Indexed OCR Text

Pages 361-380

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
فى سبيل الله، الا إستقبلته حجبة الجنة، كلهم يدعوه إلى ما عنده. قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن
كانت إبلا فبعيرين، وإن كانت بقرة فبقرتين . رواه النسائى.
١٩٤٢ - (٤٠) وعن مرثد بن عبد الله، قال: حدثنى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته.
(فى سبيل الله) أى ابتغاء وجهه ومرضاة ربه (حجبة الجنة) بفتحتين جمع حاجب أى بوابو أبوابها ( كلهم يدعوه)
أى كل واحد منهم. وقال القارى: أفرد الضمير للفظ كل، أو المعنى كل واحد منهم يدعوه (إلى ماعنده) أى من
النعم العظام والمنح الفخام أو إلى باب هو واقف عنده بالاستدعاء والعرض والغرض أن يتشرف بدخوله منه (وكيف
ذلك) أى كيف ينفق زوجين مما يتملكه بالعدد الخصوص (إن كانت إبلا) الضمير راجع إلى كل مال باعتبار
الجماعة أو باعتبار الخبر فان الابل مؤنث. وزاد فى رواية لأحمد قبله إن كانت رجلان فرجلان وإن كانت خيلا
ففرسان ( وإن كانت بقرة ) كذا فى النسخ الموجودة عندنا، والذى فى النسائى، وان كانت بقراً. وهكذا
فقله الجزرى فى جامع الأصول ( ج ١٠ ص ٣٢٠) وهكذا وقع عند أحمد (ج ٥ ص١٥١) والحاكم (ج ٢
ص ٨٦) (فبقرتين) زاد فى رواية حتى عد أصناف المال كله (رواه النسائي) فى باب فضل النفقة فى سبيل الله
من كتاب الجهاد وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٥ ص ١٥١، ١٥٣، ١٥٩) وابن حبان والحاكم (ج ٢ ص ٨٦)
وصححه ووافقة الذهبى .
١٩٤٢ - قوله (بعض أصحاب رسول الله وم لع) لعله عقبة بن عامر رضى الله عنه فإن الحديث روى
أحمد وغيره نحوه من رواية مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر أيضا (إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته) قال الطبى
هذا من التشبيه المقلوب المحذوف الأداة ، لأن الأصل إن الصدقة كالظل فى أنها تحميه عن أذى الحريوم القيامة ،
فجعل المشبه مشبها به مبالغة كقول الشاعر :
وبدأ الصباح كأن غرته
وجه الخليفة حين يمتدح
قال القارى: والأظهر إن معناه ظل المؤمن يوم القيامة صدقته، الكائنة فى الدنيا أى إحسانه إلى الناس، وهو إما
بأن تجسد صدقته أو يجسم ثوابها . وقد تخص الصدقة بمالها ظل حقيقى كثوب وخيمة كما ورد فى بعض الأخبار -
انتهى. قلت: ويؤيد هذا المعنى ما روى عن عقبة بن عامر عند أحمد (ج ٤ ص ١٤٧) وابن خزيمة وابن
حبان والحاكم (ج ١ ص ٤١٦) كل امرىء فى ظل صدقته حتى يقضى بين الناس، أو قال يحكم بين الناس. قال
الأمير اليمانى: كون الرجل فى ظل صدقته يحتمل الحقيقة، وأنها تأتى أعيان الصدقة فتدفع عنه حر الشمس،
٣٦١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
رواه أحمد.
١٩٤٣ - (٤١) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وسع على عياله
فى النفقة يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته. قال سفيان: إنا قد جربناه فوجدناه كذلك.
رواه رزين .
١٩٤٤، ١٩٤٥، ١٩٤٦، - (٤٢، ٤٤،٤٣) وروى البيهقى، فى شعب الإيمان عنه، وعن أبى هريرة،
أو المرداد فى كنفها وحمايتها - انتهى، قلت الحمل على الحقيقة هو المعتمد (رواه أحمد) وأخرجه أيضا ابن خزيمة
كما فى الترغيب .
١٩٤٣ - قوله (من وسع) بتشديد السين (على عياله) أى أهل بيته الذين تجب نفقتهم عليه
( يوم عاشواء) بالمد عاشر المحرم (وسع الله عليه) دعاء أو خبر (سائر سنته) أى باقيها أو جميعها. وفى رواية
جابر عند البيهقى طول سنته، وفى حديث أبى سعيد عند الطبرانى سنته كلها ، وفى حديث ابن عمر عند الخطيب إلى
رأس السنة المقبلة (قال سفيان) أى الثورى فانه المراد عند الاطلاق فى الاصطلاح المحدثين ( أنا) أى نحن
وَأصحابنا (قد جر بناه) أنى الحديث لنعلم صحته أو جربنا الوسع (فوجدناه) أى جزاءه (كذلك) أى على توسيع
الطعام. والحديث رواه ابن عبد البر فى الاستذكار من طريق شعبة عن أبى الزبير عن جابر وزاد فى آخره قال
جابر جربناه فوجدناه كذلك. وقال أبو الزبير : مثله وقال شعبة مثله ( رواه رزين ) أى عن ابن مسعود وحده
قال فى التنقيح : الحديث ذكره رزين فى جامعه وليس فى شىء من أصوله .
١٩٤٤ - ١٩٤٥ - ١٩٤٦ - قوله (وروى البيهقي في شعب الإيمان عنه) أى عن ابن مسعود، وأخرجه
أيضا الطبرانى فى الكبير ، كلاهما من حديث الهيصم بن شداخ عن الأعمش عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله
ابن مسعود. قال البيهقى فى الشعب تفرد به الهيصم عن الأعمش. وقال العقيلى: الهيصم مجهول، والحديث غير
محفوظ. وقال ابن حبان: الهيصم يروى الطامات لا يجوز أن يحتج به. وقال الهيشمى: هو ضعيف جدا. وقال
الحافظ ابن حجر: فى أماليه: اتفقوا على ضعف الهضم وعلى تفرده به (وعن أبى هريرة) وأخرجه أيضا ابن
عدى وفى سنده عندهما سليمان بن أبى عبد الله التابعى الراوى عن أبى هريرة. قال العقيلى: سلیمان مجهول . والحديث
غير محفوظ قال السيوطى فى التعقبات: واللآلى بعد ذكر كلام العقيلى قال الحافظ أبو الفضل العراقى فى أماليه:
حديث أبي هريرة قد ورد من طرق صحح بعضها الحافظ أبو الفضل بن ناصر وسليمان الذكور ذكره ابن حبان
فی الثقات ، فالحديث حسن علی رأیه ۔ انتھی. قلت: سلمان هذا من رجال أبى داود روی لههو حديثا فى حرم
٣٦٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
وأبي سعيد، وجابر وضعفه .
المدينة. قال أبو حاتم: ليس بالمشهور فيعتبر بحديثه. وقال البخارى: وأبو حاتم أدرك المهاجرين والأنصار.
