Indexed OCR Text

Pages 461-480

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
لیأتینها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وآیی ن کعب، وزيد بن ثابت، ورجال
فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبى ونفسه تتقعقع، ففاضت عيناه، فقال سعد:
يا رسول الله! ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله فى قلوب عباده، فانما برحم الله من
عباده الرحماء.
وَالتّم أولا. فيحتمل أنه كان فى شغل فى ذلك الوقت، أو كان امتناعه مبالغة فى إظهار التسليم لربه. أو كان
لبيان الجواز فى أن من دعى لمثل ذلك لم تجب عليه الاجابة بخلاف الوليمة مثلا وأما إجابته موقع بعد الحاحها
عليه فكانت دفعا لما يظنه بعض الجهلة أنها ناقصة المكان عنده، أو أنه لما رآها عزمت عليه بالقسم حن عليها
باجابته (ليأتينتها) بالنون المؤكدة (فقام ومعه) باثبات واو الحال (ورجال) أى آخرون ذكر منهم فى غير هذه
الرواية عبادة بن الصامت وأسامة راوى الحديث وعبد الرحمن بن عوف (فرفع) بضم الراء من الرفع يعنى
فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها فاستأذنوا فأذن لهم فرفع (إلى رسول اللّه ◌َ فَّم الصبى) أو الصبية أى وضع فى حجره
عليه الصلاة والسلام (ونفسه) أى روحه (تتقعقع) أى تضطرب وتتحرك ولا تثبت على حالة واحدة، كذا
فى النهاية، والجملة اسمية حالية (ففاضت) أى سالت (عيناه) أى عينا النبى مواقع بالبكاء (فقال سعد) هوابن عبادة
المذكور (ما هذا) أى البكاء منك (فقال هذه) أى الدمعة التى تراها (رحمة) أى أثر رحمة أى أن الذى يفيض من
الدمع من حزن القلب بغير تعمد من صاحبه ولا استدعاء لا مؤاخذة عليه وإنما المنهى عنه الجزع وعدم الصبر.
قال النووى: ظن سعد أن جميع أنواع البكاء حرام وأنه عليه الصلاة والسلام نسى فاعله عليه الصلاة والسلام أن
مجرد البكاء ودمع العين ليس بحرام ولا مكروه بل عو رحمة وفضيلة وإنما المجرم النوح والندب والبكاء المقرون
بهما أو بأحدهما (فانما) وفى بعض النسخ وإنما أى بالواو (يرحم الله من عباده الرحماء) جمع رحيم بمعنى الراحم
أى وإنمايرحم الله من عباده من اقصف بأخلاقه ويرحم عباده و ((من)) فى عباده بيانية حال من المفعول وهو الرحماء.
وقيل: الأظهر أن ((من) تبعيضية أى إنما يرحم من جملة عباده الرحماء فمن لا يرحم لا يرحم وفى هذا
الحديث من الفوائد: جواز استحضار ذوى الفضل للحتضر الرجاء بركتهم ودعاءهم، وجواز القسم عليهم لذلك.
وفيه استحباب ابرار المقسم وأمر صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع وهو مستشعر بالرضى مقاوما
للحزن بالصبر ، وفيه تقديم السلام على الكلام وعيادة المريض واوكان مفضولا أو صبياً صغيراً، وفيه أن أهل
الفضل لا ينبغى أن يقطعوا الناس عن فضلهم ولو ردوا أول مرة وإستفهام التابع عما يشكل عليه ما يتعارض
ظاهره. وفيه الترغيب فى الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة لهم والترهيب من قساوة القلب وجود العين، وجواز
٤٦١

مر عاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
متفق عليه.
١٧٣٨ - (٣) وعن عبد الله بن جمر، قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلى الله
عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل
عليه وجده فى غاشية، فقال: قد قضى؟ قالوا: لا، يا رسول الله! فبكى النبى صلى الله عليه وسلم،
فلما رأى القوم بكاء النبى صلى الله عليه وسلم بكوا، فقال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع
العين ولا بحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه،
البكاء من غير نوح ونحوه (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجنائز والطب والنذور والتوحيد، ومسلم فى الجنائز.
وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى وان ماجه والبيهقى .
١٧٣٨ - قوله (اشتكى) أى مرض (شكوى) بغير تنوين، مصدر أو مفعول به أى مرضا (له) أى
حاصلا له (يعوده) جملة حالية أى يقصد عيادته (فى غاشية) بمعجمتين. قال الخطابي: هذا يحتمل وجهين أن
يراد به القوم الحضور عنده الذين هم غاشيته أى يغشونه للخدمة، وأن يراد ما يتغشاه من كرب الوجع الذى به.
ويؤيده ما وقع في رواية مسلم فى غشية ، وورد فى بعض روايات البخارى فى غاشية أهله، وهذا يأبى المعنى الثانى،
ولا يتأتى ذلك إلا على رواية العامة باسقاط أهله. وقال التوربشتى فى شرح المصابيح: الغاشية الداهية من شر أومرض
أو مكروه، والمراد به ههنا ما كان يتغشاء من كرب الوجع الذى فيه لا حال الموت، لأنه يرىء من ذلك المرض
وعاش بعده زمانا (فقال) وَالضّ (قد قضى) على بناء المفعول بحذف همزة الاستفهام أى أقد خرج من الدنيا
ظن أنه قد مات فسأل عن ذلك (فبكى النبى معَّ) أى رحمة عليه (فلما رأى القوم بكاء النبى مَّى) فى نسبة البكاء
إلى الروية إشارة إلى أنه لم يكن إلا الدمعة (بكوا) فى هذا إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة ابراهيم بن النبي
صلى الله عليه وسلم، لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم فى هذه، ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك ، فدل
على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر (ألا تسمعون أن الله) بكسر
الهمزة استئنافا، لأن قوله ((تسمعون)) لا يقتضى مفعولا، لأنه جعل كاللازم فلا يقتضى مفعولا أى ألا توجدون
السماع، كذا قرره البرماوى والحافظ، كالكرمانى، وقد تعقبه العينى، فقال: ما المانع أن يكون بالفتح فى محل
المفعول لتسمعون، وهو الملائم لمعنى الكلام - انتهى. قال القسلانى؛ لكن الذى فى روايتنا بالكسر. قال
الحافظ: وفيه إشارة إلى أنه فهم من بعضهم الانكار فبين لهم الفرق بين الحالتين (ولكن يعذب بهذا) أى إن قال
٤٦٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
أو يرحم، وإن الميت ليعذب بيكاء أهله عليه. متفق عليه.
١٧٣٩ - (٤) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ليس منا من
ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية .
سوءا من الجزع والنوح (أو يرحم) أى بهذا إن قال خيراً واستسلم لقضاء الله. ويحتمل أن يكون معنى قوله
((أو يرحم)) أى إن لم ينفذ الوعيد (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) يأتى الكلام فيه فى الفصل الثالث من هذا
الباب . وفى هذا الحديث من الفوائد: استحباب عيادة المريض، وعيادة الفاضل للفضول، والامام لاتباعه مع
أصحابه، وفيه النهى عن المنكر ، وبيان الوعيد عليه، وجواز البكاء عند المريض، وجواز اتباع القوم للباكى
(متفق عليه) إلا أن قوله: ((إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) فى هذا الحديث من زيادات البخارى ، والحديث
أخرجه البيهقى أيضا .
١٧٣٩ - قوله (ليس منا) أى من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، إذ المعاصى
لا يكفر بها عند أهل السنة ، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة فى الردع عن الوقوع فى مثل ذلك، كما يقول
الرجل لولده عند معاتبته لست منك ولست منى أى ما أنت على طريقتى. وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل أى
أنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله. قال الحافظ فى الفتح: ويظهر لى أن هذا النفى يفسره التبرى
المذكور فى حديث أبى موسى الآتى حيث قال: أنا برى ممن حلق إلخ. وأصل البراءة الانفصال من الشىء، وكأنه
توعده بأن لايدخله فى شفاعته، وهذا يدل على تحريم ماذكر من شق الجيب وغيره، وكان السبب فى ذلك ما تضمنه
ذلك من عدم الرضا بالقضاء فإن وقع التصريح باستحلاله مع العلم بتحريم السخط مثلا بما وقع فلا مانع من حمل
النفى على الاخراج من الدين، قال وحكى عن سفيان الثورى: أنه كان يكره الخوض فى تأويله ويقول ينبغى أن
يمسك عن ذلك ليكون أوقع فى النفوس وأبلغ فى الزجر - انتهى. (من ضرب الخدود) خص الخد بذلك لكونه
الغالب فى ذلك وإلا فضرب بقية الوجه داخل فى ذلك، وإنما جمع وإن كان ليس للإنسان إلا خدان فقط باعتبار
ارادة الجمع فان من مفرد اللفظ مجموع المعنى فيكون من مقابلة الجمع بالجمع وأما على قوله تعالى: ﴿واطراف
النهار - طه: ١٣٠ ) وقول العرب شابت مفارقه وليس إلا مفرق واحد (وشق الجيوب) بضم الجيم جمع جيب
بفتح الجيم وهو الخرق الذى يخرج الانسان منه رأسه فى القميص ونحوه من جابه أى قطعه (ودعا بدعوى الجاهلية).
