Indexed OCR Text

Pages 501-520

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
قال (( إجلس)) ومكث النبى صلى الله عليه وسلم، فيينا نحن على ذلك، أتى النبي صلى الله عليه وسلم
الصيام بافساد الحج : وورد ذكر البدنة فى مرسل سعيد بن المسيب عند مالك فى الموطأ وهو مع ارساله قدرده
سعيد بن المسيب، وكذب من نقله عنه كما روى سعيد بن منصور. ورواه ابن عبد البر من طريق مجاهد عن
أبى هريرة موصولا، لكنه من رواية ليث بن أبى سليم عن مجاهد، وليث ضعيف ، وقد اضطرب فى روايته سندا
ومتناً فلا حجة فيه. واختلف فى أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب أو على التخيير، والمراد بالترتيب
أن لا ينتقل المكلف الى المؤخر فى الذكر إلا بعد العجز عن الذى قبله، وبالتخيير أن يفعل منها ماشاء ابتداء من غير
مجز، فذهب مالك الى أنها على التخيير. وقال الشافعى وأحمد وأبو حنيفة: هى مرتبة فالعنق أولا، فان لم يجد
فالصيام، فان لم يستطع فالاطعام، واحتجوا بحديث الباب. قال ابن العربى: لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم نقله
من أمر بعد عدمه لأمر آخر، وليس هذا شأن التخيير، ونازع عياض فى ظهور دلالة الترتيب فى السؤال عن ذلك .
فقال: إن مثل هذا السؤال قد يستعمل فيما هو على التخيير، وقرره ابن المنير بأن شخصاً لو حنث فاستفتى. فقال
المفتى: أعتق رقبة فقال: لا أجد فقال: صم ثلاثة أيام الى آخره، لم يكن مخالفاً لحقيقة التخيير بل يحمل على أن
إرشاده الى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفارة . وقال البيضاوى: ترتيب الثانى بالفاء على فقد الأول، ثم الثالث
بالفاء على فقد الثانى ، يدل على عدم التخيير مع كونها فى معرض البيان ، وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط
للحكم. قال الحافظ: وسلك الجمهور فى ذلك مسلك الترجيح، بأن الذين رَووا الترتيب عن الزهرى أكثر
من روى التخيير فان الذين رووا الترتيب عنه هم تمام ثلاثين نفساً أو أزيد، ورجح الترتيب أيضاً بأن راويه
حكى لفظ القصة على وجهها فمعه زيادة علم من صورة الواقعة ، وراوى التخيير حكى لفظ راوى الحديث ، فدل
على أنه من تصرف بعض الرواة ، إما لقصد الاختصار أو لغير ذلك، ويترجح الترتيب أيضاً بأنه أحوط لأن
الأخذ به مجزىء سواء قلنا بالتخيير أولا بخلاف العكس. وقيل: أو فى الرواية الأخرى ليست للتخيير، وانما هى
للتفسير والتقدير أمر رجلا أن يعتق رقبة أو يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عنهما ( قال إجلس ) قيل:
إنما أمره بالجلوس لانتظار الوحی فی حقه أو كان عرف أنه سیوتی بشیء يعينه به (﴿مکث) بضم الكاف وفتحها
(النبي صلى الله عليه وسلم) لفظ البخارى فى هذه الرواية التى سافها فى الصيام فى باب اذا جامع فى رمضان ولم يكن
له شىء فتصدق عليه فليكفر قال (أى أبو هريرة) فمكث النبى صلى الله عليه وسلم، وفى بعض النسخ فمكث عند
النبي ◌َّة، وفى رواية ابن عيينة عند البخارى فى النذور. قال: اجلس جلس، فجمع المصنف هنا بين الروايتين
فقليدا لما فى جامع الأصول للجزرى ( ج ٧ ص ٢٧٨) (فبينا) بغير ميم (نحن على ذلك) أى ما ذكر من
الجلوس والمكث وجواب بينا قوله ( أتى النبي مَثّة) بضم الهمزة مبنياً للفعول ولم يسم الآتى وعند البخارى فى
٥٠١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
بعرق فيه تمر - والعرق: المكتل الضخم -
الكفارات فجاء رجل من الأنصار (بعرق ) بفتح العين والراء بعدها قاف. قال ابن التين: كذا لأكثر الرواة،
وفى رواية أبى الحسن القابسى باسكان الراء. قال عياض: والصواب الفتح. وقال ابن النين: أنكر بعضهم الإسكان
لأن الذى بالاسكان هو العظم الذى عليه اللحم. قال الحافظ: إن كان الانكار من جهة الاشتراك مع العظم فلينكر
الفتح لأنه يشترك مع الماء الذى يتحلب من الجسد، نعم الراجح من حيث الرواية الفتح، ومن حيث اللغة أيضاً ، إلا
أن الاسكان ليس بمنكر، بل أثبته بعض أهل اللغة كالقزاز - انتهى قال الجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ص٥٤٧)
العرق بفتح الراء خوص منسوج مضفور يعمل منه الزنبيل عرقا فسمى الزنبيل لأنه يعمل منه (فيه تمر) أى من تمر
الصدقة ويروى فيها بالتأنيث على معنى القفة. قال عياض: المكتل والقفة والزنيل سواء (والعرق المكتل) بكسر
الميم وسكون الكاف وفتح المثناة بعدها لام الزنبيل الكبير ( الضخم) بفتح الضاد وسكون الخاء أى العظيم وهذا
لفظ البخارى فى النذور. ووقع فى الصيام فى هذه الرواية ، والعرق المكتل ، أى بحذف لفظ الضخم، وههنا أيضاً
تقلد المصنف الجزرى . قال الحافظ : وهو تفسير من أحد رواتة وظاهر هذا الرواية إنه الصحابي لكن فى رواية
ابن عيينة ما يشعر بأنه الزهرى، وفى رواية فأتى بمكتل يدعى العرق ، وفى أخرى فأتى بعرق فيه تمر ، وهو الزييل،
ولأحمد فأتى بزييل وهو المكتل. قال الأخفش: سمى المكتل عرقا لأنه يضفر عرفة عرقة، فالعرق جمع عرقة
كعلق وعلقه، والعرقة الضغيرة من الخوص، بضم الخاء ورق النخل. والزبيل بوزن رغيف هو المكتل سمى
زيلا لحمل الزبل فيه وفيه لغة أخرى زنبيل بكسر الزاى أوله وزيادة نون ساكنة. وقد تدغم النون متشدد الباء
مع بقاء وزنه ، وجمعه على اللغات الثلاث زنابيل قال الحافظ: ووقع فى بعض طرق حديث عائشة عند مسلم
جاءه عرقان، والمشهور فى غيرها عرق، ورجحه البيهقى (فى السنن ج٤ ص ٢٢٥) وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة
وهو جمع لا ترضاه لاتحاد مخرج الحديث، والأصل عدم التعدد. والذى يظهر أن التمر كان قدر عرق، لكنه
كان فى عرقين فى حال التحميل على الدابة ليكون أسهل في الحمل فيحتمل أن الآتى به لما وصل أفرغ أحدهما فى
الآخر فمن قال عرفان أراد ابتداء الحال: ومن قال عرق أراد ما آل اليه والله أعلم. قال ولم يعين فى هذه
الرواية مقدار ما فى المكتل من التمر بل ولا فى شىء من طرق الصحيحين فى حديث أبى هريرة، ووقع فى رواية
ابن أبى حفصة (عند أحمد ج ٢ ص ٥١٦) والدارقطنى (ص ٢٥٢) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٢٢) فيه خمسة عشر صاعا،
وفى رواية مؤمل عن سفيان فيه خمسة عشر أو نحو ذلك، وفى رواية مهران بن أبى عمر عن الثورى عند ابن خزيمة
فيه خمسة عشر أو عشرون، وكذا هو عند مالك وعبد الرزاق فى مرسل سعيد بن المسيب، وفى مرسله عند
٥٠٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
قال : أين السائل
الدارقطنى الجزم بعشرين صاعا. ووقع فى حديث عائشة عند ابن خزيمة (والبيهقى ج ٤ ص ٢٢٣) فأتى بعرق فيه
عشرون صاعا . قال البيهقى: قوله عشرون صاعا بلاغ بلغ به محمد بن جعفر یعنی بعض رواته وقد بین ذلك محمد بن
اسحاق عنه فذكر الحديث، وقال فى آخره قال محمد بن جعفر: حدثت بعد أن تلك الصدقة كانت عشرين صاعا
من تمر قلت (قاتله الحافظ) ووقع فى مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره عند مسدد فأمر له ببعضه، وهذا يجمع
الروايات فمن ق ل أنه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة ويبين
ذلك حديث على عند الدار قطنى (ص ٢٥١) قطعم ستين مسكينا لكل مسكين مد. وفيه فأتى بخمسة عشر صاعا
فقال أطعمه ستين مسكينا، وكذا فى رواية حجاج عن الزهرى عند الدارقطنى (ص ٢٤٢) والبيهقى (ج ٤
ص ٢٢٦) فى حديث أبى هريرة. وفيه رد على الكوفيين (أى أبى حنيفة وأصحابه) فى قولهم إن واجبه من
القمح ثلاثون صاعاومن غيره ستون صاعا ولقول عطاء إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعا أو بالجماع أطعم خمسة
عشر وعلى أشهب فى قوله لو غداهم أو عشاهم كفى لصدق الإطعام ولقول الحسن يطعم أربعين مسكينا عشرين
صاعا - انتهى. واحتج الكوفيون بما وقع فى بعض طرق حديث عائشة عند مسلم والبيهقى (ج ٤ ص ٢٢٤)
جاءه عرقان فيهما طعام فأمره أن يتصدق به فان العرق اذا كان خمسة عشر صاعا، فالعرقان ثلاثون صاعا على
ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع، وتعقبه العينى فقال ليت شعرى كيف فيه رد على الكوفيين. وهم قد
احتجوا بما رواه مسلم بنجاءه عرقان فيهما طعام وقد ذكرنا أن العرقيين يكون ثلاثين صاعا فيعطى لكل مسكين
نصف صاع بل الرد على أنمتهم حيث احتجوا فيما ذهبوا إليه بالروايات المضطربة وفى بعضها الشك فالعجب أنه
يرد على الكوفيين مع علمه إن احتجاجهم قوى صحيح - انتهى. قال صاحب فتح الملهم، بعد ذكره قلت:
والانصاف إن الاحتجاج بحديث العرقين يتوقف على اثبات إن المراد بلفظ: الطعام الوارد فيه القمح وهو غير
ظاهر بل الظاهر أنه التمر، كما صرح به فى حديث أبى هريرة ولا يكفى منه ثلاثون صاعا عند الكوفيين أيضًا أللهم
إلا أن يقال بتعدد القصة فى حديثى أبى هريرة وعائشة، نعم وقع فى قصة المظاهر عند أبو داود قوله { قل فأطعم
وسقا من تمر بين ستين مسكينا والوسق ستون صاعا وكفارة الظهار هى كفارة الصوم، فبهذا ينتهض الاستدلال
الكوفيين والله أعلم - انتهى. قلت: دعوى التعدد مخدوشة لكونها خلاف الظاهر والأصل. وأما رواية أبى داود
فى قصة المظاهر ففى اسنادها محمد بن اسحاق وقد عنعن وفيه أيضا سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر. قال البخارى
هو مرسل سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر ودعوى الاضطراب فى حديث أبى هريرة مدفوعة كما رأيت فى
كلام الحافظ ( أين السائل) أطلق عليه ذلك لأن كلامه متضمن السؤال فان مراده هلكت فما ينجينى وما
٥٠٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
قال: أنا، قال: خذ هذا نتصدق به،
يخلصنى مثلا وفى حديث عائشة أين المحترق وقد سبق توجيهه ( قال أنا) أى أنا هو أو أنا السائل ( خذ هذا
فتصدق به) أى بالتمر الذى فيه على المساكين. وفيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن الإعمار لا يسقط الكفارة
وسيأتى الكلام فى هذه المسئلة. قال الحافظ: وزاد ابن اسحاق (عند البزار) فتصدق به عن نفسك ويؤيده رواية
منصور فى الصيام عند البخارى بلفظ : أطعم هذا عنك ونحوه فى مرسل سعيد بن المسيب عند الدار قطنى.