وقال فى التقريب. هو مقبول. قلت: وفى سنده أيضا عند ابن عدى حجاج بن نصير عن محمد بن ذكوان الأزدى
الجهضمى وهما ضعيفان. قال البخارى وأبو حاتم والنسائى: محمد بن ذكوان منكر الحديث. ولأبى هريرة حديث
آخر نحوه ذكره السيوطى فى اللآلى (ج ٢ ص ٦٢ - ٦٣) روى من وجه آخر ضمن حديث طويل. قال
السيوطى: بعد ذكره موضوع ورجاله ثقات. والظاهر إن بعض المتأخرين وضعه وركبه على هذا الاسناد
(وأبى سعيد) وأخرجه أيضا اسحاق بن راهويه فى مسنده كلاهما من طريق عبد الله بن نافع عن أيوب بنسليمان
ابن ميناء عن رجل عن أبى سعيد الخدرى . قال الحافظ ابن حجر فى أماليه: لولا الرجل المبهم لكان إسنادا
جيدا لكنه يقوى بما أخرجه الطبرانى فى الأوسط ، من طريق محمد بن اسماعيل الجعفرى عن عبد الله بن سلمة
الربعى عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن أبى صعصعة عن أبيه عن أبى سعيد. قال الحافظ ابن حجر: الجعفرى
ضعفه أبو حاتم وشیخه، ضعفه أبو زرعة ورجال الاسناد كلهم مدنيون معروفون - انتهى. قلت : محمد بن
أسماعيل الجعفرى قال أبو حاتم إنه منكر الحديث ، يتكلمون فيه. وقال أبو نعيم الأصبهانى: متروك. وذكره
ابن حبان فى الثقات، وشيخه عبد الله بن سلمة الربعى. قال العقيلى وأبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو زرعة
مرة متروك. (وجابر) أخرجه من طريق محمد بن يونس عن عبد الله بن ابراهيم الغفارى عن عبد الله بن أبى بكر
ابن أخى محمد بن المنكدرعن محمد بن المنكدر عن جابر. قال البيهقى: هذا اسناد ضعيف. وقال العراقى: والحديث
جابر طريق آخر على شرط مسلم أخرجها ابن عبد البر فى الاستذكار، من رواية محمدبن معاوية عن الفضل بن الحباب
عن هشام ابن عبدالملك الطيالسى، عن شعبة عن أبى الزبير عن جابر . قال العراقى: هذا أصح طرق الحديث . وقال
الحافظ فى لسان الميزان ( ج ٤ ص٤٣٩ - ٤٤٠) هذا الحديث منكر جدا. ما أدرى من الآفة فيه. وشيوخ ابن
عبد البر الثلاثة موثوقون، وشيخهم محمد بن معاوية هو ابن الأحمر راوى السنن عن النسائى وثقه ابن حزم وغيره
والظاهر إن الغلط فيه من أبى خليفة الفضل بن الحباب فلعل ابن الأحمر سمعه منه بعد احتراق كتبه ـ انتهى . وقد
روى أيضا هذا من حديث ابن عمر عند الدارقطنى فى الأفراد. وقد ورد أيضا موقوفا على عمر أخرجه ابن
عبد البر بسند رجاله ثقات ، لكنه من رواية ابن المسيب عنه. وقد اختلف فى سماعه منه، ورواه البيهقى فى
الشعب من رواية ابراهيم بن محمد بن المنتشر. قال كان يقال من وسع على عياله - الحديث (وضعفه) أى البيهقى
هذا الحديث . قلت: اختلف العلماء فى حديث التوسعة على العيال يوم عاشوراء لحكم جمع بالوضع، ومنهم ابن
الجوزى وابن تيمية والعقيلى والزكشى، وحسنه بعضهم بكثرة طرقه مع القول بضعف أفرادها. ومنهم البيهقى.
ومن حذى حذوه . قال البيهقى فى الشعب: بعد ذكر الحديث من رواية ابن مسعود وأبى هريرة وأبى سعيد وجابر
٣٦٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦٠ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
١٩٤٧ - (٤٥) وعن أبى أمامة: قال: قال أبو ذر: يا فى اللّه! أرأيت الصدقة ماذا هى؟ قال:
أضعاف مضاعفة، وعند الله المزيد. رواه أحمد .
(٧) باب أفضل الصدقة
الفصل الأول )!
١٩٤٨، ١٩٤٩ - (١، ٢) عن أبى هريرة، وحكيم بن حزام، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ،
فهذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة، فهى اذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوة - انتهى. وقد تقدم إن العراقى
قد حسن حديث أبى هريرة من طريق سليمان بن أبى عبد الله، وصحح بعض طرقه أبو الفضل بن ناصر وسبق أيضا إن
العراقى قال: فى حديث جابر عند ابن عبد البر أنه على شرط مسلم. وإنه أصح طرقه، وحكم الحافظ ابن حجر
بكونه منكرا. ومال السخاوى فى المقاصد الحسنة إلى تحسين هذا الحديث. والسيوطى إلى أنه ثابت صحيح كما
صرح به القارى فى موضوعاته الكبير. والمعتمد عندى هو ما ذهب اليه البيهق إن له طرقا يقوى بعضها بعضا،
إن أسانيده الضعيفة أحدثت قوة بالتضام والله تعالى أعلم .
١٩٤٧ - قوله (أرأيت) أى أخبرنى (الصدقة) بالرفع مبتدأ والخبر جملة (ماذا هى) أى أى شىء
ثوابها ( أضعاف ) أى هى يعنى ثوابها أضعاف أى من عشرة (مضاعفة) أى إلى سبعمائة (وعند الله المزيد)
أى الزيادة تفضلا كما قال تعالى ﴿ الذين أحسنوا الحسنى وزيادة - يونس: ٢٦ ) ونظيره قوله تعالى: ﴿وإن تك
حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما - النساء: ٤٠) فقوله ((من لدنه)) أى من عنده تفضلا على
تفضل. قال الطيبي: الجملة الاستفهامية خبر بالتأويل أى الصدقة أقول فيها ماذا هى، والسؤال عن حقيقة الصدقة
لا يطبق الجواب بقوله أضعاف، لكنه وارد على أسلوب الحكيم أى لا تسأل عن حقيقتها، فانها معلومة. وأسأل
عن ثوابها ليرغبك فيها - انتهى. (رواه أحمد) (ج ٥ ص ٢٦٥) فى حديث طويل وأخرجه أيضا الطبرانى فى
الكبير ، وفى أسناده عندهما على بن يزيد الالهانى. وفيه كلام وثقه أحمد وابن حبان. قال البخارى: منكر
الحديث . وقال الدار قطنى: متروك. وقال أبو زرعة: ليس بقوى. ورواه أحمد أيضا عن أبى ذر نفسه ( ج٥
ص ١٧٨ - ١٧٩) وفيه أبو عمر الدمشقى وهو متروك. قاله الهيشمى.
(باب أفضل الصدقة)
١٩٤٨ - ١٩٤٩ - قوله (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) أى ما كان عفوا قدفضل عن غنى والظهر
٣٦٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
قد يزاد فى مثل هذا تمكينا وأشباعا الكلام كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوى من المال . والمعنى أفضل الصدقة
ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه ونوائبه التى تنوبه لقوله فى رواية أخرى أفضل
الصدفة ، ما ترك غنى. وفى أخرى خير الصدقة ما أبقت غنى ، ونحوه قولهم ركب متن السلامة والتنكير فى قوله
غنى للتعظيم. وقيل المعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الانسان من ماله بعد أن يستبقى منه قدر الكفاية ،
ولذلك قال بعده وابدأ بمن تعول، والمقصود إن خير الصدقة ما وقع من غير محتاج الى ما يتصدق به لنفسه
أو لمن تلزمه نفقته. وقال القرطبى فى المفهم: المختار إن معنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق
النفس والعيال، بحيث لا يصير المتصدق محتاجا بعد صدقته إلى أحد . فمعنى الغنى فى هذا الحديث، حصول ماتدفع
به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المشوش الذى لا صبر عليه، وستر العورة والحاجة إلى ما يدفع به عن
نفسه الأذى وما هذا سبيله، فلا يجوز الايثار به، بل يحرم وذلك إنه إذا آثر غيره به أدى إلى إهلاك نفسه أو
الاضرار بها، أو كشف عورته ، فمراعاة حقه أولى على كل حال ، فإذا سقطت هذه الواجبات صح الايثار،
وكانت صدقته هى الأفضل لأجل ما يتحمله من مضض الفقر، وشدة مشقته فهذا تندفع به التعارض بين الأدلة -
انتهى. وقيل ظهر غنى عبارة عن تمكن المتصدق عن غنى ما مثل قولهم هو على ظهر سير أى متمكن منه، وتنكير
غنى ليفيد أن لابد للتصدق من غنى ما، أما غنى النفس وهو الاستغناء عما بذل بسخاوة النفس ثقة بالله تعالى كما
كان من أبى بكر رضى الله عنه. وأما غنى المال الحاصل فى يده، والأول أفضل اليسارين لقوله عليه الصلاة
والسلام ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس. وإلا لا يستحب له أن يتصدق بجميع ماله، ويترك
نفسه وعياله فى الجوع والشدة. وقيل عن السببية والظهر زائد أى خير الصدقة ما كان سببها غنى فى المتصدق .
وقيل المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسئلة أى أفضل الصدقة ما ترك غنى فى المتصدق عليه بأن
تجزل له العطية. واعلم أنه اختلف العلماء فى الصدقة بجميع المال. قال النووى: مذهبنا أنه مستحب لمن لادين
عليه ولاء له عيال، لا يصبرون بشرط أن يكون ممن يصبر على الاضافة والفقر، فان لم يجتمع هذه الشروط فهو مكروه
قال الطبرى وغيره : قال الجمهور من تصدق بماله كله فى صحة بدنه وعقله حيث لادين عليه ، وكان صبورا على
الاضافة ولا عيال له، أوله عيال يصبرون أيضا فهو جائز فان فقد شىء من هذه الشروط كره. وقال بعضهم:
هو مردود، وروى عن عمر حيث رد على غيلان الثقفى قسمة ماله، ويمكن أن يحتج له بقصة المدبر فانه صلى الله
عليه وسلم باعه وارسل ثمنه إلى الذى دبره لكونه كان محتاجا. وقال آخرون: يجوز من الثلث ، ويرد عليه
الثلثان، وهو قول الأوزاعى ومكحول. وعن مكحول أيضا يرد ما زاد على النصف. قال الطبرى: والصواب
٣٦٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
وابدأ بمن تعول. رواه البخارى، ورواه مسلم عن حكيم وحده.
