Indexed OCR Text

Pages 361-380

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٩ - باب التطوع
كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: اذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة،
الاقدام عليهامما يعتنى بشانها مثل السفر و النكاح والعمارة ونحوها لا كالأكل والشرب المعتاد ولأبى ذر والأصيلى
زيادة: كلها أى جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، فإن اللفظ يدل على العموم وأن المرأ لا يحتقر أمرا لصغره وعدم
الاهتمام به، فيترك الاستخارة فيه فرب أمر يستخف بأمره، فيكون فى الاقدام عليه ضرر عظيم أو فى تركه . قال ابن
أبى جمرة: هو عام أريد به الخصوص، فإن الواجب والمستحب لايستخارفى فعلها، والحرام والمكروه لا يستخارفى
تركهما، فانحصر الأمرفى المباح وفى المستحب إذا تعارض منه أمران أيهما يبدأ به ويقتصر عليه. وقال الحافظ: وتدخل
الاستخارة فيماعدا ذلك فى الواجب والمستحب الخير ، وفيما كان زمنه موسعاً (كما يعلمنا السورة من القرآن) أى
يعتنى بشان تعليمنا الاستخارة لعظم نفعها وعموم، كما يعتنى بتعليمنا السورة، ففيه دليل على الاهتمام بأمر الاستخارة،
وأنه متأكد مرغب فيه. قال الطيبي: فيه إشارة إلى الاعتناء التام البالغ بهذا الدعاء وهذه الصلاة لجعلها تلوين
الفريضة والقرآن (يقول) بيان لقوله: ((يعلمنا الاستخارة)) (إذاهم أحدكم بالأمر) أی أراده ، کما فی حدیث ابن
مسعود عند الطبرانى والحاكم. والأمر يعم المباح، وما يكون عبادة إلا أن الاستخارة فى العبادة بالنسبة إلى إيقاعهافى
وقت معين ، وإلا فهى خير، ويستثنى ما يتعين إيقاعها فى وقت معين، إذ لا يتصور فيه الترك. قال القسطلانى: أى
قصد أمرا مما لا يعلم وجه الصواب فيه. أما ما هو معروف خيره كالعبادات وصنائع المعروف فلا، نعم قد يفعل
ذلك لأجل وقتها المخصوص كالحج فى هذه السنة لاحتمال عدو أوفتنة ونحوهما (فليركع) أى ليصل فى غير وقت
الكراهة عند الأكثرين، وهو أمر ندب يدل عليه الأحاديث الدالة على عدم وجوب صلاة زائدة على الخمس
من قوله: ((هل على غيرها، قال: لا إلا أن تطوع، وغير ذلك (ركعتين) بنية الاستخارة، وهما أقل ما يحصل به
المقصود. وهل يجزىء فى ذلك إذا صلى أربعاً بتسليمة ؟ يحتمل أن يقال يجزىء ذلك لحديث أبى أيوب الأنصارى
المروى فى صحيح ابن حبان وغيره: (( ثم صلى ما كتب الله لك)) فهو دال على أن الزيادة على الركعتين لا تضر
(من غير الفريضة) فيه دليل على أنه لا تحصل سنة صلاة الاستخارة بوقوع الدعاء بعد صلاة الفريضة لتقييد ذلك
فى النص بغير الفريضة. وأما السنن الراتبة وغيرها من النوفل المطلقة فقال العراقى: إن كان همه بالأمر قبل
الشروع فى الراتبة ونحوها ، ثم صلى من غير نية الاستخارة ، وبداله بعد الصلاة الاتيان بدعا الاستخارة،
فالظاهر حصول ذلك - انتهى. والظاهر أنه لا يجزى" ذلك إلا إذا نوى تلك الصلاة بعينها، وصلاة الاستخارة.
معا. وأفاد النووى أنه يقرأ فى الركعتين ﴿الكافرون﴾ و﴿ الإخلاص﴾ قال العراقى فى شرح الترمذى: لم اقف
على دليل ذلك ، ولعله ألحقهما بركعتى الفجر والركعتين بعد المغرب، قال ولهما مناسبة بالحال لما فيهما من
الاخلاص والتوحيد، والمستخير محتاج لذلك، قال ومن المناسب أن يقرأ فيهما مثل قوله: ﴿وربك يخلق ما يشاء
٣٦١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٩ - باب التطوع
ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فانك تقدر
ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى فى
دینی، ومعاشی ،
ويختار - ٢٨: ٦٨) الآية، وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة-
٣٣: ٣٦) الآية (ثم ليقل) ندبا. وهذا ظاهر فى تاخير الدعاء عن الصلاة، فلو دعابه فى أثناء الصلاة احتمل
الاجزاء كما يشير اليه رواية أبى داود بلفظ: وليقل (اللهم إني أستخيرك) أى أطلب منك بيان ما هو خير لى
(بعلمك) أى أسألك أن ترشدنى إلى الخير فيما أريد بسبب أنك عالما (واستقدرك) أى أطلب منك أن تجعل لى
قدرة عليه، أى تجعلنى قادرا عليه إن كان فيه خير. ويحتمل أن يكون المعنى أطلب منك أن تقدره لى، والمراد
بالتقدير التيسير (بقدرتك) الباء فيه وفى قوله: ((بعلمك)) للتعليل، أى لأنك أعلم وأقدر، أو للاستعانة، كقوله:
﴿ بسم اللّه مجريها ومرساها - ١١: ٤١) أى أطلب منك الخير والقدرة مستعينا بعلمك وقدرتك، أو الاستعطاف
كما فى قوله: ﴿رب بما العمت على - ١٧٠٢٨ ) أى بحق علمك وقدرتك الشاملين (وأسألك من فضلك العظيم)
أى أسألك ذلك لأجل فضلك العظيم لا لاستحقاقى لذلك ولا لوجوبه عليك، إذ كل عطائك فضل، ليس لاحد
عليك ، حق فى نعمة ولا فى شىء فكل ما تهب فهو زيادة مبتدأة من عندك لم يقابلها منا عوض فيما مضى ولا يقابلها
فيما يستقبل (فإنك تقدر) بالقدرة الكاملة على كل شىء ممكن تعلقت به إرادتك (ولا أقدر) على شئ إلا بقدرتك
وحولك وقوتك (وتعلم) بالعلم المحيط بجميع الأشياء خيرها وشرها كلبها وجزئيها ممكنها وغيرها (ولا أعلم)
شيئاً منها إلا بإعلامك (وأنت علام الغيوب) بضم الغين أى أنت كثير العلم بجميع المغييات، لأنك تعلم السر
وأخفى فضلا عن الأمور الحاضرة والأشياء الظاهرة فى الدنيا والآخرة. قال الحافظ فى قوله: (( فانك تقدر))
الخ. إشارة إلى أن العلم والقدرة لله وحده، وليس للعبد من ذلك إلاما قدر الله له، وكأنه قال أنت يا رب
تقدر قبل أن تخلق فى القدرة، وعند ما تخلقها فتى، وبعد ما تخلقها (اللهم إن كنت تعلم) الترديد راجع إلى
عدم علم العبد بمتعلق عليه تعالى، إذ يستحيل أن يكون خيرا ولا يعلمه العليم الخبير، وهذا ظاهر. قال الكرماني:
الشك فى أن العلم متعلق بالخير او الشر لا فى أصل العلم (إن هذا الأمر) زاد فى رواية أبي داود. يسميه بعينه
الذى يريد ، وظاهرها أن ينطق به. ويحتمل أن يكتفى باستحضاره بقلبه عند الدعاء. وعلى الأول تكون التسمية
فى أثناء الدعاء عند ذكره بالكناية عنه فى قوله: ((إن هذا الأمر)) (خير لى) أى أمر الذى أريده أصلح لى
(فى دينى) أى فيما يتعلق بدينى (ومعاشى) أى حياتى. قال العينى: المعاش والمعيشة واحد يستعملان مصدرا
٣٦٢
١
!

