Indexed OCR Text

Pages 241-260

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا محل له الصدقة.
ولا من قياس صحيح أو فاسد، بل هو مخالف للحديث الصحيح الثابت، وهو حديث أبى سعيد. ولم يذهب
الى هذا التعميم أحد من السلف الا ما حكى القفال فى تفسيره عن بعض الفقهاء المجاهيل، والقاضى عياض عن
بعض العلماء الغير المعروفين. قال صاحب تفسير المنار أما عموم مدلول هذا اللفظ فهو يشمل كل أمر مشروع
أريد به مرضاة الله تعالى باعلاء كلمته وإقامة دينه وحسن عبادته ومنفعة عباده ولا يدخل فيه الجهاد بالمال والنفس
اذا كان لأجل الرياء والسمعة، وهذا العموم لم يقل به أحد من السلف ولا الخلف ، ولا يمكن أن يكون مرادا
هنا. لأن الاخلاص الذى يكون به العمل فى سبيل الله أمر باطنى لا يعلمه إلا الله تعالى، فلا يمكن أن تناط به
حقوق مالية دولية. واذا قيل إن الأصل فى كل طاعة من المؤمن أن تكون اوجه الله تعالى: فيراعى هذا فى
الحقوق عملا بالظاهر ، اقتضى هذا أن يكون كل مصل وصائم ومتصدق . وقال: للقرآن وذاكر لله تعالى وميط
للأذى عن الطريق مستحقا بعمله هذا للزكاة الشرعية، فيجب أن يعطى منها. ويجوز له أن يأخذ منها وإن كان
غنيا ، وهذا منوع بالاجماع أيضا وارادته تنافى حصر المستحقين فى الأصناف المنصوصة. لأن هذا الصنف لأحد
لجماعاته فضلا عن أفراده، واذا وكل أمره إلى السلاطين والأمراء تصرفوا فيه بأهواءهم تصرفا، تذهب حكمة
فرضية الصدقة من أهلها - انتهى. وأما ما يذكر للاحتجاج لذلك من رواية البخارى فى دية الأنصارى الذى قتل
بخيبر مائة من ابل الصدقة ، فهو مخالف لما روى البخارى أيضا فى قصته إنه وداه من عنده. وجمع بين الروايتين ،
بأنه اشتراه من أهل الصدقة بعد أن ملكوما ثم دفعها تبرعا إلى أهل القتيل، حكاه النووى عن الجمهور، وعلى
هذا فلا حجة فيه لمن ذهب الى التعميم. واذا تقرر هذا فلا يجوز صرف الزكاة فى عمارة المساجد والمعاهد الدينية
وبناء الجسور، واصلاح الطرق والشوارع وتكفين الموتى وقضاء ديونهم وغير ذلك من أنواع البر. لأنه ليس
هذا فى شىء من المصارف المنصوصة. وهو مذهب أحمد كما يظهر من المغنى (ج ٢ ص ٦٦٧) ومالك كما فى
المدونة (ج ٢ ص ٥٩) وسفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء كما فى الأموال لأبى عبيد (ص ٦١٠) هذا
وقد ألحق بعض العلماء بالغازى من كان قائما بمصلحة من مصالح المسلمين كالقضاء والافتاء والتدريس وإن كان
غنيا، وأدخله بعضهم فى العالمين فأجاز له الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنيا، ولا يخفى
ما فيه . وقال صاحب المنار: إن سبيل اللّه هنا مصالح المسلمين الشرعية التى بها قوام أمرالدين والدولة دون الأفراد
والأشخاص، وأن الحج ليس منها. وقال وأولها وأولاها بالتقديم الاستعداد للحرب بشراء السلاح، وأغذية الجند
وأدوات النقل وتجهيز الغزاة، قال ويدخل فى عمومه انشاء المستشفيات العسكرية والخيرية، واشراع الطرق
وتعبيدها ومد الخطوط الحديدية العسكرية لاالتجارية. ومنها بناء البوارج المدرعة والمنطادات والطيارات الحربية
٢٤١
٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
أو لعامل عليها ،
والحصون والخنادق، قال ويدخل فيه النفقة على المدارس للعلوم الشرعية وغيرها مما تقوم به المصلحة العامة ، وفى
هذه الحالة يعطى منها معلمو هذه المدارس ماداموا يؤدون وظائفهم المشروعة التى ينقطعون بها عن كسب آخر
ولا يعطى عالم غنى لأجل علمه وإن كان يفيد الناس به - انتهى. قلت : حديث أبى سعيد ينافى هذا التعميم
لكونه كالنص، فى أن المراد بسبيل الله المطلق فى الآية هم الغزاة والمجاهدون خاصة فيجب الوقوف عنده
( أو العامل عليها) أى على الصدقة قال تعالى: ﴿والعاملين عليها - التوبة: ٦٠) أى الذين يوليهم الامام
أو نائبه العمل على جمعها من الأغنياء وهم الجباة والسعاة وعلى حفظها وهم الخزنة وكذا الرعاة للانعام منها
والكتبة لديوانها . قال ابن قدامة: هم السعاة الذين يبعثهم الامام لأخذها من أربابها وجمعها وحفظها ونقلها
ومن يعينها ممن يسوقها ويرعاها ويحملها ، وكذلك الحاسب والكاتب والكيال والوزان والعداد وكل من يحتاج
اليه فيها - انتهى . وفى الحديث دليل على أنه تحل الصدقة للعامل وإن كان غنيا، والمراد بذلك ما يعطى بطريق
العمالة، بضم المهملة وخفة الميم، أى رزقه على عمله . ولا خلاف فى هذا بين أهل العلم، لأن ما يستحقه العامل إنما
يستحقه بطريق العمالة لا بطريق الصدقة، فلا يشترط أن يكون فقيرا. قال الخطابي: أما العامل فإنه يعطى منها
عمالة على قدر عمله وأجرة مثله فسواء كان غنيا أو فقيرا فانه يستحق العمالة إذا لم يفعله متطوعا - انتهى. فان
كان العامل عمالته على عمله لا على فقره فان لم تكفه كان له أن يأخذ بفقره ما يأخذه أمثاله، ثم اختلف العلماء:
هل يستحق العامل على عمله جزءا منها معلوما معينا سبعا أو ثمنا أو يعطى قدر عمله على حسب اجتهاد الامام ،
لفحكى عن الشافعى إنه يعطى الثمن لكن فى فروع الشافعية إنه يعطى قدر أجرة عمله، وهكذا عند المالكية الحنابلة
والحنيفة أنه يعطى بقدر أجره وعمله، روى أبو عبيد عن مالك أنه قال ليس للعامل على الصدقة فريضة مسماة، أنما
ذلك إلى نظر الامام واجتهاده. قال أبو عبيد: وكذلك قول سفيان وأهل العراق، وهذا عندنا هو المعمول به
لا قول من يذهب إلى توقيت الثمن . ولوكان ذلك محدودا لكانت حال الأصناف الثمانية كلهم كالهم، أى كمال
العاملين، لكنهم عندنا إنما هم ولاة من ولاة المسلمين كسائر العمال من الأمراء والحكام وجباة الفئ وغير ذلك
فانما لهم من المال بقدر سعيهم وعمالتهم ولا يبخسون منه شيئا ولا يزادون عليه - انتهى. ثم إنه يبدأ باعطاء
العامل عند المالكية والحنابلة . لأنه يأخذه على طريق المعاوضة فكان استحقاقه أقوى ولذلك يعطى جميعها إن كانت
قدر عمله وإذا جزت عن أجره تم له من بيت المال. ولايزاد على نصف ما يجمعه عند الحنفية، وعلى الثمن عند
الشافعية. قال فى الاحياء: إن فضل شىء من الثمن عن أجر مثله رد على بقية الأصناف، وأن نقص كمل من مال
المصالح - انتهى. ثم اختلفوا: فى أن الاستحقاق العامل بعمله هل على سبيل الكفاية له ولاعوانه أو على سبيل
٢٤٢
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
أو الغارم
الأجرة. فقال الحنفية: كما فى البدائع على سبيل الكفاية لا على طريق الأجرة، لأن الأجرة مجهولة . لأن قدر
الكفاية له ولاءوانه غير معلوم. ولأن الأجرة لا تكون إلا على عمل معلوم ومدة معينة. وقال غيرهم : بطريق
الأجرة لكن عند الشافعية يستحق أجرة المثل . وقال ابن قدامة: ( ج ٦ ص ٤٢٦) الامام مخير بين أن يستأجر
العامل إجارة صحيحة باجر معلوم إما على مدة معلومة وإما على عمل معلوم، وبين أن يجعل له جعلا معلوما على
عمله فإذا عمله استحق المشروط وإن شاء بعثه من غير تسمية ثم اعطاه ، فان عمر رضى الله عنه قد عمله رسول الله
حَقّ بعد ما رجع من عمله فقال عمر: أعطه أجوج منى - الحديث. فان تلفت الصدقة بيده قبل وصولها إلى
أربابها من غير تفريط فلا ضمان عليه، ويستحق أجرة من بيت المال وإن لم تتلف أعطى أجر عمله منها، وإن
كان أكثر من ثمنها أو أقل. ثم قسم الباقى على أربابها لأن ذلك من مؤنتها نجرى مجرى علفها ومداواتها، وإن
وأى الامام أعطاه أجرة من بيت المال أو يجعل له رزقا فى بيت المال ولا يعطيه منها شيئا فعل - انتهى.