فى رواية مسلم بدعوى أهل الجاهلية وهى زمان الفترة قبل الاسلام أى دعا بدعائهم بأن قال عند البكاء مالا يجوز
شرعاً مما يقول به أهل الجاهلية كالدعاء بالويل والثبور وكواكهفاه واجبلاء وعمومه يشمل الذكر والأنثى،
٤٦٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
متفق عليه.
١٧٤٠ - (٥) وعن أبى بردة، قال: أغنى على أبى موسى، فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة،
ثم أفاق، فقال: ألم تعلمى؟! وكان يحدثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا بريء ممن حلق
· وصلق وخرق. متفق عليه ،
وتخصيص الاناث فى بعض الأحاديث خرج مخرج العادة فإن هذه الأفعال إنما هى عادتهن لا عادة الذكور،
والواو فيهما بمعنى أو ، فالحكم فى كل واحد لا المجموع، لأن كلا منهما دال على عدم الرضاء والتسليم للقضاء
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجنائز، وفى مناقب قريش، ومسلم فى الايمان، وأخرجه أيضا أحمد ( ج ١
ص ٣٨٦، ٤٣٢، ٤٤٢، ٤٥٦، ٤٦٥) والترمذى والنسائي وابن ماجه والبيهقى.
١٧٤٠ - قوله (أغمى على أبى موسى) الأشعرى. وفى رواية: وجع أبو موسى وجعا فنشى عليه
(فأقبلت) أى شرعت وجعلت وصارت (امرأته أم عبد الله) أى بنت أبى دومة، كما فى رواية النسائى، ويستفاد من
تأريخ البصرة لعمر بن شبة أن اسمها صفية بنت دمون ، وأنها والدة أبي بردة بن أبى موسى، وأن ذلك وقع
حيث كان أبو موسى أميراً على البصرة من قبل عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهى صحابية هاجرت مع أبى
موسى ، ذكرها الحافظ وابن عبد البر فى الكنى من الصحابيات (أصبح برنة) بفتح الراء وتشديد النون صوت
مع البكاء فيه ترجيع (ثم أفاق) أى أبو موسى (ألم تعلمى) أى ما حدثتك (وكان يحدثها) قال الطيبي: وكان يحدثها
حال، والعامل قال ومفعول ألم تعلمى مقول القول أى ألم تعلمى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنا برىء
فتنازعا فيه (أنا برىء) قال عياض: أى من فعلهن أو مما يستوجين من العقوبة أو من عهدة ما الزمنى من بيانه،
وأصل البراءة الانفصال ، وليس المراد التبرى من الدين والخروج منه. قال النووي: ويحتمل أن يراد به ظاهره
وهو البراءة من فاعل هذه الأمور (ممن حلق) أى شعره عند المصيبة لأجلها كما هو عادة الهنادك فى الهند
(وصلق) بالضاد المهملة والقاف، وفى المصابيح بالسين بدل الصاد وهو لغة ومنه قوله تعالى: ﴿سلقوكم بألسنة
حداد - الأحزاب: ١٩) أى رفع صوته بالبكاء عند المصيبة. وقيل: هو أن تصك المرأة وجهها وتخدشه (وخرق)
بالتخفيف أى شق ثوبه عند المصيبة، والحديث يدل على تحريم هذه الأفعال ، لأنها مشعرة بعدم الرضا بالقضا
وكان الجميع من صنيع الجاهلية وكان ذلك فى أبلغ الأحوال من صنيع النساء (متفق عليه) أخرجه البخارى فى
الجنائز معلقاً، وقيل موصولا، ومسلم فى الايمان، وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٤ ص ٣٩٦، ٤٠٤، ٤٠٥
٤٦٤

مرعاة المفاتيح ج ١٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
ولفظه لمسلم .
١٧٤١ - (٦) وعن أبى مالك الأشعرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع فى أمتى
من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر فى الأحساب، والطعن فى الأنساب، والاستسقاء بالنجوم،
والنياحة ، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها،
و ٤١١، ٤١٦) وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى وابن حبان (ولفظه لمسلم) ولفظ البخارى: قال (أى
أبو بردة) وجع أبو موسى وجعا فغشى عليه ورأسه فى حجر امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً فلما أفاق
قال أنا بريء ممن برىء منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برىء من الصالقة
والحالقة والشاقة .
١٧٤١ - قوله (أربع) أى أربع خصال كائنه (فى أمتى) حال كونهن (من أمر الجاهلية) أى من
أمورهم وخصالهم المعتادة (لا يتركونهن) يعنى أن هذه الخصال تدوم فى الأمة لا يتركونهن بأسرهم تركهم لغيرها
من سنن الجاهلية فإنهن إن تتركهن طائفة جاءهن وتمسك بهن آخرون (الفخر) أى الافتخار وهو المباهاة والتمدح
بالخصال والمناقب والمكارم. إما فيه أو فى أهله، قال فى الفائق: الفخر تعداد الرجل من مآثره ومآ ثر آباءه (فى
الأحساب) أى فى شأنها وسبيها والحسب ما يعده الرجل من الخصال التى تكون فيه كالشجاعة والفصاحة وغير
ذلك ، وقيل الحسب ما يعده الانسان من مفاخر آباءه، ومعنى الفخر فى الأحساب هو التكبر والتعظم بعد مناقبه
ومآثر آباءه وهذا يستلزم تفضيل الرجل نفسه على غيره ليحقره وهو لا يجوز، وفى الحديث كرم الرجل دينه
وحسبه خلقه وفى ذلك نفى ما كان عليه أهل الجاهلية، وفيه تنبيه على أن الحسب الذى يحمد به الانسان ما تحلى به
من خصال الخير فى نفسه لا ما يعده من مفاخره ومآثر آباءه (والطعن فى الأنساب) أى ادخال العيب فى أنساب
الناس وذلك يستلزم تحقير الرجل آباء غيره، وتفضيل آباءه على آباء غيره وهو منوع. قال التوربشتى: الظاهر
أن المراد منه الطعن فيمن ينتسب اليه حجيج الطاعن فينسب آباءه وذويه عند المساجلة والمساماة إلى الخمول
والخساسة والغموض والانحطاط لأنه ذكر فى مقابلة الفخر بالأحساب (والاستسقاء) أى طلب السقيا (بالنجوم)
أى بسببها يعنى توقع الأمطار عن وقوع النجوم فى الأنواع كما كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا، قاله الطيبي. وقيل:
المعنى سؤال المطر من الأنواء فان كان ذلك على جبهة اعتقاد أنها المؤثرة فى نزول المطر حقيقة فهو كفر
(والنياحة) بالرفع وهو الرابعة وهو البكاء على الميت بصياح وعويل وجزع. والندبة عد شمائل الميت ومحاسنه
مثل واشجاعاه واأسداه واجبلاه (والناتحة إذا لم تقب قبل موتها) أى قبل حضور موتها. قال التوربشتى:
٤٦٥

جرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. رواه مسلم.
