Indexed OCR Text
Pages 121-140
صنعاء المصابيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاه الحسون (٥٠) باب صلاة الخسوف فلم يجب الأكل منها كالعقيقة، والأمر للاستحباب أو الاباحة كالأمر بالأكل من الثمار والزرع والنظر اليها - انتهى. التاسعة حكم جلد الأضحية فقال أحمد: لا يجوز أن يبيعه ولا شيئا منها، واجبة كانت أو تطوعا .. له أن ينتفع بحلدما من غير بيع وهو مذهب الشافعى ورخص الحسن والنخعى فى الجلد أن يبيعه و اشترى به الغربال والمنخل أو آلة البيت، وروى نحو هذا عن الأوزاعى، لأنه ينتفع به هو وغيره، فجرى مجرى تفريق اللحم. وقال أبو حنيفة: يبيع ما شاء منها ويتصدق بثمنه. وروى عن ابن عمر أنه يبيع الجلد ويتصدق بثمنه. والراجع هو ما ذهب اليه الشافعى وأحمد لقوله صلى الله عليه وسلم: لا قيموا لحوم الهدى والأضاحى وكلوا وتصدقوا واستمتعوا يجلودها ولا تبيعوها وإن أطعمتم من لحومها شيئا فكاوه إن شتم، أخرجه أحمد. قال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٤ ص ٢٦): هو مرسل صحيح الإسناد، ولقوله صلى الله عليه وسلم: من باع جلد أضحيته فلا أضحية له، أخرجه الحاكم (ج٤ ص ٣٨٩) والبيهقى من حديث أبى هريرة، قال الحاكم: صحيح الإسناد. قلت: فيه عبد الله بن. عياش وقد ضعفه أبو داود والنسائى، وذكره ابن حيان فى الثقات، وأخرج له مسلم فى الشواهد. وقال أبو حاتم: صدوق ليس بالمتين يكتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة، ولقول على رضى الله عنه: أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأقسم جلودها وجلالها، وأمرنى أن لا أعطى الجزار منها شيئا ، وقال نحن نعطيه من عندنا، أخرجه الجماعة إلا الترمذى. قال الزيلعى فى نصب الراية والمصنف يعنى صاحب الهداية: احتج بحديث أبى هريرة وعلى رضى الله عنه على كرامة بيع جلد الأضحية مع جوازه وهو خلاف ظاهر اللفظ ، وقد احتج ابن الجوزى بظاهر حديث على رضى الله عنه على التحريم - انتهى. (باب صلاة الخسوف) أى للشمس والقمر. قال أهل اللغة: خسوف العين ذهابها وغيبوبتها وغورها أى دخولها فى الرأس، وخسوف المكان ذهابه فى الأرض، وخسوف الشىء نقصانه، وخسوف القمر ذهاب ضوءه، والخف أيضاً الذل، والكسوف التغير الى السواد ، ومنه كسف وجهه أذا تغير، وكسفت الشمس أى أسودت وذهب شعاعها. والمشهور على ألسنة الفقهاء استعمال الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب أيضاً. قال فى الفصيح: إن كسفت الشمس وخسف القمر أجود الكلامين. وذكر الجوهرى فى الصحاح: أنه أفصح، وعلى هذا فكان الأولى المؤلف أن يقول الكسوف بدل الخسوف ، فإن أحاديث الباب كلها وردت فى كسوف الشمس أو يقول الكسوف والخسوف، لأن حكمهما واحد فى أكثر المسائل عند الفقهاء. وقيل: أتى بلفظ الخسوف تنبيها على أن الخسوف يستعمل فى الشمس والقمر كما يستعمل الكسوف فيهما، وأختيارا لما دات عليه الأحاديث أنه يقال بهما فى كل منهما. قال القسطلانى: الأصح أن الكسوف والخسوف يضافا للشمس والقمر بمعنى يقال كسفت الشمس والقمر وخفا بفتح القاف والخماء مبنيا للفاعل، وكسفا وخفا بضمها مبنيا للفعول وانكفا ١٢١ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠- باب صلاة الحسوى الفصل الأول )! ١٤٩٤ - (١) عرب عائشة قالت: أن الشمس خسفت، ونخسفا بصيغة انفعل، ومعنى المادتين واحد أو يختص ما بالكاف بالشمس وما بالخاء بالقمر، وهو المشهور على ألسنة الفقهاء، واختاره ثعلب، وادعى الجوهرى أفصحيته، ونقل عياض عن بعضهم عكسه. وعورض يقوله تعالى: ﴿وخسف القمر - القيامة: ٨). ويدل القول الأول إطلاق اللفظين فى المحل الواحد فى الأحاديث . قال المنذرى، وقبله ابن العربى: حديث الكسوف رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم سبعة عشر نقا، رواه جماعة منهم بلفظ الكاف وجماعة بالخاء وجماعة باللفظين جميعاً - انتهى. لكن لم يرد فى الأحاديث نسبة الكسوف الى القمر على جهة الانفراد. قال القسطلانى نقلا عن الحافظ وغيره : ولا ريب أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف، لأن الكسوف لغة تغير الى سواد، والخسوف النقص والذل كما مر، فإذا قيل فى الشمس كسفت أو خسفت، لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ ذلك، ذلك القمر. ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان. وقيل: بالكاف فى الابتداء، وبالخاء فى الانتهاء وقيل، بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه، وقيل بالخاء لذهاب كل اللون، بالكاف لتغيره. وأعلم أنه لاخلاف فى مشروعية صلاة الكسوف والخسوف، وأصل مشروعيتها بالسنة وإجماع الأمة لكن إختلفوا فى حكمها وصفتها، فقال الشافعى وأحمد: صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة لفعله تربية لها وجمعه الماس مظهرا لذلك، وهذه أمارة الاعتناء والتأكيد وللأمر بها، والصارف عن الوجوب ما سبق من قوله صلى الله عليه وسلم لا إلا أن قطوع. وعند أبي حنيفة سنة غير مؤكدة. وصرح أبو عوانة فى صحيحه بوجوبها، واليه ذهب بعض الحنفية واختاره أبو زيد الدبوسى صاحب الأسرار. قال ابن الهام الأمر بها. والظاهر أن الأمر للندب، لأن المصلحة دفع الأمر الخوف فهى مصلحة أعود الينا دنيوية الى آخر ما قال. وعَنَّ مالك أنه أجراها مجرى الجمعة. وفى الشرح الكبير المالكية. أنها سنة عين. وأما صلاة خسوف القمر فهى سنة مؤكدة عند الشافعى وأحمد ككسوف الشمس ومستحبة عند أبى حنيفة ومالك ، لكن قالا يضلون فرادى من غير جماعة. وقال ابن دقيق العيد: تردد فى صلاة الخسوف مذهب مالك وأصحابه ولم يلحقها بكسوف الشمس فى قول. وقال ابن قدامة: قال مالك: ليس فى كسوف القمر سنة. وحكى ابن عبد البر عنه وعن أبى حنيفة أنهما قالا يصلى الناس لخسوف القمر وحدانا ركعتين ركعتين ولا يصلون جماعة. قال العينى: أبو حنيفة لم ينف الجماعة بل قال الجماعة فيها غير سنة بل هى جائزة - انتهى. والراجح: ما ذهب اليه الشافعى وأحمد. وأما الصفة فسيأتى الكلام عليها قريبا . ١٤٩٤ - قوله (إن الشمس خسفت) بفتح الخاء والسين. وفى إسناد الخسوف الى الشمس رد على من ١٢٢٠ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث، مناديا: الصلاة جامعة، فتقدم فصلى أربع ركعات فى ركعتين وأربع سيدات. قالت عائشة: ما ركمت ركوعا قط ولا يسودت سجوداً قط كان أطول منه. قال إنه يتعين الخسوف للقمر ، وعلى من قال إن استعمال الخسوف للشمس خلاف الأفصح (على عهد رسول الله مَ) أى فى زمانه يوم مات ابنه إبراهيم كما سيأتى (فبعث مناديا) يقول (الصلاة جامعة) يعنى ينادى بهذه الجملة . قال الطيبي: الصلاة مبتدأ وجامعة خبره ، أى الصلاة تجمع الناس. ويجوز أن يكون التقدير الصلاة ذات جماعة أى تصلى جماعة لا منفرداً كالسنن الرواتب، فالا سناد مجازى كطريق سائر - انتهى. ويجوز نصب الصلاة على الاغراء وجامعة على الحال أى أحضروا الصلاة حال كونها جامعة للجماعات أو للناس وهو من الأحوال المقدرة. وفيه تفادير أخرى، وهو يدل على أنه يسن أن ينادى لصلاة الكسوف الصلاة جامعة. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك، وقد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها ولا يقام، لأن النبي ◌ُّ صلاها بغير أذان ولا إقامة. وقاس بعضهم صلاة العيدين على الكسوف فى مشروعية النداء بالصلاة جامعة وهو محل نظر، لأنه لم يرد الأمر بهذا اللفظ عنه مرَ ◌ّه إلا فى هذه الصلاة مع الحاجة الى ذلك فى عهده مَ المه فالاقتصار عليه هو المشروع (فتقدم) أى هو مَّل (فصلى) وفى رواية مسلم: فاجتمعوا وتقدم وكبر وصلى. وفى رواية للنسائى فاجتمعوا واصطفوا فصلى (أربع ركعات) أى ركوعات (وأربع سحدات) قال العينى والقسطلانى بنصب أربع عطفا على أربع ركعات. قال القارى: فائدة ذكره أن الزيادة منحصرة فى الركوع دون السجود (قالت عائشة) اعلم أن هذا الحديث الى قوله وأربع سجدات، رواه الشيخان والنسائى أيضاً من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعى عن الزهرى عن عروة عن عائشة أن الشمس خسفت الخ. وأما قوله قالت عائشة ما ركعت الخ فليس فى هذا الحديث ولا هو مروى من هذا الطريق، بل هو تتمة حديث عبد الله بن معمر، وأخرجه هؤلاء الثلاثة من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة عن عبد الله بن عمر، وبنحو حديث عائشة المذكور. وفى آخره فقالت عائشة ما ركعت الخ فالراوى لذلك عنها هو غير الراوى لحديث عائشة المتقدم المرفوع وهو أبو سلمة . ويحتمل أن يكون عبد الله بن عمرو، فيكون من رواية صحابى عن صحابية. قال الحافظ: ووهم من زعم أنه معلق، فقد أخرجه مسلم وابن خزيمة وغيرهما من رواية أبى سلمة عن عبد الله بن عمرو، وفيه قول عائشة - انتهى. (ما ركعت ركوعا قط ولا سجدت سجوداً قط كان أطول منه) أى كان ذلك الركوع والسجود أطول من ركوع الخسوف وسجوده، وهذا لفظ مسلم. واقتصر البخارى على ذكر السجود. ولفظه: قالت عائشة ما سيحدث سجوداً. قط كان أطول منها أى من سجدة الكسوف، أو هو على حذف مضاف أى من مجود صلاة الكسوف. وقد ثبت طول الركوع والسجود فى الكسوف فى أحاديث كثيرة. منها أحاديث ابن عباس وعائشة وأبى موسى المذكورة ١٢٣ من هذا المقالع جه ٤ - حساب الصلاة ٥٠ - باب علاء الحدود فى الباب. ومنها حديث أبى هريرة عند النسائى. ومنها حديث سمرة عند أبى داود والنسائى. ومنها حديث جاير عند أحمد ومسلم وأبى داود. ومنها حديث أسماء عند أحمد والبخارى وأبى داود وابن ماجه. وإلى مشروعية التطويل فى الركوع والسجود فى صلاة الكسوف كما يطول القيام ذهب أحمد وأبو حنيفة ومالك فى المشهور عنه والشافعى فى أحد قوليه، وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه. والحديث يدل على مشروعية الجماعة لصلاة الكسوف، واليه ذهب مالك والشافعى وأحمد وجمهور العلماء. وقال ابن حبيب: الجماعة فيها شرط . وقيل: لا تقام إلا فى جماعة واحدة. قال الترمذى: ويرى أصحابنا يعنى أصحاب الحديث أن يصلى صلاة الكسوف فى جماعة فى كسوف الشمس والقمر. وبوب البخارى باب صلاة الكسوف جماعة. قال الحافظ: أى إن لم يحضر الامام الراتب فيؤم لحم بعضهم، وبه قال الجمهور. وعن الثورى إن لم يحضر الامام صلوا فرادى - انتهى. قلت: وقال الحنفية أيضاً بأنه إن لم يحضر أمام الجمعة والعيدين صلوا فرادى، وقالوا لا جماعة فى صلاة خسوف القمر، ففى شرح الوقاية : عند الكسوف يصلى امام الجمعة بالناس ركعتين وإن يحضر أى أمام الجمعة صلوا فرادى كالخوف ـ انتهى مختصرا. وقال فى الدر المختار: يصلى بالناس من يملك اقامة الجمعة ركعتين. قال ابن عابدين: بيان للستحب، يعنى فعلها بالجماعة إذا وجد إمام الجمعة وإلا فلا تستحب الجماعة بل تصلى فرادى، هذا ظاهر الرواية، وعن الامام فى غير رواية الأصول لكل إمام مسجد أن يصلى بجماعة فى مسجده - انتهى. قال فى البدائع: والصحيح ظاهر الرواية . قلت: والراجح عندى أنه يجوز الأمر إن الانفراد والتجميع فيهما، لأنه لم يرد ما يقتضى اشتراط التجميع، لأن فعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على الوجوب فضلا عن الشرطية، لكن لا شك أن التجميع أفضل بل أوكد، لأنه مَفّ أمر المنادى بالاعلام بالصلاة جامعة ليجتمع الناس وصلاها جماعة، وقد أمر بالصلاة للكسوف والخسوف أمرا واحدا فيسن الجماعة للخسوف كما تسن للكسوف، وعن ابن عباس أنه صلى بأهل البصرة فى خسوف القمر ركعتين وقال: أنما صليت لأنى رأيت رسول اللّه مَ للَّه يصلى ولأن خسوف القمر أحد الكسوفين فأشبه كسوف الشمس وسيأتى مزيد الكلام فى صلاة خسوف القمر قريبا. وأما إذا لم يحضر الامام الراتب للجمعة والعيدين أو أمام الحى فيؤم لم بعضهم ولا يكون احتمال الفتنة والخلل اذا اتفقوا على أحد للامامة وتراضوا به. وفى الحديث أيضا دليل على أن المشروع فى صلاة الكسوف ركعتان فى كل ركعة ركوعان والأحاديث الواردة فى وصفها مختلفة جدا. فمنها هذا المذكور أى ركعتان فى كل ركعة ركوعان ، روى هذا من حديث عائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو متفق عليهم، وأسماء بنت أبى بكر عند أحمد، والبخارى والنسائى وابن ماجه وجابر عند أحمد، ومسلم وأبي داود وأبى هريرة عند النسائى، وابن عمر عند البزار، وابن جرير. قال الهيشمى: فى سنده مسلم بن خالد وهو ضعيف، وقد وثق ـ انتهى. وله حديث آخر عند البيهقى (ج ٣ ص ٣٢٤) من طريق الشافعى ١٢٤ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف عن يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال البيهقى: تفرد به يحيى بن سليم عن عبيد الله ابن عمر، وروى ذلك أيضا من حديث أم سفيان عند الطبرانى كما فى الفتح وأبى موسى الأشعرى وسمرة بن جندب كما فى التلخيص وأبى شريح الخزاعى عن عثمان من فعله بالمدينة وبها عبد الله بن مسعود أخرجه أحمد والبيهقى (ج ٣ ص ٣٢٤) وأبو يعلى والطبرانى فى الكبير والبزار. قال الهيثمى: رجاله موثقون، واختار هذه الكيفية مالك والشافعى وأحمد والجمهور ومنها فى كل ركعة ثلاث ركوعات، روى هذا من حديث عائشة عند أحمد، ومسلم والنسائى وابن عباس عند الترمذى، وصححه، وفيه حبيب بن أبى ثابت، وهو مدلس، وصفه بذلك. ابن خزيمة والدار قطنى وابن حبان ولم يبين سماعه من طاؤس، وروى ذلك أيضا من حديث جابر عند أحمد ومسلم. وأبى داود والنسائى والبيهقى وقد أعله البيه قى (ج ٣ ص ٣٢٦) وروى ذلك أيضاً من فعل ابن عباس وحذيفة كما فى المحلى (ج ٥ص ٩٩) ومنها فى كل ركعة أربع ركوعات ، روى هذا من حديث ابن عباس عند أحمد ومسلم وأبى داود والنسائى ، والبيهقى، وقد أعله البيهقى (ج ٣ ص ٣٢٧) ومن حديث حذيفة عند البزار والبيهقى (ج ٣ ص ٣٢٩) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبى ايلى عن حبيب بن أبى ثابت عن صلة بن زفر عن حذيفة، قال البيهقى: محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى لا يحتج به، ومن حديث على عند أحمد (ج ١ ص ١٤٣) والبيهقى (ج٣ ص ٣٣٠) وروى أيضا من فعل على وابن عباس، واختاره حبيب بن أبى ثابت كما فى المحلى (ج٥ ص ١٠٠). ومنها فى كل ركعة خمس ركوعات ، روى هذا من حديث أبي بن كعب عند أبى داود، والحاكم والبيهقى وعبد الله بن أحمد وهو حديث معلول كما ستعرف، ومن حديث على عند البزار كما فى الفتح ومجمع الزوائد ، وذكر البيهقى فى المعرفة وفى السنن (ج ٣ ص ٣٢٩) وابن حزم فى المحلى (ج ٥ ص ١٠٠) عن الحسن أن على بن أبى طالب صلى فى كسوف عشر ركعات فى أربع سجدات. قال البيهقى: رواية الحسن عن على لم تثبت، وأهل العلم بالحديث يرويها مرسلة. ومنها أن يصلى ركعتين ويسلم ثم ركعتين ويسلم هكذا حتى ينجلى الكسوف، روى هذا من حديث النعمان بن بشير عند أحمد (ج ٤ ص ٢٦٧ ، ٢٦٩) وفيه وكان يصلى ركعتين ثم يسأل ثم يصلى ركعتين ثم يسأل حتى انجلت الشمس الخ. وأخرجه البيهقى (ج ٣ ص ٣٣٣) بلفظ جعل يصلى ركعتين ويسلم حتى انجلت الشمس قال فى هامشه كذا فى المصرية ، وفى المدراسية: ويصلى ركعتين ويسلم وبصلى ركعتين ويسلم مرتين- انتهى. وهو عند الطحاوى بلفظ: فجعل يصلى ركعتين ويسلم ويسأل حتى انجلت. وأخرجه أبو داود بلفظ: فجعل يصلى ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت، ورواه النسائى من حديث قبيصة الهلالى بلفظ: فصلى ركعتين ركعتين حتى انجات. واختار هذا ابراهيم النخعى والحسن كما فى المحلى، وروى الحسن عن أبى حنيفة إن شاءوا صلوا ركعتين وإن شاءوا