قلت : الظاهر عندى إن العامل يستحقه على سبيل الأجرة، لأن سبب الاستحقاق إنما هو عمله فيكون المأخوذ فى
مقابلته أجرة ، فيعطى عمالة بقدر عمله وأجرة مثله، فان كانت زائدة على حاجته أو كان غير محتاج فله أن يأكل
منها ويتصدق، كما يدل عليه قوله مَ له كل وتصدق، وقد يجب عليه الزكاة فيما يأخذه منها بشروطها من النصاب
والحول، وقد يستغنى عنه فيسقط سهمه. ثم هذا مخصص بما تقدم من حديث المطلب بن ربيعة وحديث أبي رافع
فلا يعطى العامل الهاشمى ومولاه عمالته منها (أولغارم) هو من غرم لا لنفسه بل لغيره كاصلاح ذات البين بأن يخاف
وقوع فتنة بين شيخين أو قبيلتين فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالا لتسكين الثائرة فيجوزله أن يقضى ذلك
من الزكاة وإن كان غنيا، هذا فسره الشافعى والجمهور. قال ابن تيمية فى المنتقى يحمل هذا الغارم على من تحمل
حمالة لإصلاح ذات البين كما فى حديث قبيصة الآتى لا لمصحلة نفسه لقوله فى حديث أنس، أو لذى غرم مفظع -
انتهى. وقال الخطابي: أما الغارم الغنى فهو الرجل يتحمل الحمالة ويدان فى المعروف وإصلاح ذات البين، وله
مال إن بيع فيها افتقرفيوفر عليه ماله، ويعطى من الصدقة ما يقضى به دينه. وأما الغارم الذى يد أن لنفسه وهو
معسر فلا يدخل فى هذا المعنى ، لأنه من جملة الفقراء - انتهى. وقال أبو حنيفة: الغارم مديون استغرق دينه ماله،
وفى الهداية الغارم من لزمه دين ولا يملك نصابا فاضلاعن دينه. وردّ بأنه من جملة الفقراء، والحاصل إن الغارم
يحل له أخذ الزكاة لقضاء ما تحمل وإن كان غنيا فهو كالغازى والمؤلف عند الشافعى وأحمد والجمهور. وقال
أبو حنيفة: لا تحل له إلا اذا كان فقيرا لعموم حديث عبد الله بن عمرو المتقدم مع حديث معاذ. قال الشوكانى:
لا وجه لاشتراط الفقر فيه فإن القرآن لم يشترط ذلك، والسنة المطهرة مصرحة بعدم اشتراط الفقر فيه ، كما فى
حديث أبى سعيد فذكره، ثم قال فهذا الحديث فيه التصريح بعدم اشتراط الفقر فى الغارم. ومن ذكر معه بل
٢٤٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
أو لرجل اشتراها بماله ،
يعطى الغارم من الزكاة ما يقضى دينه. وإن كان أزصبا كثيرة ، وأجاب الكاسانى عن هذا الحديث بمثل ما أجاب
به فى مسئلة الغازى ، فقال تسمية الغارم غنيا على اعتبار ما كان قبل حلول الغرم به، وقد حدثت له الحاجة
بسبب الغرم وقد تقدم الجواب عن هذا (أو لرجل) أى غنى (اشتراها) أى الزكاة من الفقير (بماله) وهذا
بعمومه يقتضى جواز شراء المتصدق صدقته من دفعها اليه، وهو قول أبي حنيفة والشافعى ومن وافقهما، وحمل
هؤلاء قوله بَّه لا تبتعه ولا تعد فى صدقتك على كراهة التنزيه. وذهب قوم إلى عدم جواز شراء صدقة نفسه،
وحملوا النهى على التحريم ، وقالوا المراد بالرجل الغنى فى حديث أبى سعيد غير المتصدق ، فيجوز له شراء صدقة
غيره. قال ابن قدامة ( ج ٢ ص ٦٥١) وليس لمخرج الزكاة شراءها من صارت اليه، وروى ذلك عن الحسن
وهو قول قتادة ومالك. قال أصحاب مالك: فان اشتراما لم ينقض البيع. وقال الشافعى وغيره : يجوز لقول النبي
عَلَّه لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة، رجل ابتاعها بماله. وروى سعيد فى سننه ان رجلا تصدق على أمه بصدقة
ثم ماتت، فسأل النبى مَّه فقال قد قبل الله صدقتك وردها اليك الميراث وهذا فى معنى شراءها. ولأن ما صح
أن يملك إرثا صح أن يملك ابتياعا كسائر الأموال. ولنا ما روى عمر أنه قال حملت على فرس فى سبيل الله
فأضاعه الذى كان عنده وظننت أنه بائعه برخص ، فأردت أن أشتريه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: لا تتعه ولا تعد فى صدقتك ولو أعطاكه بدرهم - الحديث متفق عليه. فإن قيل يحتمل إنها كانت حبسا فى
سبيل الله فمنعه لذلك، قلنا لو كان حبسا لما باعها الذى هى فى يده، ولا هم عمر بشراءها. ولأن النبي يحد ◌ّه ما ا نكر
بيعها انما أنكر على عمر الشراء معللا بكونه عائدا فى الصدقة الثانى أننا تحتج بعموم اللفظ من غير نظر إلى خصوص
السبب. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تعد فى صدقتك أى بالشراء، والأخذ بعموم اللفظ أولى من
التمسك بخصوص السبب، فان قيل: إن اللفظ لا يتناول الشراء فان العود فى الصدقة استرجاعها بغير عوض
وفسخ العقد كالعود فى الهبة، ولو وهب انسانا شيئا ثم اشتراه منه جاز. قلنا: النبي صلى الله عليه وسلم ذكر
ذلك جوابا لعمر حين سأله عن شراء الفرس، فلو لم يكن اللفظ متناولا للشراء المسؤل عنه لم يكن مجيبا له ،
ولا يجوز إخراج خصوص السبب من عموم اللفظ ، لئلا يخلو السؤال عن الجواب. وقد روى عن جابر وابن عمر
النهى عن اشتراء المتصدق صدقته، ولأن فى شراءه لها وسيلة إلى استرجاع شىء منها. لأن الفقير يستحى منه فلا
بماكسه فى ثمنها، وربما رخصها له طمعاً فى أن يدفع اليه صدقة أخرى. أما حديثهم فنقول به وانها ترجع اليه
بالميراث وليس هذا محل النزاع. قال ابن عبد البر: كل العلماء يقولون إذا رجعت اليه بالميراث طابت له إلا ابن
عمرو الحسن بن حى ، وليس البيع فى معنى الميراث لأن الملك ثبت بالميراث حكما بغير اختياره، وحديث أبى سعيد
٢٤٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
أو لرجل، كان له جار مسكين فتصدق على المسكين ، فأهدى المسكين للغنى . رواه مالك
وأبو داود .
عام وحديثنا خاص فالعمل به أولى - انتهى. وقال الشوكانى: لا معارضة بين الحديثين، لأن حديث عمر فى صدقة
التطوع وحديث أبي سعيد فى صدقة الفريضة ، فيكون الشراء جائزاً فى صدقة الفريضة إلى آخرما قال (أولرجل) أى
غنى ( كان له جار) ذكره تمثيلا لا إحترازا فلا مفهوم له (مسكين) المراد به ما يعم الفقير أيضا (فتصدق)
بصيغة المجهول (على المسكين) بشىء (فأهدى) أى ذلك الشىء (المسكين) بالرفع (للغنى) أى فيجل له كما تقدم فى
قصة بريرة، وفى هذا والذى قبله دليل على أن الزكاة ، والصدقة إذا بلغت محلها ملكها الآخذ فيجوزله التصرف فيها
بالبيع والصدقة والهدية ، وتغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها. والحكم المذكور
فى الحديث انما هو صدقة الفريضة. وأما التطوع فيحل الغنى والفقير مطلقا (رواه مالك) أى عن زيد بن أسلم
عن عطاء بن يسار مرسلا (وأبو داود) وأخرجه أيضا الحاكم (ج١ ص ٤٠٨) كلاهما من طريق مالك ورواه
البيهقى من طريق أبي داود (ج ٧ ص ١٥) قال أبوداود: ورواه ابن عيينة عن زيد بن أسلم كما قال مالك أى
مرسلا، ورواه الثورى عن زيد فقال: حدثنى الثبت عن النبي ◌َّه ـ انتهى. وأخرجها أبو عبيد فى الأموال
(ص ٥٤٩، ٦١٠) قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلا. قال ابن
عبد البر : قد وصل هذا الحديث جماعة من رواية زيد بن أسلم - انتهى . قلت اختلف فى هذا الحديث علی زید بن
أسلم عن عطاء. فقال مالك وابن عيينة وغيرهما: من أصحابه عنه ، هكذا مرسلا. ورواه الثووى. فقيل عنه
هكذا، وقيل عن عطاء حدثنى الثبت كما أشار اليه أبو داود. وقيل عن عطاء عن أبى سعيد الخدرى أخرجه
الدار قطى (ص٢١١) والبيهقى (ج ٧ ص ١٥) من طريق عبد الرزاق عن معمر والثورى كلاهما عن زيد بن
أسلم عن عطاء عن أبى سعيد. ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبى سعيد من غير خلاف فيه، أخرجه
أبوداود وابن ماجه وأحمد (ج ٣ ص ٥٦) والبزار و الحاكم (ج ١ ص ٤٠٧) والبيهقى (ج ٧ ص ١٥ - ٢٢)
والوصل زيادة من الثقة العدل لا يحل تركها، فلا يلتفت إلى قول من أعله بارسال من أرسله كائنا من كان،
وقد صححه جماعة كما قال الحافظ فى التلخيص. ومنهم الحاكم حيث قال حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه
الذهبي. قال الحاكم: ولم يخرجه الشيخان لارسال مالك إياه عن زيد بن أسلم ، ثم رواه من طريقه مرسلا،
وقال هذا من شرط فى خطبة الكتاب أنه صحيح فقد يرسل مالك فى الحديث ويصله ويسنده ثقه ، والقول قول
الثقة الذى يصله ويسنده .
