Indexed OCR Text

Pages 401-420

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
( الفصل الثانى )
١٣٥٠ - (٩) عن عائشة، قالت: كل ذلك قد فعل رسول اللّه يَلى: قصر الصلاة وأتم.
١
١٣٥٠- قوله (كل ذلك) إشارة الى ما ذكر بعده من القصر والاتمام ، وكل)) مفعول قوله (قد فعل)
أو مبتدأ على حذف العائد أى كل ذلك فعله. قال الطيبي: ذلك اشارة الى أمرمبهم له شأن لايدرى إلا بتفسيره.
وتفسيره قولها رضى الله عنها (قصر الصلاة وأتم) ونظيره قوله تعالى: ﴿وقضينا اليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء
مقطوع مصبحين-٦٦:١٥) ) تعنى كان رسول اللّه رضيع يقصر الرباعية فى السفر ويتمها. والحديث قد احتج به القائلون
بعدم وجوب القصر فى السفر، لكنه ضعيف جدا، لأن فى سنده طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمى المكى، وهو
متروك ليس بشىء، واحتجوا أيضاً بما روى الدارقطى (ص ٢٤٢) والبيهقى ( ج ٣ ص ١٤١) من طريقه عن
عائشة أن النبي اللّه عَّف كان يقصر فى السفر ويتم ويفطر ويصوم. قال الدار قطنى: اسناده صحيح. وأجيب عنه
بأنه حديث فيه كلام لا يصلح للاحتجاج. قال الحافظ فى التلخيص (ص ١٢٨): قد استكره أحمد، وصحته بعيدة،
فان عائشة كانت تتم وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان، كما فى الصحيح، فلو كان عندها من الذى مُؤَّه رواية
لم يقل عروة: إنها تأولت وقد ثبت فى الصحيحين خلاف ذلك - انتهى. وقال ابن القيم فى الهدى (ج١ ص ١٢١)
بعد ذكر هذا الحديث: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول اللّه مَفع - انتهى. واحتجوا
أيضاً بما روى النسائى والدارقطنى (ص ٢٤٢) والبيهقى (ج ٣ ص ١٤٢) عن عائشة أيضاً قالت: خرجت مع
النبى مَّ فى عمرة فى رمضان، فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقالت - بأبى وأمى - أفطرت وصمت، وقصرت
وأتممت! فقال أحسنت يا عائشة اقال الدار قطنى: اسناده حسن. وأجيب عنه بأنه أيضاً لا يصلح للاحتجاج.
قال فى البدر المنير: إن نى متن هذا الحديث نكارة، وهو كون عائشة خرجت معه فى عمرة فى رمضان، والمشهور
أنه ورؤللع لم يعتمرالا أربع عمر ليس منهن شىء فى رمضان، بل كلهن فى ذى القعدة الا التى مع حجته، فكان إحرامها
فى ذى القعدة، وفعلها فى ذى الحجة، قال هذا هو المعروف فى الصحيحين وغيرهما. وقد تمحل بعض الحفاظ فى الجواب
عن هذا الاشكال، واعترض عليه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الاحد المقدسى فى كلام له على هذا الحديث ، وقال
وهم فى هذا فى غير موضع، وذكر أحاديث فى الرد عليه. وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه، وطعن فيه.
وقال ابن القيم فى الهدى (ج ١ ص ١٣٣) بعد ذكر هذا الحديث: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا
الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة تصلى بخلاف صلاة رسول اللّه مريض وسائر الصحابة، وهى تشاهده
يقصرون ثم تتم هى وحدها بلا موجب. كيف وهى القائلة فرضت الصلاة ركعتين، فزيد فى صلاة الحضر،
٠ ٤٠١
!
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
رواه فى شرح السنة .
١٣٥١ - (١٠) وعن عمران بن حصين، قال: غزوت مع النبي ◌َّ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة
ثمانى عشرة ليلة لا يصلى الا ركعتين، يقول: يا أهل البلد! صلوا أربعاً، فانا سفر.
وأقرت صلاة السفر، فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول اللّه مَّةٍ وأصحابه وإذا كان النبي
رؤوفّى قد حسن فعلها وأقرما عليه فما التأويل (يعنى ما تقدم ذكره فى كلام الحافظ فى التلخيص) حينئذ وجه، ولا
يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله مزيلى لم يكن يزيد فى السفر
على ركعتين ولا أبوبكر ولا عمر أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهى تراهم يقصرون؟ وأما بعد موته مثله
فانها أتمت كما أتم عثمان، وكلاهما تأول تأويلا، والحجة فى روايتهم لا فى تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيرهاه ـ
انتهى. وبالجملة فلم يثبت عنه مَ ث أنه أتم الرباعية فى سفره البتة، بل لازم القصر فى جميع أسفاره، فعلى المسلم أن
يلازم القصر فى السفر، كما لازمه مَّة (رواه) أى صاحب المصابيح (فى شرح السنة) وأخرجه أيضاً الشافعى
والدارقطنى (ص ٢٤٢) والبيهقى (ج ٣ ص ١٤٢) وفى سنده طلحة بن عمرو، وهو متروك ، فالحديث ضعيف جدا.
١٣٥١ - قوله (غزوت مع النبى وَّة) أى غزوات (الفتح) أى فتح مكة (فأقام) أى مكث (ثمانى عشرة
ليلة) أى مع أيامها وما كان نوى الإقامة بمكة هذه المدة من أول الأمر بل كان مترددا متى تهياً فراغ حاجته
ارتحل كما تقدم فامتد مكثه بمكة لذلك (لا يصلى إلا ركعتين) فى الرباعية (يقول) بعد تسليمه خطابا لمن اقتدى
به من أهل مكة (يا أهل البلد صلوا أربعاً) أى لا تقصروا صلاتكم بل أتموها أربعا (فانا) قوم (سفر) بفتح السين
وسكون الفاء، جمع سافر، كركب وراكب وصحب وصاحب أى إنى وأصحابى مسافرون فنقصر الصلاة الرباعية من أجل
السفر وأنتم مقيمون فلا تقصروها، بل أتموها . قال الطيبي: الفاء هى الفصيحة لدلالتها على محذوف هوسبب لما بعد
الفاء أى صلوا أربعا ولا تقتدوا بنا فأنا سفر كقوله تعالى: ﴿فانفجرت) أى فضرب فانفجرت ـ انتهى. وفى الحديث
دليل على أن المسافر إذا كان إماما للقيمين وسلم على ركعتين فى الرباعية يتم المقيمون صلاتهم كاتمام أهل مكة ،
وهذا إجماع، ويستحب له أن يقول بعد التسليم للقتدين به أتموا صلاتكم اتباعا لفعله مرَّته. قال ابن عبد البر:
لا خلاف علمته فيما بينهم أن المسافر إذا صلى بمقيمين ركعتين وسلم فأتموا لأنفسهم . وقال الشوكانى: جواز اتمام
المقيمين بالمسافر مجمع عليه . واختلف فى العكس ، فذهب طاؤس وداود والشعبى وغيرهم الى عدم الصحة لقوله
◌َبيع: لا تختلفوا على إمامكم، وقد خالف فى العدد والنية، وذهب الحنفية والشافعية الى الصحة اذالم تفصل أدلة الجماعة
ويدل للجواز ما أخرجه أحمد فى مسنده عن ابن عباس أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين اذا انفرد وأربعاً
٤٠٢

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
رواه أبوداود .
١٣٥٢ - (١١) وعن ابن عمر، قال: صليت مع النبى تَّ الظهر فى السفر ركعتين، وبعدها
ركعتين. وفى رواية قال: صليت مع التى تمّ فى الحضر والسفر، فصليت معه فى الحضر الظهر
أربما، وبعدها ركعتين، وصليت معه فى السفر الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين،
ولم يصل بعدها شيئا، والمغرب فى الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات، ولا ينقص فى حضر ولا سفر،
إذا أحجم بمقيم؟ فقال تلك السنة. وفى لفظ قال له موسى بن سلمة: أنا إذا كنا معكم صلينا أربعاً، وإذا رجعنا
صلينا ركعتين! فقال تلك سنة أبي القاسم مَثك. وقد أورد الحافظ هذا الحديث فى التلخيص (ص ١٣٠)
ولم يتكلم عليه - انتهى. وقال ابن عبد البر فى الاستذكار: اختلفوا ... فى المسافر يصلى وراء مقيم، فقال مالك
وأصحابه إذا لم يدرك معه ركمة تامة صلى ركعتين ، فان أدرك معه ركعة بسجدتيها صلى أربعاً. وذكر الطحاوى
أن أباحنيفة وأبا يوسف ومحمدا قالوا يصلى صلاة المقيم وإن أدركه فى التشهد وهو قول الثورى والشافعى - انتهى.
