Indexed OCR Text

Pages 181-200

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
نافعا. رواه البخارى.
١٥١٤ - (٥) وعن أنس، قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، قال: الخبر
رسول الله صلى الله عليه وسلم نوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لِمَ صنعت هذا؟
قال: لأنه حديث عهد بربه. رواه مسلم.
ينزل ويقع ، وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتكثير، فدل على أنه نوع من المطر شديد هائل ولذا تممه
بقوله نافعا صيانة عن الاضرار والفساد، وهو منصوب بفعل مقدر أى اجعله، كما فى رواية النسائى وابن ماجه
والبيهقي أو أسقنا أو أسألك. وقيل: على الحال أى أنزله علينا حال كونه صيبا أى مطراً (نافعا) صفة للصيب.
ليخرج بذلك الصيب الضار أوما لا يترتب عليه نفع أعم من أن يترتب عليه ضرر أم لا. قال فى المصابيح: وهذا
أى قوله صيبا نافعا كالخبر الموطىء فى قولك زيد رجل فاضل إذ الصفة هى المقصودة بالاخبار بها ولولا هى لمتحصل
الفائدة هذا إن بنينا على قول ابن عباس إن الصيب هو المطر وإن بنينا على أنه المطر الكثير كما نقله الواحدى
فكل من صيبا ونافعا مقصود، والاقتصار عليه محصل للفائدة - انتهى. وفى الحديث دليل على استحباب الدعاء
المذكور عند نزول المطر للازدياد من الخير والبركة. وفى رواية ابن ماجه والبيهقى والنسائى فى عمل اليوم والليلة:
هنيئا بدل نافعا. وفى رواية ابن أبى شيبة، وكذا فى رواية لابن ماجه: سيبا نافعا بفتح السين المهملة واسكان الياء
مصدر بمعنى الفاعل صفة محذوف أى اجعله مطزاً جاريا، من ساب المطريسيب سيبا إذا جرى، وذهب كل مذهب،
وقيل السيب العطاء (رواه البخارى) فى الاستسقاء، وأخرجه أيضا أحمد والنسائى فى السنن، وفى عمل اليوم الليلة
وابن ماجه فى الدعاء والبيهقى (ج ٣ ص ٣٦١) وابن أبي شيبة .
١٥١٤ - قوله (فحسر رسول الله مَفى ثوبه) أى كشف بعض ثوبه عن بدنه (لم صنعت هذا) أى
ما الحكمة فيه (قال لأنه) أى المطر الجديد (حديث عهد بربه) أى جديد النزول بأمر ربه أو بايجاد ربه وتكوينه
إياه، يعنى أن المطر رحمة، وهى قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها، وفيه دليل على أنه يستحب عند أول
المطر أن يكشف بدنه ليناله المطر لذلك. وقال النور بشتى: أراد أنه قريب عهد بالفطرة وأنه هو الماء المبارك
الذى أنزله الله من المزن ساعتئذ فلم تمسه الأيدى الخاطئة ولم تكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله. قال المظهر:
فيه تعليم لأمته أن يتقربوا ويرغبوا فيما فيه خير وبركة - انتهى. ويسن الدعاء وطلب الاجابة عند نزول المطر،
كما فى حديث سهل بن سعد وحديث أبي أمامة رواهما البيهقى (ج ٣ ص ٣٦٠) (رواه مسلم) فى الاستسقاء،
وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود فى الدعاء والبيهقى (ج ٣ ص ٣٥٩).
١٨١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
( الفصل الثانى )
١٥١٥ - (٦) عن عبد الله بن زيد، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى، فاستسقى
وحول رداءه حين استقبل القبلة، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على
عاتقه الأيمن، ثم دعا الله. رواه أبو داود.
١٥١٦ - (٧) وعنه، أنه قال: استسقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعليه خميصة له سوداء،
فأراد أن يأخذ أسفلها، فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقيه.
١٥١٥ - قوله (لجعل عطافه) بكسر العين المهملة أى طرف رداء، (الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل
عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن) قال فى المجمع العطاف والعطف الرداء سمى عطانا لمفوعه على عطفى الرجل
وهما ناحيتا عنقه إنما أضاف العطاف إلى الرداء لأنه أراد أحد شقى العطاف فالهاء ضمير الرداء ويجوز أن يكون
للنبي صلى الله عليه وسلم ويريد بالعطاف جانب الرداء وطرفه (ثم دعا الله) أى لرفع القحط ونزول الغيث. وفى
الحديث بيان المراد من تحويل الرداء وهو أن يجعل الأيمن منه أيسر والأيسر منه أيمن وليس فيه ذكر الصلاة وهو
محمول على نسيان الراوى أو أنه اختصره (رواه أبو داود) وسكت عنه وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٣ ص ٣٥٠)
من طريق أبي داود .
١٥١٦ - قوله (وعليه خيصة) أى كساء أسود مربع له علمان فى طرفيه من صوف وغيره فان لم يكن
معلما فليس بخميصة (له) أى للنبى مؤلّ (سوداء) صفة لخيصة، وفيه تجريد. وقال الجزرى فى النهاية: الخيصة
تُوبه خز أو صوف معلم. وقيل: لا تسمی خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة و کانت من لباس الناس قديما وجمعها
الخمائص ـ انتهى. (فلا ثقلت) أى الخميصة يعنى عسر عليه جعل أسفلها أعلاها (قابها) أى الخميصة بتخفيف اللام.
وقيل: بتشديدها (على عاتقيه) بأن جعل جانبها الأيمن على عاتقه الأيسر، والجانب الأيسر على عاتقه الأيمن.
قال الطحاوى بعد رواية الأحاديث التى فيها ذكر صفة قلب الرداء ما لفظه: ففى هذه الآثار قلبه لرداءه وصفة قلب
الرداء كيف كان وإنه إنما جعل ما على يمينه منه على يساره وما على يساره على يمينه لما ثقل عليه أن يجعل أعلاه
أسفله وأسفله أعلاه فكذلك نقول ما أمكن أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه فقله كذلك هو وما لا يمكن
ذلك فيه حوله لجعل الأيمن منه أيسر والأيسر منه أيمن - انتهى. قلت: اختلفوا فى حكم التنكيس (وهو أن يجعل
١٨٢

مرعاة المفاتيح جٍ .
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
رواه أحمد، وأبو داود.
١٥١٧ - (٨) وعنه عمير مولى آبى اللحم، أنه
أسفله أعلاه) فقال الجمهور مالك وأحمد باستحباب التحويل فقط، وروى ذلك عن أبان بن عثمان وعمر بن
عبد العزيز وهشام بن اسماعيل وأبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وكان يقول به الشافعى ثم رجع فاستحب فعل
ماهم به صلى الله عليه وسلم من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف، وتقدم مذهب الحنفية فى كلام الطحاوى،
وزعم القرطبي كغيره إن الشافعى اختار فى الجديد تنكيس الرداء لاتحويله والذى فى كتاب الأم أنه اختار التنكيس
مع التحويل. قال الحافظ فى الفتح: ولا ريب أن الذى استحبه الشافعى أحوط ـ انتهى. وذلك لأنه اختار الجمع
بين التحويل والتنكيس كما تقدم وإذا كان مذهبه ما ذكره عنه القرطبى فليس بأحوط، واستدل الجمهور بحديث
العطاف. قال ابن قدامة: وفى حديث أبى هريرة نحو ذلك والزيادة التى نقلوها (يعنى فى التكيس) إن ثبتت فهى
ظن الراوى لا يترك لها فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نقل تحويل الرداء جماعة لم ينقل أحد منهم أنه
جعل أعلاه أسفله ويبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك فى جميع الأوقات لثقل الرداء - انتهى.
قلت : الزيادة المذكورة لا تنحط عن درجة الحسن بل هى صحيحة وهى اخبار عن مشاهدة، وفيها الجمع بين
الروايات، فالأحوط عندنا هو ما ذكره الشافعى فى الأم من استحباب التنكيس مع التحويل والله تعالى أعلم
(رواه أحمد) (ج ٤ ص ٤١ - ٤٢) (وأبو داود) وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١ ص ٣٢٧) والبيهقى (ج ٣
ص ٣٥١) وأبو عوانة وابن حبان، وأخرجه النسائى مختصراً أى إلى قوله وعليه خميصة سوداء، والحديث قد
سكت عنه أبو داود والمنذرى. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وقال : فى الالمام :
إسناده على شرط الشيخين.
