Indexed OCR Text

Pages 161-180

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠- باب صلاة الخسوف
١٥٠٦ - (١٣) وعن النعمان بن بشير، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه.
وسلم بجعل يصلى ركعتين ركعتين ويسأل عنها ، حتى انجلت الشمس.
١٥٠٦ - قوله (جعل يصلى ركعتين ركعتين) أى ركوعين ركوعين فى كل ركعة (ويسأل عنها) أى
يسأل الله بالدعاء أن يكثف عنها أو يسأل الناس عن انجلاء ها أى كلما صلى ركوعين يسأل بالاشارة هل انجلت؟
قال الحافظ : إن كان هذا الحديث محفوظا احتمل أن يكون معنى قوله ركعتين أى ركوعين ، وقد وقع التعبير
عن الركوع بالركعة فى حديث الحسن البصرى: خسف القمر وابن عباس بالبصرة فصلى ركعتين فى كل ركعة
ركعتان - الحديث، أخرجه الشافعى، وأن يكون السوال وقع بالاشارة، فلا يلزم التكرار، وقد أخرج
عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبى قلابة أنه صلى الله عليه وسلم كان كلما ركع ركعة أرسل رجلا ينظر هل انجات؟
فتعين الاحتمال المذكور، وإن ثبت تعدد القصة زال الاشكال - انتهى. وقال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى الحنفى
فى معنى هذا الحديث: قوله((فجعل يصلى ركعتين ركعتين)) كلمة جعل توهم أن المعنى أخذ فى صلاة ركعتين ثم
ركعتين، وهو ينافى سائر ما نقل عنه عَاللّه فى صلاة الكسوف، إذ لم يرو أحد منهم زيادة على ركعتين،
فالصحيح أن ركعتين بمعنى ركوعين تأكيد للأولى منهما ، وعلى هذا فالمعنى ظاهر ، وبذلك يظهر إيراد أبى داود
هذا الحديث فى باب من قال يركع ركعتين، وإنما افتقر الى تأكيد فى أمر الركوعين لمزيد الاختلاف قوله ويسأل
عنها أى يدعو الله فى شأنها وشأن أنفسهم أن ينجى كلامنا عما يؤخذ فيه ـ انتهى. قال صاحب البذل: يؤيد ذلك
رواية الطحاوى بلفظ: فجعل يصلى ركعتين ويسلم ويسأل، حتى انجلت، فإنه ليس فيها لفظ عنها بل فيها ويسأل،
وكذلك يؤيده حديث أحمد فى مسنده (ج ٤ ص ٢٦٧ و ٢٦٩). فانه ليس فيه لفظ عنها ، وكذلك يؤيده ما أخرجه
الحاكم من طريق معاذ بن هشام حدثنى أبى عن قتادة عن أبى قلابة عن النعمان بن بشير: أن الشمس انكسفت
فصلى النبى مَثّ ركتمين، فإنه ليس فيه تكرار ركعتين ولا ذكر السؤال، قال لكن يخالف ما قال الشيخ حديث
أحمد، فإن فيه كان يصلى ركعتين ثم يسأل ثم يصلى ركعتين ثم يسأل حتى انجلت ، فانه صريح فى أنه يصلى ركعتين
ثم ركعتين - انتهى . قلت: فى كون حديث النعمان بن بشير محفوظا نظر، فانه مخالف لجميع الروايات الصحيحة
فى حكاية صلاة التى مؤلّ لكسوف الشمس، فانها صريحة فى الاقتصار على ركعتين وصريحة فى الزيادة على
الركوع، ولذا أعلى البيهقى وغيره حديث النعمان وإن صححه ابن حزم وغيره فيتعين تقديم الأحاديث التى فيها أنه
صلى ركعتين فى كل ركعة ركوعان. قال ابن قدامة فى المغنى (ج ٣ ص ٤٢٤): فأما أحاديث الحنفية فتروكة
غير معمول بها باتفاقنا، فانهم قالوا يصلى ركعتين ، وحديث النعمان أنه يصلى ركعتين ثم ركعتين حتى انجلت
الشمس ، وحديث قبيصة فيه أنه يصلى كأحدث صلاة صليتموها، وأحد الحديثين يخالف الآخر ثم حديث قيصة
١٦١
١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
رواه أبو داود. وفى رواية الذانى: أن النبي ◌َّ صلى حين انكسفت الشمس مثل صلاتنا يركع
ويسجد. وله فى أخرى: أن النبى ◌َّ خرج يوما مستعجلا إلى المسجد، وقد انكسفت الشمس،
مرسل، ثم يحتمل أنه صلى ركعتين فى كل ركعة ركوعين، ولو قدر التعارض لكان الأخذ بأحاديثنا أولى لصحتها
وشهرتها واقفاق الأئمة على صحتها، والأخذ بها واشتمالها على الزيادة ، والزيادة من الثقة مقبولة، ثم هى ناقلة
عن العادة. وقد روى عن عروة أنه قيل له: إن أخاك صلى ركعتين، فقال: إنه أخطأ السنة - انتهى. (رواه
أبو داود) وسكت عنه، وأخرجه أيضاً أحمد والطحاوى (ص١٩٥) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٣٢)، وهو عند أحمد
(ج ٤ ص ٢٦٩) وأبي داود والطحاوى من طريق أبي قلابة عن النعمان بن بشير، وعند البيهقى من طريق
أبى قلابة عن رجل عن النعمان بن بشير، وكذا عند أحمد فى رواية أخرى (ج ٤ ص ٢٦٧) وأخرجه النسائى
عن أبى قلابة عن قبيصة الهلالى، وأخرجه البيهقى عن أبى قلابة عن هلال بن عامر عن قبيصة الهلالى . قال
الزيلمى: تكلموا فى سماع أبى قلابة من النعمان. قال ابن أبى حاتم فى علله: قال أبى قال يحيى بن معين قد أدرك
أبو قلابة النعمان بن بشير ولا أعلم أسمع منه أولا وقد رواه عفان (عند أحمد) عن عبد الوارث عن أيوب
عن أبى قلابة عن رجل عن النعمان . وقال ابن القطان فى كتابه: هذا حديث قد اختلف فى إسناده ، فروى
عن أبي قلابة عن النعمان ، وروى عنه عن قبيصة بن مخارق الهلالى ، وروى عنه عن هلال بن عامر عن قيمة -
انتهى. وقال النووى فى الخلاصة بعد ذكر رواية أبى داود إسناده صحيح إلا أنه بزيادة رجل بين أبي قلابة
والنعمان، ثم اختلف فى ذلك الرجل - انتهى. وقال ابن حزم فى المحلى (ج ٥ ص ٩٨): أبو قلابة قد أدرك
النعمان، فروى هذا الخبر عنه، ورواه أيضا عن آخر فحدث بكلتا روايتيه، ولا وجه للتعلل بمثل هذا أصلا
ولامعنى له ـ انتهى. وصححه ابن عبد البر فى التمهيد. وقال البيهقى بعد بسط الاختلاف فى إسناده ومتنه ما لفظه:
فألفاظ هذه الأحاديث تدل على أنها راجعة إلى الإخبار عن صلاته يوم توفى ابنه عليهما السلام، وقد أثبت
جماعة من أصحاب الحفاظ عدد ركوعه فى كل ركعة، فهو أولى بالقبول من رواية من لم يثبته - انتهى. (وفى
رواية النسائى) من حديث أبى قلابة عن النعمان، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٢٧١، ٢٧٧) (أن النبي زائر)
وفى النسائى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلى حين انكسفت الشمس مثل صلاتنا) أى المعهودة فيفيد اتحاد
الركوع، أو مثل ما نصلى فى الكسوف فيلزم توقفه على معرفة تلك الصلاة، قاله السندى. قلت: الحديث بظاهره
يؤيد الحنفية لكونه يفيد اتحاد الركوع، لكن أحاديث الركوعين فى كل ركعة أصح وأشهر (وله) أى للنسائى
(فى أخرى) أى فى رواية أخرى يعنى من طريق الحسن عن النعمان بن بشير (خرج يوما مستعجلا) يجر رداء.
١٦٢
3

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
فصلى حتى انجلت، ثم قال: إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا ينخسفان
إلا لموت عظيم من عظماء أهل الأرض، وإن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته،
ولكنهما خليقتان من خلقه، يحدث الله فى خلقه ما شاء، فأيهما انخسف فصلوا حتى بنجلى، أو
يحدث الله أمراً.
