج بكرة والرواح العود عشيا، والمراد اعملوا اطراف
النهار وقتا وقنا (وشىء من الدلجة) بضم أوله وفتحه وإسكان اللام ويجوز فتحها وبعد اللام جيم سير الليل،
والمراد العمل فى الليل، وقال وشىء من الدلجة لعسر سير جميع الليل، ففيه إشارة إلى تقليله وإلى الحث على الرفق فى
العبادة وشىء مرفوع على الابتداء وخبره مقدر أى اعملوا فيه أو مطلوب عملكم فيه. وقيل: التقدير وليكن شىء
من الدلجة، وقيل : إنه مجرور لعطفه على مقدر أى اعملوا بالغدو والروحة وشىء من الداجة أو المعنى استعينوا
بشىء من الدجة وفى بعض نسخ البخارى وشيئا بالنصب، وهكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول . قال الحافظ:
وشيئا منصوب بفعل محذوف أى افعلوا (والقصد القصد) بالنصب على الاغراء أى الزموا الطريق الوسط
المعتدل ، قال الجزرى: القصد العدل فى الفعل والقول والوسط بين الطرفين والتكرير التاكيد (تبلغوا) المنزل
الذى هو مقصدكم وهو مجزوم على جواب الأمر، وقد شبه المتعبدين بالمسافرين لأن العابد كالمسافر إلى محل
إقامته وهو الجنة، وكأنه قال لا تستوعبوا الأوقات كلها بالسير بل اغتنموا أوقات نشاطكم وهو أول النهار
وآخره وبعض الليل وارحموا أنفسكم فيما بينهما لئلا ينقطع بكم قال الله تعالى ﴿أقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من
الليل - هود: ١١٤﴾ وقد تقدم بأبسط من هذا فى شرح حديث أبى هريرة رقم ١٢٥٦ ، قال الطيبي: بين أولا
أن العمل لا ينجى إيجابا لئلا يتكلوا عليه، وحث آخرا على العمل لتلا يفرطوا بناء على أن وجوده وعدمه سواء،
بل العمل أدنى إلى النجاة فكأنه معد وإن لم يوجب. وقال الرافعى: فى الحديث إن العامل لا ينبغى أن يتكل على
عمله فى طلب النجاة ونيل الدرجات، لأنه إنما عمل بتوفيق الله وانما ترك المعصية بعصمة اللّه فكل ذلك بفضله
ورحمته (متفق عليه) واللفظ للبخارى بل السياق المذكور بطوله من أفراده، أخرجه فى الرقاق، وأخرجه مسلم
فى التوبة مختصرا من طرق متعددة، وأخرجه البخارى أيضا مختصرا فى أواخر المرضى مقرونا بقوله ((ولا يتمنى
أحدكم الموت الخ)) وأخرجه أيضا أحمد مختصر (ج ٣ ص ٢٣٥، ٢٥٦، ٢٦٤، ٣٦٢) وأبو داود الطيالسى
وأبو نعيم ، وفى الباب عن عائشة عند الشيخين وعن جابر عند مسلم، وعن جماعة من الصحابة غير هؤلاء كما فى
الكنز (ج ٤ ص ١٥٠).
٩١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥- باب
٢٣٩٥ - (٩) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل أحدا منكم عمله
الجنة ولا يجيره من النار، ولا أنا إلا برحمة الله. رواه مسلم.
٢٣٩٦ - (١٠) وعن أبى سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أسلم العبد حسن
إسلامه، يكفر اللّه عنه
٢٣٩٥ - قوله (لا يدخل) بضم أوله (عمله) بالرفع فاعله (ولا يجيره) أى لا يخلصه ولا ينجيه أجار
فلانا أغاثه وأعانه ونصره وأجاره من العذاب أى انقذه وأبعده (ولا أنا) أى إياى (إلا برحمة الله) أى إلا عملا
مقرونا برحمته ، فالاستثناء متصل فدخول الجنة بمحض الفضل ودرجاتها على حسب أعمال أصحابها بمقتضى العدل
(رواه مسلم) فى التوبة من طريق أبي الزبير عن جابر، وأخرجه أحمد (ج ٣ ص ٣٣٧) من طريق أبي سفيان
عن جابر بلفظ: قاربوا وسددوا فانه ليس أحدكم ينجيه عمله، قالوا ولا إياك يا رسول الله، قال ولا إياى إلا أن
يتغمدنى الله برحمته، وأخرجه أيضا بنحوه (ج ٣ ص ٣٦٢، ٣٩٤).
