Indexed OCR Text
Pages 261-280
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
فوالذى نفسى يده لهو أشد تفصيا من الابل فى عقلها، متفق عليه .
٢٢١٠ - (٢) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بتس ما لأحدهم
ههذا التوصية بتجديد العهد بقراءته لئلا يذهب عنه (لهو) اللام لتوكيد القسم أى القرآن (أشد تفصيا) بفتح الفاء
وكسر الصاد المهملة المشددة وتخفيف التحتية بعدها منصوب على التمييز أى أسرع تفلتا وتخلصا وذهابا وخروجا.
قال النوربشتى: التفصى من الشىء التخلص منه تقول ذَفَصّيت من الديون اذا خرجت منها (من الابل فى عقلها)
وفى رواية بعقلها وفى أخرى من عقلها وهى بضمتين ويجوز مكون القاف جمع عقال بكسر أوله ككتب وكتاب
وهو الحبل الذى يشد به ذراع البعير، يقال عقلت البعير أعقله عقلا اذا ثنيت وظيفه إلى ذراعه فتشدهما جميعا فى
وسط الذراع وذلك الحبل هو العقال، والمعنى إن صاحب القرآن اذا لم يتعهده بتلاوته والتحفظ به والتذكر حالا
فالا كان أشد ذهابا من الإبل اذا تخلصت من العقال فانها تنفلت حتى لاتكاد تلحق. قال القرطبى: من دواء من
عقلها فهو على الأصل الذى يقتضيه التعدى من لفظ التفصى ومن رواه بالباء أو بكلمة «فى(( يحتمل أن يكون بمعنى
((من)) أو بمعنى الظرف أو بمعنى المصاحبة يعنى مع عقلها. والحاصل تشبيه من يتفلت منه القرآن بالناقة التى
قفلتت من عقالها وبقيت متعلقة به كذا قال، والتحرير إن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة خامل القرآن شبه بصاحب
الناقة، والقرآن بالناقة والحفظ بالربط. قال الطيبي: ليس بين القرآن والناقة مناسبة لأنه قديم وهى حادثة لكن وقع
التشبيه فى المعنى. وفى هذا الحديث وكذا فى الحديث الذى يليه زيادة على حديث ابن عمر الآتى بعدهما ، لأن فى
حديث ابن عمر تشبيه أحد الأمرين بالآخر وفى هذا إن هذا أبلغ فى النفور من الابل لأن من شأن الابل تطلب
التفات ما أمكنها فتى لم يتعاهدها صاحبها برباطها تفلتت فكذلك حافظ القرآن اذا لم يتعاهده تفلت بل هو أشد
فى ذلك . وقال ابن بطال: هذا الحديث يوافق الآيتين قوله تعالى ﴿إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا - المزمل: ٥)
وقوله ( ولقد يسرنا القرآن الذكر - القمر: ١٧) فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له ومن أعرض عنه تفات
منه. قال الطيبي: وإنما كان كذلك لأن القرآن ليس من كلام البشر بل هو من كلام خالق القوى والقدر وليس بينه
وبين البشر مناسبة قريبة لأنه حادث وهو قديم لكن الله سبحانه وتعالى بلطفه العميم وكرمه القديم من عليهم
ومنحهم هذه النعمة العظيمة فينبغى له أن يتعاهده بالحفظ والمواظبة عليه ما أمكنه فقد يسره تغالى الذكر وإلا
فالطاقة البشرية تعجز قواما عن حفظه. وفيه وفى حديثى ابن مسعود وابن عمر الحض على محافظة القرآن
بدوام دراسته وتكرار تلاوته وضرب الأمثال لإيضاح المقاصد (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤
ص ٣٩٧، ٤١١).
٢٢١٠ - قوله (بئس ما) ((ما)) نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس (لأحدهم) أى لأحد الناس
٢٦١
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
أن يقول نسيت آية کیت وکیت. بل نسى،
(أن يقول) هو المخصوص بالذم. كقوله تعالى (بمسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله - البقرة: ٩٠) أى
بئس الشىء شيئا كائنا لأحدم قوله (نسيت) بفتح النون وكسر السين مخففة ( آية كيت وكيت) أى آية كذا وكذا
وهو بفتح التاء على المشهور وحكى الجوهرى فتحها وكسرها عن أبى عبيدة. قال القرطى: كيت وكيت يعبر بهما
عن الجمل الكثيرة، والحديث الطويل. وأطلق ههنا باعتبار كون الآية مشتملة على مضمون جملة وإلا فالظاهر آية
كذا وكذا (بل نسى) بضم النون وتشديد المهملة المكسورة. قال القرطبى: رواه بعض رواة مسلم مخففا. قال
الحافظ : وكذا هو فى مسند أبي يعلى وكذا أخرجه ابن أبى داود فى كتاب الشريعة من طرق متعددة مضبوطة
بخط موثوق به على كل سين علامة التخفيف. قلت: (قائله الحافظ) والنقيل هو الذى وقع فى جميع الروايات فى
البخارى وكذا فى أكثر الروايات فى غيره ويؤيده ما وقع فى رواية أبى عبيد فى الغريب بعد قوله كيت وكيت
ليس هو نسى ولكنه نسى الأول بفتح النون وتخفيف السين، والثانى بضم النون وتثقيل السين . قال الخطابي:
نُسىّ يعنى عوقب بالنسيان على ذنب كان منه أو على سوء تعهده بالقرآن حتى نسيه. وقال القرطبى: الثقيل معناه
إنه عوقب بوقوع النسيان عليه لتفريطه فى معاهدته واستذكاره قال: ومعنى التخفيف إن الرجل ترك غير ملتفت
اليه وهو كقوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم - التوبة: ٦٧) ﴾ أى تركهم فى العذاب أو تركهم من الرحمة. وقال
فى العات: بئس ما لأحدهم الخ أى يئس شيئا كائنا لأحدهم قوله نسيت آية (« كيت وكيت)) فإنه يشعر بتركه وعدم
مبالاته بها بل يقول نسى بلفظ المجهول من التفعيل تحسُّراً أو إظهاراً للخذلان على تقصيره فى إحراز هذه السعادة
وحفظها أو تحرزاً عن التصريح بارتكاب المعصية وتأدباً مع القرآن العظيم - انتهى. واعلم أنه اختلف فى متعلق
الذم من قوله بئس على أوجه ذكرها الحافظ فى الفتح وأرجحها عنده إن سبب الذم ما فيه من الأشعار بعدم
الاعتناء بالقرآن اذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بالتلاوة والقيام به فى الصلاة لدام
حفظه وتذكره ، فإذا قال الانسان نسيت الآية الفلانية فكأنه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك
الاستذكار والتعاهد لأنه الذى يورث النسيان. وقال عياض: أولى ما يتأول عليه الحديث ذم الحال لا ذم القول
أى بئست الحالة حالة من حفظ القرآن فغفل عنه حتى نسيه. وقد عقد البخارى فى صحيحه باب نسيان القرآن وهل
يقول نسيت آية كذا وكذا، ثم أورد فيه حديث عائشة قالت سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ فى
سورة بالليل فقال يرحمه الله لقد أذكرنى كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا. قال الحافظ: وفى
رواية معمر عن هشام عند الاسماعيلى كنت نسيتها بفتح النون ليس قبلها همزة. ثم ذكر البخارى حديث ابن مسعود
هذا الذى نحن فى شرحه. قال الحافظ : كأنه يريد أى بهذه الترجمة إن النهى عن قول نسيت آية كذا وكذا ليس
الزجر عن هذا الفظ بل للزجر عن تعاطى أسباب النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ. ويحتمل أن ينزل المنع
٢٦٢
من عاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم. متفق عليه، وزاد مسلم بعقلها.
٢٢١١ - (٣) وعن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إنما مثل صاحب القرآن
والإباحة عن حالتين فمن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دين كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك ، لأن النسيان لم ينشأ
عن إهمال أمر دينى وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم من نسبة النسيان إلى نفسه
ومن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوى ولا سيما إن كان محظورا امتنع عليه لتعاطيه أسباب النسيان - أنتهى.
