Indexed OCR Text

Pages 21-40

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤- باب الاستغفار والتوبة
فقال له رجل: إيت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فما بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة
الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربى، والى هذه
الناس ليدلوه على من يأتى اليه فيسأله عن قبول قوبته (فقال له رجل) عالم بعد أن سأله فقال أتى قتلت مائة انسان
فهل لى من توبة، فقال نعم ومن يحول بينك وبين التوبة، ففى رواية هشام فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل
على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس ، فهل له من توبة فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة. (إنت قرية كذا)
باسمها (وكذا) بوصفها أى القرية الفلانية التى أهلها صلحاء وتب الى الله واعبده معهم فقصد تلك القريه. وفى
رواية هشام انطلق إلى أرض كذا وكذا، فان بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله تعالى معهم، ولا ترجع
إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى اذا نصف الطريق (أى بلغ نصفها) أناه الموت واسم هذه القرية نصرة.
وأما القرية المآنى منها فاسمها كفرة كما عند الطبرانى باسناد جيد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال
النووى : قوله إنطلق إلى أرض كذا وكذا الخ، فيه استحباب مفارقة التائب المواضع التى أصاب بها الذنوب
والأخدان المساعدين على ذلك ومقاطعتهم ماداموا على حالهم ، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح
والعلماء والمتعبدين الورعين، ومن يقتدى بهم وينتفع بصحبتهم ويتأكد بذلك توبته (فأدركه الموت) أى
إماراته وسكراته فالفاء عطف على محذوف أى فقصدها وسار نحوها وقرب من وسط طريقها فأدركه الموت
(فناء) بنون ومد وبعد الألف همزة أى نهض ومال (بصدره نحوها) أى إلى ناحية القرية التى توجه اليها للتوبة
والعباد، أى ثم مات. قال الحافظ: هذا هو المعروف فى هذا الحديث وحكى بعضهم فيه فنأى بغير مد قبل الهمزة
وبأشباعها بوزن سعى ، وتقول نأى ينأى نأياً أى بعد، وعلى هذا فالمعنى فبعد بصدره عن الأرض التى خرج منها
ووقع فى رواية هشام ما يشعر بأن قوله فناء بصدره إدراج فانه قال فى آخر الحديث. قال قتادة: (راوى الحديث
عن أبى الصديق الناجى عن أبى سعيد) قال الحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره (فاختصمت فيه ملائكة
الرحمة وملائكة العذاب) زاد فى رواية هشام فقالت ملائكة الرحمة جاء تائباً مقبلا بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة
العذاب إنه لم يعمل خيراً قط فأتاهم ملك فى صورة آدمى جعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان
أدنى فهو له. قال النووى: قياس الملائكة ما بين القريتين وحكم الملك الذى جعلوه بينهم محمول على أن اللّه تعالى
أمرهم عند إشتباه أمره عليهم واختلافهم فيه أن يحكموا رجلا من يمر بهم فر الملك فى صورة رجل لحكم بذلك
(فأوحى الله إلى هذه) أى الى القرية التى توجه اليها وقصدها للتوبة وهى نصرة (أن تقربى) أى من الميت بفتح
التاء وتشديد الراء وكلة أن تفسيرية لما فى الوحى من معنى القول (والى هذه) أى الى القرية التى خرج منها وهى
كفرة، وقوله ((الى هذه)) كذا فى جميع نسخ المشكاة. ووقع فى البخارى وأوحى الى هذه أى بزياده وحى قبل
٢١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
أن تباعدى، فقال: قيوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له. متفق عليه.
إلى هذه (ان تباعدى) بفتح التاء أى عن الميت ( فقال ) وفى البخارى وقال قال القارى: أى اللّه كما فى نسخة يعنى
من المشكاة ( قيسوا ) الخطاب الملائكة المتخاصمين أى قدروا (ما بينهما) أى بين القريتين فقيس (فوجد ) بضم
الواو مبنيا للفعول أى الميت المتنازع فيه (إلى هذه) أى القرية التى توجه إليها وهى نصرة (اقرب) بفتح
الموحدة ( بشير) فى رواية هشام فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التى أراد ( فغفر له ) وفى رواية هشام
فقبضته ملائكة الرحمة ، وفى رواية معاذ عن شعبة عند مسلم أيضا فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشير فجعل
من أهلها . قال الحافظ فى الحديث: مشروعية التوبة من جميع الكبائر حتى من قتل الأنفس ، ويحمل على أن
الله تعالى اذا قبل توبة القاتل تكفل برضا خصمه، قال الطيبي اذا رضى الله عن عبده أرضى خصومه، ورد
مظالمه ، ففى الحديث ترغيب فى التوبة ومنع الناس عن الياس ورجاء عظيم لأصحاب العظائم: وقال عياض فى
الحديث: إن التوبة تنفع من القتل كما تنفع من سائر الذنوب وهو وإن كان شرعا لمن كان قبلنا، وفى الاحتجاج به
خلاف لكن ليس هذا موضع الخلاف ، لأن موضع الخلاف اذا لم يرد فى شرعنا تقريره وموافقته، وأما اذا
ورد فهو شرع لنا بلا خلاف ، ومن الوارد فى ذلك قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون.
ذلك لمن يشاء - النساء: ٤٨) فكل ما دون الشرك يجوز أن يغفر له، ومنه حديث عبادة بن الصامت ففيه بعد
قوله ولا تقتلوا النفس وغير ذلك من المنهيات ((فمن أصاب من ذلك شيئاً فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء
عذبه)) متفق عليه. وأما قوله تعالى ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً بجزاءه جهنم خالداً فيها - النساء: ٩٣) فعناه إنه
يستحق أن يجازى بذلك، وقد أخبر الله بفضله أنه لا يخلد من مات موحدا فيها فلا يخلد هذا، ولكن قد يعفى عنه فلا
يدخل النار أصلا، وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر العصاة الموحدين، ثم يخرج معهم إلى الجنة. ولا يلزم من كونه
يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء والله أعلم. وفيه إن المفتى قد يجيب بالخطأ وفيه فضل
التحول من الأرض التى يصيب الإنسان فيها المعصية لما يغلب بحكم العادة على مثل ذلك، إما لتذكره لأفعاله
الصادرة قبل ذلك والفتنة بها، وإما لوجود من كان يعينه على ذلك ويحضه عليه. وفيه فضل العالم على العابد لأن
الذى أفتاه أولا بأن لا توبة له غلبت عليه العبادة فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل من استجراءه على قتل
هذا العدد الكثير. وأما الثانى فغلب عليه العلم فأفتاه بالصواب ودله على طريق النجاة. وفيه إن للحاكم اذا
تعارضت عنده الأحوال وتعذرت البينات أن يستدل بالقرائن على الترجيح (متفق عليه) أخرجه البخارى فى ذكر
بنى اسرائيل، ومسلم فى التوبة واللفظ للبخارى، وأخرجه أيضا أحد (ج ٣ ص ٢٠، ٧٢) وابن ماجه فى
الديات وابن حبان فى صحيحه، وفى الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص ومعاوية بن أبى سفيان ذكرهما
٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
٢٣٥١ - (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذى نفسى بيده أو لم
تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفرلهم. رواه مسلم.
٢٣٥٢ - (٧) وعن أبى موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يبسط يده
بالليل ليتوب مسئ النهار،
الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠ ص ٢١٢،٢١١) والمنذرى فى الترغيب.