!
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٩ - باب التطوع
وعاقبة أمري - أو قال: فى عاجل أمري وآجله - فاقدره لى، ويسره لى، ثم بارك لى فيه، وإن
كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى فى دينى، ومعاشى، وعاقبة أمري - أو قال: فى عاجل أمرى
وآجله - فاصرفه عنى واصرفنى عنه،
واسما، وفى المحكم العيش الحياة عاش عيشا وعيشة ومعيشا ومعاشا، ثم قال المعيش والمعاش والعيشة ما يعاش
به - انتهى. قال الحافظ: زاد أبو داود: ومعادى، وهو يؤيد أن المراد بالمعاش الحياة. ويحتمل أن يريد
بالمعاش ما يعاش فيه ، ولذلك وقع فى حديث ابن مسعود، فى بعض طرقه عند الطبرانى فى الأوسط : فى دينى
ودنياى، وفى حديث أبى أيوب عند الطبرانى فى دنياى وآخرتى. زاد ابن حبان فى روايته: ودينى. وفى حديث
أبى سعيد عند ابن حبان وأبي يعلى: فى دينى ومعيشتى - انتهى. (وعاقبة أمرى أو قال فى عاجل أمرى وآجله)
قال الحافظ: هوشك من الراوى، واقتصرفى حديث أبى سعيد على عاقبة أمرى وكذا فى حديث ابن مسعود. وهو
يؤيد أحد الاحتمالين فى أن العاجل والآجل مذكوران بدل الألفاظ الثلاثة، أو بدل الأخيرين فقط. وعلى هذا فقول
الكرمانى: لا يكون الداعى جازماً بما قال رسول اللّه مَ فه إلا إن دعاثلاث مرات: يقول: مرة فى ديني ومعاشي وعاقبة
أمرى ، ومرة فى عاجل أمري وآجله، ومرة فى دينى وعاجل أمري وآجله. قلت (قائله الحافظ) ولم يقع ذلك أى
الشك فى حديث أبى أيوب وأبى هريرة أصلا - انتهى. وقال الطيبي: الظاهر أنه شك أى لا تخيير، كما توهم بعضهم
فى أن النبى وَّثم قال فى عاقبة أمرى، أو قال عاجل أمري وآجله، واليه ذهب القوم حيث قالوا: هى على أربعة أقسام:
خير فى دينه دون دنياه، وهو مقصود الايدال ، وخير فى دنياه فقط ، وهو حظ حقير ، وخير فى العاجل دون
الآجل، وبالعكس، وهو أولى، والجمع (بين الأربعة) أفضل. ويحتمل أن يكون الشك فى أنه عليه السلام قال:
فى دينى ومعاشي وعاقبة أمرى، أو قال بدل الألفاظ الثلاثة فى عاجل أمري وآجله ولفظ فى المعادة فى قوله: (( فى
عاجل أمرى)) ربما يؤكد هذا. وعاجل الأمر يشمل الدينى، والدنيوى، والآجل يشملهما، والعاقبة كذا فى المرقاة
(فاقدره لى) بضم الدال وكسرها أى اجعله مقدوراً لى أى ادخله تحت قدرتى. وقيل: اقض لى به، أو نجزه لى
وهيئه، أو قدره لى أى يسره، فهو مجاز عن التيسير، فلا ينافى كون التقدير أزلياً، ويكون قوله: (ويسره لى)
عطفاً تفسيرياً (ثم بارك لى فيه) أى ادمه وضاعفه (وإن كنت تعلم أن هذا الأمر) أى المذكور أو المضمر،
فاللام للعهد (شر لى فى ديني ومعاشي وعاقبة أمرى) أى معادى. قال السندى: ينبغى أن يجعل الواو ههنا بمعنى أو
بخلاف قوله: ((خير لى فى كذا وكذا)) فإن هناك على بابها، لأن المطلوب حين تيسره أن يكون خيراً من جميع
الوجوه. وأما حين الصرف فيكفى أن يكون شراً من بعض الوجوه - انتهى (فاصرفه عنى وأصرفى عنه)
٣٦٣
:

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٩ - باب التطوع
واقدر لى الخير حيث كان ، ثم أرضنى به، قال: ويسمى حاجته.
فلا تعلق بالى بطلبه . وفى دعاء بعض العارفين: اللهم لا تتعب بدنى فى طلب ما لم تقدره لى ، ولم يكتف بقوله أصرفه
عنى، لأنه قد يصرف الله عن المستخير ذلك الأمر، ولا يصرف قلبه عنه، بل يبقى متعلقاً متطلباً متشوقا إلى
حصوله، فلا يطيب له خاطره، فاذا صرف كل منهما عن الآخركان ذلك أكمل، ولذا قال فى آخره (واقدر لى الخير)
أى يسره على واجعله مقدور الفعل (حيث كان) أى الخير. وفى حديث أبى سعيد: أينما كان لاحول ولا قوة إلا
باللّه (ثم أرضنى به) بهمزة قطع أى اجعلنى راضيا به، لأنه إذا قدر له الخير ولم يرض به، كان منكد العيش آئماً
بعدم رضاه بما قدره الله له مع كونه خيراً له . وفى رواية: ثم رضنى به بالتشديد من الترضية، وهو جعل الشى.
