Indexed OCR Text
Pages 181-200
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
فانصرف، وكان ابنه يحى قريبا منها، فأشفق أن تصيبه، ولما أخره رفع رأسه إلى السماء، فإذا
مثل الظلة فيها، أمثال المصابيح، فلما أصبح حدث النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال: إقرأ يا ابن
حضير ! إقرأ يا ابن حضير !
الذوق منها بترك القراءة ذكره القارى ( فانصرف) أى أسيد من الصلاة (وكان ابنه) أى ابن أسيد ( يحيى)
قال الحافظ: يحيى بن أسيد بن حضير الأنصارى ذكر ابن القداح أنه شهد الحديبية مع أبيه . وقال أبو عمر:
كان فى سن من يحفظ ولا أعلم له رواية وبه كان يكنى أبوه أسيد بن حضير (قريبا منها) أى من الفرس فى ذلك
الوقت ( فاشفق ) أى خاف أسيد (أن تصيبه) أى الفرس ابنه يحيى فى جولانها فذهب أسيد إلى ابنه ليؤخره عن
الفرس. (ولما أخره) بخاء معجمة مشددة وراء من التأخير أى أخر أسيد ابنه يحمي عن الموضع الذى كان به
خشية عليه ، يعنى أخره عن قرب الفرس، وهذه رواية القابسى. ووقع عند غيره فلما اجتره بحيم وتاء مثناة من
فوق وراء مشددة من الاجترار، أى فلما جر أسيد ابنه من المكان الذى هو فيه حتى لا تطأه الفرس (رفع رأسه
إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح) كذا فى جميع النسخ من المشكاة وهكذا فى جامع الأصول (ج ٩
ص ٢٧٩) والذى فى البخارى رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها. قال الحافظ: كذا فيه باختصار، وقد أورده
أبو عبيد (فى فضائل القرآن) كاملا ولفظه رفع رأسه إلى السماء فاذا هو يمثل الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت
إلى السماء حتى ما يراها، وفى رواية إبراهيم بن سعد (عند مسلم والنسائى) فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسى
فيها أمثال السرج فعرجت فى الجو حتى ما أراها - انتهى. ولم أجد السياق الذى ذكره المصنف عند البخارى،
والظاهر أنه تبع فى ذلك الجزرى، وقوله (اذا)) المفاجاة، والظلة بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام هى الغاشية. وقيل
السحابة ذكره المنذرى . وقال العينى: هى شىء مثل الصفة فأول بسحابة تظلل . وقال القارى: هى ما يقى الرجل
من الشمس كالسحاب والسقف وغير ذلك أى شىء مثل السحاب على رأسه بين السماء والأرض. وقال ابن بطال:
هى السحابة كانت فيها الملائكة ومعها السكينة فانها تنزل أبدا مع الملائكة - انتهى. والضمير فى فيها الظلة، والمصابيح
جمع مصباح أى أمثال السرج ( فلما أصبح) أى أسيد (حدث النبى صلى الله عليه وسلم) أى حكاه بما رآه لفزعه
منه (فقال إقرأ يا ابن حضير إقرأ يا أبن حضير) مرتين، وفى رواية مسلم ثلاث مرات، ومعناه كان ينبغى لك
أن تستمر على قراءتك وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة، وتستكثر من القراءة التى هى سبب
بقاءها قاله النوى. قال الطيبي: يريد أن أقرأ لفظ أمر وطلب للقراءة فى الحال، ومعناه تحضيض وطلب للاستزادة
فى الزمان الماضى أى هلا زدت وكأنه صلى الله عليه وسلم استحضر تلك الحالة العجيبة الشأن فأمره تحريضاً عليه
١٨١
٠
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
قال: فاشفقت يا رسول الله! أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فانصرفت إليه ورفعت رأسى إلى
السماء، فاذا مثل الظله، فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها. قال: وتدرى ما ذاك؟ قال:
لا تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم. متفق عليه.
واللفظ للبخارى، وفى مسلم: عرجت
والدليل على أن المراد من الأمر الاستزادة وطلب دوام القراءة والنهى عن قطعها قوله ((فأشفقت)) الخ وقال
الحافظ: قوله ((إقرأ يا ابن حضير)) أى كان ينبغى أن تستمر على قراءتك وليس أمرا له بالقراءة فى حالة التحديث
وكأن استحضر صورة الحال، فصار كأنه حاضر عنده لما رأى ما رآى فكأنه يقول استمر على قراءتك لتستمر
لك البركة بنزول الملائكة واستماعها لقراءتك، وفهم أسيد ذلك فأجاب بعذره فى قطع القراءة وهو قوله (فاشفقت
يا رسول الله أن تطأ يحيى) أى خشيت أن استمريت على القراءة أن قطأ الفرس ولدى، ودل سياق الحديث على
محافظة أسيد على خشوعه فى صلاته لأنه كان يمكنه أول ما جالت الفرس أن يرفع رأسه وكأنه كان بلغه حديث
النهى عن رفع المصلى رأسه إلى السماء فلم يرفعه حتى اشتد به الخطب. ويحتمل أن يكون رفع رأسه بعد انقضاء
صلاته، فلهذا تمادى به الحال ثلاث مرات - انتهى كلام الحافظ. وقال السندى: علم من أول الأمر إن ماحصل
لفرسه من علامات إن قراءته مقبولة محضورة فأمره بالقراءة فيما بعد لما ظهر فيها من البركات أو هذا الأمر منه
لبيان إنك لا تجعل مثله مانعاً من القراءة فيما بعد بل امض على قراءتك فيما بعد والله أعلم. (فانصرفت) وفى رواية
وانصرفت (إليه) أى انصرفت عن الصلاة إلى يحي ترحما عليه (ورفعت) وفى البخارى فرفعت (خرجت) أى
من بيتى (حتى لا أراما) أى الظلة أو المصابيح. قال القسطلانى: قوله ((خرجت)) بالخاء والجيم كذا لجميعهم. قال
عياض: وصوابه فعرجت بالمين - انتهى. قلت: وهكذا وقع عند مسلم، والنسائى وأبي عبيد ( دنت ) أى
نزلت وقربت ( لصوتك) أى بالقراءة، وفى رواية مسلم كانت تستمع لك، وعند أبى عبيد وكان أسيد بن حضير
حسن الصوت، وعند الاسماعيلى إقرأ أسيد فقد أوتيت من مزا مير آل داود. وفيه إشارة إلى الباعث على استماع
الملائكة لقراءته (ولو قرأت) أى ولو دمت على قراءتك، وعند أبى عبيد أما إنك لو مضيت (لأصبحت) أى
الملائكة (لا تتوارى منهم) أى لا تخفى ولا تستتر الملائكة من الناس، وعند أبى عبيد لرأيت الأعاجيب
(متفق عليه) أخرجاه فى فضائل القرآن وأخرجه الحاكم (ج ١ ص ٥٥٤) بنحوه باختصار، وقال فيه فالتفت
فاذا أمثال المصابيح مدلاة بين السماء والأرض فقال يا رسول الله! ما استطعت أن أمضى فقال تلك الملائكة
نزلت لقراءة القرآن أما إنك لو مضيت لرأيت العجائب. وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. (عرجت)
١٨٢
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
فى الجو، بدل: فخرجت على صيغة المتكلم .
٢١٣٧ - (٩) وعن البراء، قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط
بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وبدنو، وجعل فرسه يتفر، فلما أصبح أتى النبى صلى الله عليه
وسلم، فذكر ذلك له فقال:
من العروج على صيغة المؤنث الغائبة أى صعدت الملائكة وارتفعت فيه لكونه قطع القراءة التى نزات لسماعها.
(فى الجو) يفتح وتشديد الواو ما بين السماء والأرض (بدل خرجت) أى مكان هذه الكلمة (على صيغة المتكلم)
أى فى هذه وعلى صيغة الغائبة فى تلك. قال الحافظ قال النووى: فى هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة الملائكة
كذا أطلق وهو صحيح لكن الذى يظهر التقيد بالصالح مثلاو الحسن الصوت. قال، وفيه فضيلة قراءة القرآن وإنها
سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة. قلت: (قاتله الحافظ) الحكم المذكور أعم من الدليل فالذى فى الرواية إنما
نشأ عن قراءة خاصة من سورة خاصة بصفة خاصة، ويحتمل من الخصوصية ما لم يذكر وإلا لو كان على الاطلاق
لحصل ذلك لكل قارئ"، وقد أشار فى آخر الحديث بقوله لا تتوارى منهم إلى أن الملائكة لاستغراقهم فى
الاستماع كانوا يستمرون على عدم الاختفاء الذى هو من شأنهم، وفيه منقبة لأسيد بن حضير وفضل قراءة سورة
البقرة فى صلاة الليل ، وفضل الخشوع فى الصلاة وإن التشاغل بشىء من أمور الدنيا ولو كان من المباح قد يفوت
الخير الكثير فكيف لو كان بغير المباح - انتهى.