قلت: وهو مذهب الامام أحمد كما فى المغنى (ج ١ ص ٢٨٤) وغيره من كتب فروع الحنابلة (رواه أبو داود)
وأخرجه أيضاً البيهقى (ج ٣ ص ١٥٧) من طريق أبي داود وأخرجه أيضاً هو (ج ٣ ص ١٣٥، ١٣٦ و ١٥٣)
والترمذى بنحوه مطولا، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. وقال الحافظ فى التلخيص (ص ١٢٩): إن
الترمذى حسن هذا الحديث، ولكن نقل المنذرى والزيلعى (ج ٢ ص ١٨٧) أنه قال حسن صحيح. والحديث
نسبه أيضا الزيلمى الى الطبرانى وابن أبى شيبة واسحاق بن راهويه وأبي داود الطيالسى. وفى أسناده على بن زيد
ابن جدعان، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقال الحافظ: هو ضعيف، وإنما حسن الترمذى حديثه لشواهده،
ولم يعتبر الاختلاف فى المدة، كما عرف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق -
انتهى. قال شيخنا فى شرح الترمذى: على بن زيد عند الترمذى صدوق، كما فى الميزان وغيره، فلأجل ذلك
حسنه وصححه على أن لهذا الحديث شواهد وكم من حديث ضعيف قد حسنه الترمذى لشواهده - انتهى .
١٣٥٢ - قوله (الظهر) أى صلاته (فى السفر ركعتين) أى فرضا (وبعدها) أى بعد صلاة الظهر
(ركعتين) أى سنة الظهر (وفى رواية) أى عن ابن عمر (الظهر) أى فرضه (أربعاً) أى أربع ركعات
(ولم يصل بعدها) أى بعد صلاة العصر (شيئا) لكرامة التطوع بعدها (والمغرب فى الحضر والسفر سواء)
حال أى مستوياً عددها فيهما وقوله (ثلاث ركعات) بيان لها (لا ينقص فى حضر ولاسفر) على البناء الفاعل
٤٠٣

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
وهى وتر النهار، وبعدها ركعتين ، رواه الترمذى.
١٣٥٣ - (١٢) وعن معاذ بن جبل، قال: كان الني لى فى غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل
أن يرتحل، جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر،
وفى المغرب مثل ذلك، إذا غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل
أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم يجمع بينهما.
أى شيئاً منها، يعنى لا ينقص رسول الله مضم المغرب عن ثلاث ركعات فى الحضر ولا فى السفر، لأن القصر
منحصر فى الرباعية (وهى وتر النهار) جملة حالية كالتعليل لعدم جواز النقصان، قاله الطيبى (وبعدها) أى بعد
صلاة المغرب (ركعتين) أى سنة المغرب. والروايتان تدلان على جوازالاتيان بالرواتب فى السفر، وقد تقدم الكلام
فيه مفصلا (رواه الترمذى) الرواية الأولى من طريق حجاج بن أرطاة عن عطية عن ابن عمر . والثانية المطولة
من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عطية ونافع عن ابن عمر وقد حسن الترمذى الروايتين جميعاً ،
وانما حسن الرواية الأولى أى المختصرة مع أن فى سندها حجاج بن أرطاة وعطية، وكلاهما مدلسان، وروياه
بالعنعنة . وقال فى الميزان: عطية تابعى شهير ضعيف، لأنه قد تابع حجاجا ابن أبى ليلى فى طريق الرواية الثانية ،
وكذلك تابع عطية نافع فيها ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى صدوق فقيه تكلم فيه من قبل حفظه وحديثه مما يحتج
به إذا تابعه غيره .
١٣٥٣ - قوله (كان النبي مَثّم فى غزوة تبوك) غير منصرف على المشهور، وهو موضع قريب من
الشام (إذا زاغت الشمس) أى مالت عن وسط السماء إلى جانب المغرب أراد به الزوال (قبل أن يرتحل) ظرف
لما قبله أو ما بعده (جمع بين الظهر والعصر) أى فى المنزل جمع تقديم بأن قدم العصر فصلاها فى وقت الظهر
(قبل أن تزيغ الشمس) أى تزول (آخر الظهر) أى إلى وقت العصر (حتى ينزل للعصر) أى لوقته تجمع بينهما جمع
تأخير بأن صلى الظهر فى وقت العصر ثم صلى العصر (وفى المغرب مثل ذلك) أى مثل ما فعل فى الظهر والعصر
(إذا غابت) وفى المصابيح: إن غابت، كما فى أبى داود، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٦ ص٤٥١)
(جمع بين المغرب والعشاء) فى المنزل جمع تقديم (آخر المغرب حتى ينزل للعشاء) أى اوقته (ثم يجمع)
وفى المصابيح: ثم جمع موافقا، لما فى أبى داود، ووقع فى جامع الأصول، كما فى المشكاة (ينهما) أى جمع
تأخير . وفى الحديث دليل لما ذهب اليه الشافعى وغيره من جواز الجمع الحقيقى تقديماً وتأخيراً. قال ابن حجر
٤٠٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤- كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
رواه أبو داود والترمذى.
المكى: إنه حديث صحيح، وإنه من جملة الأحاديث التى هى نص لا يحتمل تأويلا فى جواز جمعى التقديم والتأخير -
انتهى. قلت: وفى الباب أحاديث أخرى، وهى صريحة فى الجمع الحقيقى، وسنذكرها (رواه أبوداود) وأخرجه
أيضاً النسائى والدار قطنى (ص ١٥٠) والبيهقى (ج ٣ ص ١٦٢، ١٦٣) كلهم من طريق هشام بن سعد عن
أبي الزبير عن أبى الطفيل عن معاذ. قال الحافظ فى التلخيص (ص ١٣٠): وهشام لين الحديث، وقد خالف أو أق
الناس فى أبى الزبير، وهو الليث ابن سعد. وقال فى الفتح (ج ٥ ص ٥٨٨): وَهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ
من أصحاب أبي الزبير، كمالك والثورى وقرة بن خالد وغيرهم - انتهى. قلت : هشام ابن سعد المدنى
أبو عباد صاحب زيد بن أسلم ، قد استشهد به مسلم فى الصحيح، وعلق له البخارى فى جامعه الصحيح ، وضعفه
ابن معين والنسائى وابن عدى. وقال الساجى: صدوق. وقال: أبو زرعة محله الصدق ، وهو أحب إلى من ابن
إسحاق. وقال العجلى: جائز الحديث حسن الحديث. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين صالح، وليس بمتروك
الحديث . وقال أبوداود: هشام بن سعد أثبت الناس فى زيد بن أسلم. وقال الحاكم: أخرج له مسلم فى الشواهد ،
كذا فى التهذيب . وقال فى البدر المنير : قال عبد الحق عن البزار لم أر أحداً توقف عن حديثه - انتهى. حديثه
لا ينحط عن درجة الحسن، وعلى هذا فالحديث المذكور ليس بضعيف، كما تفوه النيموى ، بل هو حسن بلا شك .
وأما ما ذكر الحافظ من مخالفته لأصحاب أبى الزبير ، وكأنه يشير إلى أن روايته بجمع التقديم شاذة ، ففيه أنه
ليس بين روايته وبين رواياتهم مخالفة ومعارضة أصلا، فان رواياتهم محملة ساكتة عن بيان كيفية الجمع ، ورواية
هشام هذه مفصلة مفسرة، والمفسر قاض على المجمل ، فيحمل هذا على ذاك، وللحديث طريق أخرى
عن معاذ بن جبل أخرجها أحمد (ج٥ ص ٢٤١، ٢٤٢) والترمذى وأبو داود وابن حبان والدار قطنى (ص ١٥٠)
والبيهقى (ج ٣ ص ١٦٣) والحاكم فى علوم الحديث (ص ١١٩) بنحوه من رواية قتيبة عن الليث بن سعد عن
يزيد بن أبى حبيب عن أبى الطفيل عن معاذ بن جبل، وهذا الطريق قد اضطربت فيه أقوال العلماء قال فى البدر المنير
للحفاظ فى هذا الحديث خمسة أقوال: أحدها أنه حسن غريب، قاله الترمذى. ثانيها أنه محفوظ صحيح، قاله
ابن حبان. ثالثها أنه منكر، قاله أبو داود (حكاه الحافظ فى التلخيص ص ١٣٠) والمنذرى فى مختصر السنن).
