Indexed OCR Text
Pages 401-420
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة كانا رأى عين، فإذا خرجنا
من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. قال
أبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله ! قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة
كأنا رأى عين، فاذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضبعات نسينا كثيرا، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذى نفسى بيده، لو تدومون على ما تكونون عندى وفى الذكر
(((ما)) استفهامية وقوله ((تقول)) هو المتعجب منه يعنى عجبت من قولك هذا الذى حكمت فيه بالنفاق على نفسك
(قلت نكون عند رسول اللّه مَّا) أى لا عجب فى ذلك لأنا نكون عنده، وأتى بضمير الجمع لأن من المعلوم إنه
لا بد فى الحاضرين من يشابه حنظلة فى ذلك ولم يقل نافقنا لئلا يتوهم العموم الشامل للخصوص (يذكرنا) بالتشديد
أى يعظنا (بالنار) أى بعذابها تارة (والجنة) أى بنعيمها أخرى ترهيبا وترغيبا أو يذكرنا الله بذكر هما أو بقربهما
(كأنا) أى حتى صرنا كأنا (رأى عين) بالنصب أى كأنا نرى اللّه أو الجنة والنار رأى عين فهو مفعول مطلق
باضمار نرى، وروى بالرفع أى كأنا راؤن الجنة والنار بالعين على أنه مصدر بمعنى إسم الفاعل ويصح كونه الخير
البالغة كرجل عدل. قال القاضى: ضبطناه رأى عين بالرفع أى كأنا بحال من يراهما بعينه. قال ويصح النصب على
المصدر أى تراهما رأى عين (عافسنا الأزواج والأولاد) بالفاء والسين المهملة أى خالطناهم ولاعبناهم وعالجنا
أمورهم واشتغلنا بمصالحهم. قال الهروى وغيره: معناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به أى عالجنا معا يشنا وحظوظنا
(والضيعات) أى الأراضى والبساتين جمع ضيعة بالضاد المعجمة المفتوحة، وهى معاش الرجل من مال أو حرفة
أو صناعة. قال الهروى فى الغريبين: ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه من صناعة أو نخل أو غلة أو غيرما كذلك
أسمعنيه الأزهرى قال: شمر ويدخل فيها الحرفة والتجارة يقال ما ضيعتك فتقول كذا (نسينا) بدل اشتمال من
عافسنا أو هو جواب ((إذا)) وجملة عافسنا بتقدير قد حال قاله القارى والترمذى ونسينا (كثيرا) أى نسينا كثيرا
مما ذكرنا به أو نسيانا كثيرا كأنا ما سمعنا منه شيئاً قط وهذا أنسب بقوله رأى عين (وما ذاك) أى وما سبب
ذلك القول (لو تدومون) أى فى حال غيبتكم منى (على ما تكونون عندى) أى من صفاء القلب والخوف من الله
تعالى (وفى الذكر) قال الطبى: عطف على خبر كان الذى هو عندى. وقال ابن الملك: الواو بمعنى أو عطف على قوله
(((ما تكونون)) أو على عندى أى لوتدومون فى الذكر أو على ما تكونون فى الذكر وأنتم بعداء منى من الاستغراق
٤٠١
٠
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفى طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات. رواه مسلم.
® ( الفصل الثانى )
٢٢٩٢ - (١٠) عن أبى الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبتكم بخير
أعمالكم، وأزكاما عند مليككم؟ وأرفعها فى درجاتكم؟ وخير لكم من انفاق الذهب والورق؟
فيه (لصافحتكم الملائكة) قيل: أى علانية وإلا فكون الملائكة يصالحون أهل الذكر حاصل. وقال ابن حجر: أى
عيانا فى سائر الأحوال (على فرشكم وفى طرقكم) قال الطيبي: المراد الدوام (ولكن ياحنظلة ساعة وساعة) أى
ساعة كذا وساعة كذا يعنى ساعة فى الحضور تؤدون فيها حقوق ربكم، وساعة فى الغيبة والفتور تقضون فيها حظوظ
أنفسكم لينتظم بذلك أمر الدين والمعاش وفى كل منهما رحمة على العباد. قال فى المفاتيح: أى لا يكون الرجل منافقا
بأن يكون فى وقت على غاية الحضور وصفاء القلب وفى الذكر وفى وقت لا يكون بهذه الصفة ، بل لا بأس بأن
يكون ساعة فى الذكر وساعة فى الاستراحة والنوم والزراعة ومعاشرة النساء والأولاد وغير ذلك من المباحات
( ثلاث مرات ) أى قال ذلك ثلاث مرات وهو يحتمل أن يكون قوله ((ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)) أو قوله
ساعة وساعة)) ويحتمل أن يكون المراد تثليث لفظ ساعة أى ساعة فى الحضور فى الذكر وساعة فى حق النفس خاصة
وساعة فى العاقبة واختار الطيبى الثانى (رواه مسلم) فى التوبة وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٤ ص ١٧٨) والتر مذى
وابن ماجه فى الزهد .
٢٢٩٢ - قوله (ألا أنبئكم) وفى رواية ألا أخبركم وقوله ((ألا)) يحتمل أن يكون التنبيه وأنبئكم استئناف
بيان والاظهر أنه مركب ((من)) لا النافية واستفهام التقرير كما يدل عليه قولهم الآتى بلى (بخير أعمالكم) أى أفضلها
لكم (وأزكاما) أى أنماها من حيث الثواب الذى يقابلها وأظهرها من حيث كمال ذاتها لا بالنظر الى الثواب (عند
مليككم) المليك بمعنى المالك المبالغة. وقال فى القاموس: الملك ككتف وامير وصاحب ذو الملك (وأرفعها)
أى أكثرها رفعة بمقتضى السبية (فى درجاتكم) أى أكثرها رفعا لمنازلكم فى الجنة (وخير لكم من إنفاق
الذهب والورق) بكسر الراء وتسكن أى الفضة أى من صرفهما فى سبيل الله إبتغاء مرضاته. قال الطيبي: قوله
و((خير)) مجرور عطفا على خير أعمالكم من حيث المعنى لأن المعنى ألا أنبئكم بما هو خير لكم من بذل أموالكم
وأنفسكم فى سبيل الله - انتهى. وقال ابن حجر: عطف على ((خير أعمالكم)) عطف خاص على عام، لأن الأول
خير الأعمال مطلقا، وهذا خير من بذل الأموال والأنفس، أو عطف مغاير بأن يراد بالأعمال الأعمال
اللسانية فيكون ضد هذا يعنى مغايره، لأن بذل الأموال والنفوس من الأعمال الفعلية انتهى. وقال الشوكانى:
٤٠٢
مرعاة المفاتيح ج ٧
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب إليه
٩ - كتاب الدعوات
وخيرلكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى: قال: ذكر الله.
فى تخصيص هذين العملين الفاضلين: (الانفاق والجهاد) بالذكر أيضا بعد تعميم جميع الأعمال زيادة تأكيد لما
لما دل عليه ألا أنبئكم بخير أعمالكم وما بعده من فضيلة الذكر على كل الأعمال ومبالغة فى النداء بفضله عليها ودفع
لما يظن من أن المراد بالأعمال ههنا غير ما هو متناه فى الفضيلة وإرتفاع الدرجة - وهو الجهاد والصدقة بما هو
محبب إلى قلوب العباد فوق كل نوع من أنواع المال وهو الذهب والفضة (وخير لكم من أن تلقوا عدوكم) أى
للجهاد والعدو يطلق على الجمع ولذا جمع ضمير أعناقهم (فتضربوا أعناقهم) أى أعناق بعضهم (ويضربوا) أى
بعضهم (أعناقكم) أى كلكم أو بعضكم يعنى خير لكم من بذل الأموال والأنفس فى سبيل الله بأن تجاهدوا الكفار
(قالوا بلى) أى أخبرنا، وفى رواية أحمد وابن ماجه قالوا: وما ذاك يا رسول الله! (قال ذكر اللّه) أى هو
ذكركم له سبحانه وإطلاق الذكر يشمل القليل والكثير مع المداومة وعدمها. وفى الحديث دليل على أن الذكر
أفضل عند الله تعالى من جميع الأعمال التى يعملها العبد وإنه أكثرما نماء وبركة وأرفعها درجة وفى هذا ترغيب
عظيم ، فانه يدخل تحت الأعمال كل عمل يعمله العبد كائنا ما كان . قال السندى : أحاديث أفضل الأعمال مختلفة ،
وقد ذكر العلماء فى توفيقها وجوها من جملتها أن الاختلاف بالنظر إلى اختلاف أحوال المخاطبين ، فمنهم من
يكون الأفضل له الاشتغال بعمل، ومنهم من يكون الأفضل له الاشتغال بأخر يعنى فمن كان مطيقا للجهاد قوى
الأثر فيه شجاعاً باسلا يحصل به نفع الاسلام ، فأفضل أعماله الجهاد ، ومن كان كثير المال غنيا ينتفع الفقراء
بماله فأفضل أعماله الصدقة ، ومن كان غير متصف بأحد الصفتين المذكورتين فأفضل أعماله الذكر ونحوه. وقال
الحافظ: المراد بذكر الله فى حديث أبى الدرداء الذكر الكامل وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر فى
المعنى واستحضار عظمة الله تعالى، وإن الذى يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلا من غير
استحضار لذلك، وأن أفضلية الجهاد إنما هى بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له أنه جمع ذلك كمن يذكر
اللّه بلسانه وقلبه واستحضاره وكل ذلك حال صلاته أو فى صيامه أو تصدقه أو قتاله الكفار مثلا فهو بلغ الغاية
القصوى والعلم عند الله تعالى. وأجاب القاضى أبو بكر بن العربى بأنه ما من عمل صالح إلا والذكر مكنترط فى
تصحيحه، فمن لم يذكر الله عند صدقته أو صيامه مثلا فليس عمله كاملا فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية،
ويشير إلى ذلك حديث نية المؤمن أبلغ من عمله. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام فى قواعده : هذا الحديث
يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر النصب فى جميع العبادات بل قد ياجر الله تعالى على قليل الأعمال أكثر
ما ياجر على كثيرها فاذا الثواب يترتب على تفاوت الرتب فى الشرف - انتهى. وقيل: لعل الخيرية والأرفعية فى
الذكر لأجل إن سائر العبادات من إنفاق الذهب والفضة ومن ملاقاة العدو، و المقاتلة معهم إنما هى وسائل
ووسائط تتقرب العباد بها إلى الله تعالى. والذكر إنما هو المقصود الاسنى والمطلوب الأعلى كما قال الله تعالى
٤٠٣
منعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
رواه مالك، وأحمد، والترمذى، وابن ماجه، إلا أن مالكا وقفه على أبى الدرداء.