كما فى رواية البيهقى (فصلى) زاد فى رواية الحاكم ركعتين وعند ابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ٢٣٣) والنسائى فى
رواية: فلم يزل يصلى (إلالموت عظيم من عظماء أهل الأرض وإن الشمس) وفى رواية البيهقى وابن ماجه
والنسائى المذكورة وليس كذلك، إن الشمس (ولكنهما خليقتان من خلقه) قال الطيبي: أى مخلوقتان ناشئتان
من خلق الله تعالى المتناول لكل مخلوق على التساوى، ففيه تنبيه على أنه لا أثر لشىء منهما فى الوجود . قال فى
نهاية: الخلق الناس، والخليقة البهائم . وقيل: هما بمعنى واحد يعنى المعنى الأعظم. قال الطيبي: والمعنى الأول
أنسب فى هذا المقام ، لأنه رد لزعم من يرى أثرهما فى هذا العالم بالكون والفساد أى ليس كما يزعمون، بل هما
مسخران كالبهائم، دائبان مقهوران تحت قدرة الله تعالى، وفى هذا تحقير لشأنهما مناسب لهذا المقام (يحدث الله
فى خلقه ما شاء) وفى النسائى، وكذا البيهقى ما يشاء أى من الكسوف والكشوف والنور والظلمة. قال الطيبي:
(( ما شاء، مفعول المصدر المضاف إلى الفاعل، و((من)) ابتدائية على ما تقدم بيانه - انتهى. يعنى فى قوله من
خلقه (فأيهما انخسف فصلوا) وفى رواية البيهقى والنسائى المذكورة: إن الله عز وجل إذا بدأ لشىء من خلقه
خشع له، فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة . قال البيهقى: هذا مرسل أبو قلابة
لم يسمعه من النعمان، إنما رواه عن رجل عن النعمان، وليس فيه هذه اللفظة الأخيرة - انتهى. (حتى ينجلى أو
يحدث الله أمراً) تفوت به الصلاة كمقيام الساعة أو وقوع فتنة مانعة من الصلاة . قال الطبي: غاية لمقدر أى
صلواء ابتداء الانخساف منتهين إما إلى الانجلاء أو إلى إحداث اللّه تعالى أمراً، وهذا القدر يربط الشىء بالجزاء
لما فيه من العائد إلى الشرط - انتهى. ورواية النسائى هذه أخرجها أيضا البيهقى من طريق الحسن عن النعمان
(ج ٣ ص ٣٣٣ - ٣٣٤)، قال البيهقى: هذا أشبه أن يكون محفوظا. وأخرجها الحاكم من طريق أبي قلابة عن
النعمان وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، وأقره الذهبي . وهذا يدل على
أنهما وافقا من قال بسماع أبى قلابة من النعمان بن بشير. فائدة: إن فرغ من الصلاة قبل أنجلاء الشمس أى
تمت الصلاة والكسوف قائم لا تعاد الصلاة ولا تكرر، بل يشتغل بالذكر والدعاء حتى تنجلى، لأن السنة فى صلاة
١٦٣
٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥١ - باب فى سجود الشكر
(٥١) باب فى محود الشكر
الكسوف قد فرغوا عنها، ولم يزد النبى صلى الله عليه وسلم على ركعتين، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وكذلك
فى ظاهر الرواية عند الحنفية، وإن انجلت الشمس كلها فى أثناء الصلاة بعد تمام ركعة بركوعيها وسجدتيها أو قبل
تمام الركعة الأولى بسجدتيها أتمها على سنتها وخففها ولا ينقص أحد الركوعين اللذين نواهما، واليه ذهبت
الحنابلة والشافعية، وإذا اجتمع صلاتان كالكسوف مع غيره من الجمعة أو صلاة مكتوبة أو الوتر أو التراويح.
قال ابن قدامة: الصحيح عندى أن الصلوات الواجبة التى تصلى فى الجماعة مقدمة على الكسوف بكل حال، لأن
تقديم الكسوف عليها يفضى إلى المشقة لإلزام الحاضرين بفعلها مع كونها ليست واجبة عليهم وانتظارهم للصلاة
الواجبة، مع أن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخفيف الصلاة الواجبة
كيلا يشق على المأمومين ، فاإلحاق المثقة بهذه الصلاة الطويلة الشاقة مع أنها غير واجبة أولى، وكذلك الحكم
إذا أجتمت مع التراويح قدمت التراويح لذلك، وإن اجتمعت مع الوتر فى أول وقت الوتر قدمت ، لأن الوتر
لا يفوت ، وإن خيف فوات الوتر قدم، لأنه يسير يمكن فعله وإدراك وقت الكسوف وإن لم يبق إلا قدر الوتر
فلاحاجة بالتلبس بصلاة الكسوف، لأنها إنما تقع فى وقت النهى، وإن اجتمع الكسوف وصلاة الجنازة قدمت
الجنازة وجها واحداً، لأن الميت يخاف عليه - انتهى.
(باب فى سجود الشكر) قال فى اللعات : السجدة المنفردة خارج الصلاة على عدة أقسام: منها سجدة الشكر
على حصول نعمة واندفاع بلية. وفيها اختلاف: فعند الشافعى وأحمد سنة وهو قول محمد، والأحاديث والآثار
كثيرة فى ذلك ، وعند أبى حنيفة ومالك ليس بسنة ، بل هى مكروهة، وهم يقولون إن المراد بالسجدة الواقعة فى
تلك الأحاديث والآثار الصلاة، عبر عنها بالسجدة، وهو كثير إطلاقا للجزء على الكل ، أو هو منسوخ، وقالوا
فعم اللّه لا تعد ولا تحصى، والعبد عاجز عن أداء شكرها، فالتكليف بهـا يؤدى إلى التكليف بما لا يطاق هذا،
ولكن العاملين بها يريدون النعم العظيمة - انتهى. وقال القارى: سجدة الشكر عند حدوث مايسر به من نعمة عظيمة
وعند اندفاع بلية جسيمة سنة عند الشافعى ، وليست بسنة عند أبى حنيفة خلافا لصاحبيه - انتهى. وقال السندى:
ظاهر الأحاديث أن سجود الشكر مشروع، كما قال محمد من علماءنا وغيره، وكونه مرفتّم صلى شكراً ركعتين
يوم بشر بقطع رأس أبي جهل فى بدر لا ينافى شرع السجود شكراً كما جاء. وقال الشوكانى فى النيل بعد ذكر
أحاديث سجود الشكر مالفظه: وهذه الأحاديث تدل على مشروعية سجود الشكر، وإلى ذلك ذهب أحمد والشافعى.
وقال مالك، وهو مروى عن أبى حنيفة: إنه يكره، إذ لم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم مع تواتر النعم عليه من طله .
وفى رواية عن أبى حنيفة: أنه مباح، لأنه لم يؤثر، وإنكار ورود سجود الشكر عن النبي صلى الله عليه وسلم من
١٦٤
٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥١ - باب في سجود الشكر
وهذا الباب خال عن الفصل الأول والثالث
2 ( الفصل الثانى )
١٥٠٧ - (١) عن أبى بكرة، قال: كان رسول اللّه وَيَّم إذا جاء، أمر سروراً - أو يسر به -
مثل هذين الامامين مع وروده عنه صلى الله عليه وسلم من هذه الطرق التى ذكرها المصنف وذكرناها من
الغرائب. ومما يزيد ثبوت سجود الشكر قوله مَ اللّم فى حديث سجدة ص هى لنا شكر، ولداود توبة - انتهى .
(وهذا الباب خال عن الفصل الأول) اعتذار عن صاحب المصابيح (والثالث) اعتذار عن نفسه. قال الشيخ
الجزرى: لم يذكر أى صاحب المصابيح من الصحاح حديثا فيه أى فى هذا الباب، وكل ما أورده فيه من الحسان ،
وقد وجدت منه فى الصحاح عن كعب بن مالك أنه سجد لله شكراً لما بشربتوبة الله عليه، وقصته مشهورة متفق
عليها، كذا فى المرقاة.
١٥٠٧ - قوله (عن أبى بكرة) صحابى، اسمه نقيع بن الحارث (كان رسول اللّه ◌َطقم إذا جاءه أمر)
بالقنوين للتعظيم . ولفظ ابن ماجه: كان إذا أتاه أمر. قال السندى : أى عظيم جليل القدر رفيع المنزلة من مجوم
نعمة منتظرة أو غير منتظرة مما يندر وقوعها لا ما يستمر وقوعها ، إذ لا يقال فى المستمر إذا أتاه ، فلا يرد قول
من قال لو ألزم العبد السجود عند كل نعمة متجددة عظيمة الموقع عند صاحبها لكان عليه أن لا يغفل عن السجود
طرفة عين ، لأنه لا يخلو عنها أدنى ساعة، فان من أعظم نعمه على العباد نعمة الحياة ، وذلك يتجدد عليه بتجدد
الأنفاس عليه، على أنه لم يقل أحد بوجوب السجود ولا دليل عليه، وإنما غاية الأمر أن يكون السجود مندوبا
ولا مانع منه فليتأمل. والله تعالى أعلم (سروراً) نصب على تقدير يوجب أو حال بمعنى سارًا. وقال القارى:
بالنصب على نزع الخافض أى لأجل حصوله أو على التمييز من النسبة أو بتقدير أعنى يعنى أمر سرور. وفى نسخة: أمر
سرور على الوصفية البالغة أو على أن المصدر بمعنى الفاعل أو المفعول به أو على المضاف المقدر أى أمر ذو سرور.
وفى نسخة: أمر سرور على الاضافة. قلت: وكذا وقع فى أبى داود. قال فى المون: أمر سرور بالاضافة - انتهى.
وهكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج٦ ص ٣٦٧) قال القارى: وقال ابن حجر: قوله إذا جاءه أمر سرور
أى إذا باء، أمر عظيم حال كونه سروراً - انتهى. وهو لا يتم إلا بتقدير مضاف، أو يكون المصدر بمعنى الفاعل
أو المفعول، أو على طريق المبالغة كرجل عدل (أو يسر به) بصيغة المضارع المجهول من السرور شك من الراوى.
