Indexed OCR Text
Pages 61-80
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك. رواه أحمد.
٢٣٧٨ - (٣٣) وعن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الميت فى
القبر إلا كالغريق المتغوث، ينتظر دعوة تلحقه من أب، أو أم أو أخ أو صديق، فإذا لحقته كمان
أحب إليه من الدنيا وما فيها، وأن اللّه تعالى ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال
الجبال، وإن هدية الأحياء الى الأموات الاستغفار لهم. رواه البيهقى فى ((شعب الإيمان))
حصل لى ( هذه) أى الدرجة ( فيقول باستغفار) أى حصل باستغفار (ولدك لك) الولد يطلق على الذكر
والأنثى، المراد به المؤمن وهذا أحد منافع النكاح وأعظمها واحد الأشياء التى تلحق المؤمن من حسناته وعمله
بعد موته كما جاء فى الحديث. قال الطيبي : دل الحديث السابق على أن الاستغفار يحط من الذنوب أعظمها ،
وهذا يدل على أنه يرفع درجة غير المستغفر إلى ما يبلغها بعمله فما ظنك بالعامل المستغفر ولو لم يكن فى النكاح
فضيلة غير هذا الكفى به فضلا والله أعلم (رواه أحمد) ( ج٢ ص٥٠٩) وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠
ص ٢١٠) بهذا اللفظ، ثم قال رواه أحمد والطبرانى فى الأوسط ورجالهما رجال الصيح غير عاصم بن بهدلة، وقد
وفق - انتهى. وفى الباب عن أبى سعيد عند الطبرانى فى الأوسط: قال الهيشمى: وفيه ضعفاء وقد وثقوا
٢٣٧٨٠ - قوله (ما الميت فى قبر) أى فى حال من أحوال الشدة (إلا كالغريق) أى المشرف على الغرق
(المتغوث) أى المستغيث المستعين المستجير الرافع صوته بأقصى ما عنده بالنداء لمن يخلصه المتعلق بكل شىء رجاء
لخلاصه، وفى المثل الغريق يتعلق بكل حشيش (تلحقه) أى من وراءه (من أب) أى من جهة أب (أوأم أو أخ
أو صديق) أى محب، وهذا تخصيص ببعض من يرجى منه الغوث ويتوقع الدعاء والاستغفار أكثر ممن سواه،
وإلا فالحكم عام كما قال فى آخر الحديث، ولم يذكر الولد فى هذ الحديث لكونه معلوما مقررا مذكورا فى
الأحاديث (فاذا لحقته) أى وصلته الدعوة. قال ابن حجر: بأن دعى له بها فانه تصل اليه بمجرد ذلك إجماعا
(كان ) أى لحوقها إياه ( أحب اليه من الدنيا وما فيها) أى من مستلذاتها. وقال ابن حجر: أى لو عاد اليها
(وإن الله ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض) أى من هو حى فوق الأرض ومن تعليلية أو ابتدائية
(أمثال الجبال) أى من الرحمة والغفران لو تجسمت (رواه البيهقى) وأخرجه أيضا أبو الشيخ فى فوائده وذكره
الذهبى فى ترجمة محمد بن جابر بن أبى عياش الحمصى ، وقال فيه لا أعرفه وخبره منکر جدا، ثم قال وروى
الفضل بن محمد الباهلى وعبد الله بن محمد بن خالد الرازى عنه، قال حدثنا ابن المبارك عن يعقوب بن القعقاع
٦١
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
٢٢٧٩ -٠ (٣٣) وعن عبد الله بن بسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن
وجد فى صحيفته استغفاراً كثيرا. رواه ابن ماجه، وروى النسائى فى ((عمل يوم وليلة)).
عن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول اللّه راضية: ما الميت فى قبره الا كالفريق ينتظر دعوة
تلحقه من أب أو أم أو صديق، وإن اللّه ليدخل من الدعاء على أهل القبور كأمثال الجبال، وإن هدية الاحياء
إلى الأموات الاستغفار لهم زاد الرازى والصدقة عنهم -انتهى. قال الحافظ فى اللسان (ج٥ ص ٩٩) بعد ذكر.
أورده البيهقى فى الشعب، ونقل عن ابن على الحافظ أنه غريب من حديث ابن المبارك لم يقع عند أهل خراسان،
قال ولم أكتبه إلا عن هذا الشيخ يعنى الفضل بن محمد. قال البيهقى: وتابعه محمد بن خزيمة عن ابن أبي عياش
وابن أبى عياش تفرد به .
٢٣٧٩ - قوله (وعن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة (طوبى) فعل من الطيب، وهى
اسم الجنة أو شجرة فيها. وقيل المراد راحة وطيب عيش. قال القارى: طوبى أى الحالة الطيبة والعيشة الراضية
أو الشجرة المشهورة فى الجنة العالية (لمن وجد فى صحيفته) أى فى الآخرة (استغفاراً كثيراً) أى لعظم منافعه.
قال الطيبي : فإن قيل لم لم يقل طوبى لمن استغفر كثيراً وما فائدة العدول؟ قلت هو كناية عنه فيدل على حصول
ذلك جزما وعلى الاخلاص، لأنه إذا لم يكن مخلصا فيه كان هباء منثوراً فلم يجد فى صحيفته إلا ما يكون حجة عليه
ووبالا له - انتهى. وقوله ((استغفارا كثيرا، هكذا وقع فى النسخ الحاضرة من المشكاة وسنن ابن ماجه بنصب
استغفاراً وكذا فى الحصن والكنز والجامع الصغير وعدة الحصن ، والاذكار النووى وفى الترغيب النذرى برفع
استغفار. قال الشوكانى فى تحفة الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين: قوله ((استغفارا كثيرا)) هكذا فى نسخ
هذا الكتاب أى العدة بنصب استغفارا على أنه مفعول به وإن الفعل وهو وجد مبنى للمعلوم، وفى غير هذا الكتاب
برفع استغفار على أن الفعل مبنى للمجهول ، وهذا أقوى وأولى لأن المقصود وجود ذلك فى الصحيفة لأى واجد
كان من ملك أوبشر لا وجود ذلك لصاحب الصحيفة نفسه، وإن كان لابد أن يجدها يوم الحساب - انتهى.
قلت: ولم أجد «استغفار)) بالرفع إلا فى الترغيب النذرى. وأما ماعدا ذلك من الكتب التى ذكر ناها، ففى كلها
منصب استغفارا فهو أولى وأقوى بل هو الصحيح (رواه ابن ماجه) فى باب الاستغفار من سننه. قال المنذرى
باسناد صحيح. وقال البوصيرى: أسناده صحيح رجاله ثقات. (وروى النسائى) الأولى أن يقول ورواه النسائى
(فى عمل يوم وليلة) قال الطيبي: ترجمة كتاب صنفه فى الأعمال اليومية والليلية - انتهى. ورواه أيضا البيهقى كما
فى الترغيب، وروى الطبرانى فى الأوسط عن الزبير بن العوام مرفوعا من أحب أن تسره صحيفته فيلكثرفيها من
الاستغفار. قال الهيشمى: رجاله ثقات، ورواه البيهقى أيضا. قال المنذرى: باسناد لا بأس به، وعزاه فى
٦٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
٢٣٨٠ - (٣٤) وعن عائشة، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم اجعلنى من الذين اذا
أحسنوا استبشروا، واذا أساؤا استغفروا. رواه ابن ماجه، والبيهقى ((فى الدعوات الكبير)).
٢٣٨١ - (٣٥) وعن الحارث بن سويد،
الكنز للضياء أيضا، وفى الباب أيضا عن عائشة أخرجه أبو نعيم فى الحلية، وعن أبى الدرداء موقوفا أخرجه
أحمد فى الزهد وعن أنس مرفوعا أخرجه البزار ذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠ ص ٢٠٨) والجزرى
فى الحصن وعن معاوية بن جندب أخرجه ابن عساكر والديلى فى مسند الفردوس ذكره فى الكتر (ج ١
ص ٤٢٤) .