رابعها أنه منقطع، قاله ابن حزم. خامسها أنه موضوع، قاله الحاكم (فى علوم الحديث ص ١٢٠) وأصل حديث
أبى الطفيل فى صحيح مسلم، وأبو الطفيل ثقة مأمون - انتهى. وقال الحافظ فى الفتح (ج ٥ ص ٥٨٨): وقد أعله
جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث. وقال فى التلخيص (ص ١٣٠) بعد ذكر هذا الحديث: قال الترمذى
حسن غريب، تفرد به قتيبة، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبى الطفيل عن معاذ،
٤٠٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
وليس فيه جمع التقديم ، يعى الذى أخرجه مسلم . وقال أبو داود: هذا حديث منكر ، وليس فى جمع التقديم
حديث قائم. وقال أبو سعيد بن يونس: لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال إنه غلط فيه فغير بعض الأسماء،
وأن موضع يزيد بن أبى حبيب أبو الزبير. وقال ابن أبى حاتم فى العلل عن أبيه: لا أعرفه من حديث يزيد ،
والذى عندى أنه دخل له حديث فى حديث، وأطنب الحاكم فى علوم الحديث فى بيان علة هذا الخبر، فليراجع منه،
وحاصله أن البخارى سأل مع من كتبته فقال مع خالد المدائنى قال البخارى كان خالد المدائنى يدخل على
الشيوخ، يعنى يدخل فى روايتهم ما ليس منها، وأعله ابن حزم بأنه معنعن ليزيد بن أبى حبيب عن أبى الطفيل
ولا يعرف له عنه رواية - انتهى كلام الحافظ. قلت: الكلام الذى عزاء الحافظ لأبى داود ليس فى سننه،
بل الذى فيها («لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده)) ولم يقم دليل على ما قيل من أن قتيبة أو غيره من الرواة
غلط فى هذا الحديث فغير بعض الأسماء، وقد راجعنا علوم الحديث للحاكم فوجدنا أنه قد أفرط فى الكلام على
هذا الحديث فحكم بكونه موضوعا ولم يأت بشىء يؤيد قوله، والحق أن الحديث على شرط الصحيح. قال الشيخ
أحمد شاكر فى تعليقه على الترمذى: وما أحسن ما قال وقد أسرف الحاكم أبو عبد الله فى علوم الحديث فزعم
أنه موضوع مع أنه اعترف بأن رواته أتمة ثقات وعلل ذلك بأنه ((شاذ الاسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها،
وأطال القول فى ذلك بما لا طائل تحته، والحديث حد صحيح ليست له علة، وقد صححه أيضاً ابن حبان
(كما تقدم) وليس الشاذ ما انفرد به الثقة إنما الشاذ أن . . الراوى غيره ممن هو أحفظ منه أو أقوى - انتهى.
ويؤيد ذلك ما روى الحاكم (ص ١١٩) عن الشافعى أنه قال ليس الشاذ من الحديث أن يروى الثقة ما لا يرويه
غيره هذا ليس بشاذ إنما الشاذ أن يروى الثقة حديثا يخالف فيه الناس هذا الشاذ من الحديث - انتهى . وقد رد
أيضا على الحاكم ابن القيم فى الهدى (ج ١ ص ١٣٦) فقال حكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلم ، قال:
وإسناده على شرط الصحيح وفى جمع التقديم أحاديث أخرى فمنها حديث ابن عباس، أخرجه أحمد
(ج ١ ص ٣٦٨، ٣٦٩) والدار قطنى (ص ١٤٩) والبيهقى (ج٣ ص ١٦٣) من طريق حسين بن عبد الله عن
عكرمة وكريب عن ابن عباس مرفوعا، وذكره أبو داود تعليقا، والترمذى فى بعض الروايات عنه، وحسين بن
عبد الله الهاشمی ضعفه جماعة . وقال ابن أبى مريم عن ابن معين : ليس به بأس يكتب حديثه. وقال ابن عدى:
أحاديثه يشبه بعضها بعضا، وهو من يكتب حديثه فانى لم أجد فى حديثه حديثا منكرا، قد جاوز المقدار. قال
الحافظ فى التلخيص (ص ١٣٠): يقال إن الترمذى حسن هذا الحديث ، وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربى
فصحح إسناده، لكن له طريق أخرى أخرجها يحيى بن عبد الحميد الحمانى فى مسنده عن أبى خالد الأحمر عن
الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ، وله طريق أخرى أيضا أخرجها أسماعيل القاضى فى الأحكام
٤٠٦
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
٤
عن اسماعيل بن أبى أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس بنحوه ،
وله طريق أخرى أيضاً أخرجها أحمد (ج ١ ص ٢٤٢) من رواية حماد عن أيوب عن أبى قلابة عن ابن عباس
قال: لا أعله إلا قد رفعه، قال: كان إذا نزل منزلا - الحديث. ونسبه الحافظ فى الفتح للبيهقى وقال: رجاله
ثقات، إلا أنه مشكوك فى رفعه (حيث قال ولا أعلمه إلا مرفوعا) والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه البيهقى
من وجه آخر مجزوما بوقفه، ولابن عباس حديث آخر، ذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ١٥٩، ١٦٠)
وعزاه الطبرانى فى الأوسط وقال: فيه أبو معشر نجيح، وفيه كلام كثير، وقد وثقه بعضهم - انتهى. ومنها
حديث على أخرجه الدار قطنى (ص ١٥٠) وفى إسناده، كما قال الحافظ من لا يعرف، وفيه أيضا المنذر بن
محمد القابوسى، وهو ضعيف. وقال الدار قطنى: مجهول، وأخرج عبد الله بن أحمد فى زيادات المسند (ج١ ص ١٣٦)
باسناد آخر أن عليا كان يسير حتى إذا غربت الشمس وأظلم نزل فصلى المغرب ثم صلى العشاء على أثرها ثم يقول
هكذا رأيت رسول الله تَّ يصنع. قال الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على المسند: إسناده صحيح. ومنها حديث
أنس أخرجه جعفر الفريالى والبيهقى فى كتاب المعرفة، وفى السنن الكبرى (ج ٣ ص ١٦٢) والاسماعيلى وأبو نعيم
فى مستخرجه على مسلم كلهم من طريق أسحاق بن راهويه عن شبابة عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس
قال كان رسول اللّه تَّ إذا كان فى سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل وأعل بتفرد إسحاق
ابن راهويه وليس ذلك بقادح فانه إمام حافظ قاله الحافظ فى الفتح، وقال فى التلخيص (ص ١٣٠) بعد
ذكر الحديث وإسناده صحيح، قاله النووى، وفى ذهنى أن أبا داود أنكره على إسحاق ولکن له متابع، رواه
الحاكم فى الأربعين له عن أبى العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصغانى عن حسان بن عبدالله عن المفضل
ابن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب ، وهو فى الصحيحين من هذا الوجه، وليس فيه والعصر ، وهى زيادة غريبة
صحيحة الاسناد ، وقد صححه المنذرى من هذا الوجه والعلاقى، وتعجب من الحاكم كونه لم يورده فى المستدرك -
انتهى . وقال فى الفتح: قال الحافظ صلاح الدين العلائى هكذا وجدته بعد التقبع فى نسخ كثيرة من الأربعين
بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جيد - انتهى. قلت (قائله الحافظ): وهى متابعة قوية لرواية اسحاق بن راهويه أن
كانت ثابتة لكن فى ثبوتها نظر، لأن البيهقى أخرج (فى السنن الكبرى ج ٣ ص ١٦١) هذا الحديث عن الحاكم
بهذا الاسناد مقرونا برواية أبى داود عن قتيبة. وقال: إن لفظهما سواء إلا أن فى رواية قتيبة كان رسول الله
مربّ. وفى رواية حسان: أن رسول اللّه مثل كان وله طريق أخرى رواها الطبرانى فى الأوسط، ذكرما الحافظ
فى التلخيص (ص ١٣٠، ١٣١) بسندها ومتنها ثم نقل عن الطبرانى أنه قال: تفرد به يعقوب بن محمد. وقال
٤٠٧
٠٠٠٠

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
١٣٥٤ - (١٣) وعن أنس، قال: كان رسول اللّه ترفع إذا سافر وأراد أن يتطوع، استقبل القبلة
بناقته، فکیر، ثم صلی حیث وجهه ركابه .
الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ١٦٠) بعد عزوه إلى الطبر انى: ورجاله موثقون - انتهى. هذا وقد ظهر بما
ذكرنا من أحاديث جمع التقديم ومتابعاتها ، وهن ما حكى عن أبى داود أنه قال ليس فى جمع التقديم حديث
قائم وتحقق قوة وصحة ، ما قاله الشوکانی فی النيل من أن بعضها صحیح وبعضها حسن، وذلك يرد قول أبى داود
ليس فى جمع التقديم حديث قائم - انتهى. وأما جمع التأخير فقد ورد فيه أحاديث كثيرة صحيحة صريحة
مخرجة فى الصحيحين وغيرهما. فمنها حديث أنس قال كان النبى منهج إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر
إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما فان زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب. متفق عليه . وفى رواية لمسلم:
حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما . ومنها حديث أنس أيضا أن النبى زي إذا عجل عليه السفر يؤخر
الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق . رواه مسلم.
