Indexed OCR Text
Pages 461-480
مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير كمثل الذى يهدى بدئة، ثم كالذى يهدى بقرة، ثم كبشا، ثم دجاجة، ثم بيضة، السير فى الهاجرة أى نصف النهار. قال الحافظ: وأجيب بان المراد بالتهجير هنا التبكير كما تقدم نقله عن الخليل فى المواقيت. وقال القرطبى: الحق أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير فى وقت الحر، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حجة فيه لمالك. وقال التوربشتى: من ذهب فى معناه إلى التبكير فانه أصاب وسلك طريقاً حسناً من طريق الاتساع، وذلك أنه جعل الوقت الذى يرتفع فيه النهار ويأخذ الحر فى الازدياد من الهاجرة تغليياً بخلاف ما بعد الزوال ، فإن الحر ياخذ فى الانحطاط، وهذا كما يسمى النصف الأول من النهار غدوة، والآخر عشية. ومما يدل على استعمالهم التهجير فى أول النهار ما أنشد ابن الأعرابى فى نوادره لبعض العرب: بهجرون تهجير الفجر (كمثل الذى يهدى) بضم أوله وكسر ثالثه أى يقرب (بدنة) بفتحتين أى بعيراً ذكراً كان أو أنثى. والتاء للوحدة لا للتأنيث، وهو خبرعن قوله: ((مثل المهجر))، والكاف لتشبيه صفة بصفة. والمعنى صفة المبكر إلى الجمعة مثل صفة الذى يتصدق بابل متقرباً إلى الله تعالى. وقيل: المراد كالذى يهديها إلى مكة، ولا يناسبه الدجاجة والبيضة. قال الطيبي: سميت بدنة لعظم بدنها، وهى الابل خاصة وفى اختصاص ذكر الهدى، وهو مختص بما يهدى إلى الكعبة، إدماج لمعنى التعظيم فى إنشاء الجمعات ، وأن المبادر اليها كمن ساق الهدى، وأنه بمثابة الحضور فى عرفات ( ثم ) الثانى (كالذى يهدى بقرة) ذكراً أو أنثى. والتاء للوحدة لا للتأنيث. وفيه دليل على أن البدنة لا تشمل البقرة لتقابلها بها واليه ذهب الشافعى، وقال أبو حنيفة: البدنة تطلق على البقر أيضا، وإنما أريد هنا البعير خاصة لقرينة المقابلة، وهذا لا ينفى عموم الاطلاق ( ثم ) الثالث كالذى يهدى ( كبشا) بفتح الكاف وسكون الموحدة، وهو الفحل الذى يناطح، قاله فى المجمع . وقال فى القاموس: الكبش الحمل إذا أثنى أو إذا خرجت رباعيته. وفى ذكر الكبش، وهو الذكر، إشارة إلى أنه أفضل من الأنثى. وفى رواية: كبشا أقرن. قال النووى: وصفه به لأنه أكمل وأحسن صورة. ولأن قرنه ينتفع به. وفى رواية النسائى : ثم كالمهدى شاة، واستدل بالترتيب المذكور على أن التقرب بالابل أفضل من التقرب بالبقر، والتقرب بالبقر أفضل من التقرب بالشاة ، وهو متفق عليه فى الهدى ، مختلف فيه فى الأضحية، والجمهور على أنها كذلك . وقال مالك: الأفضل فى الضحايا الغنم ثم البقر ثم الابل. ثم إنه وقع فى رواية النسائى زيادة البطة بين الشاة والدجاجة وهى زيادة شاذة، كما صرح به النووى فى الخلاصة (ثم ) الرابع كالذى يهدى (دجاجة) بفتح الدال فى الأفصح ويجوز الكسروالضم، ودخلت الهاء فيها، لأنه واحد من جنس مثل حمامة وبطة ونحوهما، ووقع فى رواية أخرى للنسائى. زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة، وهى العصفوروهى أيضا زيادة شاذة ( ثم ) الخامس كالذى يهدى (بيضة) هى واحدة من البيض، والجمع بيوض، وجاء فى الشعر بيضات، وإنما 1 ٤٦١ : مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير فإذا خرج الامام طووا صحفهم ويستمعون الذكر. قدرنا الثانى، لانه - كما قال فى المصابيح - لا يصح العطف على الخبر لتلايقعا معا خبرا عن واحد، وهو مستحيل، وحينئذ فهو خبر مبتدأ محذوف مقدر بما مر. وكذا قوله: ((ثم كبشا) لا يكون معطوفا على بقرة، لأن المعنى بأباه ، بل هو معمول فعل محذوف دل عليه المتقدم. والتقدير - كما مر - ثم الثالث كالذى يهدى كبشاً وكذا ما بعده، واستشكل ذكر الدجاجة والبيضة، لأن الهدى لا يكون منهما. وأجيب بأنه من باب المشاكلة أى من تسمية الشىء باسم قرينه. والمراد بالاهداء هنا التصدق ، كما دل عليه لفظ قرب فى رواية أخرى، وهو يجوز بهما (فإذا خرج الإمام) أى من الصف إلى المنبر يعنى ظهر بطلوعه على المنبر (طووا) أى الملائكة (صحفهم) التى كتبوا فيها درجات السابقين على من يليهم فى الفضيلة ، قال الحافظ: وقع فى حديث ابن عمر صفة الصحف المذكورة، أخرجه أبو نعيم فى الحلية مرفوعا بلفظ: اذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور، وأقلام من نور- الحديث . وهو دال على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضرى الجمعة خاصة. والمراد بطى الصحف طى صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة. وادراك الصلاة والذكر والدعاء والخضوع ونحو ذلك، فإنه يكتبه الحافظان قطعا. ووقع فى آخر الحديث عند ابن ماجه فمن جاء بعد ذلك فأنما يجى لحق الصلاة يعنى فله أجر الصلاة، وليس له شىء من الزيادة فى الأجر . فان قلت: وقع فى رواية للشيخين: فاذا جلس الامام طووا الصحف فما الفرق بين الروايتين؟ قلت: بخروج الامام يحضرون إلى المنبر من غير طى، فإذا جلس الامام على المنبر طووها. ويقال: ابتداء طيهم الصحف عند ابتداء خروج الامام ، وانتهاءه يجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم للذكر (ويستمون) أى الملائكه (الذكر) أى الخطبة . قال العينى والحافظ: المراد بالذكرما فى الخطبة من المواعظ وغيرها- انتهى. وأتى بصيغة المضارع لاستحضار صورة الحال اعتناء بهذه المرتبة، وحملا على الاقتداء بالملائكة. قال التيمى فى استماع الملائكة حض على استماعها والانصات اليها. وفى الحديث فوائد كثيرة لا تخفى على المتأمل وقد رواه أيضا الشيخان بلفظ: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح فى الساعة الثالثة فكانما قرب كبشا أقرن، ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح فى الساعة الخامسة فكا نها قرب بيضة، فاذا أخرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. قال الحافظ: فى هذا الحديث الحض على الاغتسال يوم الجمعة وفضله وفضل التبكير إليها ، وأن الفضل المذكور إنما يحصل لمن جمعهما، وعليه يحمل ما أطلق فى باقى الروايات من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل. وفيه أن مراتب الناس فى الفضل بحسب أعمالهم" وأن القليل من الصدقة غير محتقر فى الشرع. وأعلم أنه اختلف العلماء فى الساعات المذكورة فى هذه الرواية ما المراد منها ؟ واختلفوا أيضاً فى أن ابتداء هذه الساعات من حين الزوال أومن قبله، فقال مالك والقاضى حسين وإمام الحرمين من الشافعية، ٤٦٢ ١ ١ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير المراد بالساعات الخمس لحظات خفيفة لطيفة أولها زوال الشمس ، وآخرها قعود الخطيب على المنبر ، فالساعات الخمس المذكورة كلها فى ساعة واحدة أى هى أجزاء من الساعة السادسة الزمانية بعد الزوال، ولم يرهؤلاء التبكير إلى الجمعة قبل الزوال لا من طلوع الفجر، ولا من طلوع الشمس، ولا من ارتفاع النهار. واختار هذا القول الشاه ولى الله فى المسوى. ومال اليه الشوكانى فى النيل. واستدل لهم بوجوه: منها لفظ الرواح فى الرواية المتقدمة ، فإنه يدل على أن أول الذهاب إلى الجمعة من الزوال، لأن حقيقة الرواح من الزوال إلى آخر النهار، والغدو من أوله إلى الزوال. قال المازري: تمسك مالك بحقيقة الرواح ، وتجوز فى الساعة، وعكس غيره. وأجيب بأن الرواح - كما قاله الأزهرى - يطلق لغة على الذهاب سواء كان أول النهار أو آخره أو فى الليل. قال الأزهرى: وهى لغة أهل الحجاز. ونقل أبو عبيد فى الغريبين نحوه. ثم إنه لم يقع التعبير بالرواح - كما قال