وفى بعض نسخ أبى داود: أو بشر به على بناء الماضى المجهول من التبشير، ولفظ ابن ماجه: إذا أتاه أمر يَسُرُ.
١٦٥

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥١ - باب فى سجود الشكر
خر ساجدا شاكرا لله تعالى. رواه أبو داود، والترمذى: وقال: هذا حديث حسن غريب.
أو يُسَرُّ به (خر ساجداً شاكراً) وفى بعض النسخ: شكراً بالنصب للعلة، وكذا نقله الجزرى. والحديث صريح
فى مشروعية سجود الشكر. قال الترمذى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا سجدة الشكر - انتهى.
وحمل هذا الحديث وأمثاله على الصلاة بعيد غاية البعد، بل هو باطل جداً، لأنه لادليل عليه. وأعلم أنه قد اختلف
هل يشترط لسجدة الشكر الطهارة أم لا؟ فقيل: يشترط قياسا على الصلاة. وقيل: لا يشترط . قال الأمير اليمانى :
وهو الأقرب أى لأن الأصل أنه لا يشترط الطهارة إلا بدليل، وأدلة وجوب الطهارة وردت للصلاة،
والسجدة الفردة لا تسمى صلاة ، فالدليل على من شرط ذلك، وليس فى أحاديث الباب ما يدل على اشتراطها ،
وليس فيها أيضا ما يدل على التكبير (رواه أبو داود) فى الجهاد (والترمذى) فى أبواب السير، وأخرجه أيضا
ابن ماجه والدار قطنى (ص ١٥٧) والحاكم (ص ٢٧٦) والبيهقى (ج٢ ص ٣٧٠) وأخرجه أحمد (ج٥ ص ٤٥)
بلفظ: أنه شهد النبى صلى الله عليه وسلم أتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه فى حجر عائشة رضى الله
عنها، فقام نثر ساجداً - الحديث . والحديث سكت عنه أبو داود وحسنه الترمذى، وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
وقال المنذرى: فى إسناده بكار بن عبد العزيز بن أبى بكرة وفيه مقال. قلت: ذكره العقيلى فى الضعفاء. وقال
يعقوب بن سفيان، فى باب من يرغب عن الرواية عنهم: ضعيف . وقال ابن معين فى رواية الدورى ؛ ليس بشىء
وفى رواية اسحاق بن منصور: صالح. وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب
حديثهم . وقال البزار: ليس به بأس، وقال مرة: ضعيف. وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الحافظ فى
التقريب: صدوق بهم. وقال الحاكم: صدوق عند الأئمة، ولهذا الحديث شواهد يكثر ذكرها ، ثم ذكر أربعة
منها. قلت : فى الباب أحاديث كثيرة. منهما حديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد والحاكم والبزار والبيهقى
وغيرهم. قال الهيشمى : رجاله ثقات . ومنها حديث أنس عند ابن ماجه بنحو حديث أبى بكرة، وفى سنده ضعف
واضطراب. ومنها حديث البراء بن عازب، أخرجه البيهقى باسناد صحيح فى المعرفة، وفى السنن الكبرى
(ج ٣ ص ٣٦٩). ومنها حديث كعب بن مالك متفق عليه. ومنها حديث سعد بن أبى وقاص الآتى. ومنها
حديث حذيفة عند أحمد، وفيه ابن لهيعة . ومنها حديث عمر بن الخطاب عند الطبرانى فى الأوسط والصغير .
ومنها حديث أبي قتادة عند الطبر انى أيضا. ومنها حديث ابن عمر عند الطبرانى فى الأوسط بسند ضعيف.
ومنها حديث أبى موسى عند الطبرانى فى الكبير، وفيه ضعف. ومنها حديث جابر عند ابن حبان فى الضعفاء.
ومنها حديث جرير بن عبد الله عند الطبرانى فى الكبير، وفيه الحسن بن عمارة ضعفه جماعة كثيرة. ومنها
حديث أبي جحيفة أشار اليه البيهقى . ومنها حديث عرجة عند البيهقى والطبرانى فى الأوسط . ومنها حديث أبى
١٦٦

مرعاة المفاتيح ج .
٤- كتاب الصلاة
٥١ - باب فى سجود الشكر
١٥٠٨ - (٢) وعن أبى جعفر: أن النبي صلى الله عيله وسلم رأى رجلا من التغاشين، على
ساجدا. رواه الدارقطنى مرسلا، وفى شرح السنة، لفظ: المصابيح.
جعفر الباقر الآتى. وفى الباب آثار عن الخلفاء الراشدين أبى بكر وعمر وعلى، ذكرها البيهقى: من أحب الاطلاع
على ألفاظ هذه الأحاديث رجع إلى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ٢٨٧، ٢٨٩)، والسنن الكبرى للبيهقى ( ج ٢
ص ٣٧١،٣٦٩)
١٥٠٨ - قوله (وعن أبى جعفر) أى محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب المعروف بالباقر
(رأى رجلا من النغاشين) بضم النون والغين والشين معجمتان، واحده نغاش، هووالنغاشى القصير جدا أقصر ما
يكون من الرجال. وزاد فى النهاية: الضعيف الحركة الناقص الخلق، كذا فى اللعات. وقال القارى: النغاشين بضم
النون وتخفيف الياء. وفى نسخة بتشديدها. قال ميرك النغاشى بتشديد الياء ، والنغاش بخذفها، هو القصير جدا
الضعيف الحركة الناقص الخلقة - انتهى. وفى المصابيح رأى رجلا نغاشيا فجد شكرا لله. قال القارى:
قال بعض الشراح وروى نغاشيا بتشديد الياء (خر ساجدا) فيه دليل على شرعية سجدة الشكر على العافية اذا رأى
مبتلى بمرض سيىء أو زمانة. قال المظهر: السنة اذا رأى مبتلى أن يسجد شكر الله على أن عافاه الله تعالى من ذلك
البلاء وليكتم والسجود وإذا رأى فاسقا فيظهر السجود ليفتبه ويتوب - انتهى. (رواه الدارقطنى) (ص ١٥٧)
( مرسلا ) لأن أبا جعفر لم يدرك النبى تَثة، وفى اسناده جابر الجعنى، وفيه كلام مشهور، وأخرجه أيضا
البيهقى (ج ٣ ص ٣٧١) وقال هذا منقطع، ورواية جابر الجعى، ولكن له شاهد من وجه آخر ، يعنى ما
رواه عن عرجة أن التى تؤثر أبصر رجلا به زمانة فسجد قال ويقال هذا عربجة السلمى، ولايرون له صحبة فيكون
مرسلا شاهدا لما تقدم - انتهى. وقال الحافظ فى التلخيص (ص ١١٥): حديث إن التى يتم رأى رجلا نغاشيا
نفخر ساجدا ثم قال أسال الله العافية. هذا الحديث ذكره الشافعى فى المختصر بلفظ: فسجد شكرا لله، ولم يذكر
أسناده، وكذا صنع الحاكم فى المستدرك واستشهد به على حديث أبى بكرة وأسنده الدارقطنى والبيهقى من حديث
جابر الجعفى عن أبى جعفر محمد بن على مرسلا ، وزاد أن اسم الرجل زنيم، وكذا هو فى مصنف ابن أبى شيبة من
هذا الوجه، ووصله ابن حبان فى الضعفاء فى ترجمة يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر - انتهى. وأعل
الحافظ يريد بحديثه ما ذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج٢ ص ٢٨٩) بلفظ: إن النبى صلى الله عليه وسلمكان اذا
رأى رجلا متغيراً الخلق سجد، وعزاه الطبرانى وقال فيه يوسف بن محمد بن المنكدر ، وثقه أبوزرعة، وضعفه
جماعة (وفى شرح السنة لفظ المصابيح) وفى بعض النسخ بلفظ المصابيح يعنى نغاشيا بدل من التغاشين ، وكذا عند
البيهق رأى رجلا نغاشا .
١٦٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥١- باب فى سجود الشكر
١٥٠٩ - (٣) وعن سعد بن أبى وقاص، قال: خرجنا مع رسول اللّه تَج من مكة زيد المدينة،
فلما كنا قريبا من عزوزاء، نزل ثم رفع يديه، فدعا الله ساعة، ثم خر ساجدا، فمكث طويلا، ثم
قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا، فمكث طويلا، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا،
قال: ((إنى سألت ربى، وشفعت لأمتى، فأعطانى ثلث أمتى نخروت ساجدا لربى شكرا، ثم رفعت
رأسى، فسألت ربى لأمتى، فأعطانى ثلث أمتى، خروت ساجدا لربى شكرا، ثم رفعت رأسى،
فسألت ربى لأمتى، فأعطانى الثلث الآخر،
١٥٠٩ - قوله (تريد) بصيغة المتكلم مع الغير (فلما كنا قريبا) أى فى موضع قريب أو قريبين أو
ذوى قرب (من عزوزاء) هكذا فى جميع النسخ الحاضرة للشكوة بفتح العين المهملة والزاتين المعجمتين بينهما
واو مفتوحة وبعد الزاى الثانية ألف مدودة والأشهر حذف الألف، هكذا محمح هذه اللفظة شراح المصابيح،
وقالوا هى موضع بين مكة والمدينة. والعزازة بفتح العين الأرض الصلبة. وقال صاحب المغرب والشيخ الجزرى
فى تصحيح المصابيح: عزوراء بفتح العين المهملة وزاى ساكنة ثم واووراء مهملة مفتوحتين والف، وضبط بعضهم
بحذف الألف وهى ثنية عند الجحفة خارج مكة . قال الشيخ الجزرى: ولا ينبغى أن يلتفت إلى ما ضبطه شراح
المصابيح مما يخالف ذلك فقد اضطرموا فى تقييدها ولم أر أحداً منهم ضبطها على الصواب - انتهى. كذا فى المرقاة.
