Indexed OCR Text

Pages 41-60

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
ياتونا، فيظلونا. فقال: أرضوا مصدقيكم، قالوا: يا رسول الله! وإن ظلمونا؟! قال: أرضوا
مصدقيكم وإن ظلتم. رواه أبوداود.
١٧٩٩ - (١٣) وعن بشير بن الخصاصية،
(ياتونا فيظلونا) بتحفيف النون وتشديدها فيهما (أرضوا) بقطع الهمزة (وإن ظلونا) أى ترضيهم ولو كانوا
ظالمين علينا (وإن ظلتم) على بناء المجهول أى وإن اعتقد تم أنكم مظلومون بسبب حبكم أموالكم ولم يرد انهم
وإن كانوا مظلومين حقيقة يجب ارضاءهم. بل المراد أنه يستحب ارضاءهم وإن كانوامظلومين حقيقة، لقوله بزعم فان
تمام زكاتكم رضاهم. قال الطيبي: لأن لفظة ((إن)) الشرطية هنا تدل على الفرض، والتقدير. لا على الحقيقة، ونحوه
قوله عليه الصلاة والسلام اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى - انتهى. وقال السندى: علم عَ ل ان
عامليهم لا يظلون ولكن أرباب الأموال بمحبتهم بالأموال يعدون الأخذ ظلماً، فقال لهم ما قال. فليس فيه تقرير
العاملين على الظلم ولا تقرير للناس على الصبر عليه، وعلى أعطاء الزيادة على ما حده الله تعالى فى الزكاة - انتهى
والحديث رواه مسلم لكن ليس عنده قوله وإن ظلتم. قال النووي: قوله أرضوا مصدقيكم معناه ببذل الواجب
وملاطفتهم وترك مشاقتهم، وهذا محمول على ظلم لا يفسق به الساعى إذ لو فسق لا نعزل ولم يجب الدفع اليه
بل لا يجزى ، والظلم قد يكون بغير معصية. فانه مجاوزة الحد ويدخل فى ذلك المكرومات - انتهى. (رواه
أبو داود) عن أبى كامل عن عبد الواحد بن زياد ، وعن عثمان بن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن
محمد بن اسماعيل واللفظ المذكور لأبى كامل إلا قوله وإن ظلتم فانه زاده عثمان وأخرجه مسلم عن أبى كامل عن
عبد الواحد. وعن أبى بكر بن أبى شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان، وعن محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد. وعن
اسحاق عن أبى أسامة كلهم عن محمد بن اسماعيل بدون هذه الزيادة. وأخرجه أيضاً أحمد ( ج ٤ ص ٣٦٢) عن
يحيى، والنسائى عن محمد بن المثنى، وابن بدارعن يحيى بدون الزيادة المذكورة ، وكذا البيهقى من طريق أبي أسامة
(ج ٤ ص ١١٤) وأخرجه البيهقى أيضاً من أبى داود (ج ٤ ص ١٣٧).
١٧٩٩ - قوله (وعن بشير) بفتح الباء الموحدة وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة فراء مهملة
(بن الخصاصية) بفتح الخاء المعجمة وخفة الصاد المهملة الأولى المفتوحة وكسر الثانية بعدها تحتانية مشددة مفتوحة
وتاء تأنيث. هو بشير بن معبد وقيل أبن زيد بن معبد السدوسى المعروف بابن الخصاصية ، وكان اسمه فى الجاهلية ،
زهما بالزاى المفتوحة، والحاء المهملة الساكنة. فسماه النبى صلى الله عليه وسلم بشيراً. صحابي جليل روى عن النبي
مَّ وعنه بشير بن نهيك، وجرى بن كليب وديسم، رجل من بنى سدوس وامرأته ليلى المعروف بالجهدمة ولها
صحبة أيضاً ، وجزم ابن عبد البر وغيره، إن الخصاصية أم بشیر. قال الحافظ : ولیس کذلك بل هى احدی جداته
٤١
ئة

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
قال: قلنا : إن أهل الصدقة يمتدون علينا، أفكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون؟ قال: لا.
رواه أبوداود.
١٨٠٠ - (١٤) وعن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العامل على
الصدقة بالحق
وهى والدة جده الأعلى ، ضبارى بن سدوس حرر ذلك الدمياطى عن ابن الكلى وحزم به الرأمهرمزى . وقال
اسمها كبشة. وقيل : مارية بنت عمرو الغطريفية (قال قلنا إن الصدقة) هذا لفظ الحديث الموقوف رواه أبوداود
من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن رجل يقال له ديسم عن بشير بن الخصاصية، قال قلنا أن أهل الصدقة الخ .
فضمير قال الرجل الذى يقال له ديسم. وقوله ((قلنا)) أى لبشير بن الخصاصية ثم رواه أبو داود مرفوعا: قال حدثنا
الحسن بن على ويحمي بن موسى، قالانا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب باسناده ومعناه إلا أنه قال: قلنا يا رسول
اللّه! أن أصحاب الصدقة، قال أبو داود: رفعه عبد الرزاق عن معمر، وقال البيهقى بعد رواية الحديث المرفوع
من طريق أبی بکرین داسة عن أبى داود، ورواه حماد ابن زيد عن أيوب فلم يرفعه. وعلى هذا فكان حق البغوى
أن يورد فى المصابيح الطريق المرفوع لا الموقوف، والعجب أنه لم يتنبه لذلك المصنف فوقع فيما وقع فيه البغوى
مع أن الجزرى قد أورد فى جامع الأصول ( ج ٥ ص ٣٥٨) لفظ المرفوع لا الموقوف. والمراد بأهل الصدقة
أهل أخذ الصدقة من العمال والسعاة (يعتدون علينا) الاعتداء: مجاوزة الحد ، يعنى يظلوننا ويأخذون أكثر مما
يجب علينا (أ فتكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون) يعنى إذا علمنا أنهم يأخذون عن الخمس من الابل، شاتين، مع
أن واجبها شاة ، فان كان لنا عشر من الابل، فهل يجوز أن نكتم خمساً. ونقول ليس لنا إلا خمس حتى إذا أخذوا
شاتين عن خمس، لا يكون عليهم ظلم (قال لا) قال ابن الملك: وانما لم يرخص لهم فى ذلك لأن كتمان بعض المال
خيانة. والخيانة كذب ومكر ، ولأنه لو رخص لربما كتم بعضهم على عامل ، غير ظالم . وفى الحديث دليل على أنه
لا يجوز كتم شىء عن المصدقين، وإن تعدوا، قيل كأنه صلى الله عليه وسلم علم أنهم لحبهم المال. يرون أخذ
الحق اعتداء وإلا فلا يصح صدور الاعتداء من عماله صلى الله عليه وسلم، ولذلك سماهم مبغضین ، وإلا فلا يجب
اعطاء الزيادة لقوله مَثّة، ومن سئل فوقه فلا يعطه (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً البيهقى (ج ٤ ص ١٠٤)
وعبد الرزاق، وسكت عنه أبو داود والمنذرى. وفى إسناده ديسم السدوسى ، ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال
فى التقريب مقبول .
١٨٠٠ - قوله (العامل على الصدقة) أى الزكاة (بالجق ) متعلق بالعامل و يشهد له رواية أحمد.
٤٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
كالغازى فى سبيل الله حتى يرجع إلى بيته . رواه أبوداود، والترمذى .
١٨٠١ - (١٥) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: لا جلب ولا جب،
(ص ١٤٣) بلفظ العامل بالحق على الصدقة أى عملا بالصدق والصواب، أو بالاخلاص والاحتساب. قاله
القارى: وزاد فى رواية لأحمد : لوجه الله عزوجل. وقيل العامل بالحق أى بأن لم يخن فى الصدقة، ولم يظلم أرباب
الأموال فلم يأخذ منهم أكثر ما يجب عليهم ولا أقل ( كالغازى فى سبيل الله) أى فى حصول الأجر، ويستمر
ذلك (حتى يرجع) أى العامل (إلى بيته) أى محل أقامته ، يعنى يكون له الثواب ذهابا وإيابا إلى حين الرجوع ، كما
ثبت فى الغازى. وقال القارى: قوله ((كالغازى)) أى فى تحصيل بيت المال واستحقاق الثواب فى تمشية أمر الدارين.
قال ابن العربى: فى شرح الترمذى، وذلك ان الله ذو الفضل العظيم قال من جهز فقد غزا ومن خلفه فى أهله بخير
فقد غزا . والعامل على الصدقة خليفة الغازى لأنه يجمع مال سبيل الله فهو غاز بعمله وهو غاز بنيته. وقال عليه
السلام أن بالمدينة قوما ما سلكتم واديا ، ولا قطعتم شعباً إلا وهو معكم حبسهم العذر فكيف بمن حسبه العمل
الغازی وخلافته وجمع ماله الذی ینفقه فى سبيل الله، وکما لا بد من الغزو ، فلابد منجمع المال الذی یغزی به فهما
شريكان فى النية شريكان فى العمل، فوجب أن يشتركا فى الأجر- انتهى. وقيل: فى الحديث إلحاق الناقص بالكامل،
ترغيبا. والله تعالى أعلم (رواه أبوداود) فى الخراج (والترمذى) فى الزكاة، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣ ص ٤٦٥
ج ٤ ص ١٤٣) وابن ماجه وابن خزيمة فى صحيحه والحاكم (ج ١ ص ٤٠٦) وغيرهم. وقد سكت عنه.