الحافظ . الا فى رواية مالك عن سمى، ورواه ابن جريج عن سمى بلفظ: غداً. ورواه أبوسلمة عن أبى هريرة بلفظ: المتعجل الى الجمعة. صححه ابن خزيمة، وفى حديث سمرة عند ابن ماجه: ضرب رسول اللّه ◌َ في مثل الجمعة فى التبكير كناحر البدنة الخ . وفى حديث على عند أبى داود اذا كانت الجمعة غدت الشياطين براياتها الى الأسواق وتغدو الملائكة فتجلس على باب المسجد ، فتكتب الرجل من ساعة الحديث ، فدل مجموع هذه الأحاديث على أن المراد بالرواح الذهاب. وقيل : النكتة فى التعبير بالرواح الاشارة الى أن الفعل المقصودانما يكون بعد الزوال فيسمى الذاهب إلى الجمعة راتحا وإن لم يجثى وقت الرواح، كما سمى القاصد الى مكة حاجا . ومنها لفظ المهجر فانه مشتق من التهجير، وهو السير فى وقت الهاجرة ، وهى نصف النهار عند اشتداد الحر، تقول منه هجر النهار، وقد ذكر المراتب الباقية بلفظ: ((ثم)) من غير ذكر الساعات. وقد تقدم الجواب عن هذا. ومنها أن الساعة فى اللغة الجزء من الزمان، وحملها - كما ذهب إليه الجمهور- على الزمانية التى يقسم النهار فيها إلى اثنا عشر جزء يبعد إحالة الشرع عليه لاحتياجه إلى حساب ومراجعة آلات تدل عليه. وأجيب بأن الساعة قد يطلق على جزء من أربعة وعشرين جزء هى مجموع اليوم والليلة. ويدل على اعتبارها فى عرف الشرع ما روى أبوداود والنسائى، وصححه الحاكم من حديث جابر مرفوعا يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة. وهذا وإن لم يرد فى حديث التبكير فيستأنس به فى المراد بالساعات. ومنها أن الساعة لوطالت للزم تساوى الآتين فيها، والأدلة تقتضى رجحان السابق بخلاف ما اذا قيل: إنها لحظة خفيفة لطيفة. وأجيب بأن التساوى وقع فى مسمى البدنة، والتفاوت ٤٦٣ : مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب الفتظيف والتبكير فى صفاتها يعنى أن بدنة الأول مثلا أكمل من بدنة الأخير وبدنة المتوسط متوسطة ، فمراتبهم متفاوتة، وإن اشتركوا فى البدنة مثلا. ومنها عمل أهل المدينة، فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار، وأيضاً لم يعرف أن أحداً من الصحابة كان يأتى المسجد لصلاة الجمعة عند طلوع الشمس وصفائها، ولا يمكن حمل حالهم على ترك هذه الفضيلة العظيمة. وهذا يدل على أن المراد من الساعات لحظات خفيفة بعد الزوال لا الساعات الزمانية المعروفة عند أهل الفلك وعلم الميقات. وأجيب بأن عمل أهل المدينة ليس بحجة ، كما تقرر فى موضعه، وأيضاً ليس فى عمل أهل المدينة هذا إلا ترك الرواح الى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشه وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار. وترك أهل المدينة وغيرهم ذلك لا يدل على أنه مكروه. وقال القارى: وقدكان السلف يمشون على السرج يوم الجمعة إلى الجامع. وفى الاحياء وأول بدعة حدثت فى الاسلام ترك التبكير إلى المساجد - انتهى. وقد أنكر عمر على عثمان ترك التبكير بمحضر من الصحابة ، وكبار التابعين من أهل المدينة. وهذا يرد على من ادعى إجماع أهل المدينة على ترك التبكير . ومنها أن حملها على الساعات الفلكية يستلزم صحة صلاة الجمعة قبل الزوال، لأن تقسيم الساعات الى خمس، ثم تعقيبها بخروج الامام وخروجه عند أول الزوال يقتضى أنه يخرج فى أول الساعة السادسة، وهى قبل الزوال. وقد أجاب عنه الحافظ بأنه ليس فى شىء من طرق هذا الحديث ذكر الاتيان من أول النهار، فلعل الساعة الأولى منه جعلت للتأهب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ المجثى من أول الثانية، فهى أولى بالنسبة الى المجنى ثانية بالنسبة للنهار. وعلى هذا فآخر الخامسة أول الزوال . والى هذا أشار الصيدلانى شارح المختصر حيث قال : إن أول التبكير يكون من ارتفاع النهار، وهو أول الضحى، وهو أول الهاجرة. ويؤيده الحث على التهجير الى الجمعة. وحمل الجمهور الساعات المذكورة فى الحديث على الساعات الزمانية. كما فى سائر الأيام. وقد تقدم حديث جابر مرفوعا: يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة. والمراد بها الساعات الآفاقية التى لا يختلف عددها بطول النهار وقصره ، فالنهار اثنتا عشرة ساعة، لكن يزيد كل منها وينقص ، والليل كذلك. ثم اختلفوا: فقالت طائفة منهم: ابتداء هذه الساعات من طلوع الشمس، والأفضل عندهم التبكير فى ذلك الوقت إلى الجمعة وهو قول الثورى وأبى حنيفة والشافعى وأحمد. قال الماوردى: إنه الأصح ليكون قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب. وقال الرؤيانى: إن ظاهر كلام الشافعى أن التبكير يكون من طلوع الفجر، وصححه الرؤيانى، وكذلك صاحب المهذب قبله، ثم الرافعى والنووى. وحكى الصيدلانى أن أول التبكير من ارتفاع ٤٦٤ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنطيف والتبكير متفق عليه. ١٣٩٧ - (٥) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والامام يخطب، النهار، وهو أول الضحى، وهو أول الهاجرة. قلت: وهذا القول هو الراجح عندى، وبه تجتمع الأحاديث وبه يرتفع الاشكال الذى يرد على مذهب مالك. وسيأتى ذكره فى كلام النووى . ويزيد هذا القول الحث على التهجير إلى الجمعة، فقد تقدم فى كلام القرطبى أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير فى وقت الحر، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده - انتهى. ومن المعلوم أن اشتداد الحر يكون من ربع النهار غالباً، فمن راح الى الجمعة فى هذا الوقت أى عند ارتفاع النهار يعنى فى أول الضحى وأول الهاجرة صدق عليه الألفاظ الواردة فى الأحاديث التى أشرنا إليها، وهى المتعجل والتبكير والغدو والرواح والتهجير. قال النووي: إن النبى مَ ◌ّم أخبر أن الملائكة تكتب من جاء فى الساعة الأولى، وهو كالمهدى بدنة، ثم من جاء فى الساعة الثانية ، ثم الثالثة، ثم الرابعة ، ثم الخامسة، فإذا خرج الامام طووا الصحف، ولم يكتبوا بعد ذلك أحداً. ومعلوم أن التى مَبيّ كان يخرج إلى الجمعة متصلا بعد الزوال ، فدل على أنه لا شىء من الهدى والفضيلة لمن جاء بعد الزوال، وكذا ذكر الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها، والترغيب فى فضيلة السبق، وتحصيل الصف الأول، وانتظارها بالاشتغال بالتنقل والذكر ونحوه. وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال، ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال، لأن النداء يكون حينئذ، ويحرم التخلف بعد النداء - انتهى. هذا. وقد بسط ابن القيم الكلام على ذلك فى الهدى (ج ١ ص ١١٠ - ١١٢) ورجح قول من قال: إن ابتداء الساعات من أول النهار. من شاء البسط رجع اليه (متفق عليه ) واللفظ للبخارى فى باب الاستماع إلى الخطبة من كتاب الجمعة. وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذى وأبو داود والنسائى والبيهقى وغيرم . ١٣٩٧ - قوله (اذا قلت) بلفظ الخطاب (لصاحبك) الذى تخاطبه إذ ذاك أو جليسك. وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب ( يوم الجمعة) فيه دلالة على أن خطبة غير الجمعة ليست مثلها ينهى عن الكلام حالها. قال الحافظ: قوله (يوم الجمعة) مفهومه أن غير يوم الجمعة بخلاف ذلك، وفيه بحث - انتهى. (انصت) أى أسكت عن الكلام مطلقا واستمع للخطبة. وقال ابن خزيمة: المراد بالانصات السكوت عن مكالمة الناس دون ذكر الله قال الحافظ: وتعقب بأنه يلزم منه جواز القراءة والذكر حال الخطبة، فالظاهر أن المراد السكوت مطلقاً، ومن فرق احتاج إلى دليل. ولا يلزم من تجويز التحية