Indexed OCR Text

Pages 81-100

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
قلت: إنى أطيق أكثر من ذلك، قال: صم، أفضل الصوم صوم داود: صيام يوم، وافطار يوم،
(إنى أطيق أكثر من ذلك) أى ما ذكر من صيام الثلاثة وختم الشهر (قال صم أفضل الصوم صوم داود) نصبه
على البدل أو البيان أو بتقدير أعنى، ويجوز رفعه دون جره الفساد المعنى (صيام يوم وإفطار يوم) يرفعهما على أنهما
خبر مبتدأ محذوف هو هو. قال القارى: وفى نسخة بالنصب، وهو ظاهر، وزاد فى رواية ((ولا تزد عليه)) وفى
أخرى ((قلت إنى أطيق أفضل من ذلك)) فقال النبى ثم لا أفضل من ذلك. وفى الرواية المذكورة هنا اختصار
فان البخارى فى الأدب ((فصم من كل جمعة ثلاثة أيام)) وفى رواية له. فى الصوم ((فصم يوما وأفطر يومين)»
وفى أخرى له أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام. قلت: يارسول الله ! قال خمسا . قلت: يا رسول الله ! قال سبعا
قلت: يا رسول الله! قال تسعا. قلت: يا رسول الله ! قال: إحدى عشرة. وفى رواية لمسلم (( صم يوما، يعنى
من كل عشرة أيام ولك أجر ما بقى. قال: إنى أطيق أكثر من ذلك قال صم :ومين ولك أجر ما بقى. قال: إنى
أطيق أكثرمن ذلك قال صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقى . قال إنى أطيق أكثر من ذلك قال صم أربعة أيام ولك
أجر ما بقى. قال إنى أطيق أكثر من ذلك قال صم صوم داود. وهذا يقتضى أنه تمَّ أمره بصيام ثلاثة أيام من
كل شهر ثم بستة ثم بتسعة ثم باثنى عشر ثم بخمسة عشر فالظاهر من مجموع الروايات الواردة فى الباب أنه أمره
بالاقتصار على ثلاثة أيام من كل شهر فلما قال أنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن وصله إلى خمسة عشر
يوما فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكر الآخر ، ويدل على ذلك رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن
عمر وعند أبى داود فلم يزل بناقصنى وأناقصه. ووقع النسائى فى رواية محمد بن ابراهيم عن أبى سلمة صم الاثنين
والخميس من كل جمعة وهو فرد من أفراد ما تقدم ذكره. وقد استشكل قوله ((صم من كل عشرة أيام ولك
أجر مابقى، مع قوله ((صم من كل عشرة أيام يومين ولك أجر مابقى)) الخ لأنه يقتضى الزيادة فى العمل والنقص
فى الأجر وبذلك ترجم له النسائى وأجيب بأن المراد لك أجر ما بقى بالنسبة إلى التضعيف قال عياض قال
بعضهم معنى ((صم يوما ولك أجر ما بقى)، أى من العشرة وقوله صم يومين ولك أجر ما بقى ، أى من العشرين
وفى الثلاثة ما بقى من الشهر وحمله على ذلك استبعاد كثرة العمل وقلة الأجر. وتعقبه عياض بأن الأجر إنما
اتحد فى كل ذلك لأنه كان نيته أن يصوم جميع الشهر فلما منعه بَيثة من ذلك إبقاء عليه لما ذكر بقى أجر نيته على
حاله، سواء صام منه قليلا أو كثيرا كما تأولوه فى حديث نية المؤمن خير من عمله أى إن أجره فى نيته أكثر من
أجر عمله لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله - انتهى. والحديث المذكور ضعيف، وهو فى مسند الشهاب والتأويل
المذكور لابأس به. ويحتمل أيضا إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه إنه كلما ازداد من الصوم إزداد من
المشقة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التى قد يفوتها مشقة الصوم فينقص
٨١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
واقرأ فى كل سبع ليال مرة، ولا تزد على ذلك.
الأجر باعتبار ذلك على أن قوله فى نفس الخبر ((صم أربعة أيام ولك أجر ما بقى، يرد الحمل الأول فإنه يلزم منه
على سياق التأويل المذكور أن يكون التقدير ولك أجر أربعين. وقد قيده فى نفس الحديث بالشهر، والشهر
لا يكون أربعين. وكذلك قوله فى رواية أخرى للنسائى بلفظ: صم من كل عشرة أيام يوما ولك أجر تلك التسعة
ثم قال فيه من كل تسعة أيام يوما ولك أجرتلك الثمانية، ثم قال من كل ثمانية أيام يوما ولك أجر السبعة، فلم يزل حتى
قال صم يوما وأفطر يوما. وله من طريق آخر بلفظ: صم يوما ولك أجرعشرة. قلت: زدنى قال صم يومين ولك
أجر تسعة. قلت: زدنى قال صم ثلاثة ولك أجر ثمانية، فهذا يدفع فى صدر ذلك التأويل الأول كذا فى الفتح
(وأقرأ) أى كل القرآن. قال القسطلانى: أى ما نزل منه اذ ذاك وما سينزل (فى كل سبع ليال مرة) أى مرة
من الختم (ولاتزد على ذلك) أى على ما ذكر من الصوم والختم، أو المراد لا تزد على ما ذكر من السبع. قال
الحافظ : أى لا تغير الحال المذكورة إلى حالة أخرى فأطلق الزيادة ، والمراد النقص والزيادة هنا بطريق
التدلى أى لا تقرأه فى أقل من سبع، ولمسلم قال اقرأ القرآن فى كل شهر قال، قلت: يا نبي الله! إنى أطيق
أفضل من ذلك قال فاقرأه فى كل عشرين. قال قلت يا نبي الله إنى أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه فى كل عشر،
قلت يا نبي الله إنى أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه فى سبع. ولا تزد على ذلك. ولأبى داود والترمذى
والنسائى من طريق وهب بن منبه عن عبد الله بن عمرو. أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كم يقرأ القرآن
قال فى أربعين يوما ، ثم قال فى شهر ثم قال فى عشرين، ثم قال فى خمس عشرة، ثم قال فى عشرة، ثم قال فى
سبع، ثم لم ينزل عن سبع. قال الحافظ: وهذا إن كان محفوظا احتمل فى الجمع بينه وبين رواية أبى فروة الآتية
تعدد القصة، فلا مانع أن يتعدد قول النبي مزيفة لعبد الله بن عمر، وفى ذلك تأكيدا، ويؤيده الاختلاف الواقع
فى السياق. وفى مسند الدارمى من طريق أبى فروة عروة بن الحارث الجهنى عن عبد الله بن عمرو قال قلت
يا رسول الله فى كم أختم القرآن قال أختمه فى شهر، قلت إنى أطيق قال أختمه فى خمس وعشرين ، قلت إنى أطيق
قال أختمه فى عشرين، قلب إنى أطيق قال أختمه فى خمس عشرة، قلت إنى أطيق قال أختمه فى خمس، قلت إنى
أطيق قال لا. وفى رواية هشيم عن مغيرة وحصين عن مجاهد عن عبد الله بن عمر. وعند أحمد ( ج ٢ ص ١٥٨)
قال فأقرأه فى كل شهر قلت إنى أجدنى أقوى من ذلك، قال فأقرأه فى كل عشرة أيام، قلت إنى أجدنى أقوى من
ذلك، قال أحدهما إما حصين وإما مغيرة. قال فأقرأه فى كل ثلاث. وفى رواية للبخارى فى الصوم قال إقرأ
القرآن فى كل شهر، قال أى عبد الله إنى أطيق أكثر فما زال حتى قال فى ثلاث. وعند أحمد ( ج ٢ ص ١٦٥)
وأبى داود والترمذى وابن ماجه مصححا من طريق يزيد ابن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو مرفوعا،
لا يفقه من قرأ القرآن فى أقل من ثلاث. ولفظ ابن ماجه لم يفقه الخ قال السندى: إخبار بأنه لا يحصل الفهم
٨٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
متفق عليه .