قلت: وفى أبى داود عزورا. قال فى العون بفتح العين المهملة وسكون الزاى وفتح الواو وفتح الراء المهملة بالقصر
ويقال فيها عزور (أى بحذف الألف مثل قسور، وكذا وقع فى البيهقى) ثنية بالجحفة عليها الطريق من المدينة إلى
مكة، كذا فى النهاية، وفى المراصد عزور بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح الواو وآخره راء مهملة موضع أوماء
قريب من مكة. وقيل: ثنية المدينتين إلى بطحاء مكة، وقيل: هى ثنية الجحفة عليها الطريق بين مكة والمدينة .
انتهى. ( نزل ) نزول النبي صلى الله عليه وسلم فى هذا الموضع لم يكن لخاصية البقعة بل لوحتى أوحى اليه فى النهى
والأمر، قاله الطيبى (فمكث) بفتح الكاف وضعها (طويلا) أى مكنا طويلا أو زمانا كثيراً (إنى سألت ربى)
أى دعوته أو طلبت رحمته (وشفعت لأمتى) هو بيان المسؤل أو بعضه (خررت) بفتح الراء (ساجداً لربى شكرا)
أى لهذه النعمة وطلبا للزيادة، قال تعالى (لئن شكرتم لأزيدنكم - ابراهيم: ٧) (فأعطانى الثلث الآخر) بكسر
الخاء، وقيل بفتحها. قال التوربشتى: أى فأعطانيهم فلا يجب عليهم الخلود وتنالهم شفاعتى فلا يكونون كالأمم
السالفة فان من عذب منهم وجب عليهم الخلود وكثير منهم لعنوا لعصيانهم الأنياء فلم تتلهم الشفاعة، والعصاة من
هذه الأمة من عوقب منهم نقى وهذب ومن مات منهم على الشهادتين يخرج من الناروإن عذب بها وتناله الشفاعة
١٦٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤- كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
تخروت ساجدا لربى شكرا، رواه أحمد، وأبوداود.
(٥٢) باب الاستسقاء
وإن اجترح الكبائر ويتجاوز عنهم ما وسوست به صدورهم ما لم يعلموا أو يتكلموا إلى غير ذلك من الخصائص
التى خص الله تعالى هذه الأمة كرامة لنبيه صلى الله عليه وسلم - انتهى. وقال المظهر: ليس معنى الحديث أن
يكون جميع أمته مغفورين بحيث لا تصيبهم النار لأنه يناقض كثيراً من الآيات والأحاديث الواردة فى تهديد
آ كل مال اليتيم والربا والزانى وشارب الخمر وقاتل النفس بغير حق وغير ذلك بل معناه أنه سأل أن يخص أمته
من منائر الأمم بأن لا يمسخ صورهم بسبب الذنوب وأن لا يخلدهم فى النار بسبب الكبائر بل يخرج من النار من
مات فى الاسلام بعد تطهيره من الذنوب وغير ذلك من الخواص التى خص الله تعالى أمته عليه السلام من بين
سائر الأمم. قال الطيبى: يفهم من كلام المظهر: إن الشفاعة مؤثرة فى الصغائر وفى عدم الخلود فى حق أهل الكبائر
بعد تمحيصهم بالنار ولا تأثير الشفاعة فى حق أهل الكبائر قبل الدخول فى النار، وقد روينا عن الترمذى وأبى
داود عن أنس قال قال رسول اللّه ◌َفتة شفاءتى لأهل الكبائر من أمتى، وعن الترمذى عن جابر من لم يكن من
أهل الكبائر فما له للشفاعة. والأحاديث فيها كثيرة فعم يتعلق ذلك بالمشيئة والاذن فاذا تعلقت المشيئة بأن تنال
بعض أصحاب الكبائر قبل دخول النار وإذن فيها فذاك وإلا كانت بعد الدخول والله أعلم بحقيقة الحال - انتهى.
والحديث يدل على مشروعية سجود الشكر ورفع اليدين فى الدعاء (رواه أحمد وأبوداود) كذا فى جميع النسخ لكن
لم أجده فى مسند الإمام أحمد فى مسند سعد بن أبى وقاص ، والحديث ذكره المجد بن تيمية فى المنتقى، وعزاه
لأبى داود فقط، وأخرجه البيهقى فى السنن الكبرى (ج٢ ص ٣٧٠) من طريق أبي داود، وقد سكت عليه أبو داود.
وقال المنذرى فى اسناده موسى بن يعقوب الزمعى، وفيه مقال ـ انتهى. قلت: وثقه ابن معين وابن القطان.
وقال أبوداود: هو صالح. وقال ابن عدى: لا بأس به عندى ولا برواياته، وذكره ابن حبان فى الثقات ،
وضعفه ابن المدينى، وقال النسائى: ليس بالقوى. وقال أحمد: لا يحبنى حديثه، كذا فى التهذيب ، وقال فى التقريب:
صدوق سيىء الحفظ
(باب الاستسقاء) أى هذا باب فى بيان أحكام الاستسقاء. قال القارى: وفى نسخة صحيحة باب صلاة
الاستسقاء، وهو لغة: طلب سقى الماء من الغير للنفس أو الغير. وشرعا: طلبه من الله عند حصول الجدب على الوجه
المبين فى الأحاديث. قال الجزرى فى النهاية: هو استفعال من طلب السقيا أى انزال الغيث على البلاد والعباد،
يقال سقى الله عباده الغيث وأسقاهم، والاسم السقيا بالضم واستسقيت فلانا اذا طلبت منه أن يسقيك - انتهى
قال القسطلانى: الاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها (وهو أدناها) أن يكون بالدعاء مطلقا (أى من غير صلاة) فرادى
١٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
ح ( الفصل الأول ))
١٥١٠ - (١) عن عبد الله بن زيد، قال: خرج رسول اللّه ◌َي بالناس إلى المصلى يستسقى، فصلى
بهم ركعتين ،
ومجتمعين. وثانيها (وهو أفضل من الأول) أن يكون بالدعاء، خلف الصلوات ولو نافلة كما فى البيان وغيره عن
الأصحاب خلافا لماوقع للنووى فى شرح مسلم من تقييده بالفرائض، وفى خطبة الجمعة. وثالثها (وهو أفضلها وأكملها)
أن يكون بصلاة ركعتين والخطبتين. قال النووى: يتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة واقبال على الخير ومجانبة الشر
ونحو ذلك من طاعة اللّه تعالى. قال الشاه ولى الله الدهلوى: قد استسقى النبى صلى الله عليه وسلم لأمته مرات
على أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذى سنه لأمته أن خرج بالناس إلى المصلى متبذلا متواضعا متضرعا فصلى بهم
ركعتين جهر فيهما بالقراءة ثم خطب واستقبل فيها القبلة يدعو ويرفع يديه وحول رداءه، وذلك لأن لاجتماع
المسلمين فى مكان واحد راغبين فى شىء واحد بأقصى عمسهم واستغفارهم وفعلهم الخيرات أثراً عظيما فى استجابة
الدعاء، والصلاة أقرب أحوال العبد من الله، ورفع اليدين حكاية من التضرع التام والابتهال العظيم تنبه النفس على
التخشع وتحويل رداءه حكاية عن تقلب أحوالهم كما يفعل المستغيث بحضرة الملوك - أنتهى.