٢٤٥

منعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا محل له الصدقة
١٨٤٩ - (١٤) وفى رواية لأبي داود عن أبى سعيد: أو ابن السبيل.
١٨٥٠ - (١٥) وعن زياد بن الحارث الصدائى، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، فذكر
حديثا طويلا، فأتاه رجل فقال: أعطفى من الصدقة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله
لم يرض بحكم نى ولا غيره فى الصدقات، حتى حكم فيها هو
١٨٤٩ - قوله (وفى رواية لأبى داود عن أبى سعيد) هذه الرواية من رواية عطية بن سعد العوفى عن
أبى سعيد، وقد أخرجها البيهقى ( ج ٧ ص ٢٢، ٢٣) والطحاوى (ج ١ ص ٢٠٦) أيضا . قال المنذرى:
وعطية هو ابن سعد أبو الحسن العوفى الكوفى ولا يحتج بحديثه (أو ابن السبيل) هو الغريب المنقطع عن ماله،
وإن كان غنيا فى وطنه. قال ابن قدامة: ( ج ٦ ص ٤٣٨) هو المسافر الذى ليس له ما يرجع به الى بلده وله
اليسار فى بلده فيعطى ما يرجع به ، وهذا قول قتادة، ونحوه قال مالك وأصحاب الرأى. وقال الشافعى: هو
المجتاز، ومن يريد انشاء السفر إلى بلد أيضا فيدفع اليهما ما يحتاجان اليه لذهابهما وعودهما، لأنه يريد السفر
لغير معصية، فأشبه المجتاز. ولنا أن ابن السبيل هو الملازم للطريق الكائن فيها كما يقال ((ولد الليل)) الذى يكثر
الخروج فيه، والقاطن فى بلده ليس فى طريق ، ولا يثبت له حكم الكائن فيها ولهذا لا يثبت له حكم السفر يهمه
به دون فعله، ولأنه لا يفهم من ابن السبيل الا الغريب دون من هو فى وطنه ومنزله، وان انتهت به الحاجة.
منتهاها فوجب أن يحمل المذكور فى الآية (وكذا فى الحديث) على الغريب دون غيره إلى آخر ما بسطه. قال.
البيهقى: (ج ٧ ص ٢٣) هذا الحديث ان صح فانما أراد والله أعلم. ابن سبيل غنى فى بلده، محتاج فى سفره.
وحديث عطاء بن يسار عن أبى سعيد أصح طريقا، وليس فيه ذكر ابن السبيل - انتهى. قلت مدار هذه الرواية
على عطية العوفى ، وقد تقدم كلام المنذرى فيه. وقال أبو داود: ليس بالذى يعتمد عليه، وضعفه أحمد وأبو حاتم
والنسائى، وذكره ابن حبان فى الضعفاء. وقال أبو زرعة لين . وقال الحافظ: صدوق يخطئ كثيرا كان
شيعيا مدلسا .
١٨٥٠ - قوله (الصدائى) بضم صاد وخفة دال مهملة فألف فهمزة نسبة إلى صداء (فذكر) أى زياد بن
الحارث (حديثا طويلا) رواه المزى فى تهذيبه بسنده عن زياد بن نعيم الحضرى عن زياد بن الحارث، ونقله
عنه فى حاشية تهذيب التهذيب تحت ترجمة زياد بن الحارث (فأتاه) أى أتى النبى معَ ◌ّه (رجل) لم يعرف اسمه
( فقال) أى الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله لم يرض بحكم في ولا غيره فى الصدقات) أى فى
مصارفها (حتى حكم فيها هو) بنفسه . قال الخطابي: فيه دليل على أن بيان الشريعة قد يقع من وجهين أحدهما
٢٤٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
فجرأما ثمانية أجزاء فان كنت من تلك الأجزاء أعطيتك.
ما تولى الله بيانه فى الكتاب، وأحكم فرضه فليس به حاجة إلى زيادة من بيان النبى محمدطه، وبيان شهادات الأصول
والوجه الآخر ما ورد ذكره فى الكتاب محملا، ووكل بيانه إلى النبي موفّه فهو يفسره قولا وفعلا، أو يتركه على
اجماله ليتنبه فقهاء الأمة ويستدركوه استنباطا واعتبارا بدلائل الأصول، وكل ذلك بيان مصدره عن اللّه تعالى
ورسوله موافقة (بجزأها) بتشديد الزاى فهمز من التجزئة أى قسم أصحابها (ثمانية أجزاء) أى أصناف أو قسم
مصارفها ثمانية أنواع (فان كنت من تلك الأجزاء) أى من أصحاب تلك الأجزاء (أعطيتك) كذا فى جميع النسخ،
وكذا نقله المجد بن تيمية فى المنتقى، ووقع فى ستن أبى داود أعطيتك حقك، وكذا نقله الجزرى فى جامع
الأصول، والبغوى فى المصابيح، والخطابى فى المعالم. وكذا وقع عند البيهقى. والظاهر أنه سقط لفظ حقك من
نسخ المشكاة من النساخ، أو قلد المصنف فى ذلك صاحب المنتقى . قال الخطابي (ج ٢ ص ٥٦): فى قوله « فان
كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة كلها فى صنف واحد، وإن الواجب
تفرقتها على أهل السهمان بحصصهم، ولوكان معنى الآية بيان المحل دون الحصص لم يكن للتجزئة معنى، ويدل على
صحة ذلك قوله ((أعطيتك حقك)) فبين إن لأهل كل جزء على حدة حقا، وإلى هذا ذهب عكرمة وهو قول الشافعى
قلت: اختلف الأئمة فى أنه هل يجوز إن تصرف جميع الصدقة إلى صنف واحد من الأصناف المنصوصة مع
وجود جميعها، أم هم شركاء فى الصدقة، لا يجوز أن يخص بها صنف دون صنف. فذهب مالك وأبو حنيفة
وأصحابه وأحمد إلى أنه يجوز للامام أن يصرفها فى صنف واحد، ويجوز أن يعطيها شخصا واحدا، وهو قول
حذيفة وابن عباس وعمر . وبه قال سعيد بن جبير، والحسن والنخعى وعطاء. واليه ذهب الثورى وأبو عيد
والشعى . وقال الشافعى وأصحابه: لا يجوز ترك صنف منهم مع وجوده بل يجب التعميم فى القسمة ، واستيعاب
الأصناف والتسوية بينها، وروى عن النخعى أنه قال إن كان المال كثيرا يحتمل الأصناف قسمه عليهم ، وإن كان
قليلا جاز وضعه فى صنف واحد. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى. وقال أحمد:
تفريقها وتعميمها أولى ويجزئه أن يضعه فى صنف واحد. وقال الحنفية: صاحب المال مخير إن شاء أعطى
جميعهم، وإن شاء اقتصر على صنف واحد، وكذا يجوز أن يقتصر على شخص واحد من أى صنف شاء. قال
ابن رشد : وسبب اختلافهم معارضة اللفظ للعنى فان اللفظ يقتضى القسمة بين جميعها ، والمعنى يقتضى أن يؤثر بها
أهل الحاجة اذ كان المقصود بها سد الخّلَّة فكان تمديدهم فى الآية عند هؤلاء، إنما ورد لتميز الجنس أعنى أهل
الصدقات لا تشريكهم فى الصدقة ، فالأول أظهر من جهة اللفظ، وهذا أظهر من المعنى. ومن الحجة الشافعى
ما رواه أبو داود عن الصدائى - انتهى. قلت: المشهور إن اللام فى الآية الصيرورة عند المالكية واللك عند
٢٤٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
الشافعية وهو الذى يقتضيه مذهبهم، وعند الحنفية للاختصاص لا لللك يعنى أنهم مختصون بالزكاة، ولا تكون لغيرهم
كقولهم الخلافة لقريش، والسقاية لبنى هاشم أى لا يوجد ذلك فى غيرهم فتكون اللام لبيان محل صرفها أى المقصود
من الآية بيان الأصناف التى يجوز الدفع اليهم لا تعيين الدفع لهم. قال الطيبي: إنما سمى الله تعالى الأصناف
الثمانية فى آية الصدقات إعلاما منه إن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف، لا ايجاب التقسيم فيما بينهم جميعا،
يدل عليه ايراد الآية بأداة الحصر. أى إنما الصدقات لهؤلاء الأصناف لا لغيرهم - انتهى . والتمليك ركن من
أركان الزكاة عند الحنفية، واستدلوا لذلك بوجوه بسطها ابن الهمام وغيره. منها: إن الله تعالى سماها صدقة
وحقيقة الصدقة تمليك المال من الفقير. ومنها: قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة - البقرة: ٤٣) والايتاء هو التمليك.