٢١٣٧ - قوله ( كان رجل) قبل هو أسيد بن حضيركما تقدم من حديثه نفسه لكن فيه أنه كان يقرأ سورة
البقرة، وفى هذا أنه كان يقرأ سورة الكهف. قال الحافظ: وهذا ظاهره التعدد. وقد وقع قريب من القصة التى
لأسيد لثابت بن قيس بن شماس لكن فى سورة البقرة أيضا، وأخرج أبو داود من طريق مرسلة. قال قيل: للنبى
عَلَّه ألم ترثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح قال، فلعله قرأ سورة البقرة فسئل قال قرأت -ورة
البقرة، ويحتمل أن يكون قرأسورة البقرة وسورة الكهف جميعا أو من كل منهما - انتهى كلام الحافظ، (حصان)
بكسر الحاء وفتح الصاد المهملتين خل كريم من الخيل . قال القارى: هو الكريم من خل الخيل من التحصن أو
التحصين، لأنهم يحصنونه صيانة لماء، فلا ينزونه إلا على كريمة ثم كثر ذلك حتى سموا به كل ذكر من الخيل والجملة
حالية. (بشطنين) تثنية شطن بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة آخره نون وهو الحيل الطويل الشديد الفتل ولعله
ربط باثنين لأجل جموحه وشدة صعوبته (فتغشته) أى الرجل (سحابة) أى سترته ظلمة كسحابة فوق رأسه (جعلت)
أى شرعت السحابة (تدنو وتدنو) مرتين أى تقرب منه قليلا قليلا (وجعل) أى شرع (فرسه) المربوط بشطنين
(ينفر) بفتح أوله وكسر الفاء من النفور. وقد وقع فى رواية لمسلم تنقز بقاف وزاى وخطأه عياض. قال
١٨٣
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨٠ - كتاب فضائل القرآن
تلك السكينة تنزلت بالقرآن . متفق عليه .
٢١٣٨ - (١٠) وعن أبي سعيد بن المعلى. قال: كنت أصلى فى المسجد فدعانى النبى صلى
الله عليه وسلم فلم أجبه
الحافظ : فان كان من حيث الرواية فذاك والا فمعناها واضح - انتهى. وقال النووى: معنى ينقز بالقاف
والزأى يثب (تلك السكينة) قال القارى: أى السكون والطمانينة التى يطمئن إليها القلب ويسكن بها عن الرعب.
قال الطبى: فإن المؤمن تزداد طانينة بأمثال هذه الآيات اذا كوشف بها. وقيل: هى الرحمة. وقيل: الوقار.
وقيل: ملائكة الرحمة - انتهى. وقال النووى: قد قيل فى معنى السكينة هنا أشياء المختار منها إنها شىء من مخلوقات
الله تعالى فيه طانينة ورحمة ومعه الملائكة (تنزلت) بتاء ونون وتشديد الزاى وبعد اللام تاء تأنيث ، وفى رواية
الكشمهينى تنزل بتائين بلاتاء تأنيث بعداللام (بالقرآن) أى بسببه ولأجله وفى رواية الترمذى نزات مع القرآن
أو على القرآن. قال التور بشتى: وإظهار هذه الأمثال للعباد من باب التائيد الالهی يؤيد به المؤمن ، فيزداد يقينا
ويطمئن قلبه بالايمان اذا كوشف بها (متفق عليه) أخرجه البخارى فى تفسير سورة الفتح وفى فضائل القرآن ،
وأخرجه مسلم فيه وكذا الترمذى، وأخرجه أحمد ( ج ٤ ص ٢٨١، ٢٨٤، ٢٩٣، ٢٩٨).
٢١٣٨ - قوله (وعن أبى سعيد بن المعلى) بضم الميم وفتح العين واللام المشددة على لفظ
اسم مفعول من التعلية. واختلف فى اسم أبى سعيد. فقيل: اسمه رافع بن المعلى. وقيل: الحارث بن
المعلى. وقيل: أوس بن المعلى. وقيل: الحارث بن أوس بن المعلى، وقيل: الحارث بن نقيع بن المعلى.
قال ابن عبد البر: من قال فيه رافع بن المعلى فقد أخطأ لأن رافع بن المعلى قتل ببدر، وأصح ما قيل فيه
الحارث بن نفيع بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة من بنى زريق الأنصارى الزرقى أمه أميمة
بنت قرط بن خنساء من بنى سلمة له صحبة يعد فى أهل الحجازمات سنة (٧٣) وقيل (٧٤) وهو ابن أربع وثمانين
سنة. قال ابن عبد البر: لا يعرف فى الصحابة إلا بحديثين . أحدهما : هذا يعنى الذى نحن فی شرحه، وليس له
فى البخارى سوى هذا الحديث. والثانى: عند الليث بن سعد. قال أبو سعيد بن المعلى: كنا نغدو إلى السوق على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قنمر على المسجد فتصلى فيه فمررنا يوما ورسول الله صلى الله عليه سلم قاعد
على المنبر: فقلت لقد حدث أمر تجلست فقرأ رسول الله و فى هذه الآية (قد نرى تقلب وجهك فى السماء .
البقرة: ١٤٤) حتى فرغ من الآية فقلت لصاحبي تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول موافقتهم فتكون أول
من صلى فتوارينا بعاد فصليناهما ، ثم نزل رسول عَّ فصلى الناس الظهر يومئذ ( كنت أصلى فى المسجد) أى
مسجد النبي صلى الله عليه وسلم (فلم أجبه) لأنه صلى الله عليه وسلم منعهم من الكلام فى الصلاة ومن قطعها. وظن
١٨٤
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله ! إنى كنت أصلى قال: ألم يقل الله («استجيبوا لله وللرسول اذا
دعاكم، ثم قال : ألا أملك أعظم سورة فى القرآن قبل أن تخرج من المسجد ؟ فأخذ يبدى ،
فلما أردنا أن تخرج قات: يا رسول اللّه! إنك قلت لأعلنك أعظم سورة من القرآن.
أبو سعيد أن الخطاب فى الآية لمن هو خارج عن الصلاة، وزاد فى تفسير سورة الأنفال حتى صليت وكذا وقعت
هذه الزيادة فى المصابيح وبعض نسخ المشكاة (استجيبوا) أى أجيبوا فالسين زائدة للتأكيد (لله وللرسول إذا
دعاكم) قال صاحب المدارك: المراد بالاستجابة الطاعة والامتثال وبالدعوة البعث والتحريض، ووحد الضمير
ولم يثنه لأن استجابة الرسول كاستجابة البارى جل وعلا. وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد. وقيل: وحد
الضمير لأن دعوة الله تسمع من الرسول. وقوله تعالى ( لما يحيكم - الانقال: ٢٤) أى من علوم الديانات
والشرائع ، لأن العلم حياة كما أن الجهل موت، وفيه دليل على أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم فى الصلاة فرض
يعصى المرأ بتركه، وأنه حكم يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم. واختلف فى أن إجابة الرسول تبطل الصلاة أم لا،
فقال بعض الشافعية لا تبطلها ، لأن الصلاة أيضا إجابة. قال الطبي والبيضاوى: ظاهر الحديث يدل على هذا.
وقيل: كان دعاه لأمر لا يحتمل التأخير والصلى أن يقطع الصلاة بمثله - انتهى. والأظهر من الحديث إن الاجابة
واجبة مطلقا فى حقه مرونته كما يفهم من إطلاق الآية أيضا، ولا دلالة فى الحديث على البطلان وعدمه، وسيأتى
مزيد الكلام فى ذاك ( ألا) بالتخفيف (أسمك) من التعليم (أعظم سورة فى القرآن) أى أفضل. وقيل: أكثر
أجرا ومضاعفة فى الثواب بحسب الفعالات النفس وخشيتها وتدبرها. قال ابن التين: معناه إن ثوابها أعظم من
غيرها. وقال الطيبي: إنما قال أعظم سورة اعتبارابعظيم قدرما وتفردها بالخاصية التى لم يشاركها فيها غيرها من السور
ولاشتمالها على فوائد ومعان كثيرة مع وجازة ألفاظها - انتهى. واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على
بعض وقد سبق الكلام فيه ( قبل أن تخرج) بالفوقية (من المسجد) قيل لم يعلمه بها ابتداء ليكون ذلك ادعى
لتفريغ ذهنه واقباله عليها بكليته (فأخذ بيدى) بالافراد (فلما أردنا أن تخرج) من المسجد (إنك قلت لأعلمنك
أعظم سورة من القرآن) قال القسطلانى: ولأبى ذر والأصيلى فى القرآن. قال القارى: سميت سورة الفاتحة أعظم
سورة ، لاشتمالها على المعانى التى فى القرآن من الثناء على الله بما هو أهله والتعبد بالأمر والنهى وذكر الوعد،
لأن فيه ذكر رحمة الله على الوجه الأبلغ الأشمل. وذكر الوعيد لدلالة يوم الدين أى الجزاء ولاشارة المغضوب
عليهم عليه، وذكر تفرده بالملك وعبادة عباده إياه واستعانتهم بولاه وسؤالهم منه، وذكر السعداء والأشقياء
وغير ذلك مما اشتمل عليه جميع منازل السائرين ومقامات السالكين ولا سورة بهذه المثابة فى القرآن فهى أعظم
١٨٥
مرغاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
قال: الحمد لله رب العالمين هى السبع المثانى، والقرآن العظيم الذى أوتيته .