٢٢٩٣ - (١١) وعن عبد الله بن بسر، قال: جاء أعرابى إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: أى
الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله
﴿ وأقم الصلاة لذكرى - طه: ١٤) وقال ( ولذكر الله أكبر - العنكبوت: ٤٥) فالذكر لب العبادات. وقال فى
حجة الله (ج ٢ ص ٥٤) الأفضلية تختلف بالاعتبار ولا أفضل من الذكر باعتبار تطلع النفس إلى الجبروت ولا
سيما فى نفوس زكية لا تحتاج إلى الرياضات وإنما تحتاج إلى مداومة التوجه هذا. وقد بسط الغزالى الكلام فى ذلك
فى آخر الباب الأول من كتاب الأذكار من إحياء العلوم فارجع إليه (رواه مالك) فى أواخر الصلاة (وأحمد)
(ج ٥ ص ١٩٥) موصولا ومنقطعا وفى (ج ٦ ص ٤٤٧) منقطعا (والترمذى) فى الدعوات (وابن ماجه)
فى فضل الذكر، وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١ ص ٤٩٦) وابن أبى الدنيا والطبرانى فى الكبير، والبيهقى فى شعب
الايمان و ابن شاهين فى الترغيب فى الذكر، وحسن اسناده المنذرى والهيثمى وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .
(إلا أن مالكا وقفه) بالتخفيف (على أبى الدرداء) يعنى والباقون رفعوه إلى النبى مؤتم ولا يضر لأن الحكم لمن
وصل لا لمن وقف لأن مع الأول زيادة العلم بالوصل وزيادة الثقة مقبولة، ولأن هذا ما لا يقال من قبل الرأى
فوقفه كرفع غيره قاله القارى. قلت : وفى سند المؤطا إنقطاع أيضا فانه رواه مالك عن زياد بن أبى زياد انه
قال قال أبو الدرداء الا أخبركم الخ ورواه أحمد (ج ٥ ص ١٩٥) والترمذى وابن ماجه وغيرهم من طريق زياد
ابن أبى زياد عن أبى بحرية عن أبى الدرداء، وفى الباب عن معاذ بن جبل عند أحمد. قال المنذرى: باسناد جيد
إلا أن فيه إنقطاعاً. وقال الهيشمى: رجاله رجال الصحيح إلا أن زياد بن أبى زياد لم يدرك معاذا وعن ابن عمر
عند البيهقى فى شعب الايمان.
٢٢٩٣ - قوله (طوبى) فعلى من الطيب (لمن طال عمره) بضمتين على ماهو الأفصح الوارد فى
كلامه سبحانه، وفى القاموس العمر بالفتح و بالضم و بضمتين الحياة (وحسن عمله) قال الطيبي: إن الأوقات
والساعات كرأس المال للتاجر فينبغى أن يتجر فيما يرمح فيه وكلما كان رأس ماله كثيرا كان الريح أكثر فن انتفع
من عمره بأن حسن عمله فقد فاز وافلح، ومن اضاع رأس ماله لم يرمح وخسر خسراناً مبيناً - انتهى. قال ابن
حجر : طوبى فعلى من الطيب، والمراد بها الثناء عليه والدعاء له بطيب حاله فى الدارين ، والا ظهر أنه خبر لأنه
فى جواب أى الناس خير ، ويمكن أن يكون المراد من طوبى الجنة أو شجرة فى الجنة تعم أهلها وتشمل محلها . قال
الطيبي: وكان من الظاهر أن يجاب من طال عمره وحسن عمله، فالجواب من الأسلوب الحكيم كأنه قال غير
خاف إن خير الناس من طال عمره وحسن عمله بل الذى يهمك أن تدعو له فتصيب من بركته - انتهى.
٤٠٤
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عزوجل والتقرب إليه
قال: يا رسول اللّه: أى الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله.
رواه أحمد والترمذى.
٢٢٩٤ - (١٢) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مررتم برياض الجنة
والأظهر أنه إخبار عن طيب حاله وحسن مآ له فيكون متضمنا للجواب ببلاغة مقاله كذا فى المرقاة. قلت:
الرواية عند أحمد والترمذى بغير زيادة كلمة ((طوبى)) وكذا ذكرها الجزرى بغير هذه الزيادة فى جامع الأصول
(ج ١٢ ص ٣٢١) فالجواب فى روايتهما على ما يقتضيه الظاهر (وأسانك) الواو الحالية (رطب) بفتح الراء
وسكون الطاء أى قريب العهد أو متحرك طرى (من ذكر الله) قال الطيبي: رطوبة اللسان عبارة عن سهولة
جريانه كما أن يبسه عبارة عن ضده ثم إن جريان اللسان عبارة عن مداومة الذكر فكأنه قيل خير الأعمال مداومة
الذكر، فهو من أسلوب قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون - البقرة: ١٣٢﴾ انتهى. وقيل: المقصود
فى الحديث الحث على الذكر القلبى والمداومة عليه، لكن لما كان الذكر اللسانى دالا عليه ومنبئاً عنه مثابا عليه
اكتفى بذكره إقامة الدال مقام المدلول. و أما اذا اجتمعا فهو أولى وأحرى (رواه أحمد والترمذى) فيه نظر
فان بين السياق الذى ذكره المصنف ههنا تبعاً للصابيح وبين سياق أحمد والترمذى فرقا بيناً، فإن الترمذى أخرج
الفصل الأول فقط فى باب ما جاء فى طول العمر الؤمن من كتاب الزهد بلفظ: إن أعرابيا قال يا رسول الله !
من خير الناس قال من طال عمره وحسن عمله. وروى الفصل الثانى فقط بسند الأول فى فضل الذكر
من الدعوات بالسياق الذى يأتى فى الفصل الثالث من هذا الباب. وأما الامام أحمد فروى الحديث بتمامه فى
موضعين الأول بلفظ: أتى النبي ◌َّل أعرابيان فقال أحدهما من خير الرجال يا محمد: قال من طال عمره
وحسن عمله ، وقال الآخر: أن شرائع الاسلام قد كثرت علينا فباب تتمسك به جامع قال لا يزال لسانك رطباً.
بذكر الله، والثانى بلفظ: جاء أعرابيان إلى رسول اللّه تَّ فقال أحدهما أى الناس خير؟ قال من طال عمره
وحسن عمله. وقال الآخر يا رسول الله: إن شرائع الاسلام فذكر مثل السياق الآتى فى الفصل الثالث ، ونسب
هذا الحديث فى تنقيح الرواة البغوى فى شرح السنة والله أعلم. والحديث قد حسنه الترمذى، وروى الجزء الأول
أيضا الطبرانى فى الكبير وأبو نعيم فى الحلية كما فى الجامع الصغير . وروى نحوه أحمد ورجاله رجال الصحيح وابن
حبان فى صحيحه والبيهقى عن أبى هريرة والترمذى وصححه ، وأحمد واالدارمى والطبرانى والحاكم، والبيهقى عن
أبى بكرة وأبو يعلى بإسناد حسن عن أنس و الحاكم عن جابر. وقال صحيح على شرط الشيخين، وأما الجزء الثانى
فسيأتى تخريجه فى الفصل الثالث .