١٥١٧ - قوله (وعن عمير) بالتصغير مولى آبى اللحم الغفارى صحابي شهد خيبر مع مولاه وعاش إلى
نحو السبعين (مولى آي اللحم) بألف ممدودة اسم فاعل من أبى بمعنى امتنع. قال الحافظ: آبى اللحم بالمد بلفظ اسم
الفاعل من الاباء، صحابى مشهور غفارى، يقال إن اسمه خلف ، وقيل غير ذلك، شهد حنينا، ومعه مولاه
عمير، وإنما لقب بآبى اللحم، لأنه كان يأبى أن يأكل اللحم مطلقا. وقيل: لأنه كان لا يأكل ما ذبح
للأصنام فى الجاهلية . قال ابن عبد البر: هو من قدماء الصحابة وكبارهم ولا خلاف أنه شهد حنينا وقتل بها.
قيل: هو الذى يروى هذا الحديث ولا يعرف له حديث سواه. قال الحافظ فى تهذيب التهذيب فى ترجمة آبى
اللحم له عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث واحد فى الاستسقاء روى عنه عمير مولاه ( أنه ) الضمير العمير
١٨٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
رأى النبي صلى الله عليه وسلم يستسقى عند أحجار الزيت، قريبا من الزوراء قائما يدعو يستسقى،
رافعاً يديه قِبَل وجهه لا يجاوز بهما رأسه. رواه أبو داود، وروى الترمذى، والنسائى نحوه.
(رأى النبى مَّ يستسقى عند أحجار الزيت) قال ياقوت الحموى: موضع بالمدينة، قريب من الزوراء، وهو موضع
صلاة الاستسقاء. وقال العمرانى: أحجار الزيت موضع بالمدينة داخلها. وقال القارى: موضع بالمدينة من الحرة سمى
بذلك لسواد أحجاره كمأنها طلبت بالزيت - انتهى. (قريبا) أى حال كونه قريبا أو فى مكان قريب (من الزوراء)
بفتح الزاء المعجمة وسكون الواو موضع عند سوق المدينة مرتفع كالمنارة قرب المسجد (قائما) أى يستسقى
قائما (يدعو يستسقى) حالان أى داعيا مستسقيا (رافعا يديه) وفى رواية لأحمد: رافعا كفيه (قبل وجهه) بكسر
القاف وفتح الموحدة أى قبالته (لا يجاوز بها) أى بيديه حين رفعهما (رأسه) قال القارى: لا ينافى ما مر عن
أنس أنه كان يبالغ فى الرفع للاستسقاء لاحتمال أن ذلك كان أكثر أحواله، وهذا في نادر منها أو بالعكس - انتهى.
وزاد أحمد فى روايته مقبل بياطن كفيه إلى وجهه، وهذا لا يخالف ما مر من حديثه أيضا أنه كان يشير بظهر.
كفيه إلى السماء فى الاستسقاء أى يجعل بطون يديه مما يلى الأرض، لأنه يحتمل أنه كان يفعل تارة كذا وتارة
كذا. والله تعالى أعلم. والحديث استدل به لأبى حنيفة على عدم استنان الصلاة فى الاستسقاء لأنه ليس فيه ذكر
الصلاة وقد تقدم الجواب عنه (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٢٢٣) وسكت عنه أبو داود
(وروى الترمذى والنسائى نحوه) أى معناه كلاهما عن قتيبة عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال
عن يزيد بن عبد الله عن عمير مولى آبى اللحم عن أبى اللحم أنه رأى رسول الله عز لته عند أحجار الزيت
يستسقى ، وهو مقنع بكفيه يدعو . قال الترمذى : كذا قال قتيبة فى هذا الحديث «عنآبى اللحم، ولا نعرف له عن
النبى ◌َ ◌ّه إلا هذا الحديث الواحد، وعمير مولى آبى اللحم قد روى عن النبى حز الم أحاديث، وله محبة - انتهى.
قال الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على الترمذى: هكذا روى البرمذى والنسائى عن قتيبة أنه زاد فى الاسناد ((عن
آبي اللحم)، ولكن رواه أحمد عن قية نفسه من حديث عمير مولى آبى اللحم ولم يذكر عن آبى اللحم، وذكر
الحديث فى مسند عمير فاعل قتيبة لم يحفظ هذا الحديث جيداً فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا وقد أخطأ فى
إسناده خطأ آخر إذ جعل الرواية عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عمير مباشرة، والصواب أن يزيد رواه عن
محمد بن ابراهيم التيمى عن عمير كما فى رواية أحمد وأبي داود من طريق حيوة وغمرين مالك عن ابن الهاد - انتهى.
قلت: ورواه الحاكم (ج ١ ص ٣٢٧) من طريق يحيى بن بكير عن الليث بجعله من حديث عمير مولى آبى اللحم
ولم يذكر « عن آبى اللحم، وقال صحيح الاسناد ، وعمیر مولی آبى اللحم له صحبة - انتهى. وهذا يؤيد أن الحديث
١٨٤
2

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
١٥١٨ - (٩) وعن ابن عباس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنى فى الاستسقاء -
متبذلا، متواضعا، متخشعا، متضرعا. رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه.
من مسند عمير لا من مسند مولاه آبى اللحم، وأن قنية لم يحفظه جيداً، ووافق الذهبى الحاكم فى تصحيح الحديث
لكن زاد فى السند لفظ ((عن آبى اللحم)، وروى أحمد (ج ٤ ص ٣٦) وأبو داود من طريق شعبة عن عبد ربه
ابن سعيد عن محمد بن ابراهيم قال أخبرنى من رأى النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عند أحجار الزيت باسطا كفيه.
اللفظ لأبي داود. قال الحافظ فى مبهمات التقريب، وتهذيب التهذيب: محمد بن ابراهيم التيمى أخبر نى من رأى.
النبي ◌َّ عند أحجار الزيت، هو عمير مولى آبى اللحم - انتهى. وهذا أيضا يرجح كون الحديث من مسند عمير
لا من مسند مولاه آنى اللحم .
١٥١٨ - قوله (يعنى في الاستسقاء) أى يريد ابن عباس إنه عليه الصلاة والسلام خرج إلى المصلى فى
الاستسقاء وهو من كلام البغوى وأول الحديث قال اسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة أرسلنى الوليد بن
عتبة وكان أمير المدينة إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الاستسقاء فأتيته فقال
خرج رسول الله تَّة (متبذلا) بمثناة فوقية ثم موحدة ثم ذال معجمة أى لابسا ثياب البذلة تاركا لثياب الزينة
تواضعا لله تعالى وإظهاراً للحاجة. قال فى النهاية: التبذل ترك التزين والتهيىء بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة
التواضع (متواضعا) فى الظاهر (متخشعا) فى الباطن. وقال الشوكانى، قوله: متختعا أى مظهراً للخشوع ليكون
ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل ، زاد فى رواية ابن ماجه والحاكم، وكذا فى رواية لأحمد (ج ١
ص٢٣٠) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٤٤) مترسلا أى متأنيا غير مستعجل فى مشيه يقال ترسل الرجل فى كلامه ومشيه
إذا لم يسجل (متضرعا) أى مظهراً للضراعة، وهى التذلل عند طلب الحاجة والمبالغة فى السؤال والرغبة، ووقع عند
أبىداود فما روى عن عثمان بن أبى شيبة حتى أتى المصلى فرقى على المنبر، وكذا وقع ذكر الجلوس على المنبر عند
النسائى من رواية أبى جعفر محمد بن عبيد بن محمد النحاس الكوفى المحاربى، وعند البيهقى من رواية أبى ثابت محمد
ابن عيد اللّه بن محمد المدنى، ووقع عند الثلاثة، وكذا عند الترمذى وغيره فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن
لم يزل فى الدعاء والتضرع والتكبير وصلى ركعتين كما كان يصلى فى العيدين، ولفظ أبي داود: ثم صلى ركعتين كما
يصلى فى العيد، وقد تقدم الكلام على معناه (رواه الترمذى) إلخ وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٢٣٠، ٢٦٩
و ٣٥٥) وأبو عوانة وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٣٢٦) والدارقطى والبيهقى (ج ٣ ص ٣٤٤) وصححه
الترمذى وأبو عوانة وابن حبان .
١٨٥

مرعاة المفاتيح ج .
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
١٥١٩ - (١٠) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان النبى مفز اذا استسقى قال:
اللهم اسق عبادك وبهيمتك ، وانشر رحمتك، وأحى بلدك الميت. رواه مالك، وأبوداود.
١٥٢٠ - (١١) وعن جابر، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بواكى.