راضياً. وأرضيت ورضيت بالتشديد بمعنى (قال ويسمى حاجته) أى فى أثناء الدعاء عند ذكرها بالكناية عنها
فى أوله: ((إن كنت تعلم أن هذا الأمر)) قال الطيبي: ((ويسمى حاجته)) إما حال من فاعل «يقل، أى فليقل
هذا مسميا حاجته، أو عطف على ((ليقل)) على التأويل، لأنه أى يسمى فى معنى الأمر - انتهى. وفى الحديث
دليل لأهل السنة أن الشر من تقدير اللّه على العبد، لأنه لوكان يقدر على اختراعه لقدر على صرفه ولم يحتج إلى
طلب صرفه عنه. وفيه شفقة النبي مَّم على أمته وتعليمهم جميع ما ينفعهم فى دينهم ودنياهم. وفيه أن العبد
لا يكون قادراً إلا مع الفعل لا قبله والله هو خالق العلم بالشىء للعبد وهمه به واقتداره عليه، فانه يجب على
العبد رد الأمور كلها إلى الله، والتوكل عليه، والتفويض اليه، والتبرى من الحول والقوة اليه، وأن يسأل ربه
فى أموره كلها . وفيه استحباب صلاة الاستخارة والدعاء المأثور عقيبها، وليس فى ذلك خلاف . واختلف
فيماذا يفعل المستخير بعد الاستخارة. فقيل: يفعل ما بداله ويختار أى جانب شاء من الفعل والترك وإن لم ينشرح
صدره لشىء منهما، فان فيما يفعله يكون خيره ونفعه، فلا يوفق إلا لجانب الخير، وهذا لأنه ليس فى الحديث أن الله
ينشىء فى قلب المستخير بعد الاستخارة انشراحا لجانب أو ميلا اليه. كما أنه ليس فيه ذكر أن يرى المستخير رؤيا أو
يسمع صوتا من هاتف أو يلقى فى روعه شىء بل ربما لا يحد المستخير فى نفسه انشراحا بعد تكرار الاستخارة وهذا
يقوى أن الأمر ليس موقوفا على الانشراح. وفى الجملة المذكور فى الحديث أنما هو أمر للعبد بالدعاء بأن يصرف
الله عنه الشر ويقدر له الخير أينما كان، وهذا اختاره ابن عبد السلام حيث قال: يفعل المستخير ما اتفق، واستدل
له بقوله فى بعض طرق حديث ابن مسعود فى آخره: ثم يعزم، وأول الحديث إذا أراد أحدكم أمراً
فليقل . وقال الشيخ كمال الدين الزملكانى: إذا صلى الانسان ركعتى الاستخارة لأمر فليفعل بعدها ما بداله سواء
انشرحت نفسه له أم لا، فان فيه الخير وإن لم تنشرح له نفسه . وليس فى الحديث اشتراط انشراح النفس . كذا
فى طبقات الشافعية (ج ٥ ص ٢٥٨). وقيل: ينبغى أن يفعل بعد الاستخارة ما يشرح له حتى أنه يستحب له
٣٦٤
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٩ - باب التطوع
رواه البخارى.
تكرار الصلاة والدعاء فى الأمر الواحد إذا لم يظهرله وجه الصواب فى الفعل أو الترك مالم ينشرح صدره لما يفعل،
واختاره النووى ومن وافقه ، قال النووى فى الاذكار (ص ٩٣): يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح به صدره ،
واستدل له بحديث أنس عند ابن السنى (ص ١٩٢): إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ، ثم انظر إلى
الذى يسبق إلى قلبك ، فان الخير فيه. قال الحافظ: وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن سنده واه جداً - انتهى.
وبسط العينى والشوكانى الكلام فى بيان وجه ضعف الحديث وسقوطه، قال الشوكانى بعد ذكر كلام النووى:
فلا ينبغى أن يعتمد على انشراح كان له فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغى للمستخير ترك اختياره رأسا، وإلا
فلا يكون مستخيرالله، بل يكون مستخيراً لهواه، وقد يكون غير صادق فى طلب الخيرة وفى التبرئى من العلم والقدرة
وإثباتهما الله، فاذا صدق فى ذلك تبرئى من الحول والقوة ومن اختياره لنفسه - انتهى. قلت: والراجح
عندى قول من ذهب إلى أنه يفعل المستخير بعد الاستخارة ما بداله واتفق، فليس الأمر منوطا عندى على
الانشراح أو الرؤيا لأنه ليس فى الحديث اشتراط انشراح النفس ، ولا ذكر النوم بعد الاستخارة،
واطلاع ما هو خير له فى رؤياه، والله أعلم. وأرجع إلى زاد المعاد (ج١ ص ٢٨٦)، ومدارج السالكين.
(ج ٢ ص ٦٨)، (رواه البخارى) فى أبواب التطوع من الصلاة، وفى الدعوات، وفى التوحيد، وهو من
أفراد البخارى. وأخرجه أيضاً أحمد والترمذى وصححه وأبو داود فى أواخر الصلاة، والنسائى فى النكاح،
وابن ماجه فى الصلاة ، والبيهقى (ج ٣ ص ٥٢). والحديث مع كونه فى صحيح البخارى وتصحيح الترمذى وابن.
حبان له، قد ضعفه أحمد بن حنبل، وقال إن حديث عبد الرحمن بن أبى الموال يعنى الذى أخرجه هؤلاء الجماعة
من طريقه منكر فى الاستخارة، ليس يرويه غيره. وقال ابن عدى فى الكامل: والذى أنكر عليه حديث الاستخارة،
وقد رواه غير واحد من الصحابة كما رواه ابن أبى الموال ـ انتهى. قال العراقى: كان ابن عدى أراد بذلك أن
لحديثه هذا شاهداً من حديث غير واحد من الصحابة ، خرج بذلك أن يكون فرداً مطلقا، وقد وثقه جمهور أهل
العلم - انتهى . وقد جاء من رواية ابن مسعود عند الطبرانى والحاكم، وعن أبى أيوب عند الطبرانى وابن.
حبان والحاكم، وعن أبى سعيد عند أبي يعلى وابن حبان، وعن أبى هريرة عند ابن حبان ، وعن ابن عباس.
وابن عمر عند الطبرانى، وليس فى شىء من هذه الأحاديث ذكر الصلاة سوى حديث جابر إلا أن لفظ أبى
أيوب: أكتم الخطبة، وتوضأ فأحسن الوضوء ثم صل ما كتب الله لك - الحديث. فالتقييد بركعتين وبقوله.
من غير الفريضة خاص بحديث جابر. وارجع للكلام فى هذه الأحاديث إلى مجمع الزوائد (ج٢ ص ٢٨٠، ٢٨١)
والفتح والعينى والفيل .
٣٦٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٩ - باب التطوع
﴿ الفصل الثانى )
١٣٣٣ - (٣) عن على، قال: حدثنى أبو بكر - وصدق أبو بكر - قال: سمعت رسول الله
يقول: ما من رجل يذنب ذنبا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلى، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له،
ثم قرأ: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم. رواه الترمذى،
وابن ماجه،
١٣٣٣ - قوله (وصدق أبو بكر) جملة معترضة بين بها على رضى الله عنه جلالة أبى بكر رضى الله عنه،
ومبالغته فى الصدق حتى سماه رسول اللّه مَ فيه صديقا (قال) أى أبو بكر (ما من رجل) أى أو امرأة. و((من))
زائدة لزيادة إفادة الاستغراق (يذنب ذنبا) أى أىّ ذنب كان صغيراً أو كبيراً (ثم يقوم) قال الطبى: ( ثم))
للتراخى فى الرتبة . قال القارى: والأظهر أنه للتراخى الزمانى، يعنى ولو تأخر القيام بالتوبة عن مباشرة المعصية،
لأن التعقيب ليس بشرط، فالإتيان بـ ((ثم)، الرجاء. والمعنى ثم يستيقظ من نوم الغفلة، كقوله تعالى: ﴿أن
تقوموا لله - ٣٤: ٤٦﴾ (فيتطهر) أى فيتوضأ، كما فى رواية ابن السنى. وفى رواية أبى داود: فيحسن الطهور
(ثم يصلى) أى ركعتين، كما فى رواية ابن السنى وابن حبان والبيهقى وأبى داود وابن ماجه (ثم يستغفر الله)
أى لذلك الذنب، كما فى رواية ابن السنى. والمراد بالاستغفار التوبة بالندامة والإقلاع والعزم على أن لا يعود
اليه أبداً. وأن يتدارك الحقوق إن كانت هناك. و((ثم)) فى الموضعين مجرد العطف التعقيبى (ثم قرأ) أى النبى
وريّ استشهاداً وإعتضاداً، أو قرأ أبو بكر تصديقاً وتوفيقاً (والذين) مبتدأ خبره سيأتى ويحتمل وجهين آخرين
(إذا فعلوا فاحشة) أى ذنبا قبيحاً كالزنا (أو ظلموا أنفسهم) أى بما دونه كالقبلة واللمس. قال الطيبي: أى أىّ
ذنب كان مما يؤاخذون به ـ انتهى. فيكون تعميما بعد تخصيص (ذكروا الله) أى ذكروا عقابه، قاله الطيبى. وظاهر
الحديث أن معناه صلوا، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالمعنى ذكروا الله بنوع من أنواع الذكر،
قاله القارى. (فاستغفروا) أى طلبوا المغفرة مع وجود التوبة والندامة (لذنوبهم) اللام معدية أو تعليلية. وفى الترمذى
إلى آخر الآية بعد قوله ذكروا الله وتمامها: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على مافعلوا وهم يعدون أولئك
جزاءهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين - ٣: ١٣٥، ١٣٦) والحديث
يدل على استحباب الصلاة عند التوبة من الذنب، وتسمى صلاة الاستغفار وصلاة التوبة (رواه الترمذى) فى الصلاة،
وفى تفسير سورة آل عمران من طريق قتيبة عن أبى عوانة عن عثمان بن المغيرة عن على بن ربيعة عن أسماء بن الحكم
٣٦٦
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٩ - باب التطوع
إلا أن ابن ماجه لم يذكر الآية .