وقال النووى: فى حديث ابن مسعود كراهة قول ((نسيت)، آية كذا، وهى كراهة تنزيه وإنه لا يكره قوله
((أنسيتها)) وإنما نهى عن نسيتها لأنه يتضمن التساهل فيها والتغافل عنها وقال الله تعالى: ﴿ أنتك آياتنا فنسيتها -
طهَ : ١٢٦ ) (واستذكروا القرآن) السين المبالغة أى واظبوا على تلاوته وأطلبوا من أنفسكم المذاكرة والمحافظة
به . قال الطيبي : وهو عطف من حيث المعنى على قوله بئس ما لأحدهم أى لا تقصروا فى معاهدته واستذ کروه وفى
رواية مسلم استذكروا بغير واو ( فانه) وفى رواية مسلم فهو (أشد تفصيا) أى تقلُّتاً وتشرُّداً (من صدور
الرجال) من متعلق بتفصيا وتخصيص الرجال بالذكر لأن حفظ القرآن من شأنهم (من النعم) بفتحتين. قال
النووى: النعم أصلها الابل والبقرة والغنم والمراد هنا الابل خاصة لأنها التى تعقل ـ انتهى. وهو متعلق ((بأشد))
أى أشد من تفصى النعم المعقلة (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٣٨١ - ٤١٧ - ٤٢٣ - ٤٢٩ ٤٣٨ -
٤٤٩ - ٤٦٣) والترمذى فى القراءات والنسائى وغيرهم (وزاد مسلم بعقلها) بضمتين ووقعت هذه الزيادة عند
أحمد والترمذى أيضا لكن عند الترمذى بلفظ: من عقله، وكذا عند مسلم فى الموقوف، ولأحمد فى رراية من
عقلها وفى أخرى بعقله أو من عقله. قال النووي: المراد برواية الباء من كما فى قوله تعالى (عيناً يشرب بها عباد
الله - الانسان: ٦) على أحد القولين فى معناها، وقوله ((عقله)) صحيح أيضا أى لأن النعم تذكر وتؤنث.
٢٢١١ - قوله (إنما مثل صاحب القرآن) أى مع القرآن والمراد بالصاحب الذى ألفه. قال عياض:
المؤالفة المصاحبة وهو كقوله أصحاب الجنة وقوله ((الفه)) أى الف تلاوته وهو أعم من أن يألفها نظراً من
المصحف أو عن ظهر قلب فان الذى يداوم على ذلك يذل له لسانه ويسهل عليه قراءته فإذا فجره ثقلت عليه القراءة
وشقت عليه وقوله ((إنما)) يقتضى الحصر على الراجح لكنه حصر مخصوص بالنسبة الى الحفظ والنسيان بالتلاوة
والترك (كمثل صاحب الابل المعقلة ) أى مع إبله المعقلة. والمعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد القاف
المفتوحة أى المشدودة بالعقال شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذى يخشى منه الشراد والهروب
فمازال التعاهد موجودا فالحفظ موجود كما أن البعير مادام مشدودا بالعقال فهو محفوظ، وخص الابل بالذكر
٢٦٣
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
كمثل صاحب الايل المعلقة ، إن عامد عليها أمسكها ، وإن أطاقها ذهبت. متفق عليه.
٢٢١٢ - (٤) وعن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤا القرآن
ما انتلفت عليه قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا عنه . متفق عليه .
٢٢١٣ - (٥) وعن قتادة، قال : سئل أنس
لأنها أشد الحيوان الا نسى نفورا و فى تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة (إن عاهد عليها) اى تعهدها
ولا زمها (أمسكها) أى إستمر إمساكه لها يعنى أبقاها على نفسه (وإن أطلقها) أى أرسلها وحلها من عقلها
(ذهبت) أى الفلتت، وفى رواية ابن ماجه إن تعاهدها صاحبها بعقلها أمسكها عليه، وإن أطلق عقلها ذهبت. وفى
رواية لمسلم واذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإن لم يقم به نسيه. وفى الحديث حض على
درس القرآن وتعاهده (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ١٧ - ٢٣ - ٣٠ - ٣٦ - ٦٤ - ١١٢) ومالك
فى أواخر الصلاة والنسائى وابن ماجه فى ثواب القرآن .
٢٢١٢ - قوله (اقرؤا القرآن) أى داوموا على قراءته (ما أتلفت) أى اجتمعت (عليه قلوبكم) أى
ما دامت قلوبكم تألف القراءة (فإذا اختلفتم) بأن صارت قلوبكم فى فكرة شىء سوى قراءتكم وصارت القراءة
باللسان مع غيبة الجنان يعنى صار القلب مخالفا للسان (فقوموا عنه) أى أتركوا قراءته حتى ترجع قلوبكم. قال
الطبى: قوله (( اقرؤا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم الخ)، يعنى اقرؤا على نشاط منكم وخواطركم مجموعة فاذا حصل
لكم ملالة وتفرق القلوب فاتركوه فانه أسلم من أن يقرأ أحد من غير حضور القلب يقال. قام بالأمر اذا جدفيه
وداوم عليه وقام عن الأمر اذا تركه وتجاوز عنه. ويحتمل كما فى الفتح أن يكون المعنى اقرؤا وألزموا الائتلاف
على ما دل عليه وقاد اليه، فإذا وقع الاختلاف أى أو عرض عارض شبهة يقتضى المنازعة الداعية إلى الافتراق
فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم الموجب للالفة وأعرضوا عن المتشابه المؤدى إلى الفرقة، قال وهو كقوله محولات
فإذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه منه فاحذروهم ، قال ويحتمل أنه نهى عن القراءة إذا وقع الاختلاف فى كيفية
الأداء بأن يتفرقوا عند الاختلاف ويستمر كل منهم على قراءته، ومثله ما تقدم عن ابن مسعود لما وقع بينه
وبين الصحابيين الآخرين الاختلاف فى الاداء فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كلكم محسن - انتهى.
قال ابن الجوزى: كان اختلاف الصحابة يقع فى القراءات واللغات فأمروا بالقيام عند الاختلاف لثلا يجحد
أحدهم ما يقرأه الآخر فيكون جاحدا لما أنزل الله عز وجل (متفق عليه) أخرجه البخارى فى فضائل القرآن وفى
الاعتصام ، ومسلم فى القدر وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٤ ص٣١٣) والنسائى.
٢٢١٣ - قوله (وعن قتادة قال سئل أنس) بضم السين مبنيا المفعول والسائل هو قتادة كما يدل عليه
٢٦٤
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
كيف كانت قراءة النبى صلى الله عليه وسلم؟ فقال كانت مدا مدا،
رواية البخارى عن قتادة قال سألت أنس بن مالك عن قراءة النبى مؤ لم فقال كان يمد مدا أى يمد الحرف
الذى يستحق المد (كيف كانت قراءة النبى صلى الله عليه وسلم) أى على أى صفة كانت هل كانت مدودة أو مقصورة
أو متوسطة (فقال كانت مداً) بالتنوين من غير همز أى مدودة أو ذات مد لكن لما يستحق المد، والمراد
بالمد هنا المد الطبيعى الذى يقال له المد الذاتى والأصلى لكونه لازما لذوات حروف المد وطبائعها، وهو أشباع
الحروف الذى بعد ألف أوواو أوياء كالأف والواو فى قالوا، والياء فى قيل. ويحصل هذا المد باتمام الحركة أو
اشباع الحروف بقدر ألف لأنه ان لم يقرأ كذلك لم يتم النطق بذلك الحرف. وأما المد المعروف الذى يبحث
عنه أصحاب علم التجويد فهو المد الفرعى، وله سببان، وقوع السكون والهمزة بعد حروف المد، والسكون إما أن
يكون لازميا سواء كان من جهة الإدغام كما فى دابة ولا الضالين، أو من غير إدغام كما فى حروف المد التى
وقعت فى أوائل السور مثل ألف، لام، ميم ، كاف، صاد، نون ، قاف، أويكون السكون عارضيا كما فى نستعين
والمفلحون وأولى الألباب. وأما الهمزة فهى إما أن تكون فى نفس الكلمة مثل السماء والسوء وجىء أوفى كلمة أخرى
نحو ما أنزل وقالوا آمنا وفى أنفسهم. واختلف القراء فى مقدار هذا المد، فقال بعضهم: يمد بقدر ألف ونصف
وقال بعضهم: يمد بقدر ألفين ونصف ألف إلى ثلاث ألفات أو أربع ألفات وتفصيل ذلك فى كتب التجويد كذا
فى أشعة اللعات . وقال الحافظ : المد عند القراء على ضربين أصلى، وهو إشباع الحرف الذى بعده ألف أوواو
أو ياء، وغير أصلى وهوما إذا أعقب الحرف الذى هذه صفته همزة وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما كان من
نفس الكلمة، والمنفصل ما كان بكلمة أخرى فالأول يؤتى فيه بالألف والواو والياء ممكنات من غير زيادة ، والثانى
يزاد فى تمكين الألف. والواو والياء زيادة على المد الذى لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف والمذهب
الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفى ما كان يمده أولا . وقد يزاد على ذلك قليلا وما أفرط فهو غير محمود ،
والمراد هنا الضرب الأول - انتهى. وقال القارى: إذا وجد حرف المدالذى هو شرط المد ولم يوجد أحد السببين
الموجبين للزيادة وهما الهمز والسكون فلابد من المد بقدر ألف إتفاقا وقدر بمقدار قولك أو كتابتك ألف أو عقد
أصبع ويسمى طبيعياً وذاتيا وأصليا، وإذا وجد أحد السبيين فلابد من الزيادة ويسمى فرعيا، ثم إن كان السبب
الهمز ففى مقدار الزيادة على الأصل خلاف كثير بين القراء فى مراتب المتصل والمنفصل مع إتفاقهم على مطلق المد
هو فى المتصل وخلاف بعضهم فى المنفصل، وأقل الزيادة ألف ونصف وأكثرها أربع وإن كان السبب هو السكون
فان كان لازميا سواء كان يكون مشدداً أو مخففا نحو دابة وصاد فكلهم يقرؤن على نهج واحد وهو مقدار ثلاث
ألفات، وإن كان عارضيا نحو يعملون فيجوز فيه القصر وهو قدر ألف والتوسط وهو ألفان والمد وهو ثلاثة
٢٦٥
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن ، ويمد بالرحيم . رواه البخارى .