لدليلها الخاص جواز الذكر مطلقاً (والامام يخطب) جملة ٤٦٥ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤- كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير فقد لغوت. حالية مشعرة بأن ابتداء الإنصات من الشروع فى الخطبة. ففيه دليل على أنه يختص النهى بحال الخطبة ، ورد على من جعل وجوب الانصات، والنهى عن الكلام من حال خروج الامام. نعم الأولى والأحسن الانصات (فقد لغوت) أى ومن لنا فلا أجر له، فاذا كان هذا القدر مبطلا للأجر مع أنه أمر بالمعروف، فكيف ما فوقه واختلفوا فى معنى قوله: ((لغوت)) فقال الأخفش: اللغو الكلام الذى لا أصل له من الباطل وشبهه. وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول. وقيل: الميل عن الصواب. وقيل: اللغو الاثم ، كقوله تعالى: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما - ٧٢:٢٥). وقال الباجى: اللغو ردئى الكلام وما لاخير فيه. وقال المجد : اللغو واللغى، كالفتى، السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره. وقال الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام. وقال النضر بن شميل: معنى لغوت خبت من الأجر. وقيل: بطلت فضيلة جمعتك. وقيل : صارت جمعتك ظهراً. قال الحافظ: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى. ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود وابن خزيمة والبيهقى (ج ٣ ص ٢٣١) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: ومن لغا وتخطى رقاب الماس كانت له ظهراً. قال ابن وهب أحد رواته: أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة. ولأحمد من حديث على مرفوعا : من قال صه فقد تكلم ، ومن تكلم فلا جمعة له. ولأبى داود نحوه. ولأحمد والبزار من حديث ابن عباس مرفوعا: من تكلم يوم الجمعة، والامام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفاراً. والذى يقول له أنصت ليست له جمعة. وله شاهد قوى فى جامع حماد بن سلمة عن ابن عمر موقوفا. قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة للاجماع على إسقاط فرض الوقت عنه - انتهى. واستدل بالحديث على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة. لأنه إذا جعل قوله: ((أنصت)، مع كونه أمراً بمعروف لغواً فغيره من الكلام أولى أن يسمى لغواً ويؤيده حديثاً على وابن عباس المتقدمان فى كلام الحافظ لاطلاق الكلام فيهما ، وعدم الفرق بين ما لا فائدة فيه وغيره . والمسألة مختلف فيها عند الأئمة، فقال الشافعية: يكره الكلام حال الخطبة من ابتدائها لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا - ٧: ٢٠٤) وقد ذكر كثير من المفسرين أنه نزل فى الخطبة، وسميت قرآنا لاشتمالها عليه، ولحديث أبى هريرة الذى نحن بصدد شرحه. ولا يحرم للأحاديث الدالة على ذلك كحديث أنس، المروى فى الصحيحين فى قصة السائل فى الاستسقاء، وكحديث أنس أيضا المروى بسند صحيح عند البيهقى فى قصة السائل عن وقت الساعة. وجه الدلالة أنه لم ينكر عليهما الكلام، ولم يبين لهما وجه السكوت، والأمر فى الآية للندب، ومعنى ((لغوت)، تركت الأدب جمعا بين الأدلة. قال العينى: وفى التوضيح والجديد الصحيح من مذهب الشافعى أنه لا يحرم الكلام، ويُسنّ الانصات، وبه قال الثورى وداود. والقديم أنه يحرم، وبه قال مالك والأوزاعى، ٤٦٦ ١ ٠ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير وأبو حنيفة وأحمد - انتهى. وقال الحافظ: الشافعى فى المسئلة قولان مشهوران. وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف فى أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا ؟ فعلى الأول يحرم لاعلى الثانى، والثانى هو الأصح. فمن ثم أطلق من أطلق إباحة الكلام. وعن أحمد أيضاً روايتان. واختلفوا فيمن كان به صعم أوبعد عن الامام بحيث لا يسمع، فقال المالكية: يحرم الكلام عليه أيضاً لعموم وجوب الانصات، وعن أحمد والشافعى التفرقة بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها ، قال العينى: نقل ابن بطال: أن أكثر العلماء أن الانصات واجب على من سمعها ومن لم يسمعها وأنه قول مالك، وكان عروة لا يرى بأساً بالكلام إذا لم يسمع الخطبة. وقال أحمد: لا بأس أن يذكر الله ويقرأ من لم يسمع الخطبة. قال العينى: واختلف المتأخرون (أى من الخفية) فيمن كان بعيد لا يسمع الخطبة، فقال محمد بن سلمة: المختار السكوت، وهو الأفضل. وقال نصر بن يحيى: يسبح ويقرأ القرآن ، وهو قول الشافعى. وأجمعوا أنه لا يتكلم. وقيل: الاشتغال بالذكر وقراءة القرآن أفضل من السكوت - انتهى. قال الحافظ : ويدل على الوجوب فى حق السامع أن فى حديث على المشار اليه . ومن دنا فلم ينصت كان عليه كفلان من الوزر ولأن الوزر لا يترتب على من فعل مباحا ولو كان مكروها كرامة تنزيه. وأما ما استدل به من أجاز مطلقا من قصة السائل فى الاستسقاء ونحوه ففيه نظر، لأنه استدلال بالأخص على الأعم، فيمكن أن يخص عموم الأمر بالانصات بمثل ذلك كأمر عارض فى مصلحة عامة كما خص بعضهم منه رد السلام بوجوبه. ونقل صاحب المغنى الاتفاق على أن الكلام الذى يجوز فى الصلاة يجوز فى الخطبة كتحذير الضرير من البئر. وعبارة الشافعى: وإذا خاف على أحد لم أر بأسا إذا لم يفهم عنه بالاشارة أن يتكلم - انتهى. وأجيب أيضاً عن حديث أنس فى قصة الاستسقاء وما فى معناه بأنه غير محل النزاع، لأن محل النزاع الانصات، والامام يخطب. وأما سؤال الامام وجوابه فهو قاطع لكلامه، فيخرج عن ذلك. واختلف فى ردالسلام وتشميت العاطس، وتحميد العاطس، فرخص فيه أحمد والشافعى وإسحاق . قال الشافعى فى الأم: ولو سلم رجل على رجل يوم الجمعة كرهت ذلك له ورأيت أن يرد عليه بعضهم ، لأن رد السلام فرض ، وقال أيضا ولو عطس رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه ، لأن التشميت سنة - انتهى. وقال ابن الهمام: يكره تشميت العاطس ورد السلام، وهل يحمد إذا عطس؟ الصحيح نعم فى نفسه، وذكر العينى عن أبى حنيفة إذا سلم عليه يرده بقلبه، وعن أبى يوسف يرد السلام، ويشمت العاطس فيها، وعن محمد يرد ويشمت بعد الخطبة ويصلى على النبى مرتفع فى قلبه - انتهى . وفى المدونة قال مالك فيمن عطس والامام يخطب، فقال يحمد الله فى نفسه سراً ولا يشمت أحد العاطس - انتهى. واختلفوا فى وقت الانصات، فقال أبو حنيفة: خروج الامام يقطع الصلاة والكلام جميعاً لما روى الطبرانى ٤٦٧ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير متفق عليه. ١٣٩٨ - (٦) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالف فى الكبير من حديث ابن عمر رفعه. إذا دخل أحدكم المسجد، والامام على المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الامام، وهو حديث ضعيف فيه أيوب بن نهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة وأبو حاتم ، ذكره الحافظ. وقال الهيشمى: هو متروك ضعفه جماعة. وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: يخطىء. وقالت طائفة لا يجب الانصات إلا عند ابتداء الخطبة، ولا بأس بالكلام قبلها ، وهو قول مالك والثورى وأبى يوسف ومحمد والشافعى. قلت: والراجح عندى فى المسائل المذكورة أن السكوت فى حال الخطبة واجب والكلام حرام هذا فيمن يدنو من الامام ويسمع الخطبة. وأما من كان بعيداً عنه، ولا يسمع الخطبة ، أو كان به صم ، فالسكوت فى حقه أحوط، ويجوز تشميت العاطس ورد السلام سراً فى النفس، وكذا الحمد عند