صلوا أربعا وإن شاءوا صلوا أكثر من ذلك، ذكره فى المحيط والبدائع. ١٢٥ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف واستدلت الحنفية بحديث النعمان وقبيصة على ما ذهبوا اليه من أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل بلا تكرار الركوع وسيأتى الجواب عنه. ومنها كأحدث صلاة، روى هذا من حديث النعمان بن بشير عند النسائى وابن حزم (ج ٥ ص ٩٧) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٣٢) بلفظ: إذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة. وروى أيضاً من حديث قبيصة الهلالى عند أحمد (ج ٥ ص ٦٠) وأبى داود والنسائى والبيهقى والحاكم والطحاوى والبغوى وقوله ((كأحدث صلاة)، يعنى كأقرب صلاة. قال ابن حزم: محتجا بهذا الحديث يصلى لكسوف الشمس خاصة إن كسفت من طلوعها الى أن يصلى الظهر ركعتين، وإن كسفت من بعد صلاة الظهر الى أخذما فى الغروب صلى أربع ركعات كصلاة الظهر والعصر، وفى كسوف القمر خاصة إن كسفت بعد صلاة المغرب الى أن يصلى العشاء الآخرة صلى ثلاث ركعات كصلاة المغرب، وإن كسفت بعد صلاة العتمة الى الصبح صلى أربعاً كصلاة العتمة - انتهى. وعليه حمله السندى حيث قال فى حاشية النسائى قوله ((كأحدث صلاة، فيه أنه ينبغى أن يلاحظ وقت الكسوف فيصلى لأجله صلاة هى مثل ما صلاها من المكتوبة قبلها، وبلزم منه أن يكون عدد. الركعة على حسب تلك الصلاة وأن يكون الركوع واحدا- انتهى. وحمله الحنفية على صلاة الصبح خاصة قالوا المراد أنه يصلى ركعتين كصلاة الصبح بركوعين وأربع سيدات وقيل التشبيه فيه محمول على بعض الصفات لا على جميعها، يعنى أن التشبيه ههنا فى عدد الركعات والقراءة فقط لا من كل الجهات فيصلى ركعتين ويجهر بالقراءة كصلاة الصبح، لكن كل ركعة بركوعين وهذا لئلا يعارض القول ما رواه الشيخان من فعله بتثنية الركوع فى كل ركعة وقيل معناه اذا وقع الكسوف عقب صلاة جهرية يصلى ويجهر فيها بالقراءة وإن وقع عقب صلاة سرية يصلى ويخافت فيها بالقراءة ومنها ركعتان فى كل ركعة ركوع، روى هذا من حديث عبدالله بن عمر، وعند أحمد (ج ٢ ص ١٩٨) وأبي داود والنسائى والترمذى فى الشمائل، والطحاوى والحاكم (ج١ ص ٣٢٩) وأبي حنيفة فى مسنده، كلهم من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمر. وقال الحاكم: صحيح، ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب، وقال تقى الدين فى الامام كل من روى عن عطاء بن السائب روى عنه فى الاختلاط الا شعبة وسفيان - انتهى. قلت : أخرجه أبو داود عن حمادبن سلمة عن عطاء والنسائى عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن عطاء والترمذى عن جرير عن عطاء والحاكم عن الثورى عن عطاء، والطحاوى عن حماد بن سلمة والثورى وغير هما عن عطاء، وأخرج النسائى فى رواية عن شعبة عن عطاء به لكن ليس متنه بصريح فى الركعتين ، وحكى العراقى فى التقييد والإيضاح (ص ٣٩٢) عن ابن معين أنه قال حديث سفيان وشعبة وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب مستقيم - انتهى. وروى ذلك أيضا من حديث سمرة بن جندب عند أحمد (ج ٥ ص ١٦) وأبي داود ١٢٦ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف والنسائى والحاكم (ج١ ص ٣٣٠) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٣٩) وصححه الحاكم، وروى ذلك أيضا من حديث محمود بن لبيد عند أحمد (ج ٥ ص ٤٢٨) قال الهيشمى (ج ٢ ص ٢٠٧) رجاله رجال الصحيح - انتهى. واختار هذه الصفة الحنفية، واستدلوا بهذه الأحاديث الثلاثة، وبما ورد من قوله ((صلى ركعتين، فى بيان صلاته ◌َّ لكسوف الشمس فى حديث أبى بكرة عند البخارى والنسائى وعبد الرحمن بن سمرة عند مسلم وأبى .داود والنسائى والحاكم وابن مسعود عند ابن خزيمة و النعمان بن بشير عند الحاكم وقبيصة عند أبي داود والنسائى وغيرهما على عدم تعدد الركوع فى الركعة . قال الزيلعى: ظاهر قوله ((صلى ركعتين، إن الركعتين بركوع واحد وأجيب بأن ذكر ركوع فى ركمة لا يدل على نفى الزائد فكان ذكر الركوع الثانى حذف فيها كما حذفت السجدة الثانية فى ذكر السجدة، وبأن أحاديث تثنية الركوع أصح وأرجح وأكثر وأشهر ، فتقدم على هذه الأحاديث ، وبأن فيها زيادة فهى أولى بالقبول ، لأنها أثبتت ما لم يثبت حديث عبد الله بن عمرو وسمرة ومحمود بن لبيد وغيرهم وبأنها مثبتة فتقدم على غيرها مما يدل على عدم تعدد الركوع ، وبأن معنى قوله ((صلى ركعتين)) أى ركوعين فى ركعة فصار أربع ركوعات فى ركعتين. قال القرطى: يحتمل أنه انما أخبر عن حكم ركعة واحدة، وسكت عن الأخرى، وبأن قوله ((صلى ركعتين، مطلق، وفى أحاديث تثنية الركوع زيادة، فيحمل هذا المطلق على الروايات المقيدة والمعنى صلاها ركعتين بزيادة ركوع فى كل ركعة وقد ظهر بما ذكرنا أن جملة ما ورد فى صفة صلاة السکوف سبع صفات ر کوع فی کل ر کعة ، ور کوعان فىكل ركعة ، وثلاثة فى كل ركعة ، وأربعة فى كل ركعة ، وخمسة فى كل ركعة، وكاحدث صلاة ، وأن يصلى ركعتين ويسلم ثم يصلى ركعتين ويسلم هكذا حتى تتجلى الشمس ، وكثير من الأحاديث الواردة فيها صحيح وأصحها أحاديث تثنية الركوع، فان هذه هى الثابتة فى الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة ثم دونها فى الصحة مع كونه محميحا أحاديث تثليث الركوع، وكذا أحاديث تربيع الركوع فإن ذلك قد انفرد به مسلم ثم دون هذا حديث تخميس الركوع ، وكذا أحاديث وحدة الركوع وللعلماء فيها مسلكان أحدهما مسلك الجمع بحملها على تعدد الكسوف وتعدد صلاته فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم، ذهب إليه اسحاق بن راهويه وابن خزيمة والخطابى، واستحسنه ابن المنذر، وقواه النووى، ورجحه ابن رشد فى البداية وابن حزم فى المحلى وابن جرير الطبرى وغيرهم وابدى بعضهم أن حكمة الزيادة فى الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطنه حين وقع الانجلاء فى أول ركوع اقتصر على مثل النافلة وحين أبطأ زاد ركوعا وحين زاد فى الابطاء زاد ثالثا ، وهكذا إلى غاية ما ورد فى ذلك وتعقب ١٢٧ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف بأن ابطاء الانجلاء وعدمه لايعلم فى أول الحال ولا فى الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع فى الركعتين سواء وهذا يدل على أنه مقصود فى نفسه منوى من أول الحال والمسلك الثانى الترجيح فرجح القائلون بكونها ركعتين فى كل ركعة ركوعان أحاديث تثنية الركوع لكونها أكثر وأصح. قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر من روى من الصحابة تثنية الركوع فى كل ركعة ما لفظه: وفى رواياتهم زيادة رواما الحفاظ الثقات فالأخذ بها أولى من الغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا، وقد وردت الزيادة فى ذلك من طرق فذكر من روى عنه أحاديث تثليث الركوع وتربيعه وتخميسه ثم قال ولا يخلواسناد منها عن علة ، وقد أوضح ذلك البيهقى وابن عبد البر ونقل صاحب الهدى عن الشافعى وأحمد والبخارى أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين غلطا من بعض الرواة فان أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض ويجمعها أن ذلك كان يوم مات ابراهيم عليه السلام واذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح والراجح قطعا هو حديث عائشة وعبد الله بن عباس وعبد الله ابن عمرو وأسماء بنت أبى بكر وجابر وغیر م الذى فيه ر کوعان فى كل ركعة وقال الشوكانى فى السيل الجرار : اذا تقرر لك أن القصة واحدة عرفت أنه لا يصح ههنا أن يقال كما قيل فى صلاة الخوف أنه يأخذ بأى الصفات شاء بل الذى ينبغى مهنا أن يأخذ بأصح ما ورد وهو ركوعان فى كل ركعة لما فى الجمع بين