أبو داود، وحسنه الترمذى، وأوقره المنذرى. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وفى سنده
عندهم محمد بن اسحاق، وقد عنعن، والحديث عزاه الهيثمى لأحمد. وقال وفيه محمد بن إسحاق وهو ثقة. ولكنه
مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. وفى الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند الطبرانى فى الكبير بلفظ «العامل
إذا استعمل فاخذ الحق وأعطى الحق لم يزل كالمجاهد فى سبيل الله حتى يرجع إلى بيته ، قال الهيشمى: وفيه دويب
ابن عمامة قال الذهبي ضعفه الدار قطنى : وغيره ولم يهدر.
١٨٠١ - قوله (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده) أى جد شعيب عبد الله بن عمرو بن العاص
فنی رواية أحمد ( ج ٢ ص ١٨٠) « عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو ، وفى رواية (ج٢
ص ١٨٥) له أيضاً ((عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو)) وقد سمع شعيب من جده عبد الله
فالحديث موصول ليس بمنقطع، ولا مرسل وقد تقدم تحقيقه (لا جلب) يفتح الجيم واللام (ولا جنب) بفتح
٤٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
ولا تؤخذ صدقاتهم الا فى دورهم.
الجيم والنون وكل منهما يكون فى الزكاة ، والرمان ، أى سباق الفرس. فأما الجلب فى الزكاة فهو أن ينزل الساعى
محلا بعيداً من مواضع أرباب الأموال، ولا يأتى أما كمنهم لأخذ الصدقات. ولكن يرسل من يجلب اليه الأموال
من أماكنها أو يأمر أرباب الأموال أن يجمعوا أموالهم عنده ويجلبوها اليه ليأخذ زكاتها فنهى عن ذلك
وأمر بأخذ صدقاتهم على أماكنهم ودورهم ومنازلهم ومياههم، لسهولة الأخذ. حينئذ لأن فى إتيانهم وسوق
مواشيهم وغيرها من الأموال من مواضعهم إلى الموضع، الذى نزل فيه العامل مشقة، والجنب فى الزكاة أن
يجنب أى يبعد أرباب الأموال بها عن مواضعهم المعهودة إلى مواضع بعيدة حتى يحتاج العامل إلى الأبعاد فى
طلبهم فنهى عن ذلك لما فى إيتأنه اليهم من المشقة، والحاصل أن الجلب أن يقرب العامل أموال الناس اليه والجنب
أن يبعد صاحب المال بماله عن العامل، وقيل الجنب فى الزكاة أن ينزل الساعى بأقصى محال أرباب الأموال ،
ثم يأمر بالأموال بأن تجنب اليه أى تحضر فنهى عن ذلك لما فيه من شدة المشقة على ارباب الأموال، والفرق
بين التفسيرين أن حكم النهى على الأول: يكون متعلقاً بالمعطى، وعلى الثانى: بالساعى والتفسير الأول أولى وأدخل
فى الفرق بينه وبين الجلب بخلاف الثانى فإنه لا فرق كثير بينهما عليه، وأما الجلب فى سباق الخيل فهو أن يتبع
الفارس رجلا فرسه ليزجره ويجلب عليه ويصيح به حدثاً له على قوة الجرى ، فنهى عنه ، لما يترتب اليه من أضرار
الفرس، وفسره مالك بأن تجلب الفرس فى السباق فيحرك وراءه شىء يستحث فيسبق والجنب فى السباق أن يجنّب
فرساً إلى فرسه الذى يسابق عليه فاذ افتر المركوب يتحول إلى الجنوب فيسبق صاحبه، فنهى عنه. قيل: وكان
وجه النهى عنه، أن السباق إنما هو لبيان إختبار قوة الفرس وبهذا الفعل لا يعرف قوة واحد من الفرسين ،
قرب فرس توانى أولا. أو فى الأثناء ثم سبق. قال الخطابي: فى المعالم (ج ٢ ص ٤٠ - ٤١) الجلب،
يفسر تفسيرين يقال: إنه فى رمان الخيل، وهو أن يجلب عليها عند الركض (ليحتد" فى الجرى) ويقال: هو فى
الماشية. يقول لا ينبغى للصدق أن يقيم بموضع، ثم يرسل إلى أهل المياه فيجلبوا اليه مواشيهم فيصدقها ولكن
ليأتيهم على مياهم حتى يصدقهم هناك وأما الجنب فتفسيره أيضاً على وجهين، أحدهما أن يكون فى الصدقة وهو
أن أصحاب الأموال لا يجذبون عن مواضعهم أى لا يبعدون عنها حتى يحتاج المصدق إلى أن يتبعهم ويمعن فى طلبهم.
وقيل : أن الجنب فى الرمان، وهو أن يركب فرساً فيركضه وقد أجنب معه فرساً آخر فاذا قارب الغابة ركبه وهو
جامٌ فيسبق صاحبه - انتهى. وكذا فسرهما الجزرى فى جامع الأصول (ج ٥ ص ٤٧٩) قال الطيبي : كلا
اللغطين مشترك فى معنى السباق، والزكاة والقرينة الموضحة لأداء الجعنى الثانى قوله: (ولا تؤخذ صدقاتهم إلا فى
دورهم) أى منازلهم وأماكنهم ومياههم وقبائلهم على سبيل الحصر لأنه كنى بها عنه فان أخذ الصدقة فى دورهم
لازم لعدم بعد الساعی عنها فیجلب اليه ولعدم بعد المزکی فانه إذا بعد عنها لم يؤخذ فیها - انتهى. وحاصله أن
٤٤

عاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
رواه أبو داود .
١٨٠٢ - (١٦) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استفاد مالا فلازكاة
فيه، حتى يحول عليه الحول.
آخر الحديث مؤكد لأوله. أو إجمال لتفصيله. ولا يخفى ما فيه على المتأمل (رواه أبو داود) وأخرجه أيضاً
أحد (ج ٢ ص ١٨٠، ٢١٥ - ٢١٦) والبيهقى (ج ٤ ص ١١٠) قال الشوكانى: الحديث سكت عنه أبو داود
والمنذرى والحافظ فى التلخيص وفى اسناده محمد بن اسحاق وقد عنعن ـ انتهى. قلت: قد صرح بالتحديث عند
أحمد (ج ٢ ص ٢١٦) فزال شبهة التدليس، وفى الباب عن عمران بن حصين عند أحمد وأبي داود والنسائى
والترمذى وابن حبان: وصححاه بمثل حديث الباب. وهو متوقف على صحة سماع الحسن من عمران. وقد
اختلف فى ذلك: وزاد أبو داود، بعد قوله لا جلب ولا جنب فى الرهان: وعن أنس عند أحمد والبزار وابن
حبان وعبد الرزاق وأعلى البخارى، والترمذى، والنسائى، وأبو حاتم، وأخرجه النسائى عنه من وجه آخر:
وقال المنذرى (ج ٢ ص ٢٠٦) وقد أخرجه أبو داود فى الجهاد: من حديث الحسن البصرى عن عمران بن
حصين، وليس فيه ولا تؤخذ صدقاتهم إلا فى دورهم، وأخرجه أيضاً من هذا الوجه الترمذى والنسائى: وقال
الترمذى: حديث حسن صحيح، وقد ذكر على بن المدينى وأبو حاتم الرازى وغيرهما من الأئمة، أن الحسن
لم يسمع من عمران بن حصين ـ انتهى.