واستدل بأفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة، وكذا قوله فى المراجعة هل تستطيع وهل
تجد وغير ذلك وهو الأصح من قولى الشافعية وبه قال الأوزاعى. وقال الجمهور: ( مالك وأبو حنيفة وأحمد فى
الروايتين عنه) وأبو ثور وابن المنذر تجب الكفارة على المرأة أيضا على الاختلاف وتفاصيل لهم فى الحرة
والأمة والمطاوعة والمكرمة وهل هى عليها أو على الرجل عنها واستدل الشافعية بسكوته عليه الصلاة
والسلام عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة. وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف
ولم تسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكما ما لم تعترف وبأنها قضية حال فالسكوت عنها لا يدل
على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الاعذار . ثم إن بيان الحكم للرجل بيان فى حقها
لاشتركهما فى تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل والتنصيص على الحكم فى حق بعض المكلفين
كاف عن ذكره فى حق الباقين ، ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها
لاقدرة لها على شىء ـ انتهى كلام الحافظ. وبنحو هذا ذكرابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١٩ - ٢٢٠) وقال الخطابى
(ج ٢ ص ١١٧) فى أمره الرجل بالكفارة لما كان منه من الجناية دليل على أن على المرأة كفارة مثلها، لأن
الشريعة قد سوت بين الناس فى الأحكام إلا فى مواضع قام عليها دليل التخصيص واذا لزمها القضاء لأنها أفطرت
يجماع متعمد كما وجب على الرجل وجبت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل سواء وهذا مذهب أكثر العلماء.
وقال الشافعى: يجزيهما كفارة واحدة وهى على الرجل دونها وكذلك قال الأوزاعى إلا أنه قال إن كانت الكفارة
بالصيام كان على كل واحد منهما صوم شهربن واحتجوا بأن قول الرجل أصبت أهلى سؤال عن حكمه وحكمها
لأن الإصابة معناها إنه واقعها وجامعها وإذا كان هذا الفعل قد حصل منه، ومنها معا. ثم أجاب النبى مَثّم عن
المسئلة فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل ولم يعرض لها يذكر دل على أنه لا شىء عليها وإنها مجزئة فى
الأمرين معا ألاترى أنه بعث انيسا إلى المرأة التى رميت بالزنا وقال إن اعترفت فارجمها فلميهمل حكمها لغييتها عن
حضرته. فدل هذا على أنه لورأى عليها كفارة لا لزمها ذلك ولم يسكت عنها قلت (قائله الخطابى) وهذا غير لازم
٥٠٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم.
لأن هذا حكاية حال لاعموم لها وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعد زمن مرض أوسفر أو تكون مكرمة أو ناسية
لصومها أو نحو ذلك من الأمور واذا كان كذلك لم يكن ما ذكروه حجة يلزم الحكم بها. واحتجوا أيضاً فى
هذا بحرف يروونه فى هذا الحديث وهو قوله هلكت وأهلكت، قالوا: دل قوله ((وأهلكت)) على مشاركة المرأة
إياه فى الجناية لأن الاهلاك يقتضى الهلاك ضرورة، كما أن القطع يقتضى الانقطاع قلت (قائله الخطابى) وهذه
اللفظة غير محفوظة والمعلى بن منصور الذى روى هذا الحديث بهذا الحرف ليس بذاك فى الحفظ والاتقان - أنتهى.
قلت: حكى العينى ( ج ١١ ص ٣٠) عن شيخه العراقى أنه قال وردت هذه اللفظة مسندة من طرق ثلاثة.
أحدها، الذى ذكره الخطابى وقد رواها الدارقطنى (ص ٢٥١) من رواية أبى ثور. قال حدثنا معلى بن منصور
حدثناسفيان بن عيينة عن الزهرى فذكره. قال الدار قطنى: تفرد به أبو ثورعن معلى بن منصور عن ابن عيينة بقوله
(( وأملكت)، وكلهم ثقات. الطريق الثانى، من رواية الأوزاعى عن الزهرى، وقد رواها البيهقى بسنده ( ج ٤
ص ٢٢٧) ثم نقل عن الحاكم إنه ضعف هذه اللفظة وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الارغيانى، ثم
استدل على ذلك . والطريق الثالث، من رواية عقيل عن الزهرى رواها الدار قطنی فی غیر السنن، قال حدثنا
النيسابورى حدثنا محمد بن عزيز حدثنى سلامة بن روح عن عقيل عن الزهرى فذكره، وقد تكلم فى سماع محمد بن
عزيز من سلامة ، وفى سماع سلامة من عقيل وتكلم فيهما. ثم ذكر الكلام فيهما ، ثم قال وأجود طرق هذه
اللفظة طريق المعلى بن منصور على أن المعلى وإن اتفق الشيخان على إخراج حديثه فقد تركه أحمد. وقال لم أكتب
عنه كان يحدث بما وافق الرأى، وكان كل يوم يخطىء فى حديثين أو ثلاثة - انتهى. قلت: معلى بن منصور هذا
وثقه ابن معین والعجلی ويعقوب بن شيبة وابن سعد لکن قال اختلف فيه أصحاب الحديث فمنهم من یروى عنه.
ومنهم من لا يروى عنه. وقال أبو حاتم الرازى: كان صدوقا فى الحديث. وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس
به لأنى لم أجد له حديثاً منكراً وذكره ابن حبان فى الثقات، وروى له البخارى حديثين. وأما محمد بن عزيز
فضعفه النسائى مرة ، وقال مرة: لا بأس به، ووثقه العقيلى وسعيد بن عثمان ومسلمة. وقال أبو أحمد الحاكم.