كيفية وإن كان فى القرآن أعظم منها كمية (قال الحمد لله رب العالمين) خبر مبتدأ محذوف أى هى كما صرح بها فى
تفسير الأنفال عند البخارى. قال القارى: أى هى سورة الحمد لله رب العالمين فلا دلالة على كون البسملة منها أم
لا - انتهى. وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك (هى السبع المثانى) اللام للعهد من قوله تعالى: ﴿ولقدآ تيناك سبعا
من المثانى والقرآن العظيم -الحجر: ٨٧) الآية وفى هذا تصريح بأن المراد بالسبع المثانى فى الآية الكريمة هو الفاتحة
وهذا هو الحق، فان قيل فى الحديث السبع المثانى وفى القرآن سبعاً من المثانى. أجيب بأنه لا اختلاف بين الصيغتين
اذا جعلنا من البيان، وإنما سميت السبع لأنها سبع آيات بلا خلاف إلا أن منهم من عدأنعمت عليهم دون التسمية
ومنهم من مذهبه على العكس قاله الزمخشرى . قلت: الأول قول الحنفية والعكس قول الشافعى ، فانهم يعدون
التسمية من الفاتحة ولا يعدون أنعمت عليهم آية. قال الطيبي: وعد التسمية أولى لأن أنعمت لا يناسب وزانه
وزان فواصل السور، ولحديث ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة. واختلف فى تسميتها مثانى،
فقيل لأنها تثنى على مرور الأوقات أى تكرر فلا تنقطع وتدرس فلا تندرس. وقيل: لأنها تثنى فى كل ركعة أى
تعاد. وقيل: لأنها تثنى بسورة أخرى أو لأنها نزلت مرة بمكة، ومرة بالمدينة تعظيما لها واهتماما بشأنها. وقيل:
لأنها يثنى بها على الله تعالى. وقيل: لأنها استثنيت لهذه الأمة لم تنزل على من قبلها. والمثانى صيغة جمع، واحده
مثناة، والمثناة كل شىء يثنى، من قولك ثنيت الشىء ثنيا أى عطفته وضممت إليه آخر قاله القسطلانى. وقال العينى
هو جمع مثنى الذى هو معدول عن اثنين اثنين. وقيل: مثنى بمعنى الثناء كالمحمدة بمعنى الحمد . وقيل غير ذلك
.(والقرآن العظيم) عطف على السبع عطف صفة على صفة. وقيل: هو عطف عام على خاص . قال التور بشتى: إن
قبل كيف صح عطف القرآن على السبع المثانى، وعطف الشىء على نفسه ما لا يجوز. قلت : ليس كذلك وانما
هو من باب ذكر الشىء بوصفين، أحدهما معطوف على الآخر والتقدير آتيناك ما يقال له السبع المثانى والقرآن
العظيم، أى الجامع لهذين النعتين. وقال الطبي: عطف القرآن على السبع المثانى المراد منه الفاتحة وهو من باب
عطف العام على الخاص تنريلا للتغاير فى الوصف منزلة التغاير فى الذات، وإليه أومأ صلى الله عليه وسلم بقوله
ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن حيث نكر السورة وأفردها ليدل على أنك إذا تقصيت سورة سورة فى القرآن
وجدتها أعظم منها، ونظيره فى النسق لكن من عطف الخاص على العام من كان عدواً الله وملائكته ورسله
وجبريل وميكال ـ انتهى . وهو معنى قول الخطابى. قال الحافظ: وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله والقرآن
العظيم محذوف الخبر، والتقدير ما بعد الفاتحة مثلا فيكون وصف الفاتحة - انتهى. بقوله هى «السبع المثانى))
ثم عطف قوله. والقرآن العظيم أى ما زاد على الفاتحة وذكر ذلك رعاية لنظم الآية ويكون التقدير والقرآن
العظيم هو الذى أوتيته زيادة على الفاتحة - انتهى: (الذى أوتيته) إشارة إلى قوله تعالى ﴿ ولقد آتيناك -
١٨٦
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
رواه البخارى .
٢١٣٩ - (١١) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوا بيوتكم
مقابر، إن الشيطان ينفر
الحجر : ٨٧) الآية أو خصصته بالاعطاء، وفيه دليل على جواز إطلاق القرآن على بعضه، ويدل له قوله تعالى:
﴿ بما أوحينا إليك هذا القرآن - يوسف: ٣) يعنى سورة يوسف. قال ابن التين: فى قوله قال (الحمد لله رب
العالمين - الفاتحة: ١﴾ دليل على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست آية من القرآن كذا قال وعكس غيره لأنه
السورة ويؤيده أنه لو أراد الحمد لله العالمين الآية لم يقل هى السبع المثانى، لأن الآية الواحدة لا يقال لها سبع
فدل على أنه أراد بها السورة والحمد لله رب العالمين من أسمائها، وفيه قوة لتاويل الشافعى فى حديث أنس، قال
كانوايفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين. قال الشافعى: أراد السورة وتعقب بأن هذه السورة تسمى سورة
الحمد لله ولا تسمى الحمد لله رب العالمين، وهذا الحديث يرد هذا التعقب. قال الحافظ: وفى الحديث إن إجابة أراد
المصلى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا تفسد الصلاة هكذا صرح به جماعة من الشافعية وغيرهم، وفيه بحث
لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقا سواء كان الخطاب مصليا أو غير مصل ، إما كونه يخرج بالاجابة من
الصلاة أو لا يخرج فليس من الحديث ما يستلزمه ، فيحتمل أن تجب الاجابة ولو خرج الجيب من الصلاة إلى ذلك
جنح بعض الشافعية، وهل يختص هذا الحكم بالنداء ويشمل ما هو أعم حتى تجب إجابته إذا سأل فيه بحث. وقد
جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة فى قصة ذى اليدين كان كذلك - انتهى. (رواه البخارى) أى بهذا اللفظ
فى فضائل القرآن وأخرجه أيضا فى تفسير الفاتحة والانفال والحجر ، وأخرجه أبو داود فى أواخر الصلاة وابن
ماجه فى ثواب القرآن، والدارمى فى فضائل القرآن ، وأخرج أحمد والترمذى وابن خزيمة ، والحاكم نحوه من
حديث أبى هرير لكن جعل القصة لأبى بن كعب كما سيأتى فى الفصل الثانى. وجمع البيهقى بأن القصة وقعت لأبى بن
كعب ولأبى سعيد بن المعلى. قال الحافظ: ويتعين المصير إلى ذلك لاختلاف مخرج الحديثين واختلاف سياقهما.
٢١٣٩ - قوله ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) أى خالية عن الذكر والطاعة فتكون كالمقابر وتتكونون كالموتى .
فيها : قال النور بشتى أى اجعلوا لبيوتكم حصة من الذكر والتلاوة والصلاة لئلا تكون كالمقابر التى تورط أهلها
فى مهاوى الفناء فقصرت مقدرتهم عن العمل، وذلك نظير قوله ◌َ ◌ّهِ صلوا فى بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً،
وقد مر الحديث مبين المعنى فيما تقدم من الكتاب - انتهى. وقيل: المعنى لا تدفنوا موتاكم فيها ، ويدل على المعنى
الأول قوله (إن الشيطان) استئناف كالتعليل (ينفر) بكسر الفاء أى يتباعد ويخرج ويشرد. قال النووي: هكذا
١٨٧
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
من البيت الذى يقرأ فيه سورة البقرة. رواه مسلم.