٢٢٩٤ - قوله (إذا مررتم برياض الجنة) جمع روضة، وهى أرض مخضرة بأنواع النبات يقال لها
٤٠٥
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عزوجل والتقرب اليه
فارتعوا . قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر. رواه الترمذى.
٢٢٩٥ - (١٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قعد مقعدا
لم يذكر الله فيه كانت علبه من الله قرة، ومن اضطجع مضجما لا يذكر الله فيه كانت عليه من اللّه ترة
بالفارسية مرغزار أى بساتينها الموضوعة فى الدنيا المورثة للجنات العالية فى العقبى، والمراد بها مجالس الذكر
ومواضعه فهو من باب تسمية الشىء باسم ما يؤل اليه أوبما يوصل اليه (فارتعوا) من رقع كمنع رتعا ورقوعا
ورناعا بالكسر، أكل وشرب ما شاء فى خصب وسعة، أو هو الأكل والشرب رغداً أو فى الريف أو بشره، وهو
كتابة عن أخذ الحظ الأوفر والنصيب الأوفى، يعنى فافعلوا فيها ما يكون سببا لحصولها من الأذكار لما جاء أن
الجنة قيعان وغرأسها أذكاره تعالى (حلق الذكر) أى هى حلق الذكر. قال فى النهاية: الحلق بكسر الحاء وفتح
اللام جمع الحلقة (بفتح الحاء وسكون اللام مثل قصعة وقصع) وهى الجماعة من الناس مستديرون كملقة الباب
وغيره. وقال فى جامع الأصول: الحلقة بسكون السلام الشىء المستدير كملقة الخاتم ونحوها، والمراد به
الجماعة من الناس يكونون كذلك . وقال الجوهرى. جمع الحلقة حلق بفتح الحاء على غير قياس. وحكى عن
أبى عمر وإن الواحد حلقة بالتحريك والجمع حلق بالحق بالفتح. وقال ثعلب كلهم يجيزه على ضعفه. شبه فى هذا.
الحديث مجالس الذكر وفى حديث ابن عباس عند الطبرانى مجالس العلم برياض الجنة، وشبه الاشتغال بالاذكار
وإكتساب العلم وهو علم الكتاب والسنة وما يتوصل به اليهما برقع الحيوانات فى أنواع النبات بجامع النفع
قيل : هذا الحديث مطلق فى المكان والذكر فيحمل على المقيد المذكور فى باب المساجد والذكر هو سبحان الله
والحمد لله الخ ذكره الطبي، والأظهر حمله على العموم وذكر الفرد الأكمل بالخصوص لاينافى عموم المنصوص.
وقـ تقدم شىء من الكلام فى هذا فى شرح حديث أبى هريرة فى باب المساجد فعليك أن تراجعه (رواه الترمذى)
فى الدعوات وحسنه وأخرجه أيضا أحمد والبيهقى فى شعب الإيمان .
٢٢٩٥ - قوله (كانت) أى القعدة (عليه) أى على القاعد (من الله) أى من جهة أمره وحكمه (قرة)
يكسر التاء وتخفيف الراء أى حسرة والموتور الذى قتل له قتيل ولم يدرك بدمه وكذلك وتره حقه أى نقصه وكلا
الأمرين معقب للحسرة، ومنه قوله تعالى: ﴿لن يتركم أعمالكم - محمد: ٣٥) أى لن ينقصكم أعالكم والهاء
عوض عن الواو المحذوفة مثل عدة. وقال الجزرى: أصل الترة، النقص، ومعناها مهنا التبعة، يقال وترت
الرجل ترة على وزن وعدته عدة. وقال النووى فى الأذكار: معناه نقص وقيل: تبعة ويجوز أن يكون حسرة كما
فى الرواية الأخرى - انتهى. وهو منصوب على الخبرية وروى بالرفع على أن الكون تأم (ومن اضطجع مضجعا
لا يذكر الله فيه كانت) أى الاضطجاعة (من اللّه ترة) بالوجهين. قال الطيبي: كانت فى الموضعين رويت على
٤٠٦
٠٠
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
رواه أبو دود .
٢٢٩٦ - (١٤) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من قوم يقومون من مجلس
لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة. رواه أحمد وأبو داود.
التأنيث فى أبى داود وجامع الأصول وفى الحديثين اللذين يليانه على التذكير فيهما فعلى رواية التأنيث فى كانت
ورفع ترة ينبغى أن يؤول مرجع الضمير فى كانت مؤنثا إلى القعدة أو الاضطجاعة فيكون ترة مبتدأ والجاروالمجرور
أى عليه خبره، والجملة خبر كانت. وأما على رواية التذكير ونصب ترة كما هو فى المصابيح فظاهر والجار متعلق برة
ويؤيد هذه الرواية الأحاديث الآتية بعد - انتهى. قال القارى: ويمكن أن يقال تأنيث كان لتأنيث الخبر. وقال
الجزرى: يجوز رفع ترة ونصبها على أنه اسم كان وخبرها. قال القارى: ثم المراد يذكر المكانين استيعاب الأمكنة
كذكر الزمانين بكرة وعشيا لاستيعاب الأزمنة يعنى من فتر ساعة من الأزمنة وفى مكان من الأمكنة وفى حال
من الأحوال من قيام وقعود واضطجاع كان عليه حسرة وندامة ، لأنه ضيع عظيم ثواب الذكر كما ورد ليس
يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها - الحديث. (أخرجه الطبرانى والبيهقى عن معاذ)
ثم فى الحديث أتى ((بلم)) فى الجملة الأولى و((بلا)) فى الجملة الثانية تفننا - انتهى. (رواه أبو داود) فى الأدب
وسكت عنه . قال المذرى فى الترغيب: رواه أحمد وابن أبى الدنيا والنسائى وابن حبان فى صحيحه بنحوه وعزاه فى
تلخيص السنن إلى النسائى. وقال وفى إسناده محمد بن عجلان وفيه مقال .
٢٢٩٦ - قوله (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلاقاموا عن مثل جيفة حمار) أى ملتها
فى النتن والقذارة وذلك لغفلتهم عن الذكر ولأن المجلس لا يخلو عادة عن لغو الكلام وسقطه وعن الكلام فى إعراض
الناس. قال الطيبى: أى ما يقومون قياما إلا هذا القيام وضمن قاموا معى تجاوزوا وبعدوا فعدى بعن يعنى لا يوجد
عنهم قيام عن مجلسهم إلا كقيام المتفرقين عن أكل الجيفة التى هى غاية فى القذر والنقن والجيفة جثة الميت المنقنة .
قال ابن الملك: وتخصيص جيفة الحمار بالذكر لأنه أدون الجيف من بين الحيوانات التى تخالطنا وفى هذا التشبيه غاية
التنفير عن ترك ذكر الله تعالى فى المجالس، وإنه مما ينبغى لكل أحد أن لا يجلس فى مجلس الغفلة ولا يلابس أهله.
وإن يفرعنه كما يفر عن جيفة الخمار، فإن كل عاقل يفر عنها ولا يقعد عندها (وكان) أى ذلك المجلس (عليهم
حسرة) أى ندامة يوم القيام بسبب تفريطهم فى ذكر الله فى ذلك المجلس وذلك لما يظهر لهم فى موقف الحساب
من أجور العامرين لمجالسهم بذكر الله تعالى فيتحسرون على كل لحظة من أعمارهم لم يذكروا الله فيها. وحسرة روى
بالنصب على أنه خبر ((كان)) وبالرفع على أنه اسم ((كان)) أو على أن كان تامة أى وقع عليهم حسرة (رواه أحمد
وأبو داود) فى الأدب وسكت عنه هو والمنذرى. وقال النووى فى الأذكار: اسناده صحيح وأخرجه أيضاً
٤٠٧
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عزوجل والتقرب اليه
٢٢٩٧ - (١٥) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماجلس قوم مجلسا لم يذكروا الله
فيه ، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفرلهم. رواه الترمذى.
٢٢٩٨ - (١٦) وعن أم حبيبة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل كلام ابن آدم عليه
لا له، إلا أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو ذكر الله.
النسائى وابن السنى فى عمل اليوم والليلة (ص ١٤٣) والحاكم (ج ١ ص ٤٩٢) وقال حديث على شرط مسلم .