فيه قظر. وقال الذهبي: صدوق إن شاء الله. وقال الحافظ فى التقريب: فيه ضعف، وقد تكلموا فى صحة سماعه
من عمه سلامة - انتهى. وأما سلامة فقال أبو زرعة: ضعيف منكر الحديث يكتب حديثه على الاعتبار. وقال
أبو حاتم: ليس بالقوى مجله عندى محل الغفلة. وقال ابن قانع: ضعيف. وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به. وذكره
ابن حبان فى الثقات، وقال مستقيم الحديث. وقال فى التقريب: صدوق له أوهام . وقيل لم يسمع من عمه عقيل ،
وإنما يحدث من كتبه ـ انتهى. وقال الحافظ فى الفتح لا يلزم من قوله ((وأهلكت)) ايجاب الكفارة على المرأة

مرعاة المفاتيح ج ٦
:
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
فقال الرجل: أعلى أفقر منى يا رسول الله! فوالله، ما بين لابيتها - يريد الحرتين - أهل بيت أنتر
من أهل بيتى،
بل يحتمل أن يريد بقوله ((هلكت)) أثمت وأهلكت أى كنت سببا فى تأثيم من طاوعتنى فواقعتها اذ لا ريب فى
حصول الاثم على المطاوعة ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة ولا نفيها أو المعنى هلكت، أى حيث وقعت فى
شىء لا أقدر على كفارته ((وأهلكت)) أى نفسى بفعل الذى جرعلى الاثم، وهذا كله بعد ثبوت الزيادة المذكورة
وقد ذكر البيهقى إن الحاكم فى بطلانها ثلاثة أجزاء، ومحصل القول فيها إنها وردت من طريق الأوزاعى ، ومن
طريق ابن عيينة. أما الأوزاعى فتفرد بها محمد بن المسيب عن عبد السلام بن عبد الحميد عن عمر بن عبد الواحد والوليد
ابن مسلم وعن محمد بن عقبة بن علقمة عن أبيه ثلاثتهم عن الأوزاعى . قال البيهقى: رواه جميع أصحاب الأوزاعى
بدونها وكذلك جميع الرواة عن الوليد وعقبة وعمرو محمد بن المسيب كان حافظً مكثراً إلا أنه كان فى آخر أمره عمى
فاعل هذه اللفظة أدخلت عليه وقد رواه أبو على النيسابورى عنه بدونها، ويدل على بطلانها ما رواه العباس بن الوليد
عن أبيه. قال سئل عن رجل جامع امرأته فى رمضان قال عليهما كفارة واحدة إلا الصيام. قيل له فان استكرهها
قال عليه الصيام وحده. وأما ابن عيينة فتفرد بها أبو ثور عن معلى بن منصور عنه. قال الخطابي: المعلى ليس
بذاك الحافظ، وتعقبه ابن الجوزى بأنه لا يعرف أحد طعن فى المعلى، وغفل عن قول الامام أحمد أنه كان يخطىء كل
يوم فى حديثين أو ثلاثة فلعله حدث من حفظه بهذا فوثم. وقد قال الحاكم: وقفت على كتاب الصيام للعلى بحظ موثوق
به وليست هذه اللفظة فيه، وزعم ابن الجوزى إن الدار قطنى أخرجه من طريق تقيل أيضا وهو غلط منه ، فان
الدار قطنى لم يخرج طريق عقيل فى السنن، وقد ساقه فى العلل بالاسناد الذى ذكره عنه ابن الجوزى بدونها. انتهى.
كلام الحافظ. وراجع السنن الكبرى للبيهقي (ج٤ ص ٢٢٧) مع الجوهر النقي (أعلى أفقرمنى) بهمزة الاستفهام
والمجرور متعلق بمحذوف، أى أ أتصدق على شخص أكثر حاجة منى. وقال الشيخ زكريا الأنصارى فى شرح
البخارى: هو بتقدير همزة الاستفهام التعجي الداخلة على فعل حذف للعلم به من قوله ((فتصدق به)) قال الحافظ:
وهذا يشعر بأنه فهم الاذن له فى التصدق على من يتصف بالفقر وقد بين ابن عمر فى حديثه ذلك فزاد فيه إلى من
ادفعه قال إلى أفقر من تعلم أخرجه البزار والطبرانى فى الأوسط. وفى رواية ابراهيم بن سعد أعلى أفقر من أهلى
ولابن مسافر عند الطحاوى أعلى أهل بيت أفقر منى، ولمنصور أعلى أحوج منا (ما بين لابيتها) بغير همزة ثانية
لابة، بالباء الموحدة المفتوحة، ثم التاء المثناة من فوق، والضمير للمدينة. قال الجزرى فى جامع الأصول ( ج ٧
ص ٥٤٧) اللابة ، الأرض ذات الحجارة السود الكثيرة، وهى الحرة ولابتا المدينة حرتاها من جانيها - انتهى.
(يريد) أى الرجل باللابتين وهذا من كلام بعض رواته (الحرتين) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء تثنية حرة
وهى الأرض ذات الحجارة السود، والمدينة بين حرتين (أهل بيت أفقر من أهل بيتى) برفع أهل اسم (( ما»
٥٠٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
فضحك النبى صلى الله عليه حتى بدت أنيابه، ثم قال : أطعمه أملك .
النافية وأفقر بالنصب على أنه خبرها إن جعلت ((ما)) حجازية، وبالرفع إن جعلتها تميمية قاله الزركشى وغيره.
وقال البدر الدمامينى: وكذا أن جعلتها حجازية ملغاة من عمل النصب بناء على أن قوله ((ما بين لابتيها)) خير
مقدم، وأهل بيت مبتدأ مؤخر، وأفقر صفة له، وفى رواية عقيل ما أحد أحق به من أهلى ما أحد أحوج اليه
منى، وفى منسل سعيد والله ما لعيالى من طعام، وفى حديث عائشة عند ابن خزيمة ما لنا عشاء ليلة (فضحك النبى
صلى الله عليه وسلم حتى بدت) أى ظهرت (أنيابه) جمع ناب، وهو السن الذى بعد الرباعية، وهى أربعة. وفى
رواية ابن اسحاق حتى بدت تواجذه. قيل: إن ضحكه صلى اللّه عليه وسلم كان تعجبا من تباين حال الرجل حيث
جاء خائفا على نفسه، راغبا فى فداءها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع فى أن يأكل ما أعطيه من الكفارة.
وقيل: ضحك من حال الرجل فى مقاطع كلامه وحسن تأنيه وتلطفه فى الخطاب ، وحسن توسله فى توصله إلى
مقصوده. قيل: وقد يكون من رحمة الله تعالى وتوسعه عليه وإطعامه له هذا الطعام، واحلاله له بعد أن كلف
اخراجه، والضحك، غير التبسم. وقد ورد إن ضحكه كان تبسما أى فى غالب أحواله (أطعمه) أى ما فى العرق من
التمر (أهلك) أى من تلزمك نفقته أو مطلق أقاربك، ولابن عيينة عند البخارى فى الكفارات أطعمه عبالك،
ولأبى قرة عن ابن جريج ثم قال كله . ولابن اسحاق خذما وكلها وانفقها على عيالك ، ونحوه فى رواية عبد الجبار
ابن عمر وحجاج بن أرطاة وهشام بن سعد كلهم عن الزهرى عند البيهقى (ج ٤ ص ٢٢٦) وغيره . واستدل
به على سقوط الكفارة عن المعسر وهو أحد قولى الشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد وبه جزم عيسى بن دينار
من المالكية وهو قول الأوزاعى. قال ابن قدامة (ج ٣ ص ١٣٢) وإن عجز عن العتق والصيام والاطعام
سقطت الكفارة عنه فى إحدى الروايتين (عن أحمد) بدليل إن الأعرابى لما دفع اليه النبى مؤتم التمر وأخبره
بحاجته اليه قال أطعمه أهلك ولم يأمره بكفارة أخرى، وهذا قول الأوزاعى. وقال الزهرى: لابد من التكفير
وهذا خاص لذلك الأعرابى لا يتعداه بدليل أنه أخبر النبي ◌َ ◌ّ با عساره قبل أن يدفع اليه العرق، ولم يسقطها
عنه ولأنها كفارة واجبة فلم تسقط بالعجز عنها كسائر الكفارات، وهذا رواية ثانية عن أحمد، وهو قياس
قول أبى حنيفة والثورى وأبى ثور وعن الشافعى كالمذهبين. ولنا الحديث المذكور ودعوى التخصيص لا تسمع
بغير دليل، وقولهم إنه أخبر النبي ◌َّه بعجزه فلم يسقطها، قلنا قد أسقطها عنه بعد ذلك وهذا آخر الأمرين من
رسول اللّه ◌َ لقتله، ولا يصح القياس على سائر الكفارات. لأنه إطراح للنص بالقياس والنص أولى - انتهى.