٢٣٨٠ - قوله (اللهم اجعلنى من الذين إذا أحسنوا) أى العلم والعمل (استبشروا) أى فرحوا بالتوفيق
قال تعالى ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا - يونس: ٥٨) (وإذا أساؤا) أى قصروا فى أحدهما
(استغفروا) كان ظاهر المقابلة أن يقال وإذا أساؤا حزنوا فعدل عن الداء إلى الدواء إيماء إلى أن مجرد الحزن
لا يكون مفيدا، وإنما يكون مفيداً إذا انجر الى الاستغفار المزيل للاصرار كذا فى المرقاة. وقال الطيبي: إذا
أحسنوا استبشروا أى إذا أتوا بعمل خير قرنوه بالاخلاص فيترتب عليه الجزاء فيستحقوا الجنة ويستبشروا
بها ، كما قال ( وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون - فصلت: ٣٠) فهو كناية تلويحية، وقوله ((وإذا اساؤا
استغفروا، عبارة عن أن لا يبتليهم بالاستدراج ويرى أعمالهم حسنة فيهلكوا كما قال تعالى ( أفمن زين له سوء
عمله فرآه حسنا فان الله يضل من يشاء - فاطر: ٨) - انتهى. وهذا تعليم الامة وإرشاد الى لزوم الاستغفار
وإلا فهو صلى الله عليه وسلم أرقى واتقى من كل الأخيار (رواه ابن ماجه) فى باب الاستغفار من سننه، وفى
اسناده على بن زيد بن جدعان. قال فى الزوائد: وهو ضعيف. قلت: ضعفه ابن سعد وأحمد ويحيي والجوزجانى
والنسائى. وقال أبو زرعة: ليس بقوى. وقال أبو حاتم: ليس بقوى يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن
خزيمة : لا أحتج به لسوء حفظه. وقال الحاكم: أبو أحمد ليس بالمتين عندهم. وقال الدار قطنى: أنا أقف فيه
لايزال عندى فيه لين. وقال يعقوب بن شبية: ثقة صالح الحديث وإلى اللين ما هو. وقال الساجى: كان من أهل
الصدق ، ويحتمل لرواية الجلة (قتادة والسفيانين والحمادين وشعبة وغيرهم) عنه وقال الترمذى: صدوق إلا أنه
ربما رفع الشئ الذى يوقفه غيره. والحديث ذكره السيوطى فى الجامع الصغير وعلى المتقى فى الكنز ( ج ٢
ص ١١٣) ورمزا له ابن ماجه والبيهقى فى الشعب وذكره فى الكنز (ج ٢ ص ١٢٨) أيضا وزاد فى نسبته
الخطيب وابن عساكر وذكره ابن رجب فى شرح الأربعين (ص ١٦٣) وعزاه لأحمد فقط .
٢٣٨١ - قوله (وعن الحارث بن سويد) بالتصغير التيمى من بنى تيم الرباب الكوفى أبو عائشة. قال.
٦٣
منعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين: أحدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر
عن نفسه قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر
یری ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا - أى بيده -
المؤلف: من كبار التابعين وثقاتهم. وقال الحافظ: ثقة ثبت من كبار التابعين. وقال ابن عيينة: كان الحارث
من علية أصحاب ابن مسعود توفى آخر خلافة ابن الزبير وأرخه ابن أبى خيثمة سنة إحدى أو اثنتين وسبعين
(قال حدثنا عبد الله ابن مسعود حديثين) نصبه على المفعول الثانى، وفى رواية لمسلم قال دخلت على عبد الله
أعوده وهو مريض تحدثنا بحديثين (أحدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى يروى عنه (والآخر عن
نفسه) أى نفس ابن مسعود يعنى مروى من قوله (قال) وهو الحديث الموقوف. قال الحافظ: لم يقع التصريح
برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فی شیء من نسخ کتب الحديث إلا ما قرأت فى شرح مغلطاتى، انه روى
مرفوعا من طريق وهاما أبو أحمد الجرجانى يعنى ابن عدى - انتهى. (ان المؤمن يرى ذنوبه) قال الطيبي: ذنوبه
المفعول الأول والمفعول الثانى محذوف أى كالجبال بدليل قوله فى الآخر كذباب مراى عظيمة ثقيله أوهوقوله
( كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه) قال ابن أبى جمرة: السبب فى ذلك إن قلب المؤمن منور، فإذا رأى
من نفسه ما يخاف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه، والحكمة فى التمثيل بالجبل إن غيره من المهلكات قد يحصل
النسبب إلى النجاة منه بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة ، وحاصله أن المؤمن يغلب عليه
الخوف لقوة ما عنده من الايمان فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شان المؤمن انه دائم الخوف والمراقبة يستصغر
عمله الصالح ويخشى من صغير عمله التى كذا فى الفتح. وقال القارى: وهو تشبيه تمثيل شبه حاله بالقياس إلى ذنبه
وأنه يرى أنها مهلكة بحاله اذا كان تحت جبل يخافه، فدل الحديث على أن المؤمن فى غاية الخوف والاحتراز من
الذنوب، ولا ينافيه الاعتدال المطلوب بين الخوف والرجاء فى المحبوب، لأن رجاء المؤمن وحسن ظنه بربه فى
غاية ونهاية - انتهى. (وإن الفاجر) أى العاصى الفاسق (يرى ذنوبه كذباب) بضم المعجمة وموحدتين الأولى
خفيفة بينهما ألف الطير المعروف، وفى رواية الاسماعيلى يرى ذنوبه كأنها ذباب (مر على أنفه) أراد أن ذنبه
سهل عنده فلا يبالى به لاعتقاده عدم حصول ضرر كبير بسببه كما أن ضرر الذباب عنده سهل (فقال به) أى أشار
إلى الذباب أوفعل به (هكذا) يعنى نحاه بيده أو دفعه وذبه وهو من اطلاق القول على الفعل قالوا وهو أبلغ
(أى بيده) تفسير للاشارة أى دفع الذباب بيده وقوله ((أى بيده، كذا فى جميع النسخ الحاضرة وهكذا فى
جامع الأصول (ج ٣ ص ٦٥) والذى فى البخارى قال أبو شهاب (راوى الحديث عن الأعمش عن عمارة بن
٦٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
فذبه عنه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللّه أفرح بتوبة عبده المؤمن من
رجل ، نزل فى أرض دوية مهلكة ،
عمير عن الحارث بن سويد عن ابن مسعود وهو موصول بهذا السند) بيده فوق أنفه وهو تفسير منه لقوله فقال
به، وعند أحمد والترمذى كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار. قال المحب الطبرى: إنما كانت هذه صفة
المؤمن أشمدة خوفه من الله ومن فقوبته، لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة
بالله فلذلك قل خوفه واستهان بالمعصية. وقال ابن أبى جمرة: السبب فى ذلك إن قلب الفاجر مظلم فوقوع الذنب
خفيف عنده ، ولهذا تجد من يقع فى المعصية منهم اذا وعظ يقول هذا سهل قال، والحكمة فى تشبيه ذنوب الفاجر
بالذباب كون الذباب أخف الطير وأحقره وهو مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء، قال وفى ذكر الانف مبالغة فى
اعتقاده خفة الذباب عنده، لأن الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غاليا العين قال، واشارته بيده
تأكيد للخفة أيضا لأنه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره (فذبه عنه) تفسير لما قبله أى دفع الذباب عن نفسه وبه
سمى الذباب ذبابا لأنه كلما ذب آب أى كلما دفع رجع، وليست هذه الجملة فى البخارى، والظاهر أن المؤلف
ذكرها تبعا للجزرى فى جامع الأصول وقد تم الحديث الموصول على هذا (ثم قال) أى ابن مسعود (سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم) كذا فى جميع النسخ الحاضرة، وهكذا فى جامع الأصول والترغيب ولم يقع التصريح
برفعه عند البخارى ، نعم وقع بيان ذلك فى رواية مسلم مع كونه لم يسق حديث ابن مسعود الموقوف ولفظه من
طريق جرير عن الأعمش عن عمارة عن الحارث، قال دخلت على ابن مسعود أعوده وهو مريض لحدثنا بحديثين
حديثاً عن نفسه وحديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
لله أشد فرحا - الحديث ( لله) بلام التأكيد المفتوحة (أفرح بتوبة عبده) أى من المعصية إلى الطاعة. قال
الطيبي: لما ء ورحال المذنب بتلك الصورة الفظيعة أشار إلى أن الملجأ هو التوبة والرجوع إلى الله تعالى
انتهى. يعنى لخصات المناسبة بين الحديثين من الموقوف والمرفوع، وهذا لفظ البخارى ولمسلم لله أشد فرحا
بتوبة عبده (المؤمن) هذا من زيادات مسلم وليس عند البخارى ( من رجل) متعلق بافرح (نزل) هذا
من زيادات البخارى وليس عند مسلم (فى أرض دوية مهلكة) بفتح الدال وتشديد الواو المكسورة وتشديد
الياء المفتوحة بعدها هاء التأنيث نسبة إلى الدو، بفتح الدال وتشديد الواو، وهى الأرض الففر والفلاة
الخالية أى البرية والصحراء التى لا نبات بها، قال ابن الأثير: ألدو الصحراء والدوية منسوبة اليها ووقع فى
رواية داوية، وهى أيضا بتشديد الياء. وقيل: ذلك لايدال الواو الأولى ألفا ، وقد يبدل فى النسبة على غير قياس
نحو طائى فى النسبة إلى على، ومهلكه بفتح الميم والسلام بينهما مساء ساكنة أى موضع الهلاك أو الهلاك
٦٥
م
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها
حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع الى مكانى الذى كنت فيه، فأنام
حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ ، فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه
فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده.