١٩٥٠ - (٣) وعن أبى مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أنفق المسلم نفقة
على أهله، وهو يحتسبها كانت له صدقة.
عندنا الأول من حيث الجواز، والمختار من حيث الاستحباب أن يجعل ذلك من الثلث جمعا بين قصة أبى بكر
حيث تصدق بماله كله. وحديث كعب بن مالك حيث قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمسك عليك
بعض مالك فهو خير لك (وابدأ بمن تعول) أى ابتدىء فى الانفاق والاعطاء بمن يلزمك نفقته من العيال، فان
فضل شىء فليكن للأجانب. يقال عال الرجل أهله اذا مانهم أى قام بما يحتاجون اليه من قوت وكسوة، وهو
أمر بتقديم ما يجب على مالا يجب. قال الحافظ: فيه تقديم نفقة نفسه وعياله لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقة غيرهم
وفيه الابتداء بالأهم فالأهم فى الأمور الشرعية . وقال ابن المنذر: اختلف فى نفقة من بلغ من الأولاد، ولا مال
له ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد، أطفالا كانوا، أو بالغين، إناثا وذكرانا. اذا لم يكن لهم أموال
يستغنون بها. وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى ثم لا نفقة على الأب
إلا أن كانوا زمنى. فان كانت لهم أموال «لا وجوب على الأب. والحق الشافعى ولد الولد، وإن سفل بالواد
فى ذلك - انتهى. (رواه البخارى) أى عنهما فى الزكاة وروى عن أبى هريرة أيضا فى النفقات، وأخرجه عنه
أيضا أحمد وأبو داود، والنسائى والدارمى (ورواه مسلم) فى الزكاة (عن حكيم وحده) وأخرجه أيضا أحمد
(ج ٣ ص ٤٠٢ - ٤٣٤) والنسائى والدارمى.
١٩٥٠ - قوله (إذا أنفق المسلم نفقة) حذف المقدار ليفيد التعميم أى أىّ نفقة كانت كبيرة أو صغيرة
(على أهله) أى زوجته وولده، وأقاربه أو زوجته فقط. قال الحافظ: قوله ((على أهله)» يحتمل أن يشمل الزوجة
والأقارب، ويحتمل أن يختص بالزوجة، ويلحق به من عداها بطريق الأولى، لأن الثواب اذا ثبت فيما هو
واجب فثبوته. فيماليس بواجب أولى (وهو) أى والحال أنه (يحتسبها) أى يريد بها وجه الله تعالى بأن يتذكر أنه
يجب عليه الانفاق فينفق بنية أداء ما أمر به. قال الحافظ: المراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر. وقال
القرطبي: قوله ((يحتسبها)) أفاد بمنطوقه إن الأجر فى الانفاق إنما يحصل بقصد القربة، سواء كانت واجبة، أو
مباحة . وأفاد بمفهومه إن من لم يقصد القربة لم يوجر لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة . لأنها معقولة المعنى
(كانت) أى النفقة (له صدقة) أى كالصدقة فى الثواب لأحقيقة قال الحافظ: المراد بالصدقة الثواب، واطلاقها
على النفقة مجاز، وقرينته الاجماع على جواز الانفاق على الزوجة الهاشمية مثلا ، وهو من مجاز التشبيه . والمراد
٣٦٦
٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
متفق عليه .
١٩٥١ - (٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: دينار أنفقته فى سبيل
الله، ودينار أنفقته فى رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها
أجرا الذى أنفقته على أملك. رواه مسلم .
١٩٥٢ - (٥) وعن ثوبان، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أفضل دينار ينفقه الرجل
دينار ينفقه على عياله ،
به أصل الثواب لا فى كميته ولا كيفيته، ويستفاد منه إن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونا بالنية. وقال الطبرى:
ما ملخصه الانفاق على الأهل واجب ، والذى يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده ، ولا منافاة بين كونها واجبة،
وبين تسميتها صدقة ، بل هى أفضل من صدقة التطوع. وقال المهلب: النفقة على الأهل واجبة بالاجماع ، وإنما
سماما الشارع صدقة خشية أن يظنوا إن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما فى الصدقة من الأجر
فعرفهم أنها لهم صدقة ، حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفرهم المؤنة ترغيبالهم فى تقديم الصدقة
الواجبة قبل صدقة التطوع. وقال ابن المنير: تسمية النفقة صدقة من جنس تسمية الصداق نحلة ، فلما كان احتياج
المرأة إلى الرجل كاحتياجه اليها فى اللذة والتأنيس والتحصن ، وطلب الولد كان الأصل أن لا يجب لها عليه شىء
إلا أن الله تعالى خص الرجل بالفضل على المرأة وبالقيام عليها ورفعه عليها بذلك درجة، فمن ثم جاز اطلاق النحلة
على الصداق والصدقة على النفقة (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الايمان والمغازى والنفقات ، ومسلم فى الزكاة ،
واللفظ للبخارى فى النفقات، وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٤ ص ١٢٠، ١٢٢ وج ٥ ص ٢٧٣) والترمذى فى البر،
والنسائى فى الزكاة ، والدارمى فى الاستيذان .
١٩٥١ - قوله (دينار) مبتدأ صفته (أنفقته) بصيغة الخطاب (فى سبيل الله) أى فى الغزو أو المراد به
العموم يعنى فى سبيل الخير (فى رقبة) أى فى فكها أو اعتاقها. قال الطبى: دينار وما عطف عليه مبتدأ، وخبره
الجملة التى هى (أعظمها أجرا الذى أنفقته على أهلك) فيه دليل على أن انفاق الرجل على أهله أفضل من الانفاق
فى سبيل الله، ومن الانفاق فى الرقاب ومن التصدق على المساكين. وإنما كان الانفاق على الأهل، أفضل، لأنه
فرض ، والفرض أفضل من النفل، أو لأنه صدقة وصلة (رواه مسلم) فى الزكاة وأخرجه أيضا أحمد
١٩٥٢ - قوله (أفضل دينار) يراد به العموم أى أكثر الدنانير ثوابا اذا أنفقت (دينار بنفقه على عياله)
٣٦٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
ودينار ينفقه على دابته فى سبيل الله ودينار ينفقه على أصحابه فى سبيل الله. رواه مسلم.
١٩٥٣ - (٦) وعن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله! إلى أجران أنفق على بن أبى سلمة،
إنماهم بنى. فقال: أتفقى عليهم فلك أجر ما أنفقت عليهم. متفق عيله.
أى من يعوله وتلزمه مؤنته من نحو زوجة وولد وعادم، وهذا اذا نوى به وجه الله كما تقدم (على دابته) أى
١.دابة مرطوبة (فى سبيل الله) يعنى التى أعدها للغزو عليها، وفى رواية ابن ماجه على فرس فى سبيل الله (على أصحابه)
أى حال كونهم مجاهدين (فى سبيل الله) يعنى على رفقته الغزاة. وقيل: المراد بسبيله كل طاعة. قال القارى: يعنى
الانفاق على هؤلاء الثلاثة على الترتيب أفضل من الاتفاق على غيرهم ذكره ابن الملك . ولا دلالة فى الحديث على
الترتيب ، لأن الواو لمطلق الجمع ، إلا أن يقال الترتيب الذكرى الصادر من الحكيم لا يخلو عن حكمة، فالأفضل
. ذلك إلا أن يوجد مخصص. ولذا قال عليه الصلاة والسلام: إيدؤا بما بدأ الله تعالى ﴿ إن الصفا والمروة من
شعائر الله - البقرة: ١٥٨﴾ - انتهى. (رواه مسلم) فى الزكاة، وفى آخره. قال أبو قلابة: (أى راوى الحديث)
بدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة: وأى رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم الله به ويغنيهم،
. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٢٧٧، ٢٧٩، ٢٨٤) والتر مذى فى البر وابن ماجه فى الجهاد .