والفقه المقصود من قراءة القرآن فيما دون ثلاث أو دعاء عليه بأن لا يعطيه الله تعالى الفهم، وعلى التقديرين فظاهر
الحديث كراهة الختم فيما دون ثلاث - انتهى. وعند سعيد بن منصور باسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود
إقرؤا القرآن فى سبع ولا نقرؤه فى أقل من ثلاث، ولأبى عبيد فى فضائل القرآن من طريق عمرة عن عائشة أن
النبي ◌َّثم كان لا يختم القرآن فى أقل من ثلاث، وهذا اختيار أحمد كما فى المغنى (ج ٢ ص ١٧٤) وأبى عبيد
واسحاق بن راهويه، وثبت عن كثير من السلف إنهم قرأوا القرآن فى دون ذلك. قال الحافظ: وكأن النهى
عن الزيادة ليس على التحريم كما أن الأمر فى جميع مامر فى الحديث ليس للوجوب، وعرف ذلك من قرائن الحال
التى أرشد اليها السياق، وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك فى الحال أو فى المآل. وأغرب بعض الظاهرية فقال
يحرم أن يقرأ القرآن. فى أقل من ثلاث. وقال النووى: أكثر العلماء على أنه لا تقدير فى ذلك، وإنما هو بحسب
النشاط والقوة. قال والأختيار إن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر إستحب له
أن يقتصر على القدر الذى لايختل به المقصود من التدبر، واستخراج المعانى. وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره
من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر على القدر الذى لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن
كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرؤه هذرمة. قلت والراجح عندنا هو
ما ذهب اليه أحمد أنه يكره أن يقرأه فى أقل من ثلاث لما مر من حديث يزيد بن عبد الله بن الشخير عن
عبد الله بن عمرو، عند أبى داود والترمذى، ومن حديث ابن مسعود عند سعيد بن منصور ومن حديث عائشة
عند أبى عبيد فهذه الأحاديث ظاهرة فى التقدير والتحديد، فالصواب أن يتوقف عندها ولا يلتفت إلى
ما يخالف ظاهرها من أقوال العلماء وعملهم والله تعالى أعلم. تنبيه المراد بالقرآن فى حديث الباب جميعه
ولا يرد على هذا أن القصة وقعت قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بمدة، وذلك قبل أن ينزل بعض القرآن الذى
تأخر نزوله، لأنا نقول سلمنا ذلك لكن العبرة بما دل عليه الاطلاق ، وهو الذى فهم الصحابى فكان يقول ليتنى
لو قبلت الرخصة، ولاشك أنه بعد النبى مؤلفه كان قد أضاف الذى نزل آخرا إلى ما نزل أولا فالمراد بالقرآن
جميع ما كان نزل إذ ذاك وهو معظمه، ووقعت الاشارة الى أن ما نزل بعد ذلك يوزع بقسطه قاله الحافظ:
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى التهجد والصوم والأنبياء وفضائل القرآن والنكاح والأدب والاستيذان،
ومسلم فى الصوم بألفاظ متقاربة، والسياق المذكور ههنا ليس لأحد منهما ولا لغيرهما ممن خرجه من الأئمة كما
لا يخفى على من نظر فى طرق هذا الحديث وألفاظه. وأخرجه أحمد اثنتين وعشرين مرة مطولا ومختصرا،
وأبو داود والنسائى والبيهقى فى الصوم، وقد أطال النسائى فى تخريجه طرقه، قال الحافظ فى الفتح: رواه جماعة
٨٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
﴿ الفصل الثانى )
٢٠٧٥ - (٢٠) عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الإثنين والخميس.
رواه الترمذى ، والنسائى.
٢٠٧٦ - (٢١) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعرض الأعمال يوم
الانین والخمیس ،
من الكوفيين والبصريين والشاميين عن عبد الله بن عمرو مطولا ومختصرا. فمنهم من اقتصر على قصة الصلاة،
ومنهم من اقتصر على قصة الصيام ، ومنهم من ساق القصة كلها ، ولم أره من رواية أحد من المصريين عنه مع
كثرة روايتهم عنه.
٢٠٧٥ - قوله (كان رسول اللّه مؤفلم يصوم الاثنين) قال المناوى: بكسر النون على أن إعرابه بالحرف
وهو القياس من حيث العربية، قال القسطلانى: وهى الرواية المعتبرة ويجوز فتح النون على أن لفظ المثنى علم لذلك
اليوم فأعرب بالحركة لا بالحرف ( والخميس ) بالنصب، وهذا لفظ النسائى فى رواية وله فى أخرى كان يتحرى
صيام الاثنين والخميس، وهكذا وقع عند الترمذى وابن ماجه أى يقصد صومهما ، ويراهما أحرى وأولى. وزاد
فى حديث أبى هريرة عند ابن ماجه كما سيأتى فى الفصل الثالث فقيل يا رسول الله! إنك قصوم الإثنين والخميس
فقال إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين يقول دعهما حتى يصطلحا - انتهى. وسيأتى
التعليل بأنه يعرض فيهما الأعمال فكأنه يغفر للمسلمين حين يعرض عليه أعمالهم (رواه الترمذى) وحسنه (والنسائى)
وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان وصححه وأعله ابن القطان بالراوى عن عائشة وهو ربيعة الجرشى وأنه
مجهول. قال الحافظ فى التلخيص (ص ١٩٩) قد أخطأ فى ذلك فهو صحابي وفى الباب عن حفصة عند أبى داود
وعن أبى هريرة وأم سلمة وسيأتيان . وعن أسامة بن زيد عند أحمد وأبي داود والنسائى وعن واثلة وعبد الله بن
مسعود وأبي رافع روى الثلاثة الطبرانى فى الكبيره والأول فيه محمد بن عبد الرحمن القشيرى وهو متروك، وفى
الثانى أبو بلال الأشعرى وهو ضعيف، والثالث فيه الحانى وفيه كلام .
٢٠٧٦ - قوله (تعرض الأعمال) أى على اللّه تعالى (يوم الاثين والخميس) بالجر أى تعرضها الملائكة
عليه فيهما. قال الحليمى: يحتمل أن ملائكته الأعمال يتناوبون فيقيم فريق من الاثنين إلى الخميس فيعرج ، وفريق
من الخميس إلى الاثنين ، فيعرج كلما عرج فريق قرأ ما كتب فى موضعه من السماء فيكون ذلك عرضا فى الصورة
وأما البارى فى نفسه فغنى عن نسخهم وعرضهم وهو أعلم باكتساب عباده منهم . وقال البيجورى: وحكمة العرض
٨٤

مرعاة المفاتيح ج٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم، رواه الترمذى .
٢٠٧٧ - (٢٢) وعن أبى ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أباذر! اذا صمت من
الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. رواه الترمذى، والنسائى.
أن الله تعالى يباهى بالطائعين الملائكة، وإلا فهو غنى عن العرض لأنه أعلم بعباده من الملائكة (فأحب أن يعرض
عملى وأنا صائم) أى طلبا لزيادة رفع الدرجات. قال فى اللعات: لعله إنما اختار الصوم لفضله، ولأنه لا يدرى
فى أية ساعة تعرض، والصوم يستوعب النهار ، ولأنه يجتمع مع الأعمال الآخر بخلاف ما عداه من الأعمال -
انتهى. قال ابن الملك: وهذا لا ينافى قوله عليه السلام يرفع عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قيل عمل الليل
الفرق بين الرفع والعرض ، لأن الأعمال تجمع فى الأسبوع، وتعرض فى هذين اليومين. وفى حديث مسلم أعرض
أعمال الناس فى كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل مومن إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء فيقال
أنظروا هذين حتى يصطلحا. قال ابن حجر: ولا ينافى هذا رفعها فى شعبان فقال إنه شهر ترفع فيه الأعمال، وأحب أن
يرفع عملى وأنا صائم لجواز رفع أعمال الأسبوع مفصلة وأعمال العام محملة، كذا فى المرقاة. قلت : حديث رفع
الأعمال فى شعبان، أخرجه النسائى من حديث أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله !لم أرك قصوم من شهر من
الشهور ما قصوم من شعبان قال ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى
رب العالمين، وأحب أن يرفع عملى وأناصائم ( رواه الترمذى) وحسنه، وأورده الحافظ فى التلخيص وسكت
عنه، وأخرجه أيضا أحمد والدارمى ولابن ماجه معناه كما تقدم .
٢٠٧٧ - قوله (إذا صمت) أى أردت الصوم (من الشهر ثلاثة أيام) هذا الفظ الترمذى، وللنسائى إذا
صمت شيئا من الشهر (فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) هى أيام الليالى البيض ، ففي رواية النسائى
أمرنا رسول الله مزيفة أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. وفيه دليل على
استحباب صوم أيام البيض وهى الثلاثة المعينة فى الحديث . وقدوقع الاتفاق بين العلماء على أنه يستحب أن تكون
الثلاث المذكورة فى وسط الشهر، كما حكاه النووى. واختلفوا فى تعيينها، فذهب الجمهور إلى أنها ثالث عشر ورابع
عشرو خامس عشر. وقيل هى الثانى عشر. والثالث عشر. والرابع عشر. وحديث أبي ذر هذا وما فى معناه يرد ذلك.