٢١٤٠ - (١٢) وعن أبى أمامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اقرؤا القرآن،
فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فانهما تأتيان
يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان
ضبطه الجمهور ينفر، ورواه بعض رواة مسلم يفر (أى من الفرار) وكلاهما صحيح. (من البيت الذى تقرأ فيه
سورة البقرة) وفى رواية التر مذى وإن البيت الذى تقرأ البقرة فيه لا يدخله الشيطان ، وفى حديث سهل بن سعد
عند ابن حبان من قرأها (يعنى سورة البقرة) ليلا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال ، ومن قرأما نهاراً لم يدخل
الشيطان ثلاثة أيام. وخص سورة البقرة بذلك لطولها وكثرة أسماء اللّه تعالى والأحكام فيها. وقد قيل: فيها
ألف أمر، وألف نهى وألف حكم و ألف خير كذا فى المرقاة. (رواه مسلم) فى باب استحباب صلاة النافلة فى
بيته قبيل فضائل القرآن، وأخرجه أيضا الترمذى فى فضائل القرآن.
٢١٤٠ - قوله (إقرزا القرآن) أى اغتنموا قراءته وداوموا عليه (فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه)
أى لقارئيه بأن يتمثل بصورة يراه الناس كما يجعل الله لأعمال العباد صورة ووزناً لتوضع فى الميزان والله على كل
شىء قدير، فليقبل المؤمن هذا وأمثاله ويعتقد بإ يمانه أنه ليس للعقل فى مثل هذا سبيل قاله العزيزى. (إقرؤا)
أى على الخصوص (الزهراوين) تثنية الزهراء، تأنيث الأزهر، وهو المضئى الشديد الضوء أى المنيرتين لنورهما
وهدايتهما وعظم أجرهما لقارتهما ، فكأنهما بالنسبة إلى ما عداهما عند الله مكان القمرين من سائر الكواكب.
قال فى المفاتيح: سميتا الزهراوين لأنهما نوران، ولا شك إن نور كلام الله أشد وأكثر ضياء وكل سورة
من سور القرآن زهراء لما فيها من نور بيان الأحكام والمواعظ وغير ذلك من الفوائد، ولما فيها من شفاء
الصدور وتنوير القلوب وتكثر الأجر لقاريها. (البقرة وسورة آل عمران) بالنصب على البدلية أو بتقدير أعنى
ويجوز رفعهما وسميتا زهراوان لكثرة أنوار الأحكام الشرعية والأسماء الحسنى الإلهية فيهما، وذكر السورة
فى الثانية دون الأولى لبيان جواز كل منهما. (فانهما) أى ثوابهما الذى استحقه التالى العامل بهما أو هما يتصوران
ويتشكلان ويتجسدان (تاتيان) أى تحضران (كانهما غمامتان) بفتح المعجمة وتخفيف الميمين أى سحابتان تظلان
صاحبهما عن حر الموقف، وإنما سمى غماماً لأنه يغم السماء أى يسترها (أو غيابتمان) مثنى غياية بفتح غين معجمة
وتخفيف يائين مثناتين تحت، وهى كل شىء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغيرة وغيرهما قاله الجزرى.
وقال المناوى: هى ما أظل الانسان فوقه وأراد به ماله صفاء وضوء اذا لغياية ضوء شعاع الشمس. وقال
١٨٨
:%
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
أو فرقان من طير صوافّ تحاتجان عن أصحابهما، اقرؤا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها
حسرة، ولا يستطيعها البطلة.
القارى: قيل الغمامة ما يغم الضوء ويمحوه لشدة كثافته، والغيابة ما يكون أدون من الغمامة فى الكثافة وأقرب
إلى رأس صاحبه كما يفعل بالملوك فيحصل عنده الظل والضوء جميعا: وقال الحفنى: غيايتان أى لهما نور وضياء
زيادة على حصول الاستظلال بهما فهو أبلغ مما قبله لأن غايته إنهما يظلان كالسحابتين وليس فيهما نور:
(أو فرقان) تثنية فرق بكسر الفاء وسكون الراء أى قطيعان يعنى طائفتان وجماعتان (من طير) جمع طائر
(صواف) جمع صافة، وهى الجماعة الواقفة على الصف تقول صففت القوم اذا أقتهم فى الحرب ، وغيرها على
خط مستو، وصف الابل قوائمها أى وضعتها صفاً فهى صافة وصوافٌ، وصفّ الطائر جناحيه أى بسطهما ولم
يحركهما ، والمعنى باسطات أجنحتها متصلا بعضها ببعض بحيث لا يكون بينهما فرجة، والمراد أنهما يقيان قارنهما
من حر الموقف وكرب يوم القيامة، وليست ((أو)) للشك ولا للتخيير فى تشبيه السورتين ولا لاترديد بل للتنويع ،
وتقسيم القارئين فالأول لمن يقرؤهما ولا يفهم المعنى، والثانى الجامع بين التلاوة ودراية المعنى والثالث لمن ضم
إليهما التعليم والإرشاد: (تحاجان) أى السورتان تدافعان الجحيم والزبانية أو تجادلان وتخاصان الرب
(عن أصحابهما) وهو كناية عن المبالغة فى الشفاعة قاله القارى. وقال التوربشتى: الأصل فى الحاجة أن يطلب
كل واحد من المتخاصمين أن يرد صاحبه عن حجته ومحجته ، وأريد به ههنا مدافعة السورتين عن صاحبهما والذب
عنه. وقال الشوكانى: يحاجان أى يقيمان الحجة لصاحبه ويجاد لأن عنه وصاحبهما هو المستكثر من قراءتهما،
وظاهر الحديث أنهما يتجسمان حتى يكونا كأحد هذه الثلاثة التى شبههما بها مَثّة ثم يقدرهما الله تعالى على النطق
بالحجة وذلك غير مستبعد من قدرة القادر القوى الذى يقول للشيء كن فيكون. (إقرؤا سورة البقرة) قال الطيبي:
تخصيص بعد تخصيص بعد تعميم أمر أولا بقراءة القرآن وعلق بها الشفاعة ثم خص الزهراوين وأناط بهما
التخليص من حر يوم القيامة بالمحاجة وأفرد ثالثا البقرة وأناط بها الأمور الثلاثة الآتية إيماء إلى أن لكل خاصة
يعرفها الشارع (فان أخذها) أى فى المواظبة على تلاوتها والتدبر فى معانيها والعمل بما فيها (بركة) أى زيادة
ونماء وقيل أى منفعة عظيمة (وتركها) بالنصب ويجوز الرفع (حسرة) أى تلهف وتأسف على مافات من الثواب
وقيل: أى ندامة يوم القيام (ولا يستطيعها) أى لا يقدر على تحصيلها (البطلة) بفتح الباء والطاء المهملة أى أصحاب
البطالة والكسالة لطولها ولتعودهم الكسل. وقال معاوية بن سلام أحد رواة هذا الحديث: بلغنى أن البطلة
السحرة يعنى لزيفهم عن الحق وإنهما كهم فى الباطل: قال القارى؟ وقيل البطلة السحرة لأن ما يأتون به باطل
سماهم باسم فعلهم الباطل أى لا يؤهلون لذلك ولا يوفقون له لطمس قلوبهم بالمعاصى، ويمكن أن يقال معناه لا تقدر
١٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
رواه مسلم .
٢١٤١ - (١٣) وعن النواس بن سمعان، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالقرآن
يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو
ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما.
رواه مسلم.
على إبطالها أو على صاحبها السحرة لقوله تعالى فيها {وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله - البقرة: ١٠٢)
الآية (رواه مسلم) فى فضائل القرآن وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٢٤٩، ٢٥١، ٢٥٧،٢٥٥) وابن حبان
(ج ١ ص ٢٨٠) والحاكم (ج ١ ص ٥٦٤).
٢١٤١ - قوله (وعن النواس) بفتح النون وتشديد الواو (بن سمعان) بكسر السين وفتحها
(يؤتى بالقرآن) أى متصوراً أو بثوابه، وفى رواية الترمذى يأتى القرآن (وأهله) عطف على القرآن (الذين
كانوا يعملون به) دل على أن من قرأ ولم يعمل به لم يكن من أهل القرآن ولا يكون شفيعا لهم بل يكون القرآن
حجة عليهم. (تقدمه) بضم الدال أى تتقدم أهله أو القرآن (سورة البقرة وآل عمران) بالجر. وقيل: بالرفع،
قال الطيبي : الضمير فى تقدمه للقرآن أى يقدم ثوابهما ثواب القرآن. وقيل: يصور الكل بحيث يراه الناس كما
يصور الأعمال للوزن فى الميزان، ومثل ذلك يجب إعتقاده إيماناً فان العقل يعجز عن أمثاله ( كأنهما غمامتان.