ومنها ما روى عن نافع أن ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق، ويقول :
أن رسول اللّه ◌َع كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء. رواه مسلم. ومنها حديث جابر أن
رسول اللّه تَع غابت له الشمس بمكة، جمع بينهما بسرف. رواه أبوداود والنسائى. وهذه الروايات صريحة
فى الجمع فى وقت إحدى الصلاتين، وفيها إبطال تأويل الحنفية فى قولهم : إن المراد بالجمع الجمع الصورى أى
الفعلى يعنى تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية إلى أول وقتها، وأما ما يذكر من الروايات المخرجة فى غير
الصحيحين الدالة على الجمع الصورى ، فهى لا توازى روايات الصحيحين .
١٣٥٤ - قوله (إذا سافر) سفرا قصيرا أو طويلا، وقيل: المراد السفر الشرعى (وأراد) وفى
أبي داود فأراد (أن يتطوع) أى يتنفل راكبا والدابة تسير (استقبل القبلة بناقته) وفى أبى داود: استقبل
بناقته القبلة أى ليحصل استقبال القبلة وقت افتاح الصلاة (فكير) أى التحريمة عقب الاستقبال (ثم صلى) أى
ثم استمر فى صلاته، قاله ابن حجر. وقال الطبى: ثم ههنا للتراخى فى الرتبة، ولما كان الاهتمام بالتكبير أشد،
لكونه مقارنا بالنية خص بالتوجه إلى القبلة (حيث وجهه ركابه) أى ذهب به مركوبه. مستقبل القبلة أو غير
مستقبلها، وفيه دليل على مشروعية استقبال القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة ، وقد تقدم الكلام فيه. قال ابن
القيم بعد ذكر هذا الحديث: وفى هذا الحديث نظر ، وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم على راحلته
اطلقوا أنها كان يصلى عليها قبل أى جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الاحرام ولا غيرها كعامر
٤٠٨
i
-.

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
رواه أبو داود.
١٣٥٥ - (١٤) وعن جابر، قال: بعثنى رسول اللّه وبي فى حاجته، فجئت وهو يصلى على راحلته
نحو المشرق، ويجعل السجود أخفض من الركوع. رواه أبو داود.
ابن ربيعة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله، وأحاديثهم أصح من حديث أنس هذا - انتهى. قلت: حديث
أنس هذا ليس فيه دليل على وجوب استقبال القبلة بالتكبير وقت افتتاح صلاة التطوع على الراحلة، فيحمل على
الندب والفضيلة، كما قال ابن قدامة وحينئذ فلا مخالفة بينه وبين أحاديث غيره ممن ذكرهم ابن القيم
(رواه أبوداود) وأخرجه أيضا أحمد والدار قطنى (ص ١٥٢) والبيهقى (ج ٢ ص ٥) والحديث قد سكت عنه
أبو داود والمنذرى. وقال فى التعليق المغنى: الحديث صحيح الاسناد. قلت: الأمر كما قال صاحب التعليق .
١٣٥٥ - قوله (فى حاجته) وفى المصابيح: فى حاجة. وكذا فى سنن أبي داود والترمذى، وكذا نقله
الجزرى فى جامع الأصول (ج ٦ ص ٣١٧) والبيهقى لحاجة (فجئت) أى اليه بعد قضاء الحاجة (وهو يصلى)
حال (نحو المشرق) ظرف أى يصلى إلى جانب المشرق، أو حال أى متوجها نحو المشرق أو كانت متوجهة إلى
جانب المشرق. قال الحافظ فى الفتح: وبين فى المغازى أن ذلك كان فى غزوة أنمار وكانت أرضهم قبل المشرق
لمن يخرج من المدينة فتكون القبلة على يسار القاصد اليهم (ويجعل السجود) أى ايماءه اليه، كذا وقع فى
المصابيح، ويجعل السجود. وفى ستن أبى داود وجامع الترمذى: والسجود أى بالرفع، وبدون لفظ يجعل ،
وكذا نقله الزيلعى فى نصب الراية (ج ٢ ص ١٥٢) عنهما، وكذا حكاه المنذرى فى مختصر السنن، وكذا ذكره
المجد بن تيمية فى المنتقى، والجزرى فى جامع الأصول (أخفض من الركوع) أى أسفل من ايماء، إلى الركوع،
وفيه مشروعية التطوع على الدابة فى السفر، والايماء الركوع والسجود على الدابة، وكون الايماء للسجود أخفض
من الركوع بحيث يفترق به السجود عن الركوع ، وبهذا قال الجمهور (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد
والشيخان والترمذى والنسائي وابن ماجه والدار قطنى وابن حبان والبيهقي (ج ٢ ص ٥) من طرق مختلفة بألفاظ
بعضها مطول وبعضها مختصر. وقال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه بنحوه أتم منه.
وفى حديث الترمذى وحده والسجود أخفض من الركوع. وقال حسن صحيح. قلت : أصل الحديث عند
البخارى، ولفظ ابن حبان: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلى النوافل على راحلته فى كل وجه یومی. ايماء،
ولكنه يخفض السجدتين من الركعتين، وبنحوه أخرج أحمد فى مسنده .
٤٠٩
1
---
----

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
الفصل الثالث
١٣٥٦ - (١٥) عن ابن عمر، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين،
وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبى بكر، وعثمان صدرا من خلافته. ثم إن عثمان صلى بعد أربما،
١٣٥٦ - قوله (بمنى) أى فى حجة الوداع. وزاد مسلم فى رواية سالم عن أبيه بمنا وغيره
(ركعتين) أى فى الفرائض الرباعية للسفر (وأبو بكر بعده) أى كذلك (وعمر بعد أبى بكر) كذلك (وعثمان)
كذلك (صدرا من خلافته) أى زمانا أولا منها نحو ست سنين. قال النووى: هذا هو المشهور أن عثمان أتم بعدست
سنين من خلافته (ثم إن عثمان صلى بعد) أى بعد مضى الصدر الأول من خلافته (أربعا) أعلم أنه اختلف فى
ذكر السبب لاتمام عثمان بمنى على أقوال: فقيل: لأنه تأهل بمكة على ما روى أحمد (ج ١ ص ٦٢) من
حديثه أنه صلى بمنى أربع ركعات ، فأنكره الناس عليه، فقال يا أيها الناس إنى تأهلت بمكة منذ قدمت وإنى
سمعت رسول اللّه تَّع يقول من تأهل فى بلد فليصل صلاة المقيم، لكن اسناد هذا الحديث ضعيف،
لأن فى سنده عكرمة بن ابراهيم الباهلى، وهو مجهول الحال. فقد نقل الحافظ فى التعجيل (ص ٢٩٠) فى ترجمته
عن الحسينى أنه قال ((ليس بالمشهور)) ونقل عن ابن شيخه أنه قال: ((لا أعرف حاله، وقيل: رأى عثمان
القصر والاتمام جائزين فأخذ بأحد الجائزين، ورأى ترجيح طرف الاتمام ، لما فيه من المشقة. قال ابن بطال :
الوجه الصحيح فى ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر، لأنه أخذ بالأيسر من
ذلك على أمته فأخذا لأنفسهما بالشدة - انتهى. وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطب. وقيل: إن عثمان
يرى القصر مختصا بمن كان شاخصا سائرا. وأما من كان قائما فى مكان فى أثناء السفر فله حكم المقيم. قال الحافظ:
والمنقول أن سبب اتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصا بمن كان شاخصا سائرا. وأما من أقام بمكان فى
أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، والحجة فيه ما رواه أحمد باسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال:
لما قدم علينا معاوية حاجا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة ثم انصرف إلى دار الندوة فدخل عليه مروان وعمرو بن
عثمان فقالا لقد عبت أمر ابن عمك، لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة
صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعا أربعا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة فإذا فرغ من الحج وأقام
بمنى أتم الصلاة، قال الحافظ: وهذا الوجه أولى (أى من الوجه الثانى) لتصريح الراوى بالسبب وإن رجح الوجه
الثانى جماعة. وقيل: إنما صلى عثمان بمنى أربعا، لأن الأعراب كانوا كثروا فى ذلك العام فأحب أن يعلهم
أن الصلاة أربع، ذكره الطحاوى عن أيوب عن الزهرى. وروى البيهقى من طريق عبد الرحمن بن حميد بن
٤١٠
am+

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
فكان ابن عمر إذا صلى مع الامام صلى أربعا، وإذا صلاما وحده صلى ركعتين. متفق عليه.