١٥١٠ - قوله (عن عبد الله بن زيد) بن عاصم المازنى لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذى أرى الأذان
كما زعم ابن عيينة (خرج رسول الله {ولله بالناس) فى شهر رمضان سنة ست من الهجرة، أفاده ابن حبان، قاله
الحافظ. وهذا يدل على أن بدأ مشروعية صلاة الاستسقاء كان فى رمضان سنة (٦) من الهجرة (إلى المصلى)
أى فى المدينة، وفيه دليل على أن سنة الاستسقاء البروز إلى المصلى. وقد حكى ابن عبد البر: الاجماع على استحباب
الخروج إلى الاستسقاء، والبروز إلى ظاهر المصر (يستسقى) حال أى حال كونه يريد الاستسقاء أو استئناف فيه
معنى التعليل (فصلى بهم ركعتين) فيه دليل على أن الصلاة فى الاستسقاء فى جماعة فى حالة البروز سنة، وبه قال
مالك والشافعى وأحمد والجمهور، وهو قول أبي يوسف ومحمد قال محمد فى موطأه: أما أبو حنيفة فكان لا يرى فى
الاستسقاء صلاة، وأما فى قولنا: فان الامام يصلى بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه - انتهى. كذا ذكر
شيخنا فى شرح الترمذى. قلت: اختلفوا فى حكم صلاة الاستسقاء جداً. فقال أبو يوسف ومحمد هى سنة، وقالت المالكية
والشافعية والحنابلة: إنها سنة مؤكدة ، واضطربت الحنفية فى بيان مذهب امامهم ، فقال بعضهم إنه انما أنكر سنية
صلاة الاستسقاء فى جماعة ولمينكر مشروعيتها وجوازها. قال صاحب الهداية. قال أبو حنيفة: ليس فى الاستسقاء
صلاة مسنونة فى جماعة وإن صلى الناس وحدانا جاز، وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار قال فعله مرة وتركه
أخرى فلم يكن سنة قال ابن الهمام: وأنما يكون سنة ما واظب عليه. وقال بعضهم: أنكر أبو حنيفة مشروعية صلاة
١٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤- كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
الاستسقاء بجماعة. قال صاحب البدائع: وأما صلاة الاستسقاء فظاهر الرواية عن أبى حنيفة أنه قال لا صلاة فى
الاستسقاء، وانما هو الدعاء وأراد بقوله لا صلاة فى الاستسقاء الصلاة بجماعة أى لا صلاة فيه بجماعة بدليل ما
روى عن أبى يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة عن الاستسقاء هل فيه صلاة أو دعاء مؤقت أو خطبة؟ فقال أما
صلاة بجماعة فلا، ولكن الدعاء والاستغفار وإن صلوا وحدانا فلا بأس به، والدليل له قوله و استغفروا ربكم إنه
كان غفارا - نوح: ١٠) والمراد منه الاستغفار فى الاستسقاء فمن زاد عليه الصلاة فلابد له من دليل ولم ينقل
عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الروايات المشهورة أنه صلى فى الاستسقاء إلى آخر ما قال. وقال بعضهم: لم ينكر
أبو حنيفة استنان صلاة الاستسقاء بجماعة واستحبابها، وانما أفكر كونها سنة مؤكدة قال بعض من كتب على
المشكوة من أهل عصرنا ما افظه: صلاة الاستسقاء سنة عند أبى حنيفة لكنها غير مؤكدة، لأن النبى محمد له فعلها
مرة وتركها مرة واقتصر على الاستغفار فقط قال فقد استسقى رسول الله عز له فى خطبة الجمعة ، كما فى حديث أنس
فى الصحيحين ولم يصل له، وثبت أن عمر بن الخطاب استسقى ولم يصل ولو كانت سنة (أى مؤكدة) لما تركها،
"لأنه كان أشد الناس اتباعا لسنة رسول الله مح له، وتأويل ما رواه أنه مر قم فعله .رة وتركه أخرى، والسنة
لا تثبت بمثله بل بالمواظبة، كذا فى التيين - انتهى. وقال صاحب العرف الشذى: قال فى الهداية لأنه عليه السلام
صلى مرة لا أخرى فلا تكون سنة الخ. أقول لا تكون سنة مؤكدة وإلا فمطلق السنة والاستحباب لا يمكن انكاره
لما قال صاحب الهداية أنه عليه السلام صلى مرة. وقال المحقق ابن أمير الحاج: نسب البعض البنا أن الصلاة عندنا
منفية وهذا غلط، والصحيح أن الصلاة عندنا مستحبة الخ ـ انتهى كلام صاحب العرف. ولعلك قد عرفت بما
ذكرنا وجه تخبط الحنفية فى بيان مذهب أمامهم، وهو أنه قد نفى الصلاة فى الاستسقاء مطلقا كما هو مصرح فى كلام
أبى يوسف ومحمد فى بيان مذهب أبى حنيفة ولا شك أن قوله هذا مخالف ومنابذ للسنة الصحيحة الثابتة الصريحة
فاضطربت الحنفية لذلك وتخبطوا فى تشريح مذهبه وتعليله حتى اضطر بعضهم إلى الاعتراف بأن الصلاة فى الاستسقاء
بجماعة سنة وقال لم ينكر أبو حنيفة منيتها واستحبابها وانما أنكركونها سنة مؤكدة، وهذا كما ترى من باب
توجيه الكلام بما لا يرضى به قائله، لأنه لوكان الأمر كذلك لم يكن بينه وبين صاحبيه خلاف مع أنه قد صرح
جميع الشراح وغيرهم ممن كتب فى اختلاف الأئمة بالخلاف بينه وبين الجمهور فى هذه المسئلة. قال شيخنا فى
شرح الترمذى قول الجمهور هو الصواب والحق، لأنه قد ثبت صلاته صلى الله عليه وسلم ركعتين فى الاستقاء
من أحاديث كثيرة صحيحة. منها حديث عبد الله بن زيد (الذى نحن بصدد شرحه) وهو حدث
متفق عليه. ومنها حديث أبى هريرة أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو عوانة والطحاوى والبيهقى فى السنن
١٧١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
(ج ٣ ص ٣٤٧) وقال تفرد به النعمان بن راشد. وقال فى الخلافيات. رواته ثقات. ومنها حديث ابن
عباس أخرجه أحمد وأصحاب السنن وأبو عوانة وابن حبان والحاكم والبيهقى والدارقطنى، وصححه الترمذى
وأبو عوانة وابن حبان. ومنها حديث عائشة أخرجه أبو داود وقال إسناده جيد، وابن حبان فى صحيحه، والحاكم
وأبو عوانة والبيهقى، وصححه الحاكم وابن السكن، وسيأتى فى الفصل الثالث. قال الشيخ: فهذه الأحاديث حجة
بينة لقول الجمهور، وهى حجة على الامام أبى حنيفة - انتهى. ويدل لقول الجمهور أيضا ما روى البخارى
ومسلم والبيهقى عن أبى اسحاق قال: خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري (وقد كان رأى النبي صلى الله عليه وسلم
وكان خروجه إلى الصحراء بأمر عبد الله بن الزبير حين كان أميرا على الكوفة من جهته) (وخرج معه البراء بن
عازب وزيد بن أرقم فاستسقى فقام لهم على رجليه على غير منبر فاستسقى ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ولم يؤذن
ولم يقم. قال الشيخ عبد الحى اللكنوى فى تعليقه (ص ١٥٥) على موطأ الإمام محمد بعد ذكر الأحاديث
الأربعة المرفوعة ما نصه: وبه ظهر ضعف قول صاحب الهداية فى تعليل مذهب أبي حنيفة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم استسقى ولم ترو عنه الصلاة - انتهى. فانه إن أراد أنه لم يرو بالكلية، فهذه الاخبار تكذبه، وإن
أراد أنه لم يرو فى بعض الروايات (أوفى كثير من الروايات) فغير قادح - انتهى. قال العينى فى شرح البخارى
(ج ٧ ص ٣٥ - ٣٦) قال أبو حنيفة ليس فى الاستسقاء صلاة مسنونة فى جماعة فان صلى الناس وحدانا جاز،
أنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار لقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا -
نوح: ١١،١٠) علق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة فكان الأصل فيه الدعاء دون الصلاة ، ويشهد لذلك
أحاديث، ثم ذكر أحاديث الاستسقاء وآثاره التى ليس فيها ذكر الصلاة، ثم قال فهذه الأحاديث والآثار كلها
تشهد لأبى حنيفة: أن الاستسقاء دعاء واستغفار - انتهى. وأجيب عن الآية بأنها لا تنافى سنية الصلاة فى
الاستسقاء إذ ليس فيها نفيها، وكذا ليس فيها حصر الاسقاء فى الدعاء والاستغفار، بل هى ساكنة عن ذكر
الصلاة نفيا واثباتا، وقد ثبت بأحاديث صحيحة أنه رفضه صلى مع الناس فى الاستسقاء فالاستدلال لأبى حنيفة بالآية
ليس بصحيح، ولذلك خالفه صاحباه الامام أبو يوسف ومحمد وغيرهما. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى: الفتوى
على قول صاحبيه. وأما الأحاديث التى ذكرها العينى ونقلها عنه صاحب الأوجز فليس فيها أنه صلى الله عليه وسلم
استسقى ولم يصل بل غايةما فيها ذكر الاستسقاء بدون ذكر الصلاة ولا يلزم من عدم ذكر الشىء عدم وقوعه
فالاستشهاد بها لأبى حنيفة على عدم كون الصلاة فى الاستسقاء سنة غير صحيح. قال النووي: أما الأحاديث التى
ليس فيها ذكر الصلاة فبعضها محمول على نسيان الراوى وبعضها كان فى الخطبة للجمعة، ويتعقبه الصلاة الجمعة
١٧٢
١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
فاكتفى بها ولو لم يصل أصلا كان بيانا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة ولاخلاف فى جوازه وتكون الأحاديث
المثبتة للصلاة مقدمة ، لأنها زيادة علم ولا معارضة بينهما ، ثم ذكر النووى أنواع الاستسقاء التى ذكرنا فى أول
الباب. وقال ابن رشد بعد ذكر بعض الأحاديث والآثار التى ليس فيها ذكر الصلاة ما لفظه: والحجة للجمهور
أنه من لم يذكر شيئا فليس هو بحجة على من ذكره، والذي يدل عليه اختلاف الآثار فى ذلك ليس عندى فيه
شىء أكثر من أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء إذ قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قد استسقى على
المنبر لا أنها ليست من سنته كما ذهب اليه أبو حنيفة - انتهى. وأجاب العينى عن الأحاديث التى فيها الصلاة بأنه
صلى الله عليه وسلم فعلها مرة (أى واحدة) وتركها أخرى (أى فى مرات أخرى) وذا لا يدل على السنية وإنما يدل
على الجواز - انتهى. وفيه أنه لم يرو فى حديث صحيح أو ضعيف فى الصلاة فى الاستسقاء ولم يصرح أحد
ممن روى من الصحابة أحاديث الاستسقاء بأنه صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة وعدم نقل الصلاة لا يستلزم عدم
الوقوع فدعوى أنه لم يصل إلا مرة واحدة وتركها أخرى مردودة ولو سلم فصلاته فى المصلى فى الاستسقاء
ولو مرة تدل على أنها سنة فى حق أمته من غير شك، كما قال صاحب العرف الشذى: إن مطلق السنة والاستحباب
لا يمكن إنكاره لما قال صاحب الهداية: أنه عليه السلام صلى مرة، وكما قال الشاه ولى الله الدهلوى: إن النبي
صلى الله عليه وسلم استسقى لأمته مرات على أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذى سنه لأمته أن خرج بالناس إلى
المصلى متبذلا متواضعا متضرعا فصلى بهم ركعتين، إلى آخر ما تقدم من كلامه. وقال الشيخ عبد الحى
اللكنوى فى التعليق الممجد: وأما ما ذكروا أن النبى محمد القاهره فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة فليس بشىء فانه
لا ينكر ثبوت كليهما (أى على زعمه) مرة هذا ومرة هذا لكن يعلم من تتبع الطرق أنه لما خرج إلى الصحراء صلى
فتكون الصلاة مسنونة فى هذه الحالة بلا ريب ودعاء المجرد كان فى غير هذه الصورة - انتهى. قال القسطلانى فى
شرح البخارى ، وابن حجر المكى فى شرح المشكاة ، والشيخ عبد الحى فى عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعله
لم تبلغ أبا حنيفة تلك الأحاديث والا لم ينكر استنان الجماعة. قال شيخنا: هذا هو الظن به والله تعالى أعلم
قال الكاسانى فى البدائع: ما روى أنه يَفّه صلى بجماعة حديث شاذ ورد فى محل الشهرة لأن الاستسقاء يكون
بملاء من الناس، ومثل هذا الحديث يرجح كذبه على صدقه أو وهمه على ضبطه فلا يكون مقبولا مع أن هذا
بما تعم به البلوى فى ديارهم وما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته لا يقبل فيه الشاذ - انتهى. وكذا
قفوه السرخسى. وقال فى المحيط البرهانى والكافى: إنه لم يبلغنا عن النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك صلاة الاحديث
واحد شاذ لا يؤخذ به. قال ابن الهمام: ووجه الشذوذ أن فعله عليه الصلاة والسلام لو كان ثابتا لاشتهر
فقله اشتهارا واسعا ولفعله عمر حين استسقى ولانكروا عليه إذا لم يفعل لأنها كانت بحضرة جميع الصحابة لتوفر
١٧٣

مرعاة المفاتيح ج .