نفسه. وقال النووى: وهى موضع خوف الهلاك، ويقال لها مفازة - انتهى. وتفتح لامها وتكسر وهما بمعنى،
والمراد يهلك سالكها أو من حصل فيها، ويروى مهلكة بضم الميم وكسر اللام اسم فاعل من الثلاثى المزيد فيه أى
تهلك هى من يحصل بها واللفظ المذكور لمسلم، ولفظ البخارى ((نزل منزلا وبه مهلكة)) أى بالمنزل أى فيه مهلكة.
قال الحافظ: كذا فى الروايات التى وقفت عليها من صحيح البخارى بواو مفتوحة ثم موحدة خفيفة مكسورة ثم
هاء ضمير ثم ذكر الحافظ لفظ مسلم مع ضبطه وشرحه (عليها طعامه وشرابه) زاد الترمذى وما يصلحه (فوضع رأسه
فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته) أى خرج فى طلبها واستمر على ذلك وهذا لفظ البخارى ولمسلم فنام فاستيقظ
وقد ذهبت فطلبها، وفى رواية أحمد والترمذى فاضلها خرج فى طلبها (حتى اذا اشتد عليه الحر والعطش) هذا
لفظ البخارى، ولمسلم حتى أدركه العطش، ولأحمد والترمذى حتى اذا أدركه الموت (أوما شاء اللّه) قال
الحافظ والعينى والقسطلانى: شك من أبى شهاب (راوى الحديث عن الأعمش) وقال الطيبي: إما شك من
الراوى والتقدير ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أو قال ما شاء الله أو تنويع أى اشتد الحر والعطش
أوما شاء الله من العذاب والبلاء غير الحر والعطش. قال القارى: والأظهر إن (أو)) بمعنى الواو، وهو تعميم
بعد تخصيص أى وما شاء الله بعد ذلك (قال) أى فى نفسه وهو جواب اذا (أرجع) بفتح الهمزة بلفظ المتكلم
وهذا البخارى وعند مسلم ثم قال ارجع (الى مكانى الذى كنت فيه) لاحتمال أن تعود الراحلة اليه لا لفها له
أولا (فانام حتى أموت) أى أو حتى ترجع الى راحاتى. وانما اقتصر على ما ذكر استبعاداً لجانب الحياة وياساً عن
عن رجوع الراحلة ( فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ) أى فنام فاستنبه (فإذا راحلته عنده) أى حاضرة
أو واقفة ( فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا) أى من فرح هذا الرجل (براحلته وزاده) هذا فدلكا
القصة أعيدت لتأكيد القضية، وقوله الذى كنت فيه فأنام إلى آخر الحديث لفظ مسلم، والبخارى قال ارجع الى
مكانى فرجع فنام نومة، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده، والترمذى قال ارجع الى مكانى الذى أضللتها فيه فأموت
فيه، فرجع إلى مكانه فغلبته عينه فاستيقظ فاذا راحلته عند رأسه، عليها طعامه وشرابه وما يصلحه ، وهكذا وقع
عند أحمد. والحديث فيه اشارة الى قوله ﴿إن الله يحب التوابين - البقرة: ٢٢٢﴾ وانهم بمكان عظيم عند رب كريم
رؤوف رحيم تنبيه ذكر مسلم من حديث البراء لهذا الحديث المرفوع سبا، وأوله كيف تقولون فى رجل انفلتت
٦٦
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
روى مسلم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه تحسب، وروى البخارى الموقوف على
ابن مسعود أيضا.
٢٣٨٢ - (٣٦) وعن على، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب العبد
المؤمن المفتن التواب.
عنه راحلته بأرض قفر ليس بها طعام ولا شراب وعليها له طعام وشراب فطلبها حتى شق عليه فذكر معناه.
وأخرجه ابن حبان من حديث أبى هريرة مختصراً ذكروا الفرح عند رسول اللّه مَويّة، والرجل يجد ضالته فقال
لله أشد فرحاً - الحديث. ذكره الحافظ فى الفتح (روى مسلم المرفوع) أى الحديث المرفوع (إلى رسول الله
مؤلّ منه) أى ما ذكر من الحديث المروى المركب من الموقوف والمرفوع (حسب) أى فقط (وروى البخارى
الموقوف على ابن مسعود أيضا) وهو إن المؤمن الخ. وحاصله أن الحديث المرفوع متفق عليه والموقوف من
أفراد البخارى وأخرج أحمد (ج ١ ص ٣٨٣) والترمذى فى الزهد الموقوف والمرفوع جميعا، وأخرج النسائى فى
الكبرى المرفوع فقط، وروى المرفوع أيضا من حديث البراء عند أحمد ومسلم، ومن حديث أنس، وقد
أقدم ، ومن حديث النعمان بن بشير عند أحمد ومسلم: ومن حديث أبى هريرة عند مسلم وغيره ، ومن حديث
أبی سعید عند أحمد وابن ماجه .
٢٣٨٢ - قوله (إن الله يحب العبد المؤمن المفتن) بتشديد الناء المفتوحة أى الممتحن بالذنب (التواب)
أى الكثير التوبة، ومحبة اللّه تعالى له إنما هى من جهة التوبة. قال فى النهاية: المعتن الممتحن يمتحنه الله بالذنب ثم
يتوب ثم يعود اليه ثم يتوب منه. قال المناوى: وهكذا وذلك لأنه محل تنفيذ إرادته وإظهار عظمته وسعة
رحمته. وقال ابن القيم: المفتن النواب هو الذى كلما فتن بالذنب تاب منه. وقال القرطبي: معناه الذى يتكرر منه
الذنب والتوبة فكلما وقع فى الذنب عاد إلى النوبة. وقال القارى: المفتن أى المبتلى كثيرا بالسيئات أو بالغفلات
أو بالحجب عن الحضرات لئلا يبتلى بالعجب والغرور الذين هما من أعظم الذنوب وأكثر العيوب - انتهى.
والحديث صريح فى صحة التوبة مع وقوع العودة وفيه رد على من اشترط لصحة التوبة أن لا يعود إلى ذلك
الذنب، وقال فان عاد إليه بأن أن توبته باطلة، وقد عزى هذا القول للقاضى أبى بكر الباقلانى ويرده أيضاً حديث
رقم ٢٢٥٨ المتقدم فى الفصل الأول من هذا الباب. قال ابن القيم فى مدارج السالكين (ج ١ ص ١٥٢) ومن
أحكام التوبة أنه هل يشترط فى صحتها أن لا يعود إلى الذنب أبدا أم ليس ذلك بشرط ؟ فشرط بعض الناس عدم
معاودة الذنب، فقال حتى عادتبين أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة والأكثرون على إن ذلك ليس بشرط. وإنما
صحة التوبة تتوقف على الاقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم الجازم على ترك معاودته، فان كانت فى حق آدمى
٦
٦٧
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
٢٣٨٣ - (٣٧) وعن ثوبان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أحب أن لى
الدنيا بهذه الآية
فهل يشترط تحلله؟ فيه تفصيل سنذكره إنشاء الله، فإذا عاوده مع عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده ماركمن
ابتدأ المعصية ولم تبطل توبته المتقدمة والمسئلة مبنية على أصل وهو أن العبد إذا تاب من الذنب ثم عاوده فهل
يعود إليه إثم الذنب الذى قد تاب منه، ثم عاوده بحيث يستحق العقوبة على الأول والآخر إن مات مصراً؟
أو إن ذلك قد بطل بالكلية فلا يعود إثمه وإنما يعاقب على هذا الأخير؟ وفى هذا الأصل قولان ثم ذكرهما مع
البسط (ج ١ ص ١٥٢ - ١٥٦) فارجع اليه إن شئت، والحديث عزاء المؤلف لأحمد وكذا نسبه إليه السيوطى
فى الجامع الصغير وعلى المتقى فى الكنز (ج ٤ ص ١٢١) وفيه نظر فانه ليس ما رواه أحمد بل هو من زيادات
إبنه عبد الله ومن طريقه رواه أبو نعيم فى الحلية (ج ٣ ص ١٧٨، ١٧٩) قال عبد الله حدثى عبد الأعلى بن
حماد الترسى حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار حدثنا أبو عبد الله مسلبة الرازى عن أبى عمرو البجلى عن عبد الملك
ابن سفيان الثقفى عن أبى جعفر محمد بن على عن محمد بن الحنفية عن أبيه قال، قال رسول الله يزفتم: وهو فى
المسند فى موضعين بالسند المذكور (ج ١ ص ٨٠ و ١٠٣) قال العلامة الشيخ أحمد شاكر فى شرح السند
(ج ٢ ص ٣٩) اسناده ضعيف جداً. أبو عبد الله مسلمة الرازى لم أجد له ترجمة، وذكر فى التعجيل عوضا فى ترجمة
أبي عمرو البجلى وأبو عمرو البجلى قال فى التعجيل (ص ٥٠٨) ((يقال اسمه عبيدة روى عنه حرمى بن حفص))
ثم نقل عن ابن حبان قال ((لا يحل الاحتجاج به)) وعبد الملك بن سفيان الثقفى قال فى التعجيل (ص ٢٦٥)
((قال الحسینی مجهول)، والحديث فى مجمع الزوائد (ج ١٠ ص ٢٠٠) وقال الهيشمى ((رواه عبد الله وأبو يعلى
وفيه من لم أعرفه)) وعزاه إليهما شيخه العراقى فى تخريج الإحياء (ج ٤ ص ٥) وقال ((سنده ضعيف)) قلت
أبو عمرو البجلى قد جزم الحافظ فى الكنى من لسان الميران (ج ٦ ص ٤١٩) بأنه هو عبيدة بن عبد الرحمن
ويؤيده أن الذهبى ثم الحافظ أورداء فى الأسماء هكذا عبيدة بن عبد الرحمن أبو عمرو الجلى ذكره ابن حبان،
فقال روى عن يحي بن سعيد حدث عنه حرمى بن حفص يروى الموضوعات عن الثقات، والحديث ذكره الحافظ
فى الفتح نقلا عن القرطبي بلفظ: خياركم كل مفتن تواب، ثم عزاه لمسند الفردوس عن على ولم يحكم عليه بشى.