١٣٥٧ - (١٦) وعن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر رسول اللّه مَ له، ففرضت
أربعا، وتركت صلاة السفر على الفريضة الأولى ،
عوف عن أبيه عن عثمان أنه أتم بمنى ، ثم خطب ، فقال إن القصر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه،
ولكنه حدث طعام يعنى بفتح الطاء والمعجمة، فخفت أن يستنوا. وعن ابن جريج: أن أعرابيا ناداه فى منى
يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين. قال الحافظ : وهذه طرق يقوى بعضها بعضا،
ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الاتمام، وليس بمعارض للوجه الذى اخترته، بل يقويه من حيث أن حالة
الاقامة فى أثناء السفر أقرب إلى قياس الاقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، وهذا ما أدى اليه اجتهاد عثمان - انتهى.
وههنا أقوال أخرى فى بيان السبب فى اتمام عثمان بمنى، لكنها لادليل عليها، بل هى ظنون ممن قالها ، فلا حاجة
إلى ذكرها (فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام) الظاهر أنه عثمان، ويحتمل أنه أراد إما ما يتم (صلى أربعا)
لأنه يجب على المسافر المقتدى أن يتبع أمامه قصر أو أتم، كما تقدم (واذا صلاها وحده صلى ركعتين) أى قصر
الرباعية، لأنه مسافر، والقصر أفضل وأحوط بلا خلاف (متفق عليه ) واللفظ لمسلم بل ما ذكر من فعل ابن
عمر أى قوله فكان ابن عمر إذا صلى الخ لم يروه البخارى أصلا، والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ٢
ص ٥٥ - ٥٨) والترمذى والنسائى كلهم من طريق عبيد الله بن عمر العمرى عن نافع عن عبد الله
ابن عمر. وأخرجه مسلم أيضاً من طريق سالم عن أبيه عبد الله بن عمر، وأخرجه البخارى والنسائى أيضاً من
طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه .
١٣٥٧ - قوله (فرضت الصلاة) أی أولا بمکة ليلة الاسراء (ر کعتين) وفى رواية: ر کمتین ركعتين
بالتكرير لافادة عموم التثنية لكل صلاة فى الحضر والسفر. زاد أحمد فى مسنده: الا المغرب فإنها كانت ثلاثا
(ثم هاجر رسول اللّه مَّة) أى إلى المدينة. وفى البخارى: ((النبى)) بدل ((رسول اللّه، (ففرضت أربعاً) أربعاً
أى فى الحضر الا الصبح. قال الدولابى : نزل إتمام صلاة المقيم فى الظهر يوم الثلثاء اثنتى عشرة ليلة خلت من
شهر ربيع الآخر بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم بشهر، وأقرت صلاة السفر، ذكره العينى. وقال السهيلى: بعد
الهجرة بعام أو نحوه، زيد فى صلاة الحضر (وتركت صلاة السفر) ركعتين ركعتين (على الفريضة الأولى) ليس
فى البخارى لفظ : الفريضة، وإنما وقع ذلك فى رواية مسلم من طريق يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة
قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين، ثم أتمها فى الحضر فأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى.
٤١١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
قال القسطلانى: الأولى بضم الهمزة ، لأبى ذر على الأول أى من عدم الزيادة بخلاف صلاة الحضر ، فانه زيد فى.
ثلاث منها ركعتان. وفى رواية للبخارى: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين فى الحضر والسفر فأقرت صلاة
السفر، وزيد فى صلاة الحضر أى لما قدم رسول الله مؤ ته المدينة وقد تمسك بظاهر الحديث الخفية على أن
القصر فى السفر عزيمة لا رخصة، فلا يجوز الاتمام إذ ظاهر قولها أقرت يقتضيه وأجيب عنه بوجوه : منها
المعارضة بقوله تعالى ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة - ٤: ١٠١) لأنه يدل على أن الأصل الاتمام، لأن
القصر انما يكون عن تمام سابق ، وففى الجناح يدل على جوازه دون وجوبه وأجاب الخفية عن هذه الآية
بوجوه، كما تقدم فى شرح حديث يعلى بن أمية فى الفصل الأول من هذا الباب. وقال بعضهم: إن اطلاق القصر
عليه باعتبار ما زيد فى الصلاة لا باعتبار أصل الصلاة ، فإنها تدل على أن اطلاق القصر عليه باعتبار ما زيد فيها
فى الحضر لا باعتبار مطلق الصلاة ، فإنه كان زيد فيه باطلاق اللفظ لا بخصوصية الحضر، وكان فى علم الله مخصوصة
بالحضر فاطلق القصر عليه باعتبار اطلاق ظاهر اللفظ - انتهى. وزاد بعضهم موضحا ومبينا لهذا الجواب يعنى فاطلاق
القصر مجاز باعتبار الزيادة - انتهى. ولا يخفى ما فى هذا الجواب من التكلف والتعسف ومنها أن حديث عائشة
من قولها غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة وتعقب بأنه بما لا مجال للرأى فيه فله حكم الرفع ،
وعلى تقدير تسليم أنها لم تشهد فرض الصلاة يكون مرسل صحابى، وهو حجة لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن
النبى مَّةٍ، أو عن صحابى آخر أدرك ذلك. ومنها أن عائشة أتمت فى السفر، والعبرة عند الحنفية برأى الصحابى
لا بمروبه. قال الحافظ: الزموا الحنفية على قاعدتهم فيما إذا عارض رأى الصحابي روايته بأنهم يقولون العبرة
بما رأى لا بما روى وخالفوا ذلك هنا فقد ثبت عن عائشة أنها كانت تتم فى السفر، فدل ذلك على أن السروى
عنها غير ثابت. وأجيب بأن هذا الالزام مدفوع بما فى آخرهذا الحديث من قول عروة تأولت أى عائشة، كا
تأول عثمان، فإنه يدل على أن الأصل فى السفر ركعتان عندها أيضا، ولكنها أتمه بالتأويل. كما أتم عثمان
بالتأويل. قال الحافظ: والجواب عن الحنفية أن عروة الراوى عنها قد قال لما سئل عن اتمامها فى السفر أنها
تأولت، كما تأول عثمان، فعلى هذا لا تعارض بين روايتها وبين رأيها، فروايتها صحيحة، ورأيها مبنى على ما
تأولت - انتهى. ومنها المعارضة بحديث ابن عباس الذى بعد هذا فرض الله الصلاة فى الحضر أربعاً، وفى السفر
ركعتين، وأجاب عنه الحافظ: بأنه يمكن الجمع بين حديث عائشة وابن عباس بأن يقال إن الصلوات فرضت
ليلة الإسراء ركعتين ركعتين الا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلا الصبح، كما روى ابن خزيمة
!
٤١٢
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
قال الزهرى: قلت لعروة: ما بال عائشة تم؟ قال تأولت كما تأول عثمان. متفق عليه .
١٣٥٨ - (١٧) وعن ابن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم يع فى الحضر أربعا،
وابن حبان والبيهقى من طريق الشعبى عن مسروق عن عائشة قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين
فلما قدم رسول الله مرض المدينة واطمأن زيد فى صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة
وصلاة المغرب، لأنها وتر النهار - انتهى. ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها فى السفر عند نزول الآية
السابقة، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير فى شرح المسند أن قصر الصلاة كان فى السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ
مما ذكره غيره أن نزول آية الخوف كان فيها . وقيل : كان قصر الصلاة فى السفر فى الربيع الآخر من السنة الثانية .
وقيل : بعد الهجرة بعام أونحوه . وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوما، فعلى هذا فالمراد بقول عائشة فأقرت صلاة السفر
أى باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف لا أنها استمرت منذ فرضت فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة - انتهى.
وقال السندى: قوله: فأقرت أى رجعت بعد نزول القصر فى السفر إلى الحالة الأولى بحيث كأنها كانت مقررة
على الحالة الأصلية، وما ظهرت الزيادة فيها أصلا - انتهى. (قال الزهرى قلت لعروة) بن الزبير (نتم ) بضم
أوله الصلاة ( قال ) عروة (تأولت كما تأول عثمان) كذا فى رواية مسلم، وفى رواية البخارى: تأولت ما تأول
عثمان. قال الحافظ: يمكن أن يكون مرادعروة التشبيه بعثمان فى الاتمام بتأويل لا اتحاد: أويلهما، ويقويه أن الأسباب
اختلفت فى تأويل عثمان ، فتكاثرت بخلاف تأويل عائشة - انتهى. وقد سبق الكلام فى تأويل عثمان. وأما عائشة
فقد جاء عنها سبب الاتمام صريحا، وهو فيما أخرجه البيهقى ( ج ٣ ص ١٤٣) من طريق هشام بن عروة عن
أبيه أنها كانت تصلى فى السفر أربعاً فقلت لها لو صليت ركعتين فقالت با ابن أختى أنه لا يشق على، اسناده.