٢٣٥١ - قوله (لو لم تذنبوا) أى أيها المكلفون أو أيها المؤمنون (لذهب الله بكم) الباء للتعدية كما فى
قوله (ولجاء بقوم) أى لأذهبكم وأفناكم وأظهر قوماً آخرين من جنسكم أو من غيركم (يذنبون) أى يمكن وقوع
الذنب منهم ويقع بالفعل عن بعضهم (فيستغفرون الله) أى فيتوبون أو يطلبون المغفرة مطلقا (فيغفرلهم) لاقتضاء
صفة الغفار، والغفور ذلك ، ولذا قال الله تعالى ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً - نوح: ١٠) ولاستلزام
هذه الصفة الالهية وجود المعصية فى الافراد البشرية، والمعنى لو كنتم معصومين كالملائكة لذهب بكم، وجاء بمن
يأتى منهم الذنوب لئلا يتعطل صفات الغفران والعفو، فلا تجرئة فيه على الانهماك فى الذنوب. قال التور بشتى:
لم يرد هذا الحديث مورد تسلية المنهمكين فى الذنوب وتوهين أمرها على النفوس وقلة الاحتفال منهم بمواقعتها
على ما يتوهمه أهل الغرة باللّه، فان الأنبياء صلوات الله عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب
واسترسال نفوسهم فيها، بل ورد مورد البيان لعفو الله عن المذنبين وحسن التجاوز عنهم، ليعظموا الرغبة فى
التوبة والاستغفار، والمعنى المراد من الحديث هو إن الله تعالى كما أحب أن يحسن إلى المحسن أحب أن يتجاوز
عن المسىء، وقد دل على ذلك غير واحد من أسماءه الغفار الحليم التواب العفو، فلم يكن ليجعل العباد شانا واحدا
كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب، بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميالا إلى الهوى مفتقناً ومنابساً ؟!
يقتضيه ، ثم يكلفه التوقى عنه ويحذره عن مداناته ويعرفه التوبة بعد الابتلاء، فان وفى فأجره على الله وإن أخطأ
الطريق فالتوبة بين يديه، فأراد النبي مُؤثّه إنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة لجاء الله بقوم يتأتى
منهم الذنب، فيتجلى عليهم بتلك الصفات على مقتضى الحكمة، فان الغفار يستدعى مغفوراً كما أن الرزاق يستدعى
مرزوقا - انتهى. وقد تقدم نحو هذا الكلام لابن القيم فتذكر (رواه مسلم) فى التوبة، وأخرجه أيضا أحمد
(ج ٢ ص ٣٠٩) والحاكم (ج ٤ ص ٢٤٦) وفى الباب عن أبى أيوب عند أحمد، ومسلم والترمذى وعن
عبد الله بن عمرو عند الحاكم (ج ٢ ص ٢٤٦).
٢٣٥٢ - قوله (إن الله يبسط يده) قيل بسط اليد عبارة عن الطلب لأن عادة الناس إذا طلب أحدهم
شيئا من أحدهم بسط إليه كفه، والمعنى يدعو المذنبين إلى التوبة (بالليل ليتوب مستى النار) أى لا يعاجلهم
٢٣

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبه
ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها. رواه مسلم.
٢٣٥٣ - (٨) وعن عائشة، قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إن العبد إذا اعترف ثم
تاب، تاب الله عليه.
بالعقوبة بل يمهلم ليتوبوا (ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) وقال النووى: معناه يقبل التوبة من المسيئين
نهارا وليلا حتى تطلع الشمس من مغربها، ولا يختص قبولها بوقت فبسط اليد استعارة فى قبول التوبة ، قال
المازرى: المراد به قبول التوبة، وإنما ورد لفظ بسط اليد، لأن العرب اذا رضى أحدهم الشىء بسط يده
لقبوله، واذا كرهه قبضها عنه، فوطبوا بأمر حسى يفهمونه وهو مجاز، فان يد الجارحة مستحيلة فى حق الله
تعالى - انتهى. وقيل: البسط عبارة عن التوسع فى الجود والعطاء والتنزه عن المنع، وفى الحديث تنبه على سعة
رحمته وكثرة تجاوزه. وقال الطبى: هو تمثيل يدل على أن التوبة مطلوبة عنده محبوبة لديه كأنه يتقاضاها من
المسىء، (حتى تطلع الشمس من مغربها) حينئذ يغلق باب النوبة قال تعالى (يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع
نفساً إيمانها - الأنعام: ١٨٥) الآية، قال ابن الملك: مفهوم هذا الحديث وأشباهه يدل على أن التوبة لا تقبل
بعد طلوع الشمس من المغرب إلى يوم القيامة (رواه مسلم) فى التوبة وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٣٩٥،
٤٠٤) ونسبه فى الكنز (ج ٤ ص ١٢٨) لابن أبى شيبة، وأحمد ومسلم والنسائى وأبى الشيخ فى العظمة والبيهقى
فى الأسماء.
٢٣٥٣ - قوله (إن العبد إذا اعترف) أى بذنبه، قال القارى: أى أقر بكونه مذنباً وعرف ذنبه
(ثم تاب) أى من ذنبه إلى الله. قال القارى: أى أتى بأركان التوبة من الندم والخلع والعزم والندارك
(تاب الله عليه) أى قبل توبته لقوله تعالى ﴿وهو الذى يقبل التوبة عن عباده - الشورى: ٢٥) ﴾ قال الطيبي:
وحقيقته إن اللّه يرجع عليه برحمته - انتهى. والحديث قطعة من حديث طويل من حديث الإفك وقبلها قال،
أى رسول اللّه مَّ يا عائشة؟ إنه قد بلغنى عنك كذا وكذا (هو كناية عما رميت به من الافك)، فإن كنت
بريئة فسيبرتك الله وإن كنت الممت بذنب فاستغفرى الله وتوبى إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه الخ. قال
الداودى: أمرها بالاعتراف ولم يدبها إلى الكتمان للفرق بين أزواج النبي مَيتم وغيرهن فيجب على أزواجه
الاعتراف بما يقع منهن ولا يكتمنه إياه، فانه لا يحل لنبى إمساك من يقع منها ذلك بخلاف نساء الناس فانهن
تدين الى الستر، وتعقبه عياض بأنه ليس فى الحديث ما يدل على ذلك ولا فيه أنه أمرها بالاعتراف، وإنما أمرها
أن تستغفر اللّه ونتوب إليه أى فيما بينها وبين ربها، فليس صريحا فى الأمر لها بأن تعترف عند الناس بذلك،
قال الحافظ: وسياق جواب عائشة (بقولها ((والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر فى أنفسكم
٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
متفق عليه .
٢٣٥٤ - (٩) وعن أبى هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تاب قبل ان
تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه. رواه مسلم.
وصدقتم به، فلتن قلت لكم إنى بريئة والله يعلم إنى بريئة لا تصدقونى بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم إنى
منه بريئة لتصدقنى))) يشعر بما قاله الداودى لكن المعترف عنده ليس على إطلاقه فليتأمل، ويؤيد ما قال عياض
إن فى رواية يحى بن عبد الرحمن بن حاطب عند الطبر انى قالت، فقال لى أبى إن كنت صنعت شيئا فاستغفرى الله
وإلا، فأخبرى رسول اللّه مَّ بعذرك - انتهى. قلت: ويرجح ما قال عياض إن فى رواية للبخارى قال رسول
الله يوفق يا عائشة إن كنت قارفت سوءا وظلمت فتوبى إلى الله، فان الله يقبل التوبة عن عباده. (متفق عليه) هذا
طرف من حديث الافك الطويل أخرجه البخارى فى باب تعديل النساء بعضهن بعضا من الشهادات ، وفى غزوة
بني المصطلق وهى غزوة المريسيع من المغازى ، وفى تفسير سورة النور، وأخرجه مسلم فى التوبة وأخرجه أيضاً
أحمد وأخرج ابن جرير الطبرى والترمذى بنحوه.
٢٣٥٤ - قوله (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها الخ) هذا هو المراد من قوله (يوم يأتى
بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل - الأنعام: ١٥٨) الآية، لكن الآية مختصة بعدم
قبول الايمان، والحديث يدل على عدم قبول التوبة مطلقا سواء كانت من الكفر أو من المعصية، وفيه اختلاف
بين العلماء فتدبر كذا فى اللمات ، (تاب اللّه عليه) أى قبل توبته ورضى بها ، قال النووى: هذا أى طلوع الشمس
من المغرب حد لقبول التوبة، وقد جاء فى الحديث الصحيح إن للتوبة بابا مفتوحا فلا تزال مقبولة - تى يغلق ،
فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق وامتنعت التوبة على من لم يكن تاب قبل ذلك ، وهو معنى قوله تعالى ﴿ يوم
يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً - الأنعام: ١٥٨)
وللتوبة حد آخر، وهو أن يتوب قبل الغرغرة كما جاء فى الحديث الصحيح، و أما فى حالة الغرغرة وهى حالة
النزع فلا تقبل توبته ولا غيرها، لأن المعتبر هو الايمان بالغيب ولا تنفذ وصيته ولا غيرها. (رواه مسلم)
فى الدعاء وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٢٧٥) وعبد الرزاق وابن جرير فى تفسيرهما ، ونقله ابن كثير فى
التفسير عن الضبرى، ثم قال لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وعليه فى هذا استدراك فانه فى صحيح مسلم
كما ترى فلا ينبغى فى هذا أن يوصف بأنه لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وأغرب مما صنع ابن كثير
صنيع الحافظ الهيثمى، فإنه ذكره فى مجمع الزوائد (ج ١٠ ص ٩٨) باللفظ الذى فى صحيح مسلم ، ثم قال رواه
الطبرانى فى الأوسط وفيه الحسن بن أبى جعفر وهو ضعيف .