٢٢١٤ - (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أذن الله
لشئ. ما أذن النبي
والسئلة تفصيل طويل يجر بسطها إلى ملالة وتثقيل (ثم قرأ) أى أنس (يمد ببسم الله) أى اللام التى قبل الهاء من
الجلالة الشريفة. وقال القارى: أى فى ألف الجلالة مداً أصليا بقدر ألف (ويمد بالرحمن) أى بالميم التى قبل النون
(ويمد بالرحيم) أى بالحاء المد الطبيعى الذى لا يمكن النطق بالحرف إلا به من غير زيادة عليه لا كما يفعله بعضهم
من الزيادة عليه فعم إذا كان بعد حرف المد همز متصل بكامته أوسكون لازم كاولائك والحاقة وجب زيادة
المد أو منفصل عنها أو سكون عارض كيا أيها أو الوقف على الرحيم جاز قاله القسطلانى. وقال القارى: قوله
((ويعد بالرحيم ) أى فى باءه مداً أصليا أو عارضيا فإنه يجوز فى نحوه حالة الوقف ثلاثة أوجه الطول والتوسط
والقصر مع الاسكان، ووجه آخر بالقصر والروم وهو إتيان بعض الحركة بصوت خفى، وقوله ((ببسم الله))
بموحدة قبل الموحدة التى فى بسم الله كأنه حكى لفظ بسم الله كما حكى لفظ الرحمن فى قوله ويمد بالرحمن أو جعله
كالكامة الواحدة علما لذلك ، ووقع عند أبي نعيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم من غير موحدة فى الثلاثة
(رواه البخارى) فى فضائل القرآن، وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجه فى الصلاة، والترمذى فى
الشمائل. وأخرج ابن أبى داود من طريق قطبة بن مالك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ فى الفجر ق فر
بهذا الحرف لها طلع نضيد فد نضيد وهو شاهد جيداً حديث أنس .
٢٢١٤ - قوله (ما أذن الله) بكسر الدال المعجمة من الأذن بفتحتين ومعناه الاستماع والاصغاء ومنه
قوله تعالى ﴿وأذنت لربها - الانشقاق: ٢°﴾ وقال الشاعر:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به
وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
وأما الاذن بمعنى الاطلاق والاباحة فهو بكسر الهمزة وسكون الذال واس ذلك مراداً هنا، وكلاهما مشترك فى
أن الماضى بكسر الدال المضارع بفتحها كفرح يفرح (لشىء) بالشين نجمة (ما أذن النبي) ((ما)) الأولى نافية
والثانية مصدرية أى ما استمع لشىء كاستماعه لصوت نبى، قال السندى: ما أذن الله الخ أى ما استمع لشىء
مسموع كاستماعه لنبى والمراد جنس النبى والقرآن القراءة أو كلام اللّه مطلقا. ولما كان الاستماع بمعنى الاصغاء على الله
تعالى محالا، لأنه من شأن من يختلف ساعه بكثرة التوجه وقلته وسماعه تعالى لا يختلف. قالوا: هذا كناية عن تقريبه
القارى وإجزال ثوابه أى لأن ذلك ثمرة الاصغاء - انتهى. قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل فانه يفضى ويؤدى
٢٦٦
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
يتغنى بالقرآن . متفق عليه.
إلى نفى صفة الاستماع بل تحمله على ظاهره ونفوض حقيقة معناه إلى الله تعالى (يتغنى بالقرآن) هو من التغنى بمعنى
الترنم والتطريب أى يحسن صوته ويرتقه ويحزنه . قال فى العات: المراد بالتغنى تحسين الصوت وتطيبه وتزيينه
وترقيقه وتحزينه بحيث يورث الخشية ويجمع الهم ويزيد الحضور ويبعث الشوق ويرق القلب و يؤثر فى السامعين
مع رعاية قوانين التجويد ومراعاة النظم فى الكلمات والحروف كما جاء فى الحديث أى الناس أحسن صوتا للقرآن
قال من إذا سمعته يقرأ أريت أنه يخشى وهو الصوت الطبيعى للعرب بحسن غاية الطبيعة المراد بلحن العرب، واليه
الاشارة بقول أبى موسى الأشعرى لخبرته تحبيراً. وأما التكلف برعاية قوانين الموسيقى فمكروه، وإذا أدى إلى
تغير القرآن حرام بلا شبهة وسيأتى من الأحاديث ما يدل على ذلك - انتهى. قلت: اختلف فى معنى التغنى على أقوال
كما سيأتى، ومعناه عند الشافعى وأصحابه وأكثر العلماء هو تحسين الصوت به. قال ابن بطال: وبذلك فسره أبن
أبي مليكة وعبد الله بن المبارك والنضرين شميل ويؤيده فى الرواية الأخرى قوله يجهر به. قال الطيبي: لأنها جملة
مبينة لقوله بيان يتغنى بالقرآن فلم يكن المبين على خلاف البيان كذلك يتغنى بالقرآن فى هذه الرواية بيان لقوله
ما أذن الله لنبى أى صوته فكيف يحمل على غير حسن الصوت. وقال الحافظ: ظواهر الاخبار ترجح أن المراد
تحسين الصوت ويؤيده قوله ((يجهر)) به فانها إن كانت مرفوعة قامت الحجة وإن كانت غير مرفوعة فالراوى
أعرف بمعنى الخبر من غيره ، ولا سيما إذا كان فقيها. وقد جزم الحليمى بأنها من قول أبى هريرة والعرب تقول
سمعت فلاناً يتغنى بكذا أى يجهر به ويشهد أيضا لما قال الشافعى الحديث الآخر زينوا القرآن بأصواتكم ، ويؤيده
أيضاً رواية الطبرانى لحديث الباب بلفظ: ما أذن الله لنبى فى الترنم فى القرآن وعنده فى رواية أخرى ما أذن الله
لنى حسن الصوت، وهذا اللفظ عند مسلم أيضا كما سيأتى. وعند ابن أبى داود والطحاوى حسن الترغم بالقرآن
قال الطبرى: والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارى وطرب به قال ، ولو كان معناه الاستغناء كما قيل
لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى، وأخرج ابن ماجه والكچى وصححه ابن حبان والحاكم من حديث
فضالة بن عبيد مرفوعا اللّه أشد أذنا أى استماعا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ،
والقينة المغنية. وروى عمر بن شبة عن عبيد بن عمیر قال کان داود عليه السلام يتغنی یعنی حین يقرأ بیکی وییکی ،
وعن ابن عباس إن داود كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، وكان إذا أراد أن
يبكى نفسه لم يبق دابة فى بر ولا بحر إلا أنصتت له واستمعت وبكت (متفق عليه) أخرجه البخارى فى فضائل
القرآن وفى التوحيد ومسلم فى فضائل القرآن وأخرجه أيضا أحمد فى مواضع وأبو داود والنسائى فى الصلاة
والدارمى وغيرهم .
٢٦٧
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
٢٢١٥ - (٧) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أذن اللّه لشىء ما أذن لنبى.
حسن الصوت بالقرآن ، يجهر به . متفق عليه .
٢٢١٦ - (٨) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من
لم يتغن بالقرآن .