صحيح، وهو دال على أنها تأولت أن القصر رخصة وأن الاتمام لمن لا يشق عليه أفضل، ويدل على اختيار الجمهور
ما رواه أبو يعلى والطبرانى باسناد جيد عن أبى هريرة أنه سافر مع النبى مَّهِ ومع أبى بكر وعمر، فكلهم كان يصلى
ركعتين من حين يخرج من المدينة إلى مكة حتى يرجع إلى المدينة فى السير، وفى المقام بمكة، كذا فى الفتح
(متفق عليه) واللفظ للبخارى فى باب التأريخ من كتاب الهجرة الا لفظ الفريضة، فإنه ليس للبخارى، بل
هو لمسلم وحده، كما تقدم، وألا قوله قال الزهرى الخ. فان هذه الزيادة عند البخارى انما هى فى آخر حديث
عائشة فى أبواب تقصير الصلاة. والحديث أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى (ج٣ ص ١٣٥، ١٤٣)
بألفاظ متقاربة .
١٣٥٨ - قوله (فرض الله الصلاة) أى الرباعية (على لسان نبيكم مربع) قال الطيبي: هو مثل قوله تعالى
﴿ وما ينطق عن الهوى -٥٣: ٣﴾ (فى الحضر أربعا) أى بعد ما كانت ركعتين، ثم قصرت فى السفر، فكانت صلاة
٤١٣

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعة. رواه مسلم .
صلاة السفر
١٣٥٩ - ١٣٦٠- (١٨ - ١٩) وعنه، وعن ابن عمر، قالا: سن رسول الله
ركعتين، وهما تمام غير قصر، والوتر فى السفر سنة .
السفر، كأنها ما زيد فيها، وهذا معنى قوله (وفى السفرركعتين) فلا يعارض هذا الحديث ما روى عن عائشة:
فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين فى الحضر والسفر، وقد تقدم وجه الجمع مفصلا فى كلام الحافظ (وفى
الخوف ركعة) فيه أن اللازم فى الخوف ركعة ولو اقتصر عليها جاز. قال النووى: هذا الحديث قد عمل بظاهره
طائفة من السلف ، منهم الحسن البصرى والضحاك واحاق بن راهويه (وعطاء وطاؤس ومجاهد والحكم بن عتيبة
وقتادة والثورى من التابعين وابن عباس وأبو هريرة وأبو موسى الأشعرى من الصحابة). وقال الشافعى ومالك
والجمهور (وفيهم أبو حنيفة وأحمد): إن صلاة الخوف كصلاة الأمن فى عدد الركعات، فإن كانت فى الحضر
وجب أربع ركعات، وإن كانت فى السفر وجب ركعتان. ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة فى حال من
الأحوال، وتأولوا حديث ابن عباس هذا على أن المراد ركعة مع الامام ورڪمة أخرى يأتى بها منفرداً، كما
جاءت الأحاديث الصحيحة فى صلاة النبي مضنٍ وأصحابه فى الخوف، وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين الأدلة -
انتهى. قال السندى : لا منافاة بين وجوب واحد والعمل باثنتين حتى يحتاج إلى التأويل للتوفيق لجواز أنهم عملوا
بالأحب والأولى - انتهى. وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك فى صلاة الخوف (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد
(ج ١ ص ٢٣٧، ٣٥٥) وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٤ ص ١٣٥) وفى الباب عن أبى هريرة
أخرجه أحمد.
١٣٥٩- ١٣٦٠ - قوله (س) أى شرع رسول اللّه مز بيل (صلاة السفرركعتين) أى ثبت على لسانه
والا فالقصر ثابت بالكتاب، أو المراد أنه بين بالقول والفعل ما فى الكتاب، قاله القارى. وقال ابن حجر:
أى بين أنها كذلك لمن أراد القصر (وهما تمام غير قصر) أى فى الثواب، أو المراد أنهما المشروع فى السفر، كما
نطق به حديث عائشة وإن أطلق عليها القصر فى كتاب الله تعالى، قاله فى اللعات. وقال القارى: وهما تمام أى تمام
المفروض غير قصر أى غير نقصان عن أصل الفرض ، فاطلاق القصر فى الآية مجاز أو اضافى - انتهى. وقال السندى:
تمام غير قصر أى لا ينبغى الزيادة فيها فصارت كالتام ، فلا يرد أن قوله تعالى { فليس عليكم جناح أن تقصروا
من الصلاة - ٤: ١٠١)﴾ ظاهر فى القصر فكيف يصح القول بأنها تمام غير قصر. وقال ابن حجر: أى تمام بالنسبة
للثواب، فتواب القصر يقارب ثواب الاتمام (والوتر فى السفر سنة) أى مشروع بالسنة أو المراد بالسنة الطريقة
المسلوكة فى الدين أعم من السنة المصطلح عليها عند الفقهاء، كما يدل عليه السوق أى الوتر فى السفر طريقة مسلوكة
٤١٤

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
رواه ابن ماجه .
١٣٦١- (٢٠) وعن مالك، بلغه أن ابن عباس كان يقصر الصلاة فى مثل ما يكون بين مكة والطائف
وفى مثل ما بين مكة وعسفان، وفى مثل ما بين مكة وجدة، قال مالك: وذلك أربعة برد.
مستمرة لا تترك فى السفر، كما تترك النوافل والرواتب والا فالوتر إن كان واجباً فليس سنة وإن كان سنة فهو
سنة فى الحضر والسفركليهما، فما وجه التخصيص بالسفر (رواه ابن ماجه) فى باب الوتر فى السفر. وأخرجه أيضاً
أحمد (ج ١ ص ٢٤١) وفى سنده عندهما جابر الجعفى، وهو ضعيف، وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢
ص ١٥٥) وقال «رواه البزار، وفيه جابر الجعفي، وثقه شعبة والثورى، وضعفه آخرون)) فنسى أن ينسبه إلى
مسند الامام أحمد ، وأنه فى سنن ابن ماجه .
١٣٦١ - قوله (وعن مالك) أنه (بلغه أن ابن عباس) قال ابن عبد البر: وما رواه مالك عن ابن
عباس هذا معروف من نقل الثقات متصل الاسناد عنهم من وجوه ثم رواها فى الاستذكارعن عبد الرزاق وغيره
( كان يقصر الصلاة) الرباعية ( فى مثل ما يكون بين مكة والطائف ) وفى الموطأ فى مثل ما بين مكة والطائف بالهمزة
بعد الألف ، وبينهما ثلاثة مراحل أو اثنان، قاله الزرقانى. وقال يا قوت فى معجمه: هى مسيرة يوم للطالع من
مكة ونصف يوم الهابط إلى مكة ، وقال: أيضا الطائف هو وادى وج وهو بلاد ثقيف بينها وبين مكة اثنا عشر
فرسخا - انتهى. وقيل: بينهما من طريق السيل مائة وخمسة وثلاثون كيلو مترا أى نحو خمسة وثمانين ميلا ، ومن
طريق عرفة تسعة وتسعون كيلو مترا أى نحو اثنين وستين ميلا (وفى مثل ما بين مكة وعفان) بضم العين
كعثمان، والنون زائدة. موضع على مرحلتين من مكة ، قاله المجد . وقال الزرقانى: بين مكة وعسفان ثلاثة
مراحل. وفى المعجم لياقوت الحموى: قال أبو منصور منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة . وقيل: قرية
جامعة بها منبر ونخيل ومزارع على ستة وثلاثين ميلا من مكة ، وهى حد تهامة (وفى مثل ما بين مكة وجدة) بضم
الجيم وتشديد الدال، بلد على ساحل بحر اليمن، وهى فرضة مكة بينها وبين مكة ثلاث ليال. وقيل: بينهما يوم
وليلة . وقيل: هى على مرحلتين شاقتين من مكة . وقيل: بينهما ثلاثة وسبعون كيلو مترا أى نحو ستة وأربعين ميلا،
(قال مالك وذلك) أى أقل ما بين ما ذكر من المواضع، أوكل واحد من هذه الأماكن (أربعة برد) بضمتين
جمع بريد ، وكل بريد أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال، فهى ثمانية وأربعون ميلا . قال مالك: وذلك أحب
ما يقصر ، فيه الصلاة إلى. وقد سبق بيان اختلاف العلماء فى قدر المسافة التى يجوز فيها القصر وتعيين القول
الراجح فى ذلك. وقد روى مالك فى الموطأ عن ابن عمر أنه ركب من المدينة إلى ريم فقصر الصلاة فى مسيره
ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد، وروى عنه أيضاً أنه ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة، قال مالك:
٤١٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
رواء فى الموطأ .
١٣٦٢ - (٢١) وعن البراء، قال: صحبت رسول اللّه مَع ثمانية عشر سفرا، فما رأيته ترك ركعتين
إذا زاغت الشمس قبل الظهر رواه أبوداود، والترمذى،
بين ذات النصب والمدينة أربعة برد، وروى عنه أيضا أنه كان يقصر الصلاة فى مسيرة اليوم التام . قال ابن عبدالبر
فى الاستذكار : مسيرة اليوم التام بالسير الحثيث أربعة برد أو نحوها. قال الباجى: أكثر مالك من ذكر أفعال
الصحابة لما لم يصح عنده فى ذلك توقيف عن النبى مَّم - انتهى. قلت: وروى البيهقى (ج٣ ص١٣٧) عن عطاء بن
أبى رباح أن عبد الله بنعمر وعبدالله بن عباس كانا يصليان ركعتين ركعتين ويفطران فى أربعة برد ، فما فوق ذلك ..
قال ابن حجر: ومثل ذلك لا يكون الا بتوقيف، وروى عبدالرزاق عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال:
لا تقصروا الصلاة الا فى اليوم ولا تقصرفيما دون اليوم ، ولابن أبى شيبة من وجه آخر صحيح عنه، قال: تقصر
الصلاة فى مسيرة يوم وليلة (رواه) أى مالك (فى الموطأ) أى عن مالك أنه بلغه، وهذا كما ترى غير ملائم،
فكان على المؤلف أن يقول: وعن ابن عباس أنه كان يقصر الصلاة الخ. ثم يقول: رواه مالك فى الموطأ بلاغا،
ثم يقول : وقال وذلك الخ. على طبق سائر الأحاديث حيث يبدأ بالصحابى ويختم بالمخرج، كذا فى المرقاة، وقد
تقدم أن هذا البلاغ رواه ابن عبد البر فى الاستذكار موصولا، ووصله الشافعى أيضاً، قال : أنا سفيان عن عمرو
عن عطاء عن ابن عباس أنه سئل أنقصر الصلاة إلى عرفة؟ قال: لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف.
قال الحافظ فى التلخيص (ص ١٢٩) واسناده صحيح وذكره مالك فى الموطأ عن ابن عباس بلاغا - انتهى.
وأخرج ابن أبى شيبة بسنده عن عطاء بن أبي رباح، قلت: لابن عباس أقصر إلى عرفة قال لا قلت أقصر الى
الطائف وإلى عسفان قال نعم وذلك ثمانية وأربعون ميلا وعقد بيده. وقد روى عن ابن عباس مرفوعا، أخرجه
الدارقطنى (ص ١٤٨) والبيهقى (ج ٣ ص ١٣٧ - ١٣٨)، وابن أبي شيبة والطبرانى فى الكبير من طريق
عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء عن ابن عباس أن رسول اللّه مَفع قال يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة فى
أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان . قال الحافظ: واسناده ضعيف من أجل عبد الوهاب فانه متروك رواه
عنه اسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة والصحيح عن ابن عباس من قوله، كما سبق ذكره.
١٣٦٢ - قوله (وعن ..... البراء) أى ابن عازب (ثمانية عشر سفرا) بفتح السين المهملة والفاء
(فما رأيته ترك ركعتين أذا زاغت الشمس قبل الظهر) ظرف لترك الظاهر أن هاتين الركعتين هما سنة الظهر
القبلية ، فهذا الحديث دليل لمن قال بجواز الاتيان بالرواتب فى السفر، وقد حمله من لم يقل بذلك على سنة الزوال
لا على الراتبة قبل الظهر، وقد تقدم الكلام فى ذلك مفصلا (رواه أبوداود، والترمذى) كلاهما عن قتيبة عن
٤١٦
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٢ - باب الجمعة
وقال: هذا حديث غريب .
١٣٦٣ - (٢٢) وعن نافع، قال: إن عبد الله بن عمر كان يرى ابنه عبيد اللّه يتنفل فى السفر
فلا ينكر عليه. رواه مالك.
(٤٢) باب الجمع
الليث بن سعد عن صفوان بن سليم عن أبى بسرة القفارى عن البراء بن عازب (وقال) أى الترمذى (هذا حديث
غريب) وقال أيضاً سألت محمداً عنه فلم يعرفه الامن حديث اليث بن سعد ولم يعرف اسم أبى بسرة الغفارى ورآه
حسنا - انتهى. وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذرى كلام الترمذى وأقره. وأخرجه البيهقى (ج ٣ ص ١٥٨) من
طريق ابن وهب عن الليث بن سعد وأبى يحيى بن سليمان عن صفوان بن سليم عن أبى بسرة عن البراء .
١٣٦٣ قوله ( كان يرى ابنه عبيد الله) بضم العين المهملة ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب "(يتفل فى
السفر فلا ينكر عليه) هذا بظاهره مشكل، لما سبق فى حديث حفص بن عاصم من انكاره على المسبحين ، أى
المتفلين ، فقيل مذهب ابن عمر الفرق بين الرواتب والمطلقة كالتهجد والوتر والضحى وغير ذلك ، فيحمل انكاره
على الأول وسكوته على الثانى، فلعله رأى ابنه عبيد اللّه يتنفل بغير الرواتب فسكت ولم ينكر عليه، وقيل غير ذلك.
کما تقدم (رواه مالك) فی الموطأ قال : بلغنی عن نافع أن عبد الله بن عمر کان یری ابنه الخ، کذا وقع فى نسخ
الموطأ المطبوعة بالهند، وكذا ذكره الجزرى فى جامع الأصول (ج ٦ ص ٤٦٣) ووقع فى النسخ المصرية، قال:
بلغنى أن عبد الله بن عمر كان يرى ابنه الخ أى بدون قوله عن نافع. قال الزرقانى: زاد ابن وضاح عن
نافع - انتهى. وهذه الزيادة موجودة فى جميع النسخ الهندية الموجودة عندنا، وقوله: بلغنى عن نافع يدل على
أن مالكا لم يأخذه عن نافع مباشرة ، والله أعلم .
(باب الجمعة) بضم الميم على المشهور اتباعا لضمة الجيم، كعسر فى عسر، اسم من الاجتماع، أضيف
اليه اليوم والصلاة، ثم كثر الاستعمال حتى حذف منه الصلاة، وهى انة الحجاز، وجوز اسكان الميم على
الأصل لمفعول كهرأة، وهى لغة تميم أى اليوم المجموع فيه، وفتحها بمعنى فاعل أى اليوم الجامع ، فهو كهزة ،
فتاءها المبالغة كضحكة للمكثر من ذلك لا للتأنيث، والا لما وصف بها اليوم. والمراد هنا بيان فضل يوم الجمعة
وشرفه. قال النووي: يقال بضم الجيم والعيم واسكانها وفتحها، حكاهن الفراء والواحدى وغيرهما ، ووجهوا
الفتح بأنها تجمع الناس ويكثرون فيها، كما يقال: همزة ولمزة لكثرة الهمز واللمز، ونحو ذلك ، سميت بذلك
٤١٧

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٢ - باب الجمة
( الفصل الأول )
١٣٦٤ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون السابقون
يوم القيامة، بيد أنهم
لاجتماع الناس فيها أى للصلاة، وكان يوم الجمعة فى الجاهلية يسمى العروبة - انتهى. وبهذا جزم ابن حزم فقال
إنه اسم اسلامى لم يكن فى الجاهلية وانما كان يسعى فى الجاهلية العروبة، فسميت فى الاسلام الجمعة للاجتماع
إلى الصلاة ، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد بن حميد فى تفسيره عن ابن سيرين بسند صحيح اليه فى قصة تجميع
الأنصار مع أسعد بن زرارة ، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة فصلى بهم وذكرهم، فسموه الجمعة حين
اجتمعوا اليه - انتهى. وقيل: سميت بذلك، لأن كما الخلائق جمع فيها. وقيل: لأن خلق آدم جمع فيها
ورد ذلك من حديث سلمان. أخرجه أحمد وابن خزيمة وغيرهما فى أثناء حديث ، وله شاهد عن أبى هريرة ،
ذكره ابن أبى حاتم موقوفا باسناد قوى، وأحمد مرفوعا باسناد ضعيف. قال الحافظ: وهذا أصح الأقوال:
وقيل : لأن كعب بن لؤى كان يجمع فيه قومه فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم. وقيل: إن قصيا هو الذى
كان يجمعهم فى دار الندوة. وذكر ابن القيم فى الهدى (ج ١ ص ١٠٢ - ١١٨) ليوم الجمعة ثلاثا وثلاثين
خصوصية ذكر بعضها الحافظ فى الفتح ملخصا من أحب الوقوف عليها رجع اليهما .
١٣٦٤ قوله (نحن) أى أنا وأمتى (الآخرون) أى زمانا فى الدنيا (السابقون) أى أهل الكتاب
وغيرهم منزلة وكرامة (يوم القيامة) فى الحشر والحساب والقضاء لهم قبل الخلائق وفى دخول الجنة. قال الحافظ
أى الآخرون زمانا الأولون منزلة يوم القيامة، والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها فى الدنيا عن الأمم
الماضية، فهى سابقة لهم فى الآخرة، وبأنهم أول من يحشر ، وأول من يحاسب، وأول من يقضى بينهم، وأول من
يدخل الجنة. وقيل: المراد بالسبق هنا أحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل ، وهويوم الجمعة. ويوم الجمعة وإن
كان مسبوقا بسبت قبله أو أحد لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقاً. وقيل:
المراد بالسبق أى الى القبول والطاعة التى حرمها أهل الكتاب فقالوا سمعنا وعصينا، والأول أقوى - انتهى.
(بيد) بموحدة مفتوحة ثم تحتية ساكنة مثل غير وزنا ومعنى وأعرابا. وبه جزم الخليل والكسائى، ورجحه
ابن سيده. وروى عن الشافعى أن معنى بيد من أجل واستبعده عياض ولا بعد فيه والمعنى إناسبقنا بالفضل إذ
هدينا للجمعة مع تأخرنا فى الزمان بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم ويشهد له ما فى فوائدابن المقرى بلفظ: نحن الآخرون
فى الدنيا ونحن السابقون أول من يدخل الجنة، لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وفى موطأ سعيد بن شفير عن مالك
٤١٨
١
٠
1
!

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٢ - باب الجمة
أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم مذا يومهم الذى فرض عليهم - يعنى يوم الجمعة -
عن أبي الزناد بلفظ: ذلك بأنهم أوتوا الكتاب . وقيل: فى معناه على أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وقيل:
مع أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. قال القرطبى: إن كانت بمعنى ((غير)) فنصب على الاستثناء، وإن كانت
بمعنى ((مع)) فنصب على الظرف. وقال الطبى: هى للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم فانه
يؤكد مدح السابقين بما عقب من قوله: وأوتيناه من بعدهم، لأنه أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق
فى الفضل، وإن كان متأخراً فى الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله نحن الآخرون مع كونه أمراً واضحاً،
والمعنى نحن السابقون فى الفضل غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا الخ. فهو من باب: ولا عيب فيهم غير أن
سيوفهم ، بهن فلول من قراع الكتائب. وأرجع لمزيد التفصيل فى تفسير لفظ: بيد، وضبطه إلى تعليق مسند الامام
أحمد (ج ٣ ص ٣٤) للعلامة الشيخ أحمد شاكر (أوتوا الكتاب) اللام للجنس، والمراد التوراة والانجيل.
والضمير فى أوتيناه للقرآن، قاله الحافظ . وقال السندى: اللام للجنس، فيحمل بالنسبة اليهم على كتابهم ،
وبالنسبة الينا على كتابنا، وهذا بيان زيادة شرف آخر لنا أى فصار كتابنا ناسخاً لكتابهم وشريعتنا ناسخة
لمشريعتهم ، وللناسخ فضل على المنسوخ، أو المراد بيان أن هذا يرجع إلى مجرد تقدمهم علينا فى الوجود وتأخرنا
عنهم فيه ولاشرف لهم فيه، أو شرف لنا أيضاً من حيث قلة انتظارنا أمواتاً فى البرزخ، ومن حيث حيازة المتأخر
علوم المتقدم دون العكس ، فقولهم الفضل للتقدم ليس بكلى - انتهى. (مم ) أتى بها اشعاراً بأن ما قبلها
كالتوطئة والتأسيس لما بعدها (هذا) أى هذا اليوم، وهو يوم الجمعة (يومهم الذى فرض) بصيغة المجهول.
قال الحافظ: كذا للأكثر، وللحموى: فرض الله (عليهم) أى وعلينا تعظيمه بعينه أو الاجتماع فيه. قال
الحافظ: المراد باليوم يوم الجمعة ، والمراد بفرضه فرض تعظيمه. وأشير اليه بهذا لكونه ذكر فى أول الكلام
كما عند مسلم من طريق آخر عن أبى هريرة، ومن حديث حذيفة قالا: قال رسول الله مَّ أضل الله عن الجمعة
من كان قبلنا - الحديث. (يعنى يوم الجمعة) كذا فى جميع النسخ من طبعات الهند. ووقع فى متن المرقاة يعنى
الجمعة أى بحذف بلفظ يوم. قال القارى: تفسير من الرأوى لهذا يومهم. وفى نسخة صحيحة: يعنى يوم الجمعة أى
يريد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اليوم يوم الجمعة - انتهى. قلت. ليس هذا التفسير فى الصحيحين ولا عند النسائى
خافه أعلم من أين أخذه البغوى أو هو الذى فسره بذلك. قال القسطلانى: روى ابن أبى حاتم عن السدنى أن الله
فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا ياموسى! إن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً فاجعله لنا يجعل عليهم . وفى بعض
الآثار مما فقله أبو عبد الله الآبى أن موسى عليه الصلاة والسلام عين لهم يوم الجمعة وأخبرهم بفضيلته فناظروه
٤١٩
:
:
1
!

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٢ - باب الجمعة
فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، والناس لنا فيه
بأن السبت أفضل فأوحى الله تعالى اليهم دعهم وما اختاروا، والظاهر أنه عينه لهم، لأن السياق دل على ذمهم فى
العدول عنه، فيجب أن يكون قد عينه لهم ، لأنه لو لم يعينه لهم ووكل التعيين إلى اجتهادهم لكان الواجب عليهم
تعظيم يوم لابعينه فاذا أدى الاجتهاد إلى أنه السبت أو الأحد لزم المجتهد ما أدى الاجتهاد اليه ولا يأثم ويشهد له
قواه هذا يومهم الذى فرض عليهم فاختلفوا فيه ، فانه ظاهر أو نص فى التعيين ، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم،
كما وقع لهم فى قوله تعالى: {ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة - ٢: ٥٨)﴾ وغير ذلك وكيف لا وهم
القائلون سمعنا وعصينا - انتهى. (فاختلفوا فيه) هل يلزم تعيينه أم يسوغ لهم أبداً له بغيره من الأيام وأبدلوه
وغلطوا فى ابداله، قاله النووى. وقال القسطلانى: اختلفوا فيه بعد أن عين لهم وأمروا بتعظيمه فتركوه وغلبوا
القياس فعظمت اليهود السبت للفراغ فيه من الخلق وظنت ذلك فضيلة توجب عظم اليوم وقالت نحن نستريح فيه
من العمل ونشتغل بالعبادة والشكر وعظمت النصارى الأحد، لأنه أول يوم بدأ الله فيه بخلق الخلق فاستحق
التعظيم (فهدانا الله له) أى لهذا اليوم بالوحى الوارد فى تعظيمه بأن نص لنا عليه ولم يكلنا إلى اجتهادنا ثم ثبتنا
على قوله والقيام بحقوقه أو هدانا الله له بالاجتهاد الموافق لاراد ، يعنى وفقنا للاصابة حتى عينا الجمعة ويشهد
للثانى ما رواه عبد الرزاق باسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله
عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة فقالت الأنصار أن اليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام والنصارى كذلك،
فهم فلنجعل يوما تجتمع فيه فنذكر الله تعالى وتصلى ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة
فصلى بهم يومئذ، وأنزل اللّه تعالى: بعد ذلك (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة - ٩:٦٢) الآية ، وهذا
وإن كان مرسلا ، فله شاهد باسناد حسن. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وغير واحد
من حديث كعب بن مالك قال كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول اللّه من المدينة أسعد بن زرارة
- الحديث. فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولائك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد. ولا يمنع
ذلك أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم عليه بالوحى، وهو بمكة فلم يتمكن من أقامتها ثم ، فقد ورد فيه حديث
عن ابن عباس عند الدارقطنى. ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة. كما حكاه ابن اسحاق وغيره ، وعلى هذا
فقد حصلت الهداية للجمعة بيحهتى البيان والتوفيق. وقيل: فى الحكمة فى اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم فيه
والانسان انما خلق للعبادة فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات وأوجد فيه
الانسان الذى ينتفع بها فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة، فيه، كذا فى الفتح (والناس) وفى الصحيحين فالناس
أى أهل الكتابين (لنا) متعلق بتبع. وقيل: متعلقة محذوف، واللام تعليلية مشيرة إلى النفع (فيه) أى فى
٤٢٠