العطسة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يكره الاشارة بالرأس أو باليد أو بالعين لازالة منكر أو جواب سائل. ووقت الانصات هو ابتداء الخطبة والشروع فيها لاخروج الامام. هذا ما عندى. والله تعالى أعلم ( متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ٢١٨، ٢١٩) وغيرهم وفى الباب عن جماعة من الصحابة ذكرهم العينى (ج ٦ ص ٢٤٠). ١٣٩٨ - قوله (لا يقيمن أحدكم أخاه) قال الحافظ: هذا لا مفهوم له، بل ذكر لمزيد التغير عن ذلك لقبحه، لأنه إن فعله من جهة الكبر كان قبيحاً ، فإن فعله من جهة الأشرة كان أقبح (يوم الجمعة) فيه أن النهى المذكور مقيد بيوم الجمعة، وقد ورد ذلك بلفظ العموم، كما فى حديث ابن عمر الآتى فى الفصل الثالث من هذا الباب. قال الشوكانى: ذكر يوم الجمعة فى حديث جابر من باب التنصيص على بعض أفراد العام، لامن باب التقييد للاً حاديث المطلقة، ولا من باب التخصيص للعمومات ، فمن سبق إلى موضع مباح، سواء كان مسجداً أو غيره فى يوم جمعة ، أو غيرها ، لصلاة أو لغيرها من الطاعات، فهو أحق به ، ويحرم على غيره إقامته منه ، والقعود فيه إلا أنه يستثنى من ذلك الموضع الذى قد سبق لغيره فيه حق كان يقعد رجل فى موضع ، ثم يقوم منه لقضاً حاجة من الحاجات، ثم يعود اليه ، فانه أحق به من قعد فيه بعد قيامه لحديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم مرفوعا بلفظ: إذا قام أحدكم من مجلسه، ثم رجع اليه، فهو أحق به ، ولحديث وهب بن حذيفة عند أحمد والترمذى رفعه: الرجل أحق بمجلسه وإن خرج لحاجته ثم عاد. فهو أحق بمجلسه. قال الشوكانى: وظاهر هما عدم الفرق بين المسجد وغيره. ويجوز له إقامة من قعد فيه، وقد ذهب إلى ذلك الشافعية (ثم يخالف) قال القارى بالرفع . ٤٦٨ ١ 1 مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا. رواه مسلم. ( الفصل الثانى ) ١٣٩٩، ١٤٠٠ - (٨،٧) عن أبى سعيد، وأبى هريرة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من اغتسل يوم الجمعة، لبس من أحسن ثيابه، وقيل بالجزم أى يقصد ويذهب (إلى مقعده) أى إلى موضع قعوده (فيقعد فيه) قال الزمخشرى: خالفنى فلان الى كذا إذا قصده، وأنت مول عنه، وخالفنى عنه إذا ولى عنه، وأنت قاصده، ويلقاك الرجل صادراً عن الماء، فتسأله عن صاحبه، فيقول لك: عمالفنى إلى الماء، يريد أنه ذاهب اليه وارداً، وأنا ذاهب عنه صادراً. ومنه قوله تعالى: ﴿ وما أريد أن أخالفكم الى ما أنهاكم عنه - ١١: ٨٨﴾ يعنى أن أسبقكم الى شهواتكم التى نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم ـ انتهى. وقال الطيب: المخالفة أن يقيم صاحبه من مقامه فيخالف، فينتهى الى مقعده فيقعد فيه. قال تعالى: (ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه) وفيه إدماج وزجر التكبرين أى كيف تقيم أخاك المسلم، وهو مثلك فى الدين لامزية لك عليه. زاد ابن حجر: فيحرم ذلك بغير رضا الجالس رضاً حقيقياً لاعن خوف أو حياء، ذكره القارى. قال الشوكانى: وظاهر حديث جابر وحديث ابن عمر أنه يجوز للرجل أن يقعد فى مكان غيره إذا أقعده برضاه ، قال ويكره الايثار بمحل الفضيلة كالقيام من الصف الأول إلى الثانى، لأن الايثار وسلوك طرائق الآداب لا يليق أن يكون فى العبادات . والفضائل ، بل المعهود أنه فى حظوظ النفس وأمور الدنيا، فمن آثر بحظه فى أمر من أمور الآخرة فهو من الزاهدين فى الثواب ـ انتهى. وقال ابن حجر: الايثار بالقرب بلا عذر مكروه، وأما قوله تعالى: ﴿ ويوثرون على أنفسهم - ٥٩: ٩﴾ فالمراد به الاثار فى حظوظ النفس، كما بينه قوله: ﴿ولو كان بهم خصاصة - ٩:٥٩﴾ - انتهى. (ولكن يقول) أى أحدكم للقاعدين (أفسحوا) أى وسعوا فى المجلس. وفى حديث ابن عمر: تفسحوا وتوسعوا، يقال فَحَ له فى المجلس أى وقّعَ له وذَفَّعُوا فى المجلس وتفاَسَحُوا أى توسّعُوا. فإن زاد يفسح الله لكم كما أشارت اليه آيته فلا بأس. وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس فافسحوا يفسح الله لكم - ٥٨: ١١) لكن هذا إن كان المحل قابلا للتوسع، وإلا فلا يصيق على أحد ، بل يصلى ولو على باب المسجد (رواه مسلم) فى كتاب الأدب والاستيذان. وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقى (ج٣ ص ٣٣٣) قال القارى: وجه مناسبته للترجمة أنه متضمن للحث على التبكير لثلا يقع فيما يجب عنه التحذير من قيام أخيه المسلم. ١٣٩٩، ١٤٠٠ - قوله (ولبس من أحسن ثيابه) قال الطيبي: يريد الثياب البيض - انتهى. يعنى أفضلها ٤٦٩ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة، فلم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، - من حيث اللون البيض للخبر الصحيح: البسوا من ثيابكم البياض، فانها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم. وفى رواية صحيحة: فانها أطهر وأطيب. وفيه مشروعية اللبس من أحسن الثياب، واستحباب التجمل والزينة يوم الجمعة الذى هو عيد للمسلمين، ولا خلاف فى ذلك (ومس من طيب إن كان) أى الطيب (عنده) أى إن تيسر له تحصيله بأن يكون فى بيته أو عند امرأته . وفيه مشروعية التطیب یوم الجمعة، ولا خلاف فى استحباب ذلك . وروى عن أبى هريرة باسناد صحيح، كما قال الحافظ فى الفتح: إنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة، وبه قال بعض أهل الظاهر (فلم يتخط أعناق الناس) أى لم يتجاوز رقاب الناس ولم يؤذهم، وهو كناية عن التبكير أى عليه أن يبكر فلا يتخطى رقاب الناس. وفيه كراهية تخطى الرقاب. قال الشافعى: أكره التخطى إلا لمن لا يجد السيل إلى المصلى الابذلك - انتهى. قال الحافظ: وهذا يدخل فيه الامام، ومن يريد وصل الصف المنقطع إن أبى السابق من ذلك ، ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذى قام منه لضرورة. وكان مالك يقول: لا يكره التخلى إلا إذا كان الامام على المنبر. قال الشوكانى: ولا دليل على ذلك. ويأتى بقية الكلام على ذلك فى شرح حديث معاذ بن أنس الآتى (ثم صلى ما كتب الله له) فيه أنه ليس قبل الجمعة سنة مخصوصة مؤكدة كالسنة بعد الجمعة، فالمصلى إذا دخل المسجد يوم الجمعة فله أن يصلى ما شاء متنقلا. وأما ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس قال: كان النبي ◌َّ يركع قبل الجمعة، أربعاً لا يفصل فى شىء منهن ففى اسناده بقية ومبشر بن عيد والحجاج بن أرطاط وعطية الموفى، وكلهم متكلم فيه. كذا فى عون المعبود (ثم أنصت اذا خرج إمامه) أى ظهر بطلوعه على المنبر استدل به الحنفية على أن وقت الانصات خروج الامام ، وأجيب عنه بأنه محمول على الأولوية لحديث أبي هريرة المتقدم، وهو خامس أحاديث الفصل الأول، ولحديث ابن عباس الآتى فى الفصل الثالث ، ولحديث أبى الدرداء مرفوعا: إذا سمعت امامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ. أخرجه أحمد والطبرانى فى الكبير، ورجال أحمد موثقون. قاله الهيشمى (حتى يفرغ من صلاته) قال ابن حجر: كان حكمة ذكره طلب الإنصات بين الخطبة والصلاة وإن كانت كرامة الكلام عندنا وحرمته عند غيرنا تنتهى بفراغ الخطبة - انتهى . قلت: اختلفوا فى الكلام بعد فراغ الخطيب من الخطبة، وقيل الشروع فى الصلاة ، فذهب أبو حقيقة إلى الكراهة، ومالك والشافعى وأحمد وأبو يوسف ومحمد إلى أنه لا بأس بذلك ورجح ابن العربى السكوت حيث قال: وأما التكلم يوم الجمعة بين النزول من المنبر، والصلاة فقد جاءت فيه الروايتان، والأصح عندى أن لا يتكلم بعد الخطبة. قال الشوكانى: وما يرجح ترك الكلام بين الخطبة والصلاة الأحاديث