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
جهر فيهما بالقراءة،
الكل فى الخروج معه عليه الصلاة والسلام للاستسقاء فذا لم يفعل ولم ينكروا ولم تشتهر روايتها فى الصدر الأول
بل هو عن ابن عباس وعبد الله بن زيد على اضطراب فى كيفيتها عن ابن عباس وأنس كان ذلك شذوذا فيما حضره
الخاص والعام والصغير والكبير. وأعلم أن الشذوذ يراد باعتبار الطرق اليهم اذ لو تيقنا عن الصحابة المذكورين
رفعه لم يبق اشكال ـ انتهى. كذا فى المرقاة. قلت: قد روى صلاته صلى الله عليه وسلم فى الاستسقاء أربعة
نفر من كبراء الصحابة عبد الله بن زيد وأبو هريرة وابن عباس وعائشة، والطرق اليهم صحيحة ثابتة قطعا،
لا يمكن انكاره، وليس فيها اضطراب قادح أصلا، كما لا يخفى على من تأمل فى طرق هذه الأحاديث ومتونها،
فالارتياب فى كونها مرفوعة والتوهم بكونها كذبا أو وهما ليس منشأه إلا التقليد الأجوف والعصبية العميا وغمط
الحق والفور عن السنة، والخبر المذكور مشهور قد عمل به الصحابة وغيرهم كابن الزبير وعبد الله بن يزيد والبر".
أن عازب وزيد بن أرقم، وكذا عمل به من بعدهم، كما قال ابن قدامة فى المغنى (ج ٢ ص ٣٣٩،٣٢٩) فتبين
أن الحديث قد اشتهر بينهم واستفاض فى الصدر الأول حيث عمل به الصحابة وغيرهم وتلقوه بالقبول ، فادعاء
شذوذه باطل مردود على من تفوه به، ولا يلزم من اقتصار عمر على الاستغفار عدم ثبوت الصلاة عن النبى صلى
الله عليه وسلم، ولا يجوز تكذيب الرواة العدول الثقات لفعل عمر، والظاهر أن عمر أنما لم يزد على الاستغفار
ليبين للناس أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء، كما قال ابن رشد، وأيضا فقد أنكروا على عمر
اقتصاره على الاستغفار إذ قالوا ما رأيناك استسقيت أى على الوجه الذى استسقى به النبى معَة فى حالة الخروج
إلى الصحراء من الصلاة والدعاء والخطبة وتحويل الرداء ولا يضر هذه الأحاديث كونها ما تعم به البلوى، فإن
خبر الواحد مقبول فى ذلك فى قول الجمهور لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد فى عموم البلوى فقد قبلوا خبر
عائشة فى الغسل من الجماع بغير الانزال وخبر رافع بن خديج فى المخابرة ، وقد أثبتت الحنفية تثنية الاقامة
وانتقاض الوضوء بخروج النجاسة من غير السبيل ورفع اليدين مع تكبيرات العيدين باخبار الآحاد مع كون ذلك
ما تعم به البلوى (جهر فيهما بالقراءة) قال النووى فى شرح مسلم: أجمعوا على استحباب الجهر بالقراءة وكذا
نقل الاجماع على استحبابه ابن بطال، كما فى الفتح، قال الحافظ: لم يقع فى شىء من طرق حديث عبد الله بن
زيد صفة الصلاة المذكورة ولا ما يقرأ فيها وقد أخرج الدار قطنى (والحاكم والبيهقى) من حديث ابن عباس أنه
قال سنة الاستسقاء سنة الصلاة فى العيدين - الحديث. وفيه وصلى ركعتين كبر فى الأولى سبع تكبيرات وقرأ بسبح
اسم ربك الأعلى، وقرأ فى الثانية هل أتاك حديث الغاشية، وكبر فيها خمس تكبيرات، وفى إسناده مقال فان فى
سنده محمد بن عبد العزيز وقال فيه البخارى: منكر الحديث. وقال النسائى: متروك الحديث، وضعفه أيضا أبو حاتم
١٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
واستقبل القبلة يدعو، ورفع يديه، وحول رداءه
وابن حبان وابن القطان، وأصله فى السنن بلفظ: فصلى ركعتين، كما يصلى فى العيد فأخذ بظاهره الشافعى فقال
يكبر فيهما سبعا وخما كالعيد ، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبى بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم، وهو رواية عن أحمد، وذهب الجمهور مالك والأوزاعى واسحاق وأبو يوسف ومحمد وأحمد فى رواية إلى
أنه يكبر فيهما كسائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح لأنه لم يذكر عبد الله بن زيد وأبو هريرة وعائشة تكبيرات
الزوائد فى رواياتهم ولاابن عباس فيما صح من روايته، وظاهرها أنه لم يكبر النبي صلى الله عليه وسلم والزيادة
تحتاج إلى دليل صحيح يؤيدها وتأول الجمهور قول ابن عباس صلى ركعتين كما كان يصلى فى العيد على أن المراد.
كصلاة العيد فى العدد والجهر بالقراءة وكونهما قبل الخطبة، قال الزرقانى: لم يأخذ به مالك لضعف الرواية المصرحة
بالتكبير ولما يطرق الثانية من احتمال نقص التشبيه - انتهى. وقال ابن قدامة: كيفما فعل كان جائزاً حسنا - انتهى
(واستقبل القبلة) أى بعد الصلاة، واختلفوا فى استقبال القبلة متى يكون فقال محمد يخطب خطبتين بعد الصلاة
ويتوجه إلى القبلة بعد الفراغ من الخطبة ويشتغل بالدعاء رافعا يديه . وقالت الشافعية: إذا . ضى الثلث من الخطية
الثانية يتوجه إلى القبلة ويدعو، وبعد الدعاء يستقبل الناس ويكمل الخطبة. وقالت المالكية : يتوجه إلى القبلة بعد
الفراغ من الخطبة الثانية ويدعو مستقبلا للقبلة قال الباجى : اختلف قول مالك فى استقبال القبلة. متى يكون فروى
عنه ابن القاسم أنه يفعل ذلك إذا فرغ من الخطبة وقال عنه على بن زياد يفعل ذلك فى أثناء خطبته يستقبل القبلة
ويدعو ما شاء ثم ينصرف فيستقبل الناس ويتم خطبته وجه الأول أنه خطبة مشروعة فلا يسن قطعها بذكر كخطبتى
العيد. وجه الثانى أن السنة فيها خطبتان لا زيادة عليهما فإذا أتى بالدعاء مفرداً كان ذلك كالخطبة الثالثة - انتهى.