قلت آخر الحديث ليس نصا فى إسقاط الكفارة عند الاعسار بل هو محتمل لوجوه أخرى كما سيأتى، وأول
٥٠٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
الحديث نص فى عدم سقوط الكفارة بالاعسار فلا يترك بالمحتمل. وقال ابن دقيق العيد (ج ٢ ص ٢١٨) تباينت
المذاهب فيه أى فى قوله أطعمه أهلك. فقيل إنه دليل على سقوط الكفارة بالاعسار المقارن لسبب وجوبها
لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال ولم يبين النبى رَّم استقرارها فى ذمته إلى حين يساره ويتايد
ذلك بصدقة الفطر حيث تسقط بالاعسار المقارن بسبب وجوبها وهو هلال الفطر لكن الفرق بينهما إن صدقة
الفطر لها أمد تنتهى اليه، وكفارة الجماع لا أمدلها فتستقر فى الذمة. وليس فى الخبر ما يدل على إسقاطها بل فيه
ما يدل على استمرارها على العاجز. وقيل لا تسقط الكفارة بالاعسار المقارن وهو مذهب مالك وأبى حنيفة
والصحيح من مذهب الشافعى أيضا ، وبعد القول بهذا المذهب. ففيه طريقان، أحدهما منع أن لا تكون الكفارة
أخرجت فى هذه الواقعة، يعنى إن الذى أذن له فى التصرف فيه كان على سبيل الكفارة. ثم اختلفوا فقال
بعضهم : هذا خاص بهذا الرجل أى كون أكله من صدقة نفسه وإطعام أهله منها مجزئا عن كفارته مخصوص بهذا
الرجل لا يتعداه . ورد بأن الأصل عدم الخصوصية. وقال بعضهم: هو منسوخ وهذا أيضا مردود. لأنه لا
دليل على النسخ. وقال بعضهم: المراد بالأهل الذين أمر بصرفها اليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه، وضعف
بالرواية التى فيها عيالك. وبالرواية المصرحة بالاذن له فى الأكل من ذلك. وقال بعضهم : لما كان فقيرا عاجزاً
لا يجب عليه النفقة لغيره وكان أهله فقراء أيضا جاز إعطاء الكفارة عن نفسه لهم . وقد جوز بعض الشافعية لمن
لزمته الكفارة مع الفقر أن يصرفها إلى أهله وأولاده. وضعف أيضا بالرواية التى فيها تصريح بالإذن له فى الأكل
من ذلك. الطريق الثانى، وهو الأقرب الأقوى أن يجعل إعطاءه إياها لا على جهة الكفارة بل على جهة التصدق
عليه وعلى أمله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم . وأما الكفارة فلم تسقط بذلك ولكن ليس استقرارها فى ذمته
مأخوذاً من هذا الحديث. وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه لأن العلم بالوجوب قد تقدم ، ولم يرد
فى الحديث ما يدل على الاسقاط، لأنه لما أخبره بعجزه ثم أمره باخراج العرق دل على أن لاسقوط عن العاجز
ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة: وهو القدرة كذا فى الفتح. وقد ورد ما يدل على إسقاط الكفارة أو على
أجزاءها عنه بانفاقه إياها على عياله وهو قوله فى حديث على، وكله أنت وعيالك فقد كفراله عنك، ولكنه حديث
ضعيف لا يجتج بما انفرد به. قال القسطلانى: ولا بن اسحاق خذها وكلها وانفقها على عيالك أى لا عن الكفارة
بل هو تمليك مطلق بالنسبة اليه وإلى عياله وأخذهم إياه بصفة الفقر ، وذلك لأنه لما عجز عن العتق لاعساره وعن
الصيام لضعفه، فلما حضر ما يتصدق به ذكر أنه وعياله محتاجون فتصدق به عليه الصلاة والسلام عليه، وأذن له
فى أكله وإطعام عياله وكان من مال الصدقة. وبقيت الكفارة فى ذمته - انتهى. وحكى عن الشعبى والنخعى وسعيد
٥٠٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
متفق عليه .
أبن جبير أن الكفارة غير واجبة أصلا لا على موسر ولا معر. قالوا: لأنه أباح له أن يأكل منها ولو كانت
واجبة لما جاز ذلك وهو استدلال غير ناهض، لأن الحديث ظاهر فى الوجوب وإباحة الأكل لا تدل على أنها
كفارة، بل فيها الاحتمالات التى سلفت. واعلم أنه ير تهلم يأمره فى هذه الرواية بقضاء اليوم الذى جامع فيه إلا
أنه ورد الأمر بالقضاء فى حديث أبى هريرة عند أبى داود والبيهقى والدار قطنى وفى حديث عمرو بن شعيب عند البيهقى
وابن أبى شيبة، واليه ذهب أكثر العلماء. قال الزرقانى: إيجاب القضاء مع الكفارة هوقول الأئمة الأربعة والجمهور،
وأسقطه بعضهم. لأنه لم يرد فى خبر أبى هريرة ولا خبر عائشة ولا فى نقل الحفاظ لهما ذكر القضاء، وأجيب بأنه
جاء من طرق يعرف بمجموعها إن لهذه الزيادة أصلا يصلح للاحتجاج وعن الأوزاعى أن كفر بعتق أو إطعام
قضى اليوم، وان صام شهرين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم - انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: استدل بالحديث على
سقوط قضاء اليوم الذى أفسده المجامع إكتفاء بالكفارة إذ لم يقع التصريح فى الصحيحين بقضاءه وهو محكى فى
·ذهب الشافعى. وعن الأوزاعى يقضى إن كفر بغير الصوم وهو وجه الشافعية أيضا . قال ابن العربى: إسقاط
القضاء لا يشبه منصب الشافعى اذ لا كلام فى القضاء لكونه أفسد العبادة. وأما الكفارة فانما هى ما اقترف من
الاثم. قال: وأما كلام الأوزاعى فليس بشىء. قال الحافظ: وقد ورد الأمر بالقضاء فى هذا الحديث فى رواية
أبى أويس وعبد الجبار بن عمرو هشام بن سعد كلهم عن الزهرى (عند البيهقى ج٤ ص ٢٢٦) وأخرجه البيهقى من
طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهرى. وحديث إبراهيم بن سعد فى الصحيح عن الزهرى نفسه بغير هذه
الزيادة، وحديث الليث عن الزهرى فى الصحيحين بدونها، ووقعت الزيادة أيضاً فى مرسل سعيد بن المسيب ونافع
ابن جبير، والحسن ومحمد بن كعب. وبمجموع هذه الطرق يعرف أن لهذه الزيادة أصلا. ويؤخذ من قوله صم
يوما عدم اشتراط الفورية للتفكير فى قوله يوما - انتهى. وهذا الخلاف فى الرجل ، فأما المرأة فيجب عليها القضاء
من غير خلاف عندهم. واعلم أن هذا حديث جليل كثير الفوائد. قال الحافظ فى الفتح: قد اعتنى بعض المتأخرين
ممن أدركه شيوخنا بهذا الحديث فتكلم عليه فى مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة - انتهى. وما ذكرناه فيه كفاية
(متفق عليه) واللفظ للبخارى فى باب اذا جامع فى رمضان ولم يكن له شىء فتصدق عليه فليكفر من كتاب الصيام
إلا قوله إجلس وقوله الضخم. وقد سبق التنبيه على هذا، والحديث أخرجه البخارى أيضا فى الهبة والنفقات
والأدب والنذور والمحاربين، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى فى الكبرى وابن ماجه والدارمى
والدار قطنى وابن خزيمة وأبو عوانة والبيهقى والطحاوى والبزار وغيرهم.
٥
٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
﴿ الفصل الثانى )
٢٠٢٥ - (٧) عن عائشة، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها.
رواه أبو داود .
٢٠٢٥ - قوله (كان يقبلها وهو صائم) أى فى رمضان وغيره (ويمص) بفتح الميم ويجوز ضمه
(لسانها ) قال ميرك: قيل إن ابتلاع ريق الغير يفطر اجماعا، وأجيب على تقدير محمة الحديث أنه واقعة حال فعلية
محتملة أنه عليه الصلاة والسلام كان يبصقه ولا يبتلعه وكان يمصه ويلق جميع ما فى فمه فى فمها، والواقعة الفعلية إذا
احتملت لادليل فيها - انتهى. قال القارى: ولا يخفى أن الوجه الثانى مع بعده إنما يتصورفيما اذا كانت غير صائمة-
انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: اسناده ضعيف ولو صح فهو محمول على من لم يبتلع ريقه الذى خالط ريقها والله
أعلم. وقال فى فتح الودود: إن صح يحمل على غير حالة الصوم (اذ ليس فيه تصريح بأنه كان يفعل ذلك وهو صائم)
أو على أنه يخرج ذلك الريق. قال ابن قدامة (ج ٣ ص ١٠٦ - ١٠٧) إن بلع ريق غيره أفطر. وأما حديث
عائشة إن النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها. فقد روى عن أبى داود أنه قال، هذا اسناد
ليس بصحيح ، ويجوز أنه كان يقبل فى الصوم ويمص لسانها فى غيره ويجوز أن يمصه ثم لا يبتلعه، ولأنه لم يتحقق
إنفصال ما على لسانها من البلل إلى فمه فأشبه ما او ترك حصاة مبلولة فى فيه أولو تمضمض بماء ثم مجه
(رواه أبو داود) قال الحافظ فى الفتح: رواه أبو داود وخده وإسناده ضعيف. وقال فى تهذيب التهذيب
(ج٩ ص ١٥٦) قال النسائى: فى حديث عائشة كان يقبلها ومص لسانها هذه اللفظة لاتوجد إلا فى رواية محمد بن
دينار - انتهى. والحديث عند أحمد وأبي داود - انتهى كلام الحافظ. وكتب على هامش عون المعبود (ج ٢
ص ٢٨٥) أنه وجدت العبارة الآتية بعد هذا الحديث فى نسخة ((قال ابن الاعرابى: بلغنى عن أبى داود أنه قال هذا
الاسناد ليس بصحيح، وقال المنذرى: فى إسناده محمد بن دينار الطاحى البصرى. قال يحيى بن معين : ضعيف.
وفى رواية ليس به بأس ولم يكن له كتاب. وقال غيره صدوق. وقال ابن عدى: قوله بمصر لسانها فى المتن
لا يقوله إلا محمد بن دينار وهو الذى رواه وفى أسناده أيضا سعد بن أوس. قال ابن معين: بصرى ضعيف -
انتهى. قلت: محمد بن دينار هذا . قال فى التقريب فى ترجمته: إنه صدوق سىء الحفظ رمى بالقدر وتغير قبل
موته. وأما سعد بن أوس وهو العدوى، ويقال العبدى البصرى فذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الساجى:
صدوق، ذكره فى تهذيب التهذيب. وقال فى التقريب: صدوق. له أغاليط والحديث أخرجه أيضا البيهقى
(ج ٤ ص ٢٣٤).
٥١٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
٢٠٢٦ - (٨) وعن أبى هريرة، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم،
فرخص له. وأتاء آخر فسأله فنهاه، فاذا الذى رخص له شيخ، وإذا الذى نهاه شاب. رواه
أبو داود .
٢٠٢٧ - (٩) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذرعه التى وهو صائم،
فليس عليه قضاء ، ومن استقاء عمدا، فليقض.