١٨٠٢ - قوله (من استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول) قال ابن الملك: يعنى من وجدها
مالا، وعنده نصاب من ذلك الجنس ، مثل أن يكون له ثمانون شأة ومضى عليها سنة أشهر ثم حصل له أحد
وأربعون شأة بالشراء أو بالارث أوغير ذلك. لا يجب عليه للأحد والأربعين حتى يتم حولها من وقت الشراء
أو الارث لأن المستفاد لا يكون تبعاً المال الموجود. وبه قال الشافعى وأحمد: وعند أبى حنيفة ومالك يكون المستفاد
تبعاً له فاذا تم الحول على الثمانين وجب الشأتان، يعنى فى الكل كما أن النتاج تبع الامهات - انتهى. وقال ابن قدامة:
فى المغنى (ج ٢ ص ٦٢٦) ان استفاد مالا مما يعتبر له الحول ولا مال له سواه، وكان نصابا، أو كان
له مال من جنسه لا يبلغ نصابا، فبلغ بالمستفاد نصابا انعقد عليه حول الزكاة من حينئذ فاذا تم حول وجبت
الزكاة فيه، وإن كان عنده نصاب لم يخل المستفاد من ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون المستفاد
من نمائه كريجمال التجارة ونتاج السائمة فهذا يجب ضمه إلى ما عنده من أصله فيعتبر حوله بحوله
لا تعلم فيه خلافا لأنه تبع له من جنسه فاشبه الماء المتصل وهو زيادة قيمة عروض التجارة. الثانى
٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
أن يكون المستفاد من غير جنس ما عنده فهذا له حكم نفسه لا يضم إلى ما عنده فى حول ولا نصاب،
بل إن كان نصابا استقبل به حولا وزكاه وإلا فلا شىء فيه، وهذا قول جمهور العلماء منهم أبو بكر،
وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم. الثالث أن يستفيد مالا من جنس نصاب عنده قد انعقد عليه حول الزكاة
بسبب مستقل مثل أن يكون عنده أربمون من الغتم مضى عليها بعض الحول، فيشترى أويتهب مائة فهذا لا تجب فيه
الزكاة حتى يمضى عليه حول أيضاً وبهذا قال الشافعى: وقال أبو حنيفة يضمه إلى ما عنده فى الحول فيزكيهما جميعا
عند تمام حول المال الذى كان عنده، لأنه يضم الى جنسه فى النصاب فوجب ضمه اليه فى الحول كالنتاج ولأنه إذا
ضم فى النصاب وهو سبب فضمه اليه فى الحول الذى هو شرط أولى، وبيان ذلك أنه لو كان عنده مائتا درهم
مضى عليها نصف الحول فوجب له مائة أخرى فان الزكاة تجب فيها إذا تم حولها بغير خلاف ، ولولا المأتان
ما وجب فيها شىء فاذا ضمت الى المائتين فى أصل الوجوب فكذلك فى وقته، ولأن افراده بالحول يفضى الى
تشقيص الواجب فى السائمة واختلاف أوقات الواجب، والحاجة الى ضبط مواقيت التملك ومعرفة قدر الواجب
فی کل جزء ملكه ووجوب القدر اليسير الذی لا یتمکن من اخراجه ثم يتكرر ذلك فی کل حول ووقت وهذا حرج
مدفوع بقوله تعالى: ﴿ وما جعل عليكم فى الدين من حرج - الحج: ٧٨) وقد اعتبر الشرع ذلك بايجاب
غير الجنس فيما دون خمس وعشرين من الابل وجعل الأوقاص فى السائمة وضم الأرباح والنتاج إلى حول أصلها
مقرونا بدفع هذه المفسدة فيدل على أنه علة لذلك فوجب تعدية الحكم إلى محل النزاع وقال مالك : كقوله فى
السائمة دفعا لتشقيص الواجب وكقولنا فى الاثمان اعدم ذلك فيها . ولنا حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم
لا زكاة فى مال حتى يحول عليه الحول. (أخرجه ابن ماجه وغيره بسند ضعيف) ثم ذكر حديث ابن عمر قال
وقد روى عن أبى بكر الصديق وعلى وابن عمر وعائشة وعطاء وعمر بن عبد العزيز وسالم والنخعى أنه لا زكاة فى
المستفاد حتى يحول عليه الحول. ولأنه مملوك أصلا فيعتبر فيه الحول شرطاً كالمستفاد من غير الجنس. قال:
وأما الارباح والنتاج فانما ضمت إلى أصلها ، لأنها تبع له ومتولدة منه، ولا يوجد ذلك فى مسئلتنا، وإن سلمنا
أن علة ضمهنا ما ذكروه من الحرج. فلا يوجد ذلك فى مسألتنا، لأن الارباح تكثر وتتكرر فى الأيام والساعات
ويعسر ضبطها، وكذلك النتاج وقد يوجد ولا يشعر به فالمشقة فيه اتم لكثرة تكرره بخلاف هذه الأسباب
المستقلة. فان الميراث والاغتنام والاتهاب ونحو ذلك یندر ولا يتكرر فلا یشق ذلك فیه ، فان شق فهو درن
المشقة فى الارباح والنتاج فيمتنع قياسه عليه، واليسر فيما ذكرنا أكثر. لأن الانسان يتخير بين التأخير والتعجيل
وما ذكروه يتعين عليه التعجيل. ولاشك إن التخيير بين شيئين أيسر من تعيين أحدهما، وأما ضمه اليه فى النصاب
خلاً ن النصاب معتبر لحصول الغنى وقد حصل الغنى بالنصاب الأول والحول معتبر ليحصل أداء الزكاة من الريح
٤٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
ولا يحصل ذلك بمرور الحول على أصله فوجب أن يعتبر الحول له - انتهى. واعلم أن نماء العين على ثلاثة
أنواع: ربح، وغلة، وفائدة، ونماء الماشية على نوعين: فائدة، ونسل. والريح زائد ثمن مبيع تجر على ثمنه الأول
ذهبا أو فضة، والغلة ما تجدد من سلع التجارة قبل بيع رقابها كغلة العبد ونجوم الكتابة . والفائد ما تجدد لا عن
مال أو عن مال غير مزكى كهيبة وميراث واشتراء وثمن عرض مقتنى من عقار أو حيوان باعه بعين ، والنسل
هو نتاج الماشية وأولادها واختلف العلماء فى ضم هذه الأنواع إلى الأصل واعتبار حولها. فأما الربح فقال
ابن رشد: فى البداية (ج ١ ص ٢٤٤) اختلفوا فى إعتبار حول ربح المال على ثلاثة أقوال: فرأى الشافعى أن
حوله يعتبر من يوم استفيد سواء كان الأصل نصابا أو لم يكن. وهو مروى عن عمر بن عبد العزيز (كما فى
كتاب الأموال (ص ٤١٧) إنه كتب أن لا يعرض لارباح التجار حتى يحول عليها الحول . وقال مالك: حول
الريح هو حول الأصل أى إذا كمل للاصل حول، زكى الريح معه سواء كان الأصل نصابا أو أقل من نصاب إذا
بلغ الأصل مع ريحه نصابا، قال أبو عبيد (ص ٤١٤) ولم يتابعه عليه أحد من الفقهاء إلا أصحابه ، وفرق قوم
بين أن يكون رأس المال الحائل عليه الحول. نصابا أو لا يكون؟ فقالوا: إن كان نصابا زكى الريح مع رأس ماله
وإن لم يك نصابا لم يزك ، ومن قال بهذا القول الأوزاعى وأبو ثور وأبو حنيفة، وسبب اختلافهم تردد الريح
بين أن يكون حكمه حكم المال المستفاد، أو حكم الأصل، فمن شبه بالمال المستفاد ابتداء. قال : يستقبل به الحول
ومن شبهه بالأصل وهو رأس المال. قال: حكمه حكم رأس المال. إلا أن من شروط هذا التشبيه أن يكون
رأس المال قد وجبت فيه الزكاة، وذلك لا يكون إلا إذا كان نصابا ولذلك يضعف قياس الريح على الأصل ، فى
مذهب مالك. ويشبه أن يكون الذى اعتمده مالك فى ذلك هو تشبيه ربح المال بنسل الغنم ، لكن نسل الغنم
مختلف فيه أيضا. وقد روى عن مالك مثل قول الجمهور - إنتهى. قال الزرقانى: هذا مذهب مالك، إن حول الريح
حول أصله وإن لم يكن أصله نصابا قياساً على نسل الماشية ولم يتابعه غير أصحابه، وقاسه على ما لا يشبههفى أصله ولافى
فرعه وهما أصلان، والأصول لا يرد بعضها إلى بعض، وانما يرد الفرع إلى أصله - انتهى. قلت والحنابلة موافقون
للحنفية فى مسئلة الريح كما قال الخرقى (ج ٣ ص ٣٧) إذا كان فى ملكه نصاب الزكاة فاتجر فيه فنمى أدى زكاة
الأصل مع النماء إذا حال الحول. وقال فى الروض المربع حصول الربح حول أصله اذا كان الأصل نصابا فحول
الجميع من كمال نصابه وإن لم يكن الأصل نصابا - انتهى. وفى مسلك الشافعية تفصيل خلافا لماحكى شراح الحديث
من مذهب الشافعى قال ابن قدامة (ج ٣ ص ٣٧) قال الشافعى: إن نضت الفائدة قبل الحول لم يبين حولها
على حول النصاب، وأستأنف بها حولا لقوله عليه السلام: ((لا زكاة فى مال حتى يحول عليه الحول)» ولأنها فائدة
٤٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
-1
تامة لم تتولد ما عنده فلم يبين على حوله كما لو استفاد من غير الريح وإن اشترى سلعة بنصاب فزادت قيمتها عند
رأس الحول. فانه يضم الفائدة ويزكى عن الجميع بخلاف ما إذا باع السلعة قبل الحول بأكثر من نصاب فانه
يزكى عند رأس الحول عن النصاب ويستأنف للزيادة حولا، وقال فى شرح الاقناع يضم ريح حاصل فى أثناء
الحول، الأصل فى الحول إن لم ينض بما يقوم به، فلو اشترى عرضاً بمائتى درهم فضارت قيمته فى الحول
ثلاث مائة زكاها، أما إذا نض دراهم أو دنانير بما يقوم به، وامسكه إلى آخر الحول فلا يضم إلى الأصل . بل
يزكى الأصل بحوله ويفرد الريح بحول - انتهى. وقد استدل ابن قدامة لمذهب الحنابلة، بأن الربح مما. جار فى
الحول، تابع لأصله فى الملك ، فكان مضموما اليه فى الحول كالنتاج. وكما لو لم ينض ولأنه ثمن عرض تجب زكاة