١٣٣٤ - (٤) وعن حذيفة، قال: كان التى مَيّ إذا حزبه أمر صلى. رواه أبوداود.
الفزارى عن على، وقال حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عثمان بن المغيرة، وروى شعبة وغير
واحد فرفعوه مثل أبى عوانة، ورواه سفيان الثورى ومسعر فأوقفاه ولم يرفعاء إلى النبى مَثة، وقد روى عن مسعر
هذا الحديث مرفوعا أيضاً - انتهى. قال الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على الترمذى: وفيه أى فى كلام الترمذى
نظر فإنه جزم بأن الثورى رواه موقوفاً وأن مسعرا رواه موقوفا ومرفوعاً، ولكن الحديث رواه أيضاً أحمد
فى مسنده (ج ١ ص ٢) (وكذا ابن ماجه) عن وكيع عن مسعر وسفيان كلاهما عن عثمان بن المغيرة بهذا الاسناد
مرفوعا. ورواية شعبة التى أشار اليها رواها عنه أبو داود الطيالسى فى مسنده، وهو أول حديث فيه، (ورواما أيضا
ابن السنى فى عمل اليوم والليلة (ص ١١٧). وهذا الحديث صحيح نسبه المنذرى فى الترغيب والسيوطى فى الدر المنثور
(ج ٢ ص ٧٧) لابن حبان والبيهقى، ونسبه السيوطى أيضاً لابن أبى شيبة وعبد بن حميد والدار قطنى والبزار
وغيرهم. وأطال الكلام عليه الحافظ ابن حجر فى التهذيب فى ترجمة أسماء بن الحكم، وقال هذا الحديث جيد
الاسناد ، وذكر أن ابن حبان أخرجه فى صحيحه - انتهى. ورواه أبو داود أيضاً فى سننه من طريق مسدد عن
أبى عوانة عن عثمان بنحو ما رواه الترمذى. وكان صاحب المشكاة لم يقف على موضع إيراده فى سننه، فترك
ذكره فى التخريج (إلا أن ابن ماجه) وضع الظاهر موضع الضمير، وإلا فالظاهر أن يقول إلا أنه (لم يذكر الآية)
وكذا لم يذكرها أحمد فى روايته. وعند ابن السنى (ص ١١٧) وتلا هذه الآية: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم
نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما - ٤: ١١٠).
١٣٣٤ - قوله (إذا حزبه) بحاء مهملة وزاى فموحدة من باب نصر أى أصابه ( أمر ) أى شديد.
قال فى النهاية: أى إذا نزل به أمر مهم أو أصابه غم. وفى بعض النسخ بالنون من الحزن أى أوقعه فى الحزن
(صلى) أى بادر إلى الصلاة امتثالا لقوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة - ٢: ٤٥﴾ أى بالصبر على البلايا
والالتجاء إلى الصلاة ، وذلك لأن الصلاة معينة على دفع النوائب. ومنه أخذ بعضهم ندب صلاة المصيبة، وهى
ركعتان عقيبها. وكان ابن عباس يفعل ذلك، ويقول نفعل ما أمرنا الله به بقوله: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة)
فينبغى لمن نزل به غم أن يشتغل بالصلاة ، فإنه تعالى يفرجه عنه ببركة الصلاة . قال القارى: وهذه الصلاة ينبغى أن
تسمى بصلاة الحاجات، لأنها غير مقيدة بكيفية من الكيفيات، ولا مختصة بوقت من الأوقات (رواه أبو داود)
فى باب وقت قيام النبى مَّ من الليل، وسكت عنه أبو داود. وقال المنذرى: وذكر بعضهم أنه روى مرسلا -
انتهى. وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٥ ص ٣٨٨) وإسناده صحيح أو حسن.
٣٦٧

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٩ - باب التطوع
١٣٣٥ - (٥) وعن بريدة، قال: أصبح رسول اللّه ◌َ مثله، فدعا بلالا، فقال: بما سبقتنى إلى الجنة؟
ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامى. قال: يا رسول الله! ما أذنت قط إلا صليت
ركعتين، وما أصابنى حدث قط إلا توضأت عنده ورأيت أن لله على ركعتين. فقال رسول
الله ربيع: بهما.
١٣٣٥ - قوله (أصبح رسول الله عزّ) أى ذات يوم (فدعا بلالا) أى بعد صلاة الصبح كما مر
(بما) وفى المصابيح: بم بإسقاط الألف، وكذا وقع فى الترمذى أى بأى شىء (سبقتنى إلى الجنة ) قال
التور بشتى: نرى ذلك - والله أعلم - عبارة عن مسارعة بلال إلى العمل الموجب لتلك الفضيلة قبل ورود الأمر
عليه، وقبل بلوغ الندب اليه، وذلك مثل قول القائل لعبده: تسبقنى إلى العمل أى تعمل قبل ورود أمرى عليك.
ومن ذهب فى معناه إلى ما يقتضيه ظاهر اللفظ فقد أحال فان نبى الله تمثيل جل قدره أن يسبقه أحد من الأنبياء إلى
الجنة فضلا عن بلال ، وهو رجل من أمته، كذا قال. وقد قدمنا أن الواقعة واقعة منام، وأن حديث بريدة هذا
ظاهر فى كونه مَّ رأى بلالادخل الجنة، وأن مشيه بين يدى النبي تَثٍّ كان من عادته فى اليقظة، فاتفق مثله فى المنام.