هذه الروايات من التكلف البالغ وقال ابن تيمية فى التوسل والوسيلة (ص ٦٩، ٧٠) لا يبلغ تصحيح مسلم تصحيح البخارى بل كتاب البخارى أجل ما صنف فى هذا الباب ، والبخارى من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه قال ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخارى مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه بخلاف مسلم فإنه توزع فى عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه كما روى فى حديث الكسوف أن النبي ◌ُ ◌ّ صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات كما روى أنه صلى بركوعين، والصواب أنه لم يصل الا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف الامرة واحدة يوم مات أبراهيم ، وقد بين ذلك الشافعى ، وهو قول البخارى وأحمد بن حنبل فى احدى الروايتين عنه والأحاديث التى فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات ابراهيم ، ومعلوم أنه لم يمت فى يومى كسوف ولا كان له ابراهيمان ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب - انتهى. وقال فى منهاج السنة : حديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأكثر فى مسلم من المواضع المنتقدة بلا ريب وإلى ترجيح روايات تثنية الركوع ذهب أيضا صاحب فيض البارى من الحنفية حيث قال: لم تتكسف الشمس على عهد رسول الله مؤثّ إلا مرة، والروايات فى تعدد الركوع بلغت إلى ست ركوعات فى ركعتين، والأرجح عندى أن النبى تؤثّ ركع ركوعين فى ركعة والباقى أوهام كانت فتاوى الصحابة فاختلطت بالمرفوع واذن لا أتمسك من روايات ورد فيها ركوع ١٢٨ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف واحد بل أحملها على الاختصار - انتهى. قلت: وفى تأريخ الخميس وأوائل الثقات لابن حبان: أن الشمس كسفت فى عهده مرّ مرتين: الأولى فى السنة السادسة، والثانية فى السنة العاشرة يوم توفى ابراهيم بن رسول اللّه مزاته. وأما القمر فى شرح الاحياء ذكر صاحب جمع العدة: أن خسوف القمر وقع فى السنة الرابعة فى جمادى الآخرة ولم يشتهر أنه مَثّ جمع له الناس، وذكر فى الهدى وفى تأريخ الخميس (ج ١ ص ٤٦٩) عن السيرة لابن حبان أنه وقع فى السنة الخامسة فى جمادى الآخرة فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه وكانت أول صلاة كسوف فى الاسلام، وقد جزم به مغلطائى فى سيرته. والظاهر عندى ما ذهب اليه ابن تيمية وغيره من جمهور أهل العلم أنه لم يصل صلاة كسوف الشمس فى عهده وَّم بالمدينة إلا مرة. قال الشيخ أحمد شاكر فى حاشية المحلى (ج ٥ ص ١٠٤ و١٠٥) لقد حاولت كثيراً أن أجد من العلماء بالفلك من يظهر لنا بالحساب الدقيق عدد الكسوفات التى حصلت فى مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وتكون رويتها بها ممكنة وطلبت ذلك من بعضهم مرارا فلم أوفق الى ذلك إلا أنى وجدت المرحوم محمود باشا الفلكى جزءاً صغيرا سماء نتائج الأفهام فى تقويم العرب قبل الاسلام، وقد حقق فيه بالحساب الدقيق يوم الكسوف الذى حصل فى السنة العاشرة وهو اليوم الذى مات فيه إبراهيم عليه السلام ومنه اقضح أن الشمس كسفت فى المدينة فى يوم الاثنين ٢٩ شوال سنة (١٠) الموافق ليوم ٢٧ يناير سنة ٦٣٢ ميلادية فى الساعة ٨ والدقيقة ٣٠ صباحا، وهو يرد أكثر الأقوال التي نقلت فى تحديد يوم موت إبراهيم، وعسى أن يكون هذا البحث والتحقيق حافزا لبعض النبهاء من العالمين بالفلك الى حساب الكسوفات التى حصلت بالمدينة فى السنين العشر الأولى من الهجرة النبوية أى الى وقت وفاته بَوالتم فى يوم الأحد ١٢ ربيع الأول سنة ١١ أو الاثنين ١٣ منه الموافقان ليومى ٧ يونية سنة ٦٣٢ و٨ منه ، فإذا عرف بالحساب عدد الكسوفات فى هذه المدة أمكن التحقق من صحة أحد المسلكين . إما حمل الروايات على تعدد الوقائع، وإما ترجيح الرواية التى فيها ركوعان فى كل ركعة ، وأنا أميل جدا الى الظن بأن صلاة الكسوف ما صليت الا مرة واحدة ، فقد علمنا من رسالة محمود باشا الفلكى أنه حصل خسوف القمر فى المدينة فى يوم الأربعاء ١٤ جمادى الثانية من السنة الرابعة للهجرة الموافق ٢٠ نوفمبر سنة ٦٢٥ ولم یرد ما يدل على أن النی تے جمع الناس فيه اصلاة الخسوف، ويؤيد هذا أن الأحاديث الواردة فى صلاة الكسوف دالة بسياقها على أن هذه الصلاة كانت لأول مرة ، وأن الصحابة. لم يكونوا يعلمون ماذا يصنع رسول اللّه يُؤثّه فى وقتها، وأنهم ظنوا أنها كسفت لموت ابراهيم وأن المدة بين موت ابراهيم عليه السلام وبين موت أبيه بَ اللّه لم تزد على أربعة أشهر ونصف، فلو كان الكسوف حصل مرة أخرى وقاموا للصلاة لظهر ذلك واضحا فى النقل لتوفر الدواعى إلى نقله، كما نقلوا ما قبله بأسانيد كثيرة ، والله أعلم بالصواب - انتهى كلام الشيخ أحمد. هذا وقد تقدم أن الحنفية اختاروا وحدة الركوع فى كل ركعة كسائر ١٢٩ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف الصلوات ثم اختلفوا. فقال بعضهم: الأرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم رکع ر کوعین فی کل ركعة والباقى أوهام وروايات وحدة الركوع محمولة على الاختصار، وأن النبى موثقة وإن ركع ركوعين لكنه لم يعلمنا إلا أن نأتى بها كأحدث صلاة صلاها وفيها ركوع واحد، فتعدد الركوع مخصوص به صلى الله عليه وسلم وكان النبي مرفقّ أراد بقوله: صلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة أن لا تصلوا أنتم، كما رأيتم من تعدد الركوع، ولكن صلوا كصلاة الصبح - انتهى مختصراً محصلا. وأجيب عنه بأن كل ما صح وثبت من فعله مزّے يكون سنة لنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به ولا دليل على كون تعدد الركوع فى صلاة الكسوف مختصاً به صلى الله عليه وسلم فدعوى الاختصاص مردودة وأما قوله مريم صلوا كأحدث صلاة الخ فليس بصريح ولا بظاهر فيما قالوا به فإنه يحتمل معانى أخرى كما تقدم عن السندى وابن حزم وغيرهما مفصلا وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال والتشبيه لا يجب أن يكون من جميع الجهات فلا يترك به الأحاديث الصريحة التى هى أصح منه لكونها مروية فى الصحيحين وغيرهما . وقال بعضهم أحاديث الفعل متعارضة فيطرح الكل ويؤخذ بالأصل، والأصل فى الركوع الاتحاد دون التعدد وقد جاء فى بعض الروايات كذلك. وفيه إن من شرط التعارض التساوى فى الثبوت والقوة وهو منتف ههنا فان أحاديث الفعل ليست بمتساوية بل روايات تثنية الركوع أصح وأرجح وأقوى وأشهر الإتفاق الشيخين على تخريجها فيجب تقديمها وترجيحها ويتعين الأخذ بها ولا يجوز طرحها. وقال بعضهم أحاديث وحدة الركوع مرجحة بوجوه: منها أن روايات تعدد الركوع متعارضة، وهى مع ذلك تخالف قوله عزَّ صلوا كأحدث صلاة الخ والعبرة للقول إذا خالف الفعل. وفيه أنه لا تعارض بين روايات التعدد لكون أحاديث تثنية الركوع أصح وأرجح وأقوى فتقدم على غيرها ولا تخالف بينها وبين القول المذكور فان المقصود منه التشبيه فى بعض الصفات وهى عدد الركعات والجهر بالقراءة لا فى جميعها والا فينبغى للحنفية أن يقولوا باستنان الجهر بالقراءة فى صلاة كسوف الشمس وأن لا يقولوا باستحباب تطويل القراءة والركوع والسجود بل يكرهوا الاطالة، لكنهم قد صرحوا بأن صلاة الكسوف مستثناة من كرامة التطويل وقالوا يطيل فيها الركوع والسجود والقراءة، واستدلوا لذلك بروايات الفعل، ولوفرضنا التعارض بين روايات الفعل والقول فالقول إنما يقدم ويرجح على الفعل اذا لم يمكن الجمع بينهما وكان القول مساويا للفعل فى القوة والثبوت، والأمر مهناليس كذلك ومنها أن روايات وحدة الركوع موافقة للقياس أى موافقة للأصول المعهودة فزيادة ركن فى الصلاة لم تعهد. قال الحافظ : أشار