وذكر السيوطى فى الجامع الصغير وعلى المتقى فى الكنو (ج ٤ ص ١٢٣) بهذا اللفظ وعزاه للبهيقى فى
الشعب عن على .
٢٣٨٣ - قوله (ما أحب إن لى الدنيا) أى جميع ما فيها بأن أتصدق بخيراتها أو أتلذذ بلذاتها (بهذه
الآية) أى بد لها أى لواعدمت هذه الآية وأعطيت بدلها جميع الدنيا ما أحببت ذلك وخصت لكونها أرجى آية
فى القرآن، حيث دلت على غفران جميع الذنوب وإلا فغير هذه الآية مثلها فى كونه مرتز لا يرضى بجميع الدنيا
٦٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا) الآية فقال رجل: فمن أشرك؟ فسكت التى
صلى الله عليه وسلم ثم قال: إلا ومن أشرك
بدلها (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا الآية) بالحركات الثلاث ، وذكر فى المسند الآية بتمامها أى
إلى قوله {إنه هو الغفور الرحيم - الزمر: ٥٣﴾ قال الشوكانى: هذه الآية أرجى آية فى كتاب الله سبحانه لاشتمالها
على أعظم بشارة فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالاسراف فى المعاصى
والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهى عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهى عن
القنوط للذنيين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب. ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يتخالج القاب
عند سماعه ظن فقال {إن الله يغفر الذنوب جميعا -الزمر: ٥٣) فالالف واللام قد صيرت الجمع الذى دخلت عليه
للجنس الذى يستلزم إستغراق أفراده فهو فى قوة إن الله يغفر كل ذنب كائنا ما كان ، الا ما أخرجه النص القرآنى
وهو الشرك ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من
مغفرة كل ذنب بل أكد ذلك بقوله جميعا وما أحسن ما علل سبحانه به هذا الكلام قائلا أنه هو الغفور الرحيم أى
كثير المغفرة والرحمة عظيمهما بليغهما واسعهما - انتهى . وقال الطبى: هى أرجى آية فى القرآن ولذلك إطمأن إليها
وحشی قاتل حمزة دون سائر الآيات ۔ انتهى. وقد ذکر البغوی فی المعالم إن عطاء بن أبي رباح روى عن ابن
عباس أن رسول الله مَّم أرسل إلى وحشى يدعوه إلى الاسلام فأرسل إليه كيف تدعونى إلى دينك وأنت تزعم
إن من قتل أوزنى أو أشرك ﴿ يلق أثاما يضاعف له العذاب ويخلد فيه مهانا - الفرقان: ص ٦٨، ٦٩) وأنا قد
فعلت هذا كله فأنزل الله تعالى ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا - الفرقان: ٧٠ ) فقال وحشى هذا شرط
شديد لعلى لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله عز وجل ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك أن
يشاء - النساء: ٤٨) فقال أرانى بعد فى شبهة فلا أدرى يغفر لى أم لا فأنزل الله ( قل يا عبادي الذين أسرفوا
على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله أن الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم - الزمر ٥٣ ) قال
وحشى نعم هذا وجاء فأسلم فقال المسلمون هذا له خاصة أم المسلمين عامة فقال بل للمسلمين عامة كذا فى المرقاة.
وذكر الهيثمى هذا الحديث فى مجمع الزوائد (ج ١٠ ص ٢١٥،٢١٤) وقال رواه الطبرانى وفيه أبين بن سليمان
وهو ضعيف - انتهى. (فقال رجل) يا رسول الله (فن أشرك) أى أهو داخل فى الآية أم خارج عنها (فسكت
النبي صلى الله عليه وسلم) أى أدبا مع الله تعالى وانتظاراً لأمره ووحيه (ثم قال ألا) بالتخفيف (ومن أشرك)
أى بالتوبة. قال فى اللعات: لولا الواو حملت إلا على الاستثناء فهى حرف تنبيه وغفران الاشراك يكون
بالتوبة، وهذا لا ينافى عموم الآية بأن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا - انتهى. وقال الطبي أجاب بأنه داخل
فيكون منهيا عن القنوط، والواو فى ومن مافعة من حمل إلا على الاستثناء وموجبة لحملها على التنبيه - انتهى. أى
٦٩
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
ثلاث مرات .
٢٣٨٤ - (٣٨) وعن أبى ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى ليغفر لعبده
مالم يقع الحجاب. قالوا: يا رسول الله! وما الحجاب؟ قال: أن تموت النفس وهى مشركة.
والمعنى إن المشرك داخل فى هذه الآية، ومنهى عن القنوط ويغفر ذنبه لكن بالتوبة. قلت: قوله إلا ومن
أشرك هكذا وقع فى جميع نسخ المشكاة الحاضرة، وهكذا فى تفسير ابن كثير و الشوكانى، و وقع فى
المسند (ج ٥ ص ٢٧٥) (طبعة الحلبى) ((الا من أشرك)) أى بسقوط الواو، وعلى هذا فيمكن حمل إلا على
الاستثناء والمعنى إلا المشرك فلا يغفر ذنبه إلا بالتوبة كما قال { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك
لمن يشاء) ومعنى قوله تعالى {إن الله يغفر الذنوب جميعا - الزمر: ٥٣) إن كل ذنب كائنا ما كان ماعدا
الشرك بالله مغفور لمن يشاء الله، أى يغفر له (ثلاث مرات) ظرف لقال والتكرار لتاكيد الحكم، والحديث فى
المسند (ج ٥ ص ٢٧٥) قال أحمد: حدثنا حسن وحجاج قالاثنا ابن لهيعة ثنا أبو قبيل قال سمعت أبا
عبد الرحمن المرى أنه سمع ثوبان مولى رسول الله ومنثم يقول ما أحب الخ وهو فى مجمع الزوائد (ج.١٠
ص ٢١٤) وليس فيه ذكر السؤال والجواب، قال الهيشمى: رواه الطبرانى فى الأوسط: وإسناده حسن وذكره
ابن كثير فى تفسيره عن المسند مطولا وقال تفرد الامام أحمد وزاد الشوكانى فى نسبته ابن جرير وابن أبى حاتم
وابن مردويه والبيهقى فى الشعب وعزاه السيوطى فى الجامع الصغير لأحمد فقط: قال العزيزى واسناده صحيح
ولا يخفى ما فيه .
٢٣٨٤ - قوله (إن الله تعالى) وفى المسند إن الله عز وجل (ليغفر) بلام مفتوحة التاكيد (لعبده) أى
ما شاء من الذنوب وفى رواية لأحمد إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده وهذا شك من الراوى (مالم يقع
الحجاب) أى بينه وبين رحمة الله، وقال القارى: أى الإثنينية قال الله تعالى ﴿ لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو
إله واحد - النحل: ٥١ ﴾ (وما الحجاب) هكذا فى رواية، ووقع فى أخرى وما وقوع الحجاب أى الذى يبعد
العبد عن رحمة ربه ومغفرة ذنبه (قال أن تموت النفس وهى مشركة) وفى معنى الشرك كل نوع من أنواع الكفر،
والحديث فى المسند (ج ٥ ص ١٧٤) وفى سنده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسى الدمشقى الزاهد ، قال
الحافظ: صدوق يخطئى، ورمى بالقدر وتغير بآخره وهو فى مجمع الزوائد (ج ١ ص ١٩٨) قال الهيشمى: رواه
أحمد والبزار، وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وقد وثقه جماعة وضعفه آخرون وبقية رجالها ثقات واحد
اسنادی البزار فیہ ابراهيم بن هانئی وهو ضعيف ۔ انتهى. وذکره فی الکنز (ج ١ ص ٦٦) ورمز له ے ، خ
٧٠
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
روى الأحاديث الثلاثة أحمد، وروى البيهقى الأخير فى كتاب ((البعث والنشور)).