٢٢٩٧ - قوله (ولم يصلوا على نبيهم) تخصيص بعد تعميم (إلا كان) أى ذلك المجلس (عليهم ترة فان
شاء عذبهم) أى بذنوبهم السابقة وتقصيراتهم اللاحقة. وقال الطيبى: دل على أن المراد بالترة التبعة قال وقوله
(((فان شاء عذبهم ، من باب التشديد والتغليظ ويحتمل أن يصدر من أهل المجلس ما يوجب العقوبة من حصائد
ألسنتهم (وإن شاء غفر لهم) أى كرما منه وفضلا ورحمة، وفيه إيماء بأنهم اذا ذكروا الله لم يعذبهم حتما بل يغفر
لهم جزما (رواه الترمذى) من طريق سفيان عن صالح ،ولى التومة عن أبى هريرة، وقال حديث حسن. وقد
روى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه - انتهى. وأخرجه الحاكم (ج ١ ص ٤٩٦) من
طريق عمارة بن غزية عن صالح. وقال حديث صحيح الاسناد وصالح ليس بالساقط، وتعقبه الذهبي فقال صالح
ضعيف. وقال الترغيب بعد ذكر تحسين الترمذى: ورواه بهذا اللفظ ابن أبى الدنيا والبيهقى - انتهى. قلت:
صالح مولى التوأمة صدوق اختلط بآخره لا بأس برواية القدماء عنه، ولقيه السفيانان بعد ما كبر وتغير وخرف
كما فى التهذيب والظاهر أن الترمذى حسنه لمتابعاته وشواهده، فقد ورد فى كراهة القيام من المجلس قبل ذكر الله
أحاديث ذكرها الهيشمى فى مجمع الزوند ( ج ١٠ ص ٧٩، ٨٠) من شاء الوقوف عليها رجع اليه .
٢٢٩٩ - قوله ( كل كلام ابن آدم) كذا فى جميع النسخ بزيادة كل وهكذا فى المصابيح وجامع الأصول
والترغيب، والذى فى الترمذى وابن ماجه كلام ابن آدم أى بدون لفظ ((كل)) أو هكذا وقع فى الوابل الصيب
لابن القيم (عليه) أى ضرره ووباله عليه ولو كان مباحا، فان أقله تطويل الحساب وقد يجر إلى المكروه أو المحرم
فيصير سبباً للعذاب، أو يورث الغفلة عن الذكر فيكون وسيلة إلى نقص الثواب. وقيل: معنى ((عليه)) أى يكتب
عليه (لا له) أى ليس له نفع فيه أولا يكتب له ذكره تأكيداً (إلا أمر بمعروف) مما فيه نفع الغير من الأوامر
الشرعية (أونهى عن منكر) مما فيه موعظة الخلق من الأمور المنهية (أو ذكر الله) أى ما فيه رضا الله من الأذكار
الالهية . قال القارى: وظاهر الحديث أنه لا يظهر فى الكلام نوع يباح للانام اللهم إلا أن يحمل على المبالغة
والتأكيد فى الزجر عن القول الذى ليس بسديد وقد يقال إن قوله ((لا له)) تفسير لقوله ((عليه)) ولا شك أن
٤٠٨
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
رواه الترمذى، وابن ماجه . وقال الترمذى: هذا حديث غريب .
٢٢٩٩ - (١٧) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكتروا الكلام بغير ذكر الله
فان كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من اللّه القلب القاسى. رواه الترمذى.
المباح ليس له نفع فى العقبى أو يقال التقدير كل كلام بن آدم حسرة عليه لا منفعة له فيه الا المذكورات وأمثالها،
فيوافق بقية الأحاديث المذكورة وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو
معروف أو إصلاح بين الناس - النساء: ١١٤) وبه يرتفع إضطراب الشراح فى أمر المباح - انتهى كلام القارى.
(رواه الترمذى) فى الزهد (وابن ماجه) فى الفتن كلاهما من طريق محمد بن يزيد بن خنيس المكى عن سعيد بن
حسان عن أم صالح بنت صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة (وقال الترمذى هذا حديث غريب ) وفى بعض
نسخ الترمذى حسن غريب ونسبه المنذرى فى الترغيب لأبن أبى الدنيا أيضاً. وقال بعد ذكر كلام الترمذى: رواته
ثقات وفى محمد بن يزيد كلام قريب لا يقدح وهو شيخ صالح - انتهى. قلت: وأم صالح بنت صالح. قال الحافظ
فى التقريب : إنها لا يعرف حالها .
٢٢٩٩ - قوله (لا تكثروا) بضم التاء من الاكثار كذا وقع فى جميع النسخ بصيغة الجمع ، وهكذا
فى المصابيح وجامع الأصول وكذا نقله المنذرى فى الترغيب وعلى المتقى فى الكنز والنووى فى الرياض والذى فى
نسخ الترمذى الموجودة عندنا لا تكثر بصيغة الافراد (الكلام بغير ذكر الله) فيه إشارة إلى أن بعض الكلام
مباح وهو ما يعنيه ( فان كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة) بفتح القاف ومكون السين أى سبب قساوة
(للقلب) وهى النبوّ عن سماع الحق والميل الى مخالطة الخلق وقلة الخشية وعدم الخشوع والبكاء وكثرة الغفلة عن
دار البقاء (وإن أبعد الناس من اللّه القلب القاسى) أى صاحبه أو التقدير أبعد قلوب الناس القلب القاسى أو أبعد
الناس من له القلب القاسى. قال الطبى: ويمكن أن يعبر بالقلب عن الشخص لأنه به كما قيل المرأ بأصغريه أى
بقلبه ولسانه ، فلا يحتاج اذا الى حذف الموصول مع بعض الصلة قال تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى
. كالحجارة أو أشد قسوة - البقرة: ٧٤) الآية. وقال عز وجل ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر
الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم - الحديد:
١٦) (رواه الترمذى) فى الزهد وأخرجه أيضاً البيهقى وابن شاهين فى الترغيب كما فى الكنز . وقال الترمذى:
هذا حديث غريب لانعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب (عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر) قال
المنذرى فى الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذى والبيهقى. وقال الترمذى: حديث حسن غريب.
٤٠٩
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات - ١ باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
٢٣٠٠ - (١٨) وعن ثوبان، قال: لما نزلت {والذين يكنزون الذهب والفضة) كنا مع النبى
صلى الله عليه وسلم فى بعض أسفاره: فقال بعض أصحابه: نزلت فى الذهب والفضة، لو علمنا أى
المال خير فنتخذه؟ فقال أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على" إيمانه.
٢٣٠٠ - قوله (فقال بعض أصحابه نزلت فى الذهب والفضة) أى ما نزلت أو نزلت هذه الآية فى الذهب
والفضة وعرفنا حكمهما ومذمتهما ( لو علمنا) لو للتمنى (أى المال خير) مبتدأ وخبر والجملة سدت مسد
المفعولين لعلمنا تعليقا ( فنتخذه) منصوب باضمار أن بعد الفاء جوابا للتمنى واللفظ المذكور الترمذى. ولفظ
أحمد (ج ٥ ص ٢٧٨) فقال بعض أصحابه قد نزل فى الذهب والفضة ما نزل فلو أنا علمنا أى المال خير اتخذناه.
قيل: السؤال وإن كان عن تعيين المال ظاهرا لكنهم أرادوا ما ينتفع به عند تراكم الحوائج فلذلك أجاب عنه
بما أجاب ففيه شائبة عن الجواب عن أسلوب الحكيم (فقال أفضله ) أى أفضل المال أو أفضل ما يتخذه
الانسان قنية ( لسان ذاكر) أى بتحميد الله تعالى وتقديسه وتسبيحه وتهليله والثناء عليه بجميع محامده وتلاوة
القرآن (وقلب شاكر) أى على انعامه وإحسانه (وزوجة مؤمنة) قال الطيبي: الضمير فى أفضله راجع الى المال
على التأويل بالنافع أى لو علمنا أفضل الأشياء نفعا فنقتنيه ولهذا السر استثنى الله من أتى الله بقلب سليم من
قوله: ﴿مال ولابنون - الشعراء: ٨٨﴾ والقلب إذا سلم من آفاته شكر الله تعالى، فسرى ذلك إلى لسانه
حمد الله وأثنى عليه، ولا يحصل ذلك إلا بفراغ القلب ومعاونة رفيق يعينه فى طاعة الله - انتهى. ولهذا قال
(قعينه على ايمانه) أى على دينه بأن تذكره الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات وتمنعه من الزنا وسائر المحرمات
قال السندى: عد المذكورات من المال المشباركتها المال أى فى ميل قلب المؤمن اليها وإنها أمور مطلوبة عنده،
ثم عدها من أفضل الأموال لأن نفعها باق ونفع سائر الأموال زائل ، وبالجملة فالجواب من أسلوب الحكيم
للتنبيه على أن هم المؤمن ينبغى أن يتعلق بالآخرة فيسأل عما ينفعه، وإن أموال الدنيا كلها لاتخلو عن شر - انتهى.
قال القارى: ظاهر كلام الطيبي إن القلب مقدم على اللسان فى نسخته فبنى عليه ما ذكر ، وإلا فيقال اذا ذكر الله
بلسانه سرى ذلك إلى جنانه فشكر على احسانه فقدر الله تعالى له مؤنسة تعينه على إيمانه - انتهى. قلت: وقع فى
رواية ابن ماجه وكذا فى رواية لأحمد بتقديم القلب على اللسان ولفظهما عن ثوبان . قال: لما نزل فى الفضة
والذهب ما نزل. قالوا فأى المال نتخذ قال عمر أنا أعلم ذلك لكم قال فأوضع على بعير فأدركه وأنا فى أثره فقال
يا رسول الله! أى المال نتخذ قال ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعينة على أمر الآخرة
٤١٠
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
رواه أحمد ، والترمذى ، وابن ماجه.