الواردة فى الانصات حتى تنقضى الصلاة كما عند النسائى من حديث سلمان باسناد جيد ٤٧٠ : ! ! مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التى قبلها. رواه أبو داود. ١٤٠١ - (٩) وعن أوس بن أوس، قال: قال رسول اللّه عَّه: من غسل يوم الجمعة واغتسل، بلفظ : فينصت حتى يقضى صلاته، وأحمد باسناد صحيح من حديث نبيشة بلفظ: فاستمع وأنصت حتى يقضى الامام جمعته وكلامه. ويجمع بين الأحاديث بأن الكلام الجائز بعد الخطبة، هو كلام الامام لحاجة، أو كلام الرجل الرجل لحاجة - انتهى. (كانت) أى هذه الأفعال بحملتها (كفارة لما بينها) أى لما وقع له من الذنوب بين ساعة صلاته هذه (وبين جمعته) أى صلاة جمعته (رواه أبو داود) فى أواخر الطهارة ، وزاد قال (أى محمد بن سلة أحد رواة الحديث أو أبو سلمة بن عبد الرحمن راوى الحديث عن أبى سعيد وأبي هريرة) ، ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول (أى أبو هريرة) إن الحسنة بعشر أمثالها. قال المنذرى: وأخرجه مسلم مختصراً من حديث أبى صالح عن أبى هريرة، وأدرج زيادة ثلاثة أيام فى الحديث - انتهى. وأخرجه أيضاً الحاكم (ص٢٨٣) والبيهقى (ج ٣ ص ٢٤٣) قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي . ١٤٠١ - قوله (من غسل يوم الجمعة واغتسل) روى قوله: ((غسل)) مشدداً ومخففاً، فالمشدد معناه جامع امرأته أو أمته قبل خروجه إلى الصلاة ليكون أملك لنفسه وأحفظ فى طريقه لبصره، من غَسَّل امرأته إذا جامعها. ومن هذا قول العرب: خل ◌ُسَلّة اذا كان كثير الضراب، وقد فسر بذلك وكيع وعبد الرحمن بن الأسود وهلال بن يساف. ويؤيده حديث: أيعجز أحدكم أن يجامع أهله فى كل يوم جمعة ؟ فان له أجرين اثنين: أجر غسله، وأجر امرأته. أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان عن أبى هريرة، ذكره السيوطى. وقيل: أراد غَكل غيره أى حمله على الاغتسال، وأوجب الغسل عليه. واذا وطئى امرأته فقد حملها على الاغتسال وأحوجها اليه . وقيل: معناه اغتسل بعد الجماع للجنابة، ثم اغتسل للجمعة، فكرر لهذا المعنى. وقيل: معناه بالغ فى غسل الأعضاء اسباغا وتثليثاً. وقيل: معناه بالغ فى غسل الرأس، فالتشديد البالغة، كما فى قطع وكسر، لأن العرب لهم لم وشعور، وفى غسلها كلفة، فأفرد ذكر غسل الرأس لذلك. وقيل: هما بمعنى واحد، والتكرار التأكيد. وأما المخفف، وقد قال النووى: الأرجح عند المحققين التخفيف، فقيل فى معناه كالمشدد أى وطئى صاحبته، وأصابها من غسل امرأته بالتخفيف والتشديد اذا جامعها، قاله الزمخشرى، وحكاه صاحب النهاية وغيره أيضاً. وقيل: معناه غسل الرأس واغتسل أى فضل سائر الجسد، وأفرد الرأس بالذكر لما فيه من المؤنة لأجل الشعر، أو لأنهم كانوا يجعلون فیه الخطمى ونحوه، وکانوا یغسلونه أولا ثم يغتسلون . ويؤيده ما فى رواية لأحمد وأبي داود من هذا الحديث: من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل. ويؤيده أيضاً ما روى البخارى ٤٧١ ---- مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الامام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة: أجر صيامها وقيامها. وأحمد وابن خزيمة باسناد صحيح الى طاؤس قال: قلت لابن عباس: زعموا أن رسول اللّه مَثل قال اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤسكم وإن لم تكونوا جنباً- الحديث. ويؤيده أيضاً ماروى ابن خزيمة عن أبى هريرة مرفوعا: اذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل وغسل رأسه - الحديث . قال المنذرى: فى هذا الحديث دليل لمن فسر قوله غسل بغسل الرأس. وقيل: المراد غسل أعضاءه للوضوء ثم اغتسل الجمعة. وقيل: المراد غسل ثيابه واغتسل فى جسده. وقيل: هما بمعنى، والتكرار للتوكيد. والمختار أن المشدد بمعنى جامع امرأته، أو بمعنى غَّل أى أحوجها الى الغسل، وأوجبه عليها بالجماع، والمخفف بمعنى غسل رأسه (وبكر) بالتشديد على المشهور، وجوز التخفيف أى راح فى أول الوقت (وابتكر) قيل: معناهما واحد كرره للتأكيد والمبالغة، وليس المخالفة بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، وبه جزم ابن العربى. وقيل: ((بكر» بمعنى أتى الصلاة فى أول وقتها، وكل من أسرع الى شىء فقد بكر اليه. و((ابتكر)) أى أدرك أول الخطبة وأول كل شىء با كورته، وابتكر الرجل إذا أكل بأكورة الفاكهة. وقيل: ((بكر) بمعنى تصدق قبل خروجه، قاله ابن الأنبارى، وتأول فى ذلك ماروى فى الحديث باكروا بالصدقة، فان البلاء لا يتخطاها. والراجح - كما صرح به العراقى - أن ((بكر)) بمعنى راح فى أول الوقت، (( وابتكر » بمعنى أدرك أول الخطبة (ومشى) أى الى الجمعة على قدميه (ولم يركب) قيل مما بمعنى جمع بينهما تأكيداً ودفعاً لما يتوهم من حمل المشى على مجرد الذهاب ولو راكباً ، أو حمله على تحقق المثى ولو فى بعض الطريق (ودنا من الامام) أى قرب منه (واستمع) أى أصغى. وفيه أنه لابد من الأمرين جميعا، فلو استمع وهو بعيد، أو قرب ولم يستمع، لم يحصل له هذا الأجر (ولم يلغ) أى لم يتكلم ، فان الكلام حال الخطبة لغو، قاله النووى . أو استمع الخطبة ولم يشتغل بغيرها، قاله الأزهرى (كان له بكل خطوة) بضم المعجمة وتفتح، وبعد ما بين القدمين . قال السندى: أى ذهابا وإيابا أو ذها با فقط أو بكل خطوة من خطوات ذلك اليوم (عمل سنة) أى ثواب أعمالها (أجر صيامها وقيامها) بدل من ((عمل سنة)) وقد ورد فى المشى الى مطلق الصلاة رفع درجة فى كل خطوة، وكتابة حسنة، ومحو سيئة. أما ثبوت أجر عمل سنة، كما فى هذا الحديث ، فهو من خصائص الجمعة . قال السندى: والظاهر أن المراد أنه يحصل له أجر من استوعب السنة بالصيام والقيام لوكان، ولا يتوقف ذلك على أن يتحقق الاستيعاب من أحد. ثم الظاهر أن المراد فى هذا وأمثاله ثبوت أصل أجر الأعمال لا مع المضاعفات المعلومة بالنصوص . ويحتمل أن يكون مع المضاعفات ، وفى الحديث مشروعية الغسل يوم الجمعة، ٤٧٢ ١ ١ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى، ابن ماجه. ١٤٠٢ - (١٠) وعن عبد الله بن سلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما على أحدكم إن وجد أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته. ومشروعية التبكير والمشى على الأقدام، والدنو من الامام والاستماع وترك اللغو، وأن الجمع بين هذه الأمور سبب لاستحقاق ذلك الثواب الجزيل (رواه الترمذى) وحسنه. وقال النووى: إسناده جيد. ولم يذكر الترمذى ((ومشى ولم يركب)) (وأبو داود) وسكت عليه هو والمنذرى (والنسائى وابن ماجه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٨، ١٠،٩ - ١٠٤) والطيالسى والدارمى وأبن سعد فى الطبقات (ج ٥ ص ٣٧٥) ، وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما ، والحاكم (ج ١ ص ٢٨٢) وصححه والبيهقى (ج ٣ ص ٢٢٧ - ٢٢٩)، ورواه الطبرانى فى الأوسط من حديث ابن عباس، قاله المنذرى فى الترغيب. وقال الشوكانى: وقد رواه الطبرانى باسناد، قال العراقى: حسن ، عن أوس المذکور ، ورواه أحمد فى مسنده (ج ٢ ص ٢٠٩) ، والحاكم (ج١ ص٢٨٢) والبيهقى (ج٣ ص ٢٢٧) عنه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌ُّ - انتهى. قلت: فى سنده عثمان بن خالد الشامى . قال الحاكم: مجهول، ووافقه الذهبي. وأعل أيضا البيهقى رواية عثمان هذه بزيادة عبد الله بن عمرو فى الاسناد، وبالاختلاف فى المتن وقد رد تعليل من أعله بذلك العلامة الشيخ أحمد شاكر فى شرحه المسند (ج ١١ ص ١٧٦)، والحافظ فى لسان الميزان (ج ٤ ص١٥٩) وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ١٧١)، والمنذرى فى الترغيب، وقالا رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. ١٤٠٢ - قوله (ما على أحدكم) ما نافية أى ليس على أحدكم حرج من حيث الدنيا يريد الترغيب فيه بأنه شىء ليس فيه حرج وتكليف على فاعله، وهو خير إذ لا يفوته الانسان. وقال الزرقانى: استفهام يتضمن التنبيه والتوبيخ يقال لمن قصر فى شىء، أو غفل عنه ما عليه لو فعل كذا ، أى ما يلحقه من ضرر أوعار أو نحو ذلك - انتهى. وقال القارى: قبل ((ما)) موصولة. وقال الطيبي: ما، بمعنى ليس، وإسمه محذوف، و«على أحدكم ، خبره ، وقوله: (إن وجد) أى سعة يقدر بها على تحصيل زائد على ملبوس مهنته وهذه شرطية معترضة وقوله (أن يتخذ) متعلق بالاسم المحذوف، معمول له ويجوز أن يتعلق ((على)) بالمحذوف، والخبر ((أن يتخذ، كقوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج الى قوله: أن تأكلوا من بيوتكم - ٢٤: ٦١) والمعنى ليس على أحد حرج أى نقص يخل يزهده فى أن يتخذ (ثوبين) قميصاً ورداً أو جبةً ورداءَ أو إزاراً ورداءً (ليوم الجمعة) أى يلبسهما فيه وفى أمثاله. من العيد وغيره. وفيه أن ذلك ليس من شيم المتقين لولا تعظيم الجمعة ، ومراعاة شعائر الاسلام (سوى ثوبى مهنته) بفتح الميم أى بذلته وخدمته أى غير التوبين الذين يلبسهما فى أشغاله وكسر الميم جائز ٤٧٣ ص -- مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير رواه ابن ماجه. قياسا، كالجلسة والخدمة. لجوزه بعضهم نظرا الى ذلك، ومنعه الآخرون وعدوه خطأ نظرا الى السماع. قال الزمخشرى فى الفائق: روى بكسر الميم وفتحها ، والكسر عند الأثبات خطأ. وقال الأصمعى: بالفتح الخدمة ، ولا يقال بالكسر، وكان القياس، لوجىء بالكسر، أن يكون كالجلسة والخدمة إلا أنه جاء على فعلة. وقال ابن عبد البر: المهنة بفتح الميم الخدمة. وأجاز غير الأصمعى كسر الميم، ذكره الزرقانى. وقال المجد فى القاموس: المهنة بالكسر والفتح والتحريك وككلمة الحذق بالخدمة والعمل، مهنه كنصره ومنعه منهناً ومْهنَةً ويكسر - انتهى. ويقال: هو فى مهنة أهله أى فى خدمتهم، وخرج فى ثياب مهنته أى فى ثياب خدمته التى يلبسها فى أشغاله. والحديث يدل على استحباب لبس الثياب الحسنة يوم الجمعة وتخصيصه بملوس غير ملبوس سائر الأيام ، قال ابن عبد البر: وفيه الندب لمن وجد سعة أن يتخذ الثياب الحسان للجمع والأعياد ويتجمل بها، وكان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ويعتم ويتطيب ويلبس أحسن ما يحد فى الجمعة والعيد. وفيه الأسوة الحسنة، وكان يأمر بالطيب والسواك والدهن - انتهى. (رواه ابن ماجه) وكذا البيهقى (ج ٣ ص ٢٤٢) كلاهما من طريق عمرو بن الحرث عن يزيد بن أبى حبيب عن موسى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله مز فيه يقول على المنبر فى يوم الجمعة: ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته . قال فى الزوائد : إسناده صحيح، ورجاله ثقات - انتهى. قلت: هو منقطع، لأن محمد بن يحيى بن حبان لم يدرك عبد الله بن سلام، فإن ابن حبان مات سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن أربع وسبعين سنة. وعلى هذا فكانت ولادته سنة سبع وأربعين. ومات عبد الله بن سلام قبل ولادته سنة ثلاث وأربعين. ثم أخرجه ابن ماجه من طريق آخر قال: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا شيخ لنا عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حبان عن يوسف بن عبد الله ابن سلام عن أبيه قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك، وفيه رجل مجهول. قال المزى: هذا الشيخ هو محمد بن عمر الواقدى - انتهى. والواقدى متروك. وأخرجه أبو داود من ثلاثة وجوه: الأول طريق يحيى ابن سعيد الأنصارى عن محمد بن يحيى بن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما على أحدكم الخ، وهذا مرسل ، لأن ابن حبان تابعى . والثانى طريق عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبى حبيب عن موسى بن سعد عن ابن حبان عن ابن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الخ. وهذا يحتمل أن يكون المراد بابن سلام عبد الله بن سلام ، وبه جزم الحافظ فى التلخيص، وفى التهذيب فى باب من نسب إلى أبيه أو جده أو أمه أو عمه أو نحو ذلك. ويحتمل أن يكون المراد به يوسف بن عبد الله بن سلام، كما يدل عليه الطريق الآتى، فيكون الحديث من مسند يوسف بن عبدالله بن سلام لا من مسند عبد الله بن سلام، والوجه الثالث طريق يحيى بن أيوب ٤٧٤ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير ١٤٠٣ - (١١) ورواه مالك عن يحمي بن سعيد. ١٤٠٤ - (١٢) وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احضروا الذكر وادنوا من الامام، فإن الرجل لايزال يتباعد حتى يؤخر فى الجنة وإن دخلها. ء عن إبن أبى حبيب عن موسى بن سعد عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا صريح فى أن الحديث من مسند يوسف بن عبد الله بن سلام. وذكر البخارى أن يوسف له صحبة . فالحديث بهذا الطريق موصول ، لكن قال المزى فى الأطراف: هو أى كونه من مسند عبد الله بن سلام أشبه بالصواب. ١٤٠٣ - (ورواه مالك) فى الموطأ، وكذا أبو داود والبيهقى وغيرهم (عن يحيى بن سعيد) أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما على أحدكم الخ قال الحافظ فى الفتح (ج ٤ ص ٤٨٣): وصله ابن عبد البر فى التمهيد من طريق يحيى بن سعيد الأموى عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن عمرة عن عائشة. وفى إسناده نظر، فقد رواه أبو داود من طريق عمرو بن الحارث وسعيد بن منصور عن ابن عينة، وعبد الرزاق عن التوری ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد عن محمد بن یحی بن حبان مرسلا . ووصله أبو داود وابن ماجه من وجه آخر عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن سلام. ولحديث عائشة طريق عند ابن خزيمة وابن ماجه - انتهى. قال الزرقانى: ويقال لا نظر (أى فى إسناد ابن عبد البر)، لأن الأموى الراوى عن الأنصارى ثقة، فأى مانع من كون الأنصارى له فيه شيخان: عمرة عن عائشة موصولا، ومحمد بن يحي بن حبان مرسلا - انتهى. ويحيى بن سعيد الأنصارى المذكور هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصارى المدنى ثقة ثبت من صغار التابعين. وسيأتى البسط فى ترجمته فى أوائل الجنائز . 