الطحاوى إلى أن قول أصحابه أجرى على القياس فى صلاة النوافل لكن اعترض بأن القياس مع وجود النص يضمحل ، وبأن صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد وبنحوها مما يجمع فيه من مطلق النوافل خامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود وصلاة العيدين بزيادة التكبيرات وصلاة الخوف بزيادة الأفعال ١٣٠ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف الكثيرة واستدبار القبلة فلذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع فالأخذ به جامع بين العمل بالنص والقياس بخلاف من لم يعمل به - انتهى. وقد رد على هذا الوجه ابن حزم أيضا فأجاد فعليك أن ترجع إلى المحلى (ج ) ص ١٠١) ومنها إن روايات التعدد متعارضة مضطربة. قال ابن الحمام: أحاديث تعدد الركوع مضطربة والاضطراب موجب للضعف فوجب تركها وفيه أن الاختلاف الواقع فى زوايات الفعل ليس اضطرابا قادما مورثا للضعف فإن الاختلاف فى الحديث من جهة الاسناد أو المتن انما يورث الاضطراب الموجب للضعف إذا استوت وجوه الاختلاف وتساوت الروايات المختلفة، وأما إذا ترجحت أحداما بوجه من وجوه الترجيح قدمت ولا يعل الراجح بالمرجوح ، يعنى يكون العبرة الراجح، وههنا روايات تثنية الركوع أصح وأرجح وأقوى فيكون لها الاعتبار لا لروايات الزيادة على الركوعين ولا لروايات وحدة الركوع هذا وتأول بعضهم أحاديث تعدد الركوع بتأويلات كلها أضاحيك نذكرما عبرة للناظرين وفى ذكرما غنى عن الرد فمنها ما ذكره الفخر الزيلعى فى شرح الكنز: أنه عليه الصلاة والسلام كان يرفع رأسه ليختبر حال الشمس هل انجلت أم لا فظته بعضهم ركوعا فأطلق عليه اسمه فلا يعارض ما روينا يعنى من أحاديث وحدة الركوع - انتهى. قال الحافظ فى الفتح: أجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع بحمله على رفع الرأس لروية الشمس هل انجلت أم لا فاذا لم يرما انجلت رجع إلى ركوعه ففعل ذلك مرة أو مرارا فظن بعض من رآه يفعل ذلك ركوعازائدا وتعقب بالأحاديث الصحيحة الصريحة فى أنه أطال القيام بين الركوعين ولو كان الرفع لرؤية الشمس فقط لم يحتج الى تطويل ولاسيما الأخبار الصريحة بأنه ذكر ذلك الاعتدال ثم شرع فى القراءة فكل ذلك يرد هذا الحمل ولوكان كما زعم هذا القائل لكان فيه اخراج لفعل الرسول عن العبادة المشروعة أو لزم منه اثبات هيئة فى الصلاة لاعهد بها وهو ما فرمنه - انتهى كلام الحافظ. ومنها ما ذكره صاحب المحيط البرهانى: أن النبي ◌َّ انما ركع ركوعين على وجه الصورة لا على وجه الحقيقة ، لأنه قربت إليه الجنة والنار وأنما رفع رسول اللّه مثل رأسه من الركوع فزعا حين قربت منه النار و کان ذلك رفعا على وجه الصورة لا الحقيقة. ورد بما وقع من التصريح فى الأحاديث الصحيحة بتطويل القيام الثانى وتطويل الركوع الذى بعده ، وكذا تطويل الاعتدال الذى يليه السجود، وهذا كالصريح فى أنه صلى الله عليه وسلم ركع ركوعين ركوعا حقيقيا لا صوريا وأن رفع الرأس لم يكن فزعا على وجه الصورة بل كان قياما حقيقيا قرأ فيه قراءة طويلة هى أدنى من القراءة الأولى ولو كان الرفع أى القيام فرعا والركوع، لأنه قربت إليه الجنبة لم يقع التطويل فيها كما لم يقع فى تقدمه وتأخره، ويرد ذلك أيضا أن الذى وقع منه رؤ حين قربت إليه الجنة والنار ١٣١ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف اما هو التقدم والتأخر كما صرح به فى رواية مسلم وغيره لا الركوع ورفع الرأس منه ومنها ما ذكره صاحب العرف الشذى : أن الركوع الثانى لم يكن ركوعاصلويا بل كان ركوع آية وتخشع وتضرع يعنى كان بدل السجود للآيات ما رأى النبى مَّ من الجنة والنار مثلتين فى جدار القبلة فتعدد الركوع كمتعدد السجود فى الصلاة عند تلاوة آية السجدة ، فكما تتعدد السجدة لداعية كذلك يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ركع ركوعين، لأنه شاهد فيها ما لم يكن يشاهد فى عامة الصلوات والسجود عند ظهورآية معروف. قال أبو عبد الله البلخى: أن الزيادة ثبتت فى صلاة الكسوف لا للكسوف بل لأحوال اعترضت حتى روى أنه من تقدم فى الركوع حتى كان كمن يأخذ شيئا ثم تأخر كمن ينفر عن شىء فيجوز أن تكون الزيادة منه باعتراض تلك الأحوال، كذا فى البدائع، وحاصل هذا كله أن تعدد الركوع مختص بالنى مؤ تم وهذا نحو ما تقدم من المحيط البرهانى، وقد تقدم جوابه ويزاد عليه أنه لا فرق بين الركوعين فى الصورة فكما أن الركوع الأول كان ركوع صلاة لا ركوع آية وتخشع كذلك كان الركوع الثانى ركوع صلاة لا ركوع آية، ومن يدعى الفرق بينهما فليأت بدليل صريح قوى على ذلك ولا يكفى فى مثل هذا الامكان والاحتمال والتجويز ويدل على بطلان هذا القول ودعوى الاختصاص عمل الصحابة بتعدد الركوع بعدالتي تزين ويبطله أيضا أن التقدم والتأخر انما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم فى حال قيامه الثانى من الركعة الثانية كما رواه سعيد بن منصور فى سننه لا فى الركوع كما قال البلخى. ومنها ما قال الفخر الزيلعى فى شرح الكنز: أنه يَّ طول الركوع فيها فعل بعض القوم فرفعوا رؤسهم أوظنوا أنه عليه الصلاة والسلام رفع رأسه فرفعوا رؤسهم أو رفعوا رؤسهم على عادة الركوع المعتاد فوجدوا النبى تربية راكعا فركعوا ثم فعلوا ثانيا وثالثا كذلك ففعل من خلفهم كذلك ظنا منهم أن ذلك من النبى مرة ثم روى كل واحد منهم على ما وقع فى ظنه ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان فى آخر الصفوف فعائشة فى صفوف النساء وابن عباس فى صفوف الصبيان وحكى الطحطاوى على المراقى: هذا التأويل عن الامام محمد، وقال فروى كل واحد على حسب ما عنده من الاشتباه قال بعض من كتب على الموطأ من أهل عصرنا: هذا أوجه لأنه تجمع به الروايات كلها - انتهى. قلت بل هو أسخف من جميع ما تأولوا به روايات تعدد الركوع فضلا عن أن يكون وجيها أو أوجه لا يخفى ركاكته وسخافته على من له أدنى فهم، ولله درصاحب فيض البارى حيث اعترف بر كما كته فقال وما قالوا (أى فى تأويل أحادیث تعدد الر کوع) أن النی ژے کان ر کع فيه ر کوعا طويلا وكان الصحابة يرفعون رؤسهم یرون أنه هل قام منه أم لا فتوهم المتأخرون منهم تعدد الركوع فإنه ركيك عندى وإن كان أصله من المبسوط للسرخسى - أنتهى. قلت: ويبطل هذا التأويل أن عائشة وأسماء وهما من روى تثنية الركوع لم تكونا فى صفوف النساء بل صلتا فى حجرة ١٣٢ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف متفق عليه . ١٤٩٥ - (٢) وعنها، قالت: جهر النبى صلى الله عليه وسلم فى صلاة الخسوف بقراءته. عائشة قريبا من القبلة، وابن عباس لم يكن فى صفوف الصبيان بل صلى بجنب التى تَّثة، كما رواه الطبرانى والبيهقى فى المعرفة علا أن الزيادة فى الركوع قد رويت من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو وأبى هريرة وأبى ابن كعب وابن عمر وحذيفة وعلى وغيرهم، وهؤلاء كانوا رجالا لا صبيانا ونساء ولا دليل على أنهم قاموا فى آخر الصفوف أو كانوا خلف الصف الأول أو الثانى فنسبة اشتباه الأمر إلى جميع هؤلاء غلط بلا شك ومنها ماذكر بعض من كتب على الموطأ من أهل عصرنا أنه يحتمل أن الركوع كان بدل سجود التلاوة، لما ورد فى الروايات من قراءة سورة الحج، وفيها سجدتان عندهم والركوع بدل السجود كماف قلت هذا تأويل فاسد باحتمال غير ناشىء عن دليل فهو مردود. وأما الرواية التى أشار إليها هذا البعض فأخرجها البيهقى فى السنن (ج ٣ ص ٣٣٠) عن على موقوفا عليه من فعله وفيه حنش بن ربيعة ، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، كما تقدم فى باب الأضحية فى ترجمة حنش، وفيه أيضا أن عليا قرأ سورة الحج ويسن فى الركعة الأولى