٢٣٩٦ - قوله (إذا أسلم العبد) هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء وذكره بلفظ المذكر تغلييا (حسن
إسلامه) عطف على أسلم وهو بضم السين المخففة أى صار إسلامه حسنا بمواطاة الظاهر الباطن، ويمكن تشديد
السين ليوافق رواية أحسن أحدكم إسلامه أى جعله حسنا بالمواطأة المذكورة، قال العينى: معنى حسن الاسلام
الدخول فيه بالظاهر والباطن جميعا ، يقال فى عرف الشرع حسن إسلام فلان اذا دخل فيه حقيقة ، يعنى صار
اسلامه حسنا باعتقاده واخلاصه ودخوله فيه بالباطن، والظاهر بأن لا يكون منافقا، قال القارى: وليس معناه
استقام على الاسلام وأدى حقه وأخلص فى عمله لا يهامه إن مجرد الاسلام الصحيح لا يكفر (يكفر الله عنه) من
التكفير وهو التغطية وهو فى المعاصى كالاحباط فى الطاعات، ويكفر بضم الراء جواب اذا، قيل: ويجوز جزمه
فتكسر الراء حينئذ لالتقاء الساكنين، لأن الأصل فى الساکن اذا حرك حرك بالکسر ، ويرد بأن جزم جواب
إذا ، إنما يجوز فى الضرورة، قال ابن هشام فى مغنيه (ج ١ ص ٨٥) ولا تعمل إذا الجزم إلا فى الضرورة
كقوله :
واذا تصبك خصاصة فتجمل
استغن ما أغناك ربك بالغنى
وقال الرضى: لما كان حدث ((إذا)) الواقع فيه مقطوعا به فى أصل الوضع لم يرسخ فيه معنى أن الدال على
الفرض بل صار عارضا على شرف الزوال، فلهذا لم تجزم إلا فى الشعر مع إرادة معنى الشرط وكونه
بمعنى متى ، فقول الحافظ فى الفتح إن إذا لا تجزم أى فى النثر، وذهل العينى عن كون محل جزمها، إنما هو فى
٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
كل سيئة كان زلفها، وكان بعد القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف
كثيرة، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز اللّه عنها.
الشعر خاصة لا فى النثر ، فتعقب الحافظ كعادته وإلا فذلك أمر ضرورى لم يخل عنه أصغر كتاب فى علم النحو.
قال ابن آجروم: واذا فى الشعر خاصة ولكن شغفه بالرد والتعقب على الحافظ أوقعه فى ذلك، واستعمل الجواب
مضارعا وأن كان الشرط بلفظ الماضى لكنه بمعنى المستقبل، وفى رواية البزار كفر الله فواخى بينهما ( كل سيئة)
بنصب كل على المفعولية أى من الصغائر والكبائر ( كان زلفها) جملة فعلية فى محل الجر، لأنها صفة سيئة ((وزلفها))
بتخفيف اللام المفتوحة وتشديدها ، ولأبى ذر أزلفها بزيادة همزة مفتوحة وهما بمعنى واحد كما قاله الخطابى
وغيره أى أسلفها وقدمها على الاسلام، وفى الحكم أزلف الشىء قربه وزلفه مخففا ومثقلا قدمه،
وفى الجامع الزلفة تكون فى الخير والشر، وقال فى المشارق زلف بالتخفيف أى جمع وكسب وهذا
يشمل الأمرين. وأما القسربة فلا تكون إلا فى الخیر فعلى مذا تترجع رواية غیر أبى ذر أى بدون
الهمزة لكن الذى قاله الخطابى يساعد رواية أبى ذر أى بزياده الهمزة المفتوحة فافهم (وكان بعد) بضم
الدال بعد حسن الاسلام أو بعد تكفير السيئات به، وقوله بعد كذا فى جميع النسخ من المشكاة والمصابيح،
والذى فى الصحيح وكان بعد ذلك، وهكذا فى الجامع الصغير، وكذا وقع عند النسائى (القصاص) بالرفع اسم
كان على أنها ناقصة أو فاعل على أنها قامة ، وعبر بالماضى ، وان كان السياق يقتضى المضارع لتحقق الوقوع
فكأنه واقع وذلك كما فى قوله تعالى ﴿ ونادى أصحاب الجنة - الأعراف: ٤٤) أى وكان بعد ذلك المجازاة فى
الدنيا أو فى الآخرة على الأعمال التى يفعلها بعد اسلامه. قال العينى: المراد بالقصاص ههنا مقابلة الشىء بالشى
أى كل شىء يعمله يعطى فى مقابله شىء إن خيرا خيراً وإن شرا فشراً. وقال السندى. أى المماثلة الشرعية
وضعها اللّه تعالى فضلا منه ولطفا لا العقلية (الحسنة) بالرفع مبتدأ خبره (بعشر أمثالها) أى تكتب أو تثبت
بعشر أمثالها والجملة استنافية بيان وتفسير القصاص، واللام فى ((الحسنة)) للاستغراق يدل على هذا قوله كل
حسنة فى حديث أبى هريرة رقم ٤٤ المتقدم فى كتاب الايمان ( الى سبع مائة ضعف ) متعلق بمقدر أى منتهية إلى
ذلك فهو حالى والضعف المثل (إلى أضعاف كثيرة) أى ممتدة إلى أمثال كثيرة فضلا من الله ونعمة (والسيئة)
مبتدأ خبره ( بمثلها) أى من غير زيادة عدلا ورحمة كما قال فلا يجزى إلا مثلها ، والجملة معطوفة على الجملة
قبلها (إلا أن يتجاوز الله عنها) أى عن السيئة بقبول التوبة أو بالعفو وإن لم يتب، وفى فوائد سمويه إلا أن
يغفر الله وهو الغفور، وفيه دليل لأهل السنة أن العبد تحت المشيئة ان شاء الله تعالى تجاوز عنه وإن شاء.
٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
رواه البخارى .
أخذه ورد على القاطع لأهل الكبائر بالنار كالمعتزلة، ثم قوله إلى أضعاف كثيرة، هكذا وقع فى جميع النسخ
من المشكاة، وهو من زيادة المصنف أو الناسخ وهى خطأ وغلط بلا شك، لأنها ليست فى صحيح البخارى
ولم تقع أيضاً فى سنن النساقى وليست أيضا فى الجامع الصغير والمصابيح والكنز (ج ١ ص ٦٠) ويدل أيضا
على كونها غلطا أنه استدل بعضهم بهذا الحديث كما ذكر شراح البخارى نقلا عن الماوردى على أن التضعيف
لا يتجاوز سبعمائة بل ينتهى إلى سبعمائة ثم ردكلهم على هذا البعض بحديث ابن عباس الآتى المصرح بالتضعيف
الى أكثر من سبعمائة ولو كانت هذه الزيادة فى حديث أبى سعيد أيضا لم يكن للاستدلال به على هذا القول وجه
ولما احتاج من رد عليه الى الاحتجاج على خلافه بحديث ابن عباس (رواه البخارى) هذا الحديث لم يسنده
البخارى فى موضع من صحيحه بل ذكره معلقا فى باب حسن اسلام المرأ من كتاب الايمان، فقال قال مالك:
أخبرنى زيد بن أسلم إن عطاء بن يسار أخبره أن أبا سعيد الخدرى أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول إذا أسلم العبد الخ والبخارى لم يدرك زمن مالك فيكون تعليقا ولكنه بلفظ جازم فهو صحيح ولا قدح
فيه لأنه موصول من جهات أخر صحيحة، ولم يذكره لشهوته وكيف وقد عرف من شرطه وعادته أنه لا يجزم
إلا بتثبت وثبوت، وليس كل معلق يقدح فيه، فهذا وإن كان معلقا لكنه فى حكم المتصل الموصول فى كونه
صحيحا وقد وصله أبوذر الهروى فى روايته، فقال أخبرنا النضروى وهو العباس بن الفضل حدثنا الحسين بن
إدريس حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد بن مسلم عن مالك عن زيد بن أسلم، وكذا وصله النسائى فى سنته
(فى كتاب الايمان) والحسن بن سفيان فى مسنده والبزار والبيهقى فى الشعب والاسماعيلى، ولفظه من طريق
عبد الله بن نافع عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: إذا أسلم العبد كتب الله له كل حسنة قدمها ومحى عنه كل سيئة زلفها، ثم قيل له انتنف العمل الحسنة
بعشر أمثالها إلى سبع مائة، والسيئة بمثلها ، إلا أن يغفر الله. وأخرجه الدار قطنى فى غرائب مالك من تسع طرق
ولفظه من طريق طلحة بن يحيى عن مالك ما من عبد يسلم فيحسن أسلامه الا كتب الله له كل حسنة زافها ومحى
عنه كل خطيئة زلفها بالتخفيف فيهما ، وللنسائى نحوه لكن قال أزلفها فقد ثبت فى جميع الروايات ما سقط من
رواية البخارى، وهو كتابة الحسنات المتقدمة قبل الاسلام وقوله ((كتب الله)) أى أمر أن يكتب، وللدار قطنى
من طريق ابن شعيب عن مالك بقول الله لملائكته أكتبوا قيل وإنما اختصره البخارى واسقط ما رواه
غيره عمداً لأنه .شكل على القواعد والأصول. فقال المازرى ثم القاضى عياض وغيرهما: الكافر لا يصح منه
التقرب فلا يثاب على العمل الصالح الصادر فى شركه، لأن من شرط المتقرب كونه عارفا بمن يتقرب اليه والكافر
ليس كذلك ورده النووى فقال الصواب الذى عليه المحققون، بل نقل بعضهم فيه الاجماع أن الكافر إذا فعل
٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
أفعالا جميلة على جهة التقرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة رحم واعتاق ونحوها ثم أسلم ومات على الاسلام،
إن ثواب ذلك يكتب له. ودليله حديث أبى سعيد الخدرى عند النسائى والدارقطنى وغيرهما ، وحديث حكيم بن
حزام فى الصحيحين أنه قال لرسول الله م فه أرأيت أمورا كنت أتحنث بها فى الجاهلية هل لى فيها من شىء ؟ فقال
له رسول الله يؤثّ أسلمت على ما أسلفت من خير. قال الحافظ: وقد جزم بما جزم به النووى إبراهيم الحربى
وابن بطال وغيرهما من القدماء والقرطبى وابن المنير من المتأخرين . وأما دعوى أنه مخالف للقواعد فغير مسلمة
لأنه قد يعتد ببعض أفعال الكافر فى الدنيا ككفارة الظهار، فإنه لا يلزم اعادتها اذا أسلم وتجزئه. قال ابن المنير
المخالف للقواعد دعوى أنه يكتب له ذلك فى حال كفره، وأما أن الله يضيف الى حسناته فى الاسلام ثواب
ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا، فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل، وكما يتفضل على
العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر ، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة ، جاز أن يکتب له ثواب
ما عمله غير موفى الشروط. وقال ابن بطال بعد ذكره: حديث أبى سعيد ولله أن يتفضل على عباده بما شاء، ولا
اعتراض لأحد عليه، واستدل غيره بقوله صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة عن ابن جدعان وما كان يصنعه
من الخير هل ينفعه؟ فقال إنه لم يقل يوما رب اغفرلى خطيئتى يوم الدين ، فدل على أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه
ما عمله فى الكفر. قلت وأول من لم يقل بهذا حديث حكيم بن حزام من وجوه. منها إن معنى قوله أسلمت على
ما أسلفت من خير إنك بفعلك ذلك اكتسبت طباعا جميلة تنتفع بتلك الطباع فى الاسلام بأن تكون تلك العادة
معونة لك على فعل الطاعات، لما حصل لك من التدرب على فعلها، فلا تحتاج الى مجاهدة جديدة، فتشاب بفضل الله
عما تقدم بواسطة انتفاعك بذلك بعد اسلامك. ومنها إنك اكتسبت بذلك ثناء جميلا فهوباق عليك فى الاسلام
ومنها أنه لا يبعد أن يزاد فى حسناته التى يفعلها فى الاسلام، ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الحميدة. وقد
جاء أن الكافر اذا كان يفعل خيرا فإنه يخفف عنه به فلا يبعد أن يزاد به فى أجوره. ومنها أنه ببركة ما سبق لك
من فعل الخير هديت الاسلام لأن المبادى عنوان الغايات. ومنها إنك بتلك الأفعال رزقت الرزق الواسع.
قال ابن الجوزى: قيل إن النبى صلى الله عليه وسلم ورّى عن جوابه فانه سأل هل لى فيها من أجر فقال أسلمت
على ما سلف من خير والعتق فعل الخير وكأنه أراد أنك فعلت الخير والخير يمدح فاعله ويجازى عليه فى الدنيا ،
فقد روى مسلم من حديث أنس مرفوعا إن الكافر يثاب فى الدنيا بالرزق على ما يفعله من حسنة ، ولا يخفى
عليك أن كل ما تأولوا به حديث حكيم بن حزام تكلف مخالف لظاهره فالقول الراجح المعول عليه هو ما ذهب
إليه النووى ومن وافقه والله أعلم .