بعضه ، ويضم إلى ذلك البعض قبل البيع فيضم اليه بعده كبعض النصاب. ولأنه لو بقى عرضاً زكى جميع القيمة
فاذا نض كان أولى ، لأنه يصير متحققا، ولأن هذا الربح كان تابعا للأصل فى الحول ، كما لولم ينض فبتضه
لا يتغير حوله . والحديث فيه مقال، وهو مخصوص بالنتاج، وبما لم ينض فنقيس عليه - انتهى. وأما الفائدة
فقال ابن رشد: (ج ١ ص ٢٤٤) أجمعوا على أن المال إذا كان أقل من نصاب، وأستفيد اليه مال من غير
ربحه يكمل من مجموعهما نصاب، إنه يستقبل به الحول من يوم كمل. واختلفوا إذا استفاد مالا، وعنده نصاب
مال آخر قد حال عليه الحول. فقال مالك: يزكى المستفاد ان كان نصابا لحوله، ولا يضم الى المال الذى وجبت
فيه الزكاة. وبهذا القول فى الفوائد. قال الشافعى: (وهو قول أحمد أيضاً) وقال أبو حنيفة وأصحابه والثورى
الفوائد كلها تزكى بحول الأصل، اذا كان الأصل نصابا، وكذلك الريح عندهم ، ذكر ابن رشد سبب اختلافهم
فى ذلك وهذا الاختلاف فى حكم فائدة العين. وأما الفائدة الماشية فان مذهب مالك فيها بخلاف مذهبه
فى فائدة العين، وذلك أنه يبنى فائدة الماشية على الأصل، اذا كان الأصل نصابا، كما يفعل أبو حنيفة فى فائدة
الدراهم. وفى فائدة الماشية فأبو حنيفة مذهبه فى الفوائد حكم واحد ، اعنى أنها تبنى على الأصل اذا كانت نصابا
كانت فائدة غنيم، أو فائدة ناض، والارباح عنده والنسل كالفوائد. وأما مالك فالريح والنسل عنده حكمهما واحد
ويفرق بين فوائد الناض أى العين، وفوائد الماشية. وأما الشافعى فالربح وفائدة العين، وفائدة الماشية عنده
حكمهما واحد، باعتبار حولهما بأنفسها . ونسل الماشية حكمه أن يعتبر حوله بالأصل ، اذا كان نصابا. وأما أحمد
فالارباح والنسل عنده حكمهما واحد، باعتبار حولها بالأصل اذا كان نصاباًو فائدة العين وفائدة الماشية واحد أيضاً
باعتبار حولها بأنفسهما، وكأنه أنما فرق مالك بين الماشية والعين اتباعا لعمر والا فالقياس فيهما واحد أعنى أن الربح
شبيه بالنسل ، والفائدة بالفائدة. وحديث عمر هذا هو أنه أمر أن يعد عليهم بالسخال ولا يأخذ منهما شيئا . قال
٤٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
رواه الترمذى، وذكر جماعة أنهم
الزرقانى (ج ٢ ص ١١٧) حاصل مذهب مالك فى فائدة الماشية. أنهما انما تضم الى نصاب، والا أى أن لم تكن
عنده نصابها قبل ذلك استونف بالجميع حولا. وان كان له نصاب من نوع، ما أفاد زكى الفائدة على حول النصاب
ولو استفسادها قبل الحول بيوم. وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعى وأبو ثور لا تضم الفوائد. ويزكى كل على
حوله الانتاج الماشية فتزكى مع أمهاتها إن كانت نصابا - انتهى. وقال فى الشرح الكبير وضمت الفائدة من النعم
النصاب من جنسه، وإن حصلت قبل تمام حول النصاب بلحظة: لا لأقل من نصاب، بل تضم الأولى الثانية وهذا
بخلاف فائدة العين ، فانها لا تضم أنصاب قبلها ، بل يستقبل بها ويبق كل مال على حوله - انتهى. وأما نسل
الماشية أى نتاجها . فقال مالك: حول النسل هو حول الأمهات كانت الأمهات نصاباً، أو لم تكن. كما قال فى
ربح الناض. وقال الشافعى وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور. لا يكون حول النسل حول الأمهات، الا أن تكون
الأمهات نصاباً، وسبب اختلافهم هو بعينه سبب اختلافهم فى ربح المال. والراجح عندى هو ما ذهب اليه
أحمد. إن الربح والنسل حكمهما واحد، باعتبار حولهما باعتبار حولها بالأصل. وفائدة العين والماشية حكمهما
أيضاً واحد، باعتبار حولها بأنفسها والله تعالى أعلم. (رواه الترمذى) وأخرجه أيضاً البيهقى (ج ٤ ص ٩٥
١٠٤) والدار قطنى فى السنن (ص ١٩٨) كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر
وعبد الرحمن ضعيف. قال الترمذى: والصحيح عن ابن عمر موقوف، وكذا قال البيهقى ، وابن الجوزى
والدار قطنى وغيرهم. وأخرجه الدار قطنى أيضاً وابن عبد البر فى التمهيد مرفوعا، من طريق بقية بن الوليد عن
إسماعيل بن عياش عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. وهذا أيضاً ضعيف بقية مدلس، وقد عنعن
واسماعيل ضعيف ، فى روايته عن غير الشاميين. وأخرجه الدارقطنى أيضاً، فى غرائب مالك عن اسحاق بن ابرهيم
الحنينى عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا نحوه. قال الدار قطنى: الحنينى ضعيف والصحيح عن مالك موقوف
وفى الباب عن أنس أخرجه الدار قطنى فى السنن (ص ١٩٩) وابن عدى فى الكامل. وأعله بحسان بن سياه ، وعن
عائشة، أخرجه ابن ماجه والبيهقى (ج ٤ ص ٩٥، ١٠٣) وأبو عبيد فى الأموال (ص ٤١٣) وهو ضعيف أيضاً
وعن أم سعد الأنصارية، امرأة زيد بن ثابت بنحو حديث الباب ذكره الهيشمى (ج ٣ ص ٧٩) وعزاه للطبرانى
قال. وفيه عنبسة بن عبد الرحمن وهو ضعيف، وروى البيهقى عن أبى بكر وعلى وعائشة موقوفا عليهم ، مثل
ما روى عن ابن عمر، قال: والاعتماد فى ذلك على الآثار الصحيحة ، فيه عن أبى بكر وعثمان بن عفان وعبد الله بن
عمر وغيرهم ، وقال أبو عبيد (ص ٤١٣) بعد ذكر حديث عائشة مرفوعا، فان كان لهذا أصل ، فهو السنة. وإلا
فتی من سمينا من الصحابة قدوة ومقبع ۔ انتهى. وقال الحافظ : فی التلخيص بعد ذکر قول البيهقى، قلت حديث
على (عند أبي داود وغيره) لا بأس باسناده، والآثار تعضده فيصلح للحجة - انتهى. (وذكر) أى وسمى
٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
وقفوه على ابن عمر.
١٨٠٣ - (١٧) وعن على: أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تعجيل صدقته قبل
أن تحل، فرحص له فى ذلك.
الترمذى ( جماعة) أى بأسماءهم ، منهم أيوب وعبيد الله (أنهم) بدل اشتمال، أى ذكر أن جماعة عددهم
(وقفوه) أى هذا الحديث (على ابن عمر) أى جعلوه من ابن عمر، ولم يرفعوه إلى رسول اللّه مَئي. قال
الترمذى: والموقوف أصح، وقال الحافظ فى البلوغ. بعد ذكر حديث ابن عمر، المرفوع ما لفظه. والراجح
وقفه، قال الأمير اليمانى: له حكم الرفع، لأنه لا مسرح للاجتهاد فيه - انتهى. وقد بسط الزيلعى فى نصب
الراية (ج ٢ ص ٣٢٨ - ٣٢٩ - ٣٣٠) طرق هذا الحديث، من أحب الوقوف عليها رجع اليه .
١٨٠٣ - قوله (قبل أن تحل) بكسر الحاء أى قبل أن تجب، ومنه قوله تعالى: ﴿ام ارد تم ان يحل
عليكم غضب - طه: ٨٦﴾ أى يجب على قراءة الكسر. ومن حل الدين حلولا، وأما الذى بمعنى النزول، فبضم
الحاء. ومنه قوله تعالى: ﴿أو تحل قريبا من دارهم - الرعد: ٣١) قاله السندى: وقيل، أى قبل أن تصير حالاً
بعضى الحول. وقيل: أى قبل أن يجىء وقتها من حلول الاجل بمعنى مجيئه، وقال ابن حجر: أى قبل أن يتم حولها
وهو حاصل المعنى (فرخص له) أى للعباس (فى ذلك) أى فى تسجيل الصدقة . قال ابن الملك: هذا يدل على
جواز تعجيل الزكاة ، بعد حصول النصاب قبل تمام الحول ـ انتهى. واختلف العلماء فيه، فذهب الشافعى وأحمد
وأبو حنيفة وسعيد بن جبير والأوزاعى واسحاق وأبو عبيد الى جواز ذلك، وقال ربيعة ومالك وداود أنه
لا يجوز، واستدل لذلك بما روى أنه لا زكاة حتى يحول الحول. وأجيب عنه بأن الوجوب متعلق بالحلول،
فلا وجوب حتى يحول عليه الحول ، وهذا لا ينفى جواز التعجيل. واحتج ايضا لمالك ومن وافقه، بأن الحول
أحد شرطى الزكاة فلم يجز تقديم الزكاة عليه كالنصاب. وأجيب عن هذا ، بأن تقديم الزكاة على النصاب تقديم
لها على سبيها ، فاشبه تقديم الكفارة على اليمين ، وكفارة القتل على الجرح، فلم يجز بخلاف تقديم الزكاة على
الحول ، فانه تعجيل لمال وجد سبب وجوبه، بلجاز كتعجيل قضاء الدين قبل حلول اجله، واداء كفارة اليمين بعد
الحلف وقبل الحنث، وقد سلم مالك تعجيل الكفارة، وبأنه اذا قدم على النصاب قدمها على الشرطين، واذا قدمها
على الحول قدمها على احدهما . ومن قواعدهم إن ماله سببان ، يقدم على أحدهما لا عليهما ، بجاز تقديمها على الحول
لا النصاب. واستدل له ايضا بان للزكاة وقتا ، فلم يجز تقديمها عليه كالصلاة. واجيب عنه بان الوقت اذا دخل فى
الشئى رفقا بالانسان، كان له أن يعجله ويترك الارفاق بنفسه كالدين المؤجل. وأما الصلاة والصيام فتعبد محض ،

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
رواه أبو داود، والترمذى، وابن ماجه، والدارمى .