الفصل الثالث )
٢٣٠١ - (١٩) عن أبى سميد، قال: خرج معاوية على حلقة فى المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا:
جلسنا نذكر الله. قال: آله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالو: الله ما أجلسنا غيره.
(رواه أحمد) (ج ٥ ص٢٧٨ - ٢٨٢) (والترمذى) فى تفسير سورة التوبة واللفظ له (وابن ماجه) فى أبواب،
النكاح كلهم من طريق سالم بن أبي الجعد عن ثوبان. قال الترمذى: حديث حسن سألت محمد بن اسماعيل فقلت
له سالم بن أبي الجعد سمع من ثوبان فقال لا، قلت له ممن سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال سمع من
جابر بن عبد الله وأنس بن مالك. وذكر غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - انتهى. وقال الذهلى
عن أحمد: لم يسمع سالم من ثوبان ولم يلقه وبينهما معدان بن أبي طلحة. وقال أبو حاتم: أدرك أبا أمامة
ولم يدرك عمرو بن عبسة ولا أبا الدرداء ولا ثوبان كذا فى تهذيب التهذيب ( ج ٣ ص ٤٣٢) قلت: والحديث
يؤيده ما رواه الطبرانى عن ابن عباس. قال المنذري باسناد جيد: أن النبي ◌َّم قال أربع من أعطيهن فقد
اعطى خير الدنيا والآخرة قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء وصابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا فى
نفسها وماله .
٢٣٠١ - قوله (خرج معاوية) بن أبى سفيان (على حلقة) بسكون اللام وتفتح أى جماعة متحلقة.
قال فى المجمع: الحلقة كالقصعة ، وهى الجماعة من الناس مستديرون. وقال الجزرى: قوله ((حلقة)) بسكون
اللام الشىء المستدير كحلقة الخاتم ونحوها، والمراد به الجماعة من الناس يكونون كذلك (فقال ما أجلسكم) أى
ما السبب الداعى إلى جلوسكم على هذه الهيئة ههنا وهو استفهام (قال آلله) بالمد والجر. قال السيد جمال الدين:
قيل الصواب بالجر لقول المحقق الشريف فى حاشيته همزة الاستفهام وقعت بدلا عن حرف القدم ويحب الجر
معها - انتهى. وكذا صحح فى أهل سماعنا من المشكاة ومن صحيح مسلم. ووقع فى بعض نسخ المشكاة بالنصب -
انتهى. وقال الطبى: قيل الله بالنصب أى أتقسمون باللّه؟ حذف الجار وأوصل الفعل ثم حذف الفعل كذا فى
المرقاة. وقال فى العات: قد يحذف حرف القسم فينصب بالايصال وقد يجر نحو الله لأفعلن كذا ثم أدخلت
حرف الاستفهام فد، وقيل: حرف الاستفهام صار بدلا من حرف القسم فيجر بها، ويرده جواز النصب بل
هو الغالب والجر شاذ، وإدخال حرف الاستفهام فى الجواب بطريق المشاكلة - انتهى. (قالوا آلله) تقديره
أى أو نعم نقسم بالله (ما أجلسنا غيره) فوقع الهمزة موقعها مشا كلة وتقريرا لذلك كما قرره الطيبي، وفى نسخ
٤١١
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
قال: أما إنى لم استحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه
حديثا منى، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم مهنا؟
قالوا: جلسنا نذكر اللّه وتحمده على ما هدانا للاسلام، ومن به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟
قالوا : آ لله ما اجلسنا إلا ذلك. قال: أما إنى لم استحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتانى جبرئيل فأخبرنى
أن الله عزوجل يباهى بكم الملائكة.
مسلم الموجودة عندنا قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، وهكذا وقع فى بعض نسخ الترمذى: ( قال ) أى معاوية
(أما) بالتخفيف للتنبيه ( إنى) بكسر الهمزة (لم أستحلفكم تهمة لكم) بضم أوله وسكون الهاء وتفتح. قال
فى النهاية: التهمة وقد تفتح الهاء فعلة من الوهم، والتاء بدل من الواو أ تهمته ظننت فيه مانسب اليه أى ما استحلفكم
تهمة لكم بالكذب ولكنى أردت المتابعة والمشابهة فيما وقع له صلى الله عليه وسلم مع الصحابة، وقدم بيان قربه
منه عليه الصلاة والسلام وقلة نقله من أحاديثه دفعا لتهمة الكذب عن نفسه فيما ينقله فقال. ( وما كان أحد
يمنزلتى) أى بمنزلة قربى (من رسول الله صلى الله عليه وسلم) لكونه محرما لأم حبيبة أخته من أمهات المؤمنين
ولكونه من إجلاء كتبة الوحى (أقل) خبر كان ( عنه) أى عن رسول اللّه مَفّ} (حديثا منى) أى لاحتياطى
فى الحديث وإلا كان مقتضى منزلته أن يكون كثير الرواية ( ومن ) فعل ماض من المن من باب نصر أى أنعم
(به) أى بالاسلام (علينا) أى من بين الأنام كما حكى الله تعالى عن مقول أهل دار السلام ﴿ الحمد لله الذى
هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله - الأعراف: ٤٣﴾ (قال آلله ما أجلكم إلا ذلك) لعله أراد به
الاخلاص (قال أما إنى لم أستحلفكم تهمة لكم) لأنه خلاف حسن الظن بالمؤمنين (ولكنه) أى الشـأن
(إن الله عزوجل يباهى بكم الملائكة) أى فأردت أن أحقق بماذا كانت المباهاة فللاهتمام بتحقيق ذلك الأمر
الاشعار بتعظيمه استحلفكم. قال النووي: قوله ((إن الله يباهى بكم الملائكة)، معناه يظهر فضلكم لحم ويريهم
حسن عملكم ويثنى عليكم عندهم، وأصل البهاء الحسن والجمال ، وفلان يباهى بماله وأهله أى يفتخر ويتجمل بهم
على غيرهم ويظهر حسنهم - انتهى. وقيل: معنى المباهاة بهم إن الله تعالى يقول لملائكته أنظروا إلى عبيدى
هؤلاء كيف سلطت عليهم نفوسهم وشهواتهم وأهويتهم والشيطان وجنوده ومع ذلك قويت همتهم على مخالفة
هذه الدواعى القوية إلى البطالة وترك العبادة والذكر فاستحقوا أن يمدحوا أكثر منكم ، لأنكم لا تجدون للعبادة
مشقة بوجه، وإنما هى منكم كالتنفس منهم ففيها غاية الراحة والملائمة للنفس. قال الطبي: أى فأردت أن أتحقق
٤١٢
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
رواه مسلم .
٢٣٠٢ - (٢٠) وعن عبد الله بن بسر، أن رجلا قال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد
كثرت على، فأخبرنى بشىء أتشبث به. قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله.
ما هو السبب فى ذلك فالتحليف لمزيد التقرير والتأكيد لا التهمة، كما هو الأصل فى وضع التحليف فان من لا يتهم
لا يحلف. قال ابن القيم: هذه المباهاة من الله تعالى دليل على شرف الذكر عند الله ومحبته له وإن له مزية على
غيره من الأعمال (رواه مسلم) فى الدعوات وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٩٢) والترمذى فى الدعوات
وأخرج النسائى فى آخر القضاء المسند منه فقط ونسبه فى الكنز لابن حبان أيضاً .
٢٣٠٢ - قوله (أن رجلا) هذا لفظ الترمذى ولابن ماجه إن أعرابيا (إن شرائع الإسلام) قال
الطبي : الشريعة مورد الابل على الماء الجارى والمراد ما شرع الله وأظهره لعباده من الفرائض والسنن - انتهى.