٢٢١٥ - قوله (ما أذن الله لشىء) أى ما استمع الله لشىء (ما أذن) أى ما استمع (لنبى حسن الصوت) صفة
كاشفة قاله القارى . وقال التور بشتى: لا أرى هذه الزيادة وردت مورد الاشتراط لاذن الله بل ورد مورد البيان
لكون كل نبى حسن الصوت ومنه الحديث ما بعث الله نيا إلا حسن الوجه حسن الصوت (بالقرآن) حال كونه
(يجهر به) أى فى صلاته أو تلاوته أو حين تبليغ رسالته ولابد من تقدير مضاف عند قوله لنبى أى لصوت نبى
والنبي جنس شائع فى كل في فالمراد بالقرآن القراءة قاله القسطلانى واللفظ المذكور البخارى فى باب قول النبى عاته
الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، ورواه مسلم بلفظ: ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى
بالقرآن يجهر به ، وفى رواية للبخارى ما أذن الله لنى ما أذن لنى يتغنى بالقرآن. وقال صاحب له يريد يجهر به
والضمير فى (( له)) لأبى هريرة، والصاحب المذكور هو أبو سلمة الراوى عن أبى هريرة كما يدل عليه ما رواه ابن
أبى داود عن محمد بن يحيى الذهلى فى الزهريات بلفظ: ما أذن الله لشىء ما أذن لنى يتغنى بالقرآن . قال ابن شهاب
وأخبرنى عبد الحميد بن عبد الرحمن عن أبى سلمة يتغنى بالقرآن يجهربه، فالظاهر إن التفسير المذكور فى تلك الرواية
مدرج من قول أبى سلمة. وقد تقدم فى كلام الحافظ إن الحليمى جزم بأنه من قول أبى هريرة وظاهر الرواية التى
نحن فى شرحها إن قوله ((يجهر به)) من أصل الحديث أى مرفوع من قول النبي صلى الله عليه وسلم لا مدرج من
قول الراوى والله أعلم (متفق عليه) واللفظ للبخارى كما تقدم وأخرجه أبو داود والنسائى بلفظ مسلم.
٢٢١٦ - قوله (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) أى لم يحسن صوته به فسر بذلك الشافعى كما تقدم .
وقيل أى لم يجهر به فسر بذلك راوى الحديث كما سبق أيضا وقيل أى لم يستغن به عن الناس أو عن غيره من
أخبار الأمم الماضية والكتب المتقدمة فسر به و کیع وابن عيينة واختاره ابن حبان حيث ترجم فى صحيحه ( ج١
ص ٢٨٣) لحديث سعد بن وقاص المروى بلفظ: الحديث الذى نحن فى شرحه ((ذكر الزجر عن أن لا يستغنى
المرأ بما أوتى من كتاب الله جل وعلا)) وارتضاه أبو عبيد، وقال إنه جائز فى كلام العرب واستشهد لذلك
بقوله صلى الله عليه وسلم فى الخيل ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولا خلاف فى هذا أنه مصدر أغنى بمعنى استغنى
يعنى طلب الغنى بها عن الناس بقرينة قوله تعففا، ورجحه النور بشتى أيضا. وقال المعنى ليس من أهل سنتنا ومن
تبعنا فى أمرنا وهو وعيد، ولا خلاف بين الأمة إن قارئ القرآن مثاب على قراءته مأجور من غير تحسين
L.
٢٦٨
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
صوته، فکیف يحمل على كونه مستحقا للوعيد وهو مثاب مأجور ۔ انتهى. وقيل أى لم يترتم به وقيل
أى لم يتحزن ويؤيده مارواه أبو يعلى والطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم فى الحلية بسند ضعيف عن بريدة مرفوعا
إقرؤ القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن. وقيل المراد بالتغنى التلذذ والاستعلاء له كما يستلذ أهل الطرب بالغناء
فاطلق عليه تغنيا من حيث أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء قاله ابن الأنبارى فى الزاهر. وقيل معناه التشاغل
به تقول العرب تغنى بالمكان أقام به ويؤيده بيت الاعشى :
خفيف المناخ طويل التغنى
وكنت أمرأ زمنا بالعراق
أى طويل الاقامة فيكون معنى الحديث الحث على ملازمة القرآن وأن لا يتعدى إلى غيره وقيل هو أن يحمله
هجيراه كما يجعل المسافر والفارع هجيراه الغناء. قال ابن الاعرابى: كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى واذا
جلست فى أفيتها، وفى أكثر أحوالها فلما نزل القرآن أحب النبى صلى الله عليه وسلم أن يكون هجيراهم القراءة
مكان التغنى وقيل المراد من لم يغنه القرآن ولم ينفعه فى إيمانه ولم يصدق بما فيه من وعد ووعيد وقيل
معناه من لم يرتح لقراءته وسماءه وقيل المعنى من لم يطلب غنى النفس وهو الغنى المعنوى لا المحسوس الذى
هو ضد الفقر وقيل معناه من لم يتطلب غنى اليد ولم يرجه بملازمة تلاوته. قال الحافظ بعد بسط الكلام فى
سردهذه الأقوال والتأويلات: وفى الجملة ما فسر به ابن عيينة ليس بمدفوع وإن كانت ظواهر الأخبار ترجح إن
المراد تحسين الصوت، ويؤيده قوله يجهر به الى آخر ما ذكرنا من كلامه فى شرح الرواية الأولى. ثم قال الحافظ
والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر هذه التأويلات المذكورة وهو أنه يحسن به صوته جاهرا به مترنما على طريق
التحزن مستغنيا به عن غيره من الأخبار طالبا به غنى النفس راجيا به غنى اليد، ولا شك أن النفوس تميل إلى
سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم لأن التطريب تأثيرا فى رقة القلب وإجراء الدمع وكان بين السلف
اختلاف فى جواز القرآن بالالحان إما تحسین الصوت و تقدیم حسن الصوت على غيره فلا نزاع فى ذلك، قال
والذى يتحصل من الأدلة إن حسن الصوت بالقرآن مطلوب فان لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع، كما قال ابن
مليكة أحد رواة حديث سعد بن أبى وقاص. وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح. ومن جملة تحسينه أن
يراعى فيه قوانين النغم فان الصوت الحسن يزداد حسنا بذلك وإن خرج عنها أثر ذلك فى حسنه وغیر الحسن ربما
اتجبر بمراعاتها مالم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات فإن خرج عنها لم يقف تحسين الصوت بقبح
الأداء. ولعل هذا مستند من كرة القراءة بالانغام لأن الغالب على من راعى الانغام أن لا يراعى الأداء فان وجد
من يراعيهما معا فلا شك أنه أرجح من غيره ، لأنه يأتى بالمطلوب من تحسين الصوت ويجتنب الممنوع من حرمة
٢٦٩
مرغاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
رواه البخارى .
الأداء والله أعلم - انتهى كلام الحافظ. وقال ابن القيم بعد ذكر الاختلاف فى تفسير التغنى بالقرآن: وفى مسئلة
تحسين الصوت به وقراءته بالالحان، وذكر احتجاج كل فريق مالفظه، وفصل النزاع أن يقال التطريب والتغنى
على وجهين. أحدهما ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين وتعليم بل اذا خلى وطبعه واسترسات
طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز، وإن أعان طبيعته فضل تزيين وتحسين كما قال أبو موسى النبى حز ئية
لو علمت إنك تسمع لخبرته تحبيرا والحزين، ومن ماجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين
والنطريب فى القراءة، ولكن النفوس تقلبه وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فهو مطبوع لا متطبع
وكلف لا متكلف ، فهذا هو الذى كان السلف يفعلونه ويستمعونه وهو التغنى الممدوح المحمود ، وهو الذى يتأثر
به السامع والتالى وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها . والوجه الثانى ما كان من ذلك صناعة من
الصنائع وليس فى الطبع السماحة به بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع
الالحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعليم والتكلف فهذه هى التى
كرمها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه ، وبهذا
التفصيل يزول الاشتباه ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعا أنهم براء من
القراءة بالحان الموسيقية المتكلفة التى هى ايقاع وحركات موزونة معدودة محدودة ، وإنهم التقى لله من أن يقرؤا
بها ويسوغوها ويعلم قطعا أنهم كانوا يقرؤن بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن وايقرؤنه بشجى
تارة وبطرب تارة وبشوق تارة، وهذا أمر فى الطبائع تقاضيه ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضى الطبائع له
بل أرشد اليه وندب اليه وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به. وقال ليس منا من لم يتغن بالقرآن وفيه وجهان،
أحدهما أنه إخبار بالواقع الذى كلنا نفعله ، والثانى أنه نفى لهدى من لم يفعله عن هديه وطريقته صلى الله عليه
وسلم - انتهى. (رواه البخارى) فى باب قول الله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به - الملك: ١٣)
من كتاب التوحيد. قال الحافظ فى شرح هذا الحديث بعد ذكر الروايتين المنقدمتين: الحديث واحد إلا أن
بعضهم رواه بلفظ: ما أذن الله، بعضهم رواه بلفظ ليس منا - انتهى. وروى بلفظ: ليس منا عن سعد بن
أبى وقاص وأخرجه أحمد ( ج ١ ص ١٧٢ - ١٧٥) وأبو داود وابن ماجه والدارمى وابن حبان ( ج ١
ص ٤٨٣) والحاكم (ج ١ ص ٥٦٩ ٥٧٠) وغيرهم وعن أبي لبابة بن عبد المنذر أخرجه أبو داود من طريقه
البيهقى (ج ٢ ص ٥٤) وعن ابن عباس أخرجه الحاكم (ج ١ ص ٥٧٠) والبزار والطبرانى ، قال الهيثمى:
رجال البزار رجال الصحيح، وعن عائشة أخرجه أبو يعلى والبزار بسند ضعيف وعن ابن الزبير أخرجه
البزار أيضا .
٢٧٠
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨- كتاب فضائل القرآن
١ - باب
٢٢١٧ - (٩) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو على
المنبر: اقرأ على. قال: اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال إنى أحب أن أسمعه من غيرى. فقرأت سورة
النساء حتى أتيت إلى هذه الآية (فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)،
٢٢١٧ - قوله ( وهو على المنبر) جملة حالية (أقرأ عليك) أى أ أقرأ عليك (وعليك أنزل) بضم
الهمزة أى القرآن والجملة حالية، أى جريان الحكمة على لسان الحكيم أحلى ، وكلام المحبوب على لسان الحبيب
أولى (إنى أحب) أى فى بعض الأحوال (أن أسمعه من غيرى) قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن
يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة. ويحتمل أن يكون لكى يتدبره ويتفهمه وذلك إن المستمع أقوى على
التدير ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارى لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو صلى الله
عليه وسلم على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة، ومخارج الحروف ونحو ذلك ( فقرأت ) عليه
(سورة النساء) أى من أولها كما فى رواية لمسلم ( فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد) أى أحضرنا منهم شهيدا
يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم وهو استفهام توبيخ أى فكيف حال هؤلاء الكفار أوصنيعهم إذا جئنا من كل
أمة بنبيهم يشهد على كفرهم كقوله تعالى: ﴿ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم - المائدة: ١١٧) فكيف فى
موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، والعامل فى اذا هو هـذا المقدار، أو فى محل نصب بفعل محذوف أى فكيف
يكونون، أو يصنعون ويجرى فيها الوجهان النصب على التشبيه بالحال كما هو مذهب سيبويه، أو على التشبيه بالظرفية
كما هو مذهب الأخفش وهو العامل فى اذا أيضا«ومن كل أمة)، متعلق بحثنا والمعنى أنه يوتى بنى كل أمة يشهد عليها
ولها (وجئنا بك) يا محمد (على هؤلاء) أى أمتك (شهيدا) حال أى شاهدا على من آمن بالايمان وعلى من كفر
بالكفر وعلى من نافق بالنفاق. وقيل: أى تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لحصول عليك بعقائدهم لدلالة كتابك
وشرعك على قواعدهم. قال أبو حيان: الأظهر إن هذه الجملة فى موضع جر عطفا على جئنا الأول أى فكيف
يصنعون فى وقت المجيئين. قال الحافظ: وقع فى رواية محمد بن فضالة الظفرى إن ذلك كان وهو صلى الله عليه وسلم
فى بنى ظفر، أخرجه ابن أبى حاتم والطبرانى وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه أن النبى وَّة
أتاهم فى بنى ظفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه فأمر قارئا فقرأ فأتى على هذه الآية فكيف اذا جئنا من كل
أمة بشهيد وجئنابك على هؤلاء شهيدا فبكى حتى ضرب لحياة وجنتاه فقال يا رب! هذا على من أنا بين ظهريه
فكيف بمن لم أره. وأخرج ابن المبارك فى الزهد من طريق سعيد بن المسيب قال: ليس من يوم الا يعرض على
النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ففى هذا المرسل ما يرفع
٢٧١
-
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
قال حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه.
٢٢١٨ - (١٠) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأبى بن كعب:
الاشكال الذى تضمنه حديث ابن فضالة - انتهى كلام الحافظ. (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
(حسبك) أى يكفيك ما قرأته. قال الجزرى: حسبك بمعنى أسكت وحقيقته كافيك (الآن ) أى اذا وصلت
إلى هذه الآية فلا تقرأ شيئا آخر فإنى مشغول بالتفكر فى هذه الآية وجاءبى البكاء والحالة المائعة من استماع
القرآن. وفى رواية للبخارى أمسك وفى أخرى قال لى كف أو أمسك على الشك ( فإذا عيناه تذرفان ) بسكون
الذال المعجمة وكسر الراء أى تطلقان دمعهما يعنى تسيلان دمعا، يقال ذرفت العين تذرف اذا جرى دمعها وهو
خبر المبتدأ وهو عيناه ((واذا)) المفاجاة وهذا لفظ البخارى. ولمسلم فرأيت دموعه تسيل وبكاءه صلى اللّه عليه
وسلم لفرط رحمته على المفرطين أو لعظم ما تضمنته الآية من هول المطع وشدة الأمر. وقال فى فتوح الغيب
عن الزمخشرى : إن هذا كان بكاء فرح لا بكاء جزع لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم كما قال الشاعر:
من عظم ما قد سرنى أبكانى
طفح السرور على حتى أنه
وقال ابن بطال إنما بكى ◌َّ عند تلاوة هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى
شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف وهو أمر يحق له طول البكاء - انتهى. قال الحافظ: والذى
يظهر أنه بكى رحمة لأمته لأنه علم أنه لابد أن يشهد عليهم بعدهم وعملهم قد لا يكون مستقيما فقد يفضى إلى تعذيبهم-
انتهى. وفى الحديثُ استحباب استماع القراءة والإصغاء اليها والبكاء عندها والتدبر فيها. قال النووي: البكاء
عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين قال الله تعالى (يخرون للأ ذقان بيكون - الإسراء: ١٠٩ خروا
ستجدا وبكيا - مريم: ٥٨) والأحاديث فيه كثيرة قال فان عز عليه البكاء تباكى لخبر أحمد والبيهقى إن هذا
القرآن نزل بحزن وكأبة فإذا قرأ تموه فابكوا فان ثم تبكوا فتباكوا - الحديث. وقال الغزالى يستحب البكاء مع
القراءة وعندها ، وطريق تحصيله أن يحض قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق
والعهود ثم ينظر تقصيره فى ذلك، فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وإنه من أعظم المصائب (متفق عليه).
واللفظ للبخارى فى باب قول المقرى للقارىء حسبك من فضائل القرآن إلا قوله: ((فانى أحب أن أسمعه من
غيرى)) فإنه وقع عنده فى رواية أخرى وإلا قوله وهو على المنبر فانه لمسلم وحده. والحديث أخرجه أيضا
البخارى فى التفسير وأحمد (ج ١ ص ٣٧٤ - ٣٨٠) والترمذى فى التفسير وأبو داود فى آخر العلم وابن ماجه
فى الزهد .
٢٢١٨ - قوله (قال لأبى بن كعب) الأنصارى الخزرجى النجارى الصحابي الجليل رضى الله عنه.
٢٧٢
مرعاة المفاتيح ج ٧ .
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
إن الله أمرنى أن أقرأ عليك القرآن، قال: الله سمانى لك؟ قال نعم قال وقد ذكرت عند رب
العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه، وفى رواية إن الله أمرنى أن أقرأ عليك (لم يكن الذين كفروا)
(إن الله أمرنى أن أقرأ عليك القرآن) مطلق فيتناول (لم يكن الذين كفروا - البينة: ١) وغيرها قوله ((إقرأ
عليك)، كذا وقع فى عامة الروايات والسياق المذكور هنا البخارى فى التفسير من طريق سعيد بن أبى عروبة
عن قتادة عن أنس لكن فيها إن الله أمرنى أن أقرئك القرآن أى أعلمك بقراءتى عليك كيف تقرأ فلا منافاة
بين قوله إقرأ عليك وأقرئك. قال أبو عبيد: المراد بالعرض على أبَّ ليتعلم أبىُّ منه القراءة ويثبت فيها
وليكون عرض القرآن سنة والتنبيه على فضيلة أبي بن كعب وتقدمه فى حفظ القرآن وليس المراد أن يستذكر منه
النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً بذلك العرض. قال القارى: ووجه تخصيصه بذلك إنه بذل جهده فى حفظ القرآن
وما ينبغى له حتى قال رَّم أقرؤكم أبى، ولما قيض له من الامامة فى هذا الشأن أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن
يقرأ عليه ليأخذ عنه رسم التلاوة كما أخذه النبي ◌َّم عن جبريل ثم يأخذه على هذا النمط الآخر عن الأول
والخلف عن السلف وقد أخذ عن أبىّ بشر كثيرون من التابعين ثم عنهم من بعدهم، وهكذا فسرى سر تلك
القراءة عليه حتى سرى سره فى الأمة إلى الساعة (قال الله) بمد الهمزة وكان فى الأصل أالله بهمزتين وكان الأولى
للاستفهام وقلبت الثانية الفا ويجوز حذفها العلم بها وهذا معنى قول الطبي بالمد بلا حذف وبالحذف بلا مد
(سمانى لك) أى ذكرنى باسمى لك. قال الحافظ: أى هل نص على باسمى أو قال إقرأ على واحد من أصحابك
فأخترتنى أنت. قال القرطبى: تعجب أبى من ذلك لأن تسمية الله له وقصه عليه ليقرأ عليه النبي صلى الله عليه
وسلم تشريف عظيم فلذلك بكى إما فرحا وإما خشوعا. وقال الطيبي: والمقصود التعجب إما هضما أى أنى لى هذه
المرتبة وإما استاذاذاً بهذه المنزلة الرفيعة (قال نعم) وفى رواية لهما قال الله سماك لى. قال الحافظ: وفى رواية
الطبرانى من وجه آخر عن أبي بن كعب قال نعم باسمك ونسبك فى الملأ الأعلى (قال وقد ذكرت) بصيغة المجهول
أى أوقع ذلك والحال إنى قد ذكرت على الخصوص وبهذا الوجه المخصوص. قال الطيبي: تقريب للتعجب (عند
رب العالمين) أى مع عظمته وحقارتى (فذرفت عيناه) بفتح المعجمة والراء أى تساقطنا بالدموع إما فرحا
وسرورا بذلك وإما خشوعاً وخوفا من التقصير فى شكر تلك النعمة. وفى الحديث استحباب القراءة على أهل العلم
وإن كان القارى أفضل من المفروء عليه (وفى رواية) للشيخين (إن الله أمرنى أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا)
كذا فى هذه الرواية وهى رواية شعبة عن قتادة عن أنس وبين فى رواية همام عن قتادة عند البخارى إن تسمية السورة
لم يحمله قتادة عن أنس فإنه قال فى آخر الحديث (بعد روايته بلفظ إن الله أمرنى أن أقرأ عليك القرآن قال الله سمانى
٢٧٣
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
قال: وسمانى؟ قال: نعم. فبكى. متفق عليه.