ومنها : قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء - التوبة: ٦٠) الآية. وقوله تعالى: ﴿وفى أموالهم حق للسائل
والمحروم - الذاريات: ١٩﴾ قال فى البدائع: والاضافة بحرف اللام تقتضى الاختصاص بجهة الملك اذا كان
المضاف اليه من أهل الملك . وقال بعضهم: اللام ، فى الآية للعاقبة . قال فى العناية: معناه إن المقبوض يصير ملكا
لهم فى العاقبة فهم مصارف ابتداء لامستحقون ثم يحصل لهم الملك فى العاقبة بدلالة اللام واعترض عليه بأنه لايدل
لام العاقبة على التمليك، كما فى قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزناً - الكهف: ٨) وكما
قال الشاعر :
لدوا للوت وابنوا للخراب
ومنها: قوله ◌َّةٍ فى حديث معاذ تؤخذ من أغنياءهم وترد على فقراءهم. قالوا: الرد على الفقراء لا يكون إلا
بتمليكهم اياها وأجاب الحنفية عن حديث الصدائى بأنه ضعيف وعلى تسليم صحته ليس فيه دلالة إلا على أن
الزكاة لا تصرف إلا إلى هذه الأجزاء الثمانية، لا إنها تصرف إلى جميع هذه الأجزاء، وإنما جزأ اللّه ثمانية لئلا
تخرج الصدقة عن تلك الأجزاء. وقال الشوكانى فى وبل الغمام: بعد الاشارة إلى تضعيف هذا الحديث ما نصه
وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج فالمراد بتجزئة الصدقة تجزئة مصارفها كما هو ظاهر الآية التى قصدها يؤثّه ،
ولوكان المراد تجزئة الصدقة نفسها. وإن كل جزء لا يجوز صرفه فى غير الصنف المقابل له لما جاز صرف نصيب
ما هو معدوم من الأصناف إلى غيره وهو خلاف الاجماع، وأيضا لوسلم ذلك لكان باعتبار مجموع الصدقات التى
تجتمع عند الامام لا باعتبار صدقة كل فرد ، فلم يبق ما يدل على وجوب التقسيط بل يجوز اعطاء بعض المستحقين
بعض الصدقات، واعطاء بعضهم بعضا ، نعم اذا جمع الامام جميع صدقات أهل قطر من الأفطار وحضر
عنده جميع الأصناف الثمانية كان لكل صنف حق فى مطالبته، بما فرضه الله تعالى له ، وليس عليه تقسيط ذلك
بينهم بالسوية ولا تعميمهم بالعطاء، بل له أن يعطى بعض الأصناف أكثر من البعض الآخر، وله أن يعطى بعضهم
٢٤٨
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
رواه أبو داود.
الفصل الثالث )؟
١٨٥١ - (١٦) عن زيد بن أسلم، قال: شرب عمر بن الخطاب رضى الله عنه لبنا فأعجبه، فسأل
الذى سقاه، من أين هذ اللبن ؟ فأخبره إنه ورد
دون بعض، اذا رأى فى ذلك صلاحا عائدا على الاسلام وأهله مثلا اذا جمعت لديه الصدقات وحضر الجهاد وحقت
المدافعة على حوزة الاسلام من الكفار أو البغاة، فان له تأثير صنف المجاهدين بالصرف اليهم، وإن استغرق جميع
الحاصل من الصدقات، وهكذا إذا اقتضت المصلحة تأثير غير المجاهدين - انتهى. قلت: واستدل للأئمة الثلاثة
بقوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم - البقرة: ٢٧١)
وقد تناول جنس الصدقات. والضمير عائد إلى الصدقات وهو عام يتناول جميع الصدقات وبقوله عَ لمعاذ
حين بعثه إلى اليمن أعلمهم إن عليهم صدقة تؤخذ من أغنياء هم فترد فى فقراء هم فلم يذكر فى الآية ولا فى الحديث ،
إلا صنفا واحدا. وبقوله ◌َلّم لقبيصة حين تحمل حمالة أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فتأمر لك بها ، فذكر
دفعها إلى صنف واحد وهو من الغارمين ، وأمر بنى زريق يدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر وهو شخص واحد ،
وقسم الذهيبة التى بعث بها اليه علىٌّ من اليمن بين المؤلفة قلوبهم ، وهم صنف واحد. وإنما يؤخذ من أهل اليمن
الصدقة ، وبما روى فى ذلك من آثار الصحابة كحذيفة وابن عباس وعمر وعلى رضى الله عنهم. قلت: أقرب
أقوال الأئمة فى هذه المسئلة وأرجحها عندى قول مالك وابراهيم النخعى وهو مختار الشوكانى ، كما يدل عليه كلامه
الذى نقلنا من وبل الغمام (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا الدار قطنى (ص ٢١٨) والطحاوى (ج ١ ص ٣٠٤)
والبيهقى (ج ٧ ص ٦) وسكت عنه أبو داود والبيهقى. وقال المنذرى: فى اسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم
الافريقى وقد تكلم فيه غير واحد - انتهى. قلت: تفرد به عبد الرحمن وقد ضعفه القطان وابن مهدى وابن معين
وابن حنبل وغيرهم وضعفه أيضا البيهقى. وقال الترمذى: رأيت البخارى يقوى أمره. وقال هو مقارب الحديث.
وقال الحافظ فى التقريب : ضعيف فى الحفظ وكان رجلاً صالحا .
١٨٥١ - قوله (فأعجبه) قال القارى: أى وافق هوى نفسه فأنكره بالاستدلال القلبى أو الالهام الغينى
(فسأل الذى سقاه من أين) حصل لك (هذا اللبن) قال الغزالى: سأل عمر رضى الله عنه اذرابه فانه أعجبه طعمه
ولم يكن على ما كان يألفه كل ليلة، وهذا من أسباب الريبة وحمله على الورع ذكره القارى (ورد) أى مر
٢٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
على ماء قد سماه، فإذا نعم من نعم الصدقة وهم يسقون، فحلبوا من ألبانها فجعلته فى سقائى فهو هذا.
فأدخل عمريده، فاستقاء. رواه مالك والبيهقى فى شعب الايمان.
(على ماء قد سماه) أى عينه باسمه ( فاذا ) المفاجأة ( نعم) بفتحتين (من نعم الصدقة) وردت هذا الماء
( وهم) أى الرعاة (يسقون) أى النعم من ذلك الماء (خلبوا) وفى نسخ الموطأ الموجودة عندنا خلبوا لى أى
بزيادة لفظة لى بعد حلبوا وكذا وقع عند البيهقى من رواية مالك لكن رقم عليها فى نسخ الموطأ علامة النسخة ،
ونقله فى جامع الأصول كما فى المشكاة (جعلته) أى اللبن (فى سقائى) بكسر السين (فأدخل عمر يده) أى فى فمه
أو حلقه (فاستقا٥٠) أى فنقيأه حتى أخرجه من جوفه. قال الطيبي: هذا غاية الورع والتنزه من الشبه . وقال ابن
عبد البر : مجمله عند أهل العلم إن الذى سقاه ليس ممن تحل له الصدقة اذ لعله غنى أو ملوك فاستقاء، لئلا ينتفع به ،
وأصله محظور وإن لم يأته قصدا، وهذا نهاية الورع ، ولعله أعطى مثل ذلك أو قيمته المساكين . ولوكان الذى
حلب له هذا اللبن مستحقا للصدقة لما حرم على عمر قصد شربه كما لم يحرم على النبى صلى الله عليه وسلم أكل اللحم
الذى تصدق به على بريرة ، وقال هو عليها صدقة . ولنا هدية، وما فعله عمر ليس بواجب لأنه استهلكه بالشرب
ولا فائدة فى قذفه إلا المبالغة فى الورع. قلت: وجاء مثل هذا عن أبى بكر أيضا . قال سعيد بن منصور: نا سفيان
عن ابن المنكدر إن أبا بكر شرب لبنا فقيل له إنه من الصدقة فتقياه. وروى البخارى فى باب أيام الجاهلية من
حديث عائشة قالت: كان لأبى بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه ناء يوما بشىء فأكل
منه أبو بكر فقال له الغلام تدرى ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو. قال: كنت تكهنت لانسان فى الجاهلية،
وما أحسن الكهانة إلا إنى خدعته فلقينى فأعطانى بذلك فهذا الذى أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شئ.