٢٠٢٦ - قوله (عن المباشرة) قيل: هى مس الزوج المرأة فيما دون الفرج. وقيل: هى القبلة واللس
باليد (فسأله) أى عن المباشرة ( فنهاه ) أى عنها (فاذا الذى رخص له ) أى فيها (شيخ واذا الذى نهاه) عنها
(شاب) فيه إشارة الى أنه صلى الله عليه وسلم اجابهما بمقتضى الحكمة، اذا الغالب على الشيخ سكون الشهوة
وأمن الفتنة فأجاز له بخلاف الشاب فنهاه إهتماما له، وفيه حجة لمن فرق بين الشيخ والشاب فى المباشرة ، والقبلة.
وقد تقدم البسط فى هذه المسئلة (رواه أبو داود) وكذا البيهقى (ج ٤ ص ٢٣١) وسكت عنه أبو داود
والمنذرى والحافظ فى التلخيص (ص ١٩١) وقال فى الفتح: فيه ضعف قلت: فى سنده أبو العنبس الكوفى العدوى
الحارث بن عبيد ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال فى التقريب: مقبول وقد أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس
ولم يصرح برفعه والبيهقى من حديث عائشة وأحمد والطبرانى من حديث عبد الله بن عمرو وقد تقدم لفظهما.
٢٠٢٧ - قوله (من ذرعه التىء) بالذال المعجمة أى غلب عليه القىء يخرج بغير اختيار منه (فليس عليه قضاء)
لأنه لا تقصير منه (ومن استقاء عمدا) أى تسبب لخروجه قصدا يعنى طلب القىء وأخرجه باختياره. قال ابن قدامة:
معنى استقاء تقيأ مستدعا للقىء وذرعه خرج من غير اختيار منه (فليقض) وفى رواية فعليه القضاء. والحديث دليل .
على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء لقوله فلا قضاء عليه اذعدم القضاء فرع الصحة. وعلى أنه يبطل صوم من تعمد إخراجه
ولم يغلبه لأمره بالقضاء واليه ذهب الجمهور، منهم الشافعى وأحمد ومالك واسحاق ، وحكى ابن المنذر الإجماع على
بطلان الصوم بتعمد القىء، لكن روى عن ابن عباس وابن مسعود وربيعة وعكرمة إن القيء لا يفطر مطلقا، سواء
كان غالبا أو مستخرجا ما لم يرجع منه شىء باختياره وهى إحدى الروايتين عن مالك . ونقل ابن المنذر الاجماع
على ترك القضاء على من ذرعه القيء، وذهب قوم الى أن القي يفطر مطلقا سواء كان غالبا أو مستخرجاً واستدلوا
لذلك بحديث أبي الدرداء التالى وسيأتى الكلام فيه. قال ابن قدامة (ص ١١٧) من استقاء فعليه القضاء لأن
صومه يفسد به ومن ذرعه فلا شىء عليه، وهذا قول عامة أهل العلم. قال الخطابي: (ج ٢ ص ١١٢) لا أعلم
خلافا بين أهل العلم فيه، ولكن اختلفوا فى الكفارة على من استقاء عامدا. فقال عامة أهل العلم ليس عليه غير
٥١١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
رواه الترمذى، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمى.
القضاء. وقال عطاء: عليه القضاء والكفارة، وحكى عن الأوزاعى وهو قول أبى ثور. وقال ابن المنذر:
أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدا، وحكى عن ابن مسعود وابن عباس إن القى لا يفطر لما روى
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث لا يفطرن الصائم الحجامة والقيم والاحتلام، ولأن الفطر ما دخل لا مما
خرج. ولنا ما روى أبو هريرة مرفوعا من ذرعه التى فليس عليه قضاء - الحديث ، وحديثهم غير محفوظ (كما
ستعرف) والمعنى الذى ذكر لهم يبطل بالحيض والمنى - انتهى. قلت: ويجاب عن حديث الثلاث بعد تسليم
صلاحيته للاستدلال بأنه محمول على من ذرعه القىء جمعا بين الأدلة وحملا للعام على الخاص. قال ابن قدامة:
وقليل القى وكثيره سواء فى ظاهر قول الخرقى وهو إحدى الروايات عن أحمد والرواية الثانية لا يفطر الا يمل.
الفم، والثالثة نصف الفم والأولى أولى اظاهر حديث أبى هريرة، ولأن سائر المفطرات لا فرق بين قليلها وكثيرها
انتهى مختصرا. وقال الباجى (ج ٢ ص ٦٤) من استقاء يلزمه القضاء هذا قول مالك واختلف أصحابه فى ذلك
فقال الأبهرى: هو على الاستحباب. وقال أبو يعقوب الرازى: هو على الوجوب وبه قال الشافعى وأبو حنيفة،
والدليل على وجوب ذلك إن المتعمد القىء والمكروه لنفسه عليه لا يسلم فى الغالب من رجوع شىء الى حلقه
فيقع به فطره ، فلما كان ذلك الغالب من حاله حمل سائره على ذلك كالنوم فى الحدث فإذا قلنا بوجوب القضاء
فهل تلزمه الكفارة. قال أبو بكر عن ابن الماجشون عليه الكفارة. وقال القاضى أبو محمد: من قال من أصحابنا
إن القضاء على الوجوب فانه تلزمه الكفارة. وقال أبو الفرج: لوسئل عنه مالك لأوجب عليه الكفارة . قال
الباجى: وفيه نظر. ويبطل عندى من وجهين أحدهما، أننا فوجب عليه القضاء لأننا لا نتيقن سلامة صومه فلابد له
من القضاء لتبرأ ذمته من الصوم الذى لزمها، ونحن لانتيقين فساد صومه فنوجب عليه الكفارة، والكفارة لم تثبت
فى ذمته قبل ذلك بأمر واجب. والثانى إن الكفارة إنما تجب اذا كان الفطر نفسه باختيار الصائم ، فأما اذا فعل
فعلا يؤدى الى وقوع الفطر منه بغير اختيار فلا تجب به عليه الكفارة - انتهى، وقيل: الجمع بين ما روى عن
ابن عباس وابن مسعود وعلى من أن الفطر مما دخل لا مما خرج وبين حديث الباب إن فى الاستقاء يتحقق رجوع
شىء مما يخرج، وإن قل حتى لا يحس به فلاعتباره يفطر، وفيما إذا ذرعه إن تحقق ذلك أيضا لكن لا صنع
له فيه، ولغيره من العباد فكان كالنسيان والخطأ (رواه الترمذى وأبو داود) الخ واللفظ للترمذى وأخرجه
أيضا أحمد (ج ٢ ص ٤٩٨) والنسائى فى الكبرى وابن حبان والدار قطنى (ص ٢٤٠) والحاكم ( ج ١
ص ٤٢٧) والبيهقى (ج ٤ ص ٢١٩) وابن الجارود فى المنتقى (ص ١٩٨) والطحاوى (ج ١ ص ٣٤٧) وابن
حزم فى المحلى (ج ٦ ص ١٧٥) واسحاق بن راهويه فى مسنده جميعا من طريق عيسى بن يونس عن هشام بن
٥١٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمد - يعنى
البخارى - لا أراه محفوظا .
حسان عن ابن سيرين عن أبى هريرة (وقال التر مذى هذا حديث غريب) كذا فى جميع النسخ الحاضرة عندنا وكذا
ذكره الحافظ فى الفتح. ووقع فى نسخ الترمذى الموجودة عندنا حديث حسن غريب، وكذا وقع فى نقل
المنذرى فى مختصر السنن، والزيلعى فى نصب الراية ( ج ٢ ص ٤٤٨) والعينى فى شرح البخارى ( ج ١١ ص ٣٥)
وابن الحمام فى فتح القدير، وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذى فى ذلك. ولعل الصواب وجود لفظ الحسن
فان الظاهر إن الحديث لا ينحط عن درجة الحسن كما ستعرف ( لا نعرفه) أى من حديث هشام عن ابن سيرين
عن أبى هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم (إلا من حديث عيسى بن يونس) هو عيسى بن يونس بن أبى اسحاق
السبيعى الكوفى أخو اسرائيل نزل الشام مرابطا ثقة مامون من رجال السنة وثقه أحمد ، وأبو حاتم ويعقوب بن
شيبة وابن خراش وابن عمار والعجلى وأبو همام وأبو زرعة وابن سعد وابن حبان والحاكم أبو أحمد والدارقطنى
وآخرون مات سنة (١٨٧) وقيل سنة (١٩١) ودعوى تفرد عيسى بن يونس بهذا الحديث خطأ، لأنه قد تابعه
عن هشام حفص بن غياث عند ابن ماجه والحاكم. قال الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على المحلى: ( ج ١ ص ١٧٥ -
١٧٦) قد غلط الترمذى فى دعوى انفراد عيسى به فقد رواه ابن ماجه من طريق الحكم بن موسى عن عيسى بن
يونس ومن طريق أبى الشعثاء عن حفص بن غياث كلاهما عن هشام بن حسان به. وكذا رواه الحاكم (ج ١.