٢٢١٩ - (١١) وعن ابن عمر، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم. أن يسافر بالقرآن إلى
أرض العدو.
لك قال الله سماك فجعل أبى يبكى) ((قال قتادة: فانبئت أنه قرأ عليه لم يكن الذين كفروا)، وسقط بيان ذلك من
رواية سعيد بن أبى عروبة عند البخارى. قال الحافظ: وقد أخرجه الحاكم وأحمد والترمذى من طريق زر بن
حبش عن أبى نفسه مطولا، ولفظه إن الله أمرنى أن أقرأ عليك القرآن قال فقرأ عليه لم يكن الذين كفروا والجمع
بين الروايتين حمل المطلق على المقيد لقراءته لم يكن دون غيرها - انتهى. وقال القارى: يحتمل إن هذه الرواية
مبينة للقرآن فى الرواية الأولى ويحتمل أن يكون قضية أخرى - انتهى. قلت: الاحتمال الأول هو الظاهر . قال
القرطبى : خص هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة والاخلاص والصحف والكتب
المنزلة على الأنبياء وذكر الصلاة والزكاة والمعاد وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها ولتحقيق قوله تعالى فيها:
﴿ ومنول من اللّه يتلوا صحفا مطهرة - البيضة: ٢﴾ قال الحافظ فى تخصيص أبى بن كعب: النفويه به فى أنه أقرأ
لصحابة فإذا قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع عظيم منزلته كان غيره بطريق التبع له (قال وسمانى) أى لك
كما فى رواية ( فبكى) سرورا وفرحا بتسمية الله إياه فى أمر القراءة أو خوفا من العجز عن قيام شكر تلك النعمة
(متفق عليه) سياق الرواية الأولى للبخارى كما تقدم وسياق الرواية الثانية لكليهما. والحديث أخرجه البخارى فى
المناقب وفى التفسير ومسلم فى فضائل القرآن وفى كتاب الفضائل أى المناقب وأخرجه أيضاً أحمد والترمذى فى
المناقب والنسائى وغيرهم وفى الباب عن أبى حبة البدرى أخرجه أحمد (ج ٣ ص ٤٨٩) وابن قانع فى معجم
الصحابة والطبرانى وابن مردويه ذكره الشوكانى فى فتح القدير .
٢٢١٩ قوله (نهى رسول اللّه ◌َّل أن يسافر) بفتح الفاء أى يسافر أحد والسفر اسم واقع للغزو وغيره
(بالقرآن) قال الطيبي: الباء زائدة لأنها دخلت على المفعول به الذى ناب عن الفاعل وليست هى كما فى قوله
لا تسافروا فانها حال أى حال كونكم مصاحبين له ذكره القارى. وقال فى اللعات: قوله بالقرآن أى فى الرواية
الأولى حال والباء المصاحبة أى مصاحبا بالقرآن (الى أرض العدو) أى الكفار يعنى دار الحرب خوفا من
الاستهانة به . قيل المراد بالقرآن بعض ما نسخ وكتب فى عهده وقد كان يكتب بعض الصحابة لنفسه للحفظ أو
التلاوة، وإن لم يكن مجموعاكله فى مصحف واحد ، فالمراد بالقرآن الصحف التى كتب عليها أو كان هذا إخباراً
عن الغيب. وقال الباجى. يريد المصحف لما كان القرآن مكتوباً فيه سماه قرآنا ولم يرد ما كان منبه محفوظا فى
٢٧٤
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
متفق عليه.
الصدور لأنه لا خلاف أنه يجوز لحافظ القرآن الغزو وإنما كان ذلك لأنه لا إهانه للقرآن فى قتل الغازى. وإنما
الاهانة للقرآن بالعبث بالمصحف والاستخفاف به وقد روى مفسرا نهى أن يسافر بالمصحف رواه عبد الرحمن
ابن مهدى عن مالك عن نافع عن ابن عمر - انتهى. قال الأبى لم يكن المصحف مكتوبا حينئذ فلعله من الأخبار
عن مغيب أو لعله كان مكتوبا فى رقاع فيصح، ويتقرر النهى عن السفر بالقليل والكثير منه لا سيما على القول إن
القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير. وأما على القول بأنه اسم للجمع فيتعلق النهى بالقليل لمشاركته الكل
فى العلة فان حرمة القليل منه كالكثير ـ انتهى. قلت: روى مفسرا أى بلفظ: المصحف محمد بن اسحاق عن نافع
عن ابن عمر عند أحمد (ج ٢ ص ٧٦) وعقد البخارى فى صحيحه باب كراهة السفر بالمصاحف إلى أرض العدو
وقد سافر النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الى أرض العدو وهم يعلمون القرآن . قال الحافظ: أشار البخارى
بذلك إلى أن المراد بالنهى عن السفر بالقرآن السفر بالمصحف خشية أن يناله العدو ولا السفر بالقرآن نفسه ، قال
وادعى المهلب أن مراد البخارى بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة فيجوز فى تلك دون
هذه والله أعلم. قال النووى: فى الحديث النهى عن المسافرة بالمصحف الى أرض الكفار للعلة المذكورة فى الحديث
(الآتى) وهى خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته فان أمنت هذه العلة بأن يدخل فى جيش المسلمين الظاهر عليهم
فلا كراهة ولا منع عنه حينئذ لعدم العلة هذا هو الصحيح وبه قال أبو حنيفة والبخارى وآخرون: وقال مالك
وجماعة من أصحابنا: بالنهى مطقا. وحكى ابن المنذر عن أبى حنيفة الجواز مطلقا والصحيح عنه ما سبق. واتفق
العلماء على أنه يجوز أن يكتب اليهم كتاب فيه آية أو آيات والحجة فيه كتاب النبى صلى الله عليه وسلم الى هرقل-
انتهى. وقال ابن عبد البر: اجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف فى السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا.
فى الكبير المامون عليه فمنع مالك أيضا مطلقا وفصل أبو حنيفة وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجودا
وعدماً. وقال بعضهم: كالمالكية واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر لوجود المعنى المذكور فيه ، وهو
التمكن من الاستهانة به ولا خلاف فى تحريم ذلك وإنما وقع الاختلاف هل يصح لو وقع ويؤمر بإزالة ملكه
عنه أم لا. واستدل به على مفع تعليم الكافر القرآن وبه قال مالك مطلقا وأجاز الحنفية مطلقا، وعن الشافعى
قولان وفصل بعض المالكية بين القليل لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم فأجازه وبين الكثير فنه ، ويؤيده قصة
هرقل حيث كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعض الآيات . ونقل النووى الاتفاق على جواز الكتابة اليهم بمثل
ذلك كذا فى الفتح. قال الباجى: لا يجوز أن يعلم أحدا من ذرارى الكفار القرآن لأن ذلك سبب لتمكنهم منه
ولا بأس أن يقرأ عليهم احتجاجا عليهم به ولا بأس أن يكتب اليهم بالآية ونحوها على سبيل الوعظ كما كتب
يت لقّ إلى ملك الروم ﴿يا أهل الكتاب! تعالوا إلى كلمة - آل عمران: ٦٤) الآية - انتهى. (متفق عليه)
٢٧٥
١ - باب
٨ - كتاب فضائل القرآن
مرعاة المفاتيح ج ٧.