١٥١٩ - قوله (عن أبيه) شعيب ( عن جده ) عبد الله بن عمرو بن العاص (كان النبي صلى الله عليه
وسلم اذا استسقى) أى طلب الغيث عند الحاجة (قال ) أى فى دعاءه ( اللهم اسق ) بهمزة الوصل والقطع
( عبادك ) من الرجال والنساء والعبيد والاماء والصغير والكبير، وفى الاضافة اليه تعالى مزيد الاستعطاف
(وبهيمتك) أى بها تمك من جميع دواب الأرض وحشراتها. قال فى القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم،
ولو فى الماء، أوكل حى لا يميز - انتهى. وهذا لفظ مالك فى الموطأ، وعند أبى داود: وبها ئمك بلفط الجمع
( وانشر) بضم الشين أى ابسط وعم (رحمتك) أى المطر ومنافعه وبركاته، قال تعالى ( وهو الذى ينزل الغيث
من بعد ما قنطوا وينشر رحمته - الشورى: ٢٨﴾ (واحى) أمر من الاحياء (بلدك الميت) بتشديد الياء أى بانبات
الأرض بعد موتها أى جدبها ويبسها كأنه تلميح إلى قوله تعالى ﴿فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحى الأرض
بعد موتها - الروم: ٥٠) وإلى قوله ﴿ والله الذى أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به
الأرض بعد موتها - فاطر: ٩) وإلى قوله ﴿وأحينا به بلدة مينا - ق: ١١) قال الطبى: يريد به بعض
البلاد المبعدين عن مظان الماء الذى لا ينبت فيها عشب للجدب فسماه ميتا على الاستعارة ثم فرع عليه الاحياء.
والحديث دليل على استحباب الدعاء بما اشتمل عليه عند الاستسقاء (رواه مالك وأبوداود) ظاهر هذا أنهما
روياه موصولا، وليس كذلك فان حديث مالك مرسل. قال الزرقانى: رواه مالك وجماعة عن يحيى بن سعيد عن
عمروبن شعيب عن أبيه أن رسول اللّه ◌َوَّل مرسلا، ورواه آخرون عن يحيى عن عمرو عن أبيه عن جده مسنداً منهم
الثورى عند أبى داود - انتهى. قلت: وأخرجه البيهقى (ج ٣ ص ٣٥٦) من طريق عبد الرحيم بن سليمان الأشل
عن الثورى موصولا. قال الحافظ فى التلخيص (ص ١٥١) ورجح أبو حاتم ارساله - انتهى.
١٥٢٠- قوله (رأيت رسول الله يفهم بواكى) بضم الياء المثناة تحت وآخره همزة بصيغة المضارع من
المواكأة، هكذا وقع فى جميع النسخ من المصابيح والمشكوة، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول ( ج ٧
ص ١٤٠) وهكذا ذكره الخطابى فى معالم السنن (ج ١ ص ٢٥٤) ثم فسره فقال معناه: يتحامل على يديه إذا
رفعهما ومدهما فى الدعاء، ومن هذا التوكؤ على العصا وهو التحامل عليها - انتهى. قال القارى: المواكأة
والتوكؤ والاتكاء الاعتماد ، والتحامل على الشىء فى النهاية أى يتحامل على يديه أى يرفعهما ويمدهما فى الدعاء ومنه
١٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
فقال: اللهم اسقنا غيثا مفينا، مرينا، مريعا،
التوكؤ على العصا، وهو التحامل عليها، هكذا قال الخطابى فى معالم السنن، والذى جاء فى سنن أبي داود ((بواكى))
بالباء الموحدة هكذا جاء فى الكتاب فيما قرأناه، وبحثت عنه فى نسخ أخرى فوجدته كذلك ـ انتهى. قلت: وهكذا
وقع بالباء الموحدة المفتوحة عند الحاكم فى المستدرك أى جاءت عند التى عرفته نفوس باكية أو نساء باكيات
لانقطاع المطر عنهم ملتجئة اليه . قال فى فتح الودود: هذه هى الرواية المعتمدة فى سنن أبي داود وقد صحف كثير
منهم نسخ السنن بوجوه متعددة لا يظهر لبعضها معنى صحيح - انتهى. وقال المنذرى: هكذا وقع فى روايتنا وفى
غيرها. مما شاهدناه ((بوا كثى، بالباء الموحدة المفتوحة، وذكر الخطابى قال: رأيت النبى عم ◌ّ يواكثى بضم الياء باثنتين
من تحتها - انتهى. قال الحافظ فى التلخيص: وقد تعقبه النووى فى الخلاصة وقال وهذا الذى أدعاه الخطابى لم تأت به
الرواية ولا الحصر الصواب فيه بل ليس هو واضح المعنى، وصحمح بعضهم ما قال الخطابي. قال الحافظ: وقدرواه البزار
بلفظ: يزيل الاشكال، وهو عن جابر أن بواكى أتوا النبى مدة وقد أعله الدار قطنى فى العلل بالارسال، وقال رواية
من قال عن زيد الفقيرمن غير ذكر جابر أشبه بالصواب ، و کذا قال أحمد بن حنبل كما فى البيهقى (ج٣ ص ٣٥٥)
وجرى النووى فى الأذكار على ظاهره فقال صحيح على شرط مسلم - انتهى. قلت: وفى رواية للبيهقى أتت النبي
صلى الله عليه وسلم هوازن بدل بوا كى (اللهم أسقنا) بالوصل والقطع ( غيثا) أى مطراً يغيئنا من الجدب فقوله
(مغيثا ) بضم الميم تأكيداً وتجريداً وأريد به المنقذ من الشدة على ما فى النهاية. قال الطيبي: عقب الغيث وهو
المطر الذى يغيث الخلق من القحط بالمغيث على الاسناد المجازى وإلا فالمغيث فى الحقيقة هو الله سبحانه - أنتهى.
وقال القارى: مغيثا بضم أوله أى معينا من الاغاثة بمعنى الاعانة ، وقيل أى مشبعا ( مريشا) بفتح الميم وبالمد
وبالهمز أى هنيئا محمود العاقبة لا ضرر فيه من الغرق والهدم فى النهاية مرأتى الطعام وامرأتى إذا لم يثقل على
المعدة وانحدر عنها طيبا، وقيل بفتح الميم وتشديد الياء بغير همن أبدلت الهمزة ياء ثم أدغمت ، وقيل هو ناقص
ومعناه كثيراً غزيراً المرى والمرية الناقة الغزيرة الدر من المرى وهو الحلب. قال التوربشتى فى شرح المصابيح:
مريئا أى صالحا كالطعام الذى يمرأ، ومعناه الخلو عن كل ما ينقصه كالهدم والغرق، ويحتمل أن يكون بغير همزة
ومعناه مدراراً من قولهم ناقة مرى أى كثير اللبن ولا أحققه رواية - انتهى. (مريعا) بفتح الميم وسكون التحتية
أى ذا مراعة، وهى الخصب فعيل من مرع الأرض بالضم مراعة أى صارت كثيرة الماء والنبات، وقيل بضم
الميم وسكون التحتية أى أسقنا غيثا كثير التماء ذا ريع من اراعت الابل إذا كثرت أولادها، ويقال راع الطعام
واراع إذا صارت له زيادة فى العجين والخبز، وروى مربعاً بضم الميم وكسر الباء الموحدة أى منبتا للربيع وهو
النبات الذى يرعاه الشاء فى الربيع من أربع الغيث إذا أنبت الربيع، وقيل معناه مقيما للناس مغنيا لهم عن
١٨٧

مرعاة المفاتيح ج .
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
نافعا، غير ضار، عاجلا غير آجل، قال: فأطبقت عليهم السماء. رواه أبو داود.
ـة ( الفصل الثالث ):
١٥٢١ - (١٢) عن عائشة، قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قحوط المطر،
فأمر بمخبر، فوضع له فى المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه،
الارتياد والنجعة أى طلب الكلاً فالناس يربعون حيث شاءوا أى يقيمون ولا يحتاجون إلى الانتقال فى طلب
الكلاً للعمومه جميع البلاد من أربع بالمكان إذا أقام به، وروى مرتعا بفتح الميم وبالباء المثناة من فوق أى منبتا
ما ترقع فيه المواشى وترعاه من الرقع وهو الانساع فى الخصب فكل خصب مرقع ومنه يرقع ويلعب
(نافعا) إجمال بعد تفصيل (غير ضار) تأكيد (عاجلا) فى الحال (غير آجل) مبالغة (قال) أى جابر (فأظبقت)
على بناء الفاعل، وقيل بالمفعول (عليهم السماء) يقال أطبق إذا جعل الطبق على رأس شىء وغطاه به أى جهات
عليهم السحاب كطبق قيل أى ظهر السهاب فى ذلك الوقت وغطاهم كطبق فوق رؤسهم بحيث لا يرون السماء
من تراكم السحاب وعمومه الجوانب، وقيل: أطبقت بالمطر الدائم يقال أطبقت عليه الحمى أى دامت، وفى شرح
السنة أى ملات والغيث المطلق هو العام الواسع (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا الحاكم (ج١ ص ٣٢٧)
والبيهقى (ج ٣ ص ٣٥٥) وسكت عنه أبو داود والمنذرى، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه
الذهبي. وقال النووى: صحيح على شرط مسلم ، وتقدم أن الدار قطنى أعله فى العلل بارسال وقد رويت بعض
هده الألفاظ وبعض معانيها عن جماعة من الصحابة مرفوعة، ذكرها الشوكانى فى النيل.