١٨٠٤ - (١٨) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن الني صلى الله عليه وسلم، خطب
الناس فقال: ألا من ولى يتيما له فليتجر فيه، ولا يتركه حتى تاكله الصدقة.
والتوقيت فيهما غير معلول، فيجب أن يقتصر عليه. قاله ابن قدامة فى المغنى. (ج ٢ ص ٦٣٠) وقال ابن الهمام:
فيه خلاف ، لمالك ، هو يقول الزكاة إسقاط الواجب، ولا اسقاط قبل الوجوب ، وصار كالصلاة قبل الوقت
بجامع أنه أداء قبل السبب اذا السبب هو النصاب الحولى، ولم يوجد. قلنا لا نسلم اعتبار الزائد على مجرد
النصاب جزاء من السبب بل هو النصاب فقط ، والحول تاجيل فى الاداء بعد اصل الوجوب فهو كالدين المؤجل
وتعجيل المؤجل صحيح ، فالاداء بعد النصاب كالصلاة فى اول الوقت لا قبله. وكصوم المسافر رمضان ، لأنه بعد
السبب. ويدل على صحة هذا الاعتبار ما فى أبى داود والترمذى من حديث علىَّ إن العباس سأل النبيِ مَّم فى
تعجيل زكاته الحديث. (رواه أبو داود الخ) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ١٠٤) والحاكم (ج ٣ ص ٣٣٢)
والدارقطنى (ص ٢١٣) والبيهقى (ج ٤ ص ١١١) وغيرهم، وفيه اختلاف ذكره الدار قطنى والبيهقى، من
شاء الوقوف علیه رجع اليهما . وقد رجحا ارساله، وكذا رجحه ابو داود . وفى الباب عن أبي رافع عند
أبى داود الطيالسى والدار قطنى والطبرانى واسناده ضعيف وعن ابن مسعود عند البزار والطبرانى، وهو أيضا
ضعيف. وعن طلحة بن عبيد الله عند أبي يعلى والبزار وابن عدى والدار قطنى، وفيه الحسن بن عمارة وهو
متروك، وعن ابن عباس عند الدار قطنى، وهو ضعيف أيضا. من احب الاطلاع على الفاظها رجع الى مجمع
الزائد (ج ٣ ص ٧٩) والفتح: قال الحافظ: بعد ذكر هذه الروايات، وليس ثبوت هذه القصة فى تعجيل صدقة
العباس ببعيد فى النظر بمجموع هذه الطرق - انتهى. وقال الامير اليمانى: قد ورد هذا من طرق بألفاظ مجموعها،
يدل على أنه ما تقدم من العباس زكاة عامين . و إختلفت الروايات هل هو استلف ذلك أو تقدمه ولملهما
واقعان معا - انتهى.
١٨٠٤ - قوله (ألا) للتنبيه (من ولى يتيما) بفتح الواو وكسر اللام، قال القارى: وفى نسخة بضم
الواو وتشديد اللام المكسورة أى صار ولى يتيم (له مال) صفة ((ليتيما)) أى من صار وليا ليتيم ذى مال
(فليتجر) بتشديد الفوقية أى بالبيع والشراء (فيه) أى فى مال اليتيم وفى رواية أبى عبيد فليتجر له فيه (ولا
يتركه) بالنهى وقيل بالنفى (حتى تاكله الصدقة) أى تنقصه وتفنيه لأن الاكل سبب الافناء. قال ابن الملك: أى
بأخذ الزكاة منها فينقض شيئاً فشيئاً: وهذا يدل على وجوب الزكاة فى مال الصبى ، وبه قال : الشافعى ومالك
٥١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
وأحمد، وعند أبى حنيفة لا زكاة فيه - انتهى. وقال ابن قدامة: الزكاة تجب فى مال الصبي والمجنون لوجود
الشرائط الثلاث. (أى الحرية والاسلام وتمام الملك) فيهما روى ذلك عن عمر وعلى وابن عمر وعائشة والحسن
بن على وجابر رضى الله عنهم. وبه قال جابر بن زيد، وابن سيرين وعطاء ومجاهد وربيعة ومالك وابن أبى ليلى
والشافعى وابن عيينة واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور. ويحكى عن ابن مسعود والثورى والأوزاعى، أنهم قالوا:
تجب الزكاة ولا تخرج، حتى يبلغ الصبى ويفيق المعتوه قال ابن مسعود: أجصى ما يجب فى مال اليتيم من
الزكاة ، فإذا بلغ، أعلمه فإن شاء زكى و إن لم يشأ لم يرك. وروى نحو هذا عن ابراهيم. وقال الحسن البصرى
وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأبو وائل النخعى وأبو حنيفة: لا تجب الزكاة فى أموالها. وقال
أبو حنيفة: يجب العشر فى زروعهما وثمرتهما وتجب صدقة الفطر عليهما. واحتج فى أفى الزكاة بقوله عليه
السلام رفع القلم عن ثلثة عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق، و بأنها عبادة محمضة فلا تجب عليهما
كالصلاة والحج ولنا ما روى عن النبى يَ ◌ّ أنه قال من ولى يتيما له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة.
أخرجه الدار قطنى، وفى رواية المثنى بن الصباح، وفيه مقال وروى موقوفا على عمرو انما تأ كله الصدقة
باخراجها ، وأنما يجوز اخراجها اذا كانت واجبة لأنه ليس له أن يتبرع بمال اليتيم ، ولأن من وجب العشر فى
زرعه وجب ربع العشر فى ورقه كالبالغ العاقل، ويخالف الصلاة والصوم فانها مختصة بالبدن وبنية الصبى ضعيفة
عنها والمجنون لا يتحقق منه نيتها والزكاة حق يتعلق بالمال فأشبه نفقة الأقارب والزوجات واروش الجنايات
وقيم المتلفات، والحديث أريد به رفع الإثم والعبادات البدنية بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر والحقوق
المالية، ثم هو مخصوص بما ذكرنا. والزكاة فى المال فى معناه فنقيسها عليه اذا تقرر هذا فإن الولى يخرجها عنهما من
مالها لأنها زكاة واجبة فوجب اخراجها كزكاة العاقل البالغ والولى يقوم مقامه فى أداء ما عليه، ولأنها حق واجب
على الصبي والمجنون فكان على الولى أداءه عنهما كنفقة أقاربه وتعتبرنية الولى فى الاخراج كما تعتبر النية من رب
المال - انتهى. كلام ابن قدامة قلت: واستدل الائمة الثلاثة أيضا بما روى الطبرانى فى الأوسط عن أنس مرفوعا
اتجروا فى أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة ذكره الحافظ فى التلخيص (ص ١٧٦) وفى الدراية (ص ١٥٤)
والزيلعى فى نصب الراية (ج ٢ ص ٣٣٢) وسكتا عنه، والهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٣ ص ٦٧) وقال
وأخبرنى سيدى وشيخى يعنى الحافظ العراقى أن اسناده صحيح، والسيوطى فى الجامع الصغير قال المناوى وسنده
كما قال الحافظ العراقى صحيح وبعموم الأحاديث الصحيحة فى ايجاب الزكاة مطلقا، وبما روى فى ذلك من آثار
الصحابة عمر وعلى وابن عمر وعائشة وجابر رواها أبو عبيد والبيهقى والدار قطنى وغيرهم وذكرها الزيلمى
٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
رواه الترمذى، وقال: فى اسناده مقال؛ لأن المثنى
والحافظ فى التلخيص وأجاب الحنفية عن حديث الباب بأن المراد بالصدقة النفقة على اليتيم نفسه، لأن الزكاة
لا تفنى جميع المال فعلم أن المراد به النفقة التى تستغرق جميع المال. قال السرخسى: ألا ترى أنه أضاف الأكل
الى جميع المال والنفقة هى التى تأتى على جميع المال دون الزكاة ، ولأن اسم الصدقة قد ينطلق على النفقة لقوله
عليه السلام أن المسلم إذا أنفق على أهله كانت له صدقة وتعقب هذا بأن اسم الزكاة لا يطلق على النفقة لغة ولا
شرعا ولا يقاس على لفظ صدقة ، لأن اللغة لا تؤخذ بالقياس ، و القول بأن رواية من روى بلفظ الزكاة رواية
بالمعنى باطل مردود لأنه مجرد دعوى لا دليل عليها، ويرده أيضا أثر ابن مسعود المذكور فى كلام ابن قدامة وغير
ذلك من الآثار. وأجيب عن الأول بأن المراد بالأكل النقص كما قال القارى وابن الملك وأجاب ابن
الحمام عن آثار الصحابة التى تدل على وجوب الزكاة فى مال الصبى بأنها لا تستلزم كونها عن سماع اذ يمكن الرأى
فیه فيجوز كونه بناء عليه ، حاصله قول صحابى عن اجتهاد عارضه رأى صحابى آخر. قال محمد بن الحسن فى كتاب
الآثار أنا أبو حنيفة حدثنا ليث بن أبى سليم عن مجاهد عن ابن مسعود ليس فى مال اليتيم زكاة. وليث كان أحد
العلماء العباد، وقيل اختلط فى آخر عمره، ومعلوم أن أبا حنيفة لم يكن ليذهب فيأخذ عنه حال اختلاطه ويرويه
وهو الذى شدد أمر الرواية ما لم يشدده غيره وروى مثل قول ابن مسعود عن ابن عباس تفرد به ابن لهيعة -
انتهى. وتعقبه شيخنا فى شرح الترمذى بأنه لم يثبت عن أحد من الصحابة بسند صحيح عدم القول بوجوب
الزكاة فى مال الصبى ، و أما أثر ابن مسعود فهو ضعيف من وجهين: الأول أنه منقطع والثانى أن فى اسناده ليث
بن أبى سليم ، قال الحافظ صدوق اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه. وقال البيهقى (ج ٤ ص ١٠٨) هذا أثر
ضعيف لأنه منقطع فان مجاهدا لم يدرك ابن مسعود، وليث بن أبى سليم ضعيف عند أهل الحديث ، ذكره الزراعى
(ج ٢ ص ٣٣٤) وسكت عليه، وأجاب ابن الحمام عن الوجه الثانى ولم يجب عن الوجه الأول وفيما أجاب به عن
الوجه الثانى كلام فتفكر واما أثر ابن عباس فقد تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف عند أهل الحديث ، وأما حديث