١٩٥٣ - قوله (وعن أم سلمة) بفتح السين واللام أم المؤمنين زوج النبي حطّم (إلى) بسكون الياء
وفتحها أى هل لى (أجران أنفق) بفتح الهمزة أى فى إنفاقى (على بنى أبى سلمة) أبو سلمة هذا هو عبد الله بن
عبد الأسد، وكان زوج أم سلمة قبل النبي ◌َ فله، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعده، ولها من أبى سلمة أولاد
سلمة ، وعمر، ومحمد، وزينب، ودرة (إنما هم بنى) منه بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد الياء، وأصله بنون،
فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون الجمع فصار بنوى، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون
فأدغمت الواو بعد قلبها ياء فى الياء، فصار بنى بضم النون وتشديد الياء، ثم أبدلت الضمة كسرة لأجل الياء فصار
بنى (أنفقى عليهم) بفتح الهمزة وكسر الفاء ( فلك أجر ما أنفقت عليهم) قال الحافظ: رواه الأكثر بالاضافة
على أن تكون ((ما)) موصولة وجوز أبو جعفر الغزناطى نزيل حلب تنوين أجر على أن تكون ((ما)) ظرفية - انتهى.
والحديث ترجم له البخارى باب الزكاة على الزوج ، والايتام فى الحجر. قال الحافظ : ليس فى حديث أم سلمة
تصريح بأن الذى كانت تنفقه عليهم من الزكاة ، فكان القدر المشترك من الحديث حصول الإنفاق على الايتام -
انتهى. (متفق عليه) أخر جاه فى الزكاة واللفظ للبخارى، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦ ص ٢٩٢، ٣١٠، ٣١٤)
٣٦٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
١٩٥٤ - (٧) وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قصدقن يا معشر النساء! ولو من حليكن. قالت. فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف
ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالصدقة. فأنه نأسئله، فان كان ذلك يجزئ
على والا صرفتها الى غيركم؟ قالت: فقال لى عبد الله: بل إننيه أنت. قالت: فانطلقت، فإذا امرأة.
من الأنصار باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاجتى حاجتها قالت: وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة، فقالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: إنت رسول اللّه وَلَى فأخبره.
أن امرتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى إيتام فى حجورهما؟
١٩٥٤ - قوله (يا معشر النساء) أى جماعتهن (ولو من حليمكن) بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء
جمعا ويجوز فتح الحاء وسكون اللام مفردا (فرجعت الى) زوجى (عبد الله) بن مسعود ( أنك رجل خفيف
ذات اليد) كناية عن الفقر أى قليل المال (قد أمرنا بالصدقة) أى باعطاءها أو بالتصدق ( فأته ) أى فأحضره.
(فأسأله ) وفى بعض النسخ فسله ، وفى رواية للبخارى ، وكانت زينب تنفق على عبد الله، وإيتام فى حجرها .
فقالت: لعبد الله سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجزىء عنى أن أنفق عليك، وعلى إيتام فى حجرى من الصدقة.
قال الحافظ : لم أقف على تسمية الايتام الذين كانوا فى حجرها (فان كان ذلك) أى التصدق عليك (يجزى)
بضم الياء وآخره هزة أى يكفى، وفى بعض النسخ يجزى بفتح الياء وكسر الزاى وسكون الياء أى يغنى ويقضى
(عنى ) أى تصدقت عليكم ( وإلا) أى وإن لم تجزنتى (صرفتها) أى عنكم (الى غيركم) من المستحقين (بل إننيه
أنت) قيل: لعل امتناعه لأن سؤاله ينثى عن الطمع (فاذا امرأة من الأنصار) أى واقفة وحاضرة (بباب رسول
الله عَّ) قيل: اسم هذه المرأة الأنصارية زينب امرأة أبى مسعود يعنى عقبة بن عمرو الأنصارى كما عندابن الأثير
فى أسد الغابة، وفى رواية النسائى فإذا امرأة من الأنصار يقال لها زينب (حاجتى حاجتها) مبتدأ وخبر أى عينها
أو تشبيه بليغ وفى رواية للبخارى حاجتها مثل حاجتى (قالت) أى زينب (وكان رسول الله { ل قد ألقيت).
بصيغة المجهول (عليه المهابة) بفتح الميم أى أعطى الله رسوله هيبة وعظمة يها به الناس ويعظمونه، ولذا .! كان
أحد يحترىء على الدخول عليه . قال الطيبي: كان دل على الاستمرار، ومن ثم كان أصحابه فى مجلسه كأن على
رؤسهم الطير، وذلك عزة منه عليه الصلاة والسلام لأكبر وسوء خلق، وإن تلك العزة البسها اللّه تعالى إياه صلى
الله عليه وسلم لا من تلقاء نفسه (يخرج علينا بلال) المؤذن (فى حجورهما) بضم الحاء جمع حجر بالفتح والكسر
٣٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦- كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
ولا تخبره من نحن. قالت: فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم: من هما؟ قال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أى الزيانيب؟ قال امرأة عبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لهما أجران أجر
القرابة، وأجر الصدقة.
يقال فلان فى حجر فلان أى فى كنفه ومنعه. والمنى فى تربيتهما. وفى رواية الطيالسى أنهم بنو أخيها وبنو أختها
(ولا تخبره) يجزم الراء (من نحن) أى لاتعين اسما بل قل تسألك امرأتان إرادة الاخفاء مبالغة فى نفى الرياء
أو رعاية للأفضل، وهذا أيضاً يصلح أن يكون وجهاً لعدم دخولهما. وقيل: المعنى لا تخبره أى بلا سؤال والا
فعند السؤال يجب الاخبار فلا يمكن المنع عنه ولذلك أخبر بلال بعد السؤال (من هما) أى المرأتان (قال) أى
بلال مخبرا عنهما ومعيناً لإ حداهما لوجوبه عليه بطلب الرسول، واستخباره عليه الصلاة والسلام (امرأة من
الأنصار وزينب فقال رسول اللّه مؤلّ أى الزيانب) أى أى زينب منهن فعرف باللام مع كونه علماً لما نكر حتى
جمع . قال ابن الملك: وإنما لم يقل آية لأنه يجوز التذكير والتأنيث. قال الله تعالى: ﴿وما تدري نفس بأي أرض
تموت - لقمان: ٣٤)﴾ انتهى. (قال) بلال زينب (إمرأة عبد الله) بن مسعود ولم يذكر بلال فى الجواب معها
زينب إمرأة أبى مسعود الأنصارى اكتفاء باسم من هى أكبر وأعظم (فقال رسول الله مؤ) نعم يجزىء عنهما
(له) ) أى لكل منهما (أجران أجر القرابة) أى أجر، وصلها (وأجر الصدقة) أى أجر منفعة الصدقة وهذا
ظاهره أن زينب امرأة عبد الله لم تشافه بالسؤال ولا شافهها بالجواب، وحديث أبى سعيد عند البخارى فى باب
الزكاة على الأقارب يدل على أنها شافهته وشافهها لقولها فيه يا نبى الله! إنك أمرت، وقوله فيه صدق زوجك.
فقيل : تحمل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال ، ويحتمل أن تكونا قضيتين إحداهما فى سؤالها
عن تصدقها بحيلها على زوجها وولده ، والأخرى فى سؤالها عن النفقة واستدل بهذا الحديث على جواز دفع
المرأة زكاتها الى زوجها وهو قول الشافعى والثورى وصاحبى أبى حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد ،
ومنعه أبو حنيفة ومالك وأحمد فى رواية. والحديث إنما يتم دليلا للقول الأول بعد تسليم إن هذه الصدقة صدقة
واجبة، وبذلك جزم المازرى ، ويؤيد ذلك قولها أيجزىء عنى ، وعليه يدل تبويب البخارى بلفظ: باب الزكاة
على الزوج والايتام وقد تعقب القاضى عياض المازرى بأن قوله ولو من حليكن، وقوله فيما ورد فى بعض
الروايات عند الطحاوى وغيره أنها كانت امرأة صنعاء اليدين فكانت تنفق عليه وعلى ولده، يدلان على أنها صدقة
٣٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاه
٧ - باب أفضل الصدقة
متفق عليه ، واللفظ لمسلم.