فى بطنه. وذكر الحافظ فى الفتح له عدة قصص نحو هذا وهو من كمال ورعه رضى الله عنه (رواه مالك) أى
عن زيد بن أسلم إنه قال شرب عمر بن الخطاب لبنا إلخ وهذا منقطع. ورواه الشافعى عن مالك عن زيد بن أسلم
(والبيهقى فى شعب الإيمان) وأخرجه أيضا فى السنن الكبرى (ج ٧ ص ١٤) من طريق مالك وترجم له باب
الخليفة ووالى الاقليم العظيم الذى لا يلى قبض الصدقة ليس لها فى سهم العاملين عليها حق وذكر فيه أيضا ما روى
هو وسعيد ابن منصور وأبو عبيد (ص ٦٠٥) من طريق سليمان بن يسار إن ابن أبى ربيعة قدم بصدقات سعى
عليها، فلما قدم الحرة خرج عمر بن الخطاب فقرب اليه تمرا ولبنا وزبدا، فأكلوا وأبى عمر أن يأكل . فقال
ابن أبى ربيعة: والله أصلحك الله إنا نشرب ألبانها ونصيب منها، فقال: يا ابن أبى ربيعة! لست كهيئتك إنك
تتبع أذنابها - انتهى .
٢٥٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٤ - باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له
(٤) باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له
الفصل الأول )
١٨٥٢ - (١) عن قبيصة بن مخارق، قال: تحملت حمالة. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة، فأمر لك بها ثم قال: يا قبيصة! إن المسئلة لا تحل
إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسئلة يصيبها ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة
(باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له)
١٨٥٢ - قوله (عن قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة فمثناة تحتية فصاد مهملة (بن مخارق) بضم الميم
وتخفيف المعجمة بعدها راء مكسورة ثم قاف، هو قبيصة بن مخارق بن عبد الله أبو بشر الهلالى صحابى ، وفد على
النبى مَُّ وروى عنه سكن البصرة (تحملت حمالة) بفتح الحاء وتخفيف الميم وهو المال يتحمله الانسان عن غيره
من دية أو غرامة كان يقع حرب بين فريقين ، ويسفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح
ذات البين. والتحمل أن يحملها عنهم على نفسه أى يتكفلها ويلتزمها فى ذمته. قال الخطابي: تفسير الحالة، أن يقع
بين القوم التشاجر فى الدماء والأموال ويحدث بسببهما العداوة والشحناء ويخاف من ذلك الفتق العظيم فيتوسط
الرجل فيما بينهم ، ويسعى فى اصلاح ذات البين ويتضمن مالا لأصحاب الطوائل يترضاهم بذلك حتى تسكن الثائره
وتعود بينهم الالفة - انتهى. قال الشوكانى: قد كانت العرب اذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة فى دية أو غيرها
قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك، والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شك إن هذا من مكارم الأخلاق ،
وكانوا إذا علموا إن أحدهم تحمل حمالة بادروا الى معونته وأعطوه ما تبرأ به ذمته، وإذا سأل لذلك لم يعد نقصا
فى قدره بل خراً - انتهى. (أسأله فيها) أى فى الحالة بمعنى لأجلها (أقم) أمر من الاقامة بمعنى اثبت واصبر وفال
السندى : أى كن فى المدينة مقيما (حتى تأتينا الصدقة) أى يحضر نامالها (فنأمر لك) بنصب الراء ( بها) أى
بالصدقة أو بالحمالة (إن المسئلة) أى السوال (لا تحل إلا لأحد ثلاثة) أى لا تحل إلا لصاحب ضرورة ملجثة الى
السؤال كأصحاب هذه الضرورات (رجل) بدل ((من أحد)). وقال ابن الملك: بدل من ((ثلاثه)) وبالرفع خبر
مبتدأ محذوف أى أحدهم (خلت له المسئلة) أى جازت (حتى يصيبها) أى الحمالة (ثم يمسك) أى عن السؤال لأن
السؤال حل له لأجل الحمالة فذما أصابها إرتفعت الإباحة فيجب أن يمسك عنه (ورجل) بالوجهين (أصابته جائجة)
٢٥١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له
إجتاحت ماله، فحلت له المسئلة، حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال سداداً من عيش. ورجل
أصابته فافة ، حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسئلة ،
حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال سداداً من عيش. فما سوامن من المسئلة يا قبيصة ؟ سحت
يأكلها صاحبها سحتاً .
هى الآفة التى تهلك الثمار والأموال وتستأصلها كالغرق والحرق والبرد المفسد للزرع والثمار ، من جاحه
يجوحه اذا استأصله (إجتاحت) أى استأصلت واتلفت (ماله) من تمار بستانه أو غيرها من الأموال (قواما)
بكسر القاف أى ما يقوم به حاجته ويسد به خلته (من عيش) أى معيشة من قوة ولباس ( أو قال) شك من
الراوى (سدادا ) بكسر السين ما تسد به حاجته وخلته. قال النووي: القوام والسداد بكسر القاف والسين وهما
بمعنى، وهو ما يغنى من شىء وما تسد به الحاجة. وقال المنذرى: القوام بفتح القاف وكسرها أفصح هو ما يقوم
به حال الانسان من مال غيره، والسداد بكر السين هو ما يسد حاجة المعوذ ويكفيه (ورجل ) بالوجهين
(فاقة) أى حاجة أى كان غنيا موسرا ثم افتقر وأصابته فاقة ولم يعرف حاله (حتى يقوم) أى على رؤس الأشهاد
( ثلاثة من ذوى الحجى) بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم بعدها الف مقصورة، أى العقل والفطنة (من قومه
لقد أصابت فلانا فاقة) أى يقوم ثلاثة قائلين هذا القول. قال النووي: هكذا هو فى جميع النسخ أى من صحيح
مسلم حتى يقوم ثلاثة وهو صحيح، أى يقومون بهذا الأمر فيقولون لقد أصابته فاقة - انتهى . وقال الصغانى:
هكذا وقع فى كتاب مسلم يقوم، والصحيح يقول باللام، وكذا أخرجه أبو داود وكذا فى المصابيح. وأجيب
بأن تقدير القول مع القيام آكد . قال السندى: وهذا كناية عن كون تلك الفاقة محققة لا مخيلة حتى لو استشهد
عقلاء قومه بتلك الفاقة لشهدوا بها، والفرق بين هذا القسم والقسم السابق، إن الفاقة فى القسم الأول ظاهرة
بين غالب الناس وفى هذا القسم خفية عنهم (وما سواهن) أى هذه الأقسام الثلاثة من المسئلة ( سحت ) بضم
السين وسكون الحاء المهملتين وروى بضم الحاء وهو الحرام. وسمى سحتاً لأنه يسحت البركة أى يذهبها ويمحقها
(يأكلها) أى يأكل ما يحصل له بالمسئلة قاله الطبي: والحاصل يأكل حاصلها. وقال فى سبل السلام: يأكلها أى
الصدقة، أنث لأنه جعل السحت عبارة عنها وإلا فالضمير له (صاحبها) أى المسئلة (ستا) نصب على التمييز أو
بدل من ضمير يأكلها وجعله ابن حجر حالا. قال ابن الملك: وتأنيث الضمير بمعنى الصدقة والمسئلة - انتهى.