ص ٤٢٦، ٢٢٧) من طريق على بن حجر عن عيسى، ومن طريق يحي بن سليمان الجعفى عن حفص. وقال
أبو داود: بعد حديث عيسى ((ورواه أيضا حفص بن غياث عن هشام مثله)، فسقطت دعوى تفرد عيسى بروايته
بل نقل الدارمى (وكذا اسحاق بن راهويه فى مسنده كما فى تخريج الهداية للزيلعى (ج ٢ ص ٤٤٩) عن عيسى أنه
قال ((زعم أهل البصرة أن هشاما أوهم فيه فموضع الخلاف ههنا) وهشام ثقة حجة (من أثبت الناس فى ابن سيرين)
قال ابن أبى عروبة: ما رأيت أحفظ عن ابن سيرين من هشام. وقال أبو داود: إنما تكلموا فى حديثه عن الحسن
وعطاء، لأنه كان يرسل عنهما والذى هنا من رواية ابن سيرين وليس الحكم بالوهم على الراوى الثقة بالمين ولذلك
صححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي . هو الحق - انتهى. قلت: وسكت عنه أبو داود وقواه الدار قطنى
وابن حزم حيث قال الدار قطنى: بعد روايته طريق من عيسى بن يونس رواته ثقات كلهم. وقال ابن حزم: عيسى
ابن يونس ثقة. (وقال محمد يعنى البخارى لا أراه) بضم الهمزة أى لا أظنه (محفوظا) قال الطيبي: الضمير راجع
إلى الحديث وهو عبارة عن كونه منكراً - انتهى. وحكى الحافظ فى الفتح عن البخارى أنه قال بعد رواية الحديث
من طريق عيسى ((لم يصح)) وإما يروى عن عبد الله بن سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة وعبد الله ضعيف جدا
٥١٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
٢٠٢٨ - (١٠) وعن معدان بن طلحة، أن أبا الدرداء، حدثه أن رسول اللّه مَيضع قاء فأفطر.
انتهى. وقال البيهقى (ج ٤ ص ٢١٩) بعد روايته من طريق عيسى وحفص أفرد به هشام بن حسان ، وقد أخرجه
أبو داود وبعض الحفاظ لا يراه محفوظاً. قال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل يقول: ليس من ذا شىء. قال
الخطابى (ج ٢ ص ١١٢) : ريد أن الحديث غير محفوظ. وقال الحافظ فى بلوغ المرام: أعله أحمد. وقال
فى التلخيص (ص ١٨٨) وأنكره أحمد. وقال فى رواية ليس من ذا شىء وقال مهناً عن أحمد حدث به عيسى
وليس هو فى كتابه غلط فيه وليس هو من حديثه. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأخرجه من حديث
حفص بن غياث أيضا - انتهى. وقال النسائى: وقفه عطاء عن أبى هريرة. وقال ابن عبد البر: الأصح إنه
موقوف على أبى هريرة: قلت: لم يظهر لى وجه كون الوقف أرجح ولا وجه كون رواية عيسى غلطا. وقد
ثبت أنه تابعه حفص بن غياث وهما من ثقات الرواة ومن رجال الستة وكذا هشام بن حسان فلا يضر تفرده،
فالظاهر إن الحديث حسن كما قال الترمذى أو صحيح كما قال الحاكم والذهبى. قال الترمذى: قد روى هذا
الحدیث من غير وجه عن أبى هريرة مرفوعا ولا يصح اسناده. وقال البيهقى: قد روى من وجه آخر ضعيف عن
أبى هريرة مرفوعا - انتهى. قلت يشير أن بذلك إلى ما أشار اليه البخارى من رواية عبد الله بن سعيد المقبرى
عن أبيه عن أبى هريرة ، ومن هذا الطريق أخرجه أبو يعلى فى مسنده وابن أبى شيبة فى مصنفه كما فى نصب الراية
والدار قطنى (ص ٢٤٠) ولا شك أن هذا الطريق ضعيف. وفى الباب عن ابن عمر موقوفا عند مالك فى الموطأ
والشافعى، وأخرجه البيهقى من طريق الشافعى وعن على موقوفا أخرجه عبد الرزاق والبيهقى .
٢٠٢٨ - قوله (وعن معدان) بفتح الميم (بن طلحة) كذا وقع فى رواية أبى داود، ووقع عند
الترمذى والدارمى ((ابن أبي طلحة)) ورجحه الترمذى ورجح ابن معين ((معدان بن طلحة)) (إن أبا الدرداء حدثه)
أى أخبره كما فى رواية لأحمد (إن رسول اللّه مَّ قاء فأفطر) قد استدل به على أن القىء يفطر مطلقا، سواء كان
غالبا أو مستخرجا. ووجه الاستدلال إن ((الفاء)) تدل على أن الافطار كان مرتبا على القىء، وبسببه وهو المطلوب
فتكون هى للسبية وأجيب عن هذا بوجوه منها إن فى سنده إضطرابا لا يصلح لذلك للاحتجاج. قال
البيهقى (ج ١ ص ١٤٤) إسناد هذا الحديث مضطرب، واختلفوا فيه إختلافا شديدا، وحكى الحافظ عنه فى
التلخيص (ص ١٨٨) أنه قال إسناده مضطرب، ولا تقوم به حجة ـ انتهى. وتعقب بأن وجوه الاختلاف
ههنا ليست بمستوية كما لا يخفى على من نظر فى طرقها ولا تعذر الجمع بينهما، فدعوى الاضطراب مردودة. وقد
صحه ابن منده: وقال الترمذى: هو أصح شىء فى هذا الباب. وكذا قال أحمد ومنها إن قوله ((قاء فأفطر»
ليس نصا صريحا ، فى أن القىء مفطر للصوم لاحتمال أن تكون ((الفاء)) للتعقيب من دون أن تكون للسببية. قال.
-٠
٥١٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
قال : فلقيت ثوبان فى مسجد دمشق ، فقلت : إن أبا الدرداء حدثنى أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قاء فأفطر. قال: صدق، وأنا صيبت له وضوءه.
الطحاوى (ص ٣٤٨) ليس فيه دليل على أن التى كان مفطرا له، إنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك. قال: يجوز
أن يكون قوله: ((قاء فأفطر)) أى قاء فضعف فأفطر. وقال الترمذى: معناه إن النبي صلى الله عليه وسلم كان
صائما متطوعا فقاء فضعف، فأفطر لذلك هكذا روى فى بعض الحديث مفسرا - انتهى. وقال الشيخ أحمد
شاكر فى تعليقه على الترمذى: (ج ١ ص ١٤٦) لوكانت الفاء السببية لم تدل أيضا على نقض الصوم بالقى. لأنه قد
يفطر الانسان لما ينوبه من الضعف والتراخى مما لا يستطيع معه إحتمال مشقة الصوم أو خشية الضرر والمرض،
فالقيْ سبب له. ولكنه سبب عادى طبيعى، ولا يكون سببا شرعيا إلا بنص صريح من الشارع - انتهى. وبهذا
يندفع ما قال ابن المنير متعقبا على الطحاوى، من أن الحكم اذا عقب بالفاء دل على أنه العلمة كقولهم سها فسجد.
ومنها إن قوله قاء أى عمدا لما تقدم من أن من ذرعه ليس عليه قضاء. قال البيهقى (ج ٤ ص ٢٢٠) هذا
حديث مختلف فى إسناده فان صح فهو محمول على أنه تقيأ عامدا. وكأنه صلى الله عليه وسلم كان متطوعا بصومه
- انتهى. وقال الحافظ فى التلخيص (ص ١٨٨) حديث أبى درداء إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر
أى استقاء. وقال فى الفتح: ويمكن الجمع بين قول أبى هريرة اذا قاء لا يفطر وبين قوله أنه يفطر بما فصل فى
حديثه المرفوع المتقدم ، فيحتمل قوله اذا قاء يفطر أنه تعمد القىء. واستدعى به وبهذا أيضا يتأول قوله فى حديث
أبى الدرداء الذى أخرجه أصحاب السنن مصححا أن النبى صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر أى استقاء عمدا وهو أولى
من تأويل من أوله بأن المعنى قاء فضعف فأفطر والله أعلم - انتهى. قلت: ويؤيد حمل قوله قاء على القىء عامدا
رواية أحمد (ج٦ ص ٤٤٩) بلفظ: عن أبى الدرداء قال استقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخطر فأتى بماء
فتوضاً (فلقيت ثوبان) مولى رسول الله تَفي (صدق) أى أبو الدرداء (وأنا صببت له) أى النبى صلى الله
عليه وسلم ( وضوءه ) بالفتح أى ماء وضوءه، وهذا يدل على أن الوضوء وإن لم يذكر فى اللفظ بعد قوله قاء
لكنه ثابت فى المعنى لأن قول ثوبان قصديقا لأبى الدرداء ((صدق وأناصبيت له وضوءه)) دليل على أن الوضوء
مذكور فى أصل الحديث، وإن اختصر فى الرواية لأن ثوبان يؤكد الرواية بأنه هو الذى صب له الوضوء بعد
القيء، وأما رواية الترمذى فى الطهارة بلفظ: قاء فتوضأ ففى كون لفظ فتوضأ فيها محفوظا نظر، فان حديث
أبى الدرداء هذا ذكره الترمذى فى الصيام بلفظ: قاء فأفطر وبهذا اللفظ رواه أحمد (ج ٥ ص ١٩٥ - ٢٧٧ وج٦
ص ٤٤٣ - ٤٤٩) وأبو داود والنسائى فى الكبرى وابن حبان والطبرانى وابن منده كما فى التلخيص (ص ١٨٨)
والحاكم (ج١ ص ٢٢٦) والطحاوى (ج ١ ص ٣٤٧ - ٣٤٨) والدار قطنى (ص ٥٧ - ٥٨ ٢٣٨) وابن
الجارود (ص ١٥) والبيهقى (ج١ ص ١٤٤ وج ٤ ص٢٢٠) واختلفت نسخ الترمذى فى رواية كتاب الطهارة
٥١٥
.