١٥٢١ - قوله (قحوط المطر) بضم القاف أى حبس المطر وفقده. قال الطيبي: القحوط مصدر
كالقحط أو هو جمعه، وأضافه إلى المطر ليشير إلى عمومه فى بلدان شتى. وقال المجد فى القاموس: القحط احتباس
المطر قحط العام كمنَع وفرح وعُنى قحطا وقحِط الناس كسمع وقُحطوا وأُقحطوا بضمهما لغتان ( فأمر)
رسول الله صلى الله عليه وسلم (بمنير فوضع له فى المصلى) فيه أنه صلى الله عليه وسلم أمر باخراج المثير فى
الاستسقاء إلى المصلى، وخالفه الحنفية فقالوا لا يخرج (ووعد الناس يوما) أى عينه لهم (يخرجون فيه) أى فى
ذلك اليوم، وفيه ما يدل على أنه يحسن تقديم تبيين اليوم للناس ليتأهبوا ويتخلصوا من المظالم ونحوها ويقدموا
النوبة وهذه الأمور واجبة مطلقا إلا أنه مع حصول الشدة وطلب تفريجها من الله تعالى بتضيق ذلك. وقد ورد
فى الاسرائيليات: إن الله حرم قوما من بنى اسرائيل السقيا، لأنه كان فيهم عاص واحد. وقال الله تعالى: ﴿ولو
أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانو يكسبون -
١٨٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
قالت عائشة: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على الخبر
فكبر، وحمد اله،
الأعراف: ٩٦﴾ ولفظ الناس يعم المسلمين وغيرهم، قيل: فيشرع إخراج أهل الذمة ويعتزلون المصلى. وقال ابن
قدامة: لا يستحب إخراج أهل الذمة وإن خرجوا لم يمنعوا ويؤمروا بالانفراد عن المسلمين (حين بدأ) بالألف
لا بالهمز أى ظهر (حاجب الشمس) أى أولها أو ناحيتها. قال ميرك: الظاهر أن المراد بالحاجب ما طلع أولا
من جرم الشمس مستدقا مشبها بالحاجب. وقال فى المغرب: حاجب الشمس أول ما يبدو من الشمس، مستعار من
حاجب الوجه. وقال فى القاموس: حاجب الشمس ضوءها أو ناحيتها - انتهى. وإنما سمى الضوء حاجبا لأنه
يحجب جرمها عن الادراك، وفيه استحباب الخروج لصلاة الاستسقاء عند طلوع الشمس. قال القسطلانى بعد
ذكر حديث عائشة هذا مالفظه. وبهذا أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة فقالوا: إن وقتها وقت صلاة العيد،
والراجح عند الشافعية أنه لا وقت لها معين وإن كان أكثر أحكامها كالعيد بل جميع الليل والنهار وقت لها
لأنها ذات سبب فدارت مع سبيها كصلاة الكسوف لكن وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح الماوردى.
وابن الصلاح لهذا الحديث - انتهى. قلت: ظاهر كلام العينى فى شرح الهداية أن مذهب الحنفية التعميم فانه قال
ثم الاستسقاء لا يختص بوقت صلاة العيد ولا بغيره ولا بيوم، وقيل يختص بوقت صلاة العيد والصحيح أنه
لا يختص، وفى المدونة يصلى ركعتين ضحوة فقط. وقال ابن قدامة: ليس لصلاة الاستسقاء وقت معين إلا أنها
لا تفعل فى وقت النهى بغير خلاف قال والأولى فعلها فى وقت العيد لحديث عائشة عند أبى داود ولأنها تشبهها فى
الموضع والصفة فکذلك فی الوقت لأن وقتها لا يفوت یزوال الشمس لأنها ليس لها یوم معین فلا یکون لها وقت
معين - انتهى. وهذا الاختلاف إنما هو فى الاستسقاء الذى يكون معهوداً بالصلاة، وأما بمجرد الدعاء فلا وقت
له بلا خلاف (فقعد على المنبر) فيه استحباب الصعود على المنبر لخطبة الاستسقاء، واليه ذهب أحمد. قال ابن
قدامة: قال أبو بكر اتفقوا عن أبى عبد الله إن فى صلاة الاستسقاء خطبة وصعوداً على المنبر - انتهى. ومنعه
الحنفية، قال فى البدائع: لا يخرج المنبر فى الاستسقاء ولا يصعده لو كان فى موضع الدعاء منير، لأنه خلاف
السنة - انتهى. وحديث عائشة هذا نص فى إخراج المنبر والصعود عليه، وهو حديث متصل جيد الاسناد كما
قال أبو داود، وقد أقره المنذرى، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وابن السكن ، ويؤيده لفظ: فرقى المنبر فى
حديث ابن عباس عند أبى داود وغيره فالظاهر ما ذهب اليه أحمد ومن وافقه من استحباب إخراج المنبر والصعود
عليه لخطبة الاستسقاء وهذا بخلاف العيد فان إخراج المنبر فيه أمر منكر فقد عاب الناس على مروان عند إخراجه
المنبر فى العيدين ونسبوه إلى خلاف السنة كما تقدم ولا يخالفه ما روى البخارى وغيره أن عبد الله بن يزيد
١٨٩
١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه،
ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله
إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت اللّه، لا إله إلا أنت الغنى، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث،
واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا الى حين، ثم رفع يديه، فلم يترك الرفع حتى بدا
خرج ومعه البراء بن عازب وزيد بن أرقم فاستسقى فقام لهم على رجليه على غير منبر فاستسقى ثم صلى ركعتين.
الحديث. لأن إخراج العنبر والصعود عليه لخطبة الاستسقاء ليس واجبا ولا سنة مؤكدة فلا يكون فى تركه
الأمر باخراج المنبر وفى تركهم الافكار عليه دليل على كونه خلاف السنة (إنكم شكوتم) إلى الله ورسوله
(جدب دياركم) بفتح الجيم وسكون المهملة أى قحطها (واستيخار المطر) أى تأخره. قال الطبى: والسين البالغة
يقال استأخر الشىء إذا تأخر تأخراً بعيداً (عن إبان زمانه) بكسر الهمزة بعدها باء موحدة مشددة أى عن أول
زمان المطر والإيان أول الشىء. قال فى النهاية: قيل تونه أصلية فيكون فعالا ، وقيل زائدة فيكون فعلان من
آب الشىء يؤب إذا تهيأ للذهاب، وفى القاموس: إبان الشىء بالكر حينه أو أوله (عنكم) متعلق باستيخار
(وقد أمركم الله) فى كتابه (أن تدعوه) أى دائما خصوصا عند الشدائد. قال تعالى: (أدعونى أستجب لكم
- غافر: ٦٠) (ووعدكم أن يستجيب لكم) كما فى الآية الأولى، وفى قوله: ﴿وإذا سألك عبادي عنى فانى قريب
أجيب دعوة الداع إذا دعان - البقرة: ١٨٦﴾ (مالك يوم الدين) قال القارى: بالألف فى جميع النسخ - انتهى.
وكذا وقع فى جامع الأصول (ج ٧ ص ١٣٧) وفى سنن أبي داود: ملك يوم الدين بقصر الميم أى بلا ألف بعد
الميم، وكذا عند البيهقى قال أبو داود بعد رواية الحديث أهل المدينة يقرؤن ملك يوم الدين (بغير ألف) وأن
هذا الحديث حجة لهم - انتهى. (ونحن الفقراء) أى إلى ايجادك وامدادك (الغيث) أى المطر الذى يغيتنا من
الضرر (ما أنزلت) أى من الخير المنزل ( قوة) أى سببا لقوتنا على الطاعة (وبلاغا) أى زاداً يبلغنا (إلى حين)
أى إلى زمان طويل يعنى مده لنا مداً طويلا ليكمل ويتم انتفاعنا به. قال الطيبي: البلاغ ما يتبلغ به إلى المطلوب.