٩٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
٢٣٩٧ - (١١) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب
الحسنات والسيئات
٢٣٩٧ - قوله (وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) هكذا عند أحمد (ج ١
ص ٣٦١) وفى الصحيحين عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولأحمد (ج١ ص ٣١٠) عن ابن عباس
يرويه عن النبى صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ: لم أر فى شئ من الطرق التصريح بسماع ابن عباس له من
النبى ◌َف - انتهى. ووقع فى الصحيحين والمسند بعد هذا ((فيما يروى عن ربه عز وجل)) أى الحديث من
الأحاديث الالهية، ثم هو محتمل أن يكون ما تلقاء مَّه عن ربه بلا واسطة ، ويحتمل أن يكون ما تلقاه بواسطة
الملك . قال الحافظ: وهو الراجح وقال الكرمانى: هذا لبيان أنه من الأحاديث القدسية أو لبيان ما فيه من
الاسناد الصريح إلى الله تعالى، حيث قال إن الله كتب. ويحتمل أن يكون لبيان الواقع، وليس فيه إن غيره
ليس كذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى بل فيه إن غيره كذلك، إذقال
فيما يرويه أى فى جملة ما يرويه أنه عزوجل الخ (إن الله كتب الحسنات والسيئات) فى البخارى فيما يروى عن
ربه عزوجل قال: قال إن الله كتب الخقال الحافظ: قوله ((إن الله كتب الخ)) يحتمل أن يكون هذا من قول
اللّه تعالى فيكون التقدير (قال رسول اللّه عَّةٍ) قال الله: إن الله كتب، ويحتمل أن يكون من كلام النبي مزيفة}
يحكيه عن فعل الله تعالى أى والتقدير. قال ابن عباس قال رسول اللّه تَبة: إن الله كتب، ووقع عند أحمد
(ج١ ص ٢٧٩) بلفظ: عن ابن عباس عن رسول اللّه ◌ُ ه فيما روى عن ربه قال قال رسول اللّه ◌ُلَّم إن ربكم
تبارك وتعالى رحيم من هم بحسنة، والبخارى فى التوحيد عن أبى هريرة بلفظ: عن رسول اللّه وَ اللّه قال يقول الله
عزوجل اذا أراد عبدى أن يعمل، وأخرجه مسلم بنحوه، وفى رواية له عنه عن النبي ◌ُؤلِ قال قال الله عزوجل
اذاهم عبدی. وقوله « کتب الخ، أى اثتهما فى الأزل فى علمه على وفق الواقع أو کتب بمعنى أمر الملائكة بکتبهما
فى اللوح المحفوظ أو كتب الحسنات أى قضاها وقدرها وجعلها حسنة ، وكذلك السيئات قدرها وجعلها سيئة أو
أمر الحفظ بكتابتهما ليوازنهما أو صحفهما يوم القيامة. وفى الصحيحين والمسند (ج ١ ص ٣٦١) بعد هذا
(( ثم بين ذلك)) أى ثم فصل الله ذلك الذى أجمله فى قوله كتب الحسنات والسيئات بقوله (فمن هم)) ففاعل بين
هو الله تعالى والجمل قوله كتب الحسنات والسيئات وقوله فمن هم بيان ذلك وشرحه بناء الفصيحة، أو المعنى
ثم بين الله المكتبة من الملائكة ذلك التقدير حتى عرفوه واستغنوا به عن استفساره فى كل وقت كيف يكتبونه
لمكونه أمراً مفروغا عنه، أو المراد بين ذلك وفصله فى التنزيل، ويؤيد هذا أنه وقع فى الترغيب (ج١ ص٢٥)
النذرى بلفظ «ثم بين ذلك فى الكتاب)) وقيل: فاعل بين هو النبى تزيثم أى ثم فصل النبي ◌َّ ذلك الاجمال بما
٦٦
.