٢٣٨٥ - (٣٩) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لقى الله لا يعدل به شيئا فى
الدنيا تم كان عليه مثل جبال ذنوب غفر الله له، رواه البيهقى فى كتاب (( البعث والنشور)).
٢٣٨٦ - (٤٠) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التائب من
الذنب كمن لا ذنب له
فى التاريخ ع، حب والبغوى فى الجعديات ك، ص عن أبى ذر رضى الله عنه (روى الأحاديث الثلاثة) أى جميعها
(أحمد) أى فى مسنده وتقدم الكلام فى كل منها (وروى البيهقى الأخير) أى الحديث الأخير.
٢٣٨٥ - قوله (من لق اللّه) أى من مات (لا يعدل به شيئاً) أى لا يوازى ولا يساوى بالله شيئاً.
قال الطيبي: ويجوز أن المعنى لا يتجاوزه الى شىء فشيئاً منصوب على نزع الخافض (فى الدنيا) بيان للواقع اذ
الاشراك إنما يكون فيها، وأما الآخرة فكل الناس فيها مؤمنون وإن لم ينفع الكفار إيمانهم (ثم كان عليه مثل
جبال) بالنصب على أنه خبر كان واسمه قوله (ذنوب غفر الله له) أى إياما يعنى جميعها إن شاء لقوله تعالى:
﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - النساء: ٤٨) (رواه البيهقى الخ) وأخرجه ابن مردويه عن أبى الدرداء بلفظ
من مات لا يعدل بالله شيئا ثم كانت عليه من الذنوب مثل الرمال غفر له، ويؤيده حديث النواس بن سمعان من
مات وهو لا يشرك بالله شيئا فقد حلت له مغفرته أخرجه الطبرانى وحسن، ويؤيده أيضا ما روى فى الصحيحين
وغيرهما فى فضل الايمان وكلمة الشهادة من شاء الوقوف عليه رجع الى الكنز (ج ١ ص ٣٧، ٧٥) .
٢٣٨٦ قوله (التائب من الذنب) أى توبة صحيحة وإطلاق الذنب يشمل الذنوب كلها ، فيدل الحديث على
أن النوبة مقبولة من أى ذنب كان، وظاهر الحديث يدل على أن التوبة أذا صحت بشرائطها فهى مقبولة (كمن
لا ذنب له) أى مثله فى عدم تضرره. وقال السندى: ظاهره إن الذنب يرفع من صحائف أعماله ويحتمل أن المراد
التشبيه فى عدم العقاب فقط والله أعلم. وقال الطبى: هذا من قبيل الحاق الناقص بالكامل مبالغة كما يقال زيد
كالأسد اذ لا شك أن المشرك النائب ليس كالتى المعصوم، وتعقبه ابن حجر بأن المراد بمن لا ذنب له من هو
عرضة له لكنه حفظ منه خرج الأنبياء والملائكة فليسوا مقصودين بالتشبيه. قال القارى: فالخلاف لفظى. واختلفوا
فيمن عمل ذنوبا وتاب منها ومن لم يعملها أصلا أيهما أفضل؟ قال فى العات: والتحقيق إن الحيثية مختلفة. وقال
ابن القيم فى مدارج السالكين (ج ١ ص ١٦٣) هل المطيع الذى لم يعص خير من العاصى الذى تاب إلى الله توبة
٧١
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
نصوحا أو هذا التائب أفضل منه؟ اختلف فى ذلك ، فطائفة رجحت من لم يعص على من عصى وتاب توبة نصوحا،
واحتجوا بوجوه ثم ذكرها وبلغها إلى عشرة، ثم قال وطائفة رجحت التائب وإن لم تنكر كون الأول أكثر
حسنات منه، واحتجت بوجوه ثم ذكرها الى أن بلغت أيضا الى عشرة وجوه تركنا نقلها لئلا يطول الكلام.
والمسئلة لطيفة شريفة جدا فعليك أن تراجع المدارج لكى تتبين لك بها مسئلة أخرى اختلفوا فيها أيضاً، وهى أن
العبد إذا تاب من الذنب فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التى حطه عنها الذنب أولا يرجع اليها ؟
قال ابن القيم (ج ١ ص ١٦١) قالت طائفة يرجع الى درجته لأن التوبة المعجب الذنب بالكلية وقصيره كأنه
لم يكن ، والمقتضى لدرجته ما معه من الايمان والعمل الصالح فعاد اليها بالتوبة، قالوا ولأن التوبة حسنة عظيمة
وعمل صالح، فإذا كان ذنبه قد حطه عن درجته لحمسنته بالتوبة قد رقته اليها ، وهذا كمن سقط فى بتر وله صاحب
شفيق أدلى اليه حبلا تمسك به حتى رقى منه إلى موضعه، فهكذا التوبة العمل الصالح مثل هذا القرين الصالح والأخ
الشفيق . وقالت طائفة: لا يعود الى درجته وحاله لأنه لم یکن فى وقوف ، وإنما كان فى صعود فبالذنب صار فى
نزول وهبوط، فإذا تاب نقص عليه ذلك القدر الذى كان مستعدا له للترقى ، قالوا ومثل هذا مثل رجلين سائرين
على طريق سيرا واحدا، ثم عرض لأحدهما ما رده على عقبه أو أوقفه وصاحبه سائر فاذا استقال هدا رجوعه
ووقفته وسار بأثر صاحبه لم يلحقه أبدا، لأنه كلما سار مرحلة تقدم ذاك أخرى قالوا، والأول يسير بقوة
أعماله وإيمانه وكلما ازداد سيرا ازدادت قوته، وذلك الواقف الذى رجع قد ضعفت قوة سيره وإيمانه
بالوقوف والرجوع ، وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية يحكى هذا الخلاف، ثم قال والصحيح إن من النائبين من
لا يعود الى درجته، ومنهم من يعود اليها، ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيرا مما كان قبل الذنب وكان
داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة، قال وهذا بحسب حال التائب بعد توبته وجده وعزمه وحذره وتشميره
فان كان ذلك أعظم مما كان له قبل الذنب عاد خيرا ما كان وأعلى درجة وإن كان مثله عاد الى مثل حاله وإن كان
دونه لم يعد الى درجته وكان منحطا عنها، وهذا الذى ذكره هو فصل النزاع فى هذه المسئلة ويتبين هذا بمثلين
مضروبين أحدهما رجل مسافر سائر على الطريق بطانينة وأمن فهو يعدو مرة ويمشى أخرى ويستريح تارة
وينام أخرى، فبينا هو كذلك اذ عرض له فى طريق سيره ظل ظليل وماء بارد ومقيل وروضة مزهرة فدعته
نفسه إلى النزول على تلك الأماكن فنزل عليها فوثب عليه منها عدو، فأخذه وقيده وكتفه ومنعه عن السير فعاين
الهلاك وظن أنه منقطع به وإنه رزق الوحوش والسباع، وأنه قد حيل بينه وبين مقصده الذى يؤمه ، فبينا هو
على ذلك تتقاذف به الظنون اذ وقف على رأسه والده الشفيق القادر خل كتافه وقيوده، وقال له إركب الطريق
وأحذر هذا العدو فانه على منازل الطريق بالمرصاد. وأعلم أنك ما دمت حاذرا له متقيظاً لا يقدر عليك ، فإذا
٧٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
رواه ابن ماجه، والبيهقى فى ((شعب الإيمان))
غفلت وتب عليك وأنا متقدمك الى المنزل وفرط لك فاتبعنى على الأثر ، فإن كان هذا السائر كيساً فطناً لبيباً
حاضر الذهن والعقل، استقبل سيره استقبالا آخر أقوى من الأول وأتم واشتد حذره وتأهب لهذا العدو
وأعدله عدته فكان سيره الثانى أقوى من الأول وخيرا منه، ووصوله الى المنزل أسرع وإن غفل عن عدوه وعاد
الی مثل حاله الأول من غیر زيادة ولا نقصان ولا قوة حذر ، واستعداد عاد كما كان وهو معرض لما عرض له
أولا وإن أورثه ذلك قوانياً فى سيره وفتورا وتذكرالطيب مقيله وحسن ذلك الروض وعذوبة ماء، وتفيؤ
ظلاله وسكوناً بقلبه اليه لم يعد الى مثل سيره ونقص عما كان المثل الثانى عبد فى صحة وعافية جسم عرض له
مرض أوجب له حمية وشرب دواء وتحفظا من التخليط ونفض بذلك مادة ردية كانت منقصة لكمال قوته وصحته
فعاد بعد المرض أقوى ما كان قبله كما قيل :
لعل عنبك محمود عواقبه
وربما محت الأجسام بالملل
أوجب وإن له ذلك المرض ضعفا فى القوة و تداركه بمثل ما نقص من قوته عاد الى مثل ما كان، وإن تداركه بدون
ما نقص من قوته عاد الى دون ما كان عليه من القوة، وفى هذين المثلين كفاية لمن تديرها. وقد ضرب لذلك مثل
آخر برجل خرج من بيته يريد الصلاة فى الصف الأول لا يلوى على شىء فى طريقه ، فعرض له رجل من خلفه
جبذ ثوبه وأوقفه قليلا يريد تعويقه عن الصلاة فله معه حالان: أحدهما أن يشتغل به حتى تفوته الصلاة فهذه حال
غير التائب. الثانى: أن يحاذ به على نفسه ويتفلت منه لثلا تفوت الصلاة ثم له بعد هذا التفلت ثلاثة أحوال:
أحدها أن يكون سيره جمزا ووثباً ليستدرك ما فاته بتلك الوقفة فربما استدركه وزاد عليه. الثانى: أن يعود الى
سيره. الثالث: أن تورثه تلك الوقفة فتورا وتهاوناً فيفوته فضيلة الصف الأول أو فضيلة الجماعة، وأول الوقت
فهكذا حال التائبين السائرين سواء ـ انتهى كلام ابن القيم. (رواه ابن ماجه) فى باب ذكر التوبة (والبيهقى)
والحديث ذكره المذرى فى الترغيب، وقال رواه ابن ماجه والطبرانى كلاهما من رواية أبى عبيدة بن عبد الله
ابن مسعود عن أبيه ولم يسمع منه، ورواة الطبر انى رواة الصحيح، ورواه ابن أبى الدنيا والبيهقى مرفوعا أيضاً
من حديث ابن عباس، وزاد والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزىء دربه" وقد روى بهذا الالزيادة
موقوفا ولعله أشبه - انتهى. وقال الهيثمى (ج ١٠ ص ٢٠٠) بعد ذكر حديث ابن مسعود: رواه الطبرانى
ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه - انتهى . وقال السخاوى فى المقاصد الحسنة: رواه
ابن ماجه والطبرانى فى الكبير والبيهقى فى الشعب من طريق أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رفعه، ورجاله
ثقات بل حسنه شيخنا (الحافظ ابن حجر) يعنى لشواهده وإلا فأبو عبيدة جزم غير واحد بأنه لم يسمع من
٧٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
وقال: تفرد به النبرانى وهو مجهول وفى ((شرح السنة)) روى عنه موقوفا. قال: الندم توبة، والتائب
کمن لا ذنب له.