٢٥

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
٢٣٥٥ - (١٠) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أشد فرحا بتوبة عبده حين
يتوب إليه من أحدكم،
٢٣٥٥ - قوله (لله) بلام التأكيد المفتوحة (أشد فرحا) قيل الفرح فى مثل هذا كناية عن الرضاء
وسرعة القبول وحسن الجزاء لتعذر ظاهره عليه تعالى (بتوبة عبده) أى أرضى بتوبة عبده المؤمن وأقبل لها
( حين يتوب إليه من أحدكم) أى من فرح أحدكم وسروره ورضاه ، قيل: الفرح المتعارف فى نعوت بنى آدم
غير جائز على الله تعالى، لأنه اهتزاز طرب يجده الشخص فى نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به نقصانه أو يسد
به خلته أو يدفع به عن نفسه ضرارا أو نقصانا، وإنما كان غير جائز عليه تعالى لأنه الكامل بذاته الغنى بوجوده
الذى لا يلحقه نقص ولا قصور. وإنما معناه الرضا والسلف فهموا منه ومن أشباهه الترغيب فى الأعمال والأخبار
عن فضل الله، وأثبتوا هذه الصفات لله تعالى ولم يشتغلوا بتفسيرها مع اعتقادهم تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين
وأما من اشتغل بالتأويل فله طريقان. أحدهما أن التشبيه مركب عقلى من غير نظر الى مفردات التركيب، بل
تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع وهى غاية الرضا ونهايته. وإنما ابراز ذلك فى صورة التشبيه تقرير المعنى الرضا
فى نفس السامع وتصويرا لمعناه. وثانيهما تمثيلى وهو أن يتوهم للشبه الحالات التى المشبه به وينتزع له منها ما يناسبه
حالة حالة بحيث لم يختل منها شىء يعنى إنه من باب التمثيل وهوأن يشبه الحال الحاصلة بتنجيز الرضا والاقبال
على العبد النائب بحال من كان فى المفازة على الصورة المذكورة فى الحديث، ثم يترك المشبه ويذكر المشبه به.
قال القرطبي : هذا مثل قصد به بيان سرعة قبول الله توبة عبده التائب وإنه يقبل عليه بمغفرته ويعامله معاملة من
يفرح بعمله، ووجه هذا المثل إن المعاصى حصل بسبب معصيته فى قبضة الشيطان وأسره، وقد أشرف على الهلاك
فإذا لطف الله به ووفقه للتوبة خرج من شوم تلك المعصية وتخلص من أسر الشيطان ، ومن المهلكة التى أشرف
عليها فأقبل اللّه عليه بمغفرته وبرحمته، وإلا فالفرح الذى هو من صفات المخلوقين محال على الله تعالى (كما تقدم
بيانه ) لكن هذا الفرح عند ثمرة وفائدة، وهو الاقبال على الشيء المفروح به وإحلاله المحل الأعلى، وهذا هو
الذى يصح فى حقه تعالى فعبر عن ثمرة الفرح بالفرح على طريقة العرب فى تسمية الشىء باسم ما جاوره أو كان
منه بسبب ـ انتهى. والحاصل إن اطلاق الفرح فى حقه تعالى مجاز عن رضاه وقد يعبر عن الشىء بسبه أو عن
ثمرته الحاصلة عنه، فان من فرح بشىء جاد لفاعله بما سأل ، وبذل له ما طلب فعبر عن عطاءه تعالى وواسع كرمه
بالفرح. وقال الطيبي: المراد كما الرضا لأن الفرح المتعارف لا يجوز عليه تعالى، والمتقدمون من أهل الحديث
فهموا من أمثال ذلك ما يرغب فى الأعمال الصالحة ويكشف عن فضل الله تعالى على عباده مع كونه منزها عن
صفات المخلوقين ولم يفتشوا عن معانى هذه الألفاظ، وهذه الطريقة السليمة. وقلما يزيغ عنه قدم الراسخ . وقال
التوربشتى: هذا القول وأمثاله اذا أضيف إلى الله سبحانه، وقد عرف أنه مما يتعارفه الناس فى نعوت بنى آدم على
٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
كان راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع فى
ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة
الفرح: اللهم أنت عبدى وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح.
ما تقدم فى غير هذا الموضع، أن النبي ◌َّم اذا أراد بيان المعانى الغيبية ولم يطاوعه فيه لفظ موضوع لذلك، فله أن
يأتى فيه بما يتضح دونه المعنى المراد، ولما أراد أن يبين أن التوبة منهم يقع عند الله بأحسن موقع عبر عنه بالفرح
الذى عرفوه من أنفسهم فى أسنى الأشياء وأحبها اليهم ، ليهتدوا إلى المعنى المراد منه ذوقا ومالا، وذلك بعد أن
عرفهم إن اطلاق تلك الألفاظ فى صفات الله تعالى على ما يتعارفونه فى فعوتهم غير جائز ولا يجوز لأحد أن
يتعاطى هذا النوع فى كلامه ويتسع فيه الا للنبي مَاه، فإنه يجوز له ما لا يجوز لغيره لبراءة نطقه عن الهوى، ولأنه
لا يقدم على ذلك الا باذن من الله، وهذه رتبة لا ينبغى إلا له صلى الله عليه وسلم - انتهى. قلت: كل صفة
وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم فهى صفة حقيقة لا مجاز، فهو تعالى يسمع ويبصر
ويتكلم بما شاء متى شاء ويرضى ويسخط ويعجب ويفرح بتوبة عبده، ومعنى كل ذلك معلوم والكيف مجهول ،
فنثبت له ذلك كله ولا نكيفه ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا نؤوله ولا نعطله. قال شيخنا: لا حاجة الى التأويل
ومذهب السلف فى أمثال هذا الحديث امرارها على ظواهرها من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل هذا. وقد
تقدم فى أول الباب ما ذكره ابن القيم فى بيان معنى هذا الحديث فراجعه ( كان راحلته ) قال القارى : وفى نسخة
يعنى من المشكاة كانت راحلته. قلت: والذى فى صحيح مسلم كان على راحلته، وهكذا نقله المنذری والجزرى،
والراحلة البعير الذى يركبه الانسان ويحمل عليه متاعه (بأرض فلاة ) بالاضافة وبتنوين أى بمفازة ليس فيها
ما يؤكل ويشرب (فانفلتت) أى نفرت وفرت (وعليها ) أى على ظهر (طعامه وشرابه) يعنى يكون حزنه على
غاية الشدة بذهاب الراحلة وخوف هلاك نفسه من عدم الزاد والماء ( فأيس ) من باب سمع (منها) أى من
وجدان الراحلة بعد طلبها (قد أيس من راحلته) أى من حصولها ووصولها وهى جملة حالية ( فبينما) كذا
فى جميع النسخ من المشكاة وفى صحيح مسلم فبينا ( هو كذلك) أى فى هذا الحال منكسر البال (اذ هو بها قائمة
عنده) أذ المفاجأة وقائمة حال من الضمير المجرور، أى اذ الرجل حاضر بتلك الراحلة حال كونها قائمة عنده
من غير تردد فى طلبها، وعليها زاده طعامه وشرابه ( فأخذ بخطامها) بكسر المسحمة أى زمامها فرحا يها فرحاً
لانهاية له (ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدى وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ) كرره لبيان غذره وسبب
صدوره يعنى أراد أن يحمد الله بما أنعم عليه من رد راحلته اليه وقصد أن يقول اللهم أنت ربى وأنا عبدك، فسبق
٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
رواه مسلم .