قطوع، وبه جزم النووى وغيره وتأولوا قوله أيجزىء عنى أى فى الوقاية من النار كأنها خافت إن صدقتها على
زوجها لا تحصل لها المقصود. قال ابن الهمام: الأجزاء وإن كان فى عرف الفقهاء الحادث لا يستعمل غالباً الا فى
الواجب لكى كان فى الفاظهم لما هو أعم من النفل لأنه لغة الكفاية فالمعنى ، هل يكفى التصدق عليه فى تحقيق مسمى
الصدقة ، وتحقيق مقصودها من التقرب إلى الله تعالى. واحتجوا أيضاً على انها صدقة تطوع بما فى البخارى من
حديث أبى سعيد أن النبى يَّمه، قال: لها زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم. قالوا: لأن الولد لا يعطى من
الزكاة الواجبة بالاجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فعلم أنها صدقة تطوع وتعقب هذا بأن الذى يمتنع إعطاءه من
الصدقة الواجبة من تلزم المعطى نفقته والأم لا يلزمها نفقة ابنها مع وجود أبيه. وبأن قوله وولدك محمول على أن
الاضافة للتربية لا للولادة فكأنه ولدها من غيرها كما يشعر به ما وقع فى رواية أخرى على زوجها وأيتام فى
حجرها وسموا إيتاماً ، باعتبار اليتم من الأم وأجيب عن الأول بأن الأم يلزمها نفقة ولدها اذا كان أبوه
فقيرا عاجزا عن التكسب جدا عند الحنفية، وعن الثانى بأنه خلاف الظاهر وأما الرواية الأخرى فالظاهر إنها قضية
أخرى كما تقدم واحتج لأبى حنيفة على منع إعطاء ها زكاتها لزوجها بأنها تعود اليها بالنفقة فكأنها ما خرجت
عنها وُرُدَّ هذا بأنه يلزمه منع صرفها صدقة التطوع فى زوجها الاحتمال الرجوع مع أنه يجوز صرفها فيه اتفاقا.
والظاهر عندى أنه يجوز لها دفع زكاتها الى زوجها لدخول الزوج فى عموم الأصناف المسلمين فى الزكاة ، وليس
فى المنع فص، ولا اجماع ولا قياس صحيح. قال الشوكانى : الظاهر أنه يجوز صرف زكاتها إلى زوجها. وأما
أولا، فلعدم المانع من ذلك ومن قال أنه لا يجوز فعليه الدليل. وأما ثانياً ، فلأن ترك استفصاله صلى الله عليه
وسلم لها ينزل منزلة العموم فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هى تطوع أو واجب، فكأنه قال يجزى عنك فرضاً
كان أو تطوعا - انتهى. وهكذا ذكر الحافظ فى الفتح. ثم قال: وأما ولدها فليس فى الحديث تصريح بأنها تعطى
ولدها من زكاتها بل معناه إنها اذا أعطت زوجها فأنفقه على ولدها كانوا أحق من الأجانب فالأجزاء يقع بالا عطاء
الزوج، والوصول الى الولد بعد بلوغ الزكاة محلها - انتهى. وأما الزوج فاتفقوا على أنه لا يجوز له صرف
صدقة واجبة فى زوجته. قالوا: لأن نفقتها واجبة عليه فتستغنى بها عن الزكاة ذكره ابن المنذركما فى المغنى والفتح. قال
الأمير اليمانى: وعندى فيه توقف لأن غنى المرأة بوجوب النفقة على زوجها لا يصيرها غنية الغنى الذى يمنع من حل
الزكاة لها - انتهى. وقوله وولدك فى حديث أبى سعيد يدل على أجزاء الزكاة فى الولد الا أنه أدعى ابن المنذر الاجماع
على عدم جواز صرفها الى الولد. وحملوا الحديث على أنه فى غير الواجبة أو إن الصرف الى الزوج وهو المنفق على
الأولاد أو أنهم لم يكونوا منها بل كانوا من غيرها، والاضافة اليها للتربية (متفق عليه) أخرجاه فى الزكاة وأخرجه
٣٧١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
١٩٥٥ - (٨) وعن ميمونة بنت الحارث: أنها أعتقت وليدة فى زمان رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك.
متفق عليه .
١٩٥٦ - (٩) وعن عائشه، قالت: يا رسول الله! إن لى جارين فالى أيهما أهدى؟ قال: إلى
أقربهما منك
أيضاً أحمد (ج ٦ ص ٣٦٣) والنسائى فى الزكاة ، وأخرجه ابن ماجه فيه مختصرا جدا .
١٩٥٥ - قوله (وعن ميمونة بنت الحارث) أم المؤمنين الهلالية (انها اعتقت وليدة) أى أمة والنسائى
إنها كانت لها جارية سوداء. قال الحافظ: ولم أقف على اسمها ( فى زمان رسول ◌َّم) أى ولم تستأذنة (فذكرت
ذلك) أى الاعتقاق (لرسول اللّه عَلَّه) هذا لفظ مسلم، وفى رواية البخارى فلما كان يومها الذى يدور عليها فيه
قالت أشعرت يا رسول الله! انى اعتقت وليدتى قال أو فعلت قالت نعم ( لو أعطيتها) بكسر الناء (أخوالك )
باللام جمع الخال وأخوالها كانوا من بنى هلال أيضاً وإسم أمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث. قال
العينى: وقع فى رواية الأصيلى للبخارى أخواتك بالتاء بدل اللام. قال عياض: ولعله أصح من رواية أخوالك
بدليل رواية مالك فى المؤطا فلوأعطيتها أختيك ولاتعارض فيحتمل أنه عليه الصلاة والسلام. قال: ذلك كله (كان)
إعطاءك لهم (أعظم لأجرك) من عتقها ومفهومه إن الهبة لذوى الرحم أفضل من العتق كما قاله ابن بطال، ويؤيده
حديث سلمان بن عامر الآتى لكن ليس ذلك على اطلاقه بل يختلف باختلاف الأحوال. وقد وقع فى رواية النسائى
بيان وجه الأفضلية فى إعطاء الأخوال ، وهو احتياجهم الى من يخدمهم. ولفظه أفلا فديت بها بنت أختك من
رعاية الغنم على أنه ليس فى حديث الباب قص على أن صلة الرحم أفضل من العتق لأنها واقعة عين فالحق إن ذلك
يختلف باختلاف الأحوال كما قررنا. وفى الحديث فضيلة صلة الأرحام والاحسان الى الأقارب وفيه الاعتناء
بالاقارب الأم إكراماً لحقها ، وهو زيادة فى برها ، وفيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها اذا كانت رشيدة
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى الهبة ومسلم فى الزكاة، واللفظ لمسلم وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٦ ص ٣٣٢)
وأبوداود فى الزكاة والحاكم (ج ١ ص ٤١٥) والنسائى فى الكبرى .
١٩٥٦ - قوله (فالى أيهما أهدى) بضم الهمزة من الاهداء يعنى أولا، وفى رواية أبى داود بأيهما إبدأ
(إلى أقربهما منك) من متعلقة بالقرب فى أقرب لاصلة التفضيل لأن أفعل التفضيل قد أضيف فلا يجمع بين الاضافة،
٣٧٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
بابا. رواه البخارى.
١٩٥٧ - (١٠) وعن أبى ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا طبخت مرقة فأكثر
مامها، وتعاهد جيرانك. رواه مسلم.
و ((من)) المتعلقة بأفعل التفضيل (بابا) نصب على التمييز أى أشدهما قربا. قبل: الحكمة فيه إن الأقرب يرى
ما يدخل فى بيت جاره من هدية وغيرها يعنى أنه أكثر اختلاطاً أو أظهر إطلاعا فيتشوف لها بخلاف الا بعد،
وإن الأقرب أسرع إحابة لما يقع لجاره من المهمات وينوبه من النوائب، ولا سيما فى أوقات الغفلة فلذلك بدى.
به على من بعد. وفى الحديث الاعتبار فى الجوار بقرب الباب لأقرب الجدار. قال ابن أبى جمرة: الا هداء الى
الأقرب مندوب، لأن الهدية فى الأصل ليست واجبة ، فلا يكون الترتيب فيها واجباً. ويؤخذ منه إن العمل بما
هو أعلى أولى. قلت: ليس المراد من الحديث انحصار الا هداء الى الأقرب كما هو ظاهر الحديث ، بل المراد
إن الجار الأقرب أنسب بالابتداء أو بمزيد الاحسان، لقوله تعالى ﴿والجاذى القربى والجار الجنب - النساء:
٣٦) ولحديث أبى ذر الآتى واختلف فى حد الجوار بناء عن على رضى الله عنه من سمع النداء فهو جار،
وعن عائشة حد الجوار أربعون دارا من كل جانب، وعن كعب بن مالك عند الطبرانى بسند ضعيف مرفوعا الا
أن الأربعين دارا جار، وأخرج ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أربعون دارا عن يمينه وعن يساره ومن
خلفه ومن بين يديه . وهذا يحتمل كالأولى ويحتمل أن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة (رواه البخارى)
فى الشفعة وفى الهبة وفى الأدب، وأخرجه أيضاً أحمد وأبو داود فى الأدب .