أبيه - انتهى وقال ابن الديبع الشيبانى (ص ٦٧) بعدذكر كلام السخاوى هذا: والحديث شواهد ضعيفة (وقال)
أى البيهقى (تفرد به) أى بنقل هذا الحديث (النهرانى) بفتح النون وسكون الهاء (وهو مجهول) إما عينه أو حاله
وقد تقدم إن رجال الطبرانى رجال الصحيح وكذا رجال ابن ماجه ثقات، والعلة فيه إنما هى الانقطاع فى سناده
ولم أجد للنهرانى هذا فى ما عندى من كتب الرجال ترجمة (وفى شرح السنة روى) أى البغوى ويحتمل أن يكون
بضيفة المجهول (عنه) أى عن ابن مسعود (موقوفا) لكنه فى حكم المرفوع (قال الندم) أى على المعصية أى
لكونها معصية وإلا فاذا ندم عليها من جهة أخرى كما اذا ندم على شرب الخمر من جهة صرف المال عليه فليس
من النوبة فى شىء ( توبة ) معناه إنه معظمها ومستلزم لبقية أجزائها عادة فان النادم ينقطع من الذنب فى الحال
عادة ويعزم على عدم العود اليه فى الاستقبال، وبهذا القدر تتم التوبة إلا فى الفرائض التى يجب قضاءها فتحتاج
التوبة فيها الى القضاء وإلا فى حقوق العباد فتحتاج فيها الى الاستحلال أى الرد والندم يعنى على كل ذلك كما
لا يخفى قاله السندى. وقال القارى: ((الندم توبة)) أى أعظم أركانها الندامة، اذ يترتب عليها بقية الأركان من
القلع والعزم على عدم العود، وتدارك الحقوق ما أمكن وهو نظير الحج عرفة إلا أنه عكس مبالغة. والمراد
الندامة على فعل المعصية من حيث أنها معصية لا غير - انتهى. قلت: اختلفوا فى حد التوبة فقال بعضهم: إنها
الندم. وقال بعضهم: إنها العزم على أن لا يعود. وقال بعضهم: هى الاقلاع عن الذنب، ومنهم من يجمع بين
الأمور الثلاثة وهى أكملها . قال الحافظ وقال بعضهم: يكفى فى التوبة تحقق الندم على وقوع الذنب منه فانه
يستلزم الاقلاع عنه والعزم على عدم العود فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه. ومن ثم جاء الحديث الندم قوبة،
وهو حديث حسن من حديث ابن مسعود، وأخرجه ابن ماجه وصححه الحاكم وأخرجه ابن حبان من حديث
أفس وصححه، وقال أيضاً قد تمسك من فسر التوبة بالندم بما أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث ابن
مسعود رفعه الندم توبة، ولا حجة فيه، لأن المعنى الحض عليه وإنه الركن الأعظم فى التوبة لا أنه قوبة نفسها -
انتهى. (والتائب كمن لا ذنب له) أى فاذا تاب توبة صحيحة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وحديث ابن مسعود
هذا رواه أحمد ( ج١ ص٦٣٣،٤٢٣،٢٧٦) والبخاری فی تاريخہ الکبیر (٣٤١/١/٢-٣٤٣) وابن ماجه فى باب
ذكر التوبة والحاكم (ج ٤ ص ٢٤٣) مختصرا أى بدون قوله التائب كمن لاذنب له، وحسنه الحافظ وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي، وأنظر التهذيب ( ج ٣ ص ٣٨٤ - ٣٨٥) وذكر البخارى أسانيد كثيرة للحديث يظهر من بعضها
أنه رواه بعضهم موقوفاً من قول ابن مسعود، ولا يضر ذلك لكثرة من رفعه، ولأن الرفع زيادة من الثقة ،
٧٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥۔۔ باب
(٥) باب
الفصل الأول )
٢٣٨٧ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما قضى الله الخلق كتب
کتابا فهو عند.
وله شواهد من حديث أنس أخرجه الحاكم (ج ٤ ص ٢٤٣) والبزار والبيهقى وابن حبان ، ومن حديث وائل
ابن حجر أخرجه الطبرانى، ومن حديث ابن أبى سعيد عن أبيه أخرجه الطبرانى وأبو نعيم في الحلية ، ومن حديث
أبى هريرة أخرجه الطبرانى فى الصغير ذكرها فى مجمع الزوائد ( ج ١٠ ص ١٩٩) مع الكلام عليها .
( باب ) بالرفع منوناً وبالوقوف مسكنا ولم يذكر العنوان وغالب أحاديثه فى رحمة الرحمن الباعثة على
التوبة من العصيان والموجبة للرجاء وعدم اليأس من الغفران قاله القارى. قلت: وقع فى بعض النسخ ((باب فى
سعة رحمة الله)) ولا يخفى مناسبته للأحاديث المذكورة فيه .
٢٣٨٧ - قوله (لما قضى الله الخلق) أى خلق المخلوقات كقوله فقضاهن سبع سماوات أى خلقهن،
وقضى يطلق بمعنى حكم وأتقن وفرغ وأتم وأمضى وأنفذ، وكل صنعة محكمة متقنة فهى قضاء، وقال القارى: لما
قضى الله الخلق أى حين قدر الله خلق المخلوقات وحكم بظهور الموجودات، أو حين خلق الخلق يوم الميثاق أو
بدأ خلقهم - انتهى. قلت: وقع فى رواية البخارى فى باب قول الله تعالى ﴿ويحذركم الله نفسه - آل عمران: ٢٨)
من كتاب التوحيد لما خلق الله الخلق، وهكذا وقع فى رواية لأحمد ومسلم، والترمذى إن اللّه حين خلق الخلق
(كتب كتاباً) وفى رواية لهما، كتب فى كتابه أى فى اللوح المحفوظ بأمره الملائكة أن يكتبوا أو القلم ،
ويؤيده حديث عبادة بن الصامت أول ما خلق الله القلم (أى بالنسبة الى ما عدا الماء والعرش) ثم قال
أكتب نجرى بما هو كائن الى يوم القيامة وحديث جف القلم بما هو كان إلى يوم القيامة أو الكتابة كناية
عن الاثبات والابانة والاخبار به. ووقع عند الترمذى وابن ماجه كتب بيده على نفسه أى موجبا إياه
على نفسه بمقتضى وعده، وليس الكتب للاستعانة لثلاينساه تعالى فأنه منزه عن ذلك لا يخفى عنه شىء.
وإنما ذلك لأجل الملائكة المؤكلين بالمكلفين، فان قيل ما وجه تخصيص هذا بالذكر مع أن القلم كتب
كل شىء. قلت: لما فيه من الرجاء الكامل وإظهار إن رحمته وسعت كل شىء بخلاف غيره (فهو) أى
ذلك الكتاب بمعنى المكتوب وقيل علمه أو ذكره (عنده) أى عندية المكانة لا عندية المكان لتنزهه عن سمات
٧٥
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
فوق عرشه إن رحمتى سبقت غضى . فى رواية غلبت غضبى.