أو ظلتان) بضم الظاء أى سحابتان (سوداوان) لكثافتهما وإرتكام البعض منهما على بعض وذلك من المطلوب
فى الظلال (بينهما شرق) بفتح الشين المعجمة وسكون الراء بعدها قاف، وقد روى بفتح الراء والأول أشهر كما
قال النووى أى ضوء ونور الشرق هو الشمس تنبيهاً على أنهما مع الكثافة لا يستران الضوء. وقيل: أراد
بالشرق الشق وهو الإنفراج أى بينهما فرجة وفصل كتميزهما بالبسملة فى المصحف ، والأول أشبه وهو أنه
أراد به الضوء الاستغناء، بقوله ظلتان عن بيان البينونة فانهما لا تسميان ظلتين إلا و بينهما فاصلة اللهم إلا أن
يقال فيه تبيان أنه ليست ظلة فوق ظلمة بل متقابلتان بينهما بينونة. وقال المنذري: قوله بينهما شرق هو بفتح المعجمة
وقد تکسر وبسكون الراء بعدهما قاف أى بينهما فرق يضئى (وكأنهما فرقان) أى طائفتان (تحاجان) وفى رواية
الترمذى تجاد لان (رواه مسلم) فى فضائل القرآن، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ١٨٣) والترمذى فى فضائل
القرآن وفى الباب عن بريدة أخرجه أحمد والدارمى مطولا والحاكم مختصراً (ج ١ ص ٥٦٠) وصححه على
شرط مسلم ووافقه الذهبي .
١٩٠
١
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢١٤٢ - (١٤) وعن أبي بن كعب، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: يا أبا المنذر!
أتدرى أى آية من كتاب الله تعالى معك أعظم؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: يا أبا المنذر!
أتدرى أى آية من كتاب الله تعالى معك أعظم. قلت: ﴿اللّه لا إله إلا هو الحى القيوم) قال:
فضرب فى صدرى وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر .
٢١٤٢ - قوله (يا أبا المنذر) بصيغة الفاعل كنية أبي بن كعب (أى آية) اسم استفهام معرب لازم
الإضافة، ويجوز تذكيره وتأنيئه عند إضافته إلى المؤنث (من كتاب الله تعالى معك) أى حال كونه مصاحبا
لك: قال الطبى: وقع موقع البيان لما كان يحفظه من كتاب الله، لأن مع كلمة تدل على المصاحبة - انتهى وكان
رضى الله عنه من حفظ القرآن كله فى زمنه مرتين، وكذا ثلاثة من بنى عمه، (أعظم) قال إسحاق بن راهويه
وغيره: هذا راجع إلى عظم أجر قارى ذلك وجزيل ثوابه أى أعظم أجراً وأكثر ثواباً (قلت الله ورسوله
أعلم) فرض الجواب أولا وأجاب ثانياً؛ لأنه جوز أن يكون حدث أفضلية شىء من الآيات غير التى كان
يعلمها، فلما كرر عليه السؤال ظن أن مراده عليه الصلاة والسلام طلب الاخبار عما عنده فأخبره بقوله (قلت
الله لا إله إلا هو الحى القيوم) إلى آخر الآية كذا ذكره ابن حجر. قال القارى: والأولى أن يقال فرض أولا
أدباً وأجاب ثانياً طلباً، نجمع بين الأدب والامتثال كما هو دأب أرباب الكمال، قال الطيبي: سؤاله عليه الصلاة
والسلام من الصحابى قد يكون للحث على الاستماع، وقد يكون للكشف عن مقدار علمه وفهمه ، فلما راعى الأدب
أولا ورأى أنه لا يكتفى به علم أن المقصود استخراج ما عنده من مكنون العلم، فأجاب. وقيل انكشف له العلم
من الله تعالى ببركة تفويضه وحسن أدبه فى جواب مسئلته، وقال النووى قال العلماء إنما تميزت آية الكرسى بكونها
أعظم لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة
وهذه السبعة أصول الاسماء والصفات والله أعلم. (قال) أى أبى (فضرب) أى النبي ◌َّ (فى صدرى) أى محبة
وتعديته بفى نظير قوله تعالى ﴿ وأصلح لى فى ذريتي - الأحقاف: ١٥﴾ أى أوقع الصلاح فيهم حتى يكونوا محلا
له، وفيه إشارة إلى امتلاء صدره علماً وحكمة (ليهنك العلم) بلفظ الأمر الغائب بفتح التحتية وسكون الهاء
وكسر النون، وفى بعض النسخ بهمزة بعد النون وهى الاصل حذفت تخفيفا أى ليكن العلم هنيئاً لك، يقال منأتى
الطعام يهنثنى ويهنأنى ويهنؤنى، أى صار هنيئاً وساغ، وتقول العرب فى الدعاء ليهنتك الولد أى ليسرك، ويقال
هنفى الطعام أى تهنأ به وكل أمر أناك من غير تعب ومشقة فهو هنئى، وهذا دعاء له بتيسير العلم ورسوخه فيه ،
ويلزمه الاخبار بكونه عالماً وهو المقصود، وفيمه منقبة عظيمة لأبى، ودليل على كثرة علمه ، وفيه تبجيل العالم
١٩١
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
رواه مسلم.
٢١٤٣ - (١٥) وعن أبى هريرة، قال: وكلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان،
فأتانى آت، فجعل يحثو من الطعام, فأخذته، وقلت: الأرضعنك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: إنى محتاج، وعلى عيال، ولى حاجة شديدة، قال: فخليت عنه فأصبحت، فقالى التى صلى الله
عليه وسلم: يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك
فضلاء أصحابه وتكنيتهم وجواز مدح الانسان فى وجهه اذا كان فيه مصلحة، ولم يخف عليه الا عجاب ونحوه
لكمال نفسه ورسوخه فى التقوى. (رواه مسلم) فى فضائل القرآن، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ١٤٢)
وأبو داود فى أواخر الصلاة وابن أبى شيبة وزاد أحمد وابن أبى شيبة والذى نفسى بيده إن لهذه الآية ( ولسانا
وشفتين - البلد: ٩) تقدس الملك عند ساق العرش.
٢١٤٣ - قوله (وكانى رسول اللّه يَثم بحفظ زكاة رمضان) أى فى حفظ زكاة الفطر من رمضان أى فوض
إلى ذلك فالوكالة بمعناها اللغوى وهو مطلق تفويض أمر للخير. وقال الطيبي: الإضافة لأدنى ملابسة، لأنها شرعت
لجبر ما عسى أن يقع فى صومه تفريط فهى بمعنى اللام (فأنانى آت) كقاض (نجعل) أى طفق وشرع (بحثو)
بإسكان الحاء المهملة بعدها مثلثة أى يغرف ويأخذ بكفيه، يقال حثا يحثو وحتى يحثى (من الطعام) وكان تمراكما
فى رواية النسائى وغيره (فأخذته) أى الذى حثاً من الطعام (لأرفعنك إلى رسول الله مر ثية) أى لأذهبن بك
أشكوك اليه بقال رفعه إلى الحاكم، اذا أحضره الشكوى (قال إنى محتاج) لما آخذه. وقيل: أى إنى فقير فى نفسى
(وعلىّ عيال) أى أنفقتهم إظهاراً لزيادة الاحتياج أو ((على، بمعنى لى (ولى) والكشمهينى وبى بالموحدة بدل اللام
وكذا فى جامع الأصول (حاجة) أى حاجة زائدة (شديدة) أى صعبة كموت أو نفاس أو مطالبة دين أو جوع
مهلك وأمثالها مما اشتد الحاجة إلى ما أخذته، وهو تأكيد بعد تأكيد. قال الطبى: اشارة إلى أنه فى نفسه فقير
وقد اضطر الآن إلى ما فعل لأجل العيال وهذا المحتاجين. وفى رواية النسائى، فقال إنما أخذته لأهل بيت فقراء
من الجن، وفى رواية الاسماعيلى ولا أعود. وفيه دلالة على جواز رؤية الجن، وأما قوله تعالى: (إنه يراكم هو وقبله
من حيث لا ترونهم - الأعراف: ٢٧) فالمعنى إنا لانراهم على صورهم الأصلية التى خلقوا عليها لبعد التباين بيننا وبينهم
فى ذلك، لأنهم أجسام نارية فى غاية الخفاء والاشتباه بخلاف ما اذا تمثلوا بصور أخرى كثيفة (خليت عنه) أى تركت
يقال خلى الأمر وعنه تركه وخلى سبيله أطلقه (فقال النبي ◌ُّيّة) لما أتيته (ما فعل) على بناء الفاعل (أسيرك) أى
٢٩٢
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
البارحة؟ قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته، فخليت سبيله. قال: أما إنه
قد كذبك، وسيعود. فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه سيعود فرصدته،
فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: دعنى
فافى محتاج وعلى عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لى رسول الله صلى الله
عليه وسلم: يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة، وعيالا
فرحمته، فخليت سبيله. فقال: أما انه قد كذبك، وسيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام،
فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم
لا تعود ثم تعود. قال: دغنى
مأخوذك (البارحة) أى الليلة الماضية. قال الطيبي: فيه أخباره عليه الصلاة والسلام بالغيب. وتمكن من أبى هريرة
من أخذه الشيطان، ورده خاسئاً وهو كرامة ببركة متابعة النبى مؤقتة، يعلم منه إعلاء حال المتبوع. قلت: وفى
حديث معاذ بن جبل عند الطبرانى إن جبريل جاء إلى الذى يَوّ فأخبره بذلك أى بمجىء الشيطان لأخذ ذلك
الطعام ( إما ) بالتخفيف للتنبيه (إنه) بكسر الهمزة (قد كذبك) بتخفيف الذال أى فى إظهار الحاجة
(وسيعود) أى فى الأخذ فكن على حذر منه (فرصدته) أى ترقبته وانتظرته (جاء يحثو) حال مقدرة لأن الحثو
عقب المجىء لا معه، ويحتمل أن يكون التقدير بياء لجعل بحثوا اعتمادا على ماسبق قاله القارى. قلت: هذه رواية
اللكشمهينى والمستملى ووقع عند أبى ذر عن الحموى بجعل بدل باء (فرصدته) أى المرة الثالثة (وهذا آخر ثلاث
مرات إنك) قال ابن حجر: أى هذا المجىء الذم جنته آخر ثلاث مرات انك تعليل لما تضمنه كلامه أنه لا يطلقه
انتهى. قال القارى: والظاهر إن هذا مبتدأ وآخر بدل منه والخبر أنك ( تزعم ) أى تظن أو تقول
(لا تعود ثم تعود) وفى نسخة تزعم أن لا تعود أى تظن أن لا تعود ثم تعود. وقال الطبي: قوله ((أنك تزعم))
بفتح الهمزة صفة لثلاث مرات على أن كل مرة موصوفة بهذا القول الباطل، والضمير مقدر أى فيها - انتهى.