قال القارى: والظاهر أن المراد بهاهنا النوافل لقوله (قد كثرت على) بضم المثلثة ويفتح أى غلبت على بالكثرة
حتى عجزت عنها لضعفى (فاخبر فى بشئى) قال الطيبي: التفكير فى بشئى للقليل المتضمن لمعنى التعظيم كقوله تعالى:
(ورضوان من الله أكبر - التوبة: ٧٢) ومعناه أخبرنى بشتى يسير مستجلب لثواب كثير ـ انتهى. (أتشبث به)
بتشديد الموحدة أى أتعلق به واعتصم واستمسك وهذا لفظ الترمذى، ولابن ماجه فانبتنى منها بشئى أتشبث به
قال السندى: أى ليسهل على أدائها أو ليحصل به فضل ما فات منها من غير الفرائض ولم يرد الاكتفاء به عن
الفرائض والواجبات والله أعلم - انتهى. وقال الطبى: لم يرد أنه يترك ذلك رأساً ويشتغل بغيره حسب. وإنما
أراد إنه بعد أداء ما افترض عليه يتشبث بما يستغنى به عن سائرما لم يفترض عليه (قال لا يزال) أى هو إنه
لا يزال (لسانك رطبا من ذكر الله) أى طريا مشتغلا قريب العهد منه وهو كناية عن المداومة على الذكر. قال
ابن القيم فى الوابل الصيب: الفائدة السابعة والخمسون للذكر أن أدامته تنوب عن التطوعات وتقوم مقامها سواء
كانت بدنية أو مالية كج التطوع، وقد جاء ذلك صريحا فى حديث أبى هريرة إن فقراء المهاجرين اتوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ! ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلى
ويصومون كما نصوم ولهم فضل أموالهم يحجون بها ويعمتر ويجاهدون. فقال: ألا أعلكم شيئا تدر كون به من
سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم. قالوا: بلى يا رسول الله!
قال تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة - الحديث متفق عليه. جعل الذكر عوضا لهم عما فاتهم من الحج
والعمرة والجهاد وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر، فلما سمع أهل الدثور بذلك عملوا به فازدادوا إلى صدقاتهم
وعبادتهم بمالهم التعبد بهذا الذكر فازوا الفضيلتين فنفسهم الفقراء وأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم
٤١٣
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عزوجل والتقرب اليه
رواه الترمذى وابن ماجه ، وقال الترمذى. هذا حديث حسن غريب.
٢٣٠٣ - (٢١) وعن أبى سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أى العباد أفضل وأرفع
درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. قيل: يا رسول الله!
قد شاركوهم فى ذلك وانفردوا عنهم بما لا قدرة لهم عليه، فقال ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء - الجمعة: ٤)
وفى حديث عبد الله بن بسر قال جاء أعرابي فقال: يا رسول الله ! كثرت على خلال الاسلام وشرائعه فاخبرنى
بأمر جامع يكفينى، قال: عليك بذكر الله تعالى قال: ويكفينى يارسول الله قال نعم ويفضل عنك. فدله الناصح
يَاع على شتى يبعثه على شرائع الاسلام والحرص والاستكثار منها، فانه إذا اتخذ ذكر الله تعالى شعاره أحبه وأحب
ما يحب فلا شئ أحب إليه من التقرب بشرائع الاسلام، فدله ◌َ على ما يتمكن به من شرائع الاسلام
وتسهل به عليه وهو ذكر الله عزوجل (رواه الترمذى) فى الدعوات واللفظ له (وابن ماجه) فى فضل الذكر
وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٤ ص ١٨٨، ١٩٠) والحاكم (ج١ ص ١٩٥) وابن حبان وابن أبى شيبة. والحديث
حسنه الترمذى وصححه الحاكم والذهبى . قال الحافظ: وأخرج ابن حبان نحوه أيضاً من حديث معاذ بن جبل،
وفيه أنه السائل عن ذلك. وحديث عبد الله بن بسر عزاه الجزرى فى جامع الأصول (ج ٥ ص ٢٤١) للترمذى
فقط وذكره بلفظ: أن رجلا قال: يا رسول الله! إن أبواب الخير كثيرة ولا أستطيع القيام بكلها فأخبرفى
بشئى أتشبث به ولا تكثر على فأنسى قال ، وفى رواية إن شرائع الإسلام قد كثرت وأنا قد كبرت فأخبرنى
بشئى أتشبث به ولا تكثر على فأنسى، قال لا يزال لسانك رطبا بذكر الله تعالى - انتهى. ولم أجد هذا السياق
فى جامع التزمنى .
٢٣٠٣ - قوله (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أى العباد أفضل) وفى مسند الامام أحمد إن
أبا سعيد هو السائل عن ذلك (وارفع) ليس هذا اللفظ فى المسند ولا فى نسخ الترمذى الموجودة عندنا، فهم ذكره
الجزرى فى جامع الأصول وإبن القيم فى الوابل الصيب، ونسبا الحديث الترمذى. (قال الذاكرون الله كثيرا)
قيل : المراد بهم المداومون على ذكره وفكره، والقائمون بالطاعة المواظبون على شكره. وقيل: المراد بهم الذين
يأتون بالأذكار الواردة فى جميع الأحوال والأوقات (والذاكرات) أى الله كثيرا. قال القارى: وفى بعض
النسخ أى من المشكاة والذكرات غير موجودة - انتهى. قلت: وسقوطها هو الصواب فانها ليست عند أحمد ولا
الترمذى ولم يذكرها أحد من عزا الحديث للترمذى كالنووى فى الأذكار والمنذرى فى الترغيب والجزرى فى جامع
الأصول والسيوطى فى الجامع الصغير وابن القيم فى الوابل الصيب وعلى المتقى فى الكنز والشوكانى فى تحفة
الذاكرين. ولم يذكر هن النبي ◌َّه مع إرادتهن تغلييا الذكر على المؤنث (قيل يا رسول الله) وفى المسند قال قلت:
٤١٤
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عزوجل والتقرب إليه
ومن الغازى فى سبيل الله؟ قال: لو ضرب بسيفه فى الكفار والمشركين حتى ينكسر وبختضب دما،
فان الذاكرته أفضل منه درجة. رواه أحمد والترمذى. وقال: هذا حديث حسن غريب.
٢٣٠٤ - (٢٢) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشيطان جاثم على
قلب ابن آدم ، فإذا ذكر الله خنس، واذا غفل وسوس.
يا رسول الله! (ومن الغازى فى سبيل الله) أى الذاكرون أفضل من غيرهم، ومن الغازى أيضا قالوا ذلك تعجبا
(قال) أى رسول اللّه مَّه فى جوابه (لوضرب) أى الغازى (بسيفه فى الكفار) هذا من قبيل يجرح فى عراقيها
نصلى حيث جعل المفعول به مفعولا فيه مبالغة أن يوجد فيهم الضرب ويجعلهم مكانا للضرب بالسيف ، لأن جعلهم
مكانا للضرب أبلغ منن جعلهم مضروبين به فقط (والمشركين) تخصيص بعد تعميم إهتماما بشأنهم فانهم ضد
الموحدين (حتى ينكسر) أى سيفه (ويختضب) أى هو أو سيفه (دما) وهو كناية عن الشهادة (فان الذاكر لله)
وفى المسند، والترمذى لكان الذاكرون الله (أفضل منه) أى من الغازى (درجة) تحتمل الوحدة أى بدرجة
واحد عظيمة وتحتمل الجنس أى بدرجات متعددة (رواه أحمد) (ج ٣ ص ٧٨) (الترمذى) فى الدعوات
ونسبه فى الكنزلأبي يعلى وابن شاهين أيضا. قال المنذرى: ورواه البيهقى مختصراً قال قيل يا رسول الله! أى
الناس أعظم درجة قال الذاكرون اللّه (وقال) أى الترمذى (هذا حديث حسن غريب) كذا فى بعض النسخ
بزيادة لفظ حسن ، وفى بعضها هذا حديث غريب، أى بحذف لفظ حسن كما فى جامع الترمذى والترغيب
والكنز، وفى سنده ابن لهيعة وفيه كلام معروف عن دراج عن أبى الهيثم. قال فى التقريب فى ترجمة دراج: أنه
صدوق وفى حديثه عن أبى الهيثم ضعف .
٢٣٠٤ - قوله (الشيطان جائم) يجيم ومثلثة أى لازم الجلوس ودائم اللصوق من جثم الرجل أو الطائر
أو الحيوان يجثم جثما وجثوما أى تلبد بالأرض ولزمها والتصق بها (على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله) أى ابن
آدم بقلبه أو ذكر قلبه الله (خنس) من باب ضرب ونصر أى انقبض الشيطان وتأخروتنحى عنه، ولكثرة هذا
الوصف فيه سمى الخناس فى سورة الناس. قال الجزرى: الخنوس التأخر والانقباض (وإذا غفل) بمعجمة وفاء
أى هو أو قلبه عن ذكر الله (وسوس) أى اليه الشيطان وتمكن تمكنا تاما منه، وفيه ايماء إلى أن الغفلة سبب
الوسوسة لا العكس، ووقع فى حديث الحارث الأشعرى عند أحمد والترمذى وأمركم أن تذكروا الله تعالى فان مثل
ذلك مثل رجل خرج العدو فى أثره سراعا حتى إذا أتى إلى حصن حصين فاحرز نفسه منهم ، كذلك العبد لا يحرز
نفسه من الشيطان إلا بذكر الله - انتهى. قال ابن القيم: لو لم يكن فى الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقا
٤١٥
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ -باب ذكر الله عزوجل التقرب اليه
رواه البخارى تعليقا.