قيل: الحكمة فى صوم أيام الليالى البيض أى المقمرة إنه لما عم النور لياليها ناسب أن تعم العبادة نهارها . وقيل الحكمة
فى ذلك إن الكسوف يكون فيها غالبا، ولا يكون فى غيرها وقد أمرنا بالتقرب إلى الله تعالى، بأعمال البر عند
الكسوف (رواه الترمذى) وحسنه (والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان ومصحه والبيهقى (ج٤ ص٢٩٤)
٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
٢٠٧٨ - (٢٣) وعن عبد الله بن مسعود، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من
غرة كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة. رواه الترمذى. والنسائى. ورواه أبو داود إلى
ثلاثة أيام .
٠ ٢٠٧٩ - (٢٤) وعن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يصوم من الشهر السبت
والأحد والاثنين.
وفى الباب عن أبى هريرة عند أحمد والنسائى وابن حبان ، قال جاء أعرابى الى النبى صلى الله عليه وسلم بأرنب
قد شواها: فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الاعرابى فقال مامنعك أن تأكل فقال إنى أصوم ثلاثة أيام من كل شهر،
قال إن كنت صائما فصم الغر، أى البيض الليالى بوجود القمر طول الليل. قال الحافظ: وفى بعض طرقه
عند النسائى إن كنت صائما فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة،، وفى الباب أيضا عن قتادة بن
ملحان عند أبى داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى بلفظ: كان رسول الله مَؤه بأمرنا أن نصوم البيض ثلاث
عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. وقال هى كهيئة الدهر. وعن جرير عند النسائى والبيهقى عن النبي _ز }
قال صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر أيام البيض صبيحة، ثلاث عشرة وأربع عشرة، وخمس عشرة،
قال الحافظ : إسناده صحيح .
٢٠٧٨ - قوله ( كان رسول اللّه مَفلم يصوم من غرة كل شهر) بضم الغين المعجمة. قال العراقى:
يحتمل أن يراد بغرة الشهر أوله وأن يراد بها الأيام الغر، وهى البيض. كذا فى قوت المغتذى. وقال فى القاموس
الغرة من الشهر ليلة استهلال القمر، يعنى أول الشهر (ثلاثة أيام) قيل لا منافاة بين هذا الحديث وحديث عائشة
وهو أنه لم يكن يبالى من أى أيام الشهر يصوم لأن هذا الراوى وجد الأمر على ذلك فى غالب ما اطلع عليه من
أحوال النبي صلى الله عليه وسلم تحدث بما كان يعرف من ذلك، وعائشة رضى الله عنها إطلعت من ذلك على مالم
يطلع عليه هذا الراوى لحدثت بماعلت، فلا تنافى بين الأمرين كذا ذكره القارى. (وقدما كان يفطر يوم الجمعة)
أى قل إفطاره يوم الجمعة بل كان كثيرا ما يصومه، وهذا محمول على أنه كان يصومه منضما الى ما قبله أو الى ما بعده
لا أنه يصومه وحده فلا ينافى ما تقدم من النهى عن أفراده بالصيام، وقد سبق البسط فيه (رواه الترمذى
والنسائى) أى تمام الحديث، وكذا أخرجه أحمد (ج ١ ص ٤٠٦) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٩٤) وصححه ابن
خزيمة وابن حبان وابن عبد البر وابن حزم (ج ٧ ص ٢١) وحسنه الترمذى (ورواه أبو داود الى ثلاثة أيام)
وروى ابن ماجه ضوم الجمعة فقط أى قوله قلما رأيته يفطر يوم الجمعة.
٢٠٧٩ - قوله (يصوم من الشهر) أى من أحد الشهور (السبت والأحد والاثنين) بكسر النون وفتحها
٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
ومن الشهر الآخر الثلثاء والأربعاء والخميس. رواه الترمذى.
٢٠٨٠ - (٢٥) وعن أم سلمة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنى أن أصوم ثلاثة
أيام من كل شهر، أولها الاثنين والخميس .
بناء على أن أعرابه بالحرف أو الحركة (ومن الشهر الآخر الثلاثاء) بفتح المثلثة وبضم (والأربعاء) بكسر
الموحدة ويفتح ويضم وكلاهما ممدود ( والخميس ) قال الحافظ: وكان الغرض به أن يستوعب غالبا أيام الأسبوع
بالصيام - انتهى. وقال القارى: مراعاة للعدالة بين الأيام فلنها أيام الله تعالى، ولا ينبغى هجران بعضها لانتفاعنا
بكلها . قال الطيبي: وقد ذكر الجمعة فى الحديث السابق فكان يستوفى أيام الأسبوع بالصيام. قال ابن الملك:
أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين سنة صوم جميع الأسبوع، وإنما لم يصم صلى الله عليه وسلم الستة متوالية كيلا
يشق على الأمة الاقتداء به رحمة لهم وشفقة عليهم (رواه الترمذى) من طريق سفيان عن منصور عن خيثمة عن
عائشة وقال هذا حديث حسن، ورواه عبد الرحمن بن مهدى هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه . قال الحافظ فى
الفتح بعد ذكر هذا الحديث : وروى موقوفا وهو أشبه .
٠
٢٠٨٠ - قوله (أولها) بالرفع (الاثنين) الظاهر الاثنان بالألف لكونه خبرا، فقيل فى توجيهه إن
الاثنين صار علما، والأعلام لا تتغير عن أصل وضعها باختلاف العوامل فأعرب بالحركة برفع النون لا بالحرف
أو إن التقدير أولها يوم الاثنين، فذف المضاف وأبقى المضاف اليه على حاله على قراءة ، واسأل القرية وإن
كانت شاذة. وقال الطيبي: أولها منصوب لكن بفعل مضمر أى اجعل أولها الاثنين والخميس يعنى و ((الواو))
بمعنى ((أو)) وعليه ظاهر كلام الشيخ التور بشتى حيث قال صوابه أو الخميس، والمعنى أنها تجعل أول الأيام الثلاثة
الاثنين أو الخميس، وذلك لأن الشهر إما أن يكون افتاحه من الأسبوع فى القسم الذى بعد الخميس، فتفتح صومها
فى شهرما ذلك بالاثنين وإما أن يكون بالقسم الذى بعد الاثنين فتفتح صوم شهرها ذلك بالخميس، وكذلك وجدت
الحديث فيما يرويه من كتاب الطبرانى كذا ذكره القارى : وقيل أولها بدل من كل شهر بحذف حرف الجر أى
يأمرنى أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر من أولها ، ولفظ الاثنين والخميس بدل من ثلاثة أيام أى أصوم ثلاثة
أيام الاثنين والخميس من أول كل شهر، واللفظ المذكور لأبى داود، وكذا نقله عنه الجزرى فى جامع الأصول
(ج ٧ ص ٢١٢) وهو ساكت عن تعيين اليوم الثالث، ولفظ النسائى كان يأمر بصيام ثلاثة أول خميس والاثنين
والاثنين، ورواه البيهقى (ج ٤ ص ٢٩٥) بلفظ: كان يأمرنى أن أصوم ثلاثة أيام من الشهر الاثنين والخميس
والخمیس ، ويزيد رواية النسائى فى تكرار الاثنين، ما رواه أحمد (ج ٦ ص ٢٨٧ -٢٨٨) والنسائى والبيهقى
٨٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٧ - باب صيام التطوع
رواه أبو داود والنسائى.
٢٠٨١ - (٢٦) وعن مسلم القرشى، قال: سألت - أو سئل - رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
صيام الدهر
(ج ٤ ص ٢٩٥) من حديث حفصة أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر يوم الاثنين
ويوم الخميس ويوم الاثنين من الجمعة الأخرى. وما.رواه الفسائى من حديث أم سلمة قالت كان رسول الله عزله
يصوم من كل شهر ثلاثة أيام الاثنين، والخميس من هذه الجمعة، والاثنين من المقبلة، ويؤيد رواية البيهقى مارواه
أحمد (ج ٦ ص ٢٨٨، ٤٢٣) والنساقى عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول اللّه مَثم كان يصوم
تسعة من ذى الحجة، ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر وخميسين، وما رواه النسائى
من حديث ابن عمر أن رسول الله وَيفلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر يوم الاثنين. من أول الشهر، والخميس
الذى يليه، ثم الخميس الذى يليه. قال السندى فى حاشية النسائى: حديث أم سلمة يدل على أنه كان بأمر بتكرار
الاثنين، وقد سبق من فعله أنه كان يكرر الخميس فدل المجموع على أن المطلوب إيقاع صيام الثلاثة فى هذين
اليومين. إما بتكرار الخميس أو بتكرار الاثنين والوجهان جائزان - انتهى. قلت: وقد ورد ما يدل على أن اليوم.