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
رواه أبوداود والترمذى والدارمى .
٢٠٢٩ - (١١) وعن عامر بن ربيعة، قال: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم ما لا أحصى يتسوك
كما ذكره الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على الترمذى (ج١ ص ١٤٣ - ١٤٥) ففى بعضها قاً فتوضأ وفى بعضها قاء
فأفطر فنوضأ، ويؤيد هذه النسخة رواية أحمد فى (ج ٦ ص ٤٤٩) بلفظ: إستقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأفطر فأتى بماء فتوضأً وفى بعضها قاء فأفطر. ويؤيده سائر الروايات المذكورة، ويؤيده أيضا أن أصل الحديث
ورد عن ثوبان من وجه آخر بلفظ: قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر أخرجه أحمد (ج.
ص ٢٧٦) والطيالسى والطحاوى ( ج ١ ص ٣٤٨) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٢٠) بسند جيد. وهذا كله يورث
الشك والتردد فى كون لفظ فتوضأ محفوظا. واستدل الحنفية بهذا على كون القىء ناقضا للوضوء وقد ذكرنا جوابه
فى الطهارة وإن شئت البسط فى الجواب فارجع إلى تعليق الترمذى للعلامة الشيخ أحمد شاكر وشرحه لشيخنا
الأجل المباركفورى رحمهما الله تعالى. (رواه أبو داود والترمذى والدارمى) واللفظ لأبي داود ورواه
الثلاثة من طريق حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الرحمن بن عمر والأوزاعى عن يعيش بن الوليد
عن أبيه عن معدان بن طلحة ومن هذا الطريق رواه أحمد (ج ٦ ص ٤٤٣) والطحاوى ( ج ١ ص ١٤٧-١٤٨)
والحاكم (ج ١ ص ٤٢٦) والدارقطنى (ص ٥٧ - ٥٨ و ٢٣٨) والبيهقى (ج ١ ص ١٤٤ وج ٤ ص ٢٢٠)
وابن الجارود (ص ١٥) وابن منده وابن حبان وله طرق أخرى عند بعضهم. وقد سكت عنه أبو داود. وقال
الترمذى: فى كتاب الطهارة: قد جود حسين المعلم هذا الحديث وحديث حسين أصح شىء فى هذا الباب.
ونقل المنذرى كلام الترمذى هذا وأقره وزاد. وقال الامام أحمد بن حنبل: حسين المعلم يجوده . وقال الحاكم
صحيح على شرط الشيخين. ولم يخرجاه الخلاف فى سنده ووافقه الذهبي. وقال الحافظ فى التلخيص (ص١٨٨) قال
ابن منده : إسناده صحيح متصل وتركه الشيخان لاختلاف فى اسناده. ثم قال الحافظ بعد ذكر كلام الترمذى:
المتقدم. وكذا قال أحمد، وفيه اختلاف كثير قد ذكره الطبر انى وغيره. ثم ذكر كلام البيهقى السابق فيما
يتعلق باضطراب اسناده، وأجاب عنه ابن التركمانى (ج ١ ص ١٤٣) بأن الترمذى قال قد جوده. حسين المعلم
عن يحيى بن أبي كثير وحديث حسين أصح شىء فى هذا الباب. وقال ابن مندة هذا اسناد متصل صحيح. قال ابن
التركانى: واذا أقام أسنادا ثقة إعتمد ولم يبال بالاختلاف وكثير من أحاديث الصحيحين لم تسلم من مثل هذا
الاختلاف، وقد فعل البيهقى مثل هذا فى حديث «هو الطهور ماؤه، حيث بين الاختلاف الواقع فيه. ثم
قال إلا أن الذى أقام اسناده ثقة ، أو دعه مالك فى الموطأ وأخرجه أُوچداود فى السنن ۔ انتهى.
٢٠٢٩ - قوله (ما لا أحصى) أى مقداراً لا أقدر على إحصائه وعده لكثرته (يتسوك) مفعول ثان
٥١٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
وهو صائم،
لأنه خبر على الحقيقة و((ما))موصوفة ولا أحصى صفتها وهى ظرف ليتوك أى يتسوك مرات لا أقدر على
عدها قاله الطبي. قال ميرك: ولعله حمل الرؤية على معنى العلم فجعل يتسوك مفعولا ثانيا، ويحتمل أن تكون بمعنى
الابصار ويتسوك حينئذ حال وقوله (وهو صائم) حال أيضا إما مترادفة وإما متداخلة كذا فى المرقاه وهذا
لفظ الترمذى، ولأبى داود رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم مالا أعد ولا أحصى. والحديث
يدل بعمومه على جواز الاستياك للصائم مطلقا، سواء كان الاستياك بالسواك الرطب أو اليابس، وسواء كان
صائما فرضا أو تطوعا، وسواء كان فى أول النهار أو فى آخره. وإليه ذهب الثورى والأوزاعى وابن علية
وأبو حنيفة وأصحابه وسعيد بن جبيرو مجاهد وعطاء وابراهيم النخعى، وروى عن ابنعمركما فى ابن أبى شيبة وحكاه
الترمذى عن الشافعى وهو اختيار أبى شامة وابن عبد السلام والنووى والمزنى ، واليه ذهب البخارى حيث قال
باب السواك الراب واليابس للصائم، ويذكر عن عامر بن ربيعة قال رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يستاك وهو
صائم ما لا أحصى أو أعد. وقال أبو هريرة عن النبي ◌َّى: لو لا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل
وضوء. ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبى ◌َ ◌ّه ولم يخص الصائم من غيره. وقالت عائشة: عن النبى
زفّ السواك مطهرة للفم مرضاة للرب. وقال عطاء وقتادة: يقبلع ريقه - انتهى. قال الحافظ: أشار بهذه
الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بالسواك الرطب كالمالكية والشعبي ، وقد تقدم فى باب إغتسال
الصائم قياس ابن سيرين السواك الرطب على الماء الذى يتمضمض به، ومنه تظهر النكتة فى إيراد حديث عثمان فى
صفة الوضوء فى هذا الباب فان فيه أنه تمضمض واستنشق، وقال فيه: من آوضأ وضوئى هذا، ولم يفرق بين
صائم ومفطر ويتأيد ذلك بما ذكر فى حديث أبى هريرة فى الباب . قال ومناسبة حديث عامر للترجمة إشعاره
بملازمة السواك، ولم يخص رطبا من يابس ، وهذا على طريقة المصنف يعنى البخارى فى أن المطلق يسلك به مسلك
العموم أو إن العام فى الأشخاص عام فى الأحوال وقد أشار إلى ذلك بقوله فى أواخر الترجمة المذكورة
ولم يخص صائما من غيره أى ولم يخص أيضا رطبا من يابس وبهذا التقرير يظهر مناسبة جميع ما أورده فى هذا
الباب للترجمة، والجامع لذلك كله قوله فى حديث أبى هريرة لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء فانه يقتضى إباحته
فى كل وقت وعلى كل حال. قال ابن المنير: أخذ البخارى شرعية السواك للصائم بالدليل الخاص ، ثم انتزعه من
الأدلة العامة التى تناولت أحوال متناول السواك وأحوال ما يستاك به، ثم انتزع ذلك من أعم من السواك وهو
المضمضة أذ هى أبلغ من السواك الرطب. قال الحافظ: ومناسبة أثرعطاء وقتادة للترجمة من جهة أن أقصى ما
يخشى من السواك الرحاب أن يتحلل منه شىء فى الفم وذلك الشىء كماء المضمضة فإذا قذفه من فيه لا يضره بعد ذلك
٥١٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
أن يبتلع ريقه - انتهى. واستدل لهذا القول أيضا بما رواه ابن ماجه والدار قطنى (ص ٢٤٨) والبيهقى ( ج ٤
ص ٢٧٢) من حديث عائشة مرفوعا من خير خصلل الصائم السواك. قال فى التلخيص (ص ٢٤) هو ضعيف
ورواه أبو نعيم من طريقين آخرين عنها. قلت: فى سنده عند الثلاثة مجالد بن سعيد وضعفه الجمهور، ووثقه
النسائى. وروى له مسلم مقرونا بغيره ، واستشهد لهذا القول بما رواه النسائى فى الكنى والعقيلى وابن حبان فى
الضعفاء، والدار قطنى (ص ٢٤٨) والبيهقى (ج٤ ص ٢٧٢) من طريق عاصم الأحول عن أنس يستاك الصائم
أول النهار وآخره يرطب السواك ويابسه ورفعه، وفيه أبو اسحاق إبراهيم بن بيطار. قال الدار قطنى: ضعيف.