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
فمن هم بحسنة فلم يعملها، كتبها الت له عنده حسنة كاملة
بعده ، فيكون من كلام الراوى، واليه يثير صنيع البغوى والمصنف حيث تركه البغوى فى المصابيح وتبعه المصنف
فى المشكاة، قيل وذكر اسم الاشارة باعتبار المذكور (فن هم) قال الطبي: الفاء التفصيل لأن قوله كتب الحسنات
مجمل لم يعرف منه كيفية الكتابة والهم ترجيح قصد الفعل، فقول حممت بكذا أى قصدته بهمتى وهو فوق مجرد
خطور الشىء بالقلب، وقوله ((من هم، كذا وقع فى رواية من حديث أبى هريرة عند مسلم، والبخارى فى
التوحيد اذا أراد، وأخرجها مسلم بلفظ اذاهم فهما بمعنى واحد (بحسنة) أى من قصد بها وصمم على فعلها يعنى عقد
عزمه عليها فقد ورد ما يدل على أن مطلق الهم والارادة لا يكفى، فعند أحمد (ج ٤ ص ٣٤٥) وصححه ابن حبان
والحاكم من حديث خريم بن فاتك رفعه من هم بحسنة، فعلم الله أنه قد أشعربها قلبه وحرص عليها، وقد تمسك به
ابن حبان فقال بعد إيراد حديث الباب فى صحيحه المراد بالهم هنا العزم، ثم قال ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد
الهم بها وان لم يعزم عليها زيادة فى الفضل (فلم يعملها) بفتح الميم أى فلم يعمل الحسنة التى هم بها والمراد ففى عمل
الجوارح (كتبها اه) أى قدرها وقضاها أو أمر الملائكة الحفظة بكتابتها بدليل حديث أبى هريرة عند البخارى فى
التوحيد بلفظ : اذا أراد عبدى أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، وأخرجه مسلم بنحوه، وفيه دليل
على أن الملك يطلع على ما فى قلب الآدمى إما باطلاع الله إياه أو بأن يخلق له علما يدرك به ذلك، ويؤيد الأول
ما أخرجه ابن أبى الدنيا عن أبي عمران الجونى، قال ينادى الملك أكتب لفلان كذا وكذا ، فقول يا رب
إنه لم يعمله فيقول إنه أواه، وقيل بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة خبيثة، وبالحسنة رائحة طيبة. وأخرج ذلك
الطبرى عن أبى معشر المدنى وجاء مثله عن سفيان بن عيينة، ورأيت فى شرح مغلطائى أنه ورد مرفوعا قاله
الحافظ (له) أى الذى مم بها (عنده) أى عند الله، وفيه إشارة إلى الشرف (حسنة) مفعول ثان باعتبار تضمين
معنى التصير أو حال موطئة ، وذلك لأن العمل بالنية ، ونية المؤمن خير من عمله فانه يثاب على النية بدون العمل
ولا يثاب على العمل بدون النية، لكن لا يضاعف ثواب الحسنة بالنية المجردة كذا فى المرقاة . وقال الطوفى:
إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة، لأن إرادة الخير سبب إلى العمل وإرادة الخير خير، لأن ارادة الخير من
عمل القلب. واستشكل بأن عمل القلب إذا اعتبر فى حصول الحسنة فكيف لم يعتبر فى حصول السيئة؟ وأجيب
بأن ترك عمل السيئة التى وقع الهم بها يكفرما لأنه قد نسخ قصده السيئة وعالف هواه (كاملة) أى لا نقص
فيها وإن نشأت عن مجرد الهم ، ففيه إشارة إلى رفع توهم نقصها لكونها نشأت عن الهم المجرد، وإشارة الى دفع
كونها ليست كسنة الفعل لكن الفعل يزيد بالمضاعفة وأقلها عشر. قال النووي: أشار بقوله عنده الى مزيد الاعتناء به
وبقوله كاملة إلى تعظيم الحسنة وتأكيد أمرها، فالمراد بالكمال عظم القدرلا التضعيف الى العشرة كما زعم بعضهم أن
التعبير بكاملة يدل على أنها تضاعف الى العشرة، لأن ذلك هو الكمال لأنه يلزم منه مساواة من نوى الخير بمن فعله
٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥- باب
فان هم بها فعملها، كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ومن
ثم بسيئة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنة كاملة.
والتضعيف مختص بالعامل. قال تعالى ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - الأنعام: ١٦٠﴾ والمجث بها بالجوارح.