ولا يلزم من ذلك دخول بلال الجنة قبل النبى مَثّةٍ، لأنه فى مقام التابع والخادم، وكأنه أشار معرفة إلى بقاء بلال
على ما كان عليه فى حال حياته واستمراره على قرب منزلته ( ما دخلت الجنة قط) يدل على دخوله مَ اياها
ورؤيته بلالا كذلك مرات ( إلا سمعت خشخشتك ) بمعجمتين مكررتين، وهى حركة لهاصوت كصوت السلاح
خشخش السلاح أو الحلى خشخشة أى سمع له صوت عند اصطكاكه ( أمامى ) أى قدامى ( ما أذنت قط إلا
صليت ركعتين ) أى قبل الإقامة يعنى بين الأذان والإقامة (وما أصابنى حدث) بفتحتين. هو لغة الشىء الحادث
نقل إلى ناقضات الوضوء (إلا توضأت عنده) أى بعد حدوث ذلك الحدث. وفى الترمذى: عندها أى عند إصابة
الحدث (ورأيت) عطف على ((توضأت)) قال ابن الملك: أى ظننت. وقال ابن حجر: أى اعتقدت. وقال القارى:
الأظهر أن يكون من الرأى أى اخترت (أن لله على ركعتين) أى شكرا لله تعالى على إزالة الأذية وتوفيق الطهارة.
قال الطيبي: كناية عن مواظبته عليهما (بهما) أى بهما نلت ما نلت أو عليك بهما، قاله الطبى. ثم الظاهر أن
ضمير التثنية راجع إلى القريبين المذكورين، وهما دوام الطهارة وتمامها بأداء شكر الوضوء، فيوافق الحديث السابق
أول الباب . ولا يبعد أن يرجع إلى الصلاة بين كل أذانين، والصلاة بعد كل طهارة، أو الى الصلاة بين الأذانين
ومجموع دوام الوضوء وشكره، قاله القارى. وفى الحديث استحباب إدامة الطهارة، ومناسبة المجازاة على ذلك
بدخول الجنة ، لأن من لازم دوام الطهارة أن يبيت المرأ طاهراً، ومن بات طاهراً عرجت روحه، فسجدت
٣٦٨
١
٠
:

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٩ - باب التطوع
رواه الترمذى.
: من كانت له حاجة إلى الله
١٣٣٦ - (٦) وعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسول الله
أو إلى أحد من بنى آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين، ثم ليثن على الله تعالى، وليصل
على النبى معَّثه، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد
لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك،
تحت العرش، كما رواه البيهقى فى الشعب من حديث عبد الله بن عمروبن العاص، والعرش سقف الجنة. وظاهره
أن هذا الثواب وقع بسبب ذلك العمل ولا معارضة بينه وبين قوله معروفةٍ : لا يدخل أحدكم الجنة عمله، لأن أحد
الاجوبة المشهورة بالجمع بينه وبين قوله تعالى: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون - ٣٢:١٦) أن أصل الدخول
إنما يقع برحمة الله واقتسام الدرجات بحسب الأعمال، فيأتى مثله فى هذا. وفيه أن الجنة موجودة الآن خلافا
لمن أنكر ذلك من المعتزلة (رواه الترمذى) أى فى مناقب عمر رضى الله عنه مطولا، وقال هذا حديث حسن
صحيح غريب. وذكره المصنف تبعاً للبغوى مقتصراً على ما يناسب الباب، وهو اثبات تطوع تحية الوضوء،
وأخرجه أيضاً أحمد ( ج ٥ ص ٣٥٤ - ٣٦٠) وابن خزيمة فى صحيحه .
١٣٣٦ - قوله (من كانت له حاجة) دينية أو دنيوية (فليتوضأ) ظاهره أنه يجدد الوضوء إن كان
على وضوء. ويحتمل أن المراد إن لم يكن له وضوء (فليحسن الوضوء) باستعمال سننه وآدابه. وفى المستدرك:
وليحسن وضوءه، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ ص ١٦٤). ( ثم ليصل ركعتين) وتسمى هذه
الصلاة بصلاة الحاجة ( ثم ليثن) من الاثناء (وليصل على النبى مرثية) الأصح الأفضل لفظ صلاة التشهد
( لا إله إلا الله الحليم) الذى لا يعجل بالعقوبة (الكريم) الذى يعطى بغير استحقاق وبدون المنة (رب العرش
العظيم ) اختلف فى كون العظيم صفة للرب أو العرش، كما فى قوله عليه الصلاة والسلام: لا إله إلا الله رب العرش
** ** داودى أنه رواه برفع العظيم. على أنه نعت للرب، والذى ثبت فى رواية الجمهور الجر
العظيم. تعل الإله
وذلك قراءة الجمهور فى قوله تعالى: {رب العرش العظيم - ١٢٩:٩) و(رب العرش الكريم-
على أمنيا
١١٦:٢٣ ) بالجر. والمعنى المراد فى المقام أنه منزه عن العجز. فإن القادر على العرش العظيم. لا يعجز عن إعطاء مسئول عبده
المتوجه إلى ربه الكريم (والحمد لله) وفى الترمذى وابن ماجه والمستدرك بدون العاطف، وهكذا فى جامع
الأصول ( موجبات رحمتك) بكسر الجيم أى أسبابها يعنى أفعالا وخصالا أو كلمات تتسبب لرحمتك وتقتضيها
بوعدك، فإنه لا يجوز التخلف فيه، وإلا فالحق سبحانه لا يجب عليه شىء. وقال الطبى: جمع موجبة، وهى الكلمة
٣٦٩
٠

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٩ - باب التطوع
وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر والسلامة من كل اثم، لا تدع لى ذنبا الا غفرته، ولا هما الا
فرجته، ولا حاجة هى لك رضا الا قضيتها يا أرحم الراحمين. رواه الترمذى وابن ماجه وقال
الترمذى: هذا حديث غريب.
الموجبة لقائلها الجنة (وعزائم مغفرتك) أى موجباتها جمع عزيمة، قاله السيوطى. وقال الطيبي: أى أعمالا
وخصالا تتعزم وتتأكد بها مغفرتك (والغنيمة من كل بر) بكسرالبا أى طاعة وعبادة، فإنهما غنيمة ماخوذة
بغلبة دواعى عسكر الروح على جند النفس ، فإن الحرب قائم بينهما على الدوام ولهذا يسمى الجهاد الأكبر، لأن
أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك، قاله القارى ( والسلامة من كل إثم ) وعند الحاكم: والعصمة من كل ذنب
والسلامة من كل انم، وأسقط قوله ((والغنيمة من كل بر)). قال العراقى: فيه جواز سوال العصمة من كل الذنوب
وقد أنكر بعضهم جوازذلك إذ العصمة إنما هى الأنبياء والملائكة، قال والجواب أنها فى حق الأنبياء والملائكة
واجبة ، وفى حق غيرهم جائزة، وسوال الجائز جائز إلا أن الأدب سوال الحفظ فى حقنا لا العصمة ، وقد يكون
هذا هو المراد هنا - انتهى. ( لا تدع) بفتح الدال وسكون العين أى لا تترك (إلا غفرته) أى إلا موصوفا
بوصف الغفران ، فالاستثناء فيه وفيما يليه مفرغ من أعم الأحوال (ولا هما) أى غما (فرجته) بالتشديد ويخفف
أى أزلته وكشفته (ولا حاجة هى لك رضا) أى مرضية لك. والحديث يدل على مشروعية الصلاة عند الحاجة
أى حاجة كانت بشرط أن تكون مباحة (رواه الترمذى وابن ماجه) كلاهما من رواية فائد بن عبد الرحمن بن أبى
الورقاء وزاد ابن ماجه بعد قوله ((قضيتها)) ثم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة ما شاء، فانه يقدر. وأخرجه
الحاكم فى المستدرك (ج ١ ص ٣٢٠) باختصار، ثم قال إنما أخرجته شاهداً وفائد مستقيم الحديث. وتعقبه الذهبي
بأنه متروك، فالحديث ضعيف . قال الشوكانى فى تحفة الذاكرين (ص ١٣٨): وأخرج ابن النجار فى تاريخ بغداد
عن غير فائد قال ابن حجر (العسقلانى) فى أماليه: والحديث له شاهد من حديث أنس، وسنده ضعيف. وأخرجه
أيضاً الأصبهانى من حديث أنس فذكر لفظه، قال وأخرجه الطبرانى، وفى إسناده أبو معمر عباد بن عبد الصمد
ضعيف جدا، وأخرج لهذا الحديث فى مسند الفردوس طريقاً أخرى من حديث أنس، وإسناده أبو هاشم،
واسمه عبد الرحمن، وهو ضعيف، وأخرجه أحمد باسناد صحيح عن أبى الدرداء مختصراً قال: سمعت رسول الله مرثية
يقول من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله عز وجل ما سأل معجلا أومؤخراً. قال الشوكانى:
وذكرت ما قيل فيه أى فى حديث ابن أبي أوفى الذى نحن بصدد شرحه بأطول من هذا فى الفوائد المجموعة
(ص ١٦) استدركت على من قال: إنه موضوع. والحاصل أن جميع طرق أحاديث هذه الصلاة لا تخلوعن ضعف
إلا حديث أبى الدرداء، وبعده حديث ابن أبى أوفى.