فقوله هذا آخر ثلاث مرات يدل على أنه فى المرة الأولى أيضا وعد بعدم العود وهو ساقط اختصارا. قال
القسطلانى: ولأبى ذر إنك بكسر الهمزة، وفى نسخة مقروأة على الميدومى انك تزعم أنك لا تعود ( دعنى) وفى
١٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
أعلمك كلمات ينفعك الله بها: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسى: ﴿اللّه لا إله إلا هو الحى
القيوم) حتى تختم الآية، فانك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح،
فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك؟ قلت: زعم أنه
يعلنى كلمات ينفعنى الله بها. قال: أما إنه صدقك، وهو كذوب ،
رواية النسائى خل عنى ( أعدك ) بالجزم جواب دعنى وبالرفع خبر مبتدأ محذوف والجملة جواب دعنى
(ينفعك الله بها) صفة لكلمات. قال الطيبي: وهو مطلق لم يعلم منه أى النفع فيحمل على المقيد فى حديث على عن
رسول الله يرفع من قرأما يعنى آية الكرسى حين يأخذ مضجعه آمنه الله تعالى على داره، ودار جاره وأهل
دويرات حوله، رواه البيهقى فى شعب الإيمان - انتهى. قلت: الظاهر إن المراد بالنفع هو ما يأتى فى الحديث من
قوله لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان، وفى رواية النسائى أعلمك كلمات اذا قلتهن لم يقربك ذكر
ولا أنثى من الجن (اذا أويت) بالقصر على المشهور أى أتيت (إلى فراشك) للنوم وأخذت مضجعك، وفى
البخارى قلت ماهن (أى الكلمات) قال إذا أويت إلى فراشك حتى تختم الآية) أى إلى ﴿ وهو العلى العظيم))
وزاد معاذ بن جبل فى روايته عند الطبرانى وخاتمة سورة البقرة ﴿آمن الرسول) إلى آخرما (فانك) أى اذا
فعلت ذلك (لن يزال عليك من اللّه) متعلق بقوله (حافظ) بمعنى حافظ من عند الله أو من جهة أمر الله وقدره
أو من بأس اللّه ونقمته كقوله تعالى: ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله - الرعد: ١١)
(ولا يقربك) بفتح الراء والموحدة. وقال الحافظ: بفتح الراء وضم الموحدة، وفى رواية ولا يقربنك . قال
القسطلانى: بفتح الراء والموحدة ونون التوكيد الثقيلة، كذا فى اليونينية، وفى غيرها ولا يقربك بإسقاط النون،
ونصب الموحدة عطفا على السابق المنصوب بـ ((لن)) و((لا)) زائدة لتأكيد النفى (شيطان) قال القسلانى: وفى
نسخة أى للبخارى الشيطان (حتى تصبح) غاية لما بعد لن (قلت زعم أنه يعلمنى كلمات ينفعنى الله بها) وفى رواية
البخارى بعده خليت سبيله. قال: ما هى! قلت: قال لى إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسى من أولها
حتى تختم الآية. ( الله لا اله إلا هو الحى القيوم﴾ وقال لى لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى
قصبح وكانوا أحرص شىء على الخبر فقال التى تََّ ( إما) بالتخفيف (إنه ) بكسر الهمزة (صدقك) بتخفيف
الدال أى فيما قاله فى آية الكرسى (وهو كذوب) هو من التعميم البليغ الغاية فى الحسن لأنه لما أوهم مدحه بوصفه
١٩٤
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
وتعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال. قلت: لا. قال: ذاك شيطان
الصدق فى قوله صدقك إستدرك ففي الصدق عنه بصيغة مبالغة والمعنى صدقك فى هذا القول مع أن عادته الكذب
المستمر وهو كقولهم قد يصدق الكذوب (وتعلم) كذا فى أكثر النسخ من المشكاة ، وفى بعضها تعلم بإسقاط
الواو كما فى البخارى أى أتعلم (من تخاطب) أى بالتعيين الشخصى (منذ) بالنون والحموى والمستملى .ذ
(ثلاث ليال قلت لا) أعلم (ذاك شيطان) من الشياطين. قال الطيبي: نكر لفظ الشيطان بعد سبقه منكرا فى قوله
لا يقربك شيطان ليؤذن بأن الثانى غير الأول على ما هو المشهور إن النكرة إذا أعيدت بلفظها كانت غير
الأولى ووجه تغايرهما ان الأول مطلق شائع فى جنسه، لأن القصد منه نفى قربان تلك الماهية له ، والثانى فرد
من أفراد ذلك الجنس أى شيطان من الشياطين فلو عرف لأوهم خلاف المقصود لأنه إما أن يشار الى السابق
أو إلى المعروف، والمشهور بين الناس وكلاهما غير مراد. وكان من الظاهر أن يقال شيطانا بالنصب لأن السؤال
فى قوله من تخاطب عن المفعول فعدل الى الجملة الاسمية وشخصه باسم الاشارة لمزيد التعيين ودوام الاحتراز
عن کیده ومکره فان قلت قد وقع عند البخاری فیما دوی عن أبى هريرة أنه ◌ُے قال ، إن شيطانا
تفلت على البارحة - الحديث. وفيه لولا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطاً بسارية، وهذا يدل على أنه مؤتم امتنع
من إمساكه من أجل دعوة سليمان عليه السلام حيث قال: وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى، قال الله
تعالى: ﴿فسخرنا له الريح - ص: ٣٦) ثم قال: ﴿والشياطين) وفى حديث الباب أن أبا هريرة أمسك
الشيطان الذى رآه أجيب باحتمال أن الذى هم النبى صلى الله عليه وسلم أن يوثقه هو رأس الشياطين الذى
يلزم من التمكن منه التمكن من الشياطين فيضاهى حينئذ سليمان فى تسخيرهم والتوفق منهم، والمراد بالشيطان فى
حديث أبى هريرة هذا شيطانه بخصوصه أو آخر فى الجملة فلا يلزم من تمكنه منه استقباع غيره من الشياطين
فى ذلك التمكن أو الشيطان الذى هم به النبي مؤلم تبدى له فى صفته التى خلق عليها، وكذلك كانوا فى خدمة
سليمان عليه السلام على هيئتهم، والذى تبدى لأبى هريرة فى حديث الباب كان على هيئة الآدميين فلم يكن فى إمساكه
مضاهاة لملك سليمان والعلم عند الله تعالى. وفى الحديث من الفوائد غير ما تقدم إن الشيطان قد يعلم ما ينتفع
به المؤمن وإن الحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا ينتفع بها وتؤخذ عنه فينتفع بها وإن الكافرقد يصدق ببعض ما يصدق
به المؤمن: ولا يكون بذلك مؤمنا، وإن الكذاب قد يصدق، وإن الشيطان من شأنه أن يكذب، وإنه قد
يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته، وإن من أقيم فى حفظ شىء سمى وكيلا، وإن الجن يأكلون من طعام الانس
وإنهم يظهرون للانس، لكن بالشرط المذكور وأنهم يتكلون بكلام الانس وأنهم يسرقون ويخدعون . وفيه
فضل آية الكرسى، وفيه جواز جمع زكاة الفطر قبل ليلة الفطر وتوكيل البعض لحفظها وتفرقتها كذا فى الفتح
١٩٥
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
رواه البخارى.