والمعنى اجعل الخير الذى أنزل علينا سببا لقوتنا ومدداً لنا مدداً طوالا، وفى بعض نسخ أبى داود ((إلى خير»
بدل (( إلى حين)) (ثم رفع يديه) أى للدعاء (فلم يترك الرفع) بل بالغ، فيه كذا فى جميع النسخ فلم يترك، وكذا
فقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ ص ١٣٧) وكذا وقع عند البيهقى. وفى أبى داود: فلم يزل فى الرفع،
وكذا وقع فى المستدرك، وكذا نقله المجد فى المنتقى والزيلعى فى نصب الراية: والحافظ فى بلوغ المرام (حتى بدأ)
١٩
٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
هام
بياض إبطيه، ثم حول الى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على
الناس ونزل، فصلى ركعتين، فأنشأ اله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت
مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: أشهد
أن اله علی کل شی. قدیر، وأنی عبد الله ورسوله. رواه أبو داود.
١٥٢٢ - (١٣) وعن أنس، أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس
أى ظهر (بياض إبطيه) فيه استحباب المبالغة فى رفع اليدين فى دعاء الاستسقاء، وقد تقدم بيانه (ثم حول إلى
الناس ظهره) فاستقبل القبلة اشارة إلى الرجوع إلى الله والانقطاع عما سواه (وقلب) بالتشديد والتخفيف
(أو حول) شك من الراوى (رداء.) فيه استحباب تحويل الرداء عند استقبال الخطيب القبلة (وهو رافع يديه)
حال من قوله حول إلى الناس ظهره، يعنى هذه الحالة كانت موجودة فى حال تحويل ظهره أيضا (ثم أقبل على
الناس) أى توجه اليهم بعد تحويل ظهره عنهم (ونزل) من المنبر (فأنشأ الله) أى أوجد وأحدث (فرعدت
ويرقت) بفتح الراء أى ظهر فيها الرعد والبرق فالنسبة مجازية (ثم أمطرت باذن الله) بالألف من الامطار، وفيه
دليل الذهب المختار الذى عليه الأكثرون، والمحققون من أهل اللغة، أن أمطرت ومطرت لغتان فى المطر، خلافا
لما قال بعض أهل اللغة أنه لا يقال أمطرت إلا فى العذاب (فلم بات) رسول الله صلى الله عليه وسلم من المحل الذى
استسق فيه من الصحراء (مجده) النبوى (حتى سالت السيول) من جميع الجوانب (فلما رأى سرعتهم) أى
سرعة مشيهم والتساسم (إلى الكن) بكسر الكاف وتشديد النون وهو ما يرد به الحر والبرد من المساكن. وقال
فى القاموس: الكن وقاء كل شىء وستره كالكنة والكتان بكسرهما والبيت والجمع أكنان وأكنة - انتهى.
(ضحك حتى بدت نواجذه) النواجذ على ماذكره صاحب القاموس أقصى الأضراس، وهى أربعة أو هى الأياب
أو التى تلى الأنياب أو هى الأضراس كلها جمع ناجذ، والنجذ شدة العض بها - انتهى قال الطيبي: كان ضحكه
تعجبا من طلبهم العطر اضطراراً ثم طلبهم الكن عنه فراراً ومن عظيم قدرة الله واظهار قربة رسوله وصدقه
بإجابة دماءه سريعا ولصدقه أتى بالشهادتين (رواه أبو داود) وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد، وأخرجه
أيضا أبر عرانة وابن حبان والحاكم (ج١ ص٣٢٨) والبيهق (ج ٣ ص ٣٤٩) وصححه الحاكم، ووافقه الذهى
وصححه أيضا أبرعلى بن السكن، كما فى التلخيص.
١٥٢٢ - قوله (كان إذا قسطرا) بضم القاف وكسر الحاء المهملة أى أصابهم القحط (استسقى بالعباس)
١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
ابن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل اليك بعم نبينا، فاسقنا
فيسقون
أى توسل عمر بدعاء، وشفاعته فى الاستسقاء. وقال القارى. أى تدفع به فى الاستسقاء بعد استغفاره ودعاء،
(بن عبد المطلب) للرحم التى بينه وبين النبى صلى الله عليه وسلم فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه إلى من أمر بصلة
الأرحام ليكون ذلك وسيلة إلى رحمة الله. قال الحافظ: وقد بين الزبير بن بكار فى الأنساب صفة مادعا به العباس
فى هذه الواقعة، والوقت الذى وقع فيه ذلك فأخرج باسناده أن العباس لما استسقى به عمر قال اللهم إنه لم ينزل
بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بى القوم اليك لمكانى من نيك، وهذه أيدينا اليك بالذنوب ونواصينا
اليك بالتوبة فاسقنا الغيث فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس ، وأخرج أيضا من
طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فذكر الحديث
وفيه نخطب الناس عمر فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس مايرى الولد للوالد فاقتدوا
أيها الناس برسول الله تَّم فى عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله، وفيه: فمابرحوا حتى سقاه الله، وذكر ابن سعد
وغيره أن عام الرمادة كان سنة ثمان عشرة وكان ابتداءه مصدر الحاج منهما ودام تسعة أشهر، والرمادة بفتح
الراء وتخفيف الميم سمى العام بها لما حصل من شدة الجدب فأغبرت الأرض جداً من عدم المطر - انتهى. وعند
ابن أبى شيبة باسناد صحيح من رواية أبى صالح السمان فلما صعد عمر ومعه العباس المنبر قال عمر اللهم توجهنا
اليك بعم نيك وصنو أبيه فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ثم قال قل يا أبا الفضل فقال العباس اللهم لم ينزل
بلاء إلا بذنب إلخ (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا) أى بدعاء، وشفاعته فى حال حياته لا بذاته (فتسقينا)
بفتح حرف المضارعة وضمها (وإنا) أى بعده (تتوسل إليك بعم نبينا) العباس أى بدعاء، وشفاعته (فاسقنا)
بالوجهين (فيسقون) فى هذه القصة الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيها فضل العباس وفضل
عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه ، قاله الحافظ . وقد استدل القبوريون بهذا الحديث على التوسل المعهود فيما
بينهم، وهو مردود، فان التوسل المذكور فى الحديث ليس هو التوسل بذات الحى أو الميت أو التوسل بذكر
اسمه بل إنما هو التوسل بدعاء الحى وشفاعته والذى فعله غمر ، فعله مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة
والتابعين قدوسلوا بدعاء يزيد بن الأسود الجرشى، كما توسل عمر بالعباس، وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب
الشافعى وأحمد وغيرهم أنه يتوسل فى الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح قالوا وإن كان من أقارب رسول الله
ربّ فهو أفضل اقتداء بعمر ولم يقل أحد من أهل العلم يسأل الله تعالى فى ذلك بمخلوق لا بنى ولا بغير نى . قال
ابن قدامة (ج٢ ص ٤٣٩): ويستحب أن يستسقى بمن ظهر صلاحه لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء ثم ذكر قصة
١٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
رواه البخارى.
١٥٢٣ - (١٤) وعن أبى هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خرج فى من
الأنبياء بالناس يستسقى، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب
لكم من أجل هذه النملة. رواه الدار قطنى.
استسقاء عمر بدعاء العباس وقصة استسقاء معاوية والضحاك بدعاء يزيد بن الأسود الجرشى. وقال صاحب فيض
البارى : ليس فى الحديث التوسل المعهود الذى يكون بالغائب حتى قد لا يكون به شعور أصلا بل فيه توسل
السلف وهو أن يقدم رجلا ذا وجاهة عند الله تعالى ويأمره أن يدعو لهم ثم يحيل عليه فى دعاءه كما فعل بماس
رضى الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم ولوكان فيه توسل المتأخرين (أى من الحنفية ومنهم القبوريون) لما
احتاجوا إلى إذهاب العباس معهم ولكفى لهم التوسل بنبيهم بعد وفاته أيضا أو بالعباس مع عدم شهوده معهم -
انتهى . هذا وقد بسط الكلام فى الرد على استدلال القبوريين بهذا الحديث الامام تقى الدين بن تيمية فى رسالته
التوسل (ص ٥٠ - ٥١٠ و٨٦ - ٨٧ و١١٠) والعلامة النهوانى فى صيانة الانسان (ص ١٣١، ٢١٠) فعليك
أن ترجع اليهما (رواه البخارى) وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٣ ص ٣٥٢) وقد وقع فى رواية الاسماعيلى
رفع هذا الحديث ولفظه: قال أى أنس كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ◌َ ◌ّه استقوا به فيستسقى لهم فيقون فلما
كان فى إمارة عمر - الحديث، وكذا أخرجه ابن حبان فى صحيحه، كما فى الفتح.