الحدثان (فوق عرشه) مكنونا عن سائر الخلق مرفوعا عن حيز الادراك. قال الحافظ: فلا تكون العندية مكانية
بل هى إشارة الى كمال كونه مخفياً عن الخلق مرفوعا عن حيز ادراكهم، وفيه تنبيه نبيه على تعظيم الأمور وجلالة
القدر. قال الخطابي: المراد بالكتاب أحد شيئين أما القضاء الذى قضاء كقوله تعالى ( كتب اللّه لأغلبن أنا
.. . ورسى - المجمالة: ٢١) أى قضى ذلك قال، ويكون معنى قوله فوق العرش أى عنده علم ذلك فهو لا ينساه
ولا يبدله كقوله تعالى ﴿فى كتاب لا يضل ربي ولا ينسى - طه: ٥٢) وأما اللوح المحفوظ الذى فيه ذكر أصناف
الخلق وبيان أمورهم وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم، ويكون معنى فهو عنده فوق العرش أى ذكره وعلمه، وكل ذلك
جائز فى التخريج. قيل: العندية المكانية المعروفة مستحيلة فى حقه تعالى، فهى محمولة على ما يليق به أو،فوضة اليه.
قلت : هى خبرجاء به التوقيف فقلنا به وففينا عنه التكيف إذ ليس كمثله شىء فالأولى بل المتعين إمراره على ظاهره
كما جاء من غير تصرف فيه (إن رحمتی) بكسر الهمزة وتفتح. قال الحافظ: بفتح أن على أنها بدل من الكتاب
وبكسرها على أنها ابتداء كلام يحكى مضمون الكتاب: قال القارى: ويؤيد الثانى رواية للشيخين إن رحمتى تغلب
غضبي. (سبقت غضبي وفى رواية غلبت غضبى) الرواية الثانية للبخارى فقط أوردها فى بدء الخلق، ولفظ مسلم
تغلب، وكذا وقع عند البخارى فى باب قوله {ويحذر كم الله نفسه - آل عمران: ٢٨﴾ قال القارى: غلبت غضبى
أى غلبت آثار رحمتى على آثار غضبى وهى مفسرة لما قبلها، والمراد بيان سعة الرحمة وكثرتها وشمولها الخلق
حتى كأنها السابق والغالب كما يقال غلب على فلان الكرم اذا كان هو أكثر خصاله وإلا فرحمة الله، وغضبه
صفتان راجعتان الى إرادته الثواب والعقاب، وصفاته لا توصف بغلبة إحداهما على الأخرى. وإنما هو على
سبيل المبالغة للجاز. وقيل: السبق والغلبة باعتبار التعاق أى تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب، لأن
الرحمة مقتضى ذاته المقدسة. وأما الغضب فانه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث ، وبهذا التقرير يندفع
استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة فى بعض المواطن كمن يدخل النار من الموحدين ، ثم يخرج بالشفاعة
وغيرها. وقال التور بشتى: فى حبق الرحمة بيان إن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب ، وأنها تنالهم من
غير استحقاق، وإن الغضب لا ينالهم الا باستحقاق، ألا ترى إن الرحمة تشمل الانسان جنينا ورضيعا وفطيما
وناشئا من غير أن يصدر منه شىء من الطاعة ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه
ذلك. وقال الطيبي: أى لما خلق الخلق حكم حكما جازما ووعد وعدا لازما لا خلف فيه بأن رحمتی سبقت
غضبى ، فان المبالغ فى حكمه إذا أراد أحكامه عقد عليه سجلا وحفظه ووجه المناسبة بين قضاء الخلق وسبق
الرحمة إنهم مخلوقون للعبادة شكرا للنعم الفائضة عليهم، ولا يقدر أحد على أداء حق الشكر، وبعضهم يقصرون
فيه فسبقت رحمته فى حق الشاكر بأن وفى جزاءه، وزاد عليه ما لا يدخل تحت الحصر وفى حق المقصر اذا تاب
٧٦
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
متفق عليه.
٢٣٨٨ - (٢) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله مائة رحمة،
ورجع بالمغفرة والتجاوز، ومعنى ((سبقت رحمتى)) تمثيل لكثرتها وغلبتها على الغضب بفرسى رمان تسابقنا
فسبقت إحداهما على الأخرى - انتهى . وقال فى اللعات: وذلك لأن آثار رحمة الله وجوده وإنعامه عمت
المخلوقات كلها وهى غير متناهية ، بخلاف أثر الغضب فانه ظاهر فى بعض بنى آدم بعض الوجوه كما قال تعالى:
﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها - النحل: ١٨) وقال ( عذابى أصيب به من أشاء ورحمتى وسعت كل
شىء - الأعراف: ١٥٦) وأيضاً تهاون العبادوتقصيرهم فى أداء شكر نعماته تعالى أكثر من أن يعد ويحصى ﴿ولو
يؤاخذ الله الناس بظلهم ما ترك عيها من دابة - النحل: ٦١) فمن رحمته أن يبقيهم ويرزقهم وينعمهم بالظاهر
ولا يؤاخذهم بهذا فى الدنيا، وظهور رحمته فى الآخرة قد تكفل ببيانه الحديث الآتى فاذن لا شك فى أن رحمته
تعالى سابقة وغالبة على غضبه - انتهى. وظاهر الحديث إن الكتابة بعد الخلق، ووقع فى رواية للبخارى فى
باب (بل هو قرآن مجيد فى لوح محفوظ -البروج: ٢١-٢٢) بلفظ: إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخق ففيه إن
الكتابة قبل الخلق ، فقيل معنى قوله قضى الخلق ، أى أراد الخلق. وقيل: المراد من الثانى تعلق الخلق وهو حادث
تجاز أن يكون بعده. وأما الأول فالمراد منه نفس الحكم وهو أزلى فبالضرورة يكون قبله (متفق عليه) رواه
البخارى فى أول بدء الخلق وفى التوحيد فى أربعة مواضع سبق ذكر الموضع الأول والرابع والثانى فى باب قوله
وكان عرشه على الماء، والثالث فى باب ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ورواه مسلم فى التوبة وأخرجه أحمد
مراراً منها (ج ٢ ص ٢٤٢، ٢٦٠،٢٥٨) وأخرجه النسائى فى الكبرى، والترمذى فى الدعوات، وابن ماجه
فى باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.
٢٣٨٨ - قوله (إن لله مائة رحمة الخ) للحديث طرق وألفاظ، واللفظ المذكورههنا لمسلم رواه فى التوبة
من طريق عطاء عن أبى هريرة، وله أيضاً من رواية العلاء عن أبيه عن أبى هريرة خلق الله مائة رحمة فوضع
واحدة بين خلقه، وخبأ عنده مائة إلا واحدة، وللبخارى فى الأدب، وكذا لمسلم فى التوبة من رواية سعيد
ابن المسيب عن أبى هريرة جعل الله الرحمة مائة جزء فامسك عنده. تسعة وتسعين جزأ، وأنزل فى الأرض جزءاً
واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وللبخارى فى الرقاق،
من طريق سعيد المقبرى عن أبى هريرة إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، فامسك عنده تسعة وتسعين رحمة
وأرسل فى خلقه كلهم رحمة واحدة، ولمسلم من حديث سليمان إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة،
كل رحمة طباق ما بين السماوات والأرض، نجعل منها فى الأرض رحمة فيها تعطف الوالدة على ولدها والوحش
٧٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
أنزل متها رحمة واحدة بين الجن الانس والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وبها بتراحمون، وبها تعطف
والطير بعضها على بعض ، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة. قال القرطبي: يجوز أن يكون معنى خلق اخترع
أوجد ، ويجوز أن يكون بمعنى قدر وقد ورد خلق بمعنى قدر فى لغة العرب، فيكون المعنى إن اللّه أظهر لذلك يوم
أظهر تقدير السماوات والأرض، وقوله كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، المراد بها التعظيم والتكثير.