٣٧٠
١
١
٠٠

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٠ - باب صلاة التسيح
(٤٠) باب صلاة التسبيح
١٣٣٧ - (١) عن ابن عباس، أن النبى وَيم قال للعباس بن عبد المطلب: يا عباس! يا عماه! ألا
أعطيك ؟ ألا أمنحك؟ ألا أحبوك؟ ألا أفعل بك؟ عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك، غفر الله
لك ذنبك أوله وآخره، قدیمه وحديثه، خطأ.
(باب صلاة التسبيح) أى هذا بيانها وسميت بذلك لكثرة ما يقرأ فيها من التسبيحات.
١٣٣٧ - قوله (يا عماه) بسكون الها إشارة إلى مزيد استحقاقه بالعطية الآتية، وهو منادى مضاف
إلى ياء المتكلم قلبت ياه الفا، وألحقت بها هاء السكت كيا غلاماه ( ألا) الهمزة للاستفهام (أعطيك ) بضم هزة
وكسرطاء من الإطاء أى عطية رفيعة ( ألا أمنحك ) بفتح همزة ونون أى أعطيك منحة سنية وأصل المنح أن
يعطى الرجل الرجل شأة أو ناقة ليشرب لبنها ثم يردها اذا ذهب درها هذا أصله ثم كثر استعماله حتى قيل فى كل
عطاء (ألا أحبوك ) بفتح همزة وسكون حاء مهملة وضم موحدة من حباه كذا وبكذا إذا أعطاه والحباء العطية
فهما تأكيد بعد تأكيد وكذا أفعل بك فانه بمعنى أعطيك أو أعلك ( ألا افعل بك ) بالبا موافقاً لما فى أبى داود
ووقع عند ابن ماجه باللام (عشر خصال) منصوب تنازعت فيه الأفعال قبله . وقيل بالرفع على تقدير هى.
والمراد بعشر خصال الأنواع العشرة للذنوب المعدودة بقوله أوله وآخره إلى قوله سره وعلانيته أى فهو على حذف
المضاف أى ألا أعطيك مكفر عشرة أنواع ذنوبك، أو المراد التسبيحات ، فانها فيما سوى القيام عشر عشر وعلى
هذا يراد الصلاة المشتملة على التسبيحات العشر بالظر إلى غالب الأركان. وأما جملة (إذا أنت فعلت ذلك) الخ فهى
فى محل النصب على أنها فعت للضاف المقدر على الأول، أولنفس عشر خصال على الثانى وعلى الثانى لا يكون إلا نعتاً مخصصاً
باعتبار أن المكفر يحتمل أن يكون علمه مكفراً فبين بالنعت أن يكون عمله مكفراً لا عليه (غفر الله لك ذنبك)
أى ذنوبك بقرينة قوله أوله الخ على وجه الابدال أو على وجه التفسير ( أوله وآخره ) بالنصب قال التوربشتى:
أى مبدأه ومنتهاه. وذلك أن من الذنب ما لا يواقعه الانسان دفعة واحدة، وإنما يتأتى منه شيئاً فشيئاً ويحتمل أن يكون
معناه ما تقدم من ذنبه وما تأخر ( وحديثه) أى جديده (وخطأه ) بفتحتين وهمزة. قيل: بشكل بأن الخطأ
لا إثم فيه لقوله عليه الصلاة والسلام: إن الله تجاوزعن أمتى الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه فكيف يجعل من
الذنب؟ وأجيب بأن المراد بالذنب ما فيه نقص وإن لم يكن فيه إثم . ويؤيده قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن
نسينا أو أخطأنا ٢: ٢٨٦ ) ويحتمل أن يراد مغفرة ما يترتب على الخطأ من نحو الإتلاف من ثبوت بدلها فى
٣٧١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
---
٤٠ - باب صلاة التسبيح
وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته: أن تصلى أربع ركعات، تقرأ فى كل ركعة فاتحة الكتاب
وسورة، فإذا فرغت من القراءة فى أول ركعة وأنت قائم. قلت: سبحان الله، والحمد لله،
ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمس عشرة مرة،
الذمة ومعنى المغفرة حينئذ إرضاء الخصوم وفك النفس عن مقامها الكريم المشار اليه بقوله عليه الصلاة والسلام
نفس المؤمن مرهونة حتى يقضى عنه دينه، كذا فى المرقاة (وعمده) بفتح أوله وسكون ثانيه ضد الخطأ
(صغيره وكبيره) قيل: المراد بالكبير ما هو من أفراد الصغائر، فإن الصغائر متفاوتة بعضها أكبر من بعض،
والكبائر لا تغفر إلا بالتوبة (سره وعلانيته) بفتح الياء المخففة والضمير فى هذه كلها عائد إلى قوله: ((ذنبك»
فان قلت أوله وآخره يندرج تحته ما يليه، وكذا باقيه فما الحاجة إلى تعدد أنواع الذنوب؟ قلت ذكره قطعاً لوهم
أن ذلك الأول والآخرربما يكون عمداً أو خطأ. وعلى هذا فى اقرانه وأيضاً فى التنصيص على الأقسام حث للخاطب
على المحتوى عليه بأبلغ الوجوه، ذكره القارى نقلا عن الأزهار. وسقط من المشكاة كالمصابيح هنا لفظ ((عشر
خصال وهو موجود فى الأصول (أن تصلى) خبر مبتدأ محذوف، والمقدر عائد إلى ذلك أى هو يعنى المأمور به
أن تصلى. وقيل: التقدير هى، وهى راجعة إلى الخصال العشر. وأما على ما فى الأصول من وجود لفظ عشر
خصال قبل قوله: أن تصلى، فيقال إن قوله: ((عشر خصال)) على الأول (أى على حذف المضاف، وهو
المكفر من قوله عشر خصال فى الموضع الأول) بالرفع بتقدير مبتدأ أى هى أى أنواع الذنوب عشر خصال أو
بالنصب على أنه بدل من مجموع أوله وآخره الخ، وعلى الثانى (أى على كون المراد من الخصال العشر الصلاة
المشتملة على التسبيحات العشر) مبتدأ وما بعده خبره، أو خبر مقدم وما بعده مبتدأ لئلا يلزم تتكير المبتدأ مع
تعريف الخبر (أربع ركعات) قيل: أى بتسليمة واحدة على ما هو الظاهر من الإطلاق ليلا كان أو نهاراً. وقيل:
يصلى فى النهار بتسليمة ، وفى الليل بتسليمتين. وقيل: يصلى مرة بتسليمة وأخرى بتسليمتين. واعلم أن الأولى أن
يصلى صلاة التسبيح بعد زوال الشمس قبل صلاة الظهر لما روى أبو داود فى سننه من حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص مرفوعا: إذا زال النهار فقم فصل أربع ركعات- الحديث. وقدسكت عنه أبو داودو المنذرى (وسورة) قيل يقرأ فيها