والحديث دليل على أنها تحرم المسئلة من الزكاة إلا لثلاثة الأول لمن تحمل حمالة، وظاهره وإن كان غنيا فانه
٢٥٢
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٤ - باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له
٦ - كتاب الزكاة
لا يازمه تسليمه من ماله، وهذا هو أحد الخمسة الذين يحل لهم أخذ الصدقة وإن كانوا أغنياء كما سلف فى حديث
عطاء بن يسار عن أبى سعيد. والثانى: من أصاب ماله آفة سماوية أو أرضية كالبرد والغرق ونحوه بحيث لم يبق
له ما يقوم بعيشه حلت اه المسئلة، حتى يحصل له ما يقوم بحاله ويد خلته. والثالث: من أصابته فاقة ولكن
لا تحل له الا بشرط أن يشهد له من قومه لأنهم أخبر بحاله ثلاثة من ذوى العقول، لا من غلب عليه البغاوة
والتغفيل هو محمول على من كان معروفا بالغنى ثم افتقر. أما اذا لم يكن كذلك فإنه يحل له السؤال وإن لم يشهدوا
له بالفاقة ، ويقبل قوله وظاهره اعتبار شهادة ثلاثة على الإعسار، وقد ذهب الى ذلك ابن خزيمة وبعض أصحاب
الشافعى . وقال الجمهور: تقبل شهادة عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملو الحديث على الاستحباب. قال
الخطابي: فى هذا الحديث على كثير وفوائد جمة ، وذلك إنه قد جعل من تحل له المسئلة من الناس أقساما ثلاثة غنيا
وفقيرين ، وجعل الفقر على ضربين، فقرا ظاهراً، وباطناً، فالغنى الذى تحل له المسئلة ، هو صاحب الحمالة ، وهى
الكفالة والحميل الضمين والكفيل، ثم ذكر تفسير الحالة كما نقلنا عنه. ثم قال فهذا الرجل صنع معروفاً وابتغى
بما أنّاه صلاحا فليس من المعروف أن تورك الغرامة عليه فى ماله، ولكن يعان على أداء ما تحمله منه ويعطى من
الصدقة قدر ما يبرأ به ذمته ويخرج من عهدة ما تضمنه منه: وأما النوع الأول من نوعى أهل الحاجة فهو رجل
أصابته جانحة فى ٠اله فأهلكته، والجانحة فى غالب العرف هى ١٠ ظهر أمره من الآفات كالسيل يغرق متاعه، والنار
تحرقه، والبرد يفسد زرعه وثماره فى نحو ذلك من الأمور، وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند وقوعها، فإذا أصاب
الرجل شىء منها فذهب ماله وافتقر حات له المسئلة. ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطالبونه
بها على ثبوت فقره واستحقاقه إياها . وأما النوع الآخر فانما هو فيمن كان له ملك ثابت وعرف له يسار ظاهر
فادعى تلف ماله من لّ طرقه أو خيانة من أودعه أو نحو ذلك من الأمور التى لا يبين لها أثر ظاهر فى المشاهدة
والعيان . فاذا كان ذلك ، ووقعت فى أمره الريبة فى النفوس لم يعط شيئا من الصدقة إلا بعد استبراء حاله،
والكشف عنه بالمسئلة عن أهل الاختصاص به والمعرفة بشأنه، وذلك معنى قوله ((حتى يقول ثلاثة من ذوى
الحجى من قومه)، الخ واشتراطه ((الحجى)) تأكيد لهذا المعنى أى لا يكونوا من أهل الغباوة والغفلة ممن يختفى عليهم
بواطن الأمور، وليس هذا من باب الشهادة، ولكن من باب التبيين والتعريف. وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة
فى شىء من الشهادات، فاذا قال نفر من قومه، أو جيرانه أو ذوى الخبرة بشأنه إنه صادق فيما يدعيه أعطى
الصدقة. قال الخطابي: وفى قوله ((أقم حتى تأتينا الصدقة فأمر لك بها، دليل على جواز نقل الصدقة من بلد الى
أهل بلد آخر، وفيه إن الحد الذى ينتهى اليه العطاء فى الصدقة هو الكفاية التى يكون بها قوام العيش وسداد
الخلية، وذلك يعتبر فى كل إنسان بقدر حاله ومعيشته ليس فيه حد معلوم يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف
٢٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له
رواه مسلم .
١٨٥٣ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سأل الناس أموالهم
تكثرا، فانما يسأل جمرا، فليسنقل أو ليستكثر، رواه مسلم.
١٨٥٤ - (٣) وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يزال الرجل
يسأل الناس حتى يأتى يوم القيامة ليس فى وجهه مزعة لحم.
أحوالهم - انتهى. والظاهر من الأحاديث تحريم السؤال إلا للثلاثة المذكورين أو أن يكون المسؤل السلطان كما
سبأتى (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد ( ج ٣ ص ٤٧٧) و (ج ٥ ص ٦٠) والشافعى (ج ٢ ص ٦٢)
وأبو داود والنسائى والدار قطنى وابن خزيمة وابن حبان والبيهقى ( ج ٧ ص ٢١، ٢٣) وأبو عبيد (ص ٢٣٠،
٥٤٧).
١٨٥٣ - قوله (من سأل الناس أموالهم) أى شيئا من أموالهم يقال، سألته الشىء وعن الشىء. قال
الطيبي: قوله ((أموالهم)) بدل اشتمال ((من الناس)) وقد تقرر عند العلماء إن البدل هو المقصود بالذات، وإن
الكلام سيق لأجله فيكون القصد من سؤال هذا السائل نفس المال والاكثار منه لا دفع الحاجة ، فيكون مثل هذا
المال كنز يترتب عليه فانما يسأل جمراً - انتهى. (تكثرا) مفعول له أى ليكثر به ماله لا للاحتجاج. وقيل: أى
بطريق الالحاح والمبالغة فى السؤال (فانما يسأل جمراً) أى قطعة من نار جهنم يعنى ما أخذ سبب للعقاب بالنار،
وجعله جمراً البالغة فهذا كقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، إنما يأكلون فى بطونهم ناراً -
النساء: ١٠ ) أى ما يوجب نارا فى العقبى، ويجوز أن يكون على ظاهره، وان الذى يأخذه يصير جمراحقيقة
يعذب ويكوى به كما ثبت فى ما نعى الزكاة (فليستقل) من السؤال أو الجمر (أو ليستكثر) أى ليطلب قليلا أو كثيرا
ولينظر فى عاقبته وهذا توبيخ له وتهديد كما فى قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر - الكهف: ٢٩)
لا الاذن والتخيير. قال فى السبل قوله «فليستقل)) أمر التهكم ومثله ما عطف عليه، أو للتهديد من باب إعملوا
ما شئتم وهو مشعر بتحريم السؤال للاستكثار (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه والبيهقى.
١٨٥٤ - قوله (ما يزال الرجل) والمرأة (يسأل الناس) أموالهم أى تكثرا وهو غنى كما سيأتى
(مزعة لحم) مزعة بضم الميم وحكى كسرها وسكون الزاى بعدها مهملة أى قطعة من لحم أو نتفة منه. وقال
ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاى. والذى أحفظه من المحدثين الضم. قال الخطابي: يحتمل وجوها. أن يأتى
٢٥٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٤ - باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له
متفق عليه .
١٨٥٥٠ - (٤) وعن معاوية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلحفوا فى المسئلة،
فوالله لا يسألنى أحد منكم شيئاً فتخرج له مسئلته منى شيئاً، وأنا كاره، فيبارك له فيما أعطيته.
ذليلا ساقطا لا جاه له ولا قدر، كما يقال لفلان وجه عند الناس فهو كناية، وأن يكون قد نالته العقوبة فى وجهه
فعذب حتى سقط لحمه على معنى مشاكلة عقوبة الذنب مواضع الجناية من الأعضاء كقوله صلى الله عليه وسلم رأيت
ليلة أسرى بى قوما تقرض سفاههم فقلت: يا جبريل؟ من هؤلاء! قال: هم الذين يقولون ما لا يفعلون. وأن
يبعث ووجهه عظم كله فيكون ذلك علامة له وشعارا يعرف به، وإن لم يكن من عقوبة مسنته فى وجهه - انتهى .
قال الحافظ : الأول صرف للحديث عن ظاهره وقد يؤيده ما أخرجه الطبر انى والبزار من حديث مسعود بن
عمر. ومرفوعا، لا يزال العبد يسأل وهو غنى حتى يخلق وجهه فلا يكون له عند الله وجه. ومال المهلب إلى حمله
على ظاهره ، وإلى أن السر فيه إن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر
من غيره قال . والمراد به من سأل تكثرا وهو غنى لا تحل له الصدقة، وأما من سأل وهو مضطر فذلك مباح
له فلا يعاقب عليه - انتهى. قلت : ظاهر الحديث يدل على ذم تكثير السؤال وقبحه، وإن كل مسئلة تذهب من
وجهه قطعة لحم حتى لا يبقى فيه شىء لقوله ((لا يزال)) وفهم البخارى إنه وعيد لمن يسأل تكثرا، يعنى سأل ليجمع
الكثير من غير احتياج اليه، فانه ترجم له بباب من سأل تكثرا، والفرق بينهما ظاهر فقد يسأل الرجل دائما،
وليس متكثرا لدوام افتقاره واحتياجه لكن لما كان المتوعد عليه على ما تشهد به الفوائد هو السائل عن غنّى
وكثرة، وإن سؤال ذى الحاجة مباح نزل البخارى - الحديث. على من يسأل ليكثر ماله (متفق عليه) وأخرجه أيضا
أحمد (ج ٢ ص ١٥ و ٨٨) والنسائى والبيهقى (ج ٤ ص ١٩٦).
١٨٥٥ - قوله (وعن معاوية) أى ابن أبى سفيان (لا تلحفوا فى المسئلة) مصدر بمعنى السؤال أى.
لا تبالغوا ولا تلحوا من الحف فى المسئلة اذا ألح فيها. قال تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافا - البقرة: ٢٧٣)
واشتقاق الحق من اللحاف لأنه يشتمل على وجوه الطلب كاشتمال اللحاف فى التغطية (فوالله لا يسألنى) أى
بالالحاف (فتخرج) بالتأنيث منصوبا ومرفوعا والنسبة مجازية سبية فى الاخراج (وأنا له ) أى لذلك الشيء يعنى
لاعطائه أو لذلك الاخراج الدال عليه تخرج والواو الحال (فيبارك) بالنصب مجهولا (له فيما أعطيته) أى على
تقدير الالحاف. قال الطيبي: بالنصب بعد الفاء على معنى الجمعية أى لا يجتمع إعطائى كارها مع البركة - انتهى.