٢٣٥٦ (١١) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عبدا أذنب
ذنبا، فقال: رب! أذنبت فاغفره، فقال ربه: أعلم عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت
لعبدی. ثم مکه ما شاء الله،
لسانه عن نهج الصواب وأخطأ ، وقال اللهم أنت عبدى وأنا ربك من غاية الفرح، فكان أن فرح هذا الرجل على
غاية الشدة فكذلك رضاء الله فى توبة عبده. قال عياض: فيه إن ما قاله الانسان من مثل هذا فى حال دهشته
وذهوله لا يؤاخذ به، وكذا حكايته عنه على طريق على وفائدة شرعية لا على الهزل والمحاكاة والعبث، ويدل على
ذلك حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولو كان منكرا ما حكاه والله اعلم (رواه مسلم) فى التوبة، وأخرجه
البخارى فى أوائل الدعوات مختصرا ، وفى الباب عن البراء بن عازب والنعمان بن بشير عند أحمد ومسلم والحاكم
وعن أبى سعيد عند أحمد وابن ماجه، وعن ابن مسعود عند أحمد والشيخين ، وسيأتى فى الفصل الثالث ، وعن
أبى هريرة عند أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه .
٢٣٥٦ - قوله (إن عبدا) أى من هذه الأمة أو من غيرهم (اذنب ذنبا) وفى البخارى إن عبدا أصاب
ذنباً. قال الحافظ: كذا تكرر هذا الشك (أى روى بالشك ههذا وفى المواضع الآتية) فى هذا الحديث من هذا الوجه
(أى من رواية همام بن يحيى عن اسحاق بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبى هريرة) ولم يقع فى رواية
حماد بن سلمة يعنى رواه حماد بن سلمة عن اسحاق عند مسلم بلفظ: عن النبي يُؤثّة فيما يحكى عن ربه عزوجل قال أذنب
عبد ذنباً ولم يشك، وكذا فى بقية المواضع ولفظ الكتاب للبخارى إلا أن المصنف اقتصر على أحد اللفظين بالجزم
تبعاً للبغوى ( فقال) ظاهره أنه عطف على أذنب. وقال الطيبي: خبر إن اذا كانت اسمها نكرة موصوفة ذكره
القارى ( رب ) أى يا رب (أدنيت) أى ذنباً، وفى البخارى أذنبت، وربما قال أصبت أى بالشك (فاغفره)
أى الذنب وقوله فاغفره كذا لأبى ذر، والكشميهنى فاغفرلى قاله القسطلانى (فقال ربه) أى الملائكة (أعلم
عبدى ) بهمزة الاستفهام والفعل الماضى وللاضيلى علم بحذف الهمزة. وقال الطيبي: قوله ((أعلم)، قيل إما
استخبار من الملائكة، وهو أعلم به المباهاة، وإما الاستفهام للتقرير والتعجيب، وإنما عدل عن الخطاب
وهو قوله: ((اعلمت عبدى. إلى الغيبة شكراً لصيغة إلى غيره واحمادا له على فعله (إن له رباً يغفر الذنب)
أى أذ شاء لمن شاء، (ويأخذ به) أى يؤاخذ ويعاقب فاعله اذ شاء لمن شاء وفى رواية حماد ويأخذ
بالذنب (غفرت لعبدى) أى ذنبه (ثم مكث ) بفتح الكاف وضمها (ما شاء الله) أى من الزمان،
٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
ثم أذنب ذنبا، فقال: رب! أذنبت ذنبا، فاغفره فقال: أعلم عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ
به؟ غفرت لعبدى ثم مكث ما شاء اللّه، ثم أذنب ذنبا قال: رب! أذنبت ذنبا آخر فاغفره لى.
فقال: أعلم عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدى. فليفعل ما شاء.
وسقط هذا من رواية حماد ( ثم أذنب ذنباً) آخر، وفى البخارى ثم أصاب ذنباً أو أذنب ذنباً، وفى رواية
حماد ثم عاد فاذنب (فقال رب أذنبت ذنباً) أى آخر، وفى البخارى أصبت أو أذنبت آخر (فاغفره)
لى وللأ صيلى فاغفرلى (فقال) ربه (اعلم عبدى) وللأصيلى علم بحذف الهمزة (ان له رباً يغفر الذنب) تارة
(ويأخذ به) أى يعاقب فاعله عليه أخرى (ثم مكث ما شاء الله) من الزمان (ثم أذنب ذنباً) آخر، وفى البخارى
بعده وربما قال أصاب ذنباً ( قال) وفى بعض النسخ فقال (رب أذنبت ذنباً آخر) أى من جنسه أو من غير
جنسه، وفى البخارى رب أصبت أو قال أذنبت آخر. قال القسطلانى كذا بالشك فى هذه المواضع المذكورة
کها فی هذا الحدیث من هذا الوجه ورواه حماد عن أسحاق عند مسلم ولم يشك ( غفرت لعبدی) وزاد فى رواية
غير أبى ذر ((ثلاثاً)) قال القسطلانى: أى غفرت لعبدى الذنوب الثلاثة. وقال القارى فى شرح الحصن: قوله
ثلاثاً ليس ظرفاً لقوله غفرت كما يتبادر إلى الوهم بل بيان لما وقع من تكرار السؤال والجواب والحديث بين العبد
والرب ( فليفعل ) قال القارى: وفى نسخة يعنى من المشكاة وهى كما فى المصابيح فليعمل: قلت: وهكذا وقع
فى البخارى وكذا نقله المنذرى فى الترغيب والجزرى فى الحصن، وهكذا وقع عند أحمد (ج ٢ ص ٢٩٦)
( ماشاء) أى من الذنب المعقب بالتوبة الصحيحة، ففيه أن التوبة الصحيحة لا يضر فيها نقص بالذنب ثانيا بل
مضت على صحتها ويتوب من المعصية الثانية. وهكذا قال المنذرى: قوله فليعمل ما شاء)) معناه اذ كان هذا دأبه
يذنب الذنب فيتوب منه ويستغفر فليفعل ماشاء لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره
لا، أنه يذنب الذنب فيستغفر منه بلسانه من غير إقلاع ثم يعاوده، فان هذه توبة الكذابين وبدل له قوله ثم
أصاب ذنباً آخر - انتهى . وفى رواية حماد اعمل ما شئت فقد غفرت لك . قال النووي: معناه ما دمت تذنب ثم
تتوب غفرت لك. وقال الطبي: أى اعمل ما شئت ما دمت تذنب ثم تتوب فانى أغفر لك. وهذه العبارة تستعمل
فى مقام السخط كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم فإنه بما تعملون بصير - فصلت: ٤٠) وليس هذا المعنى مرادا
ههنا، وفى مقام التلطف والحفاوة بالخاطب وإظهار العناية والشفقة به كما فى هذا الحديث وفى قوله فى حديث
حاطب بن أبي بلتعة لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وكما تقول لمن تحبه وهو
يؤذيك اصنع ما شئت فلست بتمارك ذلك ، وليس المراد من ذلك الحث على الفعل بل أظهار الحفاوة والتلطف -
٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
انتهى . قلت: قداشكل على كثير من الناس معنى قوله فليعمل ماشاء كما أشكل عليهم معنى قوله المذكور فىحديث
حاطب ، فان ظاهره إباحة كل الأعمال للعمل بدر وتخييرهم فيما شاءوا منها، وذلك ممتنع ، وقد أجيب عن ذلك
بوجوه منها ما قال ابن القيم فى الفوائد (ص ١٦) إن هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون
دينهم بل يموتون على الاسلام وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب ، ولكن لا يتركهم سبحانه
مصرين عليها ، بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك، ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم،
لأنه قد تحقق ذلك فيهم وإنهم مغفور لهم ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم كما لا يقتضى ذلك
أن يعطلوا الفرائض وثوقا بالمغفرة، فلو كانت قبد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا
بعد ذلك الى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال ، ومن أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب
فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل أسباب المغفرة، ونظير هذا قوله فى الحديث الآخر أذنب عبد ذنباً فقال أى رب
أذنبت ذنباً فاغفره لى فغفر له - الحديث. وفيه ((قد غفرت لعبدى فليعمل ما يشاء) فليس فى هذا إطلاق وإذن
منه سبحانه له فى المحرمات والجرائم. وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك اذا أذنب وتاب، واختصاص هذا
العبد بهذا لأنه قد علم أنه لا يصر على ذنب وإنه كلما أذنب تاب ، حكم يعم كل من كانت حاله حاله لكن ذلك
العبد مقطوع له بذلك كما قطع به لأهل بدر، وكذلك كل من بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة أو
أخبره بأنه مغفور له لم يفهم منه هو ولا غيره من الصحابة إطلاق الذنوب والمعاصى له ومسامحته بترك الواجبات
بل كان هؤلاء أشد اجتهادا وحذرا وخوفا بعد البشارة منهم قبلها كالعشرة المشهود لهم بالجنة وقد كان
الصديق شديد الحذر والمخافة، وكذلك عمر فانهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها والاستمرار عليها
الى الموت ومقيدة بانتفاء موانعها ولم يفهم أحد منهم من ذلك الاطلاق الاذن فيما شاءوا من الأعمال - انتهى.
قال النووى: فى هذا الحديث أن الذنوب لو تكررت مائة مرة بل الفا أو أ کثر وتاب فى كل مرة قبلت توبته أو
تاب عن الجميع توبة واحدة محت توبته. وقال القرطبي فى المفهم: هذا الحديث يدل على عظم فائدة الاستغفار
وكثرة فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه، لكن هذا الاستغفار هو الذى يثبت معناه فى القلب مقارناً للسان
لتنحل به عقدة الاصرار، ويحصل معه الندم وهو ترجمة للتوبة، ويشهد له حديث خياركم كل مفتن تواب أى الذى
يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع فى الذنب عاد الى التوبة لا من قال استغفر الله بلسانه وقلبه مصر على تلك
المعصية، فهذا الذى استغفاره يحتاج الى استغفار، وفى حديث ابن عباس عند ابن أبى الدنيا مرفوعا ((التائب من
الذنب كمن لا ذنب له)، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئى بربه، لكن الراجح إن قوله والمستهزى.
إلى آخره موقوف. قال القرطبي: وفائدة هذا الحديث إن العود الى الذنب وإن كان أقبح من ابتداء، لأنه
٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
متفق عليه .
٢٣٥٧ - (١٢) وعن جندب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث: أن رجلا
أضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة لكن العود الى التوبة أحسن من ابتدائها، لأنه انضاف اليها ملازمة الطلب
من الكريم والالحاح فى سواله والاعتراف بأنه لا غافر الذنب سواه. وقال ابن بطال: فى هذا الحديث إن المصر
على المعصية فى مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له مغلباً لحسنته التى جاء بها، وهى اعتقاد أن له رباً خالقاً
يعذبه يغفر له واستغفاره إياه على ذلك يدل عليه قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - الأنعام: ١٦٠)
ولا حسنة أعظم من التوحيد، فان قيل إن استغفاره ربه توبة منه، قلنا ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة،
وقد يطلبها المصر والتائب. ولا دلالة فى الحديث على أنه تاب ما سأل الغفران عنه، لأن حد التوبة الرجوع عن
الذنب، والعزم على أن لا يعود اليه والاقلاع عنه والاستغفار بمجرده لا يفهم منه ذلك ، وقال غيره شروط
التوبة ثلاثة الاقلاع والندم والعزم على أن لا يعود اليه، والتعبير بالرجوع عن الذنب لا يفيد معنى الندم بل هو
إلى معنى الاقلاع أقرب. قال بعضهم: يكفى فى التوبة تحقق الندم على وقوعه منه، فإنه يستلزم الاقلاع عنه ،
والعزم على عدم العود فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه. ومن ثم جاء الحديث الندم توبة، وهو حديث حسن
من حديث ابن مسعود أخرجه ابن ماجه وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان من حديث أنس وصححه ومن شاء
مزيد الكلام فى ذلك فليرجع الى مدارج السالكين (ج ١ ص ٨٨) والى باب التوبة من أوائل كتاب الدعوات
من الفتح ، فانه قد استوفى البحث فى ذلك هناك وقال السبكى فى الحلبيات: الاستغفار طلب المغفرة إما باللسان
أو بالقلب أو بهما فالأول فيه نفع لأنه خير من السكوت ولأنه يعتاد قول الخير، والثانى نافع جدا، والثالث
أبلغ منه لكن لا يمحصان الذنب (أى قطعاً وجزماً) حتى توجد التوبة منه فان العاصى المصر يطلب المغفرة
ولا يستلزم ذلك وجود التوبة إلى أن قال، والذى ذكرته إن معنى الاستغفار غير معنى التوبة هو بحسب وضع
اللفظ لكنه غلب عند كثير من الناس إن لفظ استغفر الله معناه التوبة، فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة
لا محالة ، ثم قال وذكر بعضهم إن النوبة لا تتم الا بالاستغفار لقوله تعالى ﴿ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا اليه -
هود: ٣)، والمشهور إنه لا يشترط - انتهى ملخصاً من فتح البارى. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى
باب قول الله يريدون أن يبدلوا كلام الله من كتاب التوحيد ومسلم فى التوبة وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٢
ص ٢٩٦) وابن السنى (ص ١١٧) والحاكم (ج ٣ ص ٢٤٢) ونسبه فى الحصن للنسائى أيضاً.
٢٣٥٧ - قوله ( حدث) أى حكى لأصحابه ( إن رجلا) يحتمل أنه من هذه الأمة أو من غيرهم
٣١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن اللّه تعالى قال: من ذا الذى يتألى على أنى لا أغفر لفلان فانى
قد غفرت لفلان واحبطت عملك أو كما قال. رواه مسلم.
٢٣٥٨ - (١٣) وعن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد الاستغفار
(قال والله يغفر الله لفلان) قاله استكثارا أو استكبارا لذنبه أو تعظيما لنفسه حين جنى عليه كما يصدر عن بعض جهلة
الصوفية قاله القارى (وأن اللّه تعالى) بفتح الهمزة أى وحدث أن الله تعالى وبكسرها أى والحال إن اللّه تعالى
(قال من ذا الذى يتألى على) بفتح الهمزة وتشديد اللام المفتوحة أى يتحكم على ويحلف باسمى من الالية اليمين،
يقال آلى يؤلى ايلاء واتلى بأتلى ابتلاء وتآلى يتألى تألياً أى حلف والاسم الآلية (انى لا اغفر لفلان) وهذا
استفهام إنكار فلا يجوز لأحد الجزم بالجنة أو النار أو عدم المغفرة إلا لمن ورد فيه النص (فانى قد غفرت لفلان)
أى رغماً لأنفك (وأحبطت عملك) قال المظهر: أى أبطلت قسمك وجعلت حلفك كاذباً، لما ورد فى حديث
آخر من يتأل على اللّه يكذبه ( أى من حكم وحلف نحو واللّه ليدخل اللّه فلاناً النار أبطل قسمه وجعل حلقه
كاذباً) فلا متمسك للعتزلة أن ذا الكبيرة مع عدم الاستحلال يخلد فى النار كالكفر يحبط عمله. وقال النووى:
فى الحديث دلالة لمذهب أهل السنة فى غفران الذنوب بلا توبة اذا شاء الله غفرانها، واحتجت المعتزلة به فى
إحباط الأعمال بالمعاصى الكبائر. ومذهب أهل السنة إنها لا تحبط الا بالكفر، ويتأول حبوط عمل هذا على
أنه سقطت حسناته فى مقابلة سيئاته، فسمى إحباطا مجازا، ويحتمل أنه جرى منه أمر آخر أوجب الكفر،
ويحتمل أن هذا كان فى شرع من كان قبلنا وكان هذا حكمهم - انتهى . وقيل: هو محمول على التغليظ . قال فى
المات: قوله ((من ذا الذى يتألى على)) فى هذه العبارة تخويف وتهديد شديد وفى صورة الغيبة دون أن يقول
أنت الذى تألى، دلالة على التهديد لكل من يتألى من غير خصوصية بالمخاطب، ثم خاطبه بأنك اذا حلفت على
فاعلم إنى قد غفرت له على رغم أنفك وأحبطت عملك جزاء على ما قلت: (أو كما قال) شك الراوى أى قال
الرسول أو غيره ما ذكرته، أو قال مثل ذلك وهو تنبيه على النقل بالمعنى لئلا يتوهم نقل اللفظ أيضاً. قال النووي:
ينبغى للراوى وقارىء الحديث اذا اشتبه عليه لفظه فقرأها على الشك أن يقول عقيبه ((أوكما قال)) وكذا يستحب
لمن روى بالمعنى أن يقول بعده ((أو كما قال)) أو ((نحو هذا)) كما فعلته الصحابة فمن بعدهم والله أعلم. وقد روى
الدارمى فى مسنده فى باب من هاب الفتيا مخافة السقط آثارا كثيرة فى ذلك فمن شاء فليرجع اليه (رواه مسلم)
فى البر والصلة والأدب .
٢٣٥٨ - قوله (سيد الاستغفار) قال العزيزى: أى أفضل أنواع صيغ الاستغفار يعنى الأكثر ثوابا
٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
أن تقول: اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما
استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت،
عند الله. قلت: ترجم البخارى لهذا الحديث بقوله باب أفضل الاستغفار. قال الحافظ: ترجم بالأفضلية، ووقع
الحديث بلفظ السيادة فكأنه أشار إلى أن المراد بالسيادة الأفضلية، ومعناها الأكثر نفعا لمستعمله يعنى إن النفع
والثواب الستغف به لا للاستغفار نفسه،. المواد المستنف هذا النوعمن الاستغفار أكثر ٥ انا من المسغتف

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
أبوء لك بنعمتك على، وأبوء بذنى فاغفرلى، فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: ومن قالها من
النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسى فهو من أهل الجنة. ومن قالها من الليل وهو موقن بها
فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة.
ألست بربكم - الأعراف: ١٧٢) فأقروا له بالربوية واذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما قال على لسان نبيه إن من
مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة (أبوء لك بنعمتك على) بضم الموحدة وسكون الواو بعدها همزة ممدودا
أى اعترف بها من قولهم باء بحقه أى أقربه، وأصله البواء ومعناه اللزوم ومنه بوأه اللّه منزلا اذا أسكنه فكاته
الزمه به (وأبوء بذنبى) أى اعترف به. وقيل: معناه احتمله برغمى لا أستطيع صرفه عنى من قولهم باء فلان
بذنبه اذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه. قال القسطلانى: ولأبى ذر عن الكشميهنى وأبوء لك بذنبى،
وفى رواية الترمذى واعترف بذنوبي . قال الطيبي: واعترف أولا بأنه أنعم عليه ولم يقيده ليشمل كل النعم، ثم
اعترف بالتقصير وإنه لم يقم بأداء شكرها وعده ذنبا مبالغة فى التقصير وهضم النفس - انتهى. قال الحافظ:
ويحتمل أن يكون قوله وأبوء لك بذنبي اعترافا بوقوع الذنب مطلقاً ليصح الاستغفار منه لا أنه عد ما قصر فيه
من أداء شكر النعم ذنبا (فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) يؤخذ منه إن من اعترف بذنيه غفر له ،
وقد وقع صريحا فى حديث الإفك الطويل ، وفيه كما تقدم قبل أربعة أحاديث ((العبد اذا اعترف بذنبه و تاب
تاب الله اليه)) وهذا الاعتراف فيما بينه وبين ربه لا عند الناس، لأنه يحب الستر والكتمان عن الناس إذا
اقترف ذنباً هو يستطيع أن يكتمه (قال) أى النبي صلى الله عليه وسلم (ومن قالها) أى هذه الكلمات
(من النهار) أى فى بعض أجزاء، وفى رواية النسائى فان قالها حين يصبح، والترمذى لا يقولها أحدكم حين
يمسى فيأتى عليه قدر قبل أن يصبح أو حين يصبح فيأتى عليه قدر قبل أن يمسى ( موقنابها) أى مخلصاً
من قلبه مصدقا بثوابه . وقال القارى: أى حال كونه معتقدا لجميع مدلولها إجمالا أو تفصيلا (فمات من يومه قبل
أن يمسى) أى قبل الغروب (فهو من أهل الجنة) أى يموت مومنا فيدخل الجنة أو مع السابقين أو بغير عذاب
أو هو بشارة بحسن الخاتمة، وفى رواية التر مذى إلا وجبت له الجنة، وفى رواية النسائى دخل الجنة. قال
الندى: أى ابتداء وإلا فكل مومن يدخل الجنة بإيمانه، وهذا فضل من الله تعالى. وقال الكرمانى: فان قيل
المؤمن وإن لم يقلها فهو من أهل الجنة. قلت: المراد أنه يدخلها إبتداء من غير دخول النار لأن الغالب ان الموقن
بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصى الله تعالى أو إن الله يعفو عنه بيركه هذا الاستغفار، فإن قلت فما الحكمة فى
كونه سيد الاستغفار؟ قلت: هذا وأمثاله من التعبديات والله أعلم بذلك لكن لا شك أن فيه ذكر الله تعالى
بأكمل الأوصاف وذكر العبد نفسه بأنقص الحالات وهى أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو
٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
رواه البخارى .
:﴿ الفصل الثانى )
٢٣٥٩ - (١٤) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: يا ابن
آدم ! إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالى، يا ابن آدم ! لو بلغت
ذنوبك عنان السماء،
أما الاول فلما فيه من الاعتراف بوجود الصانع وتوحيده الذى هو أصل الصفات العدمية المسماة بصفات الجلال
والاعتراف بالصفات السبعة الوجودية المسماة بصفات الإكرام وهى القدرة اللازمة من الخلق الملزومة للارادة
والعلم والحياة . والخامسة الكلام اللازم من الوعد والسمع والبصر واللازمان من المغفرة إذا المغفرة المسموع
والمبصر لا يتصور الا بعد السماع والابصار. وأما الثانى فلا فيه أيضاً من الاعتراف بالعبودية وبالذنوب فى
مقابلة النعمة التى تقتضى نقيضها وهو الشكر - انتهى. وقال ابن أبى جمرة: من شروط الاستغفار صحة النية
والتوجه والأدب فلو أن أحدا حصل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد
لكن أخل بالشروط هل يستويان؟ فالجواب إن الذى يظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار اذا
جمع الشروط المذكورة والله أعلم (رواه البخارى) فى أوائل الدعوات، وأخرجه أيضاً فى الأدب المفرد،
وأخرجه أحمد (ج٤ ص ١٢٢، ١٢٥) والنسائى فى الاستعاذة وفى اليوم والليلة، والترمذى فى الدعوات والحاكم
(ج ٢ ص ٤٥٨) وفى الباب عن بريدة عند أحمد وأبي داود فى الأدب والنسائى، وابن ماجه فى الدعاء وعن
جابر عند النسائى، وابن السنى (ص ١٢٨) ونسبه فى الكنز لعبد بن حميد وابن أبى شيبة أيضاً .
٢٣٥٩ - قوله (إنك ما دعوتني ورجوتنى) ما مصدرية ظرفية، أى مادمت تدعونى وترجونى يعنى فى
مدة دعائك ورجائك (غفرت لك) ذنوبك (على ما كان فيك) أى من المعاصى وان تكررت وكثرت (ولا أبالى)
أى بكثرة ذنوبك وخطاياك ولا يتعاظمنى ذلك ولا استكثره يعنى لايعظم على مغفرتك ، وإن كانت ذنوبك كثيرة
فذنوب العبد، وأن كثرت وعظمت فان عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم فهى صغيرة فى جنب عفو الله
ومغفرته. قال القارى: ولا أبالى أى والحال إنى لا أتعظم مغفرتك على وإن كان ذنباً كبيراً أو كثيرا. قيل:
لأن الدعاء مخ العبادة وهو سؤال النفع والصلاح والرجاء يتضمن حسن الظن بالله تعالى، والله عزوجل يقول أنا
عند ظن عبدى بى وعند ذلك تتوجه رحمة الله إلى العبد، وإذا توجهت لا يتعاظمها شئ لأنها وسعت كل شئ.
قال الطيبي : فى قوله ولا أبالى معنى لا يسئل عما يفعل (لو بلغت ذنوبك عنان السماء) بفتح العين المهملة وبنونين
٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
ثم استغفرتنى، غفرت لك ولا أبالى يا ابن آدم! إنك لو لقيتنى بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتنى
لا تشرك بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة .
خفيفتين أى سحابها واحدها عنانة. وقيل عنان السماء ما عن (بتشديد النون) لك منها أى ظهرلك منها إذا رفعت
رأسك الى السماء ونظرتها وما انتهى اليه البصر منها وقال الطبى: العنان السحاب وإضافتها الى السماء تصوير لارتفاعه
وأنه بلغ مبلغ السماء يعنى لو تجسمت ذنوبك وملات الأرض والفضاء بكثرتها وعظمتها حتى ارتفعت الى السماء
( ثم أستغفرتنى غفرت لك) هو نظير قوله تعالى (ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً
رحيما - النساء: ١١٠﴾ (لولقيقى) كذا فى جميع النسخ الحاضرة من المشكاة، والذى فى الترمذى لو أتيتنى وهكذا فى
المصابيح والترغيب والحصن والجامع الصغير والكنز ومدارج السالكين، والظاهر إن ما وقع فى نسخ المشكاة
خطأ من الناسخ (بقراب الأرض) بضم القاف ويكسر والضم أشهرأى بما يقارب ملأ ها وقيل: أى يملاً ها وهو أشبه
أى هو المراد هنا لأن الكلام فى سياق المبالغة، ويؤيده ما وقع فى آخر حديث أبى ذرعند أحمد وقراب الأرض ملاء
الأرض (خطايا) تمييز أى بتقدير تجسمها (ثم لقيتنى) أى مت حال كونك (لا تشرك بي شيئاً) أى معتقداً
توحيدى مصدقا برسولى محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به وهو الايمان. قال القارى: قوله لا تشرك بي شيئاً
الجملة حال من الفاعل أو المفعول على حكاية الحال الماضية لعدم الشرك وقت اللقى (لأتيتك بقرابها مغفرة)
تمييز أيضاً وعبر به الشاكلة وإلا فمغفرة الله أبلغ وأوسع لا يجوز الاغترار به وإكثار المعاصى، فالمراد الحث
على الاستغفار والتوبة، وإن اللّه يقبل توبة التائب ويغفر له وإن كثرت ذنوبه. قال الطيبي: ثم هذه التراخى فى
الأخبار وإن عدم الشرك مطلوب أولى، ولذلك قال لقيتنى وقيد به وإلا لكان يكفى أن يقال خطايا لا تشرك بى .
قال القارى: فائدة القيد أن يكون موته على التوحيد - انتهى. قال ابن رجب فى شرح الأربعين: قد تضمن
حديث أنس هذا إن هذه الاسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة أحدها الدعاء مع الرجاء والثانى الاستغفارولو عظمت
الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء، والثالث التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به
فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة. قال الله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء -
النساء: ١١٦﴾ فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة لكن هذا مع مشيئة الله
عزوجل فان شاء غفر له وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد فى النار بل يخرج منها ، ثم يدخل الجنة.
قال بعضهم: الموحد لا يلقى فى النار كما يلقى الكفار ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار فان كمل توحيد العبد وإخلاصه
فقه فيه وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من
الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة
٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
رواه الترمذى .
٢٣٦٠ - (١٥) ورواه أحمد، والدارمى عن أبى ذر، وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب.
٢٣٦١ - (١٦) وعن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال اللّه تعالى! من
علم أتى ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له
وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلا، وحيقذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر ،
وربما قلبتها حسنات فان هذا التوحيد هو الأكسير الأعظم فلو وضع ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبها
حسنات - انتهى. وارجع الى مدارج السالكين (ج ١ ص ١٨٣، ١٨٤) فانه قد أسهب الكلام فى إيضاح ذلك
بما لا مزيد عليه هذا، وقد بسط ابن رجب الكلام فى شرح السببين الأولين وإيراد ما يناسب المقام ويتعلق
به عقب ذكركل واحد منهما فليرجع اليه من شاء (رواه الترمذى) فى الدعوات من طريق كثير بن فائد عن
سعيد بن عبيد الهنائى عن بكر بن عبد الله المزنى عن أنس، وقال حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه -
انتهى . قال ابن رجب: واسناده لا بأس به. وقال الدار قطنى: تفرد به كثيربن فائد عن سعيد مرفوعا، ورواه
مسلم بن قتيبة عن سعيد بن عبيد فوقفه عن أنس. قال ابن رجب روى عنه مرفوعا وموقوفا وتابعه على رفعه
أبو سعيد مولى بنى هاشم فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضاً، وقد روى أيضاً من حديث ثابت عن أنس
مرفوعا ولكن قال أبو حاتم هو منكر - انتهى. ونسب الحديث فى الكتز للضياء أيضاً.
٢٣٦٠ - قوله (ورواه أحمد) (ج ٥ ص ١٦٧، ١٧٢) (والدارمى) فى الرقاق (ص ٣٧٥) كلاهما
من طريق شهر بن حوشب عن معدی کرب عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه فذكرا معنى
حديث أنس، ورواه أحمد (ج ٥ ص ١٥٤) أيضا مختصرا من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن أبى ذر
وفى الباب عن ابن عباس أخرجه الطبرانى فى معاجيمه الثلاثة. قال الهيشمى: وفيه ابراهيم بن اسحاق الصينى
وقيس بن الربيع وكلاهما مختلف فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح - انتهى. وعن أبى الدرداء أخرجه الطبر فى
فى الكبير (وقال الترمذى هذا) أى حديث أنس (حسن غريب) قد تقدم إن ابن رجب قال اسناده لا بأس به
وأنه تابع كثير بن فائد على رفعه أبو سعيد مولى بنى هاشم فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا .
٢٣٦١ - قوله (من علم أنى ذو قدرة) أى أذعن وتحلى قلبه بأنى ذو قدرة (على مغفرة الذنوب
غفرت له) قال الطيبي : دل هذا الحديث على أن اعتراف العبد بذلك سبب للغفران وهو نظير قوله أنا عند ظن
عبدى بى - انتهى. وظاهر كلامه هذا انه يغفر له وإن لم يستغفر. وقيل: معنى الحديث من علم أنى ذو قدرة على
٣٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
ولا أبالى، ما لم يشرك بى شيئا. رواه فى «شرح السنة)).
٢٣٦٢ - (١٧) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لزم الاستغفار جعل الله له
من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب.
مغفرة الذنوب أى واستغفرنى غفرت له. قلت: وإلى الأول مال الشوكانى كما يدل عليه كلامه فى تحفة الذا كرين
عند شرح حديث أنس السابق ، حيث قال بل ورد ما يدل على أن العبد إذا أذنب فعلم أن الله تعالى إن شاء أن
يعذبه عذبه وإن شاء أن يغفر له غفر له كان ذلك بمجرده موجبا للغفرة من الله سبحانه وتعالى تفضلا منه
ورحمة ، كما فى حديث أنس عند الطبرانى فى الأوسط. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذنب ذنبا فعلم
أن الله عزوجل إن شاء عذبه وإن شاء غفر له كان حقا على الله أن يغفر له وفى اسناده جابر بن مرزوق الجدى
وهو ضعيف قال ، ومثل هذا غير مستبعد من الفضل الربانى والتطول الرحمانى فهو الذى يغفر ولا يبالى
(ولا أبالى) قال العلقمى: أى بذنوبك لأنه سبحانه وتعالى لا حجر عليه فيما يفعل ولا معقب لحكمه ولا مانع
لعطاءه (ما لم يشرك بي شيئا) لأن الشرك لا يغفر إلا بالايمان والتوبة (رواه) أى البغوى (فى شرح السنة) أى
باستاده ونسبه فى الجامع الصغير الطبرانى فى الكبيروالحاكم. قلت: أخرجه الحاكم (ج ٤ ص ٢٦٢) من طريق
حفص بن عمر العدنى عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس فذكره. وقال حديث صحيح الإسناد ، وتعقبه
الذهبي فقال العدنی واه .