١٧٤٢ - (٧) وعن أنس، قال: مر النبى صلى الله عليه وسلم بأمرأة تبكى عند قبر، فقال: اتقى الله
وإنما قيد به ليعلم أن من شرط التوبة أن يتوب التائب وهو يؤمل البقاء ويمكن أن يتأتى منه العمل الذى يتوب
منه ومصداق ذلك فى كتاب الله (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت
الآن - النساء: ١٨﴾ (تقام ) مجهول من الاقامة وهى الايقاف (يوم القيامة) بين أهل الموقف للفضيحة. قال
الطيبى : تقام أى تحشر ، ويحتمل أنها تقام على تلك الحالة بين أهل النار وأهل الموقف جزاء على قيامها فى المناحة
وهو أمثل وأشبه (وعليها سربال) بكسر السين أى قيص (من قطران) بفتح القاف وكسر الطاء. قال ابن عباس:
هو النحاس المذاب. وقيل ما يتحلب من شجر يسمى الابهل فيطبخ فيطلى به الابل الحربى فيحرق الجرب بحدته
وحرارته الجلد وقد تبلغ حرارته الجوف (ودرع) عطف على سريال والدرع بكسر الدال قميص النساء
والسربال القميص مطلقا (من جرب) أى من أجل جرب كائن بها . قال الطبى: أى يسلط على أعضاءما الجرب
والحكة بحيث يغطى جلدها قغطية الدرع ويلتزق بها التزاقه فتطلى مواقعه بالقطران لتداوى فيكون الدواء أدوى
من الداء لاشتماله على لذع القطران وحدته وحرارته وأسراع النار فى الجلود واشتعالها ونتن الرائحة وسواد اللون
الذى تشمأز عنه النفوس . قال التوربشتى: خصت بدرع من جرب لأنها كانت تجرح بكلماتها المحرقة قلوب ذوات
المصيبات وتحك بها بواطنهن فعوقبت فى ذلك المعنى بما يماثله فى الصورة وخصت أيضا بسرابيل من قطران لأنها
كانت تلبس الثياب السود فى المأتم فألبسها الله قيصا من قطران لتذوق وبال أمرما - انتهى. فإن قلت ذكر
الخلال الأربع فى الحديث ولم يرتب عليها الوعيد سوى النياجة فما الحكمة فيه؟ قلت: النياحة مختصة بالنساء وهن.
لا ينزجرن الزجار الرجال فاحتجن إلى مزيد الوعيد، كذا فى المرقاة. (رواه مسلم) فى الجنائز وأخرجه أيضاً
أحمد (ج٥ ص٣٤٢ -٣٤٣ -٣٤٤) والحاكم (ج١ ص٣٨٣) والبيهقى (ج ٤ ص ٦٣) وابن ماجه، ولفظه قال
رسول اللّه ◌ُفي الفياحة على الميت من أمر الجاهلية وأن الناتحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران.
ودرعا من لهب النار .
١٧٤٢ - قوله (مر التى ◌َثّل بامرأة تبكى عند قبر) لم يوقف على إسم المرأة ولا إسم صاحب القبر،
لكن فى رواية مسلم ما يشعر بأنه ولدها ولفظه تبكى على صبى لها، وصرح به فى مرسل يحيى بن أبي كثير عند
عبد الرزاق، ولفظه قد أصيبت بولدها (فقال اتقى الله) قال القرطبى: الظاهر أنه كان فى بكاءما قدر زائد من
نوح أو غيره ولهذا أمرها بالتقوى. قلت: ويؤيده أن فى مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور فسمع منها ما يكره فوقف
٤٦٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
واصبرى. قالت: اليك عنى، فانك لم تصب بمصيبتى، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم
فأقت باب النبى صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند
الصدمة الأولى .
عليها. وقال الطبي: قوله اتقى الله توطئة لقوله (واصبرى) كأنه قيل لها خافى غضب الله إن لم تصبرى ولا تجزعى
ليحصل لك الثواب (قالت) أى جاهلةً بمن يخاطبها وظانة أنه من آحاد الناس (اليك عنى) إسم فعل أى أبعد وتنح
(لم تصب) على بناء المجهول (بمصيتى ولم تعرفه) الواو فيه للحال أى خاطبته بذلك، والحال أنها لم تعرف أنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لو عرفته لم تخاطبه بهذا الخطاب (فقيل لها) أى المرأة بعد ما ذهب التى مؤلفته
(أنه النبى مَّة) وفى رواية للبخارى: فمر بها رجل فقال لها أنه رسول الله فقالت ما عرفته. وفى رواية أبي يعلى
من حديث أبى هريرة قال: فهل تعرفينه قالت لا. والطبرانى فى الأوسط من طريق عطية عن أنس: أن الذى
سألها هو الفضل بن عباس. وزاد مسلم فى رواية له: فأخذها مثل الموت أى من شدة الكرب الذى أصابها لما
عرفت أنه رسول اللّه ◌َوّ خجلا منه ومهابة وإنما اشتبه عليها صلى الله عليه وسلم لأنه من تواضعه لم يكن يستبتع
الناس وراء إذا مشى كعادة الملوك والكبراء مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء (فلم تجد عنده) أى عند
بابه ( بوابين ) يمنعون الناس من الدخول عليه. وفى رواية للبخارى: بوابا بالافراد. قال الطبى: فائدة هذه
الجملة أنه لما قيل لها أنه النبى موافقته استشعرت خوفا وهيبة فى نفسها فتصورت أنه مثل الملوك له حاجب أو بواب
يمنع الناس من الوصول اليه فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته ( فقالت ) معتذرة اليه مما سبق منها حيث قالت
اليك عنى ( لم أعرفك ) فاعذرنى من تلك الردة وخشونتها (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) وفى رواية للبخارى
عند أول صدمة وهى مرة من الصدم وهو ضرب الشىء الصلب بمثله ثم استعمل فى كل مكروه حصل بغتة والمعنى
الصبر الذى يحمد عليه صاحبه ويصاب عليه فاعله بجزيل الأجر ما كان منه عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما بعد
ذلك فانه على مدى الأيام يسلوا وينسى. وقال الحافظ: المعنى إذا وقع الثيات أول شىء يهجم على القلب من مقتضيات
الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذى يترتب عليه الأجر، وأصل الصدم ضرب الشىء الصلب بمثله فاستعير المصيبة
الواردة على القلب. قال الطيبي: صدر هذا الجواب منه يَّم من قولها لم أعرفك على أسلوب الحكيم كأنه قال لها
دعى الاعتذار فان من شيمتى أن لا أغضب إلا الله وانظرى إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثواب بالجزع
وعدم الصبر أول بجيأة المصيبة فاغتفر لها عليه السلام تلك الجفوة لصدورها منها فى حال مصيبتها وعدم معرفتها
جه وبين لها أن حق هذا الصبر أن يكون فى أول الحال فهو الذى يترتب عليه الثواب بخلاف ما بعد ذلك فإنه
٤٦٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
متفق عليه .
١٧٤٣ - (٨) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يموت لمسلم ثلاثة
من الولد
على طول الأيام يسلو كما يقع لكثير من أهل المصائب وفى هذا الحديث من الفوائد جواززيارة القبور النساء،
لأنه لم ينه المرأة المذكورة عن زيارة قبر ميتها وإنما أمرها بالصبر والتقوى لما رأى من جزءها فدل على جوازها
وفيه ما كان فيه عليه الصلاة والسلام من التواضع والرفق بالجاهل ومسامحة المصاب وقبول اعتذاره وملازمة
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفيه أن القاضى لا ينبغى له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس وأن من أمر
بمعروف ينبغى له أن يقبل ولولم يعرف الآمر وفيه أن الجزع من المنهيات لأمره لها بالتقوى مقرونا بالصبر،
وفيه الترغيب فى احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى
وأبوداود والنسائى وابن ماجه والبيهقى.
١٧٤٣ - قوله (لا يموت المسلم) رجل أو امرأة ، ففى هذه اللفظة عموم تشمل الذكر والأنثى بخلاف
الرواية الآتية فإنها مقيدة بالنساء وليس لها مفهوم لما فى بقية الروايات من التعميم، وقيد الاسلام شرط لأنه لا بجاة
للكافر بموت أولاده فقيده به ليخرج الكافر فهو مخصوص بالمسلم ، وهل يدخل فى ذلك من مات له ولد فأكثر فى
حالة الكفر ثم أسلم بعد ذلك أو لابد أن يكون موتهم فى حالة اسلامه، قد يدل للأول حديث أسلمت على ما
أسلفت من خير لكن جاءت أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه فى الاسلام فالرجوع اليها أولى، فمنها حديث أبي ثعلبة
الأشجعى المروى فى مسند أحمد والمعجم الكبير للطبرانى. قلت: يا رسول الله مات لى ولدان فى الاسلام فقال
من مات له ولدان فى الاسلام أدخله الله الجنة، وحديث عمرو بن عبسة عند أحمد وغيره مرفوعا: من ولد له ثلاثة
أولاد فى الاسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخل الله الجنة بفضل رحمته إياهم (ثلاثة) وهل هو حكم ما سوى
الثلاثة سيأتى فى شرح الحديث الآتى (من الولد) بفتحتين يشمل الذكر والأنثى، والظاهر أن المراد من ولد الرجل
حقيقة أى الأولاد الصلبية يدل عليه حديث أنس عند النسائى رفعه من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة ، وكذا
حديث عقبة بن عامر عند أحمد والطبرانى رفعه من أثكل ثلاثة من صلبه فاحتهم على الله - الحديث، وحديث
عمرو بن عبسة عند الطبرانى وحديث عثمان ابن أبى العاص عند أبي يعلى والبزار والطبرانى أيضاً، وفيه عبد الرحمن
ابن اسحاق أبو شيبة وهو ضعيف. وأما أولاد الأولاد ففى دخولهم بحث. قال الحافظ: والذى يظهر أن أولاد
الأولاد الصلب يدخلون ولا سيما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب والتقييد بكونهم من الصلب يدل على اخراج
٤٦٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
فيلج النار إلا حلة القسم.