١
١٩٥٧ - قوله (إذا طبخت) بفتح الباء (مرقة) أى فيها لحم أولا والمرقة بالتحريك وكذا المرق الماء
الذى أغلى فيه اللحم أو غيره كالسلق وغيره (فأكثر) أمر من الإكثار (ماء ها) أى على المعتاد لنفسك (وتعاهد
جيرانك) بكسر الجيم وسكون الياء جمع الجار يعنى أعط جيرانك من ذلك الطبيخ نصيباً يعنى لا تجعل ٠١٠ قدرك
قليلا فانك حیذ لا نقدر على تعهد جيرانك بل اجعل ما. قدرك کثیر التبلغ نصيباً منه الی جیرانك، وإن لم يكن
لذيذا قاله المظهر. وقال النور بشتى: قوله تعهد جيرانك أى تفقدهم بزيادة طعامك وجدد عهدك بذلك، وتحفظ
به حق الجوار. والتعهد التحفظ بالشى وتجديد العهد به، والتعاهد ما كان بين اثنين من ذلك، يقال تعاهد الشىء
وتعهده واعتهده، أى تحفظ به وتفقده وجدد العهد به (رواه مسلم) فى البر وأخرجه أيضاً أحمد ( ج٥ ص ١٤٩)
والترمذى وابن ماجه فى الأطعمة وابن حبان بالفاظ مختلفة متقاربة .
٣٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
الفصل الثانى )
١٩٥٨ - (١١) عن أبى هريرة، قال: يا رسول الله! أى الصدقة أفضل؟ قال جهد المقل، وابداً
بمن تعول. رواه أبو داود.
١٩٥٩ - (١٢) وعن سليمان بن عامر،
١٩٥٨ - قوله ( أى الصدقة أفضل قال جهد المقل) بضم الميم وكسر القاف من الاقلال أى قليل المال
يقال أقل الرجل أى قل ماله وافتقر . قال فى النهاية: الجهد بالضم الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة. وقيل:
المبالغة والغاية . وقيل: هما لغتان فى الوسع والطاقة . فأما فى المشقة والغاية فالفتح لا غير، ومن المضموم حديث
الصدقة أى الصدقة أفضل. قال: جهد المقل أى قدر ما يحتمله حال القليل المال - أنتهى . والجمع بينه وبين ما تقدم.
من قوله ◌َّم خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، إن الفضيلة متفاوتة بحسب الأشخاص وقوة التوكل وضعف
البقين. قال البيهقى ( ج ٤ ص ١٨٠) يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس فى الصبر على الشدة والفاقة والاكتفاء
بأقل الكفاية ، وساق أحاديث تدل على ذلك. وقال ابن الملك: أى أفضل الصدقة ما قدر عليه الفقير الصابر على
الجوع أن يعطيه ، والمراد بالغنى فى قوله خير الصدقة ما كان عن ظهر عنى من لا يصبر على الجوع والشدة توفيقاً
بينهما، فمن يصبر فالأعطاء فى حقه أفضل، ومن لا يصبر فالأفضل فى حقه أن، يمسك قوته ، ثم يتصدق بما فضل -
انتهى . وقال الشوكانى: بعد ذكر المعارضة بين الحديثين ، ويؤيد هذا المعنى أى حديث جهد المقل قوله تعالى:
﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة - الحشر: ٩) ويؤيد الأول حديث الظهر قوله تعالى: ﴿ ولا تجعل
يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط - الاسراء: ٢٩﴾ ويمكن الجمع بأن الأفضل لمن كان يتكفف الناس اذا
قصدق يجميع ماله أن يتصدق عن ظهر غنى ، والأفضل لمن يصبر على الفاقه أن يكون متصدقا بما يبلغ اليه جهده ،
وإن لم يكن مستغنيا عنه. ويمكن أن يكون المراد بالغنى غنى النفس، كما فى حديث أبى هريرة عند الشيخين ليس الغنى
عن كثرة العرض ولكن الغنى عن النفس - انتهى. (رواه أبو داود) فى الزكاة وسكت عنه هو والمنذرى ،
وأخرجه أيضاً أحمد، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي ، وأخرجه البيهقى ( ج ٤ ص ١٨٠) من
طريق الحاكم
١٩٥٩ - قوله (وعن سليمان بن عامر) كذا فى جميع النسخ الحاضرة مصغرا وهو خطأ من النساخ،
والصواب سلمان مكبراً، هكذا وقع فى جميع الأصول وكتب الرجال وليس فى الصحابة أحد اسمه سليمان بن عامر
بالتصغير ، وسلمان هذا هو سلمان بن عامر بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث الضبي صحابى ، سكن البصرة ،
٣٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصدقة على المسكين صدقة، وهى على ذى الرحم ثنتان:
صدقة وصلة . رواه أحمد ، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه، والدارمى.
١٩٦٠ - (١٣) وعن أبى هريرة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عندى دينار
قال: أنفقه على نفسك ، قال عندى آخر. قال: انفقه على ولدك ،
وكان فى حياة النبى ◌َ ◌ّ شيخاً عاش إلى خلافة معاوية. قال الدولابى: قتل يوم الجمل وهو ابن مائة سنة، روى
عنه محمد وحفصة ابنا سيرين وابنة أخيه الرباب أم الرائح بنت صليح بن عامر، وحفيده عبد العزيز بن بشر بن
سلمان . قال مسلم: ليس فى الصحابة ضبى غيره كذا نقله ابن الأثير وأقره هو ومن تبعه، وقد وجد فى الصحابة
جماعة من لهم صحبة، أو اختلف فى محتهم من بنى ضبة ، منهم يزيد بن نعامة الضبى جزم البخارى بأن له صحبة
وكدير الضبى مختلف فى صحبته وحنظلة بن ضرار الضبى . قال ميرك: قوله سليمان بن عامر صوابه سلمان مكبراً،
بلاياء، وسليمان سهو من الكتاب أو من صاحب الكتاب والله أعلم بالصواب - انتهى. قلت: الظاهر أن الخطأ
من الكتاب فان المؤلف قال فى الصحابة: سلمان بن عامر هو سلمان بن عامر الضبي عداده فى البصريين . قال بعض
أهل العلم: ليس فى الصحابة من الرواة ضبى غيره - انتهى كلامه. وقد ذكره بعد سلمان الفارسى فدل على أن
السهو ههنا من الكتاب، لأنه لو كان من صاحب الكتاب لذكره فى عداد سليمان قبل سلمة بن الأكوع (الصدقة
على المسكين الخ) إطلاقه يشمل الفرض والندب فيدل على جواز أداء الزكاة إلى القرابة مطلقاً. قال الشوكانى: قد
استدل بالحديث على جواز صرف الزكاة إلى الأقارب سواء كان ممن تلزم لهم النفقة أم لا، لأن الصدقة المذكورة
فيه لم تقيد بصدقه التطوع، ولكنه قد تقدم عن ابن المنذر أنه حكى الاجماع على عدم جواز صرف الزكاة إلى
الأولاد - انتهى. (صدقة) أى واحدة (وهى على ذى الرحم) أى ذى القرابة (ثنتان) أى صدقتان اثنتان يعنى
ففيها أجران فهذا حث على التصدق على الرحم والاهتمام به . (صدقة وصلة) يعنى أن الصدقة على الأقارب أفضل
لأنه خيران، ولا شك أنهما أفضل من واحد. قال العزيزى: لكن هذا غالى، وقد يقتضى الحال العكس
(رواه أحمد) (ج ٤ ص ١٧، ١٨، ٢١٤) (والترمذى والنسائي وابن ماجه والدارمى) أخرجوه فى الزكاة
( ج ٣ ص ١١٦، ١١٧) .
١٩٦٠ - قوله (جاء رجل) لم يعرف اسمه (عندى دينار) أى وأريد أن أنفقه (أنفقه على نفسك) وفى
رواية : تصدق بدل أنفق، وكذا فيما بعده أى اقض به حوائج نفسك (قال عندى آخرقال أنفقه على ولدك) فيه
دليل على أنه يلزم الأب نفقة ولده المعسر، فإن كان الولد صغيراً فذلك اجماع، وان كان كبيراً ففيه اختلاف
٣٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
قال: عندى آخر، قال: انفقه على أهلك، قال عندى آخر، قال: أنفقه على خادمات، قال: عندى
آخر ، قال: أنت أعلم. رواه أبوداود، والتسانى.