وسره إن النفوس اللاحقة بالملأ الأعلى تكون الصورة الذهنية فيها من الكراهة والرضا بمنزلة الدعاء المستجاب
٢٥٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٤ - باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له
رواه مسلم .
١٨٥٦ - (٥) وعن الزبير بن العوام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يأخذ أحدكم حيله
فيأتى بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها .
والله أعلم، كذا فى حجة الله البالغة. قال القارى، وفى نسخة بالرفع فيقدر هو فيكون كقوله تعالى: ﴿ ولا يؤذن
لهم فيعتذرون - المرسلات: ٣٦) انتهى. وفى رواية لمسلم قال: أى معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول إنما أنا عازن فمن أعطيته عن طيب نفس فبارك له فيه، ومن أعطيته عن مسئلة وشره نفس كان كالذى يأكل
ولا يشبع. قال النووى فى شرح مسلم: اتفق العلماء على النهى عن السؤال لغير ضرورة، واختلف أصحابنا فى
مسئلة القادر على الكسب على وجهين أصحهما أنها حرام لظاهر الأحاديث . والثانى: حلال مع الكراهة بثلاثة.
شروط أن لا يذل نفسه، ولا يلح فى السؤال، ولا يؤذى المسئول فان فقد أحد هذه الشروط فهى حرام.
بالاتفاق " انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٩٨) والنسائى والدارمى والبيهقى (ج ٤
ص ١٩٦) وفى الباب عن ابن عمر عند أبي يعلى ذكره المنذرى فى الترغيب، وقال رواته محتج بهم فى الصحيح .
١٨٥٦ - قوله (وعن الزبير بن العوام) بفتح العين المهملة وتشديد الواو وهو الزبير بن العوام بن خويلد
ابن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب أبو عبد الله الأسدى القرشى حوارى رسول اللّه مَاللّه وابن عمته صفية
بنت عبد المطلب وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى أسلم وله اثنتا عشرة سنة. وقيل:
ثمان سنين. وكان عم الزبير وهو نوفل بن خويلد يعلق الزبير فى حصير ويدخن عليه بالنار ليرجع إلى الكفر
فيقول لا أكفر أبدا شهد بدرا وما بعدها، وهاجر الهجرتين. وهو أول من سل سيفا فى سبيل الله وذلك إن
الشيطان نفخ نفخة فقال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل الزبير يشق الناس بسيفه، والنبي حدوثه بأعلى مكة.
وفى رواية فقيل: قتل رسول اللّه مؤلم :فرج الزبير متجردا بالسيف صلتا روى عن النبى صلى الله عليه وسلم،
وعنه أبناء عبد الله وعروة والأحتف وغيرهم، وكان فى صدره أمثال العيون من الطعن والرمى أصابه مع
رسول اللّه ◌ُبه فى سبيل الله قتل فى جمادى الآخرة سنة (٣٦) بعد منصرفه من وقعة الجمل، وله ست أو سبع
وستون سنة . وكان الذى قتله عمرو بن جرموز التميمى قتله غدرا بوادى السباع ناحية البصرة ودفن فيه ، وقال
على رضى الله عنه لمن آذنه بقتله بشر قاتل ابن صفية بالنار (لأن يأخذ) بفتح اللام (أحدكم حبله) أى فيجمع
حطباً ثم يربط به (فيأتى بحزمة حطب على ظهره) قال ابن الملك: الحزمة بضم الحاء قدر ما يحمل بين العضدين
والصدر ، ويستعمل فيما يحمل على الظهر من الحطب . وقال فى الصراح: حزمة بالضم بند هيزم ( فيبيعها ) قيل:
٢٥٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه. رواه البخارى.
١٨٥٧ - (٦) وعن حكيم بن حزام، قال: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فأعطانى، ثم
سألته فأعطانى ثم قال لى: يا حكيم! إن هذا المال خضر حلو.
منصوب بتقدير ((إن)) أى فان يبيع تلك الحزمة (فكيف) بالنصب أيضا (الله بها) أى فيمنع الله بسبب الحزمة
وثمنها (وجهه) أى من أن يريق ماءه بالسؤال (خير له) قال الحافظ: ليست ((خير)) هنا بمعنى التفضيل اذ
لا خير فى السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصح عند الشافعية إن سؤال من هذا حاله حرام. ويحتمل
أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذى يعطاه خيرا، وهو فى الحقيقة شر - انتهى. وقال
السندى فى حاشية مسلم: قوله ((خير له)) الخ أى لو فرض فى السؤال خيرية لكان هذا خبرا منه، إلا فمعلوم أنه
لا خيرية فى السؤال. وقال فى حاشية ابن ماجه: الكلام من قبيل ((وإن تصوموا خيرا لكم)) والمراد إن
ما يلحق الانسان بالاحتزام من التعب الدنيوى خير له مما يلحقه بالسؤال من التعب الأخروى ، فعند الحاجة
يذبغى له أن يختار الأول ويترك الثانى (من أن يسأل الناس) أى من سؤال الناس، ولوكان الاكتساب بعمل شاق
كالاحتطاب. وقد روى عن عمرفيما ذكره ابن عبد البر مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسئلة الناس (أعطوه)
فحملوه ثقل المنة مع ذل السؤال (أو منعوه) فاكتسب الذل والخيبة والحرمان يعنى يستوى الأمر إن فى أنه خير
له. وفى الحديث الحض على التعفف عن المسئلة والتنزه عنها ولو أمتهن المرأ نفسه فى طلب الرزق، وارتكب
المشقة فى ذلك ولولا قح المسئلة فى نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال
ومن ذل الرد، اذا لم يعط . ولما يدخل على المسئول من الضيق فى ماله ان أعطى كل سائل، وفيه فضيلة الاكتساب
بعمل اليد (رواه البخارى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ١٤٦، ١٦٨) وابن ماجه والبيهقى (ج ٤ ص ١٩٥)
وفى الباب عن أبى هريرة عند مالك والشيخين والترمذى والنسائى.
١٨٥٧ - قوله (وعن حكيم بن حزام) بفتح المهملة فى الأول وكسرها فى الثانى ، وتخفيف الزاى المعجمة
(سألت رسول الله عز ◌ّ فأعطانى ثم سألته فأعطانى) كذا وقع فى هذه الرواية بتكرير الإعطاء مرتين، وفى سائر
الروايات بتكرير السؤال والإعطاء ثلاثا (ثم قال لى) أى بعد الاعطاء الثالث كما فى سائر الرويات (إن هذا المال
خضر) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، أى طرى ناعم مرغوب فيه غاية الرغبة (حلو) بضم الحاء المهملة
وسكون اللام، أى لذيد عند النفس تميل اليه بالطبع غاية الميل. وقيل: الخضر فى العين طيب، والحلو يكون فى الفم
طيبا: اذ لا تمل العين من النظر إلى الخضر، ولا يمل الفم من أكل الحلو فكذلك النفس حريصة بجمع المال
٢٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٤ - باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له
فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه باشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذى
يأكل ولا يشبع ،
لا تمل عنه. والمعنى إن هذا المال فى الرغبة فيه، والميل اليه وحرص النفوس عليه كالفاكهة خضر فى المنظر حلو
فى الذوق، ففيه تشبيه المال فى الرغبة والميل اليه بالفاكهة الخضرة المستلذة المستحلاة الطعم. فان الأخضر مرغوب
فيه على انفراده بالنسبة إلى اليابس والحلو كذلك على انفراده بالنسبة إلى الحامض، فالاعجاب بهما اذا اجتمعا
أشد. وفيه إشارة إلى عدم بقاءه، لأن الخضراوات لا تبقى ولا تراد للبقاء وذكر الخبر فى هذه الرواية، ووقع
فى سائر الروايات إن هذا المال خضرة حلوة . قيل: أنث الخبر لأن المراد الدنيا. وقيل: لأن التقدير إن صورة
هذا المال أو يكون التأنيث للعنى لأنه اسم جامع لأشياء كثيرة، والمراد بالخضرة الروضة الخضراء، أو الشجرة
الناعمة والحلوة المستحلاة الطعم. قال فى المصابيح: اذا كان قوله ((خضرة)) صفة الروضة أو المراد بها نفس
الروضة الخضرة لم يكن ثم اشكال البتة ، وذلك أن توافق المبتدأ والخبر فى التأنيث . إنما يجب اذا كان الخبر صفة
مشتقة غير سببية نحو هند حسنة أو فى حكمها كالمنسوب. أما فى الجوامد فيجوز نحو هذه الدار مكان طيب
وزيد قسمة عجينة - انتهى. وقال الحافظ: معناه إن صورة حسنة مولقة، والعرب تسمى كل شىء مشرق
ناضر أخضر. وقال ابن الأنبارى: قوله (( خضرة حلوة)) ليس هو صفة المال وإنما هو التشبيه كأنه قال المال
كالبقلة الخضراء الحلوة أو الغاء فيه باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا. أو على معنى فائدة المال أى
إنَ الحياة به أو العيشة أو إن المراد بالمال هنا الدنيا لأنه من زينتها. قال الله تعالى: ﴿المال والبنون زينة
الحياة الدنيا - الكهف : ٤٦﴾ وقد وقع فى حديث أبى سعيد فى السنن الدنيا خضرة حلوة فيتوافق الحديثان ،
ويحتمل أن تكون التاء فيهما البالغة (فمن أخذه) أى المال أخذا متلبسا (بسخاوة) بفتح السين المهملة (نفس) أى
من غير حرص عليه أو بغير شره ولا إلحاح أى من أخذه بغير سوال ولا إشراف ولا تطلبع ولا طمع
وهذا بالنسبة إلى الآخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطى أى بسخاوة نفس المعطى أى انشراح
صدره بما يعطيه يعنى من أخذه ممن يعطى منشرحا باعطاء، إياه طيب النفس لا بسؤال اضطره اليه أو نحوه مما
لا تطيب معه نفس المعطى، والظاهر هو الأول (ومن أخذه باشراف نفس) أى مكتسبا له بطلب النفس وحرصها
عليه وتعرضها له وطمعها فيه وتطلعها اليه وهذا بالنسبة إلى الآخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطى أى
بكراهيته من غير طيب نفس بالاعطاء كذا قيل: والظاهر هو الأول (لم يبارك له) أى الآخذ (فيه) أى فى
المعطى (وكان) أى السائل الآخذ الصدقة فى هذه الصورة لما يسلط عليه من عدم البركة وكثرة الشره والنهمة
( كالذى يأكل ولا يشبع) أى كذى الجوع الكاذب بسبب سقم من غلبة خلط سوداوى أو آفة ويسمى جوع
٢٥٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٤ - باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له
.واليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم. فقلت: يا رسول الله! والذى بعثك بالحق لا أرزا أحدا
بعدك شيئاً، حتى أفارق الدنيا .