رفع القلم عن ثلاثة ففى الاستدلال به على عدم وجوب الزكاة فى مال الصبى نظر كيف وقد رواه عائشة وعلى
وهما قائلان بوجوب الزكاة فى مال الصبى، وقال الزيلعى: قال ابن الجوزى والجواب أن المراد قلم الإثم أو قلم
الأذى- انتهى. وقد بسط فى الرد على من قاس الزكاة على الصلاة أبو عبيد فى الأموال (ص ٤٥٤-٤٥٦) فأرجع
اليه (رواه الترمذى) وأخرجه أيضا أبو عبيد فى الأموال (ص ٤٤٨) والدار قطنى (ص ٢٠٦) والبيهقى (ج ٤
ص ١٠٧) (وقال) أى الترمذى (فى اسناده مقال لأن المثنى) بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النوع، مقصورا
٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
ابن الصباح ضعيف.
( الفصل الثالث )
١٨٠٥ - (١٩) عن أبى هريرة، قال: لما توفى النبى صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده،
وكفر من كفر من العرب،
(ابن الصباح ) بالمهملة المفتوحة والموحدة المشددة اليمانى الأبناوى نزيل مكة (ضعيف) أى فى الحديث. والذى
فى الترمذى ((يضعف فى الحديث)) قلت: ضعفه أبو حاتم وابن سعد وابن حبان وابن أبى عمار والساجى وسحنون
الفقيه والدارقطنى وغيرهم. وقال ابن حبان: كان ممن اختلط فى آخر عمره. وقال أحمد: لا يساوى حديثه
شيئا مضطرب الحديث، وذكره العقيلى فى الضعفاء وأورد عن على بن المدينى سمعت يحيى القطان وذكر عنده المثنى
فقال لم تتركه من أجل حديث عمرو بن شعيب ولكن كان اختلاط منه، ذكره الحافظ فى تهذيبه ( ج ١٠
ص ٣٦ - ٣٧) وقال فى التقريب: ضعيف اختلط بآخره وكان عابدا - انتهى. وقال الترمذى: أنما روى هذا
الحديث من هذا الوجه ورواه بعضهم عن عمرو بن شعيب عن عمر بن الخطاب موقوفا عليه - انتهى. وقال ههنا
سألت أحمد عن هذا الحديث فقال ليس بصحيح، ورواه الدار قطنى من حديث أبى اسحاق الشيبانى أيضا عن عمرو
بن شعيب لكن راويه عنه مندل بن على وهو ضعيف ومن حديث العزرمى عن عمرو ، والعزرمى ضعيف متروك ،
ورواه ابن عدى من طريق عبد الله بن على وهو الافريقى وهو ضعيف. قال الحافظ فى بلوغ المرام: ولحديث
عمرو شاهد مرسل عند الشافعى - انتهى. يعنى ما رواه عن عبد المجيد بن رواد عن ابن جريج عن يوسف بن
ماهك أن رسول اللّه مَّم قال: ابتغوا فى أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة. قال البيهقى بعد روايته من طريق
الشافعى: وهذا مرسل، الا أن الشافعى أكده بالاستدلال بالخبر الأول أى حديث أبى سعيد عند الشيخين ليس
فيما دون خمس أواق من الورق صدقة - الحديث . يعنى لأنه يدل بعمومه على ايجاب الزكاة فى مال كل حر مسلم
وبما روى عن الصحابة فى ذلك. وقال الحافظ فى التلخيص بعد ذكر هذا المرسل: ولكن أكده الشافعى بعموم
الأحاديث الصحيحة فى ايجاب الزكاة مطلقا .
١٨٠٥ - قوله (لما توفى) بصيغة المجهول (واستخلف) بصيغة المجهول أيضا أى جعل خليفة (بعده) أى
بعد وفاته رفقة ( وكفر من كفر من العرب) بعض بعبادة الأوثان، وبعض بالرجوع إلى أتباع مسيلمة وهم أهل
اليمامة وغيرهم ، واستمر بعض على الايمان إلا أنه منع الزكاة ، وتأول أنها خاصة بالزمن النبوى . قال الحافظ
٥٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فى الفتح قال القاضى عياض وغيره كان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة الأونان . وصنف
تبعوا مسيلمة والأسود العنسى، وكان كل منهما ادعى النبوة قبل موت النبي ◌َّه فصدق مسيلمة أهل اليمامة
وجماعة غيرهم، وصدق الأسود أهل صنعاء وجماعة غيرهم، فقتل الأسود قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم
بقليل ، وبقى بعض من آمن به فقاتلهم عمال النبى يُؤثقة فى خلافة أبى بكر ، وأما مسيلمة نجهز اليه أبو بكر الجيش،
وعليهم خالد بن الوليد فقتلوه . وصنف ثالث استمروا على الاسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة
بزمن النبي ◌َّفه وهم الذين ناظر عمر أبا بكر فى قتالهم كما وقع فى حديث الباب. قال الخطابي فى المعالم (ج ٢
ص ٤): وهؤلاء أى الصنف الثالث فى الحقيقة أهل بنى وإنما لم يدعوا بهذا الاسم فى ذلك الزمان خصوصاً
. لدخولهم فى غمار أهل الردة فأضيف الاسم فى الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما وأرخ مبدأ قتال
أهل البغى بأيام على بن أبى طالب إذ كانوا متفردين فى زمانه لم يختلطوا بأهل شرك وقد كان فى ضمن هؤلاء
المانعين الزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأى وقبضوا على أيديهم فى
ذلك كبنى يربوع فانهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبى بكر فمنعهم مالك بن نويرة عن ذلك
وفرقها فيهم - انتهى. وقال أبو محمد بن حزم فى الملل والنحل (ج ٢ ص ٧٩ - ٨٠): انقسمت العرب بعد
موت النبي ◌َّم. أربعة أقسام : طائفة ثبتت على ما كانت عليه فى حياته من الاسلام ولم تبدل شيئا ولزمت طاعة
أبى بكر وهم الجمهور والأكثر. وطائفة بقيت على الاسلام أيضا إلا أنهم قالوا نقيم الصلاة وشرائع الاسلام إلا
إنا لا تؤدى الزكاة إلى أبى بكر ولا نعطى طاعة لأحد بعد رسول الله مؤلفه وكان هؤلاء كثيراً إلا أنهم دون من
ثبت على الطاعة أى قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى وطائفة ثالثه أعلنت بالكفر والردة كأصحاب طليحة وتجاح
وسائر من ارتدوهم قليل بالاضافة إلى من قبلهم إلا أنه كان فى كل قبيلة من المؤمنين من يقاوم المرتدين . وطائفة
رابعة توقفت فلم تدخل فى أحد من الطوائف المذكورة ولم قطعهم وبقوا يتربصون لمن تكون الغلبة فأخرج إليهم
أبو بكر البعوث وكان فيروز ومن معه غلبوا على بلاد الأسود وقتلوه وقتل مسيلمة باليمامة وعاد طليحة إلى
الاسلام وكذا سماح ورجع غالب من كان ارتد إلى الاسلام فلم يمض عام واحد حتى راجع الجميع الاسلام
أولهم عن آخرهم وإنما كانت نزغة من الشيطان كنار اشتعلت فأطفأ اللّه للوقت - انتهى. قال الحافظ وإنما أطلق
الكفر ليشمل الصنفين فهو فى حق من جحد الزكاة حقيقة وفى حق الآخرين أى الذين منعوا الزكاة مع الاعتراف
مجاز تغلييا وإنما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال جهزاليهم من دعاهم إلى الرجوع فلما أصروا
قاتلهم - انتهى. قال الخطابى فى المعالم (ج٢ ص ٥) زعم زاعمون من الروافض أن أبابكر أول من سمى المسلمين
٥٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
كفارا وأن القوم كانوا متأولين فى منع الصدقة وكانوا يزعمون أن الخطاب فى قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة
قطهرهم وتزکیهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم - التوبة: ١٠٣)﴾ خطاب خاص فى مواجهة النبى ٹے دون
غيره وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق
ما للنبى يَفّ ومثل هذه الشبهة إذا وجد كانَّ ما يعذر فيه أمثالهم ويرفع به السيف عنهم فكان ما جرى من أبى بكر
عليهم عفا وسوء سيرة. قلت: (قائلهِ الخطابى) وهؤلاء قوم لا خلاق لهم فى الدين وإنما رأس مالهم البهت
والتكذيب والوقيعة فى السلف وقد بينا أن الذين نسبوا إلى الردة كانوا أصنافا منهم من ارتد عن الملة ودعا إلى
نبوة مسيلمة وغيره، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها. وهؤلاء الذين سماهم الصحابة كفارا
ولذلك رأى أبو بكر سى ذراريهم وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد على بن أبى طالب جارية من سبى
بنى حنيفة فولدت له محمد بن على الذى يدعى ابن الحنفية ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد
لا يسبى. فأما ما نعوا الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فانهم أهل بغى ولم يسمو على الانفراد عنهم كفارا، وإن
كانت الردة قد أضيفت اليهم لمشاركتهم المرتدين فى منع بعض ما منعوه من حقوق الدين. وذلك أن الردة اسم لغوى
وكل من الصرف عن أمر كان مقبلا اليه فقد ارتد عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق
فانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين. وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا ، وفى
أسر هؤلاء المانعين الزكاة عرض الخلاف، ووقعت الشبهة لعمر لا فى الصنفين الأولين أى الذين ارتدوا حقيقة.