٢١٤٤ - (١٦) وعن ابن عباس، قال: بينما جبريل عليه السلام قاعد عند النبى صلى الله عليه
وسلم سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا من باب السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا
اليوم فنزل .» ملك، فقال: «هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم،
(رواه البخارى) أى فى الوكالة وأخرجه فى صفة ابليس من بدأ الخلق وفى فضائل القرآن مختصرا، وأخرجه أيضاً
النسائى والاسماعيلى وأبو نعيم كما فى الفتح، وقد وقع لأبى بن كعب عند النسائى وأبى أيوب الأنصارى عند
الترمذى وأبى أسيد الأنصارى عند الطبرانى، وزيد بن ثابت عند أبى الدنيا قصص فى ذلك إلا أنه ليس فيها ما يشبه
قصة أبى هريرة إلا قصة معاذ بن جبل عند الطبرانى وهو محمول على التعدد .
٢١٤٤ - قوله ( بينما) كذا فى جميع النسخ من المشكاة والذى فى صحيح مسلم بينا، وكذا نقله فى جامع
الأصول (جبريل عليه السلام قاعد عند النبى رَضية) قال ابن الملك تبعا الطيبي: أى بين أوقات وحالات هو عنده
عَّ. وقال ميرك: بينا وبينما وبين معناها الوسط وبين ظرف إما للمكان كقولك جلست بين القوم وبين الدار
أو الزمان كما هنا، أى الزمان الذى كان جبريل قاعدا عند النبى مؤفته ( سمع) وفى رواية الحاكم اذ سمع (نقيضا)
بالنون والقاف والضاد المعجمة أى صوتا شديدا كصوت نقض خشب البناء عند كسره قاله القارى. وقال
النووى: أى صوتا كصوت الباب اذا فتح (من فوقه) وفى رواية الحاكم من السماء أى من جهة السماء (فرفع)
أى جبريل (رأسه فقال) أى جبريل. قال الطيبي: الضمائر الثلاثة فى سمع ورفع، وقال راجعة إلى جبريل لأنه
أكثر إطلاعا على أحوال السماء. وقيل: للنبى ◌َّم، وقيل الأولان راجعان للنبى مَث والضمير فى قال لج بريل
عليه السلام لأنه حضر عنده للأخبار عن أمر غريب. ووقف عليه النبي مَثّم. قال ابن حجر: هو المختار
واختاره غير واحد ذكره القارى، وفى رواية الحاكم ثم قال موضع فقال وهذا يؤيد ما قاله الطيبي: ( هذا)
أى هذا الصوت (باب) أى صوت باب (من السماء) أى من سماء الدنيا (فتح اليوم) أى الآن (فنزل منه ملك)
هذا من قول الراوى فى حكايته لحال سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بلغه منه ( فقال ) أى جبريل
( هذا) أى النازل (ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم) هذا يدل على أنه نزل بالفاتحة وخواتيم سورة
البقرة ملك غير جبريل. وقيل : إن جبريل نزل قبل هذا الملك معلماً ومخبرا بنزول الملك فهو مشارك له فى
إنزالها . وقال القرطبي: إن جبريل نزل بها أولا بمكة ثم أنزل هذا الملك ثانيا بثوابها (فسلم) أى الملك النازل
١٩٦
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما فى قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ
بحرف منهما إلا أعطيته. رواه مسلم.
٢١٤٥ - (١٧) وعن أبى مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآيتان من آخر
سورة البقرة، من قرأ بهما
و.
( فقال ) وفى بعض النسخ وقال: وهكذا فى مسلم أى الملك (أبشر) بفتح الهمزة وكسر الشين أى أفرح
(بنورين) سماهما نورين لأن كلا منهما يكون لصاحبه أورا يسعى أمامه أو لأنه يرشده ويهديه بالتأمل فيه إلى
الطريق القويم والمنهج المستقيم (أوتيتهما لم يؤتهما) بصيغة المجهول أى لم يعطهما (فاتحة الكتاب) بالجر وجوز
الوجهان الآخران (وخواتيم سورة البقرة) وهى من آمن الرسول إلى آخر السورة كذا قيل: والأظهر بصيغة
الجمع أن يكون من قوله: ﴿لله ما فى السماوات وما في الأرض - البقرة: ٢٨٤٠) (لن تقرأ) الخطاب له عليه
الصلاة والسلام، والمراد هو وأمته أذ الأصل مشاركتهم له فى كل ما أنزل عليه إلا ما اختص به (بحرف منهما)
أى بكل حرف من الفاتحة وخواتيم البقرة. قال النور بشتى: الباء زائدة يقال أخذت بزمام الناقة وأخذت زمامها،
ويجوز أن يكون لإلصاق القراءة به، وأراد بالحرف الطرف منها، فان حرف الشىء طرقه وكنى به عن كل جملة
مستقلة بنفسها (إلا أعطيته) أى أعطيت ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسئلة كقوله: (إهدنا الصراط
المستقيم) وكقوله: (غفرانك) وكقوله: (ربنا لا تؤاخذنا) ونظائر ذلك، ويكون التأويل فى غير المسئلة
فيما هو حمد وثناء أعطيت ثوابه (رواه مسلم) فى فضائل القرآن والحاكم (ج ١ ص ٥٨٥) وقال هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هكذا، إنما أخرج مسلم هذا الحديث مختصرا ووافقه الذهبي . وقال
وأخرج مسلم بعضه وفيه إن الحديث عند مسلم والحاكم سواء ليس بين سياقيهما فرق إلا فى بعض الألفاظ
والمعنى واحد فاستدراك الحاكم ليس بشىء، والحديث عزاه المنذرى فى الترغيب والجزرى فى جامع الأصول
النسائى أيضاً .
٢١٤٥ - قوله (وعن أبى مسعود) هو عقبة بن عمرو الأنصارى البدرى (الآيتان ) أى الكاتتان
(من آخر سورة البقرة) أى آمن الرسول إلى آخر السورة وآخر الآية الأولى المصير، ومن ثم الى آخر السورة
آية واحدة، وأما ما اكتسبت فليست رأس آية باتفاق العادين (من قرأ بهما) مذا لفظ البخارى فى باب من
لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة من فضائل القرآن. وفى رواية له من قرأهما أى بدون الباء، وكذا وقع عند
١٩٧
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
فى ليلة كفتاء. متفق عليه.
٢١٤٦ - (١٨) وعن أبى الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حفظ عشر
آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال .
مسلم وابن ماجه، وفى رواية أخرى للبخارى من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة. قال فى المصابيح: فان
قلت ما هذه الباء التى فى قوله بالآيتين. قلت: ذهب بعضهم إلى أنها زائدة. وقيل: ضمن الفعل معنى التبرك
فعدى بالباء، وعلى هذا تقول قرأت بالسورة ولا تقول قرأت بكتابك لفوات معنى التبرك. قاله السهيلى: ولأبى
الوقت قرأ الآيتين بحذف الباء ( فى ليلة) وأخرجه على بن سعيد العسكرى فى ثواب القرآن بلفظ : من قرأهما
بعد العشاء الآخرة أجزأتا آمن الرسول الى آخر السورة ذكره الحافظ (كفتاه) بالتخفيف أى اغتناه عن قيام
تلك الليلة بالقرآن وأجزأنا عنه من ذلك. وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقا، سواء كان داخل الصلاة
أم خارجها . وقيل: معناه كفتاه كل سوء ووقتاه من كل مكروه. وقيل كفتاه شر الشياطين . وقيل: دفعنا عنه
شر الثقلين الانس والجن أو شر آفات تلك الليلة. وقيل معناه كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب
ثواب شىء آخر وكأنهما اختصنا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل إنقيادهم الى الله وابتهالهم
ورجوعهم إليه وما حصل لهم من الاجابة الى مطلوبهم. قلت: ويؤيد الوجه الأول ما ورد عن أبى مسعود
رفعه من قرأ خاتمة البقرة أجرأت عنه قيام ليلة ويؤيد الوجه الرابع حديث النعمان بن بشير رفعه إن الله كتب
كتابا وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا بقرآن فى دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال ، أخرجه الحاكم (ج١
ص ٥٦٢) وصححه كذا فى الفتح. وقال الشوكانى فى تحفة الذاكرين بعد ذكر هذه الوجوه: ولا مانع من إرادة
هذه الأمور جميعها ويؤيد ذلك ما تقرر فى علم المعانى والبيان من أن حذف المتعلق مشعر بالتعميم فكأنه قال كفتاه
من كل شر أو من كل ما يخاف وفضل الله واسع ( متفق عليه ) أخرجه البخارى فى المغازى، وفى فضائل القرآن
ومسلم فيه، واللفظ للبخارى وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ١١٨ - ١٢١ - ١٢٢) والترمذى فى فضائل القرآن
وأبو داود فى أواخر الصلاة وابن ماجه فى صلاة الليل والدرمى .