٢٣٠٥ - (٢٣) وعن مالك، قال: بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ذاكر الله
فى الغافلين كالمقاتل خلف الفارين،
بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى وأن لا يزال لهجا بذكره فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر
ولا يدخل عليه العدو، الامن باب الغفلة فهو يرصده، فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخس
عدو الله تعالى وتصاغر والقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب ولهذا سمى الوسواس الخناس أى يوسوس فى
الصدور، فإذا ذكر الله خنس أى كف وانقبض، ثم ذكر عن عباس مثل حديث الباب موقوفا عليه. (رواه
البخارى تعليقا) أى بلا ذكر سند قلت فى عزو هذا السياق المرفوع للبخارى نظر فانه ذكر فى تفسير سورة
الناس معناه عن ابن عباس موقوفا عليه من قوله لا مرفوعا حيث قال: ويذكر عن ابن عباس الوسواس اذا
وُلِدَ خنسه الشيطان ( أى أخره وأزاله عن مكانه لشدة نخسه وطعنه بأصعبه) فإذا ذكر الله ذهب واذا لم يذكر
الله ثبت على قلبه. قال الحافظ: اسناده إلى أبن عباس ضعيف، أخرجه الطبرى والحاكم (ج ٢ ص ٥٤١) وفى
استاده حكيم بن جبير وهو ضعيف، ولفظه ما من مولود إلا على قلبه الوسواس فان ذكر الله خفس وإن غفل
وسوس، وهو قوله تعالى: ﴿الوسواس الخناس - الناس: ٤﴾ قلت: قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين، ووافقه الذهبي وعزاه الشوكانى فى فتح القدير لابن المنذر وابن مردويه والضياء والبيهقى أيضاً ،
وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر عن ابن عباس بلفظ: يولد الانسان والشيطان جاثم على قلبه ، فإذا عقل
وذكر اسم الله خنس واذا غفل وسوس. وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس. قال: الوسواس
هو الشيطان يولد المولود، والوسواس على قلبه فهو يصرفه حيث شاء فاذا ذكر الله خنس، واذا غفل جثم على قلبه
فوسوس ولأبي يعلى والبيهقى فى الشعب وابن أبى الدنيا والحكيم الترمذى فى النوارد من حديث أنس مرفوعا.
قال: إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فان ذكر الله خنس وإن نسى النقم قلبه فذلك الوسواس الخناس
قال الحافظ: استاده ضعيف. وقال الهيثمى: فيه عدى بن عمارة وهو ضعيف. ولسعيد بن منصور من طريق.
عروة بن رويم. قال: سأل عيسى عليه السلام ربه أن يربه موضع الشيطان من بنى آدم فأراه فاذا رأسه مثل
رأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب فإذا ذكر العبد ربه خنس واذا ترك مناه حدثه.
٢٣٠٠ - قوله (وعن مالك قال بلغنى) تقدم الكلام فى بلاغات مالك المذكورة فى الموطأ، وهذا البلاغ
قد وصه أبو نعيم وغيره كما سيأتى (ذاكر الله فى الغافلين) أى عن الذكر ( كالمقاتل) أى الكفار (خلف الفارين)
بتشديد الراء أى المنهزمين الفارين من الزحف اذا التحم الحرب فى قتال الكفار، وفى حديث ابن عمر عند أبي نعيم
٤١٦
مرعاة المفاتيح ج ٧
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
٩ - كتاب الدعوات
وذاكر الله فى الغافلين كغصن أخضر فى شجر يابس. وفى رواية: مثل الشجرة الخضراء فى وسط
الشجر، وذاكر الله فى الغافلين مثل مصباح فى بيت مظلم، وذاكر الله فى الغافلين يريه اللّه مقعده
من الجنسة وهو حى وذاكر الله فى الغافلين يغفر له بعدد كل نصيح وأعجم. والفصيح: بنو آدم،
والأعجم: البهائم.
وغيره كالمقاتل عن الفارين شبه الذاكر الذى يذكر بين جمع لم يذكروا بالمجاهد الذى يقاتل بعد فرار أصحابه فى
كون كل منهما قاهرا للعدو، فالذاكر قاهر الشيطان وقامع لجنوده المسلطة على القلب كما أن القاتل الصابر قاهر.
وقامع لجنود الكفار ففيه تشبيه المعقول بالمحسوس (وذاكر الله) كرره لبنيط به فى كل مرة غير ما أناط به فى
الأخرى إعلاما بأنه أمر عظيم له فوائد متعددة مستقلة (فى الغافلين) أى فيما بينهم فالجار ظرف أى بينهم أو محله
الرفع على أنه صفة والتقدير الذاكر الكائن فى الغافلين ( كغصن أخضر فى شجر يابس) قال القارى: أى يجنب
الأشجار اليابسة (وفى رواية) هذه هى رواية ابن عمر عند أبي نعيم وغيره (مثل الشجرة الخضراء فى وسط الشجر)
بفتح السين المهملة ويسكن أى الشجر اليابس ، زاد فى حديث ابن عمر الذى قد تحات من الصريد أى تساقط من
شدة البرد فقد تهيأت حينئذ للحرق بالنار فكذا الغافل عن ذكر الله متهيئى للواخذة والعذاب نشبه فيه الذاكر
بغصن أخضر . ثمر أو شجرة خضراء مثمرة، والغافل بيابس تهيأ للحرق (وذاكر الله فى الغافلين مثل مصباح فى
بيت مظلم) فان الذكر نور وسرور والغفلة ظلمة وغيبة. قال الطيبي: شبه الذاكر الذى يذكر الله بين جماعة.
لم يذكروا بالمجاهد الذى يقاتل الكفار بعد فرار أصحابه منهم ، فالذاكر قاهر لجند الشيطان وهازم له، والغافل
مقهور منهزم منه. ثم شبه بالغصن الأخضر الذى يعد للاثمار ، والغافل باليابس الذى يهيأ للاحراق . ثم شبه
ثالثا بالمصباح فى مجرد كونه مضيئا فى نفسه، والغافل بالبيت المظلم فى مجرد الظلمة (يريه الله) وفى حديث ابن عمر
يعرفه الله بضم أوله وشدة الراء المكسورة (مقعده) أى وما أعد له (من الجنة وهو حى) جملة حالية وليست
هذه الجملة فى حديث ابن عمر. قال العزيزى: يحتمل أن يكون ذلك فى النوم. وقال القارى: لعل الإبراءة بالمكاشفة
أو بنزول الملائكة عند النزع لقوله تعالى {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا
ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون - فصلت: ٣٠﴾ (يغفرله) أى ذنوبه (بعدد كل فصيح وأجم)
المراد بالأعجم هنا كل دابة لا نطق لها، وفى رواية البيهقى من حديث ابن عمر وذاكر الله فى الغافلين من الأجر بعدد
كل فصيح وأعجم، وذاكر الله فى الغافلين ينظر الله إليه نظرة لا يعذبه أبدا، وذاكر الله فى السوق له بكل شعرة
٤١٧
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
رواه رزين.
٢٣٠٦ - (٢٤) وعن معاذ بن جبل، قال: ما عمل العبد عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله.
تور يوم يلقى الله (رواه رزين) قال فى التنقيح: الحديث ذكره رزين فى جامعه ولا يوجد فى شىء من أصوله
السنة يعنى صحيحى البخارى ومسلم والموطأ لمالك وجامع أبى عيسى الترمذى وستن أبى داود السجستانى وسنن
أبى عبد الرحمن النسائى، وهذا يدل على خطأ ماوقع فى نسخة جامع الأصول المطبوعة بمصر سنة ١٣٦٨ من عزو
هذا الحديث لموطأ الإمام مالك، فقد رقم فى أوله ط علامة لإخراج مالك له فى موطأه. وقال فى آخره
أخرجه الموطأ هذا وذكره على المتقى فى الكنز (ج ١ ص ٣٨٦) من حديث ابن عمر، ونسبه لأبي نعيم فى الحلية
والبيهقى فى الشعب وابن صهرى فى أماليه وابن شاهين فى الترغيب وابن النجار. قال وقال ابن شاهين : هذا
حديث صحيح الاسناد حسن المتن غريب الألفاظ - انتهى. وقال الشوكانى فى تحفة الذاكرين بعد عزوه لأبي نعيم
والبيهقى: وفى اسناده عمران بن مسلم القصير. قال البخارى: منكر الحديث. وقال الحافظ العراقى: سنده ضعيف،
ولعله يشير الى كون فى اسناده هذا الرجل - انتهى. ورواه الطبرانى فى الكبير والأوسط والبزار عن ابن مسعود
مختصرا ذاكر الله فى الغافلين بمنزلة الصابر فى الفارين. قال الهيشمى (ج ٩ ص ٨٠) رجال الأوسط وثقوا. وقال
العزيزى قال الشيخ : حديث صحيح.