أولاد البنات، وزاد فى الرواية الآتية لم يبلغوا الحنث وسيأتى الكلام فيه (فيلج النار) أى فيدخلها من الواوج وهو
الدخول وهو منصوب بأن المقدرة، تقديره فان لج النار لأن الفعل المضارع ينصب بعد النفى بأن المقدرة بعد الغاء
لكن حكى الطبى منعه عن بعضهم معالا بأن شرط ذلك أن يكون ما قبل الفاء سببا لما بعدها ولا سببية هنا لأنه
ليس موت الأولاد ولا عدمه سببا لولوج أبيهم النار بل سببا للنجاة منها وعدم الدخول فيها، وبيان ذلك أنك
قعمد إلى الفعل الذى هو غير موجب فتجعله موجبا وتدخل عليه إن الشرطية وتجعل الفاء وما بعدها من الفعل
جوابا كما تقول فى قوله تعالى :- ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى أن تطغوا فيه - طه: ٨١ - حلول الغضب
حاصل، وفى قوله: (( ما تأتينا فتحدثنا أن تأتنا)) فالحديث واقع وهنا إذا قلت أن يمت لمسلم ثلاثة من
الولد فولوج النار حاصل لم يستقم . قال الطيبي: فالفاء هنا بمعنى الواو التى الجمع، وهى تنصب المضارع بعد
النفى كانفاء، والمعنى لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار إلا تحلة القسم لا محيد عن ذلك أن
كانت الرواية بالنصب وإن كانت الرواية بالرفع على أن الفاء عاطفة للتعقيب فمعناه لا يوجد ولوج النار عقب موت
الأولاد إلا تحلة القسم أى مقداراً يسيراً، ومعنى فاء التعقيب كمعنى الماضى فى قوله تعالى: ﴿ ونادى أصحاب الجنة
أصحاب النار - الأعراف: ٤٤ - فى أن ما سيكون بمنزلة الكائن وأن ما أخبر به الصادق عن المستقبل كالوقع .
وقال الحافظ أن السببية (أى فى صورة النصب) حاصلة بالنظر إلى الاستثناء لأن الاستثناء بعد النفى اثبات فكان
المعنى أن تخفيف الولوج مسبب عن موت الأولاد وهو ظاهرلأن الولوج عام تخفيفه يقع بأمور منها موت الأولاد
بشرطه - انتهى. وتعقبه السندى فى حاشية البخارى بما فيه تأمل وأجاب ابن الحاجب والدمامينى عن
الاشكال المذكور بوجه آخر، ذكره القسطلانى (إلا تحلة القسم) بفتح المثناة الفوقية وكسر المهملة وتشديد
اللام، والقسم بفتح القاف والسين أى ما تنحل به اليمين ، وهو مصدر حلل اليمين أى كفرها قال أهل اللغة:
يقال فعلته تحلة القسم أى لم أفعله الا بقدر ما حللت به يمينى ولم أبالغ. وقال الخطابى: حللت القسم تحلة أى
أبررتها . وقال الجزرى فى النهاية: تقول العرب ضربه تحليلا وضربه تعزيراً إذا لم يبالغ فى ضربه، وهذا مثل فى
القليل المفرط فى القلة، وهو أن يباشر من الفعل الذى يقسم عليه المقدار الذى يبر به قسمه مثل أن يحلف على النزول
يمكان فلو وقع به وقعة خفيفة اجزأته فتلك تحلة قسمه فالمعنى لا بدخل النار الا دخولا يسيرا مثل تحلة قسم الحالف
ويريد بتحلته الورود على النار والاجتياز بها، والتاء فى التحلة زائدة - انتهى. قال القرطى: اختلف فى المراد بهذا
القسم، فقيل هو معين ، وقيل غير معين ، فالجمهور على الأول، والمراد قسم اللّه تعالى على ورود جميع الخلق النار
فيردها بقدر ما يبر اللّه تعالى قسمه ثم ينجو، وقيل لم يعن به قسم بعينه، وانما معناه التقليل لأمر ورودها، وهذا
٤٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتابالجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
متفق عليه .
١٧٤٤ - (٩) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لنسوة من الأنصار:
اللفظ يستعمل فى هذا تقول لا ينام هذا إلا لتحليل الالية، وتقول ما ضربته إلا تحليلا إذا لم تبالغ فى الضرب
أى قدراً يصيبه منه مكروه، وقيل الاستثناء بمعنى الواو أى لا تمسه النار قليلا ولا كثيرا ولا تحلة القسم، وقد
جوز الفراء والأخفش مجىء الا بمعنى الواو، والأول قول الجمهور، وبه جزم أبو عبيد وغيره قالوا المراد به قوله
تعالى: ثر وإن منكم إلا واردها - مريم: ٧١﴾ قال الخطابي: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها ، ولكنه يدخلها
مجتازاً ولا يكون ذلك الجواز الا قدر ما يحلل به الرجل يمينه، ويدل على ذلك ما وقع عند عبد الرزاق فى آخر
هذا الحديث إلا تحلة القسم يعنى الورود ، وذكر الحافظ فى الفتح روايات أخرى تدل على هذا أى على كون المراد
بالقسم قول الله تعالى المذكور وبالورود الجواز والعبور فعليك أن ترجع إلى الفتح واختلف فى موضع القسم
من الآية ، فقيل هو مقدر أى والله إن منكم، وقيل معطوف على القسم الماضى فى قوله: ترفوربك لنحشرنهم -
مريم: ٦٨﴾ أى وربك إن منكم، وقيل هو مستفاد من قوله تعالى حتما مقضيا أى قسما واجبا. وقال الطبى:
يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق فان قوله كان على ربك تذييل وتقرير
لقوله وإن منكم، فهذا بمنزلة القسم بل أبلغ مجىء الاستثناء بالنفى والانبات. واختلف فى المراد بالورود فى الآية
فقيل هو الدخول رواه عبد الرزاق عن ابن عباس، وروى أحمد والنسائى والحاكم من حديث جابر مرفوعا الورود
الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاما، وقيل المراد بالورود الممر عليها .
رواه الطبرى عن أبي هريرة وابن مسعود وهذان القولان أصح ما ورد فى ذلك ولا تنافى بينهما لأن من عبر
بالدخول تجوز به عن المرور، ووجهه أن المار عليها فوق الصراط فى معنى من دخلها لكن تختلف أحوال المارة
باختلاف أعمالهم ، ويؤيد ضحة هذا التأويل ما رواه مسلم من طريق أم مبشر أن حفصة قالت للنبي صلى الله عليه
وسلم لما قال لا يدخل أحد شهد الحديبية النار أليس الله يقول: ﴿وإن منكم إلا واردها) فقال أليس الله تعالى
يقول: (ثم ننجى الذين اتقوا- مريم: ٧٢) الآية. وفى هذا بيان ضعف من قال إن الورود مختص بالكفار، ومن
قال الورود الدنومنها ومن قال معناه الاشراف عليها ومن قال معنى ورودها ما يصيب المؤمن فى الدنيا من الحمى.
وفى الحديث من الفوائد غيرما تقدم أن أولاد المسلمين فى الجنة لأنه يبعد أن الله تعالى يغفر الآباء بفضل رحمته
للأبناء ولا يرحم الأبناء، وكونهم فى الجنة مذهب الجمهور، ووقف طائفة قليلة، وتقدم البحث فى ذلك (متفق
عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذى والنسائى وابن ماجه والبيهقى.
١٧٤٤ - قوله (قال النسوة) اسم جمع (من الأنصار) أى من نساءهم. قال القارى: وفائدة ذكره كمال
٤٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
لا يموت لاحدى كن ثلاثة من الولد فتحتسبه، الا دخلت الجنة. فقالت امرأة منهن: أو اثنان
يا رسول الله؟ قال : أو اثنان.