الثالث من الأيام الثلاثة هويوم الجمعة لا الاثنان أو الخميس، فروى أحمد (ج ٦ ص ٢٨٩، ٣١٠) عن أم سلمة
قالت كان النبى ولى بأمرنى أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والجمعة والخميس، فهذا يخالف ما تقدم
من تكرار الاثنين أو الخميس، ومدار حديث أم سلمة عند أحمد، وكذا النسائى وأبى داود والبيهقى على والدة
هنيدة بن خالد الخزاعى، أو امرأته وكلتاهما مجهولة (رواه أبو داود والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد، والبيهقى على
اختلاف فيه، كلهم من طريق هنيدة بن الخزاعى عن أمه عن أم سلمة ، وقد سكت عنه أبوداود والمنذرى . وقال
الهيشمى (ج ٣ ص ١٩٣) بعد ذكر الحديث من مسند الإمام أحمد. قلت: رواه النسائى خلا والجمعة، وأم هنيدة
لم أعرفها - انتهى.
٢٠٨١ - قوله (وعن مسلم القرشى) بضم القاف وفتح الراء نسبة إلى قريش. قال الحافظ فى الاصابة : -
(ج ٣ ص ٤١٥ - ٤١٦) مسلم بن عبيد الله القرشى. وقيل: عبيد الله بن مسلم. وقيل: إنه مسلم بن مسلم حديثه
فى صيام الدهر يدور على هارون بن سلمان الفراء. أخرجه أبوداود والترمذى من طريق عبيد الله بن موسى عن
هارون عن عبيد الله بن مسلم "تقرشى عن أبيه قال: سألت أو سئل النبي محَّ عن صيام الدهر - الحديث.
وأخرجه النسائى عن أحمد بن يحيى عن أبي نعيم عن هارون به، وعن ابراهيم بن يعقوب عن أبى نعيم عن هارون
٨٨
.

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
فقال: إن لأملك عليك حقا، صم رمضان والذى يليه، وكل أربعاء وخميس، فاذا أنت قد صمت
الدهر كله، رواه أبو داود، والترمذى.
٢٠٨٢ - (٢٧) وعن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
عن مسلم عن أبيه كذا قال، وأشار الترمذى إلى هذه الرواية فقال، وروى بعضهم عن هارون به، وقد وافق
زيد بن الحباب عبيد الله بن موسى. وأخرجه النسائى من طريقه وصوب غير واحد إن اسم الصحابى مسلم.
وقال البغوى: سكن الكوفة - انتهى. وقال ابن عبد البر فى الاستيعاب: مسلم بن عبيد اللّه القرشى، وليس بوالد
ريطة بنت مسلم الأزدى، ولا أدرى من أى قريش هو، واختلف فيه فقيل مسلم بن عبيد الله. وقيل: عبيد الله بن
مسلم. ومن قال عبيد الله عندى أحفظ له حديث واحد فى صوم رمضان والذى يليه الخ. وقد قيل إن الصحبة
لأبيه عبيد الله القرشى. (فقال إن لأهلك عليك حقا) أى وصوم الدهر يضعف عن أداء حق الأهل، وفيه إشعار
بأن صوم الدهر من شأنه أن يفتر الحمة عن القيام بحقوق الله وحقوق عباده فلذاكره (صم رمضان والذى يليه)
قيل أراد ألست من شوال، وقيل أراد به شعبان. (وكل أربعاء) بالمد وعدم الانصراف (وخميس) بالجر
والتفوين أى من كل جمعة ( فإذا ) بالتنوين (أنت قد صمت الدهر) قال الطيبي: ((الفاء)) جزاء شرط محذوف
أى إن فعلت ما فات لك فقد صمت، وإذن جواب جىء لتأكيد الربط (كله) قال القارى: لعل هذا الحديث
متقدم على ما سبق من حصول صوم الدهر بثلاثة من كل شهر، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يخير أولا بالجزا
القليل ثم بالثواب الجزيل إعظاما للنة عليه وعلى الأمة، وإلا فيقارب مقتضى هذا الحديث أن يصير صوم الدهر
مرتين حكما - انتهى. وذلك لأن صوم رمضان وست مما يليه من شوال يساوى صوم الدهر كما تقدم فى حديث
أبى أيوب وكذلك كل أربعاء وخميس بل هذا يزيد على صوم الدهر ، فان الشهر لايخلو عن أربعة أربعاء وأربعة
خميس ، فاذا صام أربعة أربعاء وأربعة خميس فقد صام فى الشهر ثمانية أيام فاذا ساوى صوم ثلاثة أيام صوم
جميع الشهر فيزيد صوم ثمانية أيام على صوم الشهر فتدبر (رواه أبو داود) وسكت عليه (والتر مذى) وقال
حديث غريب ، ولم يحكم عليه بشىء من الحسن والصحة. وقال المنذرى فى الترغيب: رواته ثقات وقال العزيزى:
اسناده صحيح.
٢٠٨٢ - قوله ( نهى) نهى تحريم أو تنزيه (عن صوم يوم عرفة بعرفة) أى فى عرفات، وأما فى غيرها
فمندوب كما سبق فى حديث أبى قتادة. قال الأمير اليمانى: الحديث ظاهر فى تحريم صوم عرفة بعرفة، واليه ذهب يحمى
ابن سعيد الأنصارى. وقال محب إفطاره على الحاج. وقيل: لا بأس به اذا لم يضعف عن الدعاء، ونقل عن الشافعى
٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
رواه أبو داود .
٢٠٨٣ - (٢٨) وعن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء،
واختاره الخطابى، والجمهور على أنه يستحب إفطاره، وأماهو ◌َّم فقد صح أنه كان يوم عرفة بعرفة مفطرا فى حجته
كما تقدم، ولكن لا يدل تركه الصوم على تحريمه، فعم يدل لأن الافطار هو الأفضل لأنه يَّ لا يفعل إلا الأفضل
إلا أنه قد يفعل المفضول لبيان الجواز، فيكون فى حقه أفضل لما فيه من التشريع والتبليغ بالفعل ، ولكن الأظهر
التحريم لأنه أصل النهى - انتهى. وقد سبق بسط الكلام فى هذه المسئلة فى شرح حديث أم الفضل (رواه أبو داود)
وكذا أحمد (ج ٢ ص ٣٠٤) والنسائى فى الكبرى وابن ماجه وابن خزيمة والبخارى فى التاريخ الكبير (ج ٤
ص ٤٢٤) والحافظ المزى فى تهذيب الكلام (ج١ ص ٣٧٩) والحاكم (ج ١ ص ٤٣٤) والبيهقى (ج ٤
ص ٢٨٤) كلهم من طريق حوشب بن عقيل عن مهدى الهجرى عن عكرمة عن أبى هريرة وقد سكت عنه أبو داود
وصححه ابن خزيمة . وقال الحاكم: صحيح على شرط البخارى، ووافقه الذهبي واستنكره العقيلى لأن مهديا الهجرى
مجهول ، ورواه العقيلى فى الضعفاء من طريقه، وقال لا يتابع عليه. قال المنارى: قول الحاكم على شرط البخارى
مردود، فان مهديا الهجرى ليس من رجال البخارى ولا مسلم . وقال المنذرى: فى اسناده مهدى الهجرى . قال
ابن معين: لا أعرفه. وقال العقيلى: لا يصح عن النبي مَّ النهى عن صيام يوم عرفة بعرفة. قال الحافظ فى
التلخيص ( ص ١٩٩) قد صححه ابن خزيمة ، ووثق مهديا المذكور ابن حبان وترجمه البخارى فى التاريخ الكبير
وابن أبي حاتم فى الجرح والتعديل ولم يذكرا فيه جرحا .