١٥٢٣ - قوله (خرج فى من الأنبياء) هو سليمان عليه السلام (بالناس يستسقى) فيه دلالة على أن
الاستسقاء شرع قديم والخروج له كذلك (فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال ارجعوا) إلخ
وفى لفظ لأحمد خرج سليمان يستسقى فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول اللهم إنا خلق
من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك فقال ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (من أجل هذه الثملة) فى السنن
للدار قطنى من أجل شأن هذه الثملة ، وفى الحديث إظهار عظمة الله تعالى وقدرته وغناه عما سواه، وفيه بيان
وافته ورحمته على كافة المخلوقات وإحاطة علمه بأحوال سائر الموجودات وأنه مسبب الأسباب وقاضى الحاجات
وأن للبها ثم إدراكما يتعلق بمعرفة الله ومعرفة بذكره فتطلب الحاجات منه (رواه الدارقطنى) وأخرجه أيضا أحمد
والحاكم (ج ١ ص ٣٢٥) وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وأخرجه الطحاوى من طرق منها من حديث
أبى الصديق النتاجى قال خرج سليمان عليه السلام فذكره. وفى آخره ارجعوا فقد كفيتم بغيركم، وفى ابن ماجه
١٩٣

مرعاة المفاتيح ج .
٤ - كتاب الصلاة
٥٣ - باب فى الرياح
(٥٣) باب فى الرياح
( الفصل الأول )
١٥٢٤ - (١) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت بالصبا،
من حديث ابن عمر فى أثناء حديث ولولا البهائم لم يخطروا، وفى إسناده خالد بن يزيد بن عبدالرحمن بن أبى مالك،
وهو ضعيف ، وفى حديث أبى هريرة عند أبي يعلى والبزار والبيهقى مهلا عن الله مهلا عن الله فانه لولا شباب خضع
وبها ثم رفع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبا، وفى إسناده إبراهيم بن خثيم بن عراك، وقد ضعفوه، وأخرجه
أبو نعيم والبيهقى وابن عدى من طريق مالك بن عيدة بن مسافع عن أبيه عن جده ومالك من عيدة قال أبو حاتم
وابن معين مجهول، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال ابن عدى ليس له غير هذا الحديث ، وله شاهد مرسل
أخرجه أبو نعيم أيضا. فائدة إذا تأخر المطلوب أى لم يسقوا بعد الخروج إلى الصحراء وصلاة الاستسقاء
كرروا الخروج فى اليوم الثانى والثالث لا أكثر، وهذا عند الحنفية والحنابلة، وأما عند الشافعية والمالكية
فيكرروا الخروج ثانيا وثالثا وأكثر حتى يسقوا وإذا سقوا قبل الخروج وقد كانوا تأهبوا للخروج خرجوا.
وصلوا شكراً لله تعالى وحمدوه ودعوه وسألوه المزيد من فضله، وكذلك إذا خرجوا وسقوا قل أن يصلوا
فائدة أخرى إذا كثر المطر بحيث يضرهم، أو مياه الأنهار والعيون دعوا الله تعالى أن يخففه ويصرف عنهم
مضرته ويجعله فى أماكن تنفع ولا قضر كدعاء النبي صلى الله عليه وسلم باللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الظراب
والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، ولأن الضرر بزيادة المطر أحد الضررين فيستحب الدعاء لإزالته
كإنقطاعه، وأما النداء بكلمات الأذان المشروعة للإعلام بأوقات الصلوات الخمس لرفع المطر أو تخفيفه عند الضرر
بكثرته كما يفعله القبوريون فليس فى شىء من السنة ولم يعرف فى عهد السلف الصالح من الصحابة والتابعين ولم يؤثر
من أتباعهم.
(باب فى الرياح) وفى بعض النسخ: بابه الرياح بالاضافة، وفى بعضها: باب من غير ترجمة، وهو
بالسكون على الوقف أو بالرفع منونا على أنه خبر مبتدأ معذوف، وعلى النسختين الأوليين ما ذكر فيه مع الرياح
وقع بطريق التبع فلذا لم يتعرض له بالترجمة، ووجه ذكر ترجمة الرياح عقب باب الاستسقاء إن المطلوب.
بالاستسقاء نزول المطر والريح فى الغالب قتبه.
١٥٢٤ - قوله (نصرت) بضم النون (بالعبا) بفتح المهملة وتخفيف الموحدة مقصورة فى الريح الشرقية
١٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤- كتاب الصلاة
٥٣- باب فى الرياح
وأهلكت عاد بالدبور.
(وأهلكت) بضم الهمزة وكسر اللام (عاد) قوم هود (بالدبور) بفتح الدال وتخفيف الموحدة المضمومة، هى
الريح الغربية. قال الطبى: الصبا الريح التى تجىء من قبل ظهرك إذا استقبلت القبلة، ويقال لها القبول بفتح القاف
لأنها تقابل باب الكعبة إذ مهبها من مشرق الشمس ومطلعها، والدبور هى التى تجىء من قبل وجهك إذا
استقبلت القبلة أيضا فهى تأتى من ديرها ومهبها من مغرب الشمس قبل هذا فى ديار خراسان وما واره النهر وما فى
حكمهما من الأماكن التى قبلتها السمت الغربى دون الروم والعرب. وقال ابن الأعرابي: الصبا مهبها من مطلع
الثريا إلى بنات نعش، والدبور من مسقط النسر الطائر إلى سهيل، وفرق بين تفسير الطبى وتفسير ابن الأعرابي
فإن الأول يشمل سعة المشرق والمغرب كلها والثانى الناحية منها ، قيل إن الصبا هى التى حملت ريح يوسف عليه
السلام إلى يعقوب قبل البشير اليه فإليها يستريح كل مخزون، والدبور هى الريح العقيم ونصرته بَيّ بالصبا كانت
يوم الخندق الذي يقال له غزوة الأحزاب وكانوا زهاء اثنى عشر ألفا أو أكثر حين حاصروا المدينة فأرسل الله
عليهم ربح الصبا باردة فى ليالى شاتية شديدة البرد فسقت التراب والحصى فى وجوههم وأطفأت نيرانهم وقطعت
خيامهم فانهزموا من غير قتال إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنوداً لم تروها - الآية، ومع ذلك فلم يملك
منهم أحد ولم يتأصلهم لما علم الله من رأقة فيه عليه الصلاة والسلام بقومه رجاء أن يسلموا، وأما عاد فانه ابن
عوض بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام ختفرعت أولاده فكانوا ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الأحقاف وبلادها .
وكانت ديارهم بالدهناء وعالج وبئرين ودبار وعمان إلى حضرموت وكانت أخصب البلاد وأكثرها جنانا فلا
سخط الله عليهم جلها مفاوز فأرسل الله عليهم الدبور فأهلكتهم وكانت عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما أى
متابعة ابتدأت غدوة الأربعاء وسكنت فى آخر الثامن واعتزل هو ونى الله عليه السلام ومن معه من المؤمنين
قبل وكانوا أربعة آلاف فى حظيرة لا يصبيهم منها إلا ما يلين الجلود وتلذ الأعين وكانت الريح تقلع الشجر وتهدم
البيوت ومن لم يكن فى بيته منهم أملكته فى البرارى والجبال وكانت ترفع الظعينة بين السماء والأرض حتى ترى
كأنها جرادة وترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم، قيل: كان طول أحدم اثنى عشر ذراعا، وقيل: كان أكثر
من عشرة، وقيل: غير ذلك، وفى التفسير: أن الريح كانت تحمل الرجل فترفعه فى الهواء ثم تلقيه فتشدخ رأسه
فيق جثة بلا رأس فذلك قوله: (كأنهم أعجاز نخل علوية - الحاقة: ٦) وروى ابن أبى حاتم من حديث
ابن عمر والطبرانى من حديث ابن عباس رضاء ما فتح الله على عاد من الريح إلا موضع الخاتم فرت بأهل البادية
فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والأرض فرأم الحاضرة فقالوا هذا عارض ممطرنا فألقتهم عليهم فهلكوا
جميعاً، والحديث قد استبط منهابن بطال تفضيل بعض المخلوقات على بعض يعنى أن المقصود منه تفضيل الصبا على
الدبور من جهة إضافة النصر للصبا والاهلاك الدبور وقعقب بأن كل واحدة منهما أهلكت أعداء الله ونصرت
٥

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤- كتاب الصلاة
٥٣ - باب فى الرياح
متفق عليه.
١٥٢٥ - (٢) وعن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا حتى أرى منه
لهواته، إنما كان يتبسم، فكان إذا رأى غيما أو ربما عرف فى وجهه.