استحضار القضية لا أن هناك خصوصية (من الولد) بفتحتين وهو يشمل الذكر والأنثى والمفرد والجمع (فتحتسبه)
وفى رواية البيهقى: فتحتسبهم. قال القارى بالرفع لا غير أى تطلب بموته أوابا عند اللّه بالصبر عليه. قال الطيبي:
أى فتصبر راجية لرحمة الله وغفرانه وليس هذه الفاء، كما فى فيلج بل هى التسبب بالموت، وحرف النفى منصب على
السبب والمسبب معا- انتهى. قال الباجى: بيان اصفة من يوجر بمصابه فى ولده وهو أن تحتسبهم، وأما من لم يحتسبهم
ولم يرض بأمر الله فيه فانه غير داخل فى هذا الوجه - انتهى. والاحتساب عند المكروهات هو البدار إلى طلب
الأجر، وتحصيله بالتسليم والصبر، وذكر المصنف هذا الحديث لقوله فتحتسبه جعله تفسيراً للحديث قبله. وقد ورد
التقييد بذلك فى أحاديث أخرى، ذكرها الحافظ فى الفتح، ثم قال وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب
الاعلى النية فلابد من قيد الاحتساب والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة - انتهى. (الا دخلت الجنة) أى دخولا
أوليا وهو لا ينافى الولوج تحلة القسم والاستثناء من أعم الأحوال (فقالت امرأة منهن) الظاهر أنها أم سليم الأنصارية
والدة أنس بن مالك، كما رواه الطبرانى باسناد جيد عنها أو أم مبشر الأنصارية. رواه الطبرانى أيضا من حديث
جابر ، ويحتمل أن يكون كل منهما سأل عن ذلك فى ذلك المجلس، ويحتمل التعدد والله تعالى أعلم وجاءت روايات
أخرى نسب فيها السؤال إلى غيرهما كأم أيمن وعائشة وأم هانىء وجابر وعمر رضى الله عنهم (أو اثنان) عطف
تلقين أى هل يمكن أن تقول أو اثنان. وفى رواية: واثنان . قال العينى عطف على ثلاثة ، ومثله يسمى بالعطف
التلفينى أى قل يارسول الله واثنان، ونظيره قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ ومن ذريتي - البقرة: ١٢٤) وقال
الحافظ: أى وإذا مات اثنان ما الحكم فقال واثنان أى وإذا مات اثنان فالحكم كذلك (قال أواثنان) قال العينى: أى
أو إن وجد اثنان فكالثلاثة ، وفيه التسوية بين حكم الثلاثة والاثنين . قال ابن بطال: وكأنه أوحى اليه بذلك فى
الحال ولا يبعد أن ينزل عليه الوحى فى أسرع من طرفة عين، ويحتمل أن يكون كان العلم عنده حاصلًا لكنه
أشفق عليهم أن يتكلوا لأن موت الاتنين غالبا أكثر من موت الثلاثة ثم لما سئل عن ذلك لم يكن بد من الجواب،
وهل يدخل فى الحكم المذكور الولد الواحد فالظاهر أنه نعم لما ورد فى ذلك من الأحاديث الصريحة كحديث ابن
عباس فى الفصل الثانى من هذا الباب، وحديث أبى هريرة عند مسلم مرفوعا صغارثم دعاميص الجنة يلق أحدهم
أباه فيأخذ بناحية ثوبه فلا يفارقه حتى يدخله الجنة ، وحديث قرة المرنى عند أحمد، وحديث على عند ابن ماجه
وحديث معاذ بن جبل عند أحمد، وحديث ابن مسعود عند الترمذى، وابن ماجه وستأتى هذه الأحاديث فى
الفصل الثالث، وحديث جابر بن سمرة عند الطبرانى، وفيه ناصح بن عبد الله وهو ضعيف جداً، قاله الحافظ فى
٤٧١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
رواه مسلم. وفى رواية لها: ثلاثة لم يبلغوا الحنث.
١٧٤٥ - (١٠) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله: ما لعبدى المؤمن عندى
جزاء إذا قضبت صفيه من أهل الدنيا
الفتح. وقال الهيشمى: هو متروك، وقد سرد العينى فى باب فضل من مات له ولد فاحتسب أحاديث أخرى، وكذا
الهيثمى فى مجمع الزوائد فى باب من مات له واحد ، ويدل على ذلك أيضا حديث أبى هريرة الذى بعد هذا فان قوله
((صفيه) يدخل فيه الواحد فمافوقه وهو أصح ما ورد فى ذلك (رواه مسلم) فى البروالصلة وأخرجه أيضا البيهقى(وفى
(رواية لهما) أى للشيخين (ثلاثة لم يبلغوا الحنث) يعنى فى اللفظ المتقدمة ثلاثة مطلق، وفى رواية لهما ثلاثة مقيدة بهذا
الوصف والحنث بكسر المهملة وسكون النون آخره مثلثة الاثم والذنب، قال تعالى: ﴿وكانوا يصرون على الحنث العظيم-
الواقعة: ٤٦) يعنى لم يبلغوا سن التكليف الذى يكتب فيه الإثم والذنب، وقيل المعنى لم يبلغوا مبلغ الرجال حتى
يجرى عليهم القلم فيكتب عليهم الحنث والاتم. قال الخليل: بلغ الغلام الحنث إذا جرى عليه القلم والحنث الأثيم
وقيل: المراد بلغ إلى زمان يؤاخذ بيمينه إذا حنث وقال الراغب: عبر بالحنث عن البلوغ لما كان الانسان يؤاخذ
بما ارتكبه فيه بخلاف ما قبله، وخص الإثم بالذكر لأنه الذى يحصل بالبلوغ لأن الصى قد يثاب، وخص الصغير
بذلك لأن الشفقة عليه أعظم والحب له أشد والرحمة له أوفر وعلى هذا فى بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر
من هذا الثواب وإن كان فى فقد الولد أجر فى الجملة، وبهذا صرح كثير من العلماء وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه
يتصور منه العقوق المقتضى لعدم الرحمة بخلاف الصغير فانه لا يتصور منه ذلك إذ ليس بمخاطب ، لكن قال الزين
ابن المنير والعراقى فى شرح تقريب الأسانيد بل يدخل البالغون فى ذلك بطريق الفحوى لأنه إذا ثبت ذلك فى الطفل
الذى هو كل على أبويه فكيف لا يثبت فى الكبير الذى بلغ معه السعى ولا ريب أن التفجع على فقد الكبير أشد
والمصيبة أعظم لا سيما إذا كان نجيبا يقوم عن أبيه بأموره ويساعده فى معيشته، وهذا معلوم مشاهد. قال
الحافظ ويقوى الأول قوله فى آخر حديث أنس بفضل رحمتة إياهم ، لأن الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم
منهم - انتهى ..
١٧٤٥ - قوله (ما لعبدى) أى ليس لعبدى (جزاء) أى ثواب (إذا قبضت صفيه) بفتح الصاد المهملة
وكسر الفاء وتشديد التحتانية، وهو الحبيب المصافى، كالولد والأخ، وكل من يحبه الانسان. قال النهاية: صفى الرجل
الذى يصافيه الود ويخلصه له فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت (من أهل
الدنيا) قال الطيبي: انما قيده بذلك ليؤذن بأن الصفى إذا كان من أهل الآخرة كان جزاءه وراء الجنة وهو رضوان
٤٧٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
ثم احتسبه إلا الجنة. رواه البخارى.
الفصل الثانى )
١٧٤٦ - (١١) عن أبى سعيد الخدرى، قال. لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة
والمستمعة. رواه أبوداود.
اللّه تعالى ورضوان من الله أكبر - انتهى. قال القارى: وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته وجعله بيانا للواقع
( ثم احتسبه) أى صبر على فقد صفيه وقبض روحه راجيا الأجر من الله على ذلك، وأصل الحسبة بالكسر
الأجرة والاحتساب طلب الأجر من الله تعالى خالصا (إلا الجنة) متعلق بقوله ما لعبدى المؤمن. قال القارى:
بالنصب والرفع أى ماله جزاء إلا الجنة، ويؤخذ من هذا الحديث أن الثواب المترتب على الثلاثة والاثنين مرتب
على الواحد ، كما فى رواية أخرى . انتهى. قال الحافظ: استدل به ابن بطال على أن من مات له ولد واحد يلتحق
بمن مات له ثلاثة، وكذا اثنان، وأن قول الصحابى فى بعض الروايات ولم نسأله عن الواحد لا يمنع من حصول
الفضل لمن مات له واحد فلعله صلى الله عليه وسلم سئل بعد ذلك عن الواحد فأخبر بذلك أو أعلم بأن حكم الواحد
حكم ما زاد عليه. قال الحافظ : وجه الدلالة من الحديث أن الصفي أعم من أن يكون ولداً أم غيره. وقد أفرد
ورتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه ويدخل فى هذا ما أخرجه أحمد والنسائى من حديث قرة بن اياس : أن
رجلا كان يأتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له فقال أتحبه قال نعم ففقده فقال ما فعل فلان قالوا يا رسول
الله مات ابنه فقال ألا تحبه أن لا تأتى بابا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك فقال رجل يا رسول الله! أ له
خاصة أم لكلنا قال بل لكلكم، وسنده على شرط الصحيح وقد صححه ابن حبان والحاكم - انتهى. وسيأتى هذا
الحديث فى الفصل الثالث (رواه البخارى) فى باب العمل الذى يبتغى به وجه الله تعالى من أوائل الرقاق.