1 ١٤٠٤ - قوله (احضروا الذكر) أى الخطبة المشتملة على ذكر الله وتذكير الأنام (وادنوا) أى أقربوا قدر ما أمكن (من الإمام) يعنى اذا لم يكن هناك مانع من القرب منه. وهذا إشارة الى التبكير إلى الجمعة أى التعجيل فى الرواح اليها (فان الرجل لا يزال يتباعد) أى يتأخر فى الحضور الى الجمعة فيتباعد من الامام. وقيل: أى عن مواطن الخيرات بلا عذر (حتى يؤخر) على صيغة المجهول (فى الجنة) أى فى دخولها أو فى درجاتها (وإن دخلها) قال الطيبي: أى لا يزال الرجل يتباعد عن استماع الخطبة، وعن الصف الأول الذى هو مقام المقربين حتى يؤخر إلى آخر صف المتسفلين، وفيه توهين أمر المتأخرين وتسفيه رأيهم حيث وضعوا أنفسهم من أعالى الأمور إلى سفسافها. وفى قوله: ((وإن دخلها، تعريض بأن الداخل قنع من الجنة ومن المقامات العالية والدرجات الرفيعة بمجرد الدخول - إنتهى. وقال الشوكانى: وفيه أن التأخر عن الامام يوم الجمعة من أسباب ٤٧٥ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير رواه أبو داود . ١٤٠٥ - (١٣) وعن معاذ بن أنس الجهنى، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تخطی رقاب الناس التأخر عن دخول الجنة جعلنا الله تعالى من المتقدمين فى دخولها (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد كلاهما عن على بن عبد الله المدينى نا معاذ بن هشام الدستوانى قال: وجدت فى كتاب أبى بخط يده ولم أسمعه منه، ثنا قتادة عن يحيى بن مالك عن سمرة بن جندب. قال الشوكانى: قال المنذرى: فى إسناده إنقطاع - إنتهى. وسببه أن معاذاً لم يسمع هذا الحديث من أبيه ، بل أخذه منه على سبيل الوجادة ، وهى من أنواع التحمل ، وقد تقدم بيان حكمها، وأخرجه الحاكم (ج ١ ص ٢٨٩) من هذا الطريق. وصرح بسماع معاذ عن أبيه، وأخرجه البيهقى (ج٣ ص ٢٣٨) من رواية أبى داود، ثم ذكر رواية الحاكم واعترض عليها، فقال لا أحسبه إلا واهما فى ذكر سماع معاذ عن أبيه هو أو شيخه - إنتهى. والحديث ذكره المنذرى فى الترغيب (ج ١ ص ٢٢١)، قال وروى عن سمرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احضروا الجمعة، وأدنوا من الامام فإن الرجل ليكون من أهل الجنة فيتأخر عن الجمعة فيؤخر عن الجنة، وأنه لمن أهلها. رواه الطبرانى والأصبهانى وغيرهما ، وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج٢ ص ١٧٧) إلى الطبرانى فى الصغير، وقال وفيه الحكم بن عبد الملك ، وهو ضعيف . قلت: وأخرجه من طريقه البيهقى أيضا. ١٤٠٥ - قوله (وعن معاذ بن أنس الجهنى عن أبيه) كذا فى جميع النسخ، وهو سهو، لأن أنا والد معاذ ليس له صحبة ولا رواية، وإن ذكره ابن مندة فى الصحابة كما يظهر من تجريد الذهبي (ج ١ ص ٣٣) وذكره خليفة فيمن نزل الشام من الصحابة. وما وقع فى بعض الروايات مما يدل على كونه صحابيا له رواية فهو خطأ . وارجع إلى الاصابة (ج ١ ص ٧٤، ٧٥) فالصواب حذف قوله: عن أبيه أو أن يقول عن سهل بن معاذ بن أنس الجهنى عن أبيه، كما فى الترمذى وابن ماجه وسهل بن معاذ بن أنس الجهنى تابعى شامى نزل مصر. قال الحافظ : لا بأس به إلا فى روايات زبان بن فائد عنه، وهذا الحديث من رواية زبان عنه. وقال ابن معين. ضعيف، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال لا يعتبر بحديثه ما كان من رواية زبان بن فائد عنه، وذكره فى الضعفاء، " وقال منكر الحديث جداً فلست أدرى أ وقع التخليط فى حديثه منه أو من زبان؟ فان كان من أحدهما فالأخبار التى رواها ساقطة، وإنما اشتبه هذا لأن راويها عن سهل زبان إلا الشىء بعد الشىء، وزبان ليس بشىء. وقال العجلى: مصرى تابعى ثقة. كذا فى التهذيب (ج ٤ ص ٢٥٨، ٢٥٩) وأما والده معاذ بن أنس فقد تقدم ترجمته (من تخطى) أى تجاوز (رقاب الناس) قال القاضى: أى بالخطو عليها. وقال فى القاموس: تخطى الناس واختطاهم ركبهم ٤٧٦ ٣ ١ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير يوم الجمعة، اتخذ جسرا الى جهنم. وجاوزهم (يوم الجمعة) ظاهر التقييد بيوم الجمعة أن الكراهة مختصة به. ويحتمل أن يكون التقييد خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بكثرة الناس بخلاف سائر الصلوات فلا يختص ذلك بالجمعة، بل يكون حكم سائر الصلوات حكمها. ويؤيد ذلك التعليل بالأذية، كما فى بعض الروايات. وظاهر هذا التعليل أن ذلك يجرى فى مجالس العلم وغيرها. ويؤيده أيضا ما أخرجه الديلمى فى مسند الفردوس من حديث أبى أمامة مرفوعا: من تخطى حلق قوم بغير إذنهم فهو عاص، لكن فى إسناده جعفر بن الزبير، وقد كذبه شعبة وتركه الناس. قال العينى: تقييد التخطى ييوم الجمعة هو المذكور فى الأحاديث، وكذلك قيده الترمذى فى حكايته عن أهل العلم، وكذلك قيده الشافعية فى كتب فقههم فى أبواب الجمعة ، وكذلك هو عبارة الشافعى فى الأم، إذ قال وأكره تخطى رقاب الناس يوم الجمعة لما فيه من الأذى وسوء الأدب - انتهى. لكن هذا التعليل يشمل الجمعة وغيرها سائر الصلوات فى المساجد وغيرها وسائر المجامع من حلق العلم وسماع الحديث ومجالس الوعظ ، فيحمل التقييد بالجمعة على أنه خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بمكان الخطبة وكثرة الناس بخلاف غيره ويؤيد ذلك ما رواه أبو منصور الديلمى فى مسند الفردوس من حديث أنس فذكره (اتخذ) على بناء المفعول أى يجعل يوم القيامة (جسرا) بفتح الجيم وسكون المهملة أى معبرا يمر عليه من يساق (الى جهنم) مجازاة له بمثل عمله. ويجوز بناء، للفاعل أى اتخذ لنفسه بصفيعه ذلك طريقا يؤديه إلى جهنم لما فيه من إيذاء الناس واحتقارهم. فكانه جسر اتخذه إلى جهنم، أو المعنى إتخذ نفسه جسرا لأهل جهنم، إلى جهنم بذلك العمل ، والثالث أبعد الوجوه. وقال الطيبى: والشيخ التور بشتى ضعف المبنى للفعول رواية ودراية - انتهى. والحديث يدل على كراهة التخطى يوم الجمعة واختلف فى حكمه أنه للتحريم أولا، فقال الترمذى حاكيا عن أهل العلم أنهم كرهوا ذلك وشددوا فيه . قال العينى: المتقدمون يطلقون الكراهة. ويريدون التحريم وحكى الشيخ أبو حامد فى تعليقه عن قص الشافعى التصريح بتحريمه، وصرح النووى فى شرح المهذب أنه مكروه بكراهة تنزيه. وقال فى زوائد الروضة إن المختار تحريمه الأحاديث الصحيحة ، واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط - انتهى كلام العينى. ويكره عند المالكية لغير فرجة قبل جلوس الامام على المنبر، ويحرم بعده ولوالفرجة، ثم اختلفوا فى أنه هل يستثنى أحد من كراهة التخطى أولا، فقال الحنفية: يجوز التخطى بشرطين: عدم الايذاء وعدم خروج الامام لأن الايذاء حرام والتخطى عمل، والعمل بعد خروج الامام حرام، فلا يرتكبه لفضيلة الدنو من الامام ، بل يستقر فى موضعه من المسجد، ذكره الطحطاوى على المراقى. وقد تقدم مذهب المالكية. وقال الشافعية إنه مكروه إلا أن يكون قدامه فرجة لا يصلها إلا بالتخطى، فلا يكره حينئذ. وقال إبن المنذر: بكراهته مطلقا، ونقل ذلك عن سلمان الفارسى وأبى هريرة وكعب وإبن المسيب وعطاء وأحمد بن حنبل. وفى فقه الحنابلة أنه يستثنى الامام والمؤذن. 1 ٤٧٧ ١ ٦- مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير رواه الترمذى. وقال : هذا حديث غريب . ١٤٠٦ - (١٤) وعن معاذ بن أنس، أن البى صلى الله عليه وسلم نهى من الحبوة ١ والتخطى إلى الفرجة . وقال العراقى: وقد استثنى من التحريم أو الكراهة الامام أو من كان بين يديه فرجة لايصل اليها إلا بالتخطى . وهكذا أطلق النووى فى الروضة، وقيد ذلك فى شرح المهذب ، فقال إذا لم يجد طريقا إلى المنبر والمحراب إلا بالتخطى لم يكره، لأنه ضرورة. وروى نحو ذلك عن الشافعى، وحديث عقبة بن الحارث عند البخارى والنسائى قال: صليت وراء رسول اللّه تَّ بالمدينة العصر، ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نساءه - الحديث ، يدل على جواز التخطى للحاجة فى غير الجمعة . فمن خصص الكراهة بالجمعة فلا معارضة بينه وبين أحاديث الباب عنده. ومن عمم الكرامة لوجود العلة المذكورة سابقا فى الجمعة وغيرها فهو محتاج الى الاعتذار عنه . وقد خص الكراهة بعضهم بغير من يتبرك الناس بمروره، ويسرم ذلك، ولا يتأذون لزوال علة الكرامة التى هى التأذى، كذا فى النيل. قلت: والراجح عندى أنه يحرم التخطى مطلقاً لاطلاق الأحاديث المقتضية الكرامة إلا لمن يتبرك الناس بمروره، ويسر هم ذلك، ولا يتأذون لحديث عقبة بن الحارث المذكور (رواه الترمذى) وابن ماجه أيضاً كلاهما من طريق رشدين بن سعد، وهو صالح عابد سيتى الحفظ عن زبان بن فائد، وهو ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته، ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها موضوعة لا يحتج به عن سهل بن معاذ. وقد تقدم أنه لا يعتبر بحديثه إذا كان من رواية زبان عنه. ورواه أحمد فى مسنده (ج ٣ ص ٤٣٧) وابن عبد الحكم فى فتوح مصر (٢٩٨) كلاهما من طريق ابن لهيعة عن زبان. وفى الباب عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم الشوكانى فى النيل ( ج٣ ص١٢٨) والهيشمى فى مجمع الزوائد ( ج ٢ ص ١٧٨ - ١٧٩) مع الكلام عليها وفى أكثرها ضعف . وأقوى ما ورد فى ذلك حديث عبد الله بن بسر قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي تَّ يخطب فقال له رسول اللّه مَّ: اجلس فقد آذيت. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقي (ج٣ ص ٢٣١) وسكت عنه أبو داود والمنذرى، وصححه ابن خزيمة وغيرهم. ١٤٠٦- قوله (نهى عن الحبوة) مثلثة الحاء، اسم من الاحتباء. قال القاضى عياض فى المحارق (ج ١ ص ١٧٦ - ١٧٧): الاحتباء هو أن ينصب الرجل ساقيه ويدير عليهما ثوبه، أو يعقد يديه على ركبتيه معتمداً على ذلك - انتهى. وقال التوربشتى فى شرح المصابيح: الحبوة بضم الحاء وكسرها الاسم من الاحتباء، وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب وقد يحتبي بيديه. ووجدت الراوية بكسر الحاء والحبوة بالفتح المرة من الاحتباء، ولا معنى لها ههنا ووجه النهى - والله أعلم - هو أنها مجلبة للنوم فيلهى عن الخطبة ، ثم أنها هيئة ٤٧٨ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير يوم الجمعة والامام بخطب. لا يكون معها تمكن، فربما تفضى إلى انتقاض الطهارة فيمنعه الاشتغال بالطهارة عن استماع الخطبة وحضور الذكر إن لم تفته الصلاة، مع ما يتوقع منه من الافتتان فى الصلاة لغلبة الحياء من يخلو عن علم يسوسه وورع يحجزه - انتهى. (يوم الجمعة، والامام يخطب) قال القارى: هوقيد احترازى، والأول واقعى اتفاقى أوتأ كيدى - انتهى. وقال الشوكانى: وقد ورد النهى عن الاحتباء مطلقاً غير مقيد بحال الخطبة ولا بيوم الجمعة ، لأنه مظنة لانكشاف عورة من كان عليه ثوب واحد. وقد اختلف أهل العلم فى كراهة الاحتباء يوم الجمعة ، فقال بالكراهة قوم من أهل العلم، كما قال الترمذى، منهم عبادة بن نسى التابعى . قال العراقى: وورد عن مكحول وعطاء والحسن أنهم كانوا يكرهون أن يحتبوا، والامام يخطب يوم الجمعة . رواه ابن أبى شيبة فى المصنف ، قال ولكنه قد اختلف عن الثلاثة فنقل عنهم القول بالكرامة، ونقل عنهم عدمها. واستدل من قال بالكرامة بحديث معاذ بن أنس، ويحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند ابن ماجه، وفى سنده بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن شيخه عبد الله بن واقد. قال العراقى: لعله من شيوخه المجهولين. وقال الحافظ فى التقريب: عبد الله بن واقد شيخ لبقية مجهول يحتمل أن يكون الهروى يعنى عبد الله بن واقد بن الحارث الحنفى الحروى، وهوثقة .وصوف بخصال من الخير، وبحديث جابر عند ابن عدى فى الكامل، وفى إسناده عبد الله بن ميمون القداح، وهو ذاهب الحديث كماقال البخارى. وقال الشوكانى: وهذه الأحاديث يقوى بعضها بعضاً. وذهب أكثر أهل العلم - كما قال العراقى - إلى عدم الكرامة ، فروى أبو داود والطحاوى والبيهقى (ج ٣ ص ٢٣٥) عن يعلى بن شداد قال شهدت مع معاوية فتح بيت المقدس لجمع بنا فاذا جل من فى المسجد أصحاب النبي مؤثرة، فرأيتهم محتبين، والامام يخطب. وروى الطحاوى وابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يحتى يوم الجمعة، والامام يخطب. وذكر أبو داود عن أنس بن مالك وشريح القاضى وصعصعة بن صوحان التابعى المخضرم وابن المسيب والنخعى ومكتول وإسماعيل بن محمد ابن سعد ونعيم بن سلامة أنهم كانوا يحتبون ، والامام يخطب، قال أبو داود ولم يبلغنى أن أحداً كرمها إلا عبادة ابن نسى. وقال ابن عبد البر: ولم يرو عن أحد من الصحابة خلافه، ولا روى عن أحد من التابعين كرامة الاحتباء إلا وقد روى عنه جوازه - انتهى. قلت: وإلى عدم الكرامة ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واعتذر هؤلاء عن أحاديث الباب بوجوه: منها أنها كلها ضعيفة. وفيه أن حديث معاذ قد حسنه الترمذى وسكت علیه أبوداود، وصححه الحاكم، وله شاهدان ضعیفان من حديث عبد الله بنعمرو وحديث جابر، كما تقدم. و منها أنها منسوخة لعمل جل الصحابة بخلافها ، واليه يشير صنيع أبى داود حيث روى حديث يعلى المتقدم بعد حديث معاذ بن أنس، وذكرعن ابن عمر وغيره أنهم كانوا يحتبون يوم الجمعة، والامام يخطب إلى آخر ما قال. وذكر -. ٤٧٩ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٤٤ - باب التنظيف والتبكير رواه الترمذى، وأبو داود. ١٤٠٧ - (١٥) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا نمس أحدكم يوم الجمعة، فليتحول الطحاوى فى مشكل الآثار: أن النهى محمول على إحداث الحبوة واستينافها فى حالة الخطبة ، لأنه عمل فى الخطبة واشتغال بغير الخطبة وإقبال على ما سواها. وأما الحبوة التى كان الصحابة يفعلونها فكانت قبل الخطبة أى ما كانوا يستأنفونها، وأمامهم يخطب، بل كانوا يستعملونها قبل الخطبة. وقيل النهى مختص بمن يجلب الاحتباء النوم له. وقال شيخنا فى شرح الترمذى بعد ذكر الجواب الأول : أحاديث الباب، وإن كانت ضعيفة ، لكن يقوى بعضها بعضاً ولا شك فى أن الحبوة جالبة للنوم، فالأولى أن يحترز عنها يوم الجمعة فى حال الخطبة. هذا ما عندى والله أعلم بالصواب (رواه الترمذى وأبو داود) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج١ ص ٢٨٩) والبيهقى (ج ٣ ص ٢٣٥) وابن عبد الحكم فى فتوح مصر (ص ٢٩٧) كلهم من طريق أبى مرحوم عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ بن أنس عن معاذ. والحديث قد حسنه الترمذى وسكت عليه أبوداود وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال المنذرى بعد نقل تحسين الترمذى: وسهل بن معاذ ضعفه يحيى بن معين وتكلم فيه غيره، وأبو مرحوم ضعفه ابن معين. وقال أبو حاتم الرازى: لا يحتج به - انتهى. قلت: قد تقدم أن سهل بن معاذ لا بأس به إلا فی روايات زبان عنه، وهذا ليس من رواية زبان عنه، وأبو مرحوم قد ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال النسائى: أرجو أنه لا بأس به . وقال ابن يونس: زاهد يعرف بالاجابة والفضل ، فالظاهر أن الحديث لا ينحط عن درجة الحسن ، لاسيما وقد تأيد بالشاهدين المذكورين . ! حصة ١٤٠٧ - قوله (إذا نعس) بفتح العين من باب نصرومنع، والنعاس الوسن وأول النوم، وهى ريح لطيفة تأتى من قبل الدماغ تغطى على العين ولا تصل إلى القلب فاذا وصله كان نوما (أحدكم) فى مجلسه ( يوم الجمعة) أى وهو فى المسجد، كما فى رواية أبي داود وأحمد (ج ٢ ص ٣٢). قال الشوكانى: لم يرد بيوم الجمعة جميع اليوم، بل المراد به إذا كان فى المسجد ينتظر صلاة الجمعة، كما فى رواية أحمد فى مسنده ( ج ٢ ص ٣٢) بلفظ: إذا نعس أحدكم فى المسجد يوم الجمعة، وسواء فيه حال الخطبة أو قبلها، لكن حال الخطبة أكثر - انتهى . وقد استثنى الحنفية حال الخطبة ، فقالوا التحول فى حالة الخطبة ممنوع، لأن العمل فى الخطبة منهى عنه ، فلا يدخل وقت الخطبة فى عموم الحديث . قلت: ظاهر الحديث الاطلاق، ولذلك بوب عليه أبو داود باب الرجل ينعس والامام يخطب (فليتحول) أى فلينتقل، لأنه إذا تحول حصل له من الحركة ما ينفى الفتور المقتضى للنوم. قيل: فإن لم يجد ٤٨٠ .---- ٠