الكلب كلما ازداد جوعا فلا يجد شبعا ولا ينجع فيه الطعام، والمراد أنه لا ينقطع شهاء، فيبقى فى حيرة الطلب على
الدوام ولا ينقضى شهواته التى لأجلها طلبه. وفى الحديث الحث على التعفف والرضا بما تيسر فى عفاف ، وإن كان
قليلا ، وإنه لا يغتر الانسان بكثرة ما يحصل له باشراف ونحوه فانه لا يبارك له فيه (واليد العليا) أى المنفقة
(خير من اليد السفلى) أى السائلة. قال السندى: المشهور تفسير اليد العليا بالمنفقة وهو الموافق للأحاديث. وقيل:
عليه كثيرا ما يكون السائل خيرا من المعطى فكيف يستقيم هذا التفسير وليس بشىء اذ الترجيح من جهة الإعطاء
والسؤال، السؤال لامن جميع الوجوه والمطلوب الترغيب فى التصدق والتزهيد فى السؤال، ومنهم من فسر العليا
بالمتعففة عن السؤال حتى صفحوا المنفقة فى الحديث (يعنى حديث ابن عمر الآتى) بالمتعففة والمراد بالعلوقدراو على الوجهين
فالسفلى هى السائلة. إما لأنها تكون تحت يد المعطى وقت الاعطاء أو لكونها ذليلة بذل السؤال والله أعلم . بحقيقة
الحال - انتهى . قلت : القول الراجح المعول عليه هو أن المراد بالعليا هى المنفقة وبالسفلى السائلة. لما روى أحمد
والطبرانى باسناد صحيح عن حكيم بن محزام مرفوعا يد الله فوق يد المعطى، ويد المعطى فوق يد المعطى، ويد المعطى
أسفل الأيدى، وللطبرى من حديث عدى الجذامى مرفوعا مثله. وروى النسائى وابن حبان والدار قطنى من
حديث طارق المحاربى. قال: قدمنا المدينة فاذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول:
يد المعطى العليا. ولابن أبى شيبة والبزار من طريق ثعلبة بن زهدم مثله، ولأبى داود وابن خزيمة والحاكم من
حديث أبي الأحوص عوف بن مالك عن أبيه مرفوعا الأيدى ثلاثة. فيد اللّه: العليا. ويد المعطى: التى تليها.
ويد السائل: السفلى. ولأحمد والبزار من حديث عطية السعدى اليد المعطية هى العليا، والسائلة هى السفلى. قال
الحافظ بعد ذكر هذه الأحاديث : فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هى المنفقة المخطية وإن السفلى هى
السائلة وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور - انتهى، وفى تفسير ذلك أقوال أخرى ذكرها الحافظ فى الفتح . ثم
قال وكل هذه التأويلات تضمحل عند الأحاديث المتقدمة المصرحة بالمراد فأولى ما فسر الحديث بالحديث -
انتهى. ( لا أرزاً) بفتح الهمزة واسكان الراء وفتح الزاى بعدها همزة أى لا أنقص (أحدا) أى مال أحد
بالسؤال عنه والأخذ منه ( بعدك) أى بعد سؤالك هذا أوبعد قولك هذا (شيئا) مفعول ثان ((لأرزاً)) بمعنى
أنقص أى لا آخذ من أحد شيئا بعدك، وفى رواية قلت فو الله لا تكون يدى بعدك تحت يد من أيدى العرب
(حتی أفارق الدنیا) أى إلى أن أموت ولم یرزا حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله فے حتى توفى لعشر سنين
من إمارة معاوية مبالغة فى الاحتراز، إذ مقتضى الجبلة الاشراف والحرص والنفس سراقة، ومن حام حول الحمى
٢٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له المسئلة ومن تحل له
متفق عليه .
١٧٥٨ - (٨) وعن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال وهو على المنبر وهو يذكر
الصدقة والتعفف عن المسئلة ((اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هى المنفقة والسفلى
هى السائلة .
يوشك أن يقع فيه. وفى الحديث فوائد، ذكرها الحافظ فى الفتح نقلا عن ابن أبى جمرة فارجع اليه ( متفق عليه )
أخرجه البخارى فى الزكاة والوصايا والخمس والرقاق، ومسلم فى الزكاة . واللفظ للبخارى فى الوصايا، وأخرجه
أيضا أحمد (ج ٣ ص ٤٣٤) والترمذى والنسائى والبيهقى وغيرهم .
١٨٥٨ - قوله (وهو على المنبر) جملة اسمية وقعت خالا ( وهو) أى والحال أنه (يذكر الصدقة)
أى فضلها والحث عليها (والتعفف عن المسئلة) أى الكف عن السؤال وهذا لفظ مسلم عن قتيبة عن مالك عن
نافع عن ابن عمر، وكذا رواه النسائي عن قتيبة، وكذا وقع فى الموطأ. ولفظ البخارى من طريق القعني عن
مالك ، وذكر الصدفة والتعفف. والمسئلة أى بالواو بدل عن قبل المسئلة، ولأبى داود من هذا الطريق، وهو
يذكر الصدقة والتعفف منها والمسئلة، والضمير فى ((منها)) عائد على ((الصدقة)) المتقدم ذكرها أى والتعفف من
أخذ الصدقة ، والمعنى أنه كان يحض الغنى على الصدقة والفقير على التعفف عن المسئلة أو يحضه على التعفف ويذم
المسئلة (واليد العليا) قال النووى: المراد بالعلو على الفضل والمجد ونيل الثواب. وقال الباجى: هو بمعنى أنه
أرفع درجة ومحلا فى الدنيا والآخرة، (هى المنفقة) اسم فاعل من انفق يعنى المعطية (والسفلى هى السائلة) هذا
التفسير مدرج فى الحديث فروى أحمد (ج ٢ ص ١٥٢) باسناد صحيح عن ابن عمر إنه كتب الى عبد العزيز بن
مروان إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إبدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى، وإنى
لأحسب اليد العليا المعطية والسفلى السائلة. فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر ، ويؤيده مارواه ابن أبى شيبة
والبيهقى (ج.٤ ص ١٩٨) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال كنا نتحدث إن اليد العليا هى المنفقة.
واعلم إنه اتفق الرواة عن مالك على قوله المنفقة، والحديث رواه البخارى أيضا عن عارم عن حماد بن زيد عن أيوب
عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللّه مَاللّه لكن لم يسق متن هذا الطريق وأشار أبو داود الى الاختلاف
فيه على أيوب عن نافع، ثم على حماد بن زيد عن أيوب. وحاصل هذا الاختلاف أنه قال أكثر الرواة عن حماد
ابن زيد عن أيوب اليد العليا المنفقة. وقال مسدد عن حماد عند ابن عبد البر فى التمهيد. وأبو الربيع الزهرانى عن
حماد عند يوسف بن يعقوب القاضى فى كتاب الزكاة المتعففة، يعنى بالعين والفاءين وكذا قال عبد الوارث عن
٢٦٠