قال الخطابي: وأما قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرمه - التوبة: ١٠٣﴾ وما أدعوا من وقوع
الخطاب فيه خاصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فان خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه: خطاب عام
كقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة - المائدة: ٦) الآية. وكقوله (يا أيها الذين آمنوا
كتب عليكم الصيام - البقرة: ١٨٣ ) وخطاب خاص النبي صلى الله عليه وسلم لا يشركه فى ذلك غيره وهو ما
أُبْينَ عن غيره بسمة التخصيص وقطع التشريك كقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك - الاسراء: ٧٩)
وكقوله ﴿خالصة لك من دون المؤمنين - الاحزاب: ٥٠﴾ وخطاب مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم
وهو وجميع أمته فى المراد به سواء كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل - الاسراء: ٧٨)
وقوله ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم - النحل: ٩٨) وكقوله (وإذا كنت فيهم فاقت لهم
الصلاة - النساء: ١٠٢) ) ونحو ذلك من خطاب المواجهة فكله عام للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته غير مختص
به صلى الله عليه وسلم بل تشركه الأمة فى جميع ذلك، ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة)
وإنما الفائدة فى مواجهة النبى معَة بالخطاب أنه هو الداعى إلى الله سبحانه والمبين عنه معنى ما أراده فقدم اسمه فى
٥٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
الخطاب ليكون سلوك الأمة فى شرائح الدين على حسب ما ينهجه ويدينه لهم، قال: وأما التطهير والتزكية والدعاء
من الامام لصاحب الصدقة فإن الفاعل لها قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله محولهم فيها وكل ثواب موعود
على عمل من الطاعات كان فى زمان حيوته ◌َّ فانه باق غير منقطع بوفاته وقد يستحب للامام ولعامل الصدقة أن
يدعو للتصدق بالنماء والبركة فى ماله ويرجى أن الله يستجيب له ذلك ولا يخيب مسئلته فيه. قال الخطابي: ومن
أنكر فرض الزكاة فى هذا الزمان وامتنع من أدائها إلى الامام لم يكن حكمه حكم أهل البغى ، بل كان كافرا باجماع
المسلمين. لأنه قد شاع اليوم دين الاسلام واستفاض علم وجوب الزكاة حتى عرفه الخاص والعام، واشترك فيه
العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله فى انكارها، وكذلك الأمر فى كل من أنكر شيئاً مما اجمعت عليه الأمة
من أمور الدين إذا كان علمه منتشرا كالصلوات الخمس وصيام شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الخمر،
والزنا ونكاح ذوات المجارم ونحوها من الأحكام الا أن يكون رجل حديث عهد بالاسلام لا يرف خدوده
فإذا أنكر شيئا منه جهلا به لم يكفر وكان سبيله سبيل أولئك القوم فى تبقية اسم الدين عليه، فأما ما كان الاجماع
فيه معلوما من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، وإن قاتل العمد لا يرث وإن الجدة
السدس ، وما أشبه ذلك من الأحكام فان من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة عليها فى العامة وتفرد
الخاصة بها. قال الخطابي: وأنما عرض الوهم فى تأويل هذا الحديث من رواية أبي هريرة: ووقعت الشبهة
فيه لمن تأوله على الوجه الذى حكيناه عنهم لكثرة ما دخله من الحذف والاختصار وذلك لأن القصد لم يكن به
سياق الحديث على وجهه ، وذكر القصة فى كيفية الردة منهم وانما قصد به حكاية ما جرى بين أبى بكر وعمر وما
تنازعاه من الحجاج فى استباحة قتالهم ويشبه أن يكون أبو هريرة أنما لم يعن بذكر القصة وسوقها على وجهها كلها
اعتمادا على معرفة المخاطبين بها إذ كانوا قد عدوا وجه الأمر وكيفية القصة فى ذلك فلم يضر ترك اشباع البيان مع
حصول العلم عندهم به انتهى كلام الخطابى. وحاصله أن عمر انما أراد بقوله الآتى تقاتل الناس، الصنف
الأخير فقط. أى الذين منعوا الزكاة وتأولوا قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة - التوبة: ١٠٣) لأنه لا يتردد
فى جواز قتال الذين رجعوا إلى عبادة الأوثان ، كما أنه لا يتردد فى قتال غيرهم من المرتدين وكأنه لم يستحضر
من الحديث الا القدر الذى ذكره وقد حفظ غيره ( كابن عمر عند الشيخين وأنس عند أبي داود والنسائى) فى
الصلاة والزكاة معا ، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب عن أبى هريرة عند مسلم بلفظ: بعم الشريعة حيث قال
فيها ويؤمنوا بي وبما جئت به فان مقتضى ذلك أن من جحد شيئا مما جاء به صلى الله عليه وسلم ودعى اليه فامتنع
ونصب القتال أنه يجب قتاله وقتله إذا أصر وانما عرضت الشبهة لما دخله من الاختصار وكان راويه لم يقصد
سياق الحديث على وجهه وانما أراد سياق مناظرة أبى بكر وعمر وأعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث.
٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
قال عمر بن الخطاب: لأبى بكر: كيف تقاتل الناس وقد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا اله إلا الله عصم من ماله ونفسه
الا بحقه وحسابه على اللّه ؟
قال الحافظ : وفى هذا الجواب نظر لأنه لو كان عند عمر فى الحديث حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ما
استشكل قتالهم النسوية فى كون غاية القتال ترك كل من التلفظ بالشهادتين وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، قال عياض:
حديث ابن عمر قص فى قتال من لم يصل ولم يزك كمن لم يقر بالشهادتين، واحتجاج عمر على أبى بكر ، وجواب
أبى بكر دل على أنهما لم يسمعا فى الحديث الصلاة الزكاة إذ لو سمعه عمر لم يحتج على أبى بكر ولو سمعه أبو بكر لرد
به على عمر ولم يحتج إلى الاحتجاج بعموم قوله الا بحقه - انتهى. قلت: فى كلام عياض الأخير نظر، وسيأتى التنبيه
عليه ( كيف تقاتل الناس) أى الذين منعوا الزكاة مع الاقامة على أصل الدين (أمرت) بضم الهمزة مبنيا للمفعول
أى أمرنى الله (حتى يقولوا لا إله إلا الله) كناية عن الاسلام. قال الخطابي وغيره: المراد بقوله حتى يقولوا
لا إله إلا الله إنما هم أهل الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون لا إله إلا الله ثم أنهم يقاتلون ولا يرفع
عنهم السيف حتى يقروا بنيوة محمد صلى الله عليه وسلم أو يعطوا الجزية (فمن قال لا إله إلا الله) يعنى كلمة الايمان
وهى لا إله إلا الله محمد رسول اللّه للاجماع على أنه لا يعتد فى الاسلام بتلك وحدها (عصم) بفتح الصاد أى منع
وحفظ (منى) أى من تعرضى أنا ومن اتبعنى (ماله ونفسه) فلا يجوز هدر دمه واستباحة ماله بسبب من
الأسباب (إلا بحقه) أى بحق الاسلام من نحو قصاص أو حد أو غرامة متلف ونحو ذلك. قال الطيبي: أى
لا يحل لأحد أن يتعرض لما له ونفسه بوجه من الوجوه الا بحقه، أى بحق هذا القول ، أو بحق أحد المذكورين.