٢٣٦٢ - قوله (من لزم الاستغفار) أى عند صدور معصية أو داوم عليه فانه فى كل نفس يحتاج اليه
ولذا قال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن وجد فى صحيفته استغفارا كثيرا، وسيأتى فى الفصل الثالث واللفظ المذكور
لأبى داود وابن ماجه وابن حبان، ورواه أحمد والنسائى وابن السنى والحاكم بلفظ: من أكثر من الاستغفار
وهذا يؤيد المعنى الثانى ( من كل ضيق) الضاد ويفتح أى شدة ومحنة . وقيل: أى أمر شديد عسير يضيق به
القلب ( مخرجا ) مصدر أو ظرف أى طريقا يخرجه إلى سعة ومنحة بسبب كثرة الاستغفار ولزومه. والجار
متعلق به وقدم عليه للاهتمام وكذا (ومن كل هم) أى غم وحزن وقلق ( فرجا) بفتحتين وهو بالجيم أى خلاصاً
من فرج الله الغم عنه كفرجه كشفه وأذهبه، والفرجة مثلثة التفصى والخلوص من الشدة والهم والاسم الفرج
محركة (وززقه) أى حلالا طيباً (من حيث لا يحتسب) أى من وجه لا يظن ولا يرجو ولا يخطر بباله. قال
الجزرى: أى من حيث لا يعلم ولا كان فى حسابه - انتهى. وفى الحديث إيماء إلى قوله تعالى: ﴿ومن يتق اله
يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه - الطلاق: ٢-٣) ولما كان لا يخلو المتقى
٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
رواه أحمد، وأبو داود . وابن ماجه.
وغيره من التقصير كما ورد كل بنى آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون أشار عبد الله اليه فى تعبيره بملازمة الاستغفار
إيماء إلى أن العاصى اذا استغفر صار متقياً، وهذا جزاء المتقى لا محالة. قال الطيبي: من داوم الاستغفار وأقام
بحقه كان متقياً وناظرا إلى قوله تعالى ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم
بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنها را-نوح: ١٠-١٢) ففيه دليل على أن بالاستغفار يحصل كل شىء،
ويؤيد هذا ما ذكره الثعلبى إن رجلا أتى الحسن البصرى رح فشكا إليه الجدوبة فقال له الحسن استغفر الله
وأناه آخر فشكا إليه الفقر فقال له استغفر الله وأناه آخر فقال أدع الله أن يرزقنى ابنا، فقال استغفر الله وأنا.
آخر فشكا إليه جفاف بساتينه فقال له استغفر الله فقيل له أناك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا فأمرتهم
كلهم بالاستغفار فقال ما قلت من ذات نفسى فى ذلك شيئا، إنما اعتبرت فيه قول الله عزوجل حكاية عن نبيه نوح عليه
السلام إنه قال لقومه ﴿استغفروا ربكم) الآية (رواه أحمد) (ج١ ص٢٤٨) (وأبو داود) فى أواخر الصلاة
(وابن ماجه) فى فضل الذكر وأخرجه أيضا النسائى وابن السنى (ص ١١٨ - ١١٩) وابن حبان والحاكم ( ج١
ص ٢٦٢) والبيهقى كلهم من رواية الحكم بن مصعب عن محمد بن على بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده
عبد الله بن عباس. قال الحاكم حديث صحيح الإسناد، ونقل المنذرى فى الترغيب قول الحاكم وأقره، وقال فى
تهذيب السنن: فى اسناده الحكم بن مصعب ولا يحتج به. وقال فى رجال الترغيب: الحكم بن مصعب صويلح
الحديث لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم فيما علم وذكره ابن حبان فى الثقات وفى الضعفاء أيضا. وقال يخطئ ـانتهى.
وقال الذهبى فى تلخيص المستدرك: قلت. الحكم فيه جهالة - انتهى. وقال الحافظ فى التقريب: الحكم ين مصعب
المخزومى مجهول، ووافق الشيخ أحمد شاكر الحاكم حيث قال فى شرح المسند (ج ٤ ص ٥٥) اسناده صحيح: الحكم
أن مصعب. قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال يخطىء وذكره أيضاً فى الضعفاء. وقال
((لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار)) قال الحافظ فى التهذيب ((وهو تناقض صعب))
والذى أراه إنه أن جهله أبو حاتم فقد عرفه غيره وإن تناقض فيه ابن حبان فلا يؤخذ بكلامه فان البخارى
عرفه وترجمه فى الكبير ٣٢٦/٢/١. قال (الحكم بن مصعب القرشى: سمع محمد بن على بن عبد الله بن عباس
سمع منه الوليد بن مسلم ، فلم يذكر فيه جرحا فهو ثقة عنده خصوصاً وإنه لم يذكره هو ولا النسائى فى الضعفاء.
وأما قول المنذرى فى مختضر السنن فى حق الحكم انه لا يحتج به فهو غلو منه شديد - انتهى. قلت: الحكم هذا ليس له
عندهم الا فرد حديث وهو حديث لزوم الاستغفار ولم يرو عنه الا الوليد بن مسلم ورجل آخر على ما قاله
ابن حبان ولم يصرح أحد بتوثيقه، وليس هو من الرواة المعروفين المشهورين بالعدالة حتى يستغنى عن التوثيق
٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
٢٣٦٣ - (١٨) وعن أبى بكر الصديق، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أصر من
استغفر وإن عاد فى اليوم سبعين مرة. رواه الترمذى، وأبو داود.
٢٣٦٤ - (١٩) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل بنى آدم
والتعديل ، ففى كون اسناد هذا الحديث صحيحا نظر عندى، نعم هو ليس ممن لا يقبل حديثه فى فضائل الأعمال
والأذكار بناء على قول المنذرى إنه صويلح الحديث. وذكر البخارى له تأريخه من غير جرح والله أعلم.
٢٣٦٣ - قوله (ما أصر من استغفر) كلمة ((ما)) نافية يعنى من عمل معصية ثم ندم على ذلك واستغفر
منه خرج عن كونه مصرا على المعصية، لأن المصر هو الذى لم يستغفر ولم يندم على الذنب. قال فى النهاية أصر
على الشر لزمه وداومه وأكثر ما يستعمل فى الشر والذنوب، أى من اتبع ذنبه بالاستغفار فليس بمصر عليه وإن
تكرر منه (وأن عاد) أى ولو رجع إلى ذلك الذنب أو غيره، وهذا لفظ أبى داود وابن السنى والترمذى ولو فعله
(فى اليوم ) أو الليلة (سبعين مرة) الظاهر إن المراد به التكثير والتكرير والمبالغة لا التحديد، وليس المراد
بالاستغفار التلفظ بقوله استغفر الله، بل المراد الندامة على فعل المعصية والعزم على عدم العود. قال المناوى فى
شرح هذا الحديث : أى ما أقام على الذنب من تاب توبة صحيحة، وإن عاد فى اليوم سبعين مرة فان رحمة الله
لا نهاية لها فذنوب العالم كلها متلاشية عند عفوه، وفى الحديث ايماء إلى قوله تعالى ( والذين إذا فعلوا فاحشة
أو ظلموا أنفسهم فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك
جزاءهم مغفرة من ربهم - آل عمرا: ١٣٥-١٣٦} الآية قال الشوكانى: ولم يصروا أى لم يقيموا على قبيح فعلهم،
والمراد بالاصرار هنا العزم على معاودة الذنب وعدم الاقلاع عنه بالتوبة منه وقال ابن القيم: الاصرار عقد القلب
على ارتكاب الذنب متى ظفر به فهذا الذى يمنع مغفرته (رواه الترمذى) فى أحاديث شتى من أبواب الدعوات
(وأبو داود) فى أواخر الصلاة وأخرجه أيضاً ابن السنى (ص ١١٨) كلهم من رواية أبى نصيرة عن مولى
لأبى بكر عن أبى بكر ، وذكره الشوكانى فى فتح القدير ( ج ١ ص ٣٥٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن جرير
وابن أبي حاتم وأبي يعلى والبيهقى فى الشعب وسكت عليه أبوداود. وقال الترمذى : حديث غريب وليس اسناده
بالقوى أى لجهالة مولى أبي بكر، قال فى المبهات من التقريب: أبو قصيرة عن مولى لأبى بكر يقال هو أبو رجاء
وقال فى الكنى منه أبو رجاء مولى أبي بكر الصديق مجهول .
٢٣٦٤ - قوله ( كل بنى آدم ) كذا فى جميع النسخ الحاضرة من المشكاة، وهكذا فى المصابيح وجامع
الأصول (ج ٣ ص ٧٠) والكتز والجامع الصغير، وهكذا وقع عند ابن ماجه والدارمى والحاكم، والذى فى
٤٠