وقالت الحنابلة يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة ويدعو رافعا يديه ويجهر ببعض دعاءه أيسمع الناس فيؤمنون على
دعاءه ثم يستقبل القبلة فى أثناء الخطبة ويدعو حال استقباله. والراجح عندنا: أنه يخطب خطبة واحدة ويستقبل
القبلة فى أثناء الخطبة ويدعو مستقبلا للقبلة، لأن ظاهر الحديث يدل على هذا (يدعو) حال (ورفع يديه) أى للدعاء،
وكذا يرفع الناس أيديهم مع الامام يدعون، وقد بوب البخارى فى صحيحه: باب رفع الناس أيديهم مع الامام
فى الاستسقاء، وأورد فيه حديث أنس فى استسقاء النبى صلى الله عليه وسلم فى خطبة الجمعة عند شكوى الأعرابى
وفيه فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يدعون (وحول رداءه) بحيث صار الأيمن إلى الجانب الأيسر وطرفه الأيسر إلى الجانب الأيمن وصار باطنه
ظهراً وظاهره باطنا وطريقة هذا القلب والتحويل أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره وبيده
اليسرى الطرف الأسفل من جانب يمينه ويقلب يديه خلف ظهره حتى يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه
١٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاء
٥٢ - باب الاستسقاء
حين استقبل القبلة.
الأعلى من جانب اليمين والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار فإذا فعل ذلك فقد
انقلب اليمين يساراً واليسار يمينا والأعلى أسفل وبالعكس ذكر الواقدى أن طول رداءه صلى الله عليه وسلم
كان فى ستة أذرع فى ثلاثة أذرع وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين فى ذراعين وشبر كان يلبسهما فى الجمعة
.والعيد - انتهى. وفيه دليل على استحباب تجويل الرداء فى هذه العبادة، وخالف أبو حنيفة فى ذلك فأنكر استنانه
واستحبابه وقال كان ذلك تفاؤلا بتغيير الحال كما جاء مصرحا عند الدار قطنى والحاكم والبيهقى من طريق جعفر
ابن محمد بن على عن أبيه عن جابر بلفظ: وحول رداء، ليتحول القحط. قال الحافظ: رجاله ثقات، ورجح
الدار قطنى إرساله. وفى الطوالات للطبرانى من حديث أنس بافظ: وقلب رداء، لكى ينقلب القحط إلى الخصب.
قلت: كون التحويل للتفاؤل لا ينافى استحبابه عند الدعاء فى الاستسقاء فى الصحراء وسنة رسول اللّه ◌َوفتح أحق أن
تتبع. قال ابن دقيق العيد: وقال من احتج لأبى حنيفة إنما قلب رداء، ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين فى
الدعاء أو عرف من طريق الوحى تغيير الحال عند تغيير رداءه. قلنا القلب من جهة إلى جهة أخرى أو من ظهر إلى
بطن لا يقتضى الثبوت على العائق بل أى حالة اقتضت الثبوت أو عدمه فى إحدى الجهتين فهو موجود فى الأخرى
وإن كان قد قرب من السقوط تلك الحال فيمكن تثبيته من غير قلب، والأصل عدم ماذكر من نزول الوحى بتغير
الحال عند تغيير الرداء والاتباع افعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص مع
ما عرف من الشرع من صحة التفاؤل - أنتهى. ويستحب أن يحول الناس بتحويل الامام وهو قول الجمهور مالك
والشافعى وأحمد وغيرهم، لما روى أحمد من حديث عبد الله بن زيد بلفظ: وحول الناس معه. وقال الليث
وأبو يوسف ومحمد وابن المسيب وعروة والثورى: يحول الامام وحده، والحق ما ذهب إليه الجمهور، لأن الظاهر
أن تحويلهم كان عن علمه تمَّ فتقريرة أيامٍ اذ حولوا يدل على كونه سنة فى حقهم أيضا واستسنى الشافعية والمالكية
النساء فقالوا لا يستحب فى حقهن، وظاهر قوله: وحول الناس معه أنه يستحب ذلك النساء أيضاً (حين استقبل القبلة)
وفى رواية لمسلم: لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداء، وفى أخرى له فجعل الى الناس ظهره يدعو الله
واستقبل القبلة وحول رداءه، وأفادت هذه الروايات أن التحويل وقع فى أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء حال
استقبال القبلة . وفى رواية للبخارى: حول الى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه. قال الحافظ :
ظاهره أن الاستقبال وقع سابقاً لتحويل الرداء، وهو ظاهر كلام الشافعى، ووقع فى كلام كثير من الشافعية أنه
يحوله حال الاستقبال - انتهى. وقيل: يحمل ثم فى رواية البخارى هذه على معنى الواو لتوافق الروايات الأخرى.
واعلم أنه لم يرد فى حديث عبد الله بن زيد فى الصحيحين التصريح بالخطبة وإنما ذكر تحويل الظهر الى
١٧٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
الناس واستقبال القبلة والدعاء وتحويل الرداء فاحتج به لأبى حنيفة على أنه لا خطبة فى الاستسقاء وإنما يدعو
ويتضرع، وهى رواية عن أحمد، وذهب الجمهور الى استنان الخطبة فيه، وهو المشهور عن أحمد، وهو الحق
والصواب لما وقع من التصريح بالخطبة فى حديث عبد الله بن زيد عند أحمد (ج ٤ ص ٤١) وفى حديث
أبى هريرة عند ابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ٣٧٤) والطحاوى (ص ١٩٢) وفى حديث عائشة عند أبى داود
والحاكم (ج ١ ص ٣٢٨) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٤٩) واحتج أيضاً لمن لم يقل بالخطبة بقول ابن عباس لم يخطب
خطبتكم هذه ولكن لم يزل فى الدعاء والتضرع والتكبير. أخرجه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه والحاكم
(ج ١ ص ٣٢٧) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٤٧ - ٣٤٨) والطحاوى (ج ١ ص ١٩١) وأجيب عنه بأن ابن عباس
انما ففى وقوع خطبة منه صلى الله عليه وسلم مشابهة لخطبة المخاطبين ولم ينف وقوع مطلق الخطبة منه صلى الله
عليه وسلم. قال شيخنا: النفى متوجه الى القيد لا إلى المقيد كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة. وفى رواية
أبى داود: فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه، فقوله فرقى المنبر أيضاً يدل على أن النفى متوجه الى القيد. قال
الزيلغى (ج ٢ ص ٢٤٢) مفهوم قول ابن عباس أنه خطب لكنه لم يخطب خطبين كما يفعل فى الجمعة، ولكنه
خطب خطبة واحدة ، فلذلك نفى النوع ولم ينف الجنس ولم يرو أنه خطب خطبتين ، فلذلك قال أبو يوسف يخطب
خطبة واحدة، ومحمد يقول: يخطب خطبتين، ولم أجد له شاهداً - انتهى. وقال ابن قدامة: قول ابن عباس
فنى للصفة لا لأصل الخطبة أى لم يخطب كخطبتكم هذه انما كان جل خطبته الدعاء والتضرع والتكبير - انتهى. قال
بعض من كتب على سنن أبي داود من أهل عصرنا: ظاهر قوله: فلم يخطب خطبتكم هذه أن النفى راجع الى القيد
والمقيد جميعاً ولم يخطب مَّم فى هذه المرة قال وقوله ولكن لميزل فى الدعاء والتضرع والتكبير كالصريح فى أنه
لم يخطب مطلقا فان الخطبة كانت مستقبل الناس مستدير الكعبة والدعاء بالعكس، قال: وأما قوله فرقى المنبر
فهو مختلف فيه ذکره عثمان بن أبى شيبة عند أبى داود ومحمد بن عبيد بن محمد عند النسائى وعثمان له مع كونه ثقة
أوهام ومحمد بن عبيد قال فيه النسائى ومسلمة لابأس به ولم يذكر هذا اللفظ غيرهما. قلت: وقع عند أحمد والبيهقى
من رواية وكيع عن سفيان عن هشام بن اسحاق عن أبيه عن ابن عباس لم يخطب كخطبتكم هذه ، وهذا صريح
فى أن ابن عباس إنما نفى الخطبة المشابهة لخطبتهم ولم ينف وقوع مطلق الخطبة ولا يفهم منه غير ذلك فهو ظهر
فى أن النفى راجع الى القيد فقط. وأما قوله: لكن لم يزل فى الدعاء الخ فلا ينافى الخطبة لأن معناه أن جل خطبته
وأكثرما كان الدعاء والتضرع والتكبير كما قال ابن قدامة، وأيضاً الدعاء يكون بعد فراغ الموعظة فى آخر الخطبة
وبعد الدعاء يستقبل الامام الناس ويتم خطبته ، وقوله: فرقى المنبر صريح فى وقوع الخطبة فى هذه المرة أيضاً،
١٧٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
لأن الظاهر أنه لا يرقاه الا للخطبة ولم يتفرد به عثمان ومحمد بن عبيد بل قد تابعهما أبو ثابت المدنى محمد بن
عبيد الله بن محمد عند البيهقى، وهو أيضاً ثقة، فهى زيادة صحيحة، رواها جماعة من الثقات ولا بضرها سكوت
من سكت عنها ، ولا دليل على كونها وهما فلا بد من قبولها. ثم أنه اختلفت الأحاديث فى وقت الخطبة
للاستسقاء، ففى حديث عبد الله بن زيد عند أحمد (ج ٤ ص ٤١) وحديث أبى هريرة أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة
وفى حديث عائشة عند أبي داود وغيره أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، وكذا فى حديث ابن عباس عند أبي داود
ففيه خرج النبي ◌َّ متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى فرقى المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل فى
الدعاء والتضرع والتكبير ثم صلى ركعتين، وفى رواية للشيخين وغيرهما من حديث عبد الله بن زيد توجه إلى القبلة
يدعو وحول رداء، ثم صلى ركعتين، وقد استدل بها على أن الخطبة قبل الصلاة لكن ليس فيها التصريح بأنه
خطب، واختلفوا فى دفع هذا الاختلاف: فقال الزيلمى فى نصب الراية (ج ٣ ص ٢٤٢) بعد ذكر الروايات
المذكورة: ولعلهما واقعتان، وقال ابن قدامة: يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين، ورجح البيهقى
رواية تقديم الصلاة على الخطبة من حديث عبد الله بن زيد، كما يظهر من كلامه فى باب ذكر الأخبار التى تدل على
أنه دعا أو خطب قبل الصلاة (ج ٣ ص ٣٤٨ - ٣٤٩) قال القرطبي: ويعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة
بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة امام الحاجة، ورجح بعضهم تقديم الخطبة . قال ابن رشد فى
البداية (ج ١ ص ١٦٩) قال القاضى من ذكر الخطبة فانما ذكرها فى على قبل الصلاة. وقال الحافظ: يمكن
الجمع بين ما اختلف من الروايات فى ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب فاقتصر
بعض الرواة على شىء، وبعضهم على شىء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة فلذلك وقع الاختلاف - انتهى.