٢٠٨٣ - قوله (وعن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة هو عبد الله بن بسر أبوبسر المازنى
ويقال أبو صفوان صحابى صغير ولأبويه وأخويه عطية والصماء صحبة سكن حمص، وروى عن النبي ◌َّم وعن أبيه
إن كان محفوظا وأخته الصماء. وقيل: عمته. وقيل: خالته مات بالشام. وقيل: بحمص ، منها سنة ثمان وثمانين،
وهو ابن أربع وتسعين، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة. وقال أبو القاسم بن سعد: مات سنة ست
وتسعين وهو ابن مائة سنة، وكذا ذكره أبو نعيم فى معرفة الصحابة، وساق فى ترجمته حديث وضع النبي مد ◌ّ يده
على رأسه، فقال يعيش هذا الغلام قرنا فعاش مائة سنة. (عن أخته الصماء) بالصاد المهملة المفتوحة والميم المشددة
وبالمد ، وهى بنت بسر المازنية وإسمها بهية بضم الموحدة وفتح الهاء وتشديد المثناة التحتية. وقيل: إسمها بهيمة
بزيادة الميم. قال الحافظ: هى أخت عبد الله بن بسر. وقيل: عمته. وقيل: خالته روت عن النبي ◌َّه . وقيل:
عن عائشة عنه فى النهى عن صوم يوم السبت وعنها عبد الله بن بسر وأبو زيادة عبيد الله بن زياد، ورجح دحيم
الأول. قال أبو زرعة: قال لى دحيم أهل بيت أربعة محبوا النبي مَّة بسر وابناه عبد اللّه وعطية وأختهما الصماء
٩٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فان
لم يجد أحدكم إلا لجاء عنبة، أو عود شجرة فليمضغه، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذى، وابن ماجه ،
والدارمى .
(لا تصوموا يوم السبت) أى وحده (إلا فيما افترض عليكم) بصيغة المجهول. قال المنذرى فى الترغيب: هذا
النهى إنما هو عن إفراده بالصوم لما تقدم من حديث أبى هريرة، لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما
قبله أو يوما بعده ، جاز اذا صومه. قال الطيبي: قالوا النهى عن الافراد كما فى الجمعة ، والمقصود مخالفة اليهود
فيهما، والنهى فيهما للتنزيه عند الجمهور، وما افترض يتناول المكتوب والمنذور وقضاء الفوائت وصوم
الكفارة، وفى معناه ما وافق سنة مؤكدة كعرفة وعاشوراء أو وافق وردا، وزاد ابن الملك وعشر ذي الحجة
أو فى خير الصيام صيام داود، فان المنهى عنه شدة الاهتمام والعناية به حتى كأنه يراه واجبا كما تفعله اليهود.
وقال القارى: فعلى هذا يكون النهى للتحريم ، وأما على غير هذا الوجه فهو للتنزيه بمجرد المشابهة (إلا لحاء عنبة)
بكسر اللام بعدها حاء مهملة ممدودا قشر الشجر، والعنبة بكسر المهملة وفتح النون هى الحبة من العنب الفاكهة
المعروفة، والمراد قشر حبة واحدة من العنب (أو عود شجرة) عطف على لحاء (فليمضغه) قال فى القاموس :
مضغه كمنعه ونصره لاكه باسنانه وهذا تأكيد بالافطار لنفى الصوم، وإلا فشرط الصوم النية فإذا لم توجد لم يوجد
ولولم يأكل (رواه أحمد) (ج ٦ ص ٣٦٨) (وأبو داود والترمذى) الخ. وأخرجه أيضا النسائى فى الكبرى
وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما والحاكم (ج ١ ص ٤٣٥) والطبرنى والبيهقى (ج ٤ ص ٣٠٢) وحسنه
الترمذى وصححه ابن السكن وقال الحاكم: صحيح على شرط البخارى. وقال النووى: صححه الأئمة. وقال
الحافظ فى بلوغ المرام: رجاله ثقات إلا أنه مضطرب، وقد أنكره مالك. وقال أبو داود: هو منسوخ ـ انتهى.
قلت : أما الاضطراب فلأنه روى كما ذكره المصنف، وروى عن عبد الله بن بسر عن النبى صلى الله عليه وسلم
وليس فيه عن أخته الصماء، وهذه رواية ابن حبان، وهكذا وقع فى رواية لابن ماجه. قال الحافظ فى التلخيص
(ص ٢٠٠) وليست هذه بعلة قادحة فإنه أيضا صحابى. وقيل: عنه عن أبيه بسر عن النبي حوله. وقيل: عنه عن
الصماء عن عائشة عن النبي ◌َّ. قال النسائى: هذا حديث مضطرب. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون عند
عبد الله عن أبيه وعن أخته وعند أخته بواسطة، وهذه طريقة من صححه. ورجح عبد الحق الرواية الأولى وتبع
فى ذلك الدار قطنى لكن هذا التلون فى الحديث الواحد بالاسناد مع اتحاد المخرج يومن راويه وينيء لقلة ضبطه
إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه وليس الأمر
٩١

مرعاة الفانيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
٢٠٨٤ - (٢٩) وعن أبى أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صام يوما فى سبيل
الله جعل الله بينه وبين النار خندقا، كما بين السماء والأرض. رواه الترمذى.
هنا كذا، بل اختلف فيه على الراوى عن عبد الله بن بسر أيضا، وأما إنكار مالك له فانه قال أبوداود عن مالك
أنه قال هذا حديث كذب - انتهى. روى أبوداود عن الأوزاعى أنه قال ما زلت لحديث عبد الله بن بسر كاتما
حتى رأيته انتشر، وروى عن الزهرى أنه كان إذا ذكر له قال هذا حديث حمصى يشير إلى أنه ضعيف. وقول
مالك المذكور أصرح فى ذلك وأبلغ. وأما قول أبى داود أنه منسوخ فلعله أراد ماسيأتى فى الفصل الثالث من
حديث أم سلمة قالت: كان رسول اللّه ◌َيفلم يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام - الحديث،
فالنهى عن صومه كان أول الأمر حيث كان مرَّم يحب موافقة أهل الكتاب، ثم كان آخر أمره ◌َّةٍ مخالفتهم
كما صرح به حديث أم سلمة نفسه. وقيل بل النهى كان عن إفراده بالصوم إلا إذا صام ما قبله أو مابعده كما
تقدم عن المنذرى والطبى. قال الشوكانى: وقد جمع صاحب البدر المنير بين هذه الأحاديث يعنى حديث الصماء
وحديث أم سلمة وحديث عائشة السابق فى صومه مَوضم فى السبت والأحد بأن النهى متوجه إلى الافراد، والصوم
باعتبار إنضمام ما قبله أو بعده اليه، ويؤيد هذا ما تقدم من إذنه ◌َ ته لمن صام الجمعة أن يصوم السبت بعدها ،
والجمع مهما أمكن أولى من النسخ ـ انتهى.
٢٠٨٤ - قوله (جعل الله بينه وبين النار خندقا) الخندق، بوزن جعفر، حفير حول أسوار المدن، وحول
الحصون معرب كنده (كما بين السماء والأرض) أى مسيرة خمسمائة عام. قال الطيبي: استعارة تمثيلية عن الحاجز
المانع شبه الصوم بالحصن وجعل له خند ◌ًا حاجزا بينه وبين النار التى شبهت بالعدو، ثم شبه الخندق فى بعد غوره
بما بين السماء والأرض، (رواه الترمذى) فى فضائل الجهاد من رواية الوليد بن جميل عن القاسم عن أبى أمامة
وقال هذا حديث غريب: ونقله المنذرى فى الترغيب عن الترمذى وسكت عنه. قال ورواه الطبرانى إلا أنه قال
من صام يومافى سبيل اللّه بعد الله وجهه عن النار مسيرة مائة عام، ركض الفرس الجواد المضمر. وقد ذهب طوائف
من العلماء إلى أن هذه الأحاديث جاءت فى فضل الصوم فى الجهاد، وبوب على هذه الترمذى وغيره، وذهبت
طائفة إلى أن كل الصوم فى سبيل الله إذا كان خالصا لوجه الله تعالى - انتهى. قلت: والراجح عندنا هو القول
الأول، وقد تقدم البسط فى ذلك وحديث أبى أمامة هذا رواه الطبرانى فى الأوسط والصغير من حديث أبى الدرداء
قال المنذرى والهيشمى ( ج ٣ ص ١٩٤) اسناده حسن ورواه فى الأوسط من حديث جابر. قال الهيشمى: وفيه
عيسى بن سليمان الجرجانى وهو ضعيف.
٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
٢٠٨٥ - (٣٠) وعن عامر بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الغنيمة الباردة
الصوم فى الشتاء،
٢٠٨٥ - قوله (وعن عامر بن مسعود) أى ابن أمية بن خلف الجُمحى مختلف فى صحبته ذكره المؤلف
وابن مندة وابن عبد البر فى الصحابة . وقال الدورى: عن ابن معين له صحبة. وقال أبو داود: سمعت مصعباً
يقول: له صحبة كان عاملا لابن الزبير على الكوفة، وذكره ابن حبان فى ثقات التابعين ، وقال: يروى المراسيل ،
ومن زعم أن له صحبة بلا دلالة فقد وهم. وقال أبو زرعة: هو من التابعين. وقال ابن السكن. ويعقوب بن سفيان:
ليست له صحبة. وقال الترمذى فى جامعه: حديثه مرسل، لأنه لم يدرك النبى صلى الله عليه وسلم. وقال فى العلل
الكبير قال البخارى: لا صحبة له ولا سماع من النبى مَّمه. وقال أحمد: ما أرى له صحبة، وسأله أبو داود أله
صحبة؟ فقال لا أدرى كذا ذكره الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ٥ ص ٨١) وفى القسم الأول من حرف العين
من الاصابة ( ج ٢ ص ٢٦٠) وقال فى القسم الأول من حرف الميم فى ترجمة والده مسعود بن أمية بن خلف ،
قتل أبوه أمية يوم بدر، ولولده عامر بن مسعود رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم والأكثرون قالوا: إن حديثه
مرسل فتكون الصحبة لأبيه وكان من مسلمة الفتح أو مات على كفره قبيل الفتح، وولدله عامر قبل الفتح بقليل ،
فلذلك لم يثبت له صحبة السماع من النبى مَّثة، وإن كان معدودا فى الصحابة لأن له رؤية - انتهى. (الغنيمة الباردة
الصوم فى الشتاء) لوجود الثواب بلا تعب كثير و ((فى الفائق)) الغنيمة الباردة التى تجىء عفوا من غير أن يصطلى
دونها بنار الحرب ويباشر حر القتال فى البلاء. وقيل: هى الهيئة الطيبة مأخوذة من العيش البارد، والأصل فى
وقوع البرد عبارة عن الطيب والهنأة أن الماء والهواء لما كان طيبهما بيردهما خصوصا فى البلاد الحارة. قيل: ماء
بارد، وهواء بارد، على طريق الاستطابة، ثم كثر حتى قيل عيش بارد وغنيمة باردة وبرد أمرنا. قال التوربشتى
الغنيمة الباردة، هى التى يحوزها صاحبها عفوا صفوا لا يمسه فيها نصب، والمعنى أن الصائم فى الشتاء يجوز الأجر
من غير أن يمسه حر العطش، أو يصيبه لذعة الجوع. وإنما قال الغنيمة الباردة الصوم فى الشتاء، ولم يقل
الصوم فى الشتاء الغنيمة الباردة، تنبيها على معنى الاختصاص أى يبلغ الصوم فى هذا المعنى ما لا يبلغ غيره . وقال
الطيبي: التركيب من قلب التشبيه لأن الأصل الصوم فى الشتاء كالغنيمة الباردة، وفيه من المبالغة أن يلحق الناقص
بالكامل كما يقال زيد كالأسد فاذا عكس. وقيل: الأسد كزيد يجعل الأصل كالفرع، والفرع كأصل يبلغ التشبيه.
إلى الدرجة القصوى فى المبالغة، والمعنى أن الصائم يجوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش أو يصيبه ألم الجوع
من طول اليوم - أنتهى. قلت: السياق المذكور للترمذى، ورواه أحمد والبيهقى وغيرهما بلفظ: الصوم فى الشتاء
الغنيمة الباردة، وكذا وقع فى حديث أنس عند الطبرانى، وفى حديث جابر عند ابن عدى وغيره كما فى الجامع
٩٣

من عاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
رواه أحمد، والترمذى، وقال: هذا حديث مرسل. وذكر حديث أبى هريرة: ما من أيام أحب
الی الله فی «باب الأضحية ،
( الفصل الثالث )
٢٠٨٦ - (٣١) عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود صياما
يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا اليوم الذى تصومونه
الصغير (رواه أحمد) (ج ٤ ص ٣٣٥) (والترمذى) وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٤ ص ٢٩٦) وأبو يعلى
والطبرانى فى الكبير كلهم من طريق سفيان الثورى عن أبى اسحاق السبيعى عن نمير بن عريب عن عامر بن مسعود
(وقال هذا حديث مرسل) وكذا قال البيهقى وابن حبان وابن السكن وغيرهم ، لأن عامر بن مسعود لم يدرك النبي
صلى الله عليه وسلم كما سبق، وفى الباب عن أنس عند الطبرانى فى الأوسط وابن عدى والبيهقى فى شعب الإيمان
وعن جابر عند ابن عدى والبيهقى فى الشعب، وعن أبى سعيد عند البيهقى فى السنن (ج ٤ ص ٢٩٧) الشتاء ربيع
المؤمن قصر نهاره فصام وطال ليله فقام، واقتصر أحمد على قوله الشتاء ربيع المؤمن (وذكر حديث أبى هريرة
ما من أيام أحب إلى الله) تمامه أن يتعبد فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل
ليلة منها بقيام ليلة القدر ( فى باب الأضحية) لبيان فضيلة العمل فى عشر ذي الحجة. قال القارى ؛ إن كان مراده
إن صاحب المصابيح ذكره فى باب الأضحية، وإنه أسقطه لتكراره فهذا اعتذار حسن منه، إلا أنه كان الأولى
أن يعكس الأمر فيه، وإن كان مراده إنه حق لأنه أولى بذلك الباب فلا يخفى أنه غير صواب ـ انتهى. قلت:
ذكر البغوى حديث أبى هريرة هذا فى باب الأضحية، وفى باب صيام التطوع، فأسقطه المصنف مهنا لتكراره،
لكن كان الأولى أن يسقطه فى باب الأضحية لأنه أنسب وأولى بباب الصيام .
٢٠٨٦ - قوله ( قدم المدينة) أى بعد الهجرة من مكة (فوجد اليهود) أى فى السنة الثانية. لأن
قدومه فى الأولى كان بعد عاشوراء فى ربيع الأول (صياما) أى ذوى صيام أوصائمين (يوم عاشوراء فقال لهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا اليوم الذى تصومونه) أى ما سبب صومه وقد استشكل ظاهر الخبر
لافتضائه أنه يَّ حين قدومه المدينة وجد اليهود صياما يوم عاشوراء، وإنما قدم المدينة فى ربيع الأول وأجيب
بأن المراد إن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة، أو يكون فى الكلام حذف ، وتقديره قدم
النبى صلى الله عليه وسلم المدينة فأقام الى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صياما، ويحتمل أن يكون أولئك اليهود
٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
فقالوا : هذا يوم عظيم: أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه. فصامه موسى شكرا، فنحن
نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم،
كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية. فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذى قدم فيه النبيحد له
المدينة لكن لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بصيام عاشوراء رده إلى حكم شرعه، وهو الاعتبار بالأشهر
الهلالية والسنين القمرية فأخذ أهل الاسلام بذلك (هذا يوم عظيم) أى وقع فيه أمور عظيمة توجب تعظيم مثل
ذلك اليوم ( وغرق) بالتشديد (فرعون وقومه) بالنصب فيهما. قال الطيبي: غرقه وأغرقه بمعنى، وفى نسخة
أغرق، وفى أخرى بكسر الراء المخففة ورفع المنصوبين (فصامه موسى شكرا) لله تعالى (فنحن نصومه) أى شكرا
أيضا أو متابعة لموسى ، والبخارى فى الهجرة، ونحن نصومه تعظيما. وزاد أحمد (ج ٢ ص ٣٦٠) من حديث
أبى هريرة وهو اليوم الذى استوت فيه السفينة على الجودى فصامه نوح شكرا ( فنحن ) أى اذا كان الأمر
كذلك فنحن (أحق وأولى بموسى) أى بمتابعته ( منكم ) فانا موافقون له فى أصول الدين ومصدقون لكتابه،
وأنتم مخالفون لهما بالتغيير والتحريف. قال السندى: قوله ((أحق بموسى منكم)) يدل على أنه قصد موافقة موسى
لقوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده - الأنعام: ٩٠﴾ لا موافقة اليهود حتى يقال اللائق مخالفتهم وكأنه لهذا عزم
فى آخر الأمر على ضم اليوم التاسع الى يوم عاشوراء تحقيقا للمخالفة. وقال الطيبي: وافقهم فى صوم يوم عاشوراء
مع أن مخالفتهم مطلوبة ، والجواب عنه أن المخالفة مطلوبة فيما أخطأوا فيه كما فى يوم السبت لا فى كل أمر. قال
القارى: الأظهر فى الجواب أنه صلى الله عليه وسلم أول الهجرة لم يكن مأمورا بالمخالفة، بل كان يتألفهم فی کثیر
من الأمور، ومنها أمر القبلة. ثم لما ثبت عليهم الحجة ولم يمنعهم الملائمة، وظهر منهم العناد والمكابرة اختار
مخالفتهم وترك مؤ الفتهم انتهى. واستشكل رجوعه صلى الله عليه وسلم الى اليهود فى ذلك لأنهم كفرة،
وخبر الكافر فى الديانات مردود وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحى اليه بصدقهم أو تواقر عنده الخبر
بذلك ، ولا يشترط الاسلام فى التواتر ، زاد عیاض أو أخبره به من أسلم منهم کابن سلام وغيره ، ثم قال ليس
فى الخبر أنه ابتداء الأمر بصيامه بل فى حديث عائشة التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك، فغاية ما فى القصة أنه
لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم. وإنما هى صفة حال وجواب سؤال. قلت: أراد بحديث عائشة ما رواء
الشيخان عنها قالت كان يوم عاشوراء قصومه قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه فى
الجاهلية (أى قبل أن يهاجر الى المدينة) فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم
عاشوراء فمن شياء صامه ومن ع* تركه. ولا مخالفة بين هذا وبين حديث ابن عباس، اذ لامانع من توارد
٩٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه. متفق عليه .
الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب فى ذلك. قال الحافظ أما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع
السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك ، واليه جنح ابن القيم حيث قال فى الهدى ؛ لا ريب
إن قريشا تعظم هذا اليوم ، وكانوا يكسون الكعبة فيه وصومه من تمام تعظيمه . وقال القرطبي: لل قريشا كانوا
يستندون فى صومه إلى شرع من مضى كابراهيم عليه السلام وفى المجلس الثالث من مجالس الباغندى الكبير عن
عكرمة ، أنه سئل عن ذلك فقال اذ نبت قريش ذنبا فى الجاهلية فعظم فى صدورهم فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر
ذلك: قال القرطبى: وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما فى
الحج أو أذن الله له فى صيامه على أنه فعل خير فذا هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه
احتمل أن يكون ذلك استئلافا اليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك وعلى كل حال فلم يصمه
اقتداء بهم فانه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك فى الوقت الذى يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه كذا
فى الفتح (فصامه رسول اللّه مَالثّه) كما كان يصومه قبل ذلك (وأمر) أصحابه (بصيامه) الظاهر أنه أمر إيجاب
ففیه دلیل لمن قال کان قبل النسخ واجبا ، ومن لا يقول به يقول أنه أ کد ندبه، ثم نسخ تأكيد ندبه فبقى مندوبا
فى الجملة. وسيأتى البسط فى ذلك فى شرح حديث جابر بن سمرة. فإن قيل يخالف حديث ابن عباس هذا
ما رواه البخارى من حديث أبى موسى قال: كان يوم عاشوراء قعده اليهود عيدا، وفى رواية مسلم كان يوم
عاشوراء تعظمه اليهود، فإنه يشعر بأن الصوم كان لمخالفتهم وحديث ابن عباس يدل على أنه كان لموافقتهم قلنا
لامنافاة بينهما اذ اليهود ثم غير اليهود هنا وأولئك كانوا يصومونه وهؤلاء لايصومونه، فوافق أولئك فى الصوم
لمعرفته أنه الحق بوحى وخالف هؤلاء فيه لمعرفته خلاف ذلك. وقال الحافظ: ظاهر حديث أبى موسى إن
الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه ، لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن
عباس يدل على أن الباعث على صوم موافقتهم على السبب وهو شكرا لله تعالى على نجاة موسى مع موافقة عادته،
لكن لا يلزم من تعظيمهم واعتقادهم بأنه عيد، إنهم كانوا لا يصومونه فلعلهم كان من جملة تعظيمهم فى شرعهم أن
يصوموه. وقد ورد ذلك صريحا فى حديث أبى موسى هذا فيما أخرجه البخارى فى الهجرة بلفظ : فإذا أناس من
اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه، ولمسلم من وجه آخر قال : كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه
عيدا ويلبسون نساءهم فيه حلهم وشارتهم - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الصوم وذكر الأنبياء
والهجرة والتفسير، ومسلم فى الصوم واللفظ له، وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٢٩١ - ٣٠٠ - ٣٣٦ - ٣٤٠)
٩٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
٢٠٨٧ - (٣٢) وعن أم سلمة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم السبت ويوم
الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: (( إنهما يوما عيد المشركين فأنا أحب أن أغالفهم،
رواه أحمد .
٢٠٨٨ - (٣٣) وعن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام يوم
عاشوراء وبحثنا عليه ويتعاهدنا عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا، ولم يتهنا عنه، ولم يتعامدنا عنده.
وأبو داود وابن ماجه والدارمى والبيهقي (ج ٤ ص ٢٨٦ - ٢٨٩) والنسائى فى الكبرى والطحاوى (ج ١
ص ٣٣٧).
٢٠٨٧ - قوله (وعن أم سلة) بفتح اللام أم المؤمنين ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم
يوم السبت ويوم الأحد أكثر مايصوم) وفى المسند أكثر مما يصوم (من الأيام) أى الأخر (ويقول أنهما يوما
عيد المشركين) وفى المسند أنهما عيد المشركين السبت لليهود، والأحد النصارى، وإنما سموا مشركين لقولهم
عزير ابن الله والمسيح ابن الله، وإما للتغليب، وأراد من يخالف دين الاسلام ذكره الطبي (فأنا أحب أن
أخالفهم ) أى مجموع الفريقين، وفيه دليل على استحباب صوم السبت والأحد مخالفة لأهل الكتاب، وظاهره
صوم كل على الانفراد والاجتماع، لكن يحمل على صومهما جميعا متوالين لئلا يخالف ما تقدم من النهى عن صوم
يوم السبت، فالمنهى عنه إفراد السبت وفى معناه إفراد الأحد، والمستحب صومهما جميعا تحتيقا لمخالفة الفريقين
(رواه أحمد) (ج ٦ ص ٣٢٤) وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٤٣٦) والبيهقى
(ج٤ ص ٣٠٣) بلفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد
وكان يقول إنهما يوما عيد الشركين فأنا أريد أن أخالفهم، وعزاه الحافظ فى التلخيص (ص ٢٠٠) وبلوغ المرام
والنسائى أيضا ولعله فى الكبرى .