وأما الناوى فانما ورد أنه يكتب له حسنة ، ومعناه يكتب له مثل ثواب الحسنة، والتضعيف قدر زائد على أصل
الحسنة قال الحافظ ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال
يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيا مع بقاء قصد الذى هم بفعل الحسنة فهى عظيمة القدر ،
ولاسيما أن قارنها ندم على تفويتها واستمرت النية على فيها عند القدرة، وإن كان الترك من الذى هم من قبل
نفسه فهى دون ذلك إلا أن قارنها قصد الاعراض عنها جملة. والرغبة عن فعلها، ولاسيما إن وقع العمل فى
عكها كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلا فصرفه بعينه فى معصية ، فالذى يظهر فى الأخير أن لا تكتب له حسنة
أصلا وأما ما قبله فعلى الاحتمال - انتهى. (فان هم بها) أى بالحسنة (فعملها) بكسر الميم يعنى جمع بين النية
والعمل ( كتبها الله له عنده) إعتناء به وتشريفا له (عشر حسنات) قال تعالى (من جاء بالحسنة
فله عشر أمثالها - الأنعام: ١٦٠) وهذا أقل ما وعد به من الأضعاف وقوله فان هم بها فعملها كتبها الله
عشر حسنات يؤخذ منه رفع توهم إن حسنة الارادة تضاف إلى عشرة التضعيف ، فتكون الجملة إحدى عشرة ،
فإن هذا خلاف ظاهر هذا الحديث. (إلى سبع مائة ضعف) بكسر الضاد أى مثل (إلى أضعاف كثيرة)
بحسب الزيادة فى الاخلاص وصدق العزم وحضور القلب وتعدى النفع كالصدقة الجارية والعلم النافع
والسنة الحسنة وشرف العمل ونحو ذلك ( ومن هم بسيئة فلم يعملها ) أى مراقبة لله وخوفا منه مع القدرة عليها
لما فى حديث أبى هريرة عند البخارى فى التوحيد، وإن تركها من أجلى فاكتبوها له حسنة، ولمسلم وإن تركها
فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جر أى بفتح الجيم وتشديد الراء وبعد الألف ياء المتكلم، وهى بمعنى من أجلى
( كتبها الله له عنده حسنة كاملة) قد تقدم أن المراد بالكمال عظم القدر لا التضعيف الى العشرة، وظاهر اطلاق
هذا الحديث كتابة الحسنة بمجرد الترك، لكنه محمول على ما قيد به فى حديث أبى هريرة فهو مخصوص لمن هم
بسيئة فتركها لوجه الله تعالى. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون
حسنة الآخر ؛ لما تقدم أن ترك المعصية كف عن الشر والكف عن الشر خير ، ويحتمل أيضا أن يكتب من م
بالمعصية ثم تركها حسنة مجردة ، فإن تركها من مخافة ربه سبحانه كتبت حسنة مضاعفة. وقال الخطابي :
محل كتابة الحسنة على الترك، أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه ، لأن الانسان لا يسمى تاركا الا مع
القدرة، ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع كان يمشى الى إمرأة ليزنى بها مثلا ، فيجد الباب
٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥- باب
مغلقا ويتعسر فتحه ومثله من تمكن من الزنا مثلا فلم ينتشر أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلا - انتهى. إعلم أنهم
اختلفوا فيمن هم بمعصية أو عزم عليها بقلبه وصمم على فعلها هل يأثم فى عزمه وتصميمه أم لا؟ قال المازري:
ذهب ابن الباقلانى يعنى ومن تبعه الى أن من عزم على المعصية بقلبه ووطّن عليها نفسه أنه يأثم، وحمل الأحاديث
الواردة فى العفو عمن هم بسيئة ولم يعملها على الخاطر الذى يمر بالقلب ولا يستقر. قال المارزى: وخالفه كثير
من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ونقل ذلك عن الشافعى، ويؤيده قوله فى حديث أبى هريرة فى ما أخرجه مسلم من
طريق همام عنه بلفظ: فأنا أغفر له ما لم يعلمها ، فان الظاهر إن المراد بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم به
وتعقبه عياض بأن عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء المحدثين على ما قال ابن الباقلانى لا تفاقهم على
المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة لا السيئة التى هم أن يعملها
لكونه لم يعملها وقطعه عنها قاطع غير خوف الله تعالى والانابة كمن يأمر بتحصيل معصية، ثم لا يفعلها بعد
حصولها فانه يأثم بالأمر المذكور لا بالمعصية. قال الحافظ: ومما يدل على ذلك حديث أذا التقى المسلمان بسيفيهما
فالقاتل والمقتول فى النار. قيل: هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه. والذى يظهر أنه
من هذا الجنس وهو أنه يعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقه ولا يعاقب عقاب من باشر القتل حشاء وهنا
قسم آخر وهو من فعل المعصية ولم يتب منها، ثم هم أن يعود اليها فانه يعاقب على الاصرار كما جزم به ابن