أنبياءه وأولياءه، وقيل: المقصود بيان أن الأشياء والعناصر مسخرة تحت أمر الله تعالى وإرادته رداً على
الطبيعيين والحكماء المتفلسفين فالريح مأمورة تجىء تارة بأمره تعالى لنصرة قوم وتارة لاهلاك قوم، وفيه أيضا اخبار
المرأ عن نفسه بما فضله الله تعالى به على سبيل تحديث النعمة لا على الفخر، ومن الرياح الجنوب وهى التى مهبها
من جهة يمين القبلة والشمال وهى التى تهب من جهة شمالها، فهذه الأربع تهب من الجهات الأربع ولكل من الأربعة
طبع فالصباحارة يابسة والدبور باردة رطبة والجنوب حارة رطبة والشمال باردة يابسة وهى ربح الجنة التى تهب
عليهم كما فى صحيح مسلم (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الاستسقاء وبدأ الخلق والأنبياء والمغازى ومسلم فى
الاستسقاء، وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٢٢٢، ٢٢٨، ٣٢٤، ٣٤١، ٣٧٣٠٣٥٥) والنسائى فى التفسير من
السنن الكبرى والبيهق (ج٣ ص ٣٦٤).
١٥٢٥ - قوله (ضاحكا) حال أو مفعول ثان، وفى رواية للشيخين: مستجمعا ضاحكا. قال الحافظ فى
رواية الكشمهيني: مستجمعا ضحكا أى مبالغا فى الضحك لم يترك منه شيئا، يقال استجمع السيل اجتمع من كل
موضع واستجمعت امرأ أموره اجتمع له ما يحبه، فعلى هذا قوله: ضاحكا منصوب على التميز وإن كان مشتقا مثل لله
دره فارسا أى مارأيته مستجمعا من جهة الضحك بحيث يضحك ضحكا تاما مقبلا بكليته على الضحك (حتى أرى)
أى أبصر (منه هواته) بفتح اللام والهاء جمع لهاة، وهى اللحمة الحمراء المعلقة فى أعلى الجنك، قاله الأصمعى
وقيل : هى اللحمة التى بأعلى الحنجرة من أقصى الفم وقيل: هى اللحمات فى سقف أقصى الفم . وقيل : اللهاة
قعر الفم قريب من أصل اللسان (إنما كان يتبسم) لا ينافى هذا الحديث ماجاء فى الحديث الآخر أنه ضحك
حتى بدت نواجذه لأن ظهور النواجذ وهى الأسنان التى فى مقدم الفم أو الأنياب لا يستلزم ظهور اللهاة ، قاله
الحافظ . وقيل: كان التبسم على سبيل الأغلب وظهور النواجذ على سبيل الندرة (فكان) وفى الصحيحين قالت (أى
عائشة) وكان (إذا رأى غيا) أى سحابا (عرف) بضم العين وكسر الراء مبنيا للفعول أى التغير (فى وجهه)
قال الطيبي : أى ظهر أثر الخوف فى وجهه مخافة أن يحصل من ذلك السحاب أو الريح ما فيه ضرر الناس، دل نفى
الضحك البليغ على أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن فرحا لاهيا بطراً، ودل إثبات التبسم على طلاقة وجهه، ودل
أثر خوفه من رؤية الغيم أو الريح على رأفته ورحمته على الخلق وهذا هوالخلق العظيم، كذا فى المرقاة. وهذا
١٩٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب امره
٥٢ - إبى الريح
متفق عليه.
١٥٢٦ - (٣) وعنها، قالت: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: اللهم إنى
أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذبك من شرما وشر ما فيها وشر ما أرسلت به،
وإذا تخيلت السماء، تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرى عنه، فعرفت ذلك
عائشة، فسألته، فقال: لعله يا عائشة
القدر المذكور من، حديث عائشة طرف من حديث طويل. أخرجه البخارى فى تفسير سورة الأحقاف، ومسلم
فى الاستسقاء وبعده قالت يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته
عرف فى وجهك الكرامية فقال يا عائشة ما يؤمنى أن يكون فيه عذاب عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب
فقالوا هذا عارض مطرنا، وارجع لشرح هذا إلى الفتح من سورة الأحقاف (متفق عليه) أخرجه البخارى
فى التفسير مطولا وفى الأدب مختصراً إلى قوله انما كان يتبسم. وأخرجه أيضا مطولا أبو داود فى الأدب،
والبيهقى فى الاستسقاء (ج ٣ ص ٣٦٠).
١٥٢٦ - قوله (إذا عصفت الريح) أى اشتد مبوبها (اللهم إنى أسألك خيرها) أى خبر ذاتها (وخير
ما فيها) أى من منافعها (وخير ما أرسلت به) أى بخصوصها فى وقتها، وهو بصيغة المفعول، ويجوز أن يكون بصيغة
الفاعل. قال الطيبي: يحتمل الفتح على الخطاب وشرما أرسلت على بناء المفعول ليكون من قبيل أنعمت عليهم
غير المغضوب عليهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم الخير بيديك والشر ليس إليك (وإذا تخيلت السماء) أى تهيأت
السهاب المطر. قال الطبى: السماء هنا بمعنى السحاب وتخيلت السماء إذا ظهر فى السماء أثر المطر. وقال أبو عبيدة:
تخيلت من المخيلة بفتح الميم وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة، وهى سحابة فيها رعد وبرق يخيل اليه أنها ماطرة
يعنى سحابة يخال فيها المطر وتكون مظنة الطر. وقال الجزرى: المخيلة السحابة التى يظن أن فيها مطراً وتخيلت السماء
إذا تغيمت (تغير لونه) من خشية الله ومن رأفته على أمته وتعليما لهم فى متابعته (وخرج) من البيت تارة
(ودخل) أخرى (وأقبل وأدبر) فلا يستقر فى حال من الخوف (فإذا مطرت) أى السحاب. وفى رواية البخارى:
فاذا أمطرت السماء من الامطار. قال الحافظ: فيه رد على من زعم أنه لا يقال أمطرت إلا فى العذاب، وأما الرحمة
فيقال مطرت - انتهى. ومطر السحاب وأمطرت بمعنى (سرى عنه) بضم المهملة وتشديد الراى بلفظ المجهول
أى كشف عنه الخوف والحزن وأزيل (فعرفت ذلك) أى التغير (فسألته) أى عن سببه (لعله) أى لعل هذا

مرعاء المصابيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٣ - باب فى الرياح
كما قال قوم عاد: فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا: هذا عارض ممطرنا. وفى رواية -: ويقول
اذا رأى المطر رحمة -. متفق عليه.
المطر. وقيل: لعل هذا السحاب ( كما قال قوم عاد) الاضافة للبيان أى مثل الذى قال فى حقه قوم عاد هذا
عارض ممطرنا قال تعالى (فلما رأوه) أى السحاب (عارضا) أى محابا عرض (مستقبل أوديتهم) أى محماريهم
ومحال مزارعهم. قال الجزرى: العارض السحاب الذى يعرض فى السماء (قالوا) غنا أنه مصاب ينزل منه المطر
(هذا عارض مطرنا) أى سحاب عرض ليمطر قال تعالى رداً عليهم بل هو ما استعجلتم به أى من العذاب ريح فيها
عذاب أليم ( تدمر كل شىء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى الامساكنهم كذلك نجزى القوم المجرمين-الأحقاف: ٢٥)
فظهرت منه ريح فأهلكتهم فلا يجوز لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى. قال النووي: فى الحديث الاستعداد
بالمراقبة لله والالتجاء اليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسيه وكان خوفه صلى الله عليه وسلم أن
بعاقبوا بعصيان العضاة، وفيه تذكر ما يذهل المرأ عنه مما وقع للأمم الخالية والتحذير من السير فى سبيلهم خشية
من وقوع مثل ما أصابهم، وفيه شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم كما وصفه الله تعالى ، فان قيل
كيف يخشى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب القوم وهو فيهم مع قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت
فيهم - الأنفال: ٣٣) والجواب إن فى الآية احتمال التخصيص بالمذكورين أو بوقت دون وقت أو مقام
الخوف يقتضى غلبة عدم الأمن من مكر الله (ويقول إذا رأى المطر رحمة) بالنصب أى اجعله رحمة لا عذابا
وبالرفع أى مذا رحمة (متفق عليه) فيه نظر لأن لفظ الرواية الأولى بالسياق المذكور من رواية ابن وهب عن
ابن جريج عن عطاء عن عائشة من افراد مسلم والرواية الثانية أيضا من أفراده أخرجها من طريق جعفر بن محمد
عن عطاء عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك فى وجهه
وأقبل وأدبر فاذا مطرت سُرِّبه، وذهب عنه ذلك قالت عائشة فسألته فقال إنى خشيت أن يكون عذابا سلط
على أمتى ويقول إذا رأى المطر رحمة، وأما البخارى فأخرجه فى أوائل بدء الخلق عن مكى بن إبراهيم عن ابن
جريج عن عطاء عن عائشة مختصراً بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى عنيلة فى السماء أقبل وأدبر ودخل
وخرج وتغير وجه فاذا مطرت سُريَ عنه فغرفته عائشة ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم وما أدرى لعله
كما قال قويم فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم الآية، فظهر بهذا أن قوله متفق عليه لا يخلو عن نظر اللهم إلا
أن يقال إن المراد اتفاق الشيخين على أصل الحديث، ومعناه وقد أخرجه بسياق المشكاة البيهقى (ج ٣ ص٣٦٠)
وأخرجه الترمذى فى الدعوات مختصراً إلى قوله وشر ما أرسلت به، وأخرجه ابن ماجه فى الدعاء بنحو رواية
البخارى .
١٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٣ - باب فی الرياح
١٥٢٧ - (٤) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مفاتيح الغيب خمس،
ثم قرأ: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث) الآية.
١٥٢٧ - قوله (مفاتيح الغيب) بوزن مصابيح جمع مفتاح، وهو الآلة التى يفتح بها (خمس) يعنى
العلوم التى يتوصل بها إلى الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وروى مفاتح بوزن مساجد وهو جمع مفتح بفتح الميم،
وهو المخزن أى مخازن الغيب جعل الأمور الغيبية مخازن يخزن فيها على طريق الاستعارة أو جمع مفتح بكسر الميم،
وهو المفتاح جعل للأمور الغيبية مفاتيح يتوصل بها إلى ما فى المخازن منها على طريق الاستعارة أيضاً وقد عقد
البخارى على هذا الحديث فى تفسير سورة الأنعام باب قوله: ﴿ وعنده مفاتح الغيب لا يعلها إلا هو - الأنعام: ٥٩)
وأراد بذلك أن يبين أن النبى صلى الله عليه وسلم قد فسر آية الانعام بتلك الخمس المذكورة فى سورة لقمان. قال
الحافظ: المفاتح جمع مفتح بكسر الميم الآلة التى يفتح بها مثل منجل ومناجل، وهى لغة قليلة فى الآلة، والمشهور
مفتاح باثبات الألف وجمعه مفاتيح بائبات الياء، وقد قرىء بها فى الشواذ قرأ ابن السميفع وعنده مفاتيح الغيب
وقيل: بل هو جمع مفتح بفتح الميم وهو المكان، ويؤيده تفسير السدى فيما رواه الطبرى مفاتح الغيب خزائنة -
انتهى. قال القسطلانى: وعلى الأول قد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح هى التى يتوصل بها
إلى ما فى الخزائن المستوثق منها بالاغلاق فمن علم كيف يفتح بها ويتوصل إلى ما فيها فهو عالم وكذلك مهنا لما
كان اللّه تعالى عالما يجميع المعلومات ما غاب منها ومالم يغب عبر عنه بهذه العبارة إشارة إلى أنه هو المتوصل
إلى المغيبات وحده لا يتوصل اليها غيره وهدا هو العائدة فى التعبير بعند - انتهى. وقال فى النهاية: المفاتيح
والمفاتح جمع مفتاح ومفتح وهما فى الأصل كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التى يتعذر الوصول
البها والمعنى لا يعلم كلياتها غير الله وقد يطلع بعض أصفيائه على جزئيات منهن، والغيب ما غاب عن الخلق وسواء
كان محصلا فى القلوب أو غير محصل ولا غيب عند الله عزوجل ذكره العينى. وقال البيضاوى: الغيب هو الأمر
الخفى الذى لا يدركه الحس ولا يقتضيه بداهة العقل، وهو قسمان: قسم لا دليل عليه وهو المعنى بقوله تعالى:
تروعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو - الأنعام: ٥٩) وقسم نصب عليه دليل عقلى أو نقلى كالصانع وصفاته
واليوم الآخر وأحواله وهو المراد فى قوله: ﴿ يؤمنون بالغيب - البقرة: ٣) - انتهى. (ثم قرأ) أى بيانا لتلك
الخمس (إن الله عنده) أى لا عند غيره (علم الساعة) أى علم وقت قيامها فلا يعلم ذلك فى مرسل ولا ملك
مقرب لا يجليها لوقتها إلا هو (وينزل) بالتشديد (الغيث) أى يرسل المطر الذى يغيث البلاد والعباد فى وقته
المقدر له والمحل المعين له فى علمه وبالكمية والكيفية المقررتين عنده لا يعلم ذلك إلا هو (الآية) بالنصب أى
اقرأ، أو أذكر بقية الآية وبالجر أى إلى آخر الآية وهو (ويعلم ما فى الأرحام) مما يريد أن يخلقه من ذكر أو أنثى تام
١٩٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤- كتاب الصلاة
٥٣ - باب فى الرياح
رواه البخارى .
١٥٢٨ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليست السنة
أو ناقص أبيض أو أسود طويل أو قصير سعيد أو شقى وغير ذلك مما لا يعلم تفصيله إلا هو. قال القارى:
ولا يعلم مجمله بحسب خرق العادة إلا من قبله تعالى. وقال القسلانى: لكن إذا أمر به علمته ملائكته المؤكاون به
(وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) فى الدنيا من الخير والشر والطاعة والمعصية وفى الآخرة من الثواب والعقاب
(وما تدري نفس بأي أرض تموت) أى فى بلدها أم فى غيرها فليس أحد من الناس يدرى أين مضجعه من الأرض
أ فى بر أو بحر سهل أو جبل (إن الله عليم) أى بما ذكر وغيره من الكليات والجزئيات إلا يعلم من خلق (خبير)
أى مطلع على خفايا الأمور، فان قيل الغيوب التى لا يعلمها إلا الله كثيرة ولا يعلم مبلغها إلا الله تعالى وقال الله
تعالى: ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو - المدثر: ٣١) فما وجه التخصيص بالخمس. قلت: أجيب عنه بوجوه:
الأول أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفى الزائد ، والثانى أن ذكر هذا العدد فى مقابلة ما كان القوم يعتقدون.
أنهم يعرفون من الغيب هذه الخمس ، والثالث أنهم كانوا يسألونه عن هذه الخمس، والرابع أن أمهات الأمور
هذه لأنها إما أن تتعلق بالآخرة، وهو علم الساعة وإما بالدنيا وذلك إما متعلق بالجماد أو بالحيوان، والثانى إما بحسب
مبدأ وجوده أو بحسب معاده أو بحسب معاشه. قال القرطبي: لامطمع لأحد فى علم شىء من هذه الأمور الخمس لهذا
الحديث (يعنى حديث أبى هريرة فى سؤال جبريل عن الإيمان والاسلام وفيه فى خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلى النبي
رَبّ (إن الله عنده علم الساعة - لقمان: ٣٤) الآية وقد فسر النبي ◌َ ◌ّه قول الله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب
لا يعلمها إلاهو - الأنعام: ٥٩﴾ بهذه الخمس، وهو فى الصحيح قال فمن ادعى علم شىء منها غير مسنده إلى رسول الله
يرفع كان كاذبا فى دعواه قال وأماظن الغيب فقد بجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادى وليس ذلك بعلم،
كذا فى الفتح (رواه البخارى) أى هكذا مختصراً فى تفسير سورة الأنعام على رواية أبى ذر، وفى تفسير سورة
لقمان وأخرجه أيضا فى الاستسقاء وتفسير سورة الرعد والتوحيد بألفاظ، وقد بسط الشيخ أبو محمد بن جمرة
فى شرح هذا الحديث وأجاد ولخص كلامه الحافظ فى الفتح فى شرح باب قوله: عالم الغيب فلا يظهر على غيه أحداً
إلخ من كتاب التوحيد من أحب الوقوف عليه رجع إلى الفتح، والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٢٤
و ٥٨، ١٢٢،٨٥) والطبری (ج ٢ ص ٥٦) وأخرجه ابن حيان (ج١ ص ٢٢٨ - ٢٢٩) وأحمد أيضا (ج٢
ص ٥٢) بتفصيل الأنواع الخمسة بدل تلاوة الآية.
١٥٢٨ - قوله (ليست السنة) بفتح السين الجدب والقحط، ومنه قوله تعالى: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون.
بالسنين - الأعراف: ١٣٠) قال فى النهاية: السنة الجدب، وهى من الأسماء الغالبة، ويقال أستتوا إذا أجدبوا، قلبوا
٢٠٠