وفى رواية لمسلم لا تسافروا بالقرآن فانى لا آمن أن يناله العدو.
B ( الفصل الثانى )؟
٢٢٢٠ - (١٢) عن أبى سعيد الخدرى، قال: جلست فى عصابة
رواه البخارى عن القعنى عن مالك عن نافع عن ابن عمر ومسلم من طريق يحي بن يحيى عن مالك به وأخرجه
أحمد (ج ٢ ص ٧ - ٦٣) وابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن مالك وزاد مخافة أن يناله العدو
ورواه ابن وهب عن مالك فقال خشية أن يناله العدو. وأخرجه أبو داود عن القعنى عن مالك فقال قال
مالك: أراه مخافة فذكره قال أبو عمر كذا قال يحيى بن يحيى الأندلسى ويحيى بن بكير وأكثر الرواة عن مالك
جعلوا التعليل من كلامه ولم يرفعوه. وأشار الى أن ابن وهب تفرد برفعها وليس كذلك لما تقدم من رواية
أحمد وابن ماجه وهذه الزيادة رفعها أيضا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أخرجها اسحاق بن راهويه
فى مسنده عن محمد بن بشر وأحمد فى مسنده ( ج ٢ ص ٥٥) عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله وكذلك أخرجها
مسلم والنساقى وابن ماجه من طريق الليث عن نافع ومسلم من طريق حماد عن أيوب عن نافع بلفظ: فانى لا أمن
أن يناله العدو وأحمد (ج ٢ ص ٦) من طريق ابن علية و (ج ٢ ص ١٠) من طريق سفيان عن أيوب بلفظ
فانى أخاف أن يناله العدو، وكذا رواها مسلم من طريق ابن علية والثقفى عن أيوب ورفعها أيضا عبد الله بن دينار
عن ابن عمر أخرجها أحمد (ج ٢ ص ١٢٨) من طريق سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. قال
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو. قال الحافظ بعد
ذكر جملة من هذه الروايات: فصح أنه مرفوع وليس بمدرج ولعل مالكا كان يجزم به ثم صار يشك فى رفعه
فجعله من تفسير نفسه - انتهى. قيل: ولم يذكر البخارى ومسلم التعليل المذكور فى روايتهما عن مالك للاختلاف
عليه فى رفعه ووقفه. وقد تقدم إن الحفاظ غير مالك اثبتوا رفعه فيكون هو الراجح المعتمد (وفى رواية لمسلم)
رواها من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر (لا تسافروا بالقرآن) أى المصحف لا القرآن نفسه والمراد
بالمصحف ما كتب فيه القرآن كله أو بعضه متميز الا فى ضمن كلام آخر ، فلا ينافيه ما كتبه صلى الله عليه وسلم
فى كتابه إلى هرقل من قوله ﴿ يا أهل الكتاب) الآية (فانى لا آمن أن يناله العدو) أى من أن يصيبه الكافر
فلا يراعى حرمته بل يحقره أو يحرقه أو يلقيه فى مكان غير لائق به وهذه الرواية أخرجها أيضا أحمد ( ج ٢
ص ١٠،٦) .
٢٢٢٠ - قوله (جلست فى عصابة) بالكسر أى جماعة. قال الجزرى: العصابة الجماعة من الناس
: ٢٧٦
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
من ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى، وقارئ يقرأ علينا اذ جاء رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقام علينا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارى فسلم، ثم
قال: ما كنتم تصنعون. قلنا: كنا نستمع إلى كتاب الله فقال: الحمد لله الذى جعل من أمتى من
أمرت أن أصبر نفسى معهم قال فجلس وسطنا ليعدل بنفسه فينا. ثم قال: بيده هكذا فحلقوا
وكذلك من الخيل والطير (من ضعفاء المهاجرين) يعنى أصحاب الصفة (ليستتر) بلام التاكيد المفتوحة من
الاستتار (من العرى) أى من أجله بضم العين وسكون الراء أى من كان ثوبه أقل من ثوب صاحبه كان يجلس خلف
صاحبه تسترا به، والمقصود بيان فقرهم واحتياجهم وإنه لم يكن على أبدانهم ثياب تكفى للتستر ومن أجل ذلك
كان يجلس بعضهم خلف بعض ليحصل الاستتار . وقيل: المراد العرى ما عدا العورة فالتستر لمكان المروءة فإنها
لا تسمح بانكشاف ما لا يعتاد كشفه (وقارى يقرأ علينا) القرآن لنستمع وتتعلم (إذا جاء رسول الله عز له)
إذ المفاجاة ( فقام علينا) أى وقف يعنى كنا غافلين عن مجيئه فنظرنا فاذا هو قائم فوق رؤسنا يستمع إلى كتاب
الله (سكت القارى) أى تأدبا لحضوره وإنتظاراً لما يقع من أموره (فسلم) أى فما سكت القارى سلم الرسول
واستدل بذلك على كراهة السلام على قارى القرآن لأنه يَيضم لم يسلم عليهم إلا إذا سكت القارى فتأمل، (ما كنتم
تصنعون) إنما سألهم مع علمه بهم ليجيبهم بما أجابهم مرتبا على حالهم (قلنا كنا نستمع إلى كتاب الله) فى أبى
داود. قلنا: يا رسول الله ! أنه كان قارى لنا يقرأ علينا فكنا نستمع إلى كتاب الله أى إلى قراءته أو إلى قارئه
(جعل من أمتى من أمرت) بصيغة المجهول (أن أصبر نفسى معهم) أى أحبس نفسى معهم إشارة إلى قوله تعالى:
﴿ وأصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشى يريدون وجهه - الكهف: ٢٨) أراد به زمرة الفقراء
الملازمين لكتاب الله المتوكلين على الله المقربين عند الله (قال) أى أبو سعيد (مجلس) رسول الله مؤالله (وسطنا)
بكون السين وقد يفتح أى بيننا لا يجنب أحدنا (ليعدل) بكسر الدال أى ليسوى (بنفسه) أى نفسه الكريمة
يحلوسه (فينا) أى يسوى نفسه ويجعلها عديلة مماثلة لنا بجلوسه فينا تواضعا ورغبة فيما نحن فيه. قال الطيبي: أى
ليجعل نفسه حديلا بمن جلس اليهم ويسوى بينه وبين أولئك الزيمقرغبة فيما كانوا فيه وتواضعا لربه سبحانه
وتعلاء - انتهى. وقيل: معناه جلس الذى عَم وسط الحلقة ليسوى بنفسه الشريفة جماعتنا ليكون القرب من
النبي صلى الله عليه وسلم لكل رجل منا سواء أو قريبا من السواء يقال عدل فلان بفلان سوى بينهما (ثم قال)
أى أشار (بيده هكذا) أى أجلسوا حلقا (فتحلقوا) أى قبالة وجهه عليه الصلاة والسلام دل عليه قوله
٢٧٧
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
وبرزت وجوههم له ، فقال: أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين: بالنور التام يوم القيامة تدخلون
الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة .
(وبرزت) أى ظهرت (وجوههم له) بحيث يرى عليه الصلاة والسلام وجه كل أحد منهم قاله القارى. وقال
الجزرى: تحلقوا أى صارو حلقة مستديرة (أبشروا) أمر من الابشار أى افرحوا (يامعشر صعاليك المهاجرين)
بفتح الصاد المهملة أى جماعة الفقراء من المهاجرين الصابرين جمع صعلوك بضم الصاد وهو الفقير (بالنور التام يوم
القيامة) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿ نور هم يسعى بين أيديهم وبايمانهم يقولون ربنا أتم لنا نورنا - التحريم: ٨)
(تدخلون الجنة) استئناف فيه معنى التعليل (قبل اغنياء الناس) أى الشاكرين المؤدين حقوق أموالهم بعد
تحصيلها ما أحل الله لهم فانهم يوقفون فى العرصات للحساب من أين حصلوا المال وفى أين صرفوه (وذلك) أى
نصف يوم القيامة (خمس مائة سنة) لقوله تعالى: ﴿ وإن يوما عند ربك كألف سنة ،ما تعدون - الحج: ٤٧)
وإما قوله تعالى: ﴿فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة - المعارج: ٣ ) فخصوص بالكافرين (فذلك يومئذيوم عسير
على الكافرين غير يسير - المدثر: ٩ ) وروى أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعا إن فقراء المهاجرين
يسبقون الأغنياء يوم القيامة الى الجنة بأربعين خريفا أى سنة. ووجه الجمع بينه وبين حديث أبى سعيد أن يقال
المراد بكل من العددين إنما هو التكثير لا التحديد فتارة عبر به وأخرى بغيره تفننا ومألهما واحد أو أخبر أو لا
بأربعين كما أوحى إليه ثم أخبر بخمس مائة عام زيادة من فضله على الفقراء ببركته مَ اللّه أو التقدير بأربعين خريفا
اشارة الى أقل المراتب وبخسمائة عام الى أكثرها . ويدل عليه ما رواه الطبرانى عن مسلمة بن مخلد ولفظه سبق
المهاجرون الناس بأربعين خريفا الى الجنة ثم يكون الزمرة الثانية مائة خريف، فالمعنى أن يكون الزمرة الثالثة
مائتين وهلم جراً، وكأنهم محصورون فى خمس زمر أو الاختلاف باختلاف مراتب أشخاص الفقراء فى حال
صبرهم ورضاهم وشكرهم وهو الأظهر المطابق لما فى جامع الأصول (ج ٥ ص٤٨٦) حيث قال وجه الجمع بينهما ان
الأربعين أراد به تقدم الفقير الحريص على الغنى الحريص وأراد بخمسمائة تقدم الفقير الزاهد على الغنى الرغب
فكان الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد. وهذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة
ولا تظنن إن هذا التقدير وأمثاله يجرى على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم جزافا ولا بالاتفاق بل لسر أدركه
ونسبة أحاط بها علمه فانه لا ينطق عن الهوى، فان فطن أحد من العلماء إلى شىء من هذه المناسبات وإلا فليس
طعنا فى صحتها - انتهى . وقال العلقمى: ويمكن الجمع بينهما بان سباق الفقراء يسبقون سباق الأغنياء بأربعين عاماً
وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام اذ فى كل صنف من الفريقين سباق. وقال بعض المتأخرين: يجمع بأن هذا
السبق يختلف بحسب أحوال الفقراء والأغنياء فمنهم من يسبق بأربع، ومنهم من يسبق بخمسمائة كما يتأخر مكث
٢٧٨
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
رواه أبوداود.