ثم ركع أربع ركعات ثم سجد (أى بعد الركوع الرابع) ثم قام فقرأ سورة الحج ويسن ثم صنع كما صنع فى الركعة الأولى ثمان ركعات وأربع مجدات فلو كانت الركوعات الزائدة بدل السجدتين فى سورة الحج لم يزد عددها على ست ركوعات مع ضم ركوعى الصلاة، وهنا قد صرح بأنه ركع ثمان ركعات وهذا يبطل الاحتمال الذى اخترعها هذا البعض، وقد رواه ابن أبى شيبة وأحمد (ج ١ ص ١٤٣) وابن خزيمة والطحاوى وابن جرير وأبو القاسم بن مندة فى كتاب الخشوع والبيهقى أيضا. ( ج ٣ ص ٣٣١،٣٣٠) عن على مرفوعا من طريق حنش، وليس فيه ذكر سورة الحج بل فى رواية أحمد فقراً يسن أو نحوها، وفى لفظ عند غير أحمد بالحجر أويسن، وفى لفظ: يسن والروم وفى لفظ: سورة من المثين أو نحوها وأما ما ذكر من كفاية الركوع عن سجدة التلاوة فهو دعوى بلا برهان فلا يلتفت إليها ، وقد تقدم الكلام عليه فى باب سجدة التلاوة (متفق عليه) وأخرجه أيضا النسائى والبيهقى (ج٤ ص ٣٢٠) وأخرجه أبو داود مختصرا، وأخرجه البخارى ومسلم أيضا من حديث عبد الله بن عمرو. ١٤٩٥ - قوله (جهرالتى تؤثر فى صلاة الخسوف) أى خسوف الشمس، كما صرح فى رواية الاسماعيلى، واسحاق بن راهويه وابن حبان، وفى رواية لأحمد (ج ٦ ص ٧٦) وفيه رد على من فسر لفظ الصحيحين بخسوف القبر (بقراءته) هذا نص فى أن قراءته صلى الله عليه وسلم فى صلاة كسوف الشمس كانت جهراً لاسراً، وهو يدل على أن السنة فى صلاة الكسوف هى الجهر بالقراءة لا الإسرار. ويدل لذلك أيضا حديث أسماء عند البخارى. قال الزيلعى فى نصب الراية (ج ٢ ص ٢٣٢): والحافظ فى الدراية (ص ١٣٧)، وابن الحمام فى فتح ١٣٣ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف القدير، والعبى فى البناية: والبخارى من حديث أسماء بنت أبى بكر قالت: جهر النبى معَ فّة فى صلاة الكسوف - انتهى. ويدل له أيضا ما روى ابن خزيمة والطحاوى عن على مرفوعا وموقوفا من الجهر بالقراءة فى صلاة الكسوف. قال الطحاوى بعد رواية الحديث عن على موقوفا: ولو لم يجهر النبى حيث حين صلى على معه لما جهر على أيضا، لأنه علم أنه السنة فلم يترك الجهر والله أعلم، ذكره العينى. وقد اختلفت الأئمة فى ذلك، فقال بالجهر أبو يوسف ومحمد صاحبا أبى حنيفة وأحمد واسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثى الشافعية وابن العربى من المالكية. وقال الطبرى: يخير بين الجهر والاسرار. وقال الأئمة الثلاثة : يسر فى الشمس ويجهر فى القمر، كذا فى الفتح. قلت: وحكى الترمذى عن مالك الجهر. وقال القاضى عياض والقرطبى: إن معن بن عيسى والواقدى رويا عن مالك الجهر. قيل: هى رواية شاذة، والمشهور عنه هو الاسرار. وقال ابن العربى فى العارضة: اختلف قول مالك فروى المصريون أنه يسر، وروى المدنيون أنه يجهر ، والجهر عندى أولى - انتهى. واحتج الشافعى ومن وافقه بقول ابن عباس: قرأ نحوا من سورة البقرة، أخرجه الشيخان. قال الشافعى: لوجهر بالقراءة لم يحتج إلى تقديره. وذكر البيهقى عنه أنه قال: فيه دليل على أنه لم يسمع ما قرأ، لأنه أوسمعه لم يقدره بغيره. وقال القرطبي: هذا دليل لمن قال يخفى القراءة، لأنه لوجهر لعلم ما قرأ. وقال المنذرى: هذا الحديث يدل على الاسرار. وتعقب باحتمال أن يكون بعيداً منه فى صفوف الصبيان، لكن ذكر الشافعى تعليقا عن ابن عباس أنه صلى يجنب النبي صلى الله عليه وسلم فى الكسوف فلم يسمع منه حرفا، ورواه الطبرانى فى معجمه موصولا قال ثنا على بن المبارك ثنا زيد بن المبارك ثنا موسى بن عبد العزيز ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه البيهقى أيضا فى المعرفة من طريق الحكم بن أبان ، وقال ويدفع حمله على البعد رواية الحكم بن أبان: صليت إلى جنبه - انتهى. قلت: موسى بن عبد العزيز صدوق سىء الحفظ، والحكم بن أبان صدوق له أوهام، قاله الحافظ فى التقريب. فرواية الطبرانى لا تقاوم روايات الجهر الصحيحة الصريحة. واخج له أيضا بقول عائشة عند أبي داود: لحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة. قال الخطابي: هذا يدل على أنه لم يجهر بالقراءة فيها، ولو جهر لم تحتج فيها إلى الحزر والتخمين، ويحديث ابن عباس قال: صليت مع النبي ◌َّ الكسوف فلم أسمع منه فيها حرفا، أخرجه أحمد (ج ١ ص ٢٩٣، ٣٥٠) وأبو يعلى وأبو نعيم فى الحلية، والطحاوى (ج ١ ص ١٩٧)، والبيهقى (ج ٣ ص ٣٣٥) وفيه ابن لهيعة، وبحديث سمرة الآتى فى الفصل الثانى، وبأنها صلاة نهار فلا يجهر فيها كصلاة الظهر. وأجيب عن هذا كله بأن روايات الجهر نصوص صريحة صحيحة، والأحاديث المذكورة ليست بنص فى السر ونفى الجهر، فكيف تعارض روايات الجهر، ١٣٤ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف متفق عليه . بمثل هذا. قال ابن قدامة: هذا نفى محتمل لأمور كثيرة، فكيف يترك من أجله الحديث الصحيح الصريح . وقياسهم منتقض بالجمعة والعيدين والاستسقاء. وقياس هذه الصلاة على هذه الصلوات أولى من قياسها على الظهر لبعدها منها وشبهها بهذه ـ انتهى. وقال ابن التركانى فى الجوهر النقى: حديث عائشة صحيح صريح فى الجهر، وأحاديث هذا الباب (يعنى أحاديث عائشة وابن عباس وسمرة) فيها دلالة على الاسرار، فكان المصير إلى ذلك الحديث أولى - انتهى. وقال العنى: روايات الجهر أصح. وقال ابن حزم: ليس لهم فيه (أى فى حديث سمرة) حجة، لأنه ليس فيه أنه عليه السلام لم يجهر، وإنما فيه لا نسمع له صوتا، وصدق سمرة فى أنه لم يسمعه ، ولوكان بحيث يسمعه لسمعه كما سمعت عائشة رضى الله عنها التى كانت قريبا من القبلة فى حجرتها، وكلاهما صادق، ثم لوكان فيه لم يجهر لكان خبر عائشة زائدا على ما فى خبر سمرة، والزائد أولى - انتهى. وقال الزبلمى ( ج ٢ ص ٢٣٤): واعلم أن الحديث يعنى حديث ابن عباس بلفظ: نحواً من سورة البقرة وما فى معناه غير صريح فى الإخفاء وإن كان العلماء كلهم يحملوه عليه، ولكن قد ينسى الانسان الشىء المقروء بعينيه، وهو مع ذلك ذاكر لقدره، فيقول قرأ فلان نحو سورة البقرة وهو قد سمع ما قرأ ثم نسيه، والله أعلم - انتهى. وقال البخارى: حديث عائشة فى الجهر أصح من حديث سمرة - انتهى. وقال الحافظ: حديث عائشة مثبت الجهر ومعه قدر زائد، فالأخذ به أولى، وحديث سمرة إن ثبت لا يدل على نفى الجهر . قال ابن العربى: الجهر عندى أولى ، لأنها صلاة جامعة ينادى لها ويخطب، فاشيهت العيد والاستسقاء. والله أعلم. وقال الشوكانى فى النيل: إن كانت صلاة الكسوف لم يقع منه صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة، كما نص على ذلك جماعة من الحفاظ، فالمصير إلى الترجيح متعين ، وحديث عائشة أرجح لكونه فى الصحيحين، ولكونه متضمنا للزيادة، ولكونه مثبتا، ولكونه معتدداً بما أخرجه ابن خزيمة وغيره عن على مرفوعا من إثبات الجهر. وقال فى السيل الجرار: رواية الجهر أصح وأكثر، وراوى الجهر مثبت وهو مقدم على النافى - انتهى. وسيأتى شىء من الكلام فيه فى شرح حديث سمرة. وتأول بعض الحنفية حديث عائشة بأنه ◌َ ◌ّ جهر بآية أو آيتين. قال فى البدائع: نحمل ذلك على أنه جهر بعضها اتفاقا، كما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يسمع الآية والآيتين فى صلاة الظهر أحيانا - انتهى. وهذا تأويل باطل، لأن عائشة كانت تصلى فى حجرتها قريبا من القبلة، وكذا أختها أسماء، ومن كان كذلك لا يخفى عليه قراءة النبى صلى الله عليه وسلم، فلو كانت قراءته فى صلاة الكسوف سراً وكان يجهر بآية وآيتين أحيانا، كما فعل كذلك فى صلاة الظهر، لما عبرت عن ذلك بأنه كان جهر بالقراءة فى صلاة الكسوف، كما لم يقل أحد من روى قراءته فى صلاة الظهر أنه جهر فيها بالقراءة (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى ١٣٥ مرعاة المفاتيح ج ٥ كتاب الصلاة ٤ ٥٠ - باب صلاة الخسوف ١٤٩٦ - (٣) وعن عبد الله بن عباس، قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه سلم والناس معه، فقام قياما طويلا نحوا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوما طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، وأبو داود وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٣٣٤) وأبو داود والطيالسى والطحاوى والبيهقى (ج ٣ ص ٣٣٦) والدار قطّى . ١٤٩٦ - قوله (انخسفت الشمس) بنون بعد ألف الوصل ثم عاء، كذا فى البخارى فى باب صلاة الكسوف جماعة ، وفى مسلم، انكسفت. وفى الموطأ: خسفت، وكذا عند البخارى فى باب كفران العشير من كتاب النكاح (فصلى رسول الله عزثم والناس معه) أى صلى صلاة الكسوف بالجماعة (فقام قياما طويلا) صفة لقياما أولزمانا مقدر (نحواً) أى تقريبا، وبيانه قوله (من قراءة سورة البقرة) أى من مقدار قراءتها. وفى مسلم: قدر نحو سورة البقرة. وفى النسائى: قرأ نحواً من سورة البقرة، وفى رواية لعائشة: خسفت الشمس فى حياة التى مزّ ، تخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه فكبر فاقترا قراءة طويلة. وفى رواية: فقرأ بسورة طويلة. وفيه دليل على مشروعية تطويل القيام بقراءة سورة طويلة فى صلاة الكسوف، وهو مستحب عند الجميع. وحكى الزبيدى فى شرح الاحياء عن الشافعية استحباب الإطالة وإن لم يرض بها الناس، وعن ابن الهمام أنها مستثناة من كراهة التطويل (ثم ركع ركوعا طويلا) وهو الركوع الأول. قال الحافظ: لم أر فى شىء من الطرق بيان ما قال فيه إلا أن العباء اتفقوا على أنه لا قراءة فيه، وإنما فيه الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما - انتهى. قال ابن دقيق العيد: لم يجد فيه حداً، وقد ذكر أصحاب الشافعى فيه أنه نحو من مائة آية، واختار غيرهم عدم التحديد إلا بما يضر بمن خلفه. وقال القسطلانى: يسبح قدر مائة آية من البقرة. وقال ابن قدامة: يسبح قدر مائة. وقال المالكية: بركع كالقيام الذى قبله. ويؤيده ما فى حديث جابر عند مسلم ثم ركع نحواً بما قام (ثم رفع) أى رأسه من الركوع (فقام قياما طويلا) وهو الاعتدال الأول (وهو دون القيام الأول) وفى رواية لعائشة: ثم كبر فركع ركوعا طويلا ثم قال سمع الله لمن حمده فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة هى أدنى من القراءة الأولى. وقدرها الشافعية والحنابلة: بنحو سورة آل عمران، لكن فى رواية لعائشة عند أبي داود: أنها حزرت قراءته بآل عمران بعد القيام من السجدتين أى فى قيام الركعة الثانية. وزاد فى رواية لعائشة عند البخارى: ربنا ولك الحمد بعد قوله سمع الله لمن حمده. قال الحافظ: استدل به على استحباب الذكر المشروع فى الاعتدال فى أول القيام الثانى من الركعة الأولى، واستشكله بعض متأخرى الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال بدليل اتفاق العلماء من ١٣٦ ١ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الأول، قال بزيادة الركوع فى كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه وإن كان محمد بن مسلمة المالكى خالف فيه. والجواب أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة فلا مدخل للقياس فيها ، بل كل ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعله فيها كان مشروعا، لأنها أصل برأسه، وبهذا المعنى رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة حتى منع من زيادة الركوع فيها - انتهى. وقال العينى: وأجاب عن ذلك شيخنا العراقى بقوله: فى إستشكاله نظر لصحة الحديث فيه ، بل لوزاد الشارع عليه ذكرا آخر لما كان مستشكلا - انتهى. (ثم ركع ركوعا طويلا) وهو الركوع الثانى (وهو دون الر کوع الأول) قال القسطلانى: وقدروہ بثمانین آیة . وقال ابن قدامة یر کع بقدر ثلثی ركوعه الأول - انتهى .. واختلف فى أن أى الركوعين من الركعتين فرض ، وبإدراك أى الركوعين يكون مدركا للركعه ، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الأصل والفرض هو الركوع الأول وقيامه، وأما الركوع الثانى وقيامه فتابع وزائد وسنة كتكبيرات العيد، فمن أدرك الإمام فى الركوع الأول من الركعة الأولى أو الثانية أدرك الركعة ، كمافى سائر الصلوات، ومن أدركه فى الركوع الثانى أو القيام الثانى من أى ركعة فلا يدرك شيئا، وعكسه المالكية فقالوا الزائد والتابع والسنة فى كل من الركعتين القيام الأول والركوع الأول، والفرض إنما هو الركوع الثانى والقيام الثانى فى كل ركعة، فمن أدرك الامام فى الركوع الثانى من الركعة الأولى أدرك الركعة ولم يقض شيئا، وإن أدرك الركوع الثانى من الركعة الثانية يقضى الركعة الأولى بقيامها فقط ولا يقضى القيام الثالث . وقال ابن قدامة فى المغنى: إذا أدرك الامام فى الركوع الثانى احتمل أن تفوته الركعة. قال القاضى: لأنه قد فاته من الركعة ركوع أشبه ما لوفاته الركوع من غير هذه الصلاة. ويحتمل أن تصح صلاته، لأنه يجوز أن يصلى هذه الصلاة بركوع ولحد فاجترى به فى حق المسبوق - انتهى. واعلم أنه لم يرد تعيين ما قرأ به مز له إلا فى حديث لعائشة عند الدارة طنى (ص ١٨٨) أنه قرأ فى الركعة الأولى بالعنكبوت أو الروم ، وفى الثانية بـ ياسين، وأخرجه البيهقى (ج ٣ ص ٢٣٦) وفيه أنه قرأ فى الركعة الأولى بـ العنكبوت، وفى الثانية بـ لقمان أو الروم، وفى حديث على عند البيهقى (ج ٣ ص ٣٣٠) أنه قرأ بـ ياسين ونحوها، وفى آخره ثم حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك فعل وفى رواية عنده: أنه قرأ فى الركعة الأولى سورة الحج وياسين ثم ركع أربع ركعات ثم سجد فى الرابعة ثم قام فقرأ بسورة الحج وياسين وهو موقوف من فعله، ويأتى حديث أبي بن كعب أنه تمَّ قرأ بسورة من الطول، وتقدم الاشارة إلى حديث عائشة عند أبي داود والبيهقى (ج ٣ ص ٣٣٥)، أنها قالت حررت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة ثم سجد سجدتين ثم قام فأطال القراءة. لخزرت فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران. وهذا كله يدل على أنه لا تعيين فى القراءة فى صلاة الكسوف ، فيتخير ١٣٧ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف ثم رفع، ثم سجد ، المصلى من القرآن ما شاء وإن التطويل أولى، والله تعالى أعلم. قال الشوكانى: لابد من القراءة بالفاتحة فى كل ركعة لما تقدم من الأدلة الدالة على أنها لا تصح ركعة بدون الفاتحة. قال النووى: واتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة فى القيام الأول من كل ركعة، واختلفوا فى القيام الثانى فمذهبنا ومذهب مالك وجمهور أصحابه أنها لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه وقال محمد بن مسلمة من المالكية لا تعين الفاتحة فى القيام الثانى - انتهى. قال الباجى: يستفتح القراءة فى الركعة الأولى والثالثة بأم القرآن ، وأما الثانية والرابعة فإنه يقرأ فيهما بالسورة، وهل يقرأ الفاتحة أم لا؟ قال مالك: نعم. وقال محمد بن مسلمة: لا. وجه الأول أنها ركعة بقراءة فوجب الفاتحة كالأولى. ووجه الثانى أن الركعتين فى حكم الركعة الواحدة بدليل أن المأموم يجزيه إدراك أحدهما، فالقراءتان فى حكم القراءة الواحدة فوجب أن لا يتكرر الفاتحة . انتهى. وقال ابن دقيق العيد فى شرح العمدة (ج ٢ ص ١٣٩): كأنه رآها ركعة واحدة زيد فيها ركوع والركعة الواحدة لا تثنى الفاتحة فيها، وهذا يمكن أن يؤخذ من الحديث، كما سننبه عليه فى موضعه - انتهى. وقال فى شرح حديث عائشة بلفظ: فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات (ج ٢ ص ١٤٢) اطلق الركعات على عدد الركوع، وجاء فى موضع آخر فى ركعتين، وهذا هو الذى أشرنا إلى أنه متمسك من قال من أصحاب مالك إنه لا يقرأ الفاتحة فى الركوع الثانى من حيث أنه أطلق على الصلاة ركعتين، والله أعلم (ثم رفع) أى رأسه من الركوع الثانى (ثم سجد) أى سجدتين لم يذكر فيه تطويل الاعتدال الذى يتعقبه السجود، ووقع فى حديث جابر عند مسلم قطويل هذا الاعتدال. ولفظه: ثم رفع فأطال ثم سجد. قال النووى: هى رواية شاذة مخالفة الرواية الأكثرين فلا يعمل بها أو المراد زيادة الطمأنينة فى الاعتدال لا إطالته نحو الركوع. وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو أيضا ففيه ثم ركع فأطال حتى قيل لا يرفع ثم رفع فأطال حتى قيل لا يسجد ثم سجد فأطال حتی قبل لا یرفع ثم رفع جلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد ثم سجد، لفظ ابن خزيمة من طريق الثورى عن عطاء بن السائب عن أبيه عنه. قال الحافظ والثورى: سمع من عطاء قبل الاختلاط ، فالحديث صحيح - انتهى. قلت: قد صرح الشافعية والحنابلة فى فروعهم بعدم تطويل الاعتدال الذى يلى السجود، وهو مقتضى مذهب الحنفية والمالكية، وكأنهم اتفقوا على عدم مشروعية هذا الاعتدال ، وهذا ليس بشىء بعد ماثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وعدم ذكره فى باقى الروايات أى السكوت عنه لا يدل على شذوذه، ولم يذكر فى حديث ابن عباس تطويل السجود، ولكنه مذكور فى حديث عائشة وغيرها وقد تقدم الكلام فى هذا. قال الحافظ: ولم أقف فى شىء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا فى حديث عبد الله بن عمرو، وقد ١٣٨ مرعاة المفاتيح ج .. ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف ثم قام فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الأول، تم رفع فقام قياما طويلا، نقل الغزالى: الاتفاق على ترك اطالته فان أراد الاتفاق المذهبى فلا كلام وإلا فهو محجوج بهذه الرواية - انتهى. وقال النووى فى الأذكار: قال أصحابنا لا يطول الجلوس بين السجدتين بل يأتى به على العادة فى غيرها ، وهذا الذى قالوه فيه نظر. فقد ثبت فى حديث صحيح أطالته، وقد ذكرت ذلك واضحا فى شرح المهذب ، فالاختيار استحباب أطالته - انتهى. قال صاحب الأوجز: وهكذا ينبغى للحنفية أن يصرحوا باستحباب تطويله، لأن الرواية التى استدلوا بها فى الكسوف صريحة فى تطويله، وفى مسند أبي حنيفة من حديث ابن عمر: فكان جلوسه بين السجدتين قدر سجوده - الحديث (ثم قام) أى إلى الركعة الثانية (فقام قياما طويلا) کذا فى البخاری فی باب كفران العشير من كتاب النكاح، وفى مسلم ثم قام قياما طويلا أى من غير تكرار قام، وكذا فى البخارى فى باب صلاة الكسوف جماعة (وهو دون القيام الأول) يحتمل أن يراد منه القيام الأول من الركعة الأولى أو القيام الذى يليه. قال ابن عبد البر: أى ذلك كان فلا حرج انشاء الله تعالى، وفى المدونة قال مالك انما ينى .دون القيام الذى يليه، وكذلك قال فى الركوع انما يعنى دون الركوع الذى يليه. وقال ابن بطال: لاخلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعيها تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعيها. وقال النووى: اتفقوا على أن القيام الثانى وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول وركوعه فيهما ، واختلفوا فى القيام الأول من الثانية وركوعه هل هما أقصر من القيام الثانى من الأولى وركوعه أو يكونان سواء؟ قيل: وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله وهو دون القيام الأول هل المراد به الأول من الثانية أو يرجع إلى الجميع؟ فيكون كل قيام دون الذى قبله، .ورواية الاسماعيلى لحديث عائشة بلفظ الأولى فالأولى أطول تعين هذا الثانى ويرجحه أيضا أنه لو كان المراد من قوله القيام الأول أول قيام من الأولى فقط لكان القيام الثانى والثالث مسكوتا عن مقدارهما فالأول أكثر فائدة، كذا فى الفتح. قلت: وقدر الشافعية هذه القيام الثالث بنجو سورة النساء والرابع بنحو المائدة وأشكل بأن الراجح المختار أن القيام الثالث أقصر من الثانى والنساء أطول من آل عمران وأجاب الزرقانى بأنه إذا أسرع بقراءتها ورتل آل عمران كانت أطول. وقال السبكى فى شرح المنهاج: قد ثبت بالاخبار تقدير القيام الأول بنحو البقرة وتطويله على الثانى والثالث ثم الثالث على الرابع. وأما نقص الثالث عن الثانى أو زيادته عليه فلم يرد فيه شىء فيما أعلم فلأجله لا بعد فى ذكر سورة النساء فيه وآل عمران فى الثانى نعم إذا قلنا بزيادة ركوع ثالث فيكون أقصر من الثانى، ذكره القسطلانى (ثم ركع ركوعا) ثالثا طويلا (وهو دون الركوع الأول) قدروه نحو سبعين آية (ثم رفع) رأسه من الركوع الثالث (فقام قياما) رابعا (طويلا) وقدروه بنحوه المائدة ١٣٩ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٠ - باب صلاة الخسوف وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد (وهو دون القيام الأول) أى الثالث (ثم ركع ركوعا) رابعا (طويلا) وقدروه بنحو خمسين آية تقريبا (وهو دون الركوع الأول) أى الثالث (ثم رفع) رأسه للقومة (ثم سجد) أى سجدتين كذلك (ثم انصرف) من الصلاة (وقد تجلت الشمس) بفوقية وشد لام أى أنكشفت، وفى حديث جابر عند مسلم فانصرف وقد آضنت الشمس، وعند أبي داود: فقضى الصلاة وقد طلعت الشمس، وفى حديث قبيصة عند النسائى فوافق انصرافه انجلاء الشمس، وفى حديث عبد الله بن عمر وعند أبى داود تفرغ من صلاته وقد امحصت الشمس، والمراد أنه الصرف من الصلاة بالسلام بعد القشهد، والحال أن الشمس انجلت بين جلوسه للتشهد والسلام، كما فى حديث عبد الله ابن عمر، وعند البخارى ثم جلس ثم جلى عن الشمس، وفى حديث سمرة عند أبى داود والنسائى فوافق تجلى الشمس جلوسه فى الركعة الثانية ثم سلم، وفى حديث عبد الله بن عمرو عند النسائى ثم رفع رأسه (أى من السجدة) وانجلت الشمس، وفى حديث أبي بن كعب الآتى ثم جلس، كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها، فهذه الروايات كلها تدل على أن الانجلاء كان فى الجلوس آخر الصلاة، وحديث عبد الرحمن بن سمرة عند مسلم يدل بظاهره أن انجلاء الشمس وقع قبل الشروع فى الصلاة وأن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ صلاة الكسوف بعد الأنجلاء، وهو خلاف جميع الروايات وخلاف ما ذهب اليه العلماء وسيأتى توجيهه (فقال) بالفاء وللأصيلى، وقال: ذكره القسطلانى يعنى أنه خطب فقال فى خطبته بعد الحمد والثناء على الله (إن الشمس والقمر) فيه ايماء إلى أن حكم صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر واحد (آيتان) أى علامتان (من آيات اللّه) أى الدالة على وحدانيته وقدرته وعظمته أو على تخويف عباده من بأسه وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: (وما ترسل بالآيات إلا تخويفا -الاسراء: ٥٩) وقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث أبى بكرة وأبى موسى عند البخارى يخوف الله بهما عباده أو على أنهما مسخران لقدرة الله وتحت حكمه ليس لها سلطان فى غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما (لا يخسفان) بفتح فسكون فكسر على أنه لازم ويجوز ضم أوله على متعد أى لا يذهب الله تورهما وأتى بالتذكير تغلييا للقمر طبق القمرين (لموت أحد) من العظماء كما توهمه بعض الناس تبعا لما كان يعتقده أهل الجاهلية أن كسوف الشمس والقمر لا يكون إلا لموت عظيم، وقد وقع فى رواية البخارى من حديث أبى بكرة بيان سبب هذا القول ولفظها وذلك أن أبنا النبى صلى الله عليه وسلم يقال له ابراهيم مات فقال الناس فى ذلك، وعند ابن حبان فقال الناس أنما كسفت الشمس لموت ابراهيم، وفى حديث النعمان بن بشير الآتى ثم ١٤٠