وقال الحافظ : إن كان الضمير فى قوله بحقه للاسلام فمهما ثبت أنه من حق الاسلام تناوله ولذلك اتفق الصحابة
على قتال من جحد الزكاة - انتهى . قلت: ورد حديث ابن عمر المتقدم فى كتاب الايمان بلفظ: الا بحق الاسلام
فالظاهر أن ضمير بحقه فى حديث الباب للقول المذكور الذى هو كناية عن الاسلام (وحسابه على اللّه) أى فيما
يستسر به دون ما يخل به من الأحكام الواجبة عليه فى الظاهر. قال الطبى: يعنى من قال لا إله إلا الله، وأظهر
الاسلام نترك مقاتلته ولا نفتش باطنه، هو مخلص أم لا؟ فان ذلك إلى الله تعالى وحسابه عليه . قال الخطابي:
فيه دليل على أن الكافر المستسربكفره لا يتعرض له إذا كان ظاهره الاسلام ويقبل توبته إذا أظهر الانابة من
كفر علم باقراره أنه كان يستسربه وهو قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى
ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل - انتهى. وقال العينى فى هذا الحديث: قبول توبة الزنديق ولأصحاب الشافعى فى
الزنديق الذى يظهر الاسلام ويبطن الكفر ويعلم ذلك بأن يطلع الشهود على كفر كان يخفيه أو علم باقراره خمسة
٥٨
٠٫

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فقال أبوبكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فان الزكاة حق المال،
أوجه: أحدها. قبول توبته مطلقاً وهو الصحيح المنصوص عن الشافعى والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم أفلا
شققت عن قلبه. والثانى. وبه قال مالك لا تقبل توبته ويتحتم قتله لكنه إن كان صادقا فى توبته نفعه ذلك عند الله
تعالى، وعن أبى حنيفة روايتان كالوجهين. والثالث. إن كان من الدعاة إلى الضلال لم تقبل توبتهم وتقبل توبة
عوامهم. والرابع. إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل وإن جاء تائبا ابتداء وظهرت مخايل الصدق عليه قبلت، وحكى هذا
القول عن مالك. والخامس. إن تاب مرة قبلت منه وإن تكررت منه التوبة لم تقبل، وقال صاحب التقريب: روى
بشربن الوليد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة فى الزنديق الذى يظهر الاسلام، قال استيتب كالمرتد ، وقال أبويوسف
مثل ذلك زمانا فلما رأى ما يصنع الزنادقة من اظهار الاسلام ثم يعودون قال إن أتيت بزنديق أمرت بقتله
ولم استنب فان تاب قبل أن أقتله خلیته، وروی سلیمان بن شعيب عن أبيه عن أبى يوسف عن أبى حنيفة فى نوادر
له قال قال أبو حنيفة اقتلوا الزنديق المستقر فان توبته لا تعرف - انتهى. (والله لأقاتلن من فرق) بتشديد الراء
وقد تخفف (بين الصلاة والزكاة) بأن أقر بالصلاة وأنكر الزكاة جاحداً أو مانعاً مع الاعتراف، وإنما أطلق فى
أول القصة الكفر ليشمل الصنفين فهو فى حق من جحد حقيقة وفى حق الآخرين مجاز تغليبا وإنما قاتلهم الصديق
ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال جهز اليهم من دعاهم إلى الرجوع فلما أصروا قاتلهم ، قال المازري: ظاهر
السياق إن عمر كان موافقا على قتال من جحد الصلاة فالزمه الصديق بمثله فى الزكاة لورودهما فى الكتاب والسنة
مورداً واحداً، كذا فى الفتح. (فان الزكاة حق المال) قال القسطلانى: احتج عمر فى هذه القصة بظاهر ما استحضره
بما رواه من قبل أن ينظر إلى قوله إلا بحقه ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر إن الزكاة حق المال كما أن الصلاة
حق البدن أى فدخلت فى قوله إلا بحقه فقد تضمنت القضية عصمة دم ومال معلقة باستيفاء شرائطها والحكم المعلق
بشرطين لايحصل بأحدهما والآخر معدوم فكما لاتتناول العصمة من لم يؤد حق البدن أى الصلاة، كذلك لا تتناول
العصمة من لم يؤد حق المال أى الزكاة. وإذا لم تتناولهم العصمة بقوا فى عموم قوله أمرت أن أقاتل الناس فوجب
قتالهم حينئذ، وهذا من لطيف النظر أن يقلب المعترض على المستدل دليله فيكون أحق به. وكذلك فعل أبوبكر
فسلم له عمر ثم قاسه على الممتنع من الصلاة لأنها كانت بالاجماع من رأى الصحابة فرد المختلف فيه إلى المتفق عليه
وفيه دلالة على أن العمرين لم يسمعا من الحديث الصلاة والزكاة كما سمعه غيرهما أو لم يستحضراه اذ لو كان ذلك
لم يحتج عمر على أبى بكر ولو سمعه أبو بكر لرد به على عمر ولم يحتج الى الاحتجاج بعموم قوله الا بحقه لكن يحتمل
أنه سمعه واستظهر بهذا الدليل النظرى. وقال الطيبي: كان عمر حمل قوله بحقه على غير الزكاة فلذلك صح استدلاله
بالحديث فأجاب أبو بكر بأنه شامل للزكاة أيضاً أوظن عمر أن القتال أنما كان لكفرهم لا لمنعهم الزكاة فاستشهد
بالحديث فأجابه الصديق بأنى ما أقاتلهم لكفرهم بل لمنعهم الزكاة - انتهى. وقال الحافظ: قوله فان الزكاة حق

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
والله لومتعونى عناتا كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
المال يشير الى دليل منع التفرقة التى ذكرها أن حق النفس الصلاة وحق المال الزكاة فمن صلى عصم نفسه ومن زكى
عصم ماله فان لم يصل قوقل على ترك الصلاة ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله قهرا وإن نصب الحرب لذلك
قوتل. وهذا يوضح أنه لو كان سمع فى الحديث ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة لما احتاج الى هذا الاستنباط لكنه
يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا الدليل النظرى - انتهى. قلت: هذا الاحتمال الأخير هو الراجح عندى
لما روى النسائى، والحاكم والبيهقى من حديث أنس قال لما توفى رسول الله من فضله ارتدت العرب، فقال عمر يا أبابكر
كيف تقاتل العرب فقال أبو بكر أنما قال رسول اللّه مَ ◌ّه أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإنى
رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة - الحديث. ورجاله رجال الصحيح الا عمران أبو العوام وهو صدوق
بهم كما فى التقريب ، وقال النسائى عمران القطان ليس بالقوى فى الحديث ، وهذا الحديث خطأ والذى قبله الصواب
حديث الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبى هريرة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد غير أن
الشيخين لم يخرجا عن عمران القطان وليس لها حجة فى تركه فانه مستقيم الحديث، وكذا قال الذهبى فى تلخيصه:
وقد ظهر بهذا وبما تقدم قبله أن أبا بكر الصديق احتج على عمر بالنص الصريح وبعموم قوله ◌َ اللّه إلا بحقه وبمقايسة
الزكاة بالصلاة وبكونهما قريتين فى كتاب الله تعالى (والله لو منعونى عناقا) بفتح العين وتخفيف النون وهى
الأنثى من أولاد المعز دون السنة (كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه ◌َفّ) قال الخطابي: فيه دليل على وجوب
الصدقة فى السخال والفصلان والعجاجيل وإن واحدة منها تجزىء عن الواجب فى الأربعين، منها إذا كانت كلها
صغاراً ولا يكلف صاحبها مسنة، وفيه دليل على أن حول النتاج حول الأمهات، ولوكان يستأنف بها الحول
لم يوجد السيل إلى أخذ العناق. وقال عياض: احتج بذلك من يجيز أخذ العناق فى زكاة الغنم إذا كانت كلها
سخالا، وهو أحد الأقوال. قال النووى: هو محمول على ما اذا كانت الغنم صغارا كلها بأن ماتت أمهاتها فى بعض
الحول، فإذا حال حول الامات زكى السخال الصغار بحول الأمهات سواء بقى من الأمهات شىء أم لا، هذا هو
الصحيح المشهور ، ويتصور ذلك أيضا فيما إذا مات معظم الكبار وحدثت صغار لحال حول الكبير على بقيتها
وعلى الصغار - انتهى. قلت: اختلف العلماء فيما إذا كانت الغنم سخالا كلها أو كانت الابل فصلانا والبقر
عجاجيل. فقال مالك : عليه فى الغنم جذعة أو ثنية ، وعليه فى الابل والبقر ما فی الکبار منها ، وهو قول زفر
وأبى أور وأبى عبيد. وقال أبو يوسف: والأوزاعى والشافعى يؤخذ منها إذا كانت صغارا من كل صنف.
واحد منها، وهو مذهب البخارى فى الغنم حيث ترجم لحديث الباب بقوله: ((باب أخذ العناق فى الصدقة. وقال.
أبو حنيفة ومحمد: لا شىء فى الفصلان ولا فى المجاجيل ولا فى صغار الغنم لا منها ولا من غيرها، وهذا آخر
٦٠