والحديث من افراده .
١٧٤٦ - قوله (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة) النوح هو رفع الصوت بتعديد شمائل الميت
ومحاسن أفعاله، والحديث دليل على تحريم ذلك، وهو مجمع عليه. قال القارى: يقال: ناحت المرأة على الميت إذا .
ندبته أى بكت عليه وعددت محاسنه. وقيل: النوح بكاء مع صوت. والمراد بها التى تنوح على الميت أو على مافاتها
من متاع الدنيا، فانه ممنوع منه فى الحديث. وأما التى تنوح على معصيتها فذلك نوع من العبادة. وخص النائحة،
لأن النوح يكون من النساء غالباً (والمستمعة) أى التى تقعد السماع ويعجبها، كما أن المستمع والمغتاب شريكان فى
الوزر، والمستمع والقارئى مشتركان فى الأجر (رواه أبو داود) وأخرجه أحمد والبيهقى (ج ٤ ص ٦٣) قال
٤٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
١٧٤٧ - (١٢) وعن سعد بن أبى وقاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجب للؤمن:
إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر، والمؤمن يؤجر فى كل أمره حتى
فى اللقمة يرفعها إلى فى امرأته.
المنذرى: فى إسناده محمد بن الحسن بن عطية العوفى عن أبيه عن جده، وثلاثتهم ضعفاء - انتهى. وقال الحافظ فى
التلخيص بعد عزوه لأحمد مالفظه: واستكره أبو حاتم فى العلل، ورواه الطبرانى والبيهقى من حديث عطاء عن
ابن عمر، ورواه ابن عدى من حديث الحسن عن أبى هريرة ، وكلها ضعيفة.
١٧٤٧ - قوله (عجب) أى أمر غريب وشأن مجيب (المؤمن) أى الكامل. وقال الطيبي: أصله أعجم،
عجبا . فعدل من النصب إلى الرفع للثبات، كقولك: سلام عليك. قيل: ومن ثم كان سلام ابراهيم فى قوله:
﴿قالوا سلاما قال سلام - هود: ٦٩﴾ أبلغ من سلام الملائكة، كذا فى المرقاة. وذكر السيوطى هذا الحديث
فى الجامع الصغير بلفظ: عجبت للمسلم، وعزاه الطيالسى والبيهقى فى الشعب. ثم بين وجه العجب بقوله
(إن أصابه خير) كصحة وسلامة، ومال وولد وجاه ( حمد الله وشكر) على نعمة الخير ودفع الشر (وإن
أصابته مصيبة) أى بلية ومحنة (حمد الله وصبر) على حكم ربه واحتسب. قال القارى: وفيه إشارة إلى أن الايمان
نصفه صبر، ونصفه شكر، قال تعالى: ﴿إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور - ابراهيم: ٥﴾ وقال ابن الملك :
قوله: ((إن أصابته مصيبة حمد الله)) أى حمده عندها لعلمه بما يثاب عليه من الثواب العظيم، والثواب نعمة،
فحمد الله لذلك يدل على أن الحمد محمود عند النعمة وعند المصيبة - انتهى. وقد يقال: معناه حمده على سائر نعمه،
ولذلك ذكره فى الحالين لقوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها - ابراهيم: ٣٤) أو حمده على أن
المصيبة ليست فى دينه أو على أنه ما دفع أكبر أو أكثر منها . قال المظهر: وتحقق الحمد عند المصيبة، لأنه
يحصل بسببها ثواب عظيم، وهو نعمة تستوعب الشكر عليها. قال الطيبي: وتوضيحه قوله القائل: فان مس بالنعماء
عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبه الأجر. ويحتمل أن يراد بالحمد الثناء على الله بقوله: ﴿إنا لله وإنا
اليه راجعون - البقرة: ١٥٦﴾ - انتهى. (والمؤمن يؤجر) بالهمز ويبدل فيهما أى المؤمن الكامل يثاب
(فى كل أمره) أى شأنه من الصبر والشكر وغيرهما حتى فى أمور المباح. قيل: المراد بالأمر هنا الخير، فالمباح
ينقلب خيراً بالنية والقصد (حتى فى اللقمة يرفعها إلى فى امرأته) أى فمها فى الحديث دليل على أن المباحات وإن
كان يرى كل واحد منها فى الظاهر من قبيل حظ النفس، لكنها باشتمالها على نية التقرب إلى الله قصير عبادات
ويؤجر فاعلها على حسب نيته ببركة ايمانه. قال الطبى: الفاء جزاء شرط مقدر، يعنى إذا أصابته نعمة لمحمد أجر،
٤٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
رواه البيهقى فى شعب الإيمان .
١٧٤٨ - (١٣) وعن أنس، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ما من مؤمن إلا وله بابان:
باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه ،
وإذا أصابته مصيبة فصبر أجر ، فهو مأجور فى كل أموره حتى فى الشهوانية ببركة ايمانه، وإذا قصد بالنوم زوال
التعب للقيام إلى العبادة عن نشاط كان النوم طاعة ، وعلى هذا الأكل وجميع المباحات (رواه البيهقى فى شعب
الايمان) وأخرجه النسائى فى اليوم والليلة ، وفيه عمر بن سعد بن أبى وقاص و هو صدوق، لكنه مقته الناس ،
لكونه كان أميراً على الجيش الذين قتلوا الحسين بن على. قال القارى: قد يقال. إنه لم يباشر قتله، ولعل حضوره
مع العسكر كان بإكراه أو ربما حسن حاله وطاب مآله. والحديث ظاهر صحته مبنى ومعنى، ولا يتعلق به
حكم من الأحكام دينا ودنيا. قلت: والحديث شواهد: منها ما رواه أحمد ومسلم من حديث صهيب الرومى.
مرفوعا عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان
خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، ومنها ما رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخارى عن
أبى الدرداء مرفوعا إن الله عز وجل قال: يا عيسى! إنى باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله،
وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم ، فقال: يا رب! كيف يكون هذا ؟ قال أعطيهم
من حلمى وعلمى .
١٧٤٨ - قوله (وله) أى مختص به (بابان) أى من السماء (يصعد) بفتح الياء وتضم أى يطلع ويرفع
(عمله) أى الصالح إلى مستقر الأعمال. وهو محل كتابتها فى السماء بعد كتابتها فى الأرض. وفى إطلاقه العمل
اشعار بأن عمله كله صالح (ينزل) بصيغة الفائل أو المفعول (رزقه) أى الحسى أو المعنوى إلى مستقر الأرزاق من
الأرض (بكيا) أى البابان (عليه) أى على فراقه، لأنه انقطع خيره منهما بخلاف الكافر، فانهما يتأذيان بشره
فلا يبكيان عليه، قاله ابن الملك: وهو ظاهر موافق لمذهب أهل السنة على ما نقله البغوى أن الأشياء كلها علما بالله
ولها تسبيح ولها خشية وغيرها. وقيل: أى بكى عليه أهلهما من الملائكة والناس، فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه
مقامه. وقال الطبي : الكشاف هذا تمثيل وتخيل مبالغة فى فقدان من درج والقطع خيره ، وكذلك ما روى
عن ابن عباس من بكاء مصلى المؤمن وآثاره فى الأرض ومصاعد عمله ومهابط رزقه فى السماء تمثيل، ونفى ذلك
فى قوله تعالى: ﴿ فما بكت عليهم السماء والأرض - الدخان: ٢٩ ) تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده،
فيقال: فيه بكت عليه السماء والأرض - انتهى. وهو مخالف لظاهر الآية والحديث، ولا وجه العدول لمجرد
٤٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ -كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
فذلك قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض). رواه الترمذى
١٧٤٩ - (١٤) وعن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه وَثّل: من كان له فرطان من أمتى أدخله
الله بهما الجنة، فقالت عائشة: فمن كان له فرط من أمتك؟ قال: ومن كان له فرط يا موفقة!
فقالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: فأنا فرط أمتى، لن يصابوا بمثلى. رواه الترمذى،
مخالفته لظاهر العقول، كذا فى المرقاة (فذاك) أى مفهوم الحديث أو مصداقه (قوله تعالى) فى سورة الدخان
(فما بكت عليهم السماء والأرض) بقية الآية: ﴿ وما كانوا منظرين - الدخان: ٢٩﴾ قال ابن كثير: أى لم تكن
لهم أعمال صالحة تصعد فى أبواب السماء، فبكى على فقدهم ، ولا لهم فى الأرض بقاع عبدوا اللّه تعالى فيها فقدتهم
فلهذا استحقوا أن لاينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم (رواه الترمذى) فى تفسير سورة
الدخان ، وقال: حديث غريب، وأخرجه أبو يعلى وابن أبى حاتم وغيرهما ، وفى سنده عندهم موسى بن عبيدة
الربذى ويزيد بن إبان الرقاشى قال الترمذى: يضعفان فى الحديث - انتهى. وفى الباب عن شريح بن عبيد الحضرمى
مرسلا مرفوعاً عند ابن جرير، وعن على عند ابن أبى حاتم، وعن ابن عباس عند ابن جرير موقوفاً من قولهما ،
ذكر ذلك ابن كثير فى تفسيره .
١٧٤٩ - قوله (من كان له فرطان) بفتحتين أى ولد ان لم يبلغا أو إن الحلم بل ماتا قبله، يقال: فَرَطَ
إذا تقدم وسبق فهو فارط . والفرط هنا الولد الذى مات قبله، فانه يتقدم ويهيىء لوالديه نزلا ومنزلا فى الجنة ،
كما يتقدم فراط القافلة إلى المنازل، فيعدون لهم ما يحتاجون اليه من الماء والمرعى وغيرهما. قال الطيبي: الفرط
بالتحريك من يتقدم القافلة، فيطلب الماء والمرعى، ويهيىء لهم ما يحتاجون اليه فى المنزل ، فعل بمعنى فاعل يستوى
فيه الواحد والجميع مثل تمع وتابع. المعنى الطفل المتوفى بتقدم والديه، فيهى. لهما فى الجنة منزلا ونزلا ، كما
يتقدم فراط القافلة، فيعدون لهم ما يفتقرون اليه من الأسباب، ويهيون لهم المنازل (من أمتى) بيان لمن (فمن
كان له فرط من أمتك) أى فما حكمه أو فهل له هذا الثواب (قال ومن كان له فرط) أى فكذلك (يا موفقة)
أى فى الخيرات وللأسئلة الواقعة موقعها شفقة على الأمة. وقيل: أى الحريصة على تعلم الشرائع. وقال الطبي:
يعنى وفقك الله تعالى للسؤال، حتى تفضل على العباد، وسهل عليهم حصول ذلك المعنى من ولد واحد، حتى
يفضل من لا ولد له بفرط مثلى، ونعم الفارط أنا (فمن لم يكن له فرط من أمتك) أى فما حاله (فأنا فرط أمتى).
أى سابقهم وإلى الجنة بالشفاعة سائقهم، بل أنا أعظم من كل فرط، فإن الأجر على قدر المشقة (لن يصابوا) أى
أمتى (بمثلى) أى بمثل مصيتى لهم، فان مصيبتى أشد عليهم من سائر المصائب، فأكون أنا فرطهم (رواه الترمذى)
٤٧٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
وقال: هذا حديث غريب.
١٧٥٠ - (١٥) وعن أبى موسى الأشعرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مات
ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدى؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟
فيقولون: نعم. فيقول. ماذا قال عبدى؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله. ابنوا لعبدى يناً
فى الجنة، وسموه بيت الحمد. رواه أحمد، والترمذى.
وأخرجه أحمد (ج ١ ص ٣٣٤ - ٣٣٥) والبيهقى (وقال هذا حديث غريب) فى نسخ الترمذى الموجودة عندنا: هذا
حديث حسنٌّ غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة - انتهى.
قات: عبد ربه هذا قال فى تهذيب التهذيب فى ترجمته. قال: أحمد ما به بأس، وأثنى عليه عمرو بن على الفلاس خبرا،
وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال النسائى: ليس بالقوى. وقال ابن معين: ليس بشىء. وقال فى التقريب: إنه صدوق
يخطىء، فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن، والله تعالى أعلم.
١٧٥٠ - قوله (إذا مات ولد العبد) أى المؤمن (قال الله تعالى لملائكته) أى ملك الموت وأعوانه
(قبضتم) بتقدير الاستفهام (ولد عبدى) أى روحه فيقول (قبضتم ثمرة فؤاده) أى يقول ثانيا أظهارالكمال الرحمة
كما أن الوالد العطوف يسأل الفصاد ، هل فمدت ولدى، مع أنه بأمره ورضاه. قيل: سمى الولد ثمرة
فؤاده، لأنه نتيجة الأب كالثمرة للشجرة (واسترجع) أى قال إنا لله وإنا اليه راجعون (وسموه بيت الحمد)
قال القارى: أضاف البيت إلى الحمد الذى قاله عند المصيبة، لأنه جزاء ذلك الحمد . قال الطبي: مرجع السؤال إلى
تنبيه الملائكة على ما أراد الله تعالى من التفضل على عبده الحاضر لأجل تصبره على المصائب أو عدم تشكيه بل
إعداده إياما من جملة النعماء التى تستوجب الشكر عليها، ثم استرجاعه وأن نفسه ملك الله، واليه المصير فى العاقبة.
قال أولا ولد عبدى أى فرع شجرته ثم ترقى إلى ثمرة فؤاده أى نقاوة خلاصته فان خلاصة الانسان الفؤاد ،
والفؤاد إنما يعتد به لما هو مكان اللطيفة التى خلق لها وبها شرفه وكرامته، فحقيق لمن فقد مثل تلك النعمة الخطيرة
وتلقاها بمثل ذلك الحمد، أن تكون محموداً حتى المكان الذى يسكن فيه، ولذلك سمى بيت الحمد، والله أعلم -
انتهى (رواه أحمد) (ج ٤ ص ٤١٥) (والترمذى) واللفظ له ولفظ أحمد: قال اللّه تعالى: يا ملك الموت
قبضت ولدى قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم، قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال ابنوا له
بيتا فى الجنة، وسموه بيت الحمد. والحديث أخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه، والبيهقى وحسنه الترمذى.
٤٧٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
١٧٥١ - (١٦) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عزى
مصابا، فله مثل أجره. رواه الترمذى، وابن ماجه، وقال الترمذى: هذا حديث غريب، لا نعرفه
مرفوعا إلا من حديث على بن عاصم الرأوى، وقال: رواه بعضهم عن محمد بن سوقة بهذا
الاسناد موقوفا .
١٧٥١ - قوله (من عزى) من التعزية أى سلى (مصابا) أى بأى شىء كان أعم من فقد الولد وغيره.
قال القارى: من عزى مصابا أى ولوبغير موت بالمأتى لديه أو بالكتابة اليه بما يهون المصيبة عليه ويحمله على
الصبر بوعد الأجر أو بالدعاء له بنحو أعظم الله لك الأجر والهمك الصبر، ورزقك الشكر (فله) أى للعزى
(مثل أجره) أى نحو المصاب على صبره، لأن الدال على الخير كفاعله وقيل: إن من حمله على العزاء بالمد وهو
الصبر فله لأجل هذه التعزية ثواب مثل ثواب المصاب لأجل صبره فى المصيبة (رواه الترمذى وابن ماجه)
وأخرجه البيهقى فى السنن ( ج ٤ ص ٥٩) كلهم من طريق على بن عاصم عن محمد بن سوقة عن إبراهيم عن الأسود
عن عبد الله، وأخرجه أيضا الحاكم والخطيب وغيرهما من طرق عن ابن سوقة (وقال الترمذى: هذا حديث
غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث على بن عاصم) وقال البيهقى: تفرد به على بن عاصم، وهو أحد ما أنكر عليه
واعترض عليه بأنه قد تابعه عن ابن سوقة عبد الحكيم بن منصور وشعبة وإسرائيل ومحمد بن الفضل بن عطية
وعبد الرحمن بن مالك بن مغول والحرث بن عمران وغيرهم، لكن قال الخطيب ليس شيء منها ثابتا، ولذلك قال
الزركشى فى تخريج أحاديث الرافعى، وهذه المتابعات لا ترد على البيهتى لضعف أسانيدها (الراوى) بسكون الياء
وعلى بن عاصم هذا هو على بن عاصم بن صهيب الواسطى، أبو الحسن التيمى مولاهم، صدوق يخطىء ويصرّ مات سنة
(٢٠١) وقد جاوز التسعين كذا فى التقريب وسيأتى ذكر شىء من الكلام عليه فى شرح كلام الترمذى الآتى(وقال)
أى الترمذى (رواه بعضهم عن محمد بن سوقة) بضم المهملة، الغنوى الكوفى، ثقة مرضى عايد (بهذا الاسناد
موقوفاً) أى على ابن مسعود. وتمام كلام الترمذى: ويقال: أكثر ما ابتلى به على بن عاصم ، بهذا الحديث نقموا
عليه. وقال الخطيب: هذا الحديث مما أنكره الناس على على بن عاصم ، وكان أكثر كلامهم فيه بسبيه. وقال
يعقوب بن شيبه: هذا حديث كوفى منكر، يرون أنه لا أصل له، لا نعلم أحدا أسنده، ولا أوقفه غير على بن
عاصم ، وقد رواه أبو بكر النهشلى، وهو صدوق ضعيف الحديث عن محمد بن سوقة فلم يجاوز به محمدا ، وقال :
يرفع الحديث، قال يعقوب وهذا الحديث من أعظم ما أنكره الناس على على بن عاصم، وتكلموا فيه مع
ما أتكر عليه سواه - انتهى. ويحكى عن أبى داود قال: عاتب يحيى بن سعيد القطان على بن عاصم فى وصل هذا
٤٧٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
الحديث ، وإنما هو عندهم منقطع. وقال: إن أصحابك الذين سمعوه معك لا يسندونه، فأبى أن يرجع. والحديث
أورده ابن الجوزى. فى الموضوعات، وقال تفرد به على بن عاصم عن محمد بن سوقة، وقد كذبه شعبة ويحيى
ابن معين ويزيد بن هارون. قال السيوطى فى تعقباته (ص ٢٤ - ٢٥): أخرجه الترمذى وابن ماجه من طريقه.