قارة: (الزلزلة) و (العاديات): (الفتح) و(الاخلاص) وتارة: (الهاكم التكاثر) و(العصر) و ﴿الكافرون)
و(الاخلاص) وقيل: الأفضل أن يقرأ أربعاً من المسبحات (الحديد) و(الحشر) و(الصف) و(التغابن} المناسبة
بينها وبين الصلاة، لكن لم أقف على ما يدل على شىء من ذلك من سنة ولا أثر (فى أول ركعة) أى قبل الركوع (خمس عشرة مرة)
فيه أن التسبيح بعد القراءة، وبه أخذاً كثر الأئمة . وأما ما كان يفعله عبد الله بن المبارك من جعله الخمس عشرة قبل
٣٧٢
١
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٠ - باب صلاة التسبيح
ثم تركع، فتقولها وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك من الركوع، فتقولها عشرا، ثم تهوى ساجدا،
فقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد فتقولها عشراً،
ثم ترفع رأسك فتقولها عشرا، فذلك خمس وسبعون فى كل ركعة، تفعل ذلك فى أربع ركعات،
إن استطعت أن تصليها فى كل يوم مرة فافعل، فان لم تفعل، ففى كل جمعة مرة، فان لم تفعل ففى كل
سنة مرة، فإن لم تفعل ففى عمرك مرة. رواه أبوداد، وابن ماجه، والبيهقى فى الدعوات الكبير.
القراءة وبعد القراءة عشرا ولا يسبح فى الاعتدال فهو مخالف لهذا الحديث. قال المنذري: إن جمهور الرواة على الصفة
المذكورة فى حديث ابن عباس وأبي رافع والعمل بها أولى، إذ لا يصح رفع غيرها - انتهى. قال الشيخ الأمر كما
قال المنذرى (ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً) أى بعد تسبيح الركوع كذا فى شرح السنة وقد روى الترمذى
عن ابن المبارك أنه قال : يبدأ فى الركوع بسبحان ربي العظيم ، وفى السجود بسبحان ربي الأعلى ثلاثا، ثم يسبح
التسبيحات. وقيل: له إن سها فيها أ يسبح فى بحدتى السهو عشراً عشراً؟ قال لا، إنما هى ثلاثمائة تسبيحة
(ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً) أى بعد التسميع والتحميد (ثم تموى) أى تنخفض وتنحط حال
كونك (ساجداً) أى مريدا للسجود من هوى بالفتح يهوى بالكسر الشىء إذا سقط من علو إلى سفل (فتقولها
وأنت ساجد عشراً) أى بعد تسبيح السجود (ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً) أى بعد رب اغفرلى
ونحوه (ثم تسجد) ثانيا (ثم ترفع رأسك) أى من السجدة الثانية (فتقولها عشراً) أى قبل أن تقوم على ما فى حديث
أبى رافع عند الترمذى وابن ماجه. ففيه ثبوت جلسة الاستراحة فى صلاة التسبيح، وهو المختار عند الشافعية
وأهل الحديث خلافا للحنفية ( فذلك ) أى مجموع ما ذكر من التسبيحات (خمس وسبعون) أى مرة ، كما فى رواية
البيهقى (فى كل ركعة) أى ثابتة فيها (تفعل ذلك) أى ما ذكر فى هذه الركعة (فى أربع ركعات) أى فى مجموعها
بلا مخالفة بين الأولى والثلاث فتصير ثلاثمائة تسبيحة (إن استطعت) استئناف أى إن قدرت (أن تصليها) أى هذه
الصلاة (فإن لم تفعل ) أى فى كل يوم لعدم القدرة أو مع وجودها العائق (ففى كل جمعة) أى فى كل أسبوع
( مرة) وفى التعبير بها إشارة إلى أنها أفضل أيام الأسبوع (ففى عمرك) بضم الميم وتسكن (رواه أبوداود وابن
ماجه والبيهقى فى الدعوات الكبير) أى عن ابن عباس، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان فى محيحيهما، والحاكم
فى المستدرك (ج١ ص ٣١٨-٣٢٠) والبيهقى فى السنن الكبرى (ج٣ ص ٥١ - ٥٢)، والبخارى فى جزء القراءة
كلهم من طريق عكرمة عن ابن عباس ، وإسناده حسن. وفى الباب عن جماعة من الصحابة : الفضل بن عباس ،
وأبيه العباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعلى بن أبى طالب، وأخيه جعفر، وابنه عبد الله بن
٣٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٠ - باب صلاة التسبيح
جعفر، وأبى رافع، وأم سلمة، والأنصارى غير مسمى. وقد قيل: إنه جابر بن عبد الله. وقد ساق الحافظ فى
أمالى الأذكار تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة جميعاً. ونقلها السيوطى فى تعقباته على ابن الجوزى (ص ١٧،١٦)
واللآلى المصنوعة (ج ٢ ص ٢٠ - ٢٤). من أحب الوقوف عليها رجع إلى هذين الكتابين. وأعلم أنه اختلف
كلام العلماء فى حديث صلاة التسبيح، فضعفه جماعة ، منهم العقيلى وابن العربى والنووى فى شرح المهذب ، وابن
تيمية وابن عبد الهادى والمزى والحافظ فى التلخيص، وبالغ ابن الجوزى فأورده فى الموضوعات ، وقال فيه
موسى بن عبد العزيز مجهول. وصححه أو حسنه جماعة منهم أبو بكر الآجرى وأبو محمد عبد الرحيم المصرى
والحافظ أبو الحسن المقدسى وأبوداود صاحب الستن ومسلم صاحب الصحيح والحافظ صلاح الدين العلاقى
والخطيب وابن الصلاح والسبكى وسراج الدين البلقينى وابن منده والحاكم والمنذرى وأبو موسى المدنى
والزركشى والنووى فى تهذيب الأسماء واللغات، وأبو سعد السمعانى والحافظ فى الخصال المكفرة، وفى امالى
الأذكار، وأبو منصور الديلى والبيهقى والدار قطنى وآخرون. والحق عندى أن حديث ابن عباس ليس بضعيف
فضلا عن أن يكون موضوعا أو كذباً، بل هو حسن لاشك فى ذلك عندى، فسنده لا ينحط عن درجة الحسن
بل لا يبعد أن يقال إنه صحيح لغيره لما ورد من شواهده، وبعضها لا بأس باسناده، كما ستعرف. وقد أكثر
الحفاظ من الرد على ابن الجوزى بذكره حديث ابن عباس فى الموضوع. وأما ما قال الحافظ فى التلخيص
• والحق أن طرقه كلها ضعيفة وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن إلا أنه شاذ لشدة الفردية فيه
وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر ومخالفة هيئتها لهيئة باقى الصلوات ، وموسى بن عبد العزيز وإن كان صادقا
صالحاً، فلا يحتمل منه هذا التفرد جوابه ظاهر من كلامه فى الخصال المكفرة حيث قال: رجال إسناد
حديث ابن عباس لا بأس بهم، عكرمة احتج به البخارى والحكم بن أبان صدوق ، وموسى بن عبد العزيز قال
ابن معين: لا أرى فيه بأسا. وقال النسائى نحو ذلك. وقال ابن المدينى: فهذا الاسنادمن شرط الحسن، فان له
شواهد تقويه، وقد أساء ابن الجوزى بذكره فى الموضوعات. وقوله: إن موسى مجهول، لم يصب فيه، لأن من
يوثقه ابن معين والنسائى فلا يضره أن يجهل حاله من جاء بعدهما. وشاهده ما رواه الدار قطنى من حديث العباس
والترمذى وابن ماجه من حديث أبى رافع. ورواه أبوداود من حديث ابن عمرو بإسناد لا بأس به . ورواه
الحاكم من طريق ابن عمرو له طرق أخرى - انتهى. وقال فى أمالى الأذكار بعد ذكر من روى حديث صلاة
التسبيح من الصحابة . أما حديث ابن عباس فأخرجه أبوداود وابن ماجه والحسن بن على المعمرى فى كتاب اليوم
والليلة عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن موسى بن عبد العزيز عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ،
وهذا إسناد حسن ، وقال بعد بسط الكلام فى سند حديث الأنصارى الذى لم يسم عند أبى داود . فسند الحديث
٣٧٤
ـة
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٠ - باب صلاة التسبيح
١٣٣٨ - (٢) وروى الترمذى عن أبي رافعً تحوه.
يقول: إن أول ما يحاسب به العبد يوم
١٣٣٩ ۔۔ (٣) وعن أبي هريرة ، قال: ٣×ت رسول
القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح،
لا ينحط عن درجة الحسن فكيف إذا ضم إلى رواية أبى الجوزاء عن عبد الله بن عمرو التى أخرجها أبوداود وقد
حسنها المنذرى. ثم ذكر جماعة ممن صحح حديث ابن عباس أو حسنه ومن شاء الاطلاع على تمام كلامه فايرجع
إلى اللآلى المصنوعة. وأما مخالفة هيئة صلاة التسبيح لهيئة باقى الصلوات فلا يدل على ضعف الحديث وشذوذه
بعد ما صح وثبت بطرق قوية كذا أفاد شيخنا فى شرح الترمذى.
١٣٣٨ - قوله (وروى الترمذى) وكذا ابن ماجه والدار قطنى (عن أبى رافع نحوه) قال الترمذى: هذا
حديث غريب من حديث أبي رافع. قال السيوطى فى قوت المغتذى : بالغ ابن الجوزى، فأورد هذا الحديث فى
الموضوعات، وأعله بموسى بن عبيدة الربذى، وليس، كما قال ، فان الحديث وإن كان ضعيفا، لم ينته إلى درجة
الوضع. وموسى ضعفوه ، وقال فيه ابن سعد : ثقة وليس بحجة . وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ضعيف الحديث
جدا. وشيخه سعيد بن أبى سعيد ليس له عند المصنف أى الترمذى إلا هذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان فى الثقات.
وقال الذهبى فى الميزان: ماروى عنه إلا موسى بن عبيدة - انتهى. ما فى قوت المغتذى. ونقل السيوطى فى التعقبات
عن الحافظ أنه قال: وقول ابن الجوزى: إن موسى بن عبيدة علة الحديث ، مردود فإنه ليس بكذاب مع ماله
من الشواهد فذكرها .
١٣٣٩ - قوله (إن أول ما يحاسب به العبد) بالرفع على نيابة الفاعل (يوم القيامة من عمله صلاته) أى
المفروضة. قال العراقى فى شرح الترمذى: لا تعارض بينه وبين الحديث الصحيح إن أول ما يقضى بين الناس
يوم القيامة فى الدماء، حديث الباب محمول على حق الله تعالى، وحديث الصحيح محمول على حقوق الآدميين
فيما بينهم فان قيل: فأينما يقدم محاسبة العباد على حق الله تعالى، أو محاسبتهم على حقوقهم ؟ فالجواب أن هذا أمر
توقيفى ، وظواهر الأحاديث دالة على أن الذى يقع أولا المحاسبة على حقوق الله تعالى قبل حقوق العباد - انتهى.
وقيل : حديث الباب من ترك العبادات، وحديث الصحيح من فعل السيئات وقيل : المحاسبة غير القضاء،
فيكون المحاسبة أولا فى الصلاة ويكون القضاء أولافى الدماء وقيل: حديث الباب مضطرب الاسناد، كما يظهر
من كلام الحافظ فى ترجمة أنس بن حكيم الضبى من التهذيب ، فلا يقاوم حديث الصحيح (فإن صلحت) بضم اللام
وفتحها. قال ابن الملك: صلاحها بأداءها صحيحة - انتهى. أو بوقوعها مقبولة (فقد أفلح وأنجح) الفلاح الفوز
٣٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٠ - باب صلاة التسبيح
وإن فسدت فقد خاب وخسر، فان انتقص من فريضته شىء، قال الرب تبارك وتعالى: انظروا هل
لعبدى من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك. وفى رواية:
والظفر والانجاح بتقديم الجيم على الحاء، يقال أنجح فلان إذا أصاب مطلوبه. قال القارى: ((فقد أفلح)) أى فاز
بمقصوده، ((وأنجح)) أى ظفر بمطلوبه، فيكون فيه تأكيدا وفاز بمعنى خلص من العقاب، وأنجح أى حصل له
الثواب (وإن فسدت) بأن لم تؤد أو أديت غير صحيحة أو غير مقبولة (فقد خاب) بحرمان المثوبة (وخسر)
بوقوع العقوبة. وقيل: معنى ((عاب)) ندم وخسر أى صار محروما من الفوز والخلاص قبل العذاب (فان أنتقص)
بمعنى نقص اللازم (من فريضته شىء) أى من الفرائض وفى بعض نسخ الترمذى: شيئاً وفعلا نقص وانتقص
بمعنى ، ويستعملان لازمين ومتعديين (انظروا) يا ملائكتى (هل لعبدى من تطوع) أى فى صحيفته سنة أو نافلة
من صلاة على ما هو ظاهر من السياق قبل الفرض أو بعده أو مطلقاً (فيكل) بالتشديد ويخفف على بناء الفاