Indexed OCR Text
Pages 161-180
مرعاة المفاتيح ج ٧ ٧ - كتاب الصوم ٩ - باب الاعتكاف ٢١٢٦ - (١٠) وعنها، قالت. السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، أسأل عنه إلا وأنا مارة - انتهى. واعلم أن الحديث رواه أبو داود عن شيخين أحدهما عبد الله بن محمد النفيلى ولفظه قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه. والثانى محمد ابن عيسى وقال هو فى روايته قالت إن كان النبى مَّم يعود المريض وهو معتكف، هكذا بين أبو داود لفظهما والبغوى ذكر فى المصابيح لفظ ابن عيسى، وهكذا فعل الخطابى فى المعالم وتبعهما المصنف. واعلم أيضا أنه وقع فى بعض النسخ من المشكاة لفظ ابن ماجه بعد قوله أبو داود وهو خطأ من النسخ، فان النسخ الصحيحة خالية عن ذلك ولم يعزه الحافظ فى التلخيص والمجد بن تيمية فى المنتقى والمنذرى فى مختصر السنن والجزرى فى جامع الأصول إلى غير أبى داود. ٢١٢٦ - قوله (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا) أى بالقصد والوقوف. قال الخطابي (ج ٢ ص ١٤١) قولها السنة إن كانت أرادت بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبى مؤثّم قولا أو فعلا فهى نصوص لا يجوز خلافها وإن كانت أرادت به الفتيا على معانى ما عقلت من السنة فقد خالفها بعض الصحابة فى بعض هذه الأمور، والصحابة إذا اختلفوا فى مسئلة كان سبيلها النظر على أن أبا داود قد ذكر على أثر هذا الحديث إن غير عبد الرحمن بن اسحاق لا يقول فيه أنها قالت السنة ، فدل ذلك على احتمال أن يكون ما قالته فتوى منها ، وليس برواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبه أن يكون أرادت بقولها لا يعود مريضا أى لا يخرج من معتكفه قاصدا عيادته، وأنه لا يضيق عليه أن يمر به فيسأله غير معرج عليه كما ذكرته عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث السابق - انتهى. قلت: القاعدة المقررة عند المحدثين تابى الاحتمال الثانى، لأن مذهبهم إن قول الصحابى السنة كذا فى حكم المرفوع إلى النبى معَّه، فان الظاهر أنه أراد بذلك سنة النبي مُؤثّر لا سنة غيره، وعلى هذا حديث عائشة هذا مرفوع حكما. قال ابن التركمانى: مذهب المحدثين إن الصحابى اذا قال السنة كذا فهو مرفوع، والسنة، السيرة والطريقة، وذلك قدر مشترك بين الواجب والسنة المصطلح عليها، ومثله حديث سُلُوا بهم سنة أهل الكتاب، ولم تكن السنة المصطلح عليها معروفة فى ذلك الوقت، وذكر سنة الصوم لمتكف مع ترك المس، والخروج دليل على أن المراد الوجوب لا السنة المصطلح عليها - انتهى. (ولا يشهد جنازة ) أى خارج مسجده. فيه دليل على أنه لا يخرج المعتكف لعيادة المريض وشهود الجنازة، وفيه خلاف بين العلماء قال الخرقى: ولا يعود مريضا ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط ذلك. قال ابن قدامة: (ج ٣ ص ١٩٥) الكلام فى هذه المسئلة فى فصلين أحدهما، فى الخروج لعيادة المريض وشهود الجنازة مع عدم الاشتراط، واختلفت الرواية عن أحمد فى ذلك فروى عنه ليس له فعله، وهو قول عروة وعطاء ومجاهد و الزهرى ومالك والشافعى وأصحاب الرأى ١٦١ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٧ - كتاب الصوم ٩ - باب الاعتكاف وروى عنه الأثرم ومحمد بن عبد الحكم إن له أن يعود المريض ويشهد الجنازة، ويعود الى معتكفه وهو قول على رضى الله عنه، وبه قال سعيد بن جبير والنخعى والحسن لما روى عاصم بن ضمرة عن على قال: اذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة وليعد المريض وليحضر الجنازة وليأت أهله وليأمرهم بالحاجة وهو قائم رواه الامام أحمد والأثرم وقال أحمد: عاصم بن ضمرة عندى حجة . قال أحمد: يشهد الجنازة ويعود المريض ولا يجلس ويقضى الحاجة ويعود إلى معتكفه، و جه الأول ماروى عن عائشة قالت کان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان متفق عليه. ثم ذكر حديثها الذى نحن فى شرحه وحديثها الذى قبل هذا، ثم قال ولأن هذا ليس بواجب فلا يجوز ترك الاعتكاف الواجب لأجله كالمشى مع أخيه فى حاجة ليقضيها له وإن تعينت عليه صلاة الجنازة وأمكنه فعلها فى المسجد لم يجز الخروج اليها فان لم يمكنه ذلك فله الخروج اليها ، وإن تعين عليه دفن الميت أو تغسيله جاز أن يخرج له، لأن هذا واجب متعين فيقدم على الاعتكاف كصلاة الجمعة، فأما إن كان الاعتكاف تطوعا. وأحب الخروج منه لعيادة مريض أو شهود جنازة جاز، لأن كل واحد منهما تطوع فلا يتحتم واحد منهما لكن الأفضل المقام على اعتكافه لأنن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرج المريض ولم يكن واجبا عليه. فأما إن خرج لما لابد منه فسأل عن المريض فى طريقه ولم يعرج جاز، لأن النبي تَبَّة فعل ذلك الفصل الثانى اذا اشترط فعل ذلك فى اعتكافه فله فعله واجبا كان الاعتكاف أو غير واجب، وكذلك ما كان قربة كزيارة أهله أو رجل صالح أو عالم أو شهود جنازة، وكذلك ما كان مباحا ما يحتاج إليه كالعشاء فى منزله والمبيت فيه فله فعله قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المعتكف يشترط أن يأكل فى أهله فقال: اذا اشترط نعم. قيل: له وتجيز الشرط فى الاعتكاف قال نعم . قلت : له فيبيت فى أهله قال اذا كان تطوعا جاز، ومن أجاز أن يشترط العشاء فى أهله الحسن والعلاء بن زياد والنخعى وقتادة، ومنع منه أبو مجلز ومالك والأوزاعى وان شرط الوطأ فى اعتكافه أو الفرجة والنزهة أو البيع للتجارة أو التكسب بالصناعة فى المسجد لم يجز، لأن الله تعالى قال: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد﴾ فاشتراط ذلك اشتراط لمعصية الله تعالى، والصناعة فى المسجد منهى عنها فى غير الاعتكاف، ففى الاعتكاف أولى وسائر ما ذكرناه يشبه ذلك ولا حاجة إليه فإن أحتاج إليه فلا يعتكف لأن ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهى عنه. قال أبو طالب: سألت أحمد عن المعتكف يعمل عمله من الخياطة وغيرها ، قال ما يعجبنى أن يعمل. قلت: ان كان يحتاج قال إن كان يحتاج لا يعتكف. قال ابن قدامة: اذا خرج لماله منه بد عامداً بطل اعتكافه إلا أن يكون اشترط وإن خرج ناسيا. فقال القاضى: لا يفسد اعتكافه وقال ابن عقيل: يفسد فإن أخرج بعض جسده لم يفسد إعتكافه عمدا كان أو سهوا - انتهى مختصرا. وقال ابن رشد: اختلفوا هل المعتكف أن يشترط فعل شىء مما يمنعه ١٦٢ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٧ - كتاب الصوم ٩ - باب الاعتكاف ولا يمس المرأة ولا يباشرها، الاعتكاف فينفعه شرطه فى الاباحة أم ليس ينفعه ذلك، مثل أن يشترط شهود جنازة أو غير ذلك، فأكثر الفقهاء على أنه شرط لا ينفعه وإنه إن فعل بطل اعتكافه. وقال الشافعى: ينفعه شرطه، والسبب فى اختلافهم تشبيههم الاعتكاف بالحج فى أن كليهما عبادة مانعة لكثير من المباحات، والاشتراط فى الحج إنما صار اليه من رآه لحديث ضباعة، لكن هذا الأصل مختلف فيه فى الحج، فالقياس عليه ضعيف عند الخصم المخالف له - انتهى. قلت: الظاهر عندنا هو قول من لم يقل بالاشتراط فى الاعتكاف، لأنه لا دليل عليه من سنة صحيحة أو ضعيفة ولا من أثر صحابى ولا من قياس صحيح. والراجح عندنا: إنه لا يجوز الخروج لعيادة المريض وصلاة الجنازة وإلا كل واجبا كان الاعتكاف أو غير واجب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج لذلك وكان اعتكافه غير واجب. قال النووى فى شرح المهذب: فى الاعتكاف الواجب لا يعود مريضاً، ولا يخرج الجنازة سواء تعينت عليه أم لا، فى الصحيح، وفى التطوع يجوز لعيادة المريض وصلاة الجنائز. قال صاحب الشامل : هذا يخالف السنة فانه صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج من الاعتكاف لعيادة المريض وكان اعتكافه ففلا لا نذراً ذكره العينى (ج ١١ ص ١٤٥) (ولا يمس المرأة) كذا وقع فى جميع نسخ المشكاة والمصابيح والذى فى سنن أبي داود امرأة وهكذا وقع فى الستن البيهقى والمعالم للخطابى وكذا ذكره الحافظ فى الفتح وبلوغ المرام والمجد فى المنتقى والجزرى فى جامع الأصول والزيلعى فى نصب الراية، والظاهر إن ما فى المصابيح خطأ من الناسخ ولم يتنبه لذلك المصنف بل تبعه فيه . قال الخطابي: تريد عائشة بالمس الجماع وهذا لا خلاف فيه أنه اذا جامع امرأته بطل إعتكافه (ولا يباشرها) أى فيما دون الفرج بشهوة. وقال القارى: لا يمس المرأة أى جنسها بشهوة ولا يباشرها أى لا يجامعها ولو حكما. وقال الشوكانى: المراد بالمباشرة هنا الجماع بقرينة ذكر المس قبلها ، وقد نقل ابن المنذر الاجماع على ذلك ، ويؤيده ما روى الطبرى وغيره من طريق قتادة فى سبب نزول الآية يعنى قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد - البقرة: ١٨٧) إنهم كانوا إذا اعتكفوا خرج رجل لحاجته فلقى إمرأته جامعها إن شاء فنزلت - انتهى. قال الحافظ: اتفقوا على فساده بالجماع حتى قال الحسن والزهرى: من جامع فيه لزمته الكفارة وعن مجاهد يتصدق بدينارين ، واختلفوا فى غير الجاع ففى المباشرة أقوال ثالثها إن أنزل بطل وإلا فلا. وقال ابن قدامة: الوطأ فى الاعتكاف محرم بالاجماع، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد ﴾ فان وطىء فى الفرج متعمداً أفسد اعتكافه باجماع أهل العلم حكاه ابن المنذر عنهم، وإن كان ناسيا فكذلك عند إمامنا (الامام أحمد) وأبى حنيفة · ومالك . وقال الشافعى: لا يفسد اعتكافه. قال ابن قدامة: ولا كفارة بالوطأ فى ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام ١٦٣ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٧ - كتاب الصوم ٩ - باب الاعتكاف ولا يخرج لحاجة، إلا لما لابد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا فى مسجد جامع. الخرقى ، وقول عطاء والنخعى وأهل المدينة ومالك وأهل العراق والثورى وأهل الشام والأوزاعى. ونقل حنبل عن أحمد إن عليه كفارة، وهو قول الحسن والزهرى واختيار القاضى. قال واختلف هؤلاء فى الكفارة: فقال القاضى يجب كفارة الظهار وهو قول الحسن والزهرى وظاهر كلام أحمد فى رواية حنبل، وحكى عن أبى بكر إن عليه كفارة يمين ، وأما المباشرة دون الفرج، فإن كانت لغير شهوة فلا بأس بها مثل أن تغسل رأسه أو تفليه أو تناوله شيئا لأن النبى يوفقه كان يدنى رأسه إلى عائشة وهو ممتكف فترجله وإن كانت عن شهوة فهى محرمة لقول الله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد - البقرة: ١٨٧ ) ولقول عائشة السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس إمرأة ولا يباشرها، ولأنه لا يأمن إفضاءها إلى إفساد الاعتكاف، وما أفضى إلى الحرام كان حراما فان فعل فأنزل فسد إعتكافه وإن لم ينزل لم يفد، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى فى أحد قوليه. وقال فى الآخر يفسد فى الحالين وهو قول مالك لأنها مباشرة محرمة فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل، ولنا أنها مباشرة لا تفسد صوما ولا حجا فلم تفسد كالمباشرة لغير شهوة، وفارق التى أنزل بها لأنها قفسد الصوم ولا كفارة عليه - انتهى. (ولا يخرج الحاجة) دنيوية أو أخروية (إلا لما لابد منه) أى إلا لحاجة لا فراق ولا محيص من الخروج لها وهو البول والغائط اذ لا يتصور فعلهما فى المسجد، ولذا أجمعوا عليه بخلاف الأكل والشرب أو الأمر لابد من ذلك الأمر وهو كناية عن قضاء الحاجة وما يتبعه من الاستنجاء والطهارة (ولا اعتكاف إلا بصوء) فيه دليل على أنه لايصح الاعتكاف إلا بصوم وأنه شرط فيه، وقد تقدم بيان الاختلاف فى ذلك. وأجاب من لم يقل باشتراط الصوم عن هذا الحديث بما سيأتى من الكلام عليه، وبأن المراد لا إعتكاف كاملا أو فاضلا إلا بصوم ذكره الطبي (ولا اعتكاف إلا فى مسجد جامع) أى يجمع الناس للجماعة ، وفيه دليل على أن المسجد شرط فى الاعتكاف، واتفق العلماء على ذلك إلا ما روى عن بعض العلماء أنه أجازه فى كل مكان. قال الحافظ: وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التى تقام فيها الصلوات، وخصه أبو يوسف بالواجب منه. وأما النفل ففى كل مسجد. وقال الجمهور: بعمومه فى كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة ، فاستحب له الشافعى فى الجامع، وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك وخصه طائفة من السلف كالزهرى بالجامع مطلقا، وأومأ اليه الشافعى فى القديم، وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة - انتهى. وقال العينى: ذهب هؤلاء أى من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة مسجد مكة والمدينة والأقصى أو بمسجد مكة والمدينة إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه في لأن الآية نزلت على رسول اللّه يمثّة، وهو معتكف فى مسجده فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مابناه في، ١٦٤ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٧ - كتاب الصوم ٩ - باب الاعتكاف وذهبت طائفة إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلافى مسجد تقام فيه الجمعة روى ذلك عن على وابن مسعود وعروة وعطاء والحسن والزهرى وهو قول مالك فى المدونة، قال أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا فى الجامع. وقالت طائفة: الاعتكاف يصح فى كل مسجد ، روى ذلك عن النخعى وأبى سلمة والشعبى وهو قول أبى حنيفة والثورى والشافعى فى الجديد، وأحمد واسحاق وأبى ثور وداود وهو قول الجمهور والبخارى أيضا، حيث استدل بعموم الآية فى سائر المساجد، فقال باب الاعتكاف فى المساجد كلها لقوله تعالى: ﴿ ولا تباشرومن وأنتم عاكفون فى المساجد) قال العينى: جمع ( أى البخارى) المساجد وأكدها بلفظ: كلها إشارة إلى أن الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد . وقال صاحب الهداية: الاعتكاف لا يصح إلا فى مسجد الجماعة (وهو الذى له مؤذن وإمام ويصلى فيه الصلوات الخمس أو بعضها بجماعة) وعن أبى حنيفة أنه لا يصح إلا فى مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس أى بجماعة قلت: وهذا رواية الحسن عن أبي حنيفة وصححه بعض مشائخ الحنفية وهو قول أحمد. قال الخرقى: لا يجوز الاعتكاف إلا فى مسجد يجمع فيه. قال ابن قدامة (ج ٣ ص ٨٧) يعنى تقام الجماعة فيه، وإنما اشترط ذلك لأن الجماعة واجبة وإعتكاف الرجل فى مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضى إلى أحد أمرين، إما ترك الجماعة الواجبة وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيرا مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف إذ هو لزوم المعتكف والإقامة على طاعة الله فيه ولا يصح الاعتكاف فى غير مسجد اذا كان المعتكف رجلا لا نعلم فى هذا بين أهل العلم خلافا. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد﴾ خصها بذلك فلوصح الاعتكاف فى غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيها، فان المباشرة محرمة فى الاعتكاف مطلقا، وروى الدار قطنى باسناده عن الزهرى عن عروة وسعيد بن المسيب عن عائشة فى حديث، وإن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا إعتكاف إلافى مسجد جماعة. فذهب أحمد إلى أن كل مسجد تقام فيه الجماعة يجوز الاعتكاف فيه ، ولا يجوز فى غيره. وقال الشافعى: يصح الاعتكاف فى كل مسجد اذا لم يكن إنتكافه بتخلله جمعة، ولنا حديث عائشة المتقدم. وقد قيل إن هذا من قول الزهرى وهو ينصرف إلى سنة رسول اللّه يَوالر كيفما كان. وروى سعيد من طريق الضحاك عن حذيفة قال: قال رسول اللّه ◌َ لّم كل مسجد له أمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح، ولأن قوله تعالى: (وأنتم عاكفون فى المساجد) يقتضى إباحة الاعتكاف فى كل مسجد إلا أنه يقيد بما تقام فيه الجماعة بالأخبار، ففيما عداه يبقى على العموم، وقول الشافعى فى اشتراطه موضعا تقام فيه الجمعة لا يصح للأخبار. ولأن الجمعة لا تتكرر فلا يضر وجوب الخروج اليها ولوكان الجامع تقام فيه الجمعة وحدها ، ولا يصلى فيه غيرها لم يجز الاعتكاف فيه، ويصح عند مالك والشافعى. ومبنى الخلاف على أن الجماعة واجبة عندنا فيلتزم الخروج من معتكفه اليها فيفسد إعتكافه وعندهم ليست بواجبة وإن كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة كليلة أو بعض يوم، ١٦٥ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٧ - كتاب الصوم ٩ - باب الاعتكاف رواه أبو داود. جاز فى كل مسجد لعدم المانع ، وإن كانت تقام فيه فى بعض الزمان جاز الاعتكاف فيه فى ذلك الزمان دون غيره ، وإن اعتكف إثنان فى مسجد لا تقام فيه جماعة فأقاما الجماعة فيه صح اعتكافهما لأنهما أقاما الجماعة فأشبه ما لو أقامها فيه غيرهما - انتهى مختصرا. وقال الباجى: أما المساجد التى لا يصلى فيها الجمعة فإنما يكره الاعتكاف فيها اذا كان الاعتكاف يتصل إلى وقت صلاة الجمعة، لأنه يقتضى أحد أمرين ممنوعين. أحدهما: التخلف عن الجمعة . والثانى: الخروج عن الاعتكاف إلى الجمعة ، وذلك يبطل اعتكافه فى المشهور من مذهب مالك . وقد روى ابن الجهم عن مالك الخروج إلى الجمعة ولا ينتقص اعتكافه - انتهى. قلت الراجح عندى هو ما ذهب اليه أحمد لحديث الباب وأجاب عنه من خالفه بأن ذكر الجامع الأولوية يعنى إن النفى فيه محمول على نفى الفضيلة والكمال ولا يخفى ما فيه. ولحديث حذيفة وقد أخرجه الدارقطنى أيضا. وقال الضحاك: لم يسمع من حذيفة ولقول على قال لا اعتكاف إلا فى مسجد جماعة أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق فى مصنفيهما. ولقول ابن عباس لا اعتكاف إلا فى مسجد تقام فيه الصلاة أخرجه البيهقى فيصح الاعتكاف فى كل مسجد تقام فيه الجماعة ، ولا يجوز فى غيره ، ولا يشترط مسجد الجمعة ، وإن كان هو أفضل، ويجب الخروج إلى الجمعة ولا يبطل اعتكافه بالخروج اليها (رواه أبو داود) من طريق عبد الرحمن بن اسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة وأخرجه البيهقى (ج ٤ ص ٣٢١) من طريق أبي داود فى (ج ٤ ص ٣١٥، ٣٢٠) من طريق عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وأخرجه أيضا من هذا الطريق فى الشعب والمعرفة وأخرجه الدار قطنى (ص ٢٤٧ - ٢٤٨) من رواية ابن جريج عن الزهرى عن سعيد بن المسيب وعروة عن عائشة. قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن اسحاق لا يقول فيه. قالت: السنة. قال أبو داود: جعله قول عائشة - انتهى. وقال المنذرى: وأخرجه النسائى من حديث يونس ابن زيد وليس فيه قالت السنة ، وأخرجه من حديث مالك وليس فيه أيضا ذلك وعبد الرحمن بن اسحاق هذا هو القرشى المدنى يقال له عباد وقد أخرج له مسلم فى صحيحه ووثقه ابن معين وأثنى عليه غيره وتكلم فيه بعضهم - انتهى . وقال الحافظ فى بلوغ المرام: لا بأس برجاله إلا أن الراجح وقف آخره أى من قولها ولا اعتكاف إلا بصيام. وقال فى الفتح بعد ذكر كلام أبى داود: وجزم الدار قطنى بأن القدر الذى من حديث عائشة قولها لا يخرج إلا لحاجة وما عداه ممن دونها - انتهى. وقال البيهقى فى السنن (ج ٤ ص ٣٢١): قد ذهب كثير من الحفاظ إلى أن هذا الكلام من قول من دون عائشة وإن من أدرجه فى الحديث وهم فيه فقد رواه الثورى عن هشام عن أبيه عروة، قال المعتكف لا يشهد جنازة ولا يعود مريضاً ولا يجيب دعوة ولا اعتكاف إلا بصيام ولا اعتكاف إلا فى مسجد جماعة وعن ابن جريج عن الزهرى عن سعيد بن المسيب أنه قال المعتكف لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة - انتهى. وقال فى المعرفة: وإنما لم يخرجاه فى الصحيح لاختلاف الحفاظ فيه، منهم من زعم أنه قول ١٦٦ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٧ - كتاب الصوم ٩ - باب الاعتكاف الفصل الثالث ) ٢١٢٧ - (١١) عن ابن عمر، عن النبى صلى الله عليه وسلم: إنه كان اذا اعتكف طرح له فراشه، أو يوضع له سريره وراء أسطوانة التوبة .رواه ابن ماجه . عائشة، ومنهم من زعم أنه قول الزهرى، ويشبه أن يكون من قول من دون عائشة ، فقد رواه الثورى عن هشام عن عروة، قال المعتكف لا يشهد جنازة ولا يعود مريضا - انتهى. ورد عليه ابن التركانى فقال جعل هذا الكلام من قول من دون عائشة دعوى بل هو معطوف على ما تقدم من قولها السنة كذا وكذا. وقد تقدم إن هذا عند المحدثين فى حكم المرفوع رواه عروة عن عائشة مرة، وأفتى به مرة أخرى، وقد أخرجه الدار قطنى من طريق ابن جریج عن الزهری بسنده -انتهى . ٢١٢٧ - قوله ( طرح) بصيغة المجهول أى وضع وفرش (أو يوضع له سريره) الظاهر إن ((أو)) للتنويع ( وراء إسطوانة التوبة ) هى من إسطوانات المسجد النبوى سميت بذلك لأن أبا لبابة بن عبد المنذر ربط بها نفسه حتى تاب الله عليه عندها، روى ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن أبى بكر إن أبا لبابة إرتبط بسلسلة ريوض، والربوض الضخمة الثقيلة اللازقة بصاحبها بضع عشرة ليلة، حتى ذهب سمعه فماكاد يسمع، وكاد أن يذهب بصره وكانت ابنته تحله اذا حضرت الصلاة أو أراد أن يذهب لحاجة واذا فرغ أعادته إلى الرباط . قال ابن عبد البر: اختلف فى الحال التى أوجبت فعل أبى ليابة هذا بنفسه، وأحسن ما قيل فى ذلك ما رواه معمر عن الزهرى قال كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبى معَّة فى غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية وقال والله لا أحل نفسى منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى يتوب الله على أو أموت فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولاشرابا حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه فقيل له قد تاب الله عليك، يا أبا لبابة! فقال والله لا أحل نفسى حتى يكون رسول الله ◌َّ هو الذى يحملنى، قال فجاء رسول اللّه ◌ُلّم فله بيده، ثم قال أبو لبابة يا رسول الله! إن من توبتى إن أهجر دار قومى التى أصبت فيها الذنب وإن انخلع من مالى كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال يحزئك يا أبا لبابة الثلاث قال ابن عبد البر: وقد قيل إن الذنب الذى أتاه أبو لبابة كان أشارته إلى حلفاء، من بنى قريظة إن الذيح إن نزلتم على حكم سعد بن معاذ وأشار إلى حلقه فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون - الأنفال: ٢٧﴾ انتهى. وأرجع للبسط إلى وفاء الوفاء للسمهودى (ج ٢ ص ٤٤٢، ٤٤٧) وفى الحديث دليل على جواز طرح الفراش ووضع السرير للمعتكف فى المسجد، وعلى جواز الوقوف فى مكان معين من المسجد فى الاعتكاف فيكون مخصصا للنهى عن إيطان المكان فى المسجد یعنی ملازمته (رواه ابن ماجه) قال فى الزوائد: اسناده صحيح، ورجاله موثقون. وقال الشوكانى: رجال اسناده ثقات، وقد ذكره الحافظ فى الفتح عن ١٦٧ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٧- كتاب الصوم ٩ - باب الاعتكاف ٢١٢٨ - (١٢) وعن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى المعتكف: هو يعتكف الذنوب ويجرى له من الحسنات كعامل الحسنات كلها. رواه ابن ماجه. نافع إن ابن عمر كان اذا اعتكف الخ، وعزاه لابن ماجه ولم يذكر أنه مرفوع وفى صحيح مسلم عن نافع أنه قال وقد أرانى عبد الله بن عمر المكان الذى كان رسول اللّه ◌َؤفلم يعتكف فيه من المسجد. وقال السمهودى: (ج ٢ ص ٤٤٧) أسند ابن زبالة ويحي فى بيان معتكف النبى صلى الله عليه وسلم عن ابن عمر أن النبي ◌ُ ◌ّه كان اذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سريره وراء إسطوانة التوبة . ثم ذكر السمهودى هذا الحديث من رواية ابن ماجه. وقال قال البدر ين فرحون: ونقل الطبرانى فى معجمه عن ابن عمر إن ذلك بما يلى القبلة يستند إليها . قال السمهودى : رواه البيهقى بسند حسن ولفظه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف يطرح له فراشه أو سريره إلى إسطوانة التوبة مما يلى القبلة يستند اليها. ونقل عياض عن ابن المنذر ان مالك بن أنس كان له موضع فى المسجد، قال وهو مكان عمر بن الخطاب، وهو المكان الذى كان يوضع فيه فراش رسول اللّه ◌َبّل اذا اعتكف كذا قال الأويسى . ٢١٢٨ - قوله ( قال فى المعتكف) أى فى حقه وشأنه ( هو يعتكف ) من الاعتكاف ( الذنوب ) منصوب بنزع الخافض أى يحتبس عن الذنوب بين بذلك إن شأن المحتبس فى المسجد الانجاس عن تعاطى أكثر الذنوب قاله القارى، قلت: قوله ((يعتكف)) كذا فى أكثر النسخ من المشكاة، ووقع فى بعضها يعكف من العكف وهو الذى فى سنن ابن ماجه، وهكذا نقله الولى العراقى فى شرح التقريب. قال السندى: قوله ((هو يعكف الذنوب من عكفه)) كنصر وضرب أى حبس، وضمير هو المعتكف أو الاعتكاف وهو الظاهر أى هو يمنع الذنوب ولا يتأتى فيه وإن أريد المنع على الدوام، فيمكن من آثار الاعتكاف أن يتقى الله تعالى صاحبه من المعاصى (ويجرى) بالجيم والراء مجهولا. وقيل معلوما أى يمضى ويستمر (له من الحسنات) أى من ثوابها ( كعامل الحسنات) أى كأجور عاءلها. قال القارى: وفى نسخة صحيحة يعنى من المشكاة بالجيم والزاى مجهولا، أى يعطى له من الحسنات التى يمتنع عنها باعتكاف كعيادة المريض وتشييع الجنازة وزيادة الاخوان وغيرها ، فاللام فى الحسنات العهد - انتهى. (رواه ابن ماجه) من طريق عيسى بن موسى غنجار عن عبيدة العمى عن فرقد السبخى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وهذا اسناد ضعيف لأن عيسى قال فيه فى التقريب صدوق ربما أخطأ ، وربما دلس مكثر من الحديث عن المتروكين، وعبيدة العمى مجهول الحال وفرقد السبخى البصرى الحائك . قال الترمذى تكلم فيه يحيى بن سعيد وروى عنه الناس. قلت: وثقه ابن معين وتكلم فيه غيره. وقال الساجى: قد اختلف فيه وليس بحجة فى الاحكام والسنن. وقال فى التقريب: صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ . ١٦٨ : (٨) كتاب فضائل القرآن (كتاب فضائل القرآن) عموماً وبعض سوره وآياته خصوصا، والفضائل. جمع فضيلة. قال الجوهرى : الفضل والفضيلة خلاف القص والنقيصة، واختلف هل فى القرآن شىء أفضل من شىء، فذهب أبو الحسن الأشعرى والقاضى أبو بكر الباقلانى إلى أنه لا فضل لبعضه على بعض لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول وكلام اللّه حقيقة واحدة لانقص فيه، وقال قوم: وهم الجمهور بالتفضيل لظواهر الأحاديث حديث ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن، وحديث إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، قال القرطبي: إنه الحق ، وقال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف فى ذلك مع النصوص الواردة فى التفضيل، وقال الغزالى، فى جواهر القرآن : لعلك أن تقول قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض، والكلام كلام اللّه فكيف يكون بعضها أشرت من بعض فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسى وآية المداينة، وبين سورة الاخلاص وسورة تبت ، وترتاع على اعتقاد الفرق نفسك الخوارة المستغرقة بالتقليد فقلد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم فهو الذى أنزل عليه القرآن، وقال يس ، قلب القرآن ، وفاتحة الكتاب أفضل سورة القرآن ، وآية الكرسى سيدة آى القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وغير ذلك مما لا يحصى - انتهى. ثم اختلفوا فقال قوم الفضل راجع إلى عظم الأجر ومضاعفة الثواب بحسب إنفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها عند ورود أوصاف العلى. وقال آخرون: بل يرجع إلى ذات اللفظ وإن ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد - البقرة: ١٦٣) الآية، وآية الكرسى وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالة على وحدانيته وصفاته ليس موجوداً، مثلا فى تبت يدا أبى لهب، وما كان مثلها فالتفضيل إنما هو بالمعانى العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة . قال القسطلانى: ولعل الخلاف فى هذه المسئلة أى مسئلة التفضيل يلتفت إلى الخلاف المشهور إن كلام اللّه شىء واحد أم لا، وعند الأشعرى أنه لا يتنوع فى ذاته بل بحسب متعلقاته، وليس لكلام الله الذى هو صفة ذاته بعض لكن بالتأويل والتعبير وفهم السامعين اشتمل على أنواع المخاطبات ولو لا تنزله فى هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شىء منه - انتهى. وقيل: التحقيق إنه لاخلاف فى المعنى بل الأول محمول على ذات القرآن وحقيقته، والثانى على غيرهما كما علم وارجع للبسط إلى الإتقان (ج ٢ ص ١٥٦، ١٥٧) السيوطى والشيخ الاسلام ابن تيمية كتاب نفيس فى هذا الموضوع سماه «جواب أهل العلم والايمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمان من أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)) بين فيه حكمة الله فى تفاضل بعض السورة والآيات مع أنها ١٦٩ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٨ - كتاب فضائل القرآن ( الفصل الأول ). ٢١٣٩ - (١) عن عثمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه . كلها من كلام اللّه عزوجل. وقد استطرد فيه إلى دقائق من علوم اللغة وأسرار العربية وبيان مذاهب العلماء، فيما اختلفوا فيه من مسائل أصول الدين والانتصار لمذهب السلف فى الصفات، ومنها صفة الكلام ، وفيه من حقائق التفسير ولطائف البحث ما لا تجده فى كتاب غيره فعليك أن تطالعه. ثم المعتمد إن القرآن بمعنى القراءة مصدر بمعنى المفعول أو فعلان من القراءة بمعنى الجمع لجمعه السور وأنواع العلوم، وإنه مهموز وقراءة ابن كثير إنما هى بالنقل كما قال الشافعى : ونقل قرآن والقران دواءنا خلافا لمن قال إنه من قرنت الشىء بالشىء لقرن السور والآيات فيه. ٢١٢٩ - قوله (خيركم) وفى رواية إن أفضلكم ولا فرق بينهما فى المعنى لأن قوله ((خيركم)) تقديره أخيركم ولا شك إن أخيرهم هو أفضلهم (من تعلم القرآن وعلمه) كذا للأ كثر والسرخسى أو علمه وهى للتنويع لا للشك وكذا لأحمد عن غندر وعفان عن شعبة، وزاد غندر فى أوله إن وأكثر الرواة عن شبة يقولونه بالواو وكذا وقع عند أحمد عن بهز وعند أبى داود عن حفص بن عمر كلاهما عن شعبة وكذا أخرجه أحمد والترمذى من حديث على. قال الحافظ: وهى أظهر من حيث المعنى لأن التى «باو)) تقتضى إثبات الخيرية المذكورة لمن فعل أحد الأمرين فيلزم أن من تعلم القرآن ولو لم يعلمه غيره أن يكون خيراً من عمل بما فيه مثلا، وإن لم يتعلمه، ولا يقال يلزم على رواية الواو أيضا إن من آعلمه وعله غيره أن يكون أفضل ممن عمل بما فيه من غير أن يتعلمه ولم يعلمه غيره، لأنا نقول يحتمل أن يكون المراد بالخيرية من جهة حصول التعليم بعد العلم، والذى يعلم غيره يحصل له النفع المتعدى بخلاف من يعمل فقط، والقرآن أشرف العلوم فيكون من تعلمه وعلمه لغيره أشرف من تعلم غير القرآن، وإن علمه ولا شك إن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدى ولهذا كان أفضل . فان قيل: فيلزم على هذا أن يكون المقرى أفضل من الفقيه قلنا: لا لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس لأنهم كانوا أهل اللسان فكانوا يدرون معانى القرآن بالسليقة أكثر مما يدريها من بعدهم بالاكتساب فكان الفقه لهم سيحية فمن كان فى مثل شأنهم شاركهم فى ذلك لا من كان قارئاً أو مقرئاً محضا لا يفهم شيئا من معانى ما يقرؤه أو يقرته. فإن قيل: فيلزم أن يكون المقرى أفضل ممن هو أفضل غناء فى الاسلام بالجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مثلا. قلنا: حرف المسئلة يدور على النفع المتعدى فمن كان حصوله عنده أكثركان أفضل فاعل من مضمرة فى الحديث، ولابد مع ذلك من مراعاة ١٧٠ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٨ - كتاب فضائل القرآن رواه البخارى. ٢١٣٠ - (٢) وعن عقبة بن عامر، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحن فى الصفة، فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان الاخلاص فى كل صنف منهم، ويحتمل أن تكون الخيرية وإن اطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين خوطبوا بذلك كان اللائق بحالهم ذلك أو المراد خير المتعلمين من يعلم غيره لا من يقتصر على نفسه، أو المراد مراعاة الحيثية لأن القرآن خير الكلام فتعلمه خير من متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن، وكيف ما كان فهو مخصوص يمن علم وتعلم بحيث يكون قد علم ما يجب عليه عينا - انتهى كلام الحافظ. باختصار يسير. وقال الطيبي: أى خير الناس باعتبار التعلم والتعليم من تعلم القرآن وعلمه. وقال ميرك: أى من خيركم. قال القارى: ولا يتوهم إن العمل خارج عنهما لأن العلم إذا لم يكن مورثا للعمل فليس علما فى الشريعة إذا جمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل قال إذا كان خير الكلام كلام اللّه فكذلك خير الناس بعد النبيين من يتعلم القرآن ويعلمه، لكن لابد من تقييد التعلم والتعليم بالا خلاص - انتهى. وقال السندى: قوله ((خيركم، الخ يراد بمثله أنه من جملة الأخيار لا أنه أفضل من الكل ، وبه يندفع التدافع بين الأحاديث الواردة بهذه العنوان. ثم المقصود فى مثله بيان إن وصف تعلم القرآن وتعليمه من جملة خيار الأوصاف فالموصوف به يكون خيرا من هذه الجهة أو يكون خيرا إن لم يعارض هذا الوصف معارض فلا يرد أنه كثيراً ما يكون المرأ متعلما أو معلماً القرآن ويأتى بالمنكرات فكيف يكون خيراً. وقد يقال المراد من تعلم القرآن وعلمه مع مراعاته عملا وإلا فغير المراعى يعد جاهلا (رواه البخارى) فى فضائل القرآن وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٥٧، ٥٨، ٦٨) والترمذى فى فضائل القرآن. وأبو داود فى أواخر الصلاة وابن ماجه فى السنة، والدارمى وابن حبان ( ج١ ص ٢٨٢،٢٨١) وأخرجه النسائى فى الكبرى وفى الباب عن على عند أحمد والترمذى والدارمى وعن سعد عند الدارمى وعن ابن مسعود عند ابن أبى داود ٢١٣٠ - قوله (ونحن فى الصفة) بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء مكان مظلل فى مؤخر المسجد ، أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل. قال ابن حجر : كانت هى فى مؤخر المسجد معدة لفقراء أصحابه الغير المتأهلين وكانوا يكثرون تارة حتى يبلغوا نحو المائتين، ويقلون أخرى لارسالهم فى الجهاد وتعليم القرآن . وقال الجزرى: أهل الصفة فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه فكانوا يأوون إلى موضع مظلل فى مسجد ١" .بنة، قال الكرمانى: وكلوا سبعين ويقلون حينا ويكثرون. وقال السيوطى: عدهم أبو نعيم فى الحلية أكثر من مائة (أيكم يحب أن يغدو) أى يذهب فى الغدوة وهى أول النهار (إلى بطحان) بضم الباء الموحدة وسكون ١٧١ مرعاة المفاتيح ج٧ ٨ - كتاب فضائل القرآن أو العقيق فيأتى بناقتين كوماوين فى غير إثم ولا قطع رحم؟ فقلنا: يا رسول الله ! كلنا نحب ذلك قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أويقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين ، وثلث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن الطاء المهملة، إسم واد بقرب المدينة ، سمى بذلك لسعته وأنبساطه من البطح وهو البسط (أو العقيق) بفتح العين المهملة وبقافين الأولى مكسورة بينهما ياء تحتية ساكنة، قيل: أراد العقيق الأصغر وهو على ثلاثة أميال أوميلين من المدينة، وفيه بئر رومة، وهناك عقيق أكبر، وانما خصهما بالذكر لأنهما من أقرب الأودية التى كانوا يقيمون فيها أسواق الابل الى المدينة. والظاهر إن ((أو)) للتنويع لكن فى جامع الأصول (ج ٩ ص ٣٧٥) أو قال إلى العقيق فدل على أنه شك من الراوى قاله القارى. (فيأتى بناقتين كوماوين) تثنية كوماء، بفتح الكاف وسكون الواو، وبالمد قلبت الهمزة واواً وهى الناقة العظيمة السنام ، وأصل الكوم العلو أى فيحصل ناقتين مشرفتى السنام عاليقيه عظيمتيه. وإنما ضرب المثل بها لأنها كانت من أحب الأموال اليهم وأنفس المتأجر لديهم (فى غير أثم) أى فى غير ما يوجب إنما كسرقة وغصب سمى موجب الاثم إنما مجازا (ولا قطع رحم) أى فى غير ما يوجبه وهو تخصيص بعد تعيم ( كلنا نحب ذلك) بالنون وفى جامع الأصول كلنا يجب ذلك بالياء قاله القارى . قلت: وهكذا وقع فى المصابيح والترغيب بالياء، والذى فى صحيح مسلم تحب بالنون كما فى المشكاة وكذا فى جامع الأصول المطبوعة (ج ٩ ص ٣٧٥) (أفلا يغدو) أى ألا يترك ذلك فلا يغدو (أحدكم الى المسجد فيعلم) بالتشديد وفى نسخة صحيحة بالتخفيف قاله القارى . قلت: وقع فى بعض النسخ من صحيح مسلم فيتعلم، وهكذا فى المصابيح (أو يقرأ) بالرفع والنصب فيها . قال القارى قال . يرك: هذه الكلمة يحتمل أن تكون عرضا أو نفيا، وفيه إن الفاء مافعة من كونها للعرض ثم قال ، وقوله فيعلم أو يقرأ منصوبان على التقدير الأول ، مرفوعان على الثانى. قلت: ويجوز نصبهما على الثانى أيضا، لأنه جواب النفى، ثم قال ويعلم من التعليم فى أكثر نسخ المشكاة وصحيح فى جامع الأصول من العلم، وكلمة ((أو)) يحتمل الشك والتنويع - انتهى. وفى الشرح أنه صحح فى جامع الأصول فيعلم بفتح الياء وسكون العين فأوشك من الراوى دفعا لتوهم كونه من التعليم فيكون ((أو)) للتنويع كذا ذكره الطيبى وعلى التنويع قوله ( آيتين من كتاب الله) تنازع فيه الفعلان وقوله (خير) خبر مبتدأ محذوف أى هما أو الغدو (خير له من ناقتين وثلاث) أى من الآيات (خير له من ثلاث) أى من الابل. قال ابن حبان هذا الخبر أضمر فيه كلمة وهى ((لوتصدق بها) يريد بقوله ((فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين وثلاث)) لو تصدق بها لأن فضل تعلم آيتين من كتاب الله أكبر من فضل ناقتين وثلاث وعدادهن من الابل لو تصدق بها اذ محال أن يشبه من تعلم آيتين من كتاب الله فى الأجر بمن نال بعض حطام الدنيا (ومن إعدادهن) جمع ١٧٢ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٨ - كتاب فضائل القرآن من الايل. رواه مسلم ٢١٣١ - (٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحب أحدكم إذا رجع الى أهله أن يجد فيه ثلث خلفات عظام سمان؟ قلنا: نعم، قال : فثلث آيات يقرؤ بهن أحدكم عدد (من الابل) بيان الاعداد. قيل: من إعدادهن متعلق بمحذوف تقديره وأكثر من أربع آيات خير من اعدادهن من الابل خمس آيات خير من خمس إبل وعلى هذا القياس . وقيل: يحتمل أن يراد أن آيتين خيرمن ناقتين ومن اعدادهما من الابل، وثلاث خير له من ثلاث . ومن اعداهن من الابل، وكذا أربع. والحاصل إن الآيات تفضل على اعدادهن من النوق وعلى اعدادهن من الابل كذا ذكره الطبى ويوضحه ما قيل إنه متعلق بقوله آيتين وثلاث وأربع، ومجرور اعدادهن عائد الى الاعداد التى سبق ذكرها ، (( ومن الا بل » بدل من اعدادهن، أو بيان له يعنى آيتان خير من عدد كثير من الابل، وكذلك ثلاث وأربع آيات منه، لأن قراءة القرآن تنفع فى الدنيا والآخرة نفعا عظيما بخلاف الابل - انتهى. والحاصل إنه تم أراد ترغيبهم فى الباقيات وتزهيدهم عن الفانيات فذكر هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى فهم العليل، والا جميع الدنيا أحقر من أن يقابل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى أو ثوابها من الدرجات العلى، كذا فى المرقاة، وفى الحديث الحث على تعلم القرآن وتعليمه وتلاوته. (رواه مسلم) فى فضائل القرآن من الصلاة، وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان (ج ١ ص ١٧٩) وأبو داود فى أواخر الصلاة وعنده كوماوين زهراوين (أى سمينتين ما ثلتين الى البياض من كثرة السمن) بغير اثم بالله ولا قطع رحم، قالوا كلنا يا رسول الله! قال فلان يغدو أحدكم كل يوم الى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وإن ثلاث فثلاث مثل اعدادهن من الابل، وفى صحيح ابن حبان وثلاث خيرمن ثلاث وأربع خیر من عدادهن من الابل. ٢١٣١ - قوله (أن يجد فيه) أى فى أهله يعنى فى محلهم. وقيل: أى فى رجوعه اليهم. وقيل: أى فى طريقه (ثلث خلفات) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام جمع خلفة وهى الحامل من النوق وهى من أعز أموال العرب من خلفت الناقة أى حملت، وقيل: الخلفة الحامل من النوق الى أن يمضى عليها نصف أمدها ، ثم هى عشراء جمعها عشار (عظام) فى الكمية (سمان) فى الكيفية جمع سمينة، أى كثيرة الشحم والدسم (قلنا نعم) أى بمقتضى الطبيعة أو على وفق الشريعة ليكون للآخرة ذريعة (قال) أى فإذا قلتم ذلك وغفلتم عما هو أولى (فثلث آيات) أى فاعلموا أن قراءة ثلث آيات خير من ثلث خلفات. وقال الطبى: الفاء فى ((فثلث آيات)) جزاء شرط محذوف ، فالمعنى إذا تقرر ما زعمتم أنكم تحبون ما ذكرت لكم، فقد صح أن يفضل عليها ما أذكره لكم من قراءة ثلث آيات لأن هذا من الباقيات الصالحات وتلك من الزائدات الفانيات (يقرأ بهن أحدكم) قال الطيبي: الباء ١٧٣ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٨ - كتاب فضائل القرآن فى صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان. رواه مسلم . ٢١٣٢ - (٤) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام زائدة أو للالصاق (فى صلاته) بيان للأكمل وتقييد للا فضل (خير له من ثلاث خلفات عظام سمان) قال الطيبي: التفكير التعظيم والتفخيم ، وفى الأول للشيوع فى الأجناس فلذلك لم يعرف الثانى (رواه مسلم) فى فضائل القرآن وأخرجه أيضا ابن ماجه فى باب ثواب القرآن. ٢١٣٢ - قوله (الماهر بالقرآن) أى الحاذق من المهارة، وهى الحذق، جاز أن يريد به جودة الحفظ أو جودة اللفظ ، وأن يريد به كليهما وأن يريد به ما هو أعم منهما قاله القارى. وقال النوى: الماهر الحاذق الكامل، الحفظ الذى لا يتوقف ولا يشق عليه القراءة لجودة حفظه وإتقانه. (مع السفرة) جمع سافر ككاتب وكتبة والسافر الرسول والسفرة الرسل، لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله! وقيل: السفرة الكتبة قاله النووى. وقال ميرك: أى الكتبة جمع سافر من السفر وأصله الكشف فان الكاتب يبين ما يكتب ويوضحه ومنه قيل للكتاب سفر بكسر السين لأنه يكشف الحقائق ويسفر عنها، والمراد بها الملائكة الذين هم حملة اللوح المحفوظ كما قال تعالى ﴿بأيدى سفرة كرام بررة - عبس: ١٥) سموا بذلك لأنهم ينقلون الكتب الإلهية المنزلة إلى الأنبياء فكأنهم يستنسخونها . وقيل: السفرة الملائكة الكاتبون لأعمال العباد. وقيل: مشتق من السفارة بمعنى الاصلاح، والسافر بمنى السفير، والسفرة بمعنى السفراء والمراد بهم حينئذ الملائكة النازلون بأمر الله بما فيه مصلحة العباد من حفظهم عن الآفات والمعاصى وإلهامهم الخير فى قلوبهم أو المراد الملائكة النازلون بالوحى إلى الأنبياء، لأنهم كالسفراء بين الله وبين رسله يسفرون بالوحى إليهم. والمعية فى التقرب إلى الله تعالى. وقيل: يريد أنه يكون فى الآخرة رفيقا لهم فى منازلهم أو هو عامل بعملهم. قال القاضى عياض: يحتمل أن يكون المراد بكونه مع الملائكة أن يكون له فى الآخرة منازل يكون فيها رفيقا الملائكة لاقصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى، ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم وسالك مسلكهم من كونهم يحفظونه ويؤدونه إلى المؤمنين ويكشفون لهم ما يلتبس عليهم فكذلك الماهر . وقال التوربشتى : المعنى الجامع بين الماهر بالقرآن وبين الملا المكرمين إن الماهر بالقرآن تعلم التنزيل واستظهره حتى صار من خزنة الوحى وأمناء الكتاب وحفظة السفر الكريم، ليسفر عن الأمة بما استبهم عليهم من ذلك، ويبين لهم حقائقه كما أن السفرة يردونه إلى أنبياء الله المرسلين ويكشفون به الغطاء ما النبس عليهم من الأمور المكنونة حقائقها (الكرام) جمع الكريم، أى المكرمين على اللّه المقربين عنده لعصمتهم ونزاهتهم عن دنس المعصية ١٧٤ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٨ - كتاب فضائل القرآن البررة ، والذى يقرأ القرآن ويتمتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران. متفق عليه. ٢١٣٣ - (٥) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حسد والمخالفة. (البررة) جمع البار أى المطيعين من البر وهو الطاعة (ويتتعتع فيه) أى يتردد فى تلاوته لضعف حفظه. وقال القارى: أى يتردد ويتلبد عليه لسانه ويقف فى قراءته لعدم مهارته، والتعتعة فى الكلام التردد فيه من حصر أوعى يقال تمتع لسانه اذا توقف فى الكلام ولم يطعه لسانه (وهو) أى القرآن أى حصوله (عليه) أى على ذلك القارى (شاق) أى شديد يصيبه مشقة جملة حالية (له أجران) أى أجر لقراءته وأجر لتحمل مشقته، وهذا تحريض على تحصيل القراءة. قال النووي: له أجران أجر بالقراءة، وأجر بتعتعته فى تلاوته ومشقته، وليس معناه أن الذى يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجراً، لأنه مع السفرة وله أجور كثيرة، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره، وكيف يلحق به من لم يعتن بكتاب الله تعالى وحفظه وإتقانه وكثرة تلاوته ودرايته كاعتناء، حتى مهر فيه ـ انتهى. قلت: اختلف هل له ضعف أجر الماهر أو يضاعف له أجره وأجر الماهر أعظم وأكثر. قال ابن التين، وغيره: هذا أظهر لأن المضاعفة لظاهر لا تحصى فان الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، وأكثر والأجر شىء مقدر وهذا له أجران من تلك المضاعفات . قال القسطلانى: ولمن رجح القول الأول أن يقول الأجر على قدر التعب والمشقة لكن لا نسلم أن الحافظ الماهر خال من مشقة لأنه لا يصير كذلك إلا بعد عناء كثير ومشقة شديدة غالباً (متفق عليه) أخرجه البخارى فى تفسير سورة عبس ومسلم فى فضائل القرآن واللفظ له، وأخرجه أيضا الترمذى فى فضائل القرآن وأبو داود فى أواخر الصلاة وابن ماجه فى ثواب القرآن والدارمى. ٢١٣٣ - قوله (لا حسد) أى لا غبطة. قال الحافظ: الحسد تمنى زوال النعمة عن المنعم عليه، وخصه بعضهم بأن يتمنى ذلك لنفسه، والحق إنه أعم وصاحبه مذموم اذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل وينبغى لمن خطر له ذلك أن يكرهه كما يكره ما وضع فى طبعه من حب المنهيات واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصى الله تعالى، فهذا حكم الحسد بحسب حقيقته. وأما الحسد المذكور فى الحديث فهو الغبطة وأطلق الحسد عليها مجازاً، وهى أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة فان كان فى الطاعة فهو محمود، ومنه ( فليتنافس المتنافسون - المطففين: ٢٦) وإن كان فى المعصية فهو مذموم ومنه (ولا تنافسوا)، وإن كان فى الجائزات فهو مباح، فكأنه قال فى الحديث لا غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة فى هذين الأمرين - انتهى. وقال النووى قال العلماء: الحسد قسمان: حقيق. ومجازى. فالحقيقى؟ تمنى زوال النعمة عن صاحبها وهذا حرام باجماع الأمة مع النصوص الصحيحة. وأما ١٧٥ مرعاة المعا نيح ج ٧ ٨ - كتاب فضائل القرآن إلا على اثنين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار. متفق عليه. المجازى فهو الغبطة وهو أن يتمنى مثل النعمة التى على غيره من غير زوالها عن صاحبها ، فان كانت من أمور الدنيا. كانت مباحة وإن كانت طاعة فهى مستحبة، والمراد بالحسد فى هذا الحديث معناه المجازى أى لا غبطة محبوبة إلا فى هاتين الخصلتين ، وما فى معناهما، وحاصله أنه لا تنبغى الغبطة فى الأمور الخسيسة. وإنما تنبغى فى الأمور الجليلة كالقيام بالقرآن والجود، قلت: ويزيد إرادة الغبطة ما عند البخارى فى فضائل القرآن من حديث أبى هريرة بلفظ: فسمعه جار له فقال ليتنى أوتيت مثل ما أوتى فلان فعملت مثل ما يعمل فلان فلم يتمن الزوال والسلب بل أن یکون مثله (إلا علی ائتین) أی إلا على وجود شیئین أو فى أمرين . وفى رواية إلا فى اثنتين وكذا فى حديث ابن مسعود عند الشيخين وغيرهما، وحديث أبى هريرة عند البخارى. قال الحافظ : أقول حسدته على كذا أى على وجود ذلك له. وأما حسدته فى كذا فمعناه حسدته فى شأن كذا وكأنها سببية. وقال العينى بعد ذكر الروايتين: كلمة ((على)) تأتى بمعنى ((فى) كما فى قوله تعالى ﴿ ودخل المدينة على حين غفلة - القصص: ١٥) وقوله ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان - البقرة: ١٠٢﴾ أى فى ماكه - انتهى. ومعنى إلا فى اثنتين أى لا حسد محموداً إلا فى شأن خصلتين (رجل) بالجر على البدلية. وقيل: بالرفع على تقديرهما أو أحدهما أمر رجل أو خصلة رجل فلما حذف المضاف اكتسب إليه إعرابه ( آتاه الله) بالمد فى أوله أى أعطاه من الايتاء، وهو الإعطاء (القرآن) أى من عليه بحفظه له كما ينبغى وبتعليمه (فهو يقوم به) المراد بالقيام به العمل مطلقا أعم من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها، ومن تعليمه والحكم والفتوى ؟ قتضاه. ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلمى رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتبع ما فيه، ولفظ حديث ابن مسعود رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها، واللام فى ((الحكمة)) للعهد لأن المراد بها القرآن فلا تخالف بين لفظى الحديثين (آناء الليل وآناء النهار) قال النووى: أى ساعاتهما وواحده اناً وأناً وإنى وإنو أربع لغات - انتهى. وقال فى الصراح: آناء الليل ساعاته واحدها إنى مثل مِعى وإمعاء وإنى وإنو أيضاً. يقال: مضى إنوان وأنيان من الليل - انتهى. (ورجل) بالوجهين (آتاه الله مالا) نكره ليشمل القليل والكثير (فهو ينفق) أى لله فى وجوه الخير ففي رواية لأحمد فهو ينفقه فى الحق وفى رواية لمسلم فتصدق به، وكذا عند ابن حبان (ج ١ ص ٢٩٠) قال فيه بيان إن قوله ورتّ ((فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار أراد به فهو يتصدق به (منه) كذا فى جميع النسخ، وكذا فى المصابيح وهى رواية أحمد (ج ٢ ص ٣٦ - ٨٨) والترمذى وابن حبان، والذى فى صحيحى البخارى ومسلم فهو ينفقه (آناء الليل وآناء النهار ) أى أوقاتهما سراً وعلانية (متفق عليه) أخرجه البخارى فى. ١٧٦ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٨ - كتاب فضائل القرآن ٢١٣٤ - (٦) وعن أبى موسى الأشعرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل الأترجة، فضائل القرآن وفى التوحيد، ومسلم فى فضائل القرآن وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٠٩ ٣٦، ١٣٣،٨٨) والترمذى فى فضائل القرآن وابن ماجه فى الزهد، وابن حبان (ج ١ ص ٢٩٠،٢٨٩). ٢١٣٤ - قوله (مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن) أى ويعمل به كما فى الرواية الآتية وهى زيادة مفسرة اراد، وإن التمثيل وقع الذى يقرأ القرآن ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهى لا مطلق التلاوة. وعبر بالمضارع لإفادة تكريره لها ومداومته عليها حتى صارث دأبه وعادته، كفلان بقرى الضيف ويحمى الحريم ويعطى اليتيم. قال القسطلانى: إثبات القراءة فى قوله يقرأ القرآن على صيغة المضارع ونفيها فى قوله لا يقرأ ليس المراد منها حصولها مرة ونفيها بالكلية، بل المراد منهما الاستمرار والدوام عليها، وإن القراءة دأبه وعادته أو ليس ذلك من هجيراه كقولك فلان يقرى الضيف ويحمى الحريم (مثل الأترجة) بضم الهمزة والراء بينهما مثناة ساكنة وآخره جيم مشددة مفتوحة، وفيه لغات. قال فى القاموس: الاترج والاترجة والترج والترنجة معروف، وهى أحسن الثمار الشجرية وأنفسها عند العرب انتهى. قال التور بشتى: المثل عبارة عن المشابهة بغيره فى معنى من المعانى لإدناء المتوهم عن المشاهد، وكان النبي تضع يخاطب بذلك العرب ويحاورهم ولم يكن ليأتى فى الامثال ما لم تشاهده فيجعل ما أورده للتبيان مزيداً الابهام، بل يأتيهم بما شاهدوه وعرفوه ليبلغ ما انتحاه من كشف الغطاء ورفع الحجاب، ولم يوجد فيما أخرجته الأرض من بركات السماء. لا سيما من الثمار الشجرية التى آنستها العرب فى بلادهم أبلغ فى هذا المعنى من الأترجة بل هى أفضل ما يوجد من الثمار فى سائر البلدان الأخرى وأجدى لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها والخواص الموجودة فيها، فمن ذلك كبر جرمها وحسن منظرها وطيب طعمها ولين مدسها وذكاء أرجها تملأ الأكف بكبر جرمها ويكسيها لينا، وتفعم الخياشيهم طيبا، ويأخذ بالأبصار صبغة ولوناً فاقع لونها تسر الناظرين تتوق إليها النفس قبل التناول تفيد آ كلها بعد الالتذاذ بذوافها طيب نكهة، ودباغ معدة، وقوة هضم، اشتركت الحواس الأربع دون الاحتظاء بها البصر والذوق والشم والس، وهذه الغاية القصوى فى إنتهاء الثمرات إليها وتدخل أجزاءها الأربع فى الأدوية الصالحة للأدواء المزمنة. والأوجاع المقلقة والأسقام الخبيثة والأمراض الردية كالفالج واللقوة والبرص واليرقان واسترعاء العصب والبواسير (إلى آخر ما قال). وقال الحافظ: قبل الحكمة فى تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التى مجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة ، لأنه يتداوى بقشرها وهو مفرح بالخاصية، ويستخرج من حبها دهن له منافع وقيل : إن الجن لا تقرب البيت الذى فيه الأترج، فناسب أن يمثل به القرآن الذى لا تقربه الشياطين ، وغلاف ١٧٧ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٨ - كتاب فضائل القرآن ريحها طيب. وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لهاريح وطعمها مر. ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن مثل الريحانة ، حبه أبيض فيناسب قلب المؤمن ، وفيها أيضا من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها وتفريح لونها ولين ملمسها وفى أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة ودباغ معدة وجودة هضم، ولها منافع أخرى مذكورة فى المفردات - انتهى. (ريحها طيب وطعمها طيب) قيل: خص صفة الا يمان بالطعم وصفة التلاوة بالريح، لأن الايمان ألزم للمؤمن من القرآن، إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم الزم للجوهر من الريح. فقد يذهب ريح الجوهر ويبقى طعمه. وقيل: شبه الايمان بالطعم الطيب لكونه خيرا باطنيا لا يظهر لكل أحد، والقرآن بالريح الطيب ينتفع بسماعه كل أحد ويظهر بمحاسنه لكل سامع. وقال المظهرى: فالمؤمن الذى يقرأ القرآن هكذا من حيث أن ألا يمان فى قلبه ثابت طيب الباطن، ومن حيث أنه يقرأ القرآن ويستريح الناس بصوته ويثابون بالاستماع إليه ويتعلمون منه طيب الريح مثل الأترجة يستريح الناس بريحها (ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن) أى ويعمل به كما فى الرواية الآتية (مثل التمرة) بالمثناة الفوقية وسكون الميم (وطعمها حلو) بضم الحاء وسكون اللام ( كمثل الحنظلة) الحنظل، نبات يمتد على الأرض كالبطيخ، وثمره يشبه ثمر البطيخ ، لكنه أصغر منه جدا، ويضرب المثل بمرارته. ( مثل الريحانة) هى كل نبت طيب الريح من أنواع المشموم. قال الطبى: إن هذا النشبية والتمثيل فى الحقيقة وصف لموصوف اشتمل على معنى معقول صرف لا يبرزه عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوس المشاهد ، ثم إن كلام اللّه المجيد له تأثير فى باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون فى ذلك، فمنهم من له النصيب الأوفر " من ذلك التأثير وهو المؤمن القارئ، ومنهم من لا نصيب له البتة وهو المنافق الحقيقى، ومنهم من تأثر ظاهره دون باطنه وهو المرائى أو بالعكس، وهو المؤمن الذى لا يقرؤه. وإبراز هذه المعانى وتصويرها إلى المحسوسات ما هو مذكور فى الحديث ولم يجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك، لأن المشبهات والمشبه بها واردة على التقسيم الحاصر لأن الناس إما مؤمن أو غير مؤمن ، والثانى إما منافق صرف أو ملحق به، والأول إما مواظب على القراءة أو غير مواظب عليها فعلى هذا قس الأثمار المشبه بها، ووجه الشبه فى المذكورات منتزع من أمرين محسوسین طعم وريح وليس بمفرق كما فى قول إمرىء القيس : كان قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكرها العناب والحشف البالى - انتهى. وقال التور بشتى: إن الشارع صلى الله عليه وسلم أشار فى ضرب هذا المثل إلى معان لا يهتدى إليها إلا ١٧٨ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٨ - كتاب فضائل القران ريحها طيب وطعمها مر. متفق عليه. وفى رواية: المؤمن الذى يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة، والمؤمن الذى لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة. ٢١٣٥ - (٧) وعن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يرفع بهذا الکتاب أقواما ويضع به آخرين. من أيد بالتوفيق ، فمنها أنه ضرب المثل بما ينبته الأرض ويخرجه الشجر للشابهة التى بينها وبين الأعمال ، فانها من ثمرات النفوس، والمثل ، وإن ضرب المؤمن نفسه فإن العبرة فيه بالعمل الذى يصدر منه، لأن الأعمال هى الكاشفة عن حقيقة الحال. ومنها أنه ضرب مثل المؤمن بالآترجة والتمرة وهما مما يخرجه الشجر، وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض تنبيها على علو شأن المؤمن وارتفاع عمله، ودوام ذلك وبقاءه ما لم يببس الشجرة، وتوقيفاً على ضعة شأن المنافق وإحباط عمله وقلة جدواه وسقوط منزلته. ومنها إن الأشجار المثمرة لا تخلو عمن يغرسها فيسقيها ويصلح أودها ويربيها ، وكذلك المؤمن يقيض له من يؤد به ويعلمه ويهذبه ويلم شعثه ويسويه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء أذل من نقع الفلذ، والمنافق الذى وكل إلى شيطانه وطيعه وهواه والله اعلم - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى فضائل القرآن والأطعمة، والتوحيد، ومسلم فى فضائل القرآن ، والسياق المذكور للبخارى فى الأطعمة وأخرجه أيضا أحمد ( ج ٤ ص ٣٩٧، ٤٠٣ - ٤٠٤، ٤٠٨) والترمذى فى الأمثال والنسائى فى الايمان وابنماجه فى السنة والدارمى فى فضائل القرآن وابنحبان فى صحيحه( ج ١ ص ٢٨٥) وأخرجه أبو داود فى الأدب من حديث أنس (وفى رواية الخ) هذه الرواية من أفراد البخارى أوردها فى آخر فضائل القرآن (المؤمن الذى يقرأ القرآن ويعمل به) فيه دليل على أن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه لا مطلق التلاوة، وهى زيادة مفسرة المراد من الرواية السابقة التى لم يقل فيها ويعمل به، وفى الحديث فضيلة حامل القرآن وقارئه وضرب المثل للتقريب للفهم . ٢١٣٥ - قوله (إن الله يرفع بهذا الكتب) أى بالايمان به وتعظيم شأنه والعمل به، والمراد بالكتاب القرآن البالغ فى الشرف وظهور البرهان مبلغا، لم يبلغه غيره من الكتب المنزلة على الرسل المتقدمة . قال الطيبي : أطلق الكتب على القرآن ليثبت له الكمال ، لأن اسم الجنس اذا أطلق على فرد من أفراده يكون محمولا على كما له . وبلوغة إلى حد هو الجنس كله كأن غيره ليس منه (أقواما) أى درجة أقوام ويكرمهم فى الدارين بأن يحييهم حياة طيبة فى الدنيا ، ويجعلهم من الذين أنعم الله عليهم فى العقبى (ويضع) أى يذل (به ) أى بالاعراض عنه وترك العمل بمقتضاه ( آخرين ) وهم من لم يؤمن به أو من آمن به ولم يعمل به قال تعالى ( يضل به كثيرا ١٧٩ مرعاة المفاتيح ج ٧ ٨ - كتاب فضائل القرآن رواه مسلم. ٢١٣٦ - (٨) وعن أبى سعيد الخدرى، إن أسيد بن حضير، قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده اذا جالت الفرس، فسكت فسكنت فقرأ فجالت، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، ويهدى به كثيراً - البقرة: ٢٦) وقال: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا - الاسراء: ٨٢﴾ قال الطيبي: فن قرأه وعمل بمقتضاه مخلصا رفعه الله، ومن قرأه مرائيا غير عامل به وضعه الله أسفل السافلين (رواه مسلم) فى فضائل القرآن من رواية عامر بن واثلة إن نافع بن عبد الحارث لقى عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال من استعملت على أهل الوادى. فقال ابن أبزى: فقال ومن ابن ايزى قال: مولى من موالينا قال فاستخلف عليهم مولى قال: إنه قارىء لكتاب الله عز وجل وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم مَثن قد قال إن الله يرفع بهذا الكتاب الخ. قال الأبى: المنى إن هذا الأمير رفعه الله عز وجل على هؤلاء المؤمر عليهم. وقال بعضهم: إن الله سبحانه وتعالى يرفع من عمل بالعلم ويضع من لم يعمل به، والعلم من حيث أنه على لا يضع، والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٣٥) وابن ماجه فى السنة والدارمى فى فضائل القرآن . ٢١٣٦ - قوله (إن أسيد بن حضير) بالتصغير فيهما والحاء المهملة والضاد المعجمة (قال) أى يحكى عن نفسه ( بينما) بالميم (هو) أى أسيد (يقرأ من الليل) أى فى الليل. وقال القارى: أى فى بعض أجزاء الميل وساعاته ، وفى رواية مسلم بينما هو ليلة بقرأ فى مربده بكسر الميم وفتح الياء الموحدة ، هو الموضع الذى بيبس فيه التمر كالبيدر الحنطة ونحوها. (سورة البقرة) وفى حديث البراء الآتى إنه كان يقرأ سورة الكهف. وقد قيل: إن الرجل الذى كان يقرأها هو أسيد بن حضير. قال الكرمانى: لعله قر أهما يعنى السورتين الكهف والبقرة أو كان ذلك الرجل هو غير أسيد بن حضير، هذا هو الظاهر (وفرسه مربوطة) وفى رواية مربوط بالتذكير وهما صحيحان لأن الفرس يقع على الذكر والأنثى (اذا جالت) كذا فى رواية مسلم، وفى البخارى إذ جالت قال العينى: هو جواب لقوله بينما هو يقرأ. وقال القارى: هو ظرف ليقرأ وجالت من الجولان أى وثبت واضطربت شديداً. وقيل: أى دارت وتحركت كالمضطرب المنزعج من مخوف نزل به ( فسكت ) أى أسيد عن القراءة (فسكنت) أى الفرس عن الاضطراب. قيل: تحرك الفرس كان لتزول الملائكة لاستماع القرآن خوفا منهم ، وسكونها لفروجهم الى السماء أو لعدم ظهورهم أو تحرك الفرس لوجدان الذوق بالقراءة، وسكونها لذهاب ذلك ١٨٠