وقال الترمذى: أكثر ما ابتلى به على بن عاصم، بهذا الحديث نقموا عليه. وقال الذهبي: أبلغ ما شنع به عليه
هذا الحديث ، وهو مع ضعفه صدوق فى نفسه، وله صورة كبيرة فى زمانه، وقد تابعه على هذا الحديث ضعفاء،
وقد وثقه جماعة، فقال يعقوب بن شيبة: كان من أهل الدين والصلاح والخير البارع ، وكان شديد التوقى ، أنكر
عليه كثرة الغلط مع تماديه على ذلك. وقال وكيع ما زلنا نعرفه بالخير فخذوا الصحاح من حديثه، ودعوا
الغلط . وقال أحمد بن حنبل: أما أنا فأحدث عنه، كان فيه لجاج ولم يكن متهما . وقال الفلاس صدوق. وقد
أخرجه الحاكم والبيهقى فى الشعب من طريق معمر عن ابن سوقة ، وأخرجه البيهقى أيضا من طريق عبد الحكيم بن
منصور الخزاعى عن ابن سوقة. وعبد الحكيم من رجال الترمذى، وهو ضعيف أيضا، وأخرجه ابن أبى الدنيا
فى العزاء من طريق عبد الرحمن بن مالك بن مغول عن ابن سوقة، وعبد الرحمن متروك. وقال الخطيب: تابع على
ابن عاصم على هذا الحديث جماعة، منهم الحارث بن عمران الجعفرى: وقال الحافظ فى تخريج أحاديث الرافعى
كل المتابعين له أضعف منه بكثير ، وليس فيها رواية يمكن التعلق بها إلا طريق إسرائيل، فقد ذكره صاحب
الكمال من طريق وكيع عنه. ولم أقف على إسنادها بعد - انتهى. وقال الصلاح العلائى: على بن عاصم أحد
الحفاظ المكثرين، ولكن له أوهام كثيرة تكلموا فيه بسببها ، ومن جملتها هذا الحديث، وقد تابعه عليه عن ابن
سوقة، عبد الحكيم بن منصور، لكنه ليس بشىء. قال فيه ابن معين والنسائى: متروك وقد رواه إبراهيم بن
مسلم الخوارزمى عن وكيع عن قيس بن الربيع عن محمد بن سوقة، وإبراهيم بن مسلم هذا ذكره ابن حبان فى
الثقات، ولم يتكلم فيه أحد، وقيس بن الربيع صدوق متكلم فيه، لكن حديثه يؤيد رواية على بن عاصم ، ويخرج
به عن أن يكون ضعيفا واهيا فضلا عن أن يكون موضوعا - إنتهى. وقال الزركشى فى تخريج أحاديث الرافعى
بعد ذكر المتابعات المذكورة: وهذا كله يرد على ابن الجوزى حيث ذكر الحديث فى الموضوعات - إنتهى. وللحديث
شواهد : منها حديث جابر بهذا اللفظ ، وهو أضعف منه، رواه ابن عدى وابن أبى الدنيا من طريق محمد بن
عبد الله العزى عن أبى الزبير عن جابر، وأورده ابن الجوزى فى الموضوعات، وأعله بالعزرمى، ومنها حديث
عمرو بن حزم مرفوعا: ما من مؤمن يعزى أخاه بمصيته إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة،
أخرجه ابن ماجه، وحسنه النووى ومنها حديث أبي برزة الآتى ، هذا. وقد بسط السيوطى الكلام على حديث ابن
٤٧٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
١٧٥٢ - (١٧) وعن أبي برزة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ من عزى ثكلى كسى
برداً فى الجنة. رواه الترمذى، وقال: هذا حديث غريب.
١٧٥٣ - (١٨) وعن عبد الله بن جعفر، قال: لما جاء نعى جعفر، قال التى صلى اللّه عليه وسلم:
اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم ما يشغلهم.
مسعود فى اللآلى المصنوعة (ج ٢ ص ٢٢٥ - ٢٢٦). من أحب الاطلاع عليه رجع اليه .
١٧٥٢ - قوله (من عزى ثكلى) بفتح المثلثة مقصوراً أى المرأة التى فقدت ولدها (كى) بصيغة
المجهول (برداً) بضم الياء أى ثوبا عظيما مكافأة له على تعزيتها. قال المناوى فى شرح الجامع الصغير : لا يعزى المرأة
الشابة إلا زوجها أو محرمها (رواه الترمذى، وقال هذا حديث غريب) وليس إسناده بالقوى، لأن فيه مُمنيةً
ابنة عيد بن أبى برزة وهى مجهولة قال الحافظ فى التقريب: لا يعرف حالها.
١٧٥٣ - قوله (وعن عبد الله بن جعفر) أى ابن أبى طالب (لما جاء نعى جعفر) بفتح النون وسكون
العين أى خبر موته بموتة، وهى موضع عند تبوك، سنة ثمان (اصنعوا لآل جعفر طعاما) فيه أنه ينبغى للأقربا.
أن يرسلوا إلى أهل الميت طعاما لاشتغالهم عن أنفسهم بمأدهمهم من المصيبة. قال الترمذى. وقد كان بعض أهل
العلم يستحب أن يوجه إلى أهل الميت بشىء لشغلهم بالمصيبة، وهو قول الشافعى (ما يشغلهم) بفتح الياء والغين.
وقيل: بضم الأول وكسر الثالث. قال فى القاموس: شغله كمنعه شغلا ويضم، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو
رديئة . والمعنى جاءهم ما يمنعهم من الحزن تهيئة الطعام لأنفسهم، فيحصل لهم الضرر وهم لا يشعرون. قال
الطبى: دل على أنه يستحب للأقارب والجيران تهيئة طعام لأهل الميت - إنتهى. قال ابن العربى فى شرح الترمذى:
والحديث أصل فى المشاركات عند الحاجة، وصححه الترمذى. والسنة فيه أن يصنع فى اليوم الذى مات فيه، لقوله مؤ لّ
((فقد جاءهم ما يشغلهم عن حالهم ، محزن موت وليهم اقتضى أن يتكلف لهم عيشهم)) وقد كانت للعرب مشاركات
ومواصلات فى باب الأطعمة باختلاف أسباب وفى حالات جماعها - انتهى. قال القارى: والمراد طعام يشبعهم
يومهم وليلتهم، فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم، ثم إذا صنع لهم ماذكر
سن أن يلح عليهم فى الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط جزع ـ انتهى. وقال ابن الهمام: ويستحب
لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام يشبعهم يومهم ولياتهم، لقوله مؤلّم: «اصنعوا لآل جعفر
طعاما)) وقال: يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت، لأنه شرع فى السرور لا فى الشرور، وهى بدعة مستقبحة -
إنتهى . وقال القارى: واصطناع أهل الميت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة، بل صح عن جرير
٤٨٠