٢٢٢١ - (١٣) وعن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زينوا القرآن
بأصواتكم.
العصاة من الموحدين فى النار بحسب جرائمهم، ولا يلزم من سبقهم فى الدخول إرتفاع منازلهم بل قد يكون
المتأخر أعلى منزلة وأن سبقه غيره فى الدخول ، فالمزية مزيتان. مزية سبق، ومزية رفعة. قد تجتمعان وقد
تنفردان ـ انتهى. (رواه أبو داود) فى أواخر العلم وفى اسناده المعلى بن زياد القردومى البصرى. قال المنذرى
فى مختصر السنن: فيه مقال. قلت قال الحافظ فى التقريب: هو صدوق قليل الحديث زاهد اختلف قول ابن معين
فيه. وقال فى التهذيب ( ج ١٠ ص ٢٣٧) قال اسحاق بن منصور عن ابن معين وأبو حاتم ثقة. وقال أحمد بن
سعيد بن مريم: سألت ابن معين عن على بن زياد فقال ليس بشىء ولا يكتب حديثه. وقال ابن عدى: هو معدود
من زهاد أهل البصرة ولا أرى برواياته باساً ولا أدرى من أين. قال ابن معين: لا يكتب حديثه - انتهى. وذكره
ابن حبان فى الثقات. وقال أبو بكر البزار: ثقة - انتهى. والحديث أخرج الترمذى وابن ماجه منه، آخره من
طريق عطية عن أبى سعيد قال قال رسول اللّه ◌َ لل فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنياءهم بخمسمائة عام،
وفى الباب عن أبى هريرة عند الترمذى وابن ماجه وابن حبان يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام نصف
يوم لفظ الترمذى، ولفظ ابن ماجه فقراء المؤمنين. قال الترمذى: حديث حسن صحيح. وقال المنذرى فى
الترغيب بعد ذكر تصحيح الترمذى : رواته محتج بهم فى الصحيح .
٢٢٢١ - قوله (زينوا القرآن بأصواتكم) أى بتحسين أصواتكم عند القراءة فان الكلام الحسن يزيد
حسناً وزينة بالصوت الحسن ، وهذا أمر مشاهد ولما رأى بعضهم إن القرآن أعظم من أن يحسن بالصوت بل
لصوت أحق بأن يحسن بالقرآن قال معناه زينوا أصواتكم بالقرآن. قال الخطابي: هكذا فسره غير واحد
من أئمة الحديث وزعموا إنه من باب المقلوب كما يقال عرضت الناقة على الحوض وانما هو عرضت الحوض
على الناقة وكقولهم إذا طلعت الشعرى واستوى العود على الحرباء أى استوى الحرباء على العود. ثم روى باسناده
عن شعبة قال بهانى أيوب أن أحدث زينو القرآن بأصواتكم، قال ورواه معمر عن منصور عن طلحة عن البراء فقدم
الأصوات على القرآن وهو الصحيح ثم أسنده الخطابى من طريق عبد الرزاق عن معمر بلفظ: زينوا أصواتكم
بالقرآن. وأخرج بهذا اللفظ الحاكم (ج ١ ص ٥٧٢،٥٧١) أيضا. قال الخطابي: والمعنى أشغلوا أصواتكم
بالقرآن والهجوا به واتخذوه شعاراً وزينة ، یعنی ارفعوا به أصواتكم واجعلوا ذلك مجیراكم ليكون ذلك زينة لها
قلت: لا جاجة إلى حمله على القلب بل هو محمول على ظاهره لما يأتى من قوله براته فان الصوت الحسن يزيد
٢٧٩
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
١ - باب
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمى.
٢٢٢٢ - (١٤) وعن سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من امرئ.
يقرأ القرآن ثم ينساه إلا أتى الله يوم القيمة أخذم.
القرآن حسنا. قال فى العات: ولا محذور فى ذلك لأن ما يزين الشىء يكون تابعاً له وملعقا به كالحلى بالنسبة إلى
العروس، وأيضا المراد بالقرآن قراءته وهو فعل العبد. وفيه دليل على أن تحسين الصوت بالقرآن مستحب وذلك
مقيد برعاية التجويد وعدم التغيير - انتهى. وقال المناوى: قيل معنى الحديث الحث على الترتيل الذى أمر به فى
قوله تعالى: ﴿ ورتل القرآن ترتيلا - المزمل: ٤﴾ والمعنى زينوا القرآن بالمترتيل والتجويد وتليين الصوت
وتحزينه. وقيل أراد بالقرآن القراءة والمعنى زينوا قراءة القرآن بأصواتكم الحسنة ويشهد اصحة هذا وإن القلب
لا وجه له حديث أبى موسى إن النبي وَ اللّمه استمع قراءته فقال لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود فقال لو
علمت إنك تسمع لحبرةهلك تحبيراً أى حسنت قرأته تحسينا وزينتها، ويؤيد ذلك تأييداً لاشبهة فيه حديث ابن مسعود
مرفوعا إن حسن الصوت يزين القرآن أخرجه البزار بسند ضعيف، ورواه الطبرانى بلفظ: حسن الصوت زينة
القرآن ويؤيده أيضا حديث ابن عباس عند الطبرانى بسند ضعيف لكل شىء حلية وحلية القرآن حسن الصوت
حديث أنس لكل شىء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن أخرجه البزار باسناد ضعيف قال . القارى: يعنى كما إن
الخلل والحلى يزيد الحسناء حسنا وهو أمر مشاهد فدل على أن رواية العكس محمولة على القلب لا العكس فتديو
ولا منع من الجمع ـ انتهى. (رواه أحمد) (ج ٤ ص ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤) (وأبو داود) والنسائى
(وابن ماجه) فى الصلاة (والدارمى) فى فضائل القرآن كلهم من طريق طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء
وعلقه البخارى فى باب قول النبي ◌َّفتم الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة من كتاب التوحيد ووصله
فى خلق أفعال العباد وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما، والحاكم وبسط طرقه، والبيهقى ( ج ٢
ص٥٣) وفى الباب عن ابن عباس أخرجه الطبرانى فى الكبير والدار قطنى فى الافراد، وعن أبى هريرة أخرجه
أبو نصر السبخرى فى الابانة وعن عائشة عند أبى نعيم فى الحلية .
٢٢٢٢ - قوله (ما من امرى يقرأ القرآن) أى بالنظر أو بالغيب يعنى يحفظه على ظهر قلبه (ثم ينساه)
أى بالنظر أو بالغيب أو المعنى ثم يترك قراءته نسى أو ما نسى. قال فى اللعات: ظاهر الحديث نسيانه بعد حفظه
فقد عد ذلك من الكبائر. وقيل: المراد به جهله بحيث لا يعرف القراءة. وقيل: النسيان يكون بمعنى الذهول
وبمعنى الترك وهوههنا بمعنى الترك أى ترك العمل وقراءته. قلت: المتبادر من النسيان الواقع فى هذا الحديث وأمثاله
هو النسيان بعد الحفظ عن ظهر قلب فهو المراد منه (إلا لقى الله يوم القيامة أجذم). من الجذم بمعنى القطع وذكر
٢٨٠