وقد ورد التعظيم بهذا اللفظ فى اللغة والشرع كثيرا، والمراد بالرحمة فى قوله ((إن الله مائة رحمة)) بمقتضى
الروايات المذكورة هى التى جعلها فى عباده، وهى مخلوقة، وأما الرحمة التى هى صفة من صفاته فهى قائمة بذاته تعالى غير
مخلوقة . وقال الطيبي: رحمة الله تعالى لا نهاية لها فلميرد بما ذكره تحديداً بل تصويرا للتفاوت بين قسط أهل الايمان
منها فى الآخرة وقسط كافة المربويين فى الدنيا - انتهى. وقال فى اللعات: لعل المراد أنواعها الكلية التى تحت كل
نوع منها أفراد غير متناهية، أو المراد ضرب المثل لبيان المقصود (من قلة ما عند الناس وكثرة ما عند الله) تقريباً
إلى فهم الناس أوهو من قبيل قوله إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة فى أن الحصر باعتبار هذا
الوصف فافهم. وقال القرطبي : مقتضى هذا الحديث إن الله علم أن أنواع النعم التى ينعم بها على خلقه مائة نوع
فانعم عليهم فى هذه الدنيا بنوع واحد انتظمت به مصالحهم وحصلت به مرافقهم، فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده
المؤمنين ما بقى فبلغت مائة وكلها للمؤمنين، واليه الاشارة بقوله تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيما - الأحزاب: ٤٣)
فان رحيما من أبنية المبالغة التى لا شىء فوقها. ويفهم من هذا أن الكفار لا يبقى لهم حظ من الرحمة لا من جنس
رحمات الدنيا ولا من غيرها ، أذا كمل كل ما كان فى علم اللّه من الرحمة للمؤمنين، واليه الاشارة بقوله تعالى:
﴿فسأ كتبها للذين يتقون - الأعراف: ١٥٦) الآية قال الحافظ: أما مناسبة خصوص عدد المائة، فيحتمل أن تكون
مناسبة هذا العدد الخاص لكونه مثل عدد درج الجنة ، والجنة هى محل الرحمة فكان كل رحمة بازاء درجة ، وقد ثبت
أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى فمن قالته منها رحمة واحدة ، كان أدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم منزلة
من حصلت له جميع الأنواع من الرحمة (أنزل منها) أى من جملة المائة (رحمة واحدة) وفى رواية، وأرسل فى
خلقه كلهم رحمة واحدة. قال القارى: الانزال تمثيل مشير إلى أنها ليست من الأمور الطبيعية، بل هى من
الأمور السماوية مقسومة بحسب قابلية المخلوقات (بين الجن) أى بعضهم مع بعض (والانس) كذلك (والبهائم)
أى مع أولادها (والهوام) بتشديد الميم جمع هامة ، وهى كل ذات سم ، وقد يقع على ما يدب من الحيوان وإن
لم يقتل كالحشرات كذا فى النهاية والله أعلم برحمتها فيما لا توالد فيها (فبها) أى بتلك الرحمة الواحدة وبسبب
خلقها فيهم (يتعاطفون) أى يتمايلون فيما بينهم (وبها يتراحمون) أى بعضهم على بعض (وبها تعطف) بكسر الطاء
٧٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥ - باب
الوحش على ولدها ، وأخر اللّه تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة. متفق عليه.
٢٣٨٩ - (٣) وفى رواية لمسلم، عن سليمان نحوه، وفى آخره. قال: فإذا كان يوم القيامة أكملها
بهذه الرحمة .
٢٣٩٠ - (٤) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو يعلم المؤمن ما عند الله من
العقوبة ، ما طمع بجنته أحد .
من ضرب أى تشفق ونحن (الوحش) بسكون المهملة (على ولدها) أى حين صغرها (وأخر اللّه) قال الطيبي:
عطف على أنزل منها رحمة وأظهر المستكن بياناً لشدة العناية برحمة الله الأخروية - انتهى. وفى رواية فامسك
عنده، وفى حديث سلمان وخبأ عنده (تسعاوتسعين رحمة يرحم بها عباده) أى المؤمنين (يوم القيامة) أى قبل
دخول الجنة وبعدها . وفيه إشارة إلى سعة فضل على عباده المؤمنين وإيماء الى أنه أرحم الراحمين . وقال ابن
أبي جمرة : فى الحديث إدخال السرور على المؤمنين ، لأن العادة أن النفس يكمل فرحها بما وهب لها اذا كان معلوماً
مما يكون موعودا، وفيه الحث على الايمان واتساع الرجاء فى رحمات الله تعالى المدخرة ( متفق عليه) واللفظ
لمسلم، وأخرجه أحمد كما فى مجمع الزوائد (ج١٠ ص ٢١٤) والترمذى فى الدعوات، وابن ماجه فى باب ما يرجى
من رحمة الله يوم القيامة من أبواب الزهد والحاكم (ج ٤ ص ٢٤٨).
٢٣٨٩ - قوله (وفى رواية لمسلم عن سلمان) الفارسى (نحوه) أى بمعناه وقد ذكرنا لفظها (وفى آخره
فاذا كان يوم القيامة أكملها) أى أتم الرحمة الواحدة التى أنزلها فى الدنيا (بهذه الرحمة) أى التى أخرها حتى بصير
المجموع مائة رحمة فرحم بها عباده المؤمنين ، وحديث سلمان أخرجه أحمد أيضاً (ج ٥ ص ٤٣٩) وفى الباب
عن أبى سعيد عند ابن ماجه، وعن جندب عند أحمد والطبرانى، وعن معاوية بن حيدة عند الطبر انى وابن عساكر
وعن ابن عباس عند الطبرانى والبزار، وعن عبادة بن الصامت عند الطبرانى من شاء الوقوف على ألفاظها رجع
إلى مجمع الزوائد والکنز.
٢٣٣٧ - قوله (وعنه) قال القارى: وفى نسخة وعن أبى هريرة وهو الأظهر لايهام مرجع الضمير
أن يكون الى أقرب مذكور وهو سدان، وأما على النسخة المشهورة التى هى الأصل فكأنه إعتمد على العنوان
( لو يعلم المؤمن) قبل الحكمة فى التعبير بالمضارع دون الماضى الاشارة الى أنه لم يقع له علم ذلك ولا يقع لأنه
اذا امتنع فى المستقبل كان ممتنعا فيما مضى (ما عند الله من العقوبة) بيان لما (ما طمع) بكسر الميم من باب سمع
أى ما رجا ( يجنته) والتر مذى فى الجنة (أحد ) أى من المؤمنين فضلا عن الكافرين، ولا بعد أن يكون أحد
٧٩
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٥- باب
ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد. متفق عليه.
٢٣٩١ (٥) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجنة أقرب إلى أحدكم
من شراك فعله:
على اطلاقه من إفادة العموم اذ تصور ذلك وحده يوجب اليأس من رحمته، وفيه بيان كثرة عقوبته لئلا يغتر
مؤمن بطاعته أو اعتمادا على رحمته فيقع فى الأمن ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (ما قنط) من القنوط
وهو اليأس من باب قصر وضرب وسمع ( أحد ) أى من الكافرين . قال الطيبي: الحديث فى بيان صفتى القهر
والرحمة لله تعالى، فكما أن صفات الله تعالى غير متناهية لا يبلغ كنه معرفتها أحد كذلك عقوبته ورحمته، فلو
فرض أن المؤمن وقف على كنه صفته القهارية لظهر منها ما يقنط من ذلك الخواطر فلا يطمع بجنته أحد ، وهذا
معنى وضع أحد موضع ضمير المؤمن ، ويجوز أن يراد بالمؤمن الجنس على سبيل الاستغراق فالتقدير أحد منهم
ويجوز أن يكون المعنى على وجه آخر وهو إن المؤمن قد اختص بأن يطمع فى الجنة، فإذا انتفى الطمع منه فقد
انتفى عن الكل ، وكذلك الكافر مختص بالقنوط، فإذا انتفى القنوط عنه فقد انتفى عن الكل. وورد الحديث
فی بیان کثرة رحمته وعقوبته کیلا يغتر مؤمن برحمته فیأمن من عذابه ولا ییأس كافر من رحمته ويترك بابه،
وحاصل الحديث إن العبد ينبغى أن يكون بين الرجاء والخوف بمطالعة صفات الجمال تارة وبملاحظة نعوت الجلال
أخرى كذا فى المرقاة. وقال فى العات : سياق الحديث لبيان صفتى اللطف والرحمة والغضب وعدم بلوغ أحد
إلى كنههما ، فلو علم المؤمنون الذين هم مظاهر رحمة الله ما عند الله من القهر ما طمع أحد منهم الجنة وكذا فى
الكافرين، وهذا مقصود آخر لا ينافى سبق رحمته على غضبه بالمعنى الذى سبق - انتهى. (متفق عليه) واللفظ
لمسلم أخرجه من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة، ورواه البخارى (فى باب الرجاء مع
الخوف من كتاب الرقاق) من طريق سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة بلفظ: إن الله خلق الرحمة يوم
خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل فى خلقه كله رحمة واحدة فلو يعلم الكافر بكل
الذى عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذى عند الله من العذاب لم يأمن من النار.
قال الحافظ: وروى هذا الحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة فقطعه حديثين أخرجهما مسلم
من طريقه فذكر حديث الرحمة . بلفظ: خلق الله مائة رحمة فواضع واحدة بين خلقه وخبأ عنده مائة إلا واحدة.
وذكر الحديث الآخر بلفظ: لو يعلم المؤمن الخ. قلت: وهكذا وقع عند الترمذى فى الدعوات.
٢٣٩١ - قوله ( الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك فعله) بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء المهملة
وآخره كاف أحد سيور النعل التى فى وجهها . وقيل: هو السير الذى يدخل فيه أصبع الرجل ويطلق أيضا على
٨٠