المبارك وغيره فى تفسير قوله تعالى ولم يصروا على ما فعلوا. ويؤيده أن الاصرار معصية اتفاقا فمن عزم على
المعصية وصمم عليها كتبت عليه سيئة فاذا عملها كتبت عليه معصية ثانية. قال عياض: فان تركها خشية الله
تعالى كتبت حسنة كما فى الحديث، إنما تركها من جرأى فصار تركه لخوف اللّه تعالى ومجاهدته نفسه الامارة
بالسوء فى ذلك وعصيانه هواء حسنة، فاما الهم الذى لا يكتب فهى الخواطر التى لا توطن النفس عليها
ولا يصحبها عقد ولا نية ولا عزم. قال النووي: وهذا ظاهر حسن لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص
الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر كقوله تعالى: ﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة - النور: ١٩)
الآية وقوله (اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم - حجرات: ١٢) وغير ذلك قال الحافظ وأجيب
عن القول الأول بأن المواخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية، لا تستلزم المواخذة على عمل القلب بقصد
معصية الجارحة اذا لم يعمل المقصود الفرق بين ما هو بالقصد وما هو بالوسيلة: وقسم بعضهم ما يقع فى النفس
أقساما يظهر منه. الجواب عن الثانى أضعفها أن يخطر له ثم يذهب فى الحال وهذا من الوسوسة وهو
معفو عنها وهو دون التردد ، وفوقه أن يتردد فيه فيهم به ثم ينفر عنه فيتركه ثم بهم به ثم يترك كذلك ولا يستمر
٩٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
على قصده، وهذا هو التردد فيعنى عنه أبنا، وفوقه أن يميل اليه ولا ينفر عنه لكن لا يصمم على فعله وهذاهو
الهم فيعنى عنه أيضا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه بل يصمم على فعله فهذا هو العزم، وهو منتهى الهم
(وخمس بعضهم القسمة كما سبق فى شرح حديث رقم ٦٣) ثم العزم على القسمين. القسم الأول أن يكون
من أعمال القلوب صرفاً كالشك فى الواحدانية أو النبوة أو البحث فهذا كفر ويعاقب عليه جزما ، ودونه المعصية
التى لا تصل إلى الكفر كمن يحب ما يغض الله ويبغض ما يحبسه اللّه ويحب السلم الأذى بغير موجب لذلك،
فهذا بأثم ويلتحق به الكبر والعجب والبغى والمكر والحسد، وفى بعض هذا خلاف فعن الحسن البصرى إن
سوء الظن بالمسلم حسده معفو عنه، وحملوه على ما يقع فى النفس بما لا يقدر على دفعه لكن من يقع له ذلك مأمور
بمحامدته النفس على تركه والقسم الثانى أن يكون من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة فهو الذى وقع فيه
النزاع. فذهبت طائفة إلى عدم المواخذة بذلك أصلا، ونقل عن نص الشافعى ، ويؤيده ما وقع فى حديث
خريم ين فاتك المنبه عليه قبل فانه حيث ذكر الهم بالحسنة قال علم انه أنه أشعرما قلبه وحرص عليها، وحيث ذكر
الهم بالسيئة لم يقيد بشىء بل قال فيه ومن ثم بسئية لم تكتب عليه، والمقام مقام الفضل فلا يليق التحمير فيه.
وذهب كثير من العطاء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم، وسأل ابن المبارك سفيان الثورى أ يؤاخذ العبد بما يهم
به قال إذا جزم بذلك. واستدل كثير منهم بقوله (ولكن فراخذكم بما كسبت قلوبكم - البقرة: ٢٢٥)
وحلوا حديث أبي هريرة الصحيح المرفوع إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها مالم تعمل به أو تتكلم على
الخطرات كما تقدم. ثم افترق مؤلاء فقالت طائفة يعاقب عليه صاحبه فى الدنيا خاصة بنحو الهم والغم،
وقالت طائفة بل يعاقب عليه يوم القيامة لكن بالعتاب لا بالعذاب، وهذا قول ابن جريج والربيع بن أنس وطائفة
ونسب ذلك إلى ابن عباس أيضا، واستدلوا بحديث النجوى المروى فى باب ستر المؤمن على نفسه من كتاب
الأدب، واستثنى جماعة ممن ذهب الى عدم مؤاخذة من وقع منه الجم بالمعصية ، ما يقع فى الحرم المكى ولو
لم يصمم لقوله تعالى (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم - الحج: ٢٥) لأن الحرم يجب إعتقاد
تعظيمه فن هم بالمعصية فيه عالف الواجب بانتهاك حرمته وانتهاك حرمة الحرم بالمعصية يستلزم انتهاك حرمة الله
لأن تنظيم الحرم من تنظيم ات صارت المعصية فى الحرم أشد من المعصية فى غيره وإن اشترك الجميع فى ترك تعظيم
اله تعالى، نعم منهم بالمعصية قاصدا الاستخفاف بالحرم على، ومن ثم بمعصية الله قاصدا الاستخفاف باقة كفر،
وإنما المعفو عنه الهم بالمعصية مع الذهول عن قصد الاستخفاف. وأجاب من١لم يقل بالمواخذة بالعزم عن
١٠٠