وقال البيهقى: تفرد به أبراهيم بن بيطار، ويقال ابراهيم بن عبد الرحمن قاضى خوارزم. وقد حدث عن عاصم
بالمناكير لا يحتج به، وقد روى عنه من وجه آخر ليس فيه ذكر أول النهار وآخره ثم ساقه من طريق ابن عدى
كذلك. وقال ابن حبان: لا يصح ولا أصل له من حديث النبي مَّفلم ولا من حديث أنس وذكره ابن الجوزى فى
الموضوعات. قلت وله شاهد من حديث معاذ عند الطبرانى فى الكبير وسيأتى. وبما روى ابن حبان فى الضعفاء عن
ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك آخر النهار وهو صائم، وأعله بأحمد بن عبد الله بن ميسرة
الحرانى، وقال لا يحتج به ورفعه باطل. والصحيح عن ابن عمر من فعله كذا فى نصب الراية ( ج ٢ ص ٤٦٠)
واللسان (ج ١ ص ١٩٥) وبما روى أحمد بن منيع بسنده عن ابن عباس أن النبي مؤتم تسوك وهو صائم ذكره
الحافظ فى التلخيص (ص ٢٤) وسكت عنه. وذهب أبو ثور والشافعى فى المشهور من مذهبه وف أصح قوليه
أنه يكره السواك رطبا كان أو يابساً للصائم بعد الزوال، ويستحب قبله برطب أو يابس. وقد روى عن على قال
إذا صمتم فاستا كوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشى فانه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشى إلا كانت نوراً بين عينيه
يوم القيامة أخرجه الدار قطنى (ص ٢٤٩) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٧٤) والطبرانى والبزار . قال فى التلخيص
(ص ١٩٣) ضعفه الدار قطنى والبيهقى. وقال فى (ص ٢٢) أسناده ضعيف. قلت: فى سنده كيسان أبو عمر القصار
ضعفه أحمد والساجى. وقال الدارة على: ليس بالقوى . ووثقه ابن معين ، وذكره ابن حبان فى الثقات . وقال فى
التقريب أنه ضعيف، وفيه أيضاً يزيد بن بلال . قال البخارى: فيه نظر. وقال ابن حبان: لا يحتج به. وقال
الأزدی : منکر الحديث . وقال الذهی : حديثه منكر. وقال الدار قطنى : یزید بن بلال غير معروف ، وقال فى
التقريب إنه ضعيف. وذهب أحمد واسحاق بن راهويه إلى كراهة السواك للصائم بعد الزوال مطلقا، وكراهة
الرطب للصائم مطلقاً. قال ابن قدامة ( ج ٣ ص ١١٠) لم ير أهل العلم بالسواك أول النهار بأسا اذا كان
العود يابسا، واستحب أحمد واسحاق ترك السواك بعد العشى. واختلفت الرواية عنه فى التسوك بالعود الرطب
فرويت عنه الكراهة و هو قول قتادة والشعبی والحكم و اسحاق ومالك فى روایة ، وروى عنه أنه لا يكره، وبه
٥١٨
ما

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
قال الثورى والأوزاعى وأبو حنيفة - انتهى مختصراً. والمشهور من مذهب مالك وأصحابه أنه يكره بالرطب
دون غيره سواء كان أول النهار أو آخره ، واستدل لهم بما روى البيهقى (ج ٤ ص ٢٧٢) عن زياد بن حدير
قال ما رأيت أحداً أداب سواكاً وهو صائم من عمر أراه قال بعود قد ذوى. قال أبو عبيد: يعنى يس ولأنه
مغرر بصومه لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه فيفطره وفيه ما قال ابن سيرين لا بأس بالسواك الرطب .
قيل: له طعم قال والماء له طعم وأنت تمضمض به ذكره البخارى واستدل لكراهة السواك بعد الزوال بما
رواه الدارقطنى (ص ٢٤٩) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٧٤) والطبرانى من حديث جناب مرفوعا مثل قول على
المتقدم . قال الحافظ فى التلخيص: ضعفه الدار قطنى والبيهقى. قلت: فيه كيسان أبو عمر القصار المذكور وقد
عرفت حاله. واستدل لذلك أيضا بحديث الخلوف المتقدم فى أوائل الصوم، لأن فى الاستياك بعد الزوال
إزالة الخلوف المحمود. وأجيب عنه بوجوه. منها ما قاله ابن العربى من أن الخلوف تغير رائحة فم الصائم
وإنما يحدث من خلو المعدة بترك الأكل ولا يذهب بالسواك لأنها رائحة النفس الخارجة من المعدة .
وإنما يذهب بالسواك ما كان فى الأسنان من التغير أى الوسخ: وقال ابن الهمام: إنما يزيل السواك أثره الظاهر عن
السن من الاصفرار وهذا لأن سبب الخلوف خلو المعدة من الطعام والسواك لا يفيد شغلها بطعام ليرتفع السبب،
ولهذا روى عن معاذ مثل ما قلنا روى الطبرانى فى الكبير عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل أتسوك
وأنا صائم قال نعم قلت أى النهار أقسوك قال أى النهار شنت غدوة أو عشية، قلت إن الناس يكرهونه عشية،
ويقولون إن رسول اللّه ◌َاثّم قال لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فقال سبحان الله لقد أمرهم
بالسواك وهو يعلم أنه لابد أن يكون بنى الصائم خلوف وإن استاك، وما كان بالذى يأمرهم أن يفتنوا أفواههم
عمدا ما فى ذلك من الخير شىء بل فيه شر إلا من ابتلى بلاء لا يجد منه بداً - انتهى. قال الحافظ فى التلخيص:
(ص ١٩٣) إسناده جيد وقال الهيشمى (ج ٣ ص ١٦٥) فيه بكر بن خنيس وهو ضعيف، وقد وثقه ابن معين
فى رواية. قلت: ووثقه أيضا العجلى وضعفه غيرهما . وقال فى التقريب: هوكوفى عابد سكن بغداد صدوق، له
أغلاط - انتهى. وقد تعقب الحافظ فى التلخيص (ص ٢٢) على هذا الجواب فقال فى قول ابن العربى السواك
لا يزيل الخلوف ، وانما يزيل وسخ الأسنان نظر، لأنه يزيل المتصعد الى الاسنان الناشىء عن خلو المعدة ولا
يخفى ما فيه لأن المضمضة أيضاً تزيل هذا وهم لا يكرهونها. ومنها ما قاله ابن العربى أيضا إن الحديث لم يسق
الكراهية السواك، وإنما سيق لترك كراهة مخاطبة الصائم. وقال الزرقانى: إنما مدح الخلوف نهياً للناس عن تقذر
مكالمة الصائم بسبب الخلوف لانهيا للصائم عن السواك والله غنى عن وصول الروائح الطيبة اليه ، فعلمنا يقينا أنه
٥١٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
لم يرد استبقاء الرائحة، وإنما أراد نهى الناس عن كراهتها وهذا التأويل أولى، لأن فيه إكراماً للصائم ولا تعرض
فيه للسواك فيذكر أو يتأول - انتهى. وقد تعقب الحافظ على هذا الجواب أيضاً فقال بعد ذكر كلام ابن
العربى: فيه نظر، لما رواه الدار قطنى (ص ٢٤٨) والبيهقي ( ج٤ ص ٢٧٤) عن أبى هريرة راوى حديث الخلوف
أنه قال لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فالقه فانى سمعت رسول الله والله يقول: خلوف الصائم أطيب
عند الله من ريح المسك. وفيه إن هذا الأثر ضعيف جدا فان فى سنده عمر بن قيس المعروف بسندل وهوواه.
قال أحمد والنسائى والفلاس وغيرهم: متروك. وقال أحمد: أحاديثه بواطيل لا تساوى شيئاً . وقال البيهقى:
ضعيف ، لا يحتج به، ومع ضعفه فقد عارضه ما هو أقوى منه من أثر معاذ بن جبل عند الطبرانى وقد تقدم لفظه .
ومنها إن فى السواك تطهيراً وإجلالا للرب حال مناجاته فى الصلاة ، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الفم تعظيم
وليس فى الخلوف تعظيم ولا إجلال ، وهذه المسئلة من قاعدة ازدحام المصالح التى يتعذر الجمع بينها ، ويدل على
أن مصلحة تطهير الفم بالسواك أعظم من مصلحة الخلوف قوله تمثيل لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند
كل صلاة، فيقدم السواك. وما ذكره الشافعى ومن وافقه هو تخصيص للعمومات بمجردكونه مزيلا للخلوف، وهذا
معارض بالمعنى الذى ذكرناه. وقال العزبن عبد السلام فى قواعده الكبرى (ج١ ص ٣٧،٣٦) قد فضل الشافعى
تحمل الصائم مشقة رائحة الخلوف على إزالته بالسواك مستدلا بأن ثوابه أطيب من ريح المسك، ولم يوافق
الشافعى على ذلك، اذ لا يلزم من ذكر ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة
حصول الرجحان بالأفضلية. ألا ترى أن الوترعند الشافعى فى قوله الجديد أفضل من ركعتى الفجر، مع قوله {ٹے
ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، وكم من عبادة قد أثنى الشارع عليها وذكر فضيلتها مع أن غيرها أفضل منها
وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما فان السواك نوع من التطهر المشروع لاجلال الرب
سبحانه وتعالى، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم، لاشك فيه، ولأجله شرع السواك. وليس فى
الخلوف تعظيم ولا إجلال فكيف يقال إن فضيلة الخلوف تربى على تعظيم ذى الجلال بتطبيب الأفواه إلى أن
قال والذى ذكره الشافعى تخصيص للعام بمجرد الاستدلال المذكور المعارض لما ذكرناه كذا فى النيل. وقال ابن
دقيق العيد : من يكره السواك بعد الزوال يحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به عموم عند كل صلاة ، وفى
تخصيصه بحديث الخلوف بحث - انتهى. وقال القارى: إذا ورد عن الشارع أحاديث مطلقة شاملة لما قبل الزوال
وما بعده، وعن الصحابة فعلهم وافتاءهم على جوازه بعد الزوال، فكيف يصلح بعد هذا كله أن يكون حديث
الخلوف دليلا الشافعى، ومن تبعه على منع السواك بعد الزوال وصرف الاطلاق الى ما قبل الزوال من غير
دليل صريح أو تعليل صحيح - انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب اليه
٥٢٠