واختلف أيضا مذاهب العلماء فى محل الخطبة واختلافهم انما هو فى الاستحباب لا فى الجواز، فالمرجح عند مالك
والشافعى وأبى يوسف ومحمد: الشروع بالصلاة، وهو المشهور عن أحمد. قال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء
وقال النووى: وبه قال الجماهير ، وذهب ابن حزم والليث وابن المنذر إلى أن الخطبة قبل الصلاة، وروى ذلك
عن عمر رضى الله عنه وابن الزبير و أبان بن عثمان و هشام بن اسماعيل وأبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كما
فى ستن الأثرم، وعن أحمد رواية كذلك. قال النووي: وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير. قال
أصحابنا: ولو قدم الخطبة على الصلاة صحا ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء فى الأحاديث
ما يقتضى جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية فى ذلك عن الصحابة - انتهى. وعن أحمد رواية ثالثة أنه
خير فى الخطبة قبل الصلاة وبعدها. قال ابن قدامة: لورود الاخبار بكلا الأمرين ودلالتها على كلنا الصفتين،
فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين - انتهى. وقال الشوكانى بعد ذكر القولين الأولين ما لفظه:
١٧٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
متفق عليه .
١٥١١ - (٢) وعن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه فى شئْ من
دعاء، إلا فى الاستسقاء فانه يرفع حتى يرى بياض إبطيه.
وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق - انتهى. وتقدم أنه روى عن أحمد ففى الخطبة أيضا قال ابن قدامة
بعد ذكر الروايات الأربعة عنه وأياما فعل من ذلك فهو جائز ، لأن الخطبة غير واجبة على الروايات كلها فان
شاء فعلها وإن شاء تركها ، والأولى أن يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة لتكون كالعيد وليكونوا قد فرغوا من
الصلاة أن أجيب دعاءهم فأغينوا فلا يحتاجون إلى الصلاة فى المطر - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى
الاستسقاء فى مواضع، وأخرجه أيضا فى الدعوات، وأخرجه مسلم فى الاستسقاء كلاهما بألفاظ مختلفة، ولفظ
المشكاة بهذا السياق والفسق ليس لهما ولا لأحدهما بل ولا لغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد والمعاجم والجهر
بالقراءة لم يذكره فى رواية مسلم قد انفرد به البخارى وليس فى رواية الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد ذكر
رفع اليدين أصلا ، نعم رواه الترمذى وأبو داود والنسائى ولا أدرى من أين نقل البغوى والمصنف هذا السياق
والظاهر أن هذا من قصرف البغوى: والعجب من المصنف إنه لم يتنبه لذلك، والحديث أخرجه أيضا أحمد ومالك
والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم.
١٥١١ - قوله (كان النبى صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه) أى رفعا بليغا، يعنى لا يبالغ فى الرفع
وإلا فأصل الرفع ثابت فى مطلق الدعاء وآخر الحديث يشعر بهذا المعنى رأفى شىء من دعاء، إلا فى الاستسقاء) أى
فى دعاءه (فإنه يرفع) أى كان يرفع يديه (حتى يرى) بصيغة المجهول (بياض إبطيه) بكسر الهمزة وسكون الباء
الموحدة وقد تكسر باطن المنكب يذكر ويؤنث. قال الحافظ ، قوله: إلا فى الاستسقاء، ظاهره نفى الرفع فى كل
دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة فى الرفع فى غير الاستسقاء وهى كثيرة، فذهب بعضهم إلى
أن العمل بها أولى . وحمل حديث أنس على ففى رؤيته وذلك لا يستلزم ففى روية غيره، ورواية المثبت مقدمة على
النافى، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يحمل النفى على صفة مخصوصة إما على الرفع
البليغ، ويدل عليه قوله: حتى يرى بياض إبطيه، ويؤيده أن غالب الأحاديث التى وردت فى رفع اليدين فى
الدعاء، إنما المراد به مد اليدين وبسطهما عند الدعاء وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهه
حتى حاذتاه وحينئذ يرى بياض إبطيه، وإما على صفة اليدين فى ذلك كما فى رواية مسلم التى تليه ولأبى داود من
حديث أنس أيضا كان يستسقى هكذا ومد يديه وجعل بطونهما مما يلى الأرض حتى رأيت بياض إبطيه
١٧٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤- كتاب الصلاة
٥٢ - باب الاستسقاء
متفق عليه.
١٥١٢ - (٣) وعنه، أن النبى معَّم استسقى فأشار بظهر كيفيه إلى السماء. رواه مسلم.
١٥١٣ - (٤) وعن عائشة، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال:
اللهم صيبا
(متفق عليه) وأخرجه أيضا أبوداود والنسائى والبيهقى (ج ٣ ص٣٥٧) والحاكم (ص ٣٢٧) وذكر المنذرى
والقسطلانى والعينى: ابن ماجه أيضا فيمن خرجه فى الاستسقاء ولم أجده ، ونسبه الجزرى فى جامع الأصول
(ج ٧ ص ١٣٩) البخارى ومسلم وأبى داود والنسائى فقط، فعم روى ابن ماجه عن أبى هريرة أن النبي صلى الله
عليه وسلم استسقى حتى رأيت أو رؤى بياض إبطيه أخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٢٣٦) والبزار.
١٥١٢ - قوله (إن النبي ◌َّ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء) على عكس ما هو المتعارف فى
الدعاء. قيل الحكمة فى الاشارة بظهر الكفين فى الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقليب الحال، كما قيل فى تحويل
الرداء. قال التوربشتى: معنى الحديث أنه كان يجعل بطن كفيه إلى الأرض وظهرهما إلى السماء يشير بذلك إلى
قلب الحال ظهر البطن وذلك مثل صنيعه فى تحويل الرداء، ويحتمل وجها آخر ، وهو أنه جعل بطن كفيه إلى
الأرض إشارة إلى مسئلته من الله تعالى بأن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب مافيه من المطر كما أن
الكف إذا جعل وجهها أى بطنها إلى الأرض أنصب ما فيها من الماء - انتهى. وقال النووى: قال العلماء: السنة
فى كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلا ظهور كفيه إلى السماء وإذا دعما بسوال شىء، وتحصيله أن يجعل
كفيه إلى السماء - انتهى. وقد أخرج أحمد من حديث السائب بن خلاد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان إذا سأل جعل باطن كفيه اليه وإذا استعاذ جعل ظاهر هما اليه، وفى إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال مشهور
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا أبو داود، وتقدم لفظه وأخرجه البيهقى بكلا اللفظين (ج ٣ ص ٣٥٧).
١٥١٣ - قوله (كان إذا رأى المطر) يحتمل أن يكون المراد إذا رأى المطر بعد الاستسقاء، والمطر بفتح
الطاء ماء السحاب (صيبا) بفتح الصاد وتشديد الياء المكسورة أى منهمراً متدافعا، أصله واو لأنه من صاب
يصوب صوباً إذا نزل فأصاب الأرض وبناء، صيوب كفيعل فأبدات الواو ياء وأدغمت كسيد. قال ابن عباس
فى قوله تعالى: ﴿أو كصيب من السماء - البقرة: ١١٩ ) الصيب المطر، وبه قال الجمهور. وقال الواحدى: هو المطر.
الكثير. وقيل: المطر الذى يجرى ماءه. وقال بعضهم: الصيب السحاب ، ولعله أطلق ذلك مجازاً لأنه من صاب
المطر يصوب إذا نزل فأصاب الأرض، ويؤيد معنى المطر الكثير ما فى الكشاف الصيب المطر الذى يصوب أى.
١٨٠