٢٣٠٦ - قوله (ما عمل العبد عملا) كذا فى جميع النسخ من المشكاة ، وهكذا وقع فى جامع الأصول
(ج٥ ص٢٤٤) عزوا لاؤطا فقط، والذى جاء فى نسخ المؤطا الموجودة ما عمل ابن آدم من عمل، وهكذا ذكر
فى جامع الأصول (ج ١٠ ص ٣١٥) وقال فى آخر الحديث أخرجه الموطا والترمذى، والترمذى ما شىء أنجى،
ولابن ماجه ما عمل امروه بعمل ورواه أحمد (ج ٥ ص ٢٣٩) بلفظ: ما عمل آدمى عملا قط، والحاكم بلفظ:
ما عمل آدمى من عمل، وما فى ((ما عمل)) نافية ((وعملاء مفعول مطلق أو مفعول به على أن عمل بمعنى كسب أى فعل
عملا من أعمال البر ويؤيد هذا ما وقع فى رواية من عمل (انجى له) قال فى الحرز الثمين أفعل تفضيل من الانجاء
لا من النجاة، لأن النجاة من الخلاص والمعنى هنا على التلخيص وهو معنى الإنجاء وبناء أفعل التفضيل على هذا
الوزن من باب الإفعال قياس عند سيبويه، ويؤيده كثرة السماع كقولهم هو أعطاهم للدينار وأنت أكرم لى من
فلان وهو عند غيره سماع مع كثرته. ونقل عن المبرد والأخفش جواز بناء أفعل التفضيل من جميع المزيد فيه كأفعل
واستفعل وغيرهما كذا أفاده الشيخ الرضى - انتهى. (من عذاب الله من ذكر الله) من الأولى صلة أنجى والثانية
تفضيلية أى لجميع أعمال الخير تنجى من عذاب الله، لكن الذكر أعظم إنجاء من غيره بأى صيغة كان من صيغ الذكر
وهذا لأن سائر العبادات وسائل ووسائط يتقرب بها إلى الله تعالى والذكر هو المقصود الاسنى والمطلوب الأعلى.
٤١٨
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
رواه مالك، والترمذى، وابن ماجه .
٢٣٠٧ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: إن اللّه تعالى يقول: أنا
مع عبدی
قال ابن عبدالبر: فضائل الذكر كثيرة لا يحيط بها كتاب وحسبك بقوله تعالى ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر
ولذكر الله أكبر - العنكبوت: ٤٥﴾ - انتهى. وزاد فى رواية الطبرانى فى الكبير وابن أبى شيبة فى المصف.
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد فى سبيل الله قال: ولا الجهاد فى سبيل الله إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع قاله
ثلاث مرات. (رواه مالك) فى باب ما جاء فى ذكر الله من كتاب الصلاة (والترمذى وابن ماجه) فى فضل
الذكر من الدعوات وكذا الحاكم (ج ١ ص ٤٩٦) ومثله لا يقال من قبل الرأى فهو فى حكم المرفوع قاله
القارى . قلت: روى أحمد (ج ٥ ص ٢٣٩) وابن أبى شيبة والطبرانى فى الكبير وابن عبد البر والبيهقى قول
معاذ هذا مرفوعا. قال المنذرى فى الترغيب: رواه أحمد باسناد جيد إلا أن فيه انقطاعا. وقال الهيثمى (ج ١٠
ص ٧٣) بعد أن عزاه لأحمد: رجاله رجال الصحيح إلا أن زياد بن أبى زياد مولى ابن عياش لم يدرك معاذا -
انتهى . قلت يدل على ذلك رواية أحمد حیث وقع فيها «عن زياد بن أبی زیاد مولی عبد الله بن عياش بن
أبى ربيعة أنه بلغه عن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ والحديث ذكره الحافظ فى
بلوغ المرام . وقال أخرجه ابن أبى شيبة والطبرانى باسناد حسن ، وفى الباب عن جابر عند الطبرانى فى الأوسط
والصغير. قال الهيثمى : رجاله رجال الصحيح .
٢٣٠٧ - قوله (إن الله تعالى يقول أنا مع عبدى) أى عوناً ونصرا وتأييدا وتوفيقاً فهذه معية خاصة
تفيد عظمة ذكره تعالى وانه مع ذاكره برحمته ولطفه وإعانته والرضاء بحاله وتحصيل مرامه. قال ابن القيم :
الفائدة الثانية والأربعون للذكر أن الذاكر قريب من مذكوره ومذكوره معه، وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم
والاحاطة العامة فهى معية بالقرب والولاية والمحبة والنصرة والتوفيق كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين القوا
والله مع الصابرين - البقرة: ٢٤٩﴾، ﴿ وإن اللّه لمع المحسنين - العنكبوت: ٦٩)، ﴿لا تحزن ان الله معنا .
التوبة: ٤٠) والذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما فى الحديث الإلهى أنا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بي
شفتاه وأثر آخر أهل ذكرى أهل مجالستى الخ. والمعية الحاصلة للذاكر معينة لا يشبهها شىء وهى أخص من
المعية الحاصلة للحسن والمتقى وهى معية لا تدركها العبارة ولا تنالها الصفة وإنما تعلم بالذوق وهى مزلة أقدام
إن لم يصحب العبد فيها تمييز بين القديم والمحدث، بين الرب والعبد، بين الخالق والمخلوق ، بين العابد والمعبود،
وإلا وقع فى حلول يضاهى به النصارى أو اتحاد يضاهى به القائلين بوحدة الوجود تعالى الله عما يقول الظالمون
٤١٩
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١٠ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
إذا ذكرنى، وتحركت بى شفتاه. رواه البخارى.
٢٣٠٨ - (٢٦) وعن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول: لكل شىء
صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله،
والجاحدون علوا كبيرا (اذا ذكرنى) فى سنن ابن ماجه ((اذا هو ذكرنى)، وفى الكنز وبلوغ المرام والوابل الصيب
(ما ذكرنى)) (وتحركت بى) أى بذكرى (شفتاه) قال الطيبي: فيه من المبالغة ما ليس فى قوله اذا ذكرنى باللسان
هذا اذا كان الواو الحال. وأما إذا كان للعطف فيحتمل الجمع بين الذكر باللسان والقلب، وهذا التأويل أولى
لأن المؤثر النافع هو الذكر باللسان مع حضور القلب، وأما الذكر باللسان والقلب لاه فهو قليل الجدوى
(رواه البخارى) تعليقاً الحديث ذكر الحافظ فى بلوغ المرام. وقال: أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان وذكره
البخارى تعليقا - انتهى. وفيه نظر ، فان الحديث بهذا السياق ليس فى نسخ البخارى الموجودة عندنا لا مسندا
ولا معلقا وليس هو فى جامع الأصول أيضاً ولم ينسبه أحد الى البخارى نعم هو فى البخارى ( فى كتاب
التوحيد) بلفظ: يقول الله أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه إذا ذكرنى فان ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى الخ.
وقد تقدم فى الفصل الأول من هذا الباب والحديث ذكره المنذرى فى الترغيب. وقال رواه ابن ماجه واللفظ له
وابن حبان فى صحيحه وعزاه فى الكنز (ج ١ ص ٧٣٣) لأحمد وابن ماجه والحاكم وابن عساكر. قلت :
أخرجه الحاكم (ج ١ ص ٤٩٦) من حديث أبى الدرداء وقال حديث صحيح الاسناد ووافقه الذهبي، وفى اسناده
عند ابن ماجه محمد بن مصعب القُرقُسانى. قال فى الزوائد: قال فيه صالح بن محمد هو ضعيف فى الأوزاعى ،
لكن رواه ابن حبان فى صحيحه من طريق أيوب بن سويد عن الأوزاعى أيضاً، وأيوب بن سويد ضعيف - انتهى.
قلت قال أحمد: حديث القرقسانى عن الأوزاعى مقارب. وقال الحاكم: أبو أحمد روى عن الأوزاعى أحاديث
منكرة وليس بالقوى عندهم . وقال الحافظ فى التقريب : هو صدوق كثير الغلط.
٢٣٠٨ - قوله (لكل شىء) أى مما يصدأ حقيقةً أو مجازاً (صقالة) بكسر الصاد أى إنجلاء . وقيل: أى
تجلية وتصفية. قال فى المصباح: صقلت السيف ونحوه صَقْلاً من باب قتل وصفالا أيضاً بالكسر جلوته
(وصقاله القلوب ذكر الله) قال الطيبي: صده القلوب الرين فى قوله تعالى: ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا
يكسبون - المطففين: ١٤) بمتابعة الهوى المعنى بها فى قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه - الجاثية: ٢٣)
فكلمة ((لا إله)) تخليها وكلمة (( إلا الله، تجليها والله أعلم. وقال ابن القيم تحت هذا الحديث: لا ريب أن القلب
يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما وجلاءه بالذكر فإنه يحلوه حتى يدعه كالمرأة البيضاء فإذا ترك صدأ فاذا
وكر جلاء. وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب، وجلاء، بشيئين بالاستغفار والذكر فمن كانت الغفلة أغلب
3
٤٢٠