٢١٤٦ - قوله (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم) أى حفظ (من الدجال ) أى
من شره وفى رواية أبى داود والترمذى والنسائى من فتنة الدجال، وهو كذا فى بعض نسخ مسلم . قال النووى:
قيل سبب ذلك ما فى أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتتن بالدجال ، وكذا فى آخرها قوله تعالى:
(أخسب الذين كفروا أن يتخذوا - الكهف: ١٠٢) قال الطيبي: ويمكن أن يقال إن أولائك الفتية كما عصموا
من ذلك الجبار كذلك يعصم الله القارىء من الجبارين. قيل: ولا مانع من الجمع واللام فيه للعهد، وهو
١٩٨
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
رواه مسلم.
الذى فى آخر الزمان يدعى الألوهيه ، ويحتمل أن يكون للجنس فان الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس ، ومنه
الحديث يكون فى آخر الزمان دجالون أى كذابون مموهون. وقال السيوطى فى حاشية أبى داود: قال القرطبى
إختلف المتأولون فى سبب ذلك، فقيل لما فى قصة أصحاب الكهف من العجائب والآيات فمن وقف عليها لم يستغرب
أمر الدجال ولم يهله ذلك فلم يفتتن به . وقيل: لقوله تعالى: ﴿ لينذر بأسا شديداً من لدنه - الكهف: ٢﴾
مسكا بتخصيص البأس بالشدة واللدنية وهو مناسب لما يكون من الدجال من دعوى الآلهية واستيلاءه وعظم
فتنته ولذلك عظم صلى الله عليه وسلم أمره وحذر عنه وتعوذ من فتنته، فيكون معنى الحديث إن من قرأ هذه
الآيات وتدبرها، ووقف على معناها حذره فأمن منه. وقيل: ذلك من خصائص هذه السورة كلها ، فقد روى
من حفظ سورة الكهف ثم أدركه الدجال لم يسلط عليه ، وعلى هذا يجتمع رواية من روى أول سورة الكهف
مع رواية من روى من آخرها ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج فى حفظها كلها - انتهى كلام السيوطى.
واعلم أنه وقع فى رواية مسلم وأبي داود من حفظ عشر آيات، وفى رواية الترمذى من قرأ ثلاث آيات كما
سيأتى. فقيل: وجه الجمع بين العشر وبين الثلاث إن حديث العشر متأخر ومن عمل بالعشر فقد عمل بالثلاث وقيل
حديث الثلاث متأخر ومن عصم بالثلاث فلا حاجة إلى العشر، وهذا أقرب إلى أحكام النسخ. قال ميرك: بمجرد
الاحتمال لا يحكم بالنسخ. وقال القارى: النسخ لا يدخل فى الأخبار. وقيل: حديث العشر فى الحفظ، وحديث
الثلاث فى القرأة فمن حفظ العشر وقرأ الثلاث كفى وعصم من فتنة الدجال، وفيه أنه وقع فى رواية للنسائى من
قرأ العشر وهى تنافى هذا الجمع. وقال الشوكانى: لا منافاة بين رواية الثلاث الآيات والعشر الآيات لأن الواجب
العمل بالزيادة فيقرأ عشر آيات من أولها - انتهى. واعلم أيضا أنه أ- لف الرواة فى أن العشر من أولها أو
من آخدرها فقال شعبة عن قنادة عند أحمد والترمذى من أول الكهف، وكذا قال هشام عنه عند مسلم وهمام
عنه عند أحمد، ومسلم وأبى داود والنسائى وسعيد عنه عند أحمد: وقال شعبة: عند أحمد ومسلم وأبى داود
والنسائى فى اليوم والليلة من آخر الكهف، وهكذا قال هشام فى روايته عند أبى داود، وفد تقدم وجه الجمع فى
كلام السيوطى المذكور. وقال الشوكانى: وأما اختلاف الروايات بين أن تكون العشر من أولها أو من آخرها
فيفيفى الجمع بينهما بقراءة العشر الأوائل والعشر الأواخر، ومن أراد أن يحصل على الكمال ويتم له ما تضمنته.
هذه الأحاديث كلها فليقرأ سورة الكهف كلها يوم الجمعة ويقرأ كلها ليلة الجمعة - انتهى. (رواه مسلم) فى
فضائل القرآن وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ١٩٦ وج ٦ ص ٤٤٦ - ٤٤٩) وأبو داود فى الملاحم، والنسائى
فى السنن الكبرى وفى اليوم والليلة، وفى الباب عن أبى سعيد أخرجه الطبرانى فى الأوسط. قال الهيشمى رجاله
رجال الصحيح .
١٩٩
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢١٤٧ - (١٩) وعنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيعجز أحدكم أن يقرأ فى ليلة
ثلث القرآن، قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: ﴿ قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن
٢١٤٧ - قوله (أ يعجز أحدكم) بكسر الجيم من باب ضرب يضرب والهمزة للاستفهام الاستخبارى
(قالوا وكيف يقرأ) أى أحد ( ثلث القرآن) لأنه يصعب على الدوام عادة، وفى حديث أبى سعيد عند البخارى
فشق ذلك عليهم. وقالوا أينا يطيق ذلك يا رسول الله (قال قل هو الله أحد) أى إلى آخره أو سورته (تعدل)
بالتأنيث ويجوز التذكير أى تساوى (ثلث القرآن) اختلفوا فى معنى كون سورة الاخلاص تعدل ثلث القرآن
فقال قوم هى ثلث باعتبار معانى القرآن لأنه أحكام وأخبار وتوحيد وقد اشتملت هى على القسم الثالث فكانت
ثلثا بهذا الاعتبار ويستأنس لهذا بما وقع فى رواية لمسلم، إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء جعل قل هو الله أحد
جزأ من أجزا - القرآن. واعترض بأنه يلزم منه أن تكون آية الكرسى وآخر الحشر كل منهما ثلث القرآن
ولم يرد ذلك لكن قال أبو العباس القرطبى: إنها اشتملت على اسمين من أسماء الله تعالى متضمنين جميع أوصاف
الكمال لم يوجدا فى غيرها من السور وهما الأحد الصمد لأنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع
أوصاف الكمال ، وبيان ذلك إن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذى لا يشاركه فيه غيره والصمد يشعر بجميع
أوصاف الكمال لأنه الذى انتهى سودده، فكان يرجع. الطلب منه وإليه ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلا لمن حاز
جميع فضائل الكمال، وذلك لا يصلح إلا لله تعالى فلما اشتملت هذه السورة على معرفة الذات المقدسة كانت بالنسبة
إلى تمام المعرفة بصفات الذات وصفات الفعل ثلثا ـ انتهى. وقال قوم المثلية محمولة على تحصيل الثواب ومعنى
كونها تعدل ثلث القرآن إن ثواب قراءتها يحصل للقارى مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن وضعفه ابن عقيل
١
فقال: لا يجوز أن يكون المعنى فله أجر ثلث القرآن. واحتج بحديث من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات،
واستدل ابن عبد البر لذلك بقول ابن راهويه ليس معناه إن من قرأها ثلاث مرات كان كمن قرأ القرآن كله هذا
لا يستقيم ولو قرأما مائى مرة. وقيل المراد ثواب قراءة قل هو الله أحد يضاعف بقدر ثواب ثلث القرآن بغير
تضعيف وهی دعویبغیر دلیل ويؤيد الاطلاق حديث أبى الدرداء هذا وغيره ما ورد فىمعناه. وقيل المراد من
عمل ما تضمنته من الاخلاص والتوحيد كان كمن قرأ ثلث القرآن وأدعى بعضهم إن قوله ((تعدل ثلث القرآن))
يختص بصاحب الواقعة لأنه لما رددها فى ليلته كان كمن قرأ ثلث القرآن بغير ترديد. قال القابسى: ولعل الرجل
الذى جرى له ذلك لم يكن يحفظ غيرها فلذلك استقل عمله فقال له الشارع ذلك ترغيبا له فى عمل الخير وإن قل.
ولا يخفى ما فى هذه الدعوى وقال ابن عبد البر: من لم يتأول هذا الحديث أخلص ممن أجاب فيه بالرأى
٢٠٠