٢٠٨٨ - قوله (كان رسول اللّه ◌َؤ يأمر بصيام يوم عاشوراء) أى يأمرنا أمراً مؤكداً (ويحثنا عليه)
أى يرغبنا اليه (ويتعاهدنا) أى يحفظنا ويراعى حالنا ويتفحص عن صومنا أو بتخولنا بالموعظة (فلا فرض)
بصيغة المجهول (رمضان لم يأمرنا) أى به (ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا) أى لم يتفقدنا، وفى الحديث دليل على أن
صوم عاشوراء كان واجبا، ثم نسح ورد إلى التطوع واليه ذهب أبو حنيفة وهى رواية عن أحمد واختاره الحافظ
وابن القيم كما سيأتى، وبه جزم الباجى من المالكية حيث قال: أول ما فرض من الصيام صوم يوم عاشوراء،
فلما فرض رمضان نسخ وجوبه - انتهى. والأصح عند الشافعى إنه لم يجب أصلا. قال العينى: ( ج ١١ ص
٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
١١٨) اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء الآن سنة وليس بواجب واختلفوا فى حكمه أول الاسلام، فقال
أبو حنيفة: كان واجبا . واختلف أصحاب الشافعى على وجهين ، أشهرهما، أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يك
واجبا قط فى هذه الأمة، ولكنه كان يتأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبا دون ذلك
الاستحباب . والثانى، كان واجبا كقول أبى حنيفة ، ونقل عياض عن بعض السلف أنه كان يقول كان فرضا
وهو باق على فرضيته لم ينسخ، لكن انقرض القائلون بهذا وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بهذا
ونقل عياض وابن عبدالبر والنووى وغيرهم الاجماع على أنه الآن ليس بفرض والاجماع على أنه مستحب. وقال
ابن قدامة (ج ٣ ص ٧٤) اختلف فى صوم عاشوراء هل كان واجبا ، فذهب القاضى إلى أنه لم يكن واجبا وقال
هذا قياس المذهب. واستدل بشيئين أحدهما، أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر من لم يأكل بالصوم، والنية فى
الليل شرط فى الواجب . والثانى، أنه لم يأمر من أكل بالقضاء ، ويشهد لهذا ما روى معاوية قال سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر،
وهو حديث صحيح، وروى عن أحمد أنه كان مفروضا لما روت عائشة أن النبى مَّة صامه وأمر بصيامه، فلما
افترض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه، وهو حديث صحيح وحديث معاوية
محمول على أنه أراد ليس هو مكتوبا عليكم الآن. وأما تصحيحه بنية من النهار وترك الأمر لقضاءه، ففيه أنه قد روى
أبوداود إن أسلم أتت النبي ◌َّم فقال صمتم يومكم هذا قالوا لا، قال: فأتموا بقية يومكم وأقضوه ـ انتهى. قلت:
قد سبق الجواب عن صحة النية فى نهار عاشوراء فى شرح حديث حفصة ،، من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام
له. وأما حديث معاوية فقال الحافظ قد استدل به على أنه لم يكن فرضا قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد
ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه،
أو المراد أنه لم يدخل فى قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم - البقرة: ١٨٣) ثم
فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذى صار منسوعا، ويؤيد ذلك إن معاوية
إنما محب النبى صلى الله عليه وسلم من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه فى
السنة الأولى أوائل العام الثانى - انتهى كلام الحافظ. وهو تلخيص كلام الإمام ابن القيم فى الهدى (ج ١
ص ١٧١) ومن أحب التفصيل رجمع اليه. قلت: واستدل من قال بوجوب صوم عاشوراء فى أول الاسلام
بأحاديث كثيرة ذكرها الهيشمى فى مجمع الزوائد ، والعينى فى شرح البخارى، والطحاوى فى شرح معانى الآثار من
شاء الوقوف عليها رجع الى هذه الكتب، وهذا القول هو الراجح عندنا. قال الحافظ: ويؤخذ من مجموع
الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ، ثم زيادته
٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
رواه مسلم.
٢٠٨٩ - (٣٤) وعن حفصة، قالت: أربع لم تكن يدعهن النبى صلى الله عليه وسلم: صيام عاشوراء»
والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتان قبل الفجر. رواه النسائى.
٢٠٩٠ - (٣٥) وعن ابن عباس، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض
بأمر من أكل بالامساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الاطفال ، وبقول ابن مسعود الثابت فى
مسلم لما فرض رمضان ترك عاشوراء مع العلم بأن ما ترك استحبابه، بل هو باق. فدل على أن المتروك وجوبه
وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقى مطلق استحبابه فلا يخفى ضعفه بل تأكد استحبابه باق، ولاسيما
مع استمرار الاهتمام به حتى فى عام وفاته صلى الله عليه وسلم حيث يقول: لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر
ولترغيبه فى صومه وأنه يكفر سنة وأى تأكيد أبلغ من هذا - انتهى. وقد ذكر نحو هذا ابن القيم فى الهدى
(ج ١ ص ١١٦) (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٩٦) والطحاوى (ج١ ص ٣٣٦) والبيهقى
(ج ٤ ص ٢٨٩).
٢٠٨٩ - قوله (وعن حفصة) أم المؤمنين (قالت أربع) أى خصال (لم تكن يدعهن) أى يتركهن
(النبي ◌َّ) فاعل تنازع فيه الفعلان (صيام عاشواء والعشر) بالجر. وقيل: بالرفع أى صيام عشر ذي الحجة،
والمراد من العشر تسعة أيام مجازا، وقد روى أحمد (ج ٦ ص ٢٨٨ - ٤٢٣) وأبو داود والنسائى عن بعض
أزواج النبي ◌ُ ثم قالت كان رسول الله وَ الله يصوم تسع ذى الحجة ويوم عاشوراء - الحديث. وهذا يبين المراد
من قوله العشر فى حديث حفصة (وثلاثة أيام) بالوجهين (من كل شهر) وهى الاثنان والخميس، والاثنان من
الجمعة الأخرى. كما فى حديث -واء الخزاعى عن حفصة عند أحمد (ج ٦ ص٢٨٧) وأبي داود والبيهقى (ج٤
ص٢٩٥) (وركعتان قبل الفجر) كذا فى جميع النسخ من المشكاة وهكذا وقع فى جامع الأصول (ج٧ ص٢٠٦)
والذى فى سنن النسائي وركعتين قبل الغداة، وهكذا فى مسند الامام أحمد (ج ٧ ص ٢٨٧) وكذا ذكره
الجد بن تيمية فى المنتقى وعزاه لأحمد والنسائى، والظاهر إن المصنف تبع فى ذلك الجزرى، ولم يراجع سنن
النسائى وأرادت حفصة بذلك ركعتى سنة الصبح. والحديث يدل على استحباب صوم ما ذكره فيه من الأيام،
وقد سبق وجه الجمع بينه وبين ما تقدم من حديث عائشةٍ، مارأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما فى العشر
( رواه النسائى) وأخرجه أيضا أحمد .
٢٠٩٠ - قوله (لا يفطر أيام البيض) هذا على حذف المضاف يريد أيام الليالى البيض ، وهى الثاك
٩٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
فى حضر ولا سفر. رواه النسائى.
٢٠٩١ - (٣٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل شىء زكاة وزكاة
الجسد الصوم. رواه ابن ماجه .
عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وسميت لياليها بيضا لأنها المقمرات من أوائلها إلى آخرها فناسب صيامها
شكرا لله تعالى (فى حضر ولا سفر) أى ولا فى سفر ولا مزيدة التأكيد، وفيه دليل على استحباب صيام أيام
البيض فى السفر، ويلحق بها صوم سائر التطوعات المرغب فيها (رواه النسائى) من طريق يعقوب بن عبد الله بن
سعد القُّى عن جعفر بن أبى المغيرة الخزاعى القمى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الشوكانى: وفى يعقوب
وجعفر مقال، قلت: قال الدار قطنى فى يقوب: ليس بالقوى. وقال النسائى: ليس به بأس. وقال أبو القاسم
الطبرانى: كان ثقة. وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال أبو نعيم الأصبهانى: كان جرير بن عبد الحميد اذا رآه
قال هذا مؤمن آل فرعون. وقال محمد بن حميد الرازى: دخلت بغداد فاستقبانى أحمد وابن معين فسألانى عن
أحاديث يعقوب القمى. وأما جعفر بن أبى المغيرة فذكره أيضا ابن حبان فى الثقات. ونقل عن أحمد بن حنبل
توثيقه. وقال ابن مندة ليس بالقوى فى سعيد بن جبير. وقال الحافظ فى التقريب فى ترجمتهما: صدوق يهم ، فالحق
إن حديثهما لا ينزل عن درجة الحسن .
٢٠٩١ - قوله (لكل شىء زكاة) أى صدقة. وقال القارى: أى نماء يعطى بعضه أو طهارة يطهر به
(وزكاة الجسد الصوم) فانه يذاب بعض البدن منه وينقص وتطهر الذنوب به وتمحص. قال الطيبي: أى وصدقة
الجسد ما يخلصه من النار بجنة الصوم وقال الحفنى: لكل شىء زكاة أى شىء يطهره ومطهر الجسد الصوم فهو
كزكاة المال من حيث إن كلا منهما ينقص فى الحس ويزيد فى المعنى. وقال الدميرى وإنما كان الصوم زكاة البدن
لأنه سر من أسرار الله تعالى، وسبب لنحول الجسد وزيادة بركته وخيره المعنوى، فأشبه الزكاة المالية فانها
وإن نقصته حسا زادته بركة ونموا فكذلك الصوم. وقال السندى: قوله (((كل شىء زكاة)) أى ينبغى للانسان
أن يخرج من كل شىء قدر الله فيكون ذلك زكاة له، وزكاة الجسد الصوم، فانه ينتقص به الجسد فى سبيل الله فصار
ذلك الذى نقص منه كأنه أخرج منه لله على أنه زكاة له (رواه ابن ماجه) وفيه موسى بن عبيدة الربذى. قال
البوصيرى: وهو متفق على تضعيفه، وذكره المنذرى فى الترغيب مصدرا بلفظة: روى، ثم أهل الكلام فى آخره
وقد جعل ذلك دليلا على ضعف اسناد الحديث عنده، والحديث رواه الطبرانى فى الكبير عن سهل بن سعد.
قال اليشى (ج ٣ ص ١٨٢) وفيه حماد بن الوليد وهو ضعيف.
١٠٠