١٩٦١ - (١٤) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم
كما تقدم (قال عندى آخر قال أنفقه على أهلك) أى زوجتك كما فى رواية. قال الطيبي: انما قدم الولد على الزوجة
لشدة افتقاره إلى النفقة بخلافها، فانه لو طلقها لأمكنها أن تتزوج بآخر. وقال الخطابى فى المعالم (ج ٢ ص ٨١)
هذا الترتيب اذا تأملته علمت أنه صلى الله عليه وسلم قدم الأولى فالأولى والأقرب، وهو أنه أمره بأن
يبدأ بنفسه ثم بولده لأن ولده كبعضه فاذا ضيعه هلك، ولم يجد من ينوب عنه فى الانفاق عليه ، ثم ثلث بالزوجة
وأخرما عن درجة الولد لأنه اذ لم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما ، وكان لها من يمونها من زوج أوذى رحم تجب
نفقتها عليه. ثم ذكر الخادم لأنه يباع عليه اذا عجز عن نفقته فتكون النفقة على من يبتاعه ويملكه. ثم قال له فما
بعد أنت أبصر أى ان شئت تصدقت وان شئت أمسكت - انتهى. قلت: اختلفت الرواية فى تقديم الولد على
الزوجة فقدمه عليها فى رواية الشافعى ، وأبى داود والحاكم، وقدم الزوجة على الولد فى رواية أحمد والنساقى
وابن حبان قال ابن حزم: اختلف يحيى القطان والثورى (عن ابن جلان عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة) فقدم
يحيي الزوجة على الولد، وقدم سفيان الولد على الزوجة فينبغى أن لا يقدم أحدهما على الآخر بل يكونان سواء،
لأنه قدم صح أن النبي ◌َّ كان اذا تكلم تكلم ثلاثا ، فيحتمل أن يكون فى اعادته إياه، مرة قدم الولد، ومرة
قدم الزوجة، فسارا سواء. قال الحافظ فى التلخيص: (ص ٣٣٤) بعدد ذكر كلام ابن حزم . قلت : وفى صحيح
مسلم من رواية جابر تقديم الأهل على الولد من غير تردد فيمكن أن ترجح به أحدى الروايتين - انتهى. ولفظ
حديث جابر عند مسلم قال: إبدأ بنفسك فتصدق عليها فان فضل شيء فلا هلك، فإن فضل عن أهلك شىء فلذى
قرابتك الخ. قال الشوكانى: يمكن ترجيح تقديم الزوجة على الولد بما وقع من تقديمها. فى حديث جابر (أنت
اعلم) بحال من يستحق الصدقة من أقاربك وجيرانك وأصحابك (رواه أبو داود والنسائى) فى الزكاة لكن اللفظ
المذكور ليس لواحد منهما ولم أجد هذا اللفظ فى مسند الامام أحمد والمستدرك للحاكم أيضاً، نعم ذكره بهذا
اللفظ البغوى فى المصابيح، وتبعه المصنف فى ذلك. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج ٢ ص ٤٧١،٢٥١)
والشافعى وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٤٥١) وسكت عنه أبو داود . وقال المنذرى: فى اسناده محمد بن
عجلان، وقد تقدم الكلام عليه وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي وسكت عليه الحافظ فى التلخيص
وبلوغ المرام .
١٩٦١ - قوله (ألا) حرف تنبيه (أخبركم) استيناف ويحتمل أن يكون ((ألا)، مركباً من ((لا))
٣٧٦

مر عاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه فى سبيل الله، ألا أخبركم بالذى يتلوه؟ رجل معتزل فى غنيمة
له يؤدى حق الله فيها.
النافية واستفهام التقرير، ويكون لفظ بلى مقدرا. قال الباجى: وقد علم أنهم يوردون ذلك على سبيل التنبيه لهم
على الاصغاء اليه والاقبال على ما يخبر به والتفرغ لفهمه (بخير الناس) أى بمن هو من خير الناس، وكذلك قوله
(((بشر الناس)) أى بمن هو من شر الناس. وقيل: أطلق البالغة فى الحث على الأول والتحذير عن الثانى، وفى.
الموطأ ألا أخبركم بخير الناس منزلا. قال الباجى: أى أكثرهم ثوابا وأرفعهم درجة. قال عياض: وهذا عام
مخصوص وتقديره من خير الناس ، وإلا فالعلماء الذين حملوا الناس على الشرائع والسنن وقادوهم إلى الخير أفضل
وكذا الصديقون كما جاءت به الأحاديث ويؤيده ان فى رواية للنسائى إن من خير الناس رجلا عمل فى سبيل الله
على ظهر فرسه بمن التى للنبعيض - انتهى . قال الحافظ وفى رواية للحاكم (ج٢ ص٧١) سئل أى المؤمنين أكمل
إيماناً، قال الذى يجاهد فى سبيل الله بنفسه وماله الخ. وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تمين عليه القيام به، ثم
حصل هذه الفضيلة ، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية ، وحيئذ فيظهر فضل المجاهد
لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدى (رجل) بالرفع على تقدير هو وبالجر على البدلية
(بمسك) صفة رجل (بعنان) بكسر العين لجام (فرسه) وفى رواية آخذ برأس فرسه (فى سبيل اللّه) وفى الموطأ
رجل آخذ بعنان فرمه يجاهد فى سبيل الله . قال الباجى: يريد والله أعلم أنه مواظب على ذلك ووصفه بأنه آخذ.
بعنان فرسه يجاهد فى سبيل الله بمعنى أنه لا يخلو فى الأغلب من ذلك راكباً له، أو قائداً معظم أمره ومقصوده
من تصرفه فوصف بذلك جميع أحواله، وإن لم يكن آخذاً بعنان فرسه فى كثير منها - انتهى. (بالذى يتاوه)
أى يتبعه ويقربه فى الخيرية، وفى رواية بالذى يليه، وفى الموطأ ألا أخبركم بخير الناس منزلا بعده. قال الباجى
وصف رسول اللّه ◌َ اللّه أفضل المنازل ونص عليها ورغب فيها من قوى عليها وأخبر بعد ذلك من قصر عن
هذه الفضيلة وضعف عنها ، فليس كل الناس يستطيع الجهاد ولا يقدر على أن يكون آخذاً بعنان فرسه فيه ، ففى
الناس الضعيف والكبير وذو الحاجة والفقير (رجل معتزل) أى متباعد عن الناس منفرد عنهم إلى موضع خال من
البوادى والصحارى (فى غنيمة له) أى مثلا وهو تصغير غنم وهو مؤنث سماعى ولذلك صغرت بالتاء، والمراد قطعة
غنم (يؤدى حق الله فيها) وفى رواية مالك يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً. والدارمى
والنسائى معتزل فى شعب يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويعتزل شرور الناس . قال الباجى: فمنزلة هذا منزلة بعد منزلة
المجاهد من أفضل المنازل لاداءه الفرائض واخلاصه لله تعالى العبادة وبعده عن الرياء والسمعة. اذا خفى ولم يكن
ذلك شهرة له ، ولأنه لا يؤذى أحداً ولا يذكره ولا تبلغ درجته درجة المجاهد، لأن المجاهد يذب عن المسلمين
٣٧٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
ألا أخبركم بشر الناس؟ يسأل بالله ولا يعطى به، رواه الترمذى، والنسائى، والدارمى.
١٩٦٢ - (١٥) وعن أم يجيد، قالت: قال رسول اللّه مَثّم: ردوا السائل ولو بظلف محرق
ويجاهد الكافرين حتى يدخلهم فى الدين فيتعدى فضله إلى غيره ويكثر الانتفاع به، وهذا المعتزل لا يتعدى نفعه
إلى غيره. وفى حديث أبى سعيد عند البخارى. قيل: يا رسول الله! أى الناس أفضل فقال رسول الله مؤلفاته:
مؤمن يجاهد فى سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال مؤمن فى شعب من الشعاب يتقى الله، ويدع الناس
من شره قال الحافظ : وانما كان المؤمن المعتزل يتلوه فى الفضيلة ، لأن الذى يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب
الآثام فقد لا يفى هذا بهذا ، ففيه فضل العزلة والانفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك. لكن
قال الجمهور محل ذلك عند وقوع الفتن، لحديث الترمذى مرفوعا المؤمن الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم
اجرا من المؤمن الذى لا يالط الناس ولا يصبر على أذا هم. ويؤيده قوله ◌َاللّم يأتى الناس زمان يكون خير
الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه فى سبيل الله يطلب الموت فى مظانه، ورجل فى شعب من هذه الشعاب يقيم
الصلاة ويؤتى الزكاة ويدع الناس إلا من خير، رواه مسلم، والترمذى وحسنه، والحاكم وصححه عن أبى هريرة،
إن رجلا مربشعب فيه عينة من ماء عذبة أعجبته فقال: لو اعتزات ثم استأذن النبى معَ ة: فقال لا تفعل فان .قام
أحدكم فى سبيل اللّه أفضل من صلاته فى بيته سبعين عاما. وقال النووى: فى الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة
على الخلة ، وفى ذلك خلاف مشهور ، فمذهب الشافعى وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة
من الفين ، ومذهب طوائف من الزهاد أن الاعتزال أفضل. واستدلوا بالحديث. وأجاب الجمهور بانه محمول على
زمان الفتن والحروب أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على أذاهم، وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم.
وجماهير الصحابة والتابعين ، والعلماء والزهاد، مختلطين، ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة والجماعة والجنائز
وعيادة المريض وحلق الذكر وغير ذلك - انتهى. قال ابن عبد البر: إنما وردت الأحاديث بذكر الشعب والحمل
لأن ذلك فى الأغلب يكون خالياً من الناس، فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل فى المعنى (رجل يسأل بالله
ولا يعطى به) سبق بيان معناه فى الفصل الثالث من باب الانفاق (رواه الترمذى) أخرجه الترمذى فى فضائل
الجهاد وحسنه والنسائى فى الزكاة والدارمى فى الجهاد، واللفظ للترمذى وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٢ ص ٢٣٧،
٣١٩، ٣٢٢) وابن حبان فى صحيحه، كلهم من حديث عطاء بن يسارعن ابن عباس، ورواه مالك فى الجهاد
عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصارى عن عطاء بن يسار مرسلا:
١٩٦٢ - قوله (ردوا) بضم الراء أمر من الرد أى أعطوا (السائل) هذا لفظ النسائى، وفى الموطأ
ردوا المسكين (ولو بظلف محرق) أى لا تجعلوا السائل محروما بل أعطوه شيئا ولو كان ظلفا محرقا يعنى تصدقوا
٣٧٨
٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
رواه مالك، والنسائى، وروى الترمذى، وأبو داود معناه.
١٩٦٣ - (١٦) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استعاذ منكم بالله
فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكانتوه، فان
لم تجدوا ما تکافئوه فادعوا له حتى تروا
بما تيسر وإن قل (رواه مالك) فى باب المساكين من كتاب الجامع من الموطأ، عن زيد بن أسلم عن ابن بحيد
الأنصارى ثم الحارثى (اسمه محمد) عن جدته (والنسائى) فى باب رد السائل من كتاب الزكاة من طريق مالك،
وكذا أحمد (ج ٦ ص ٤٣٥) (وروى الترمذى وأبو داود معناه) وكذا الامام أحمد وأبن خزيمة وابن حبان
والحاكم والبيهقى، وقد تقدم فى الفصل الثالث من باب الانفاق .
١٩٦٣ - قوله (من استعاذ منكم بالله) كذا فى جميع النسخ الحاضرة، ووقع فى المصابيح من استعاذكم
بالله، وهكذا فى مسند الامام أحمد (ج٢ ص ٩٩) وستن أبى داود فى الأدب والمستدرك الحاكم (ج١ ص٤١٢)
والبيهقى فى الزكاة (ج ٤ ص ١٩٩) ولأبى داود فيه والنسائى من استعاذ بالله، وهكذا نقله الجزرى فى جامع
الأصول (ج ١٠ ص ٣١٨) وكذا وقع فى المسند (ج ١ ص ٦٨، ١٢٧) (فأعيذوه) أى اذا طلب أحد منكم
أن تدفعوا عنه شركم أو غيركم بالله، مثل أن يقول يا فلان بالله عليك، أو أسألك بالله أن تدفعنى شر فلان أو
أحفظنى من فلان، فأجيبوه واحفظوه لتعظيم اسم الله. قال الطيبي: أى من استعاذ بكم وطلب منكم دفع شركم
أو شر غيركم عنه قائلا بالله أن تدفع عنى شرك، فأجيبوه وادفعوا عنه الشر تعظيما لاسم الله تعالى، فالتقدير
من استعاذ منكم متوسلا بالله مستعطفاً به، ويحتمل أن تكون الباء صلة استعاذ أى من استعاذ بالله فلا تتعرضوا
له، بل أعيذوه وادفعوا عنه الشر فوضع أعيذوا موضع أدفعوا ولا تتعرضوا مبالغة (ومن سأل) هذا لفظ أبى
داود وفى رواية أحمد والنسائى والحاكم ومن سألكم (بالله فأعطوه) أى إن وجدتم يعنى تعظيما لاسم الله وشفقة
على خلق الله، وزاد النسائى ومن استجار باللّه فأجبروه (ومن دعاكم فأجيبوه) وجوبا إن كان لوليمة عرس،
وندبا فى غيرها. وقيل: يجب الاجابة مطلقا، وهذا إن لم يكن مانع شرعى (ومن صنع إليكم معروفا) أى أحسن
اليكم احسانا قوليا أو فعليا (فكافئوه) بمثله أو خير منه من المكافأة مهموز اللام وهى المجازاة أى أحسنوا اليه
مثل ما أحسن اليكم أو خيرا منه (فان لم تجدوا ما تكافئوه) أى بالمال، والأصل تكافئون فسقط النون بلا ناصب
وجازم تخفيفا (فأدعوا له) أى للحسن يعنى فكافتوه بالدعاء له (حتى تروا) بضم التاء أى تظنوا وبفتحها أمى
٣٧٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
أن قد كافأ تموه. رواه أحمد، وأبو دواد ، والنسائى.
١٩٦٤ - (١٧) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة.
رواه أبو داود .
تعلوا. وتحسبوا ، قلت: وقع فى رواية أحمد والنسائى حتى تعلموا (إن قد كافتموه) أى كرروا الدعاء وبالغوا
له فيه جهد كم حتى قعدوا قد أديتم حقه. وقد جاء من حديث أسامة مرفوعا من ضنع اليه معروفا فقال لفاعله
جزاك الله خيرا، فقد أبلغ فى الثناء، أخرجه الترمدى وغيره، فدل هذا الحديث على أن من قال لأحد
جزاك الله خيرا مرة واحدة فقد أدى العوض وإن كان حقه كثيرا (رواه أحمد) (ج ٢ ص ٦٨، ٩٦،
و ١٢٧،٩٩) (وأبوداود) فى الزكاة وفى الأدب (والنسائى) فى الزكاة واللفظ لأبي داود وأخرجه أيضا ابن
حبان فى صحيحه والحاكم (ج ١ ص ٤١٢ - ٤١٣) والبيهقى (ج ٤ ص ١٩٩) وسكت عنه أبو داود والمنذرى
وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال النووى: فى رياضه حديث صحيح وفى الباب عن ابن عباس
أخرجه أبو داود .
١٩٦٤ - قوله (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) والجنة لا يسأل عن الناس فلزم أن يكون. فيه وجهان:
أحدهما: المنع عن السؤال لوجه الله لأنه لما قال لا يسأل الخ فلا يسأل عنهم شىء لوجه الله تعالى. وثانيهما:
لا يسأل من الله تعالى من متاع الدنيا لحقارتها، وانما يسأل الجنة، والمقصود المبالغة قاله فى اللعات. وقال الطيبي:
أى لا تسألوا من الناس شيئا بوجه اللّه مثل أن تقولوا أعطنى شيئا بوجه اللّه أو بالله، فان اسم الله أعظم من
أن يسأل به متاع الدنيا بل اسألوا به الجنة أو لا تسألوا الله متاع الدنيا بل رضاه، والجنة والوجه يعبر به عن
الذات - انتهى. وقال فى فتح الودود: قوله ((لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)) اذ كل شىء حقير دون عظمته تعالى
والتوسل بالعظيم فى الحقير تحقير له نعم الجنة أعظم مطلب للانسان فصار التوسل به تعالى فيها مناسبا - انتهى.
وأرجع إلى فتح القدير الناوى. قال القارى: قوله ((إلا الجنة)) بالرفع أى لا يسأل بوجه اللّه شىء إلا الجنة مثل
أن يقال اللهم إنا نسألك بوجهك الكريم أن تدخلنا جنة النعيم ، ولا يسأل روى غائبا نفيا ونهيا مجهولا ورفع
الجنة، ونهيا مخاطبا معلوما مفردا ونصب الجنة (رواه أبوداود) فى الزكاة وسكت عنه. وقال المنذري: فى اسناده
سليمان بن معاذ. قال الدار قطنى: سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم ، وذكر ابن عدى هذا الحديث فى ترجمة سليمان
ابن قرم. هذا الحديث لا أعرفه إلا من طريق أبي العباس القلورى أحمد بن عمرو (الذى روى عنه أبو داود) عن
يعقوب بن إسحاق الحضرمى عن سليمان بن قرم عن محمد بن المنكدر عن جابر، هذا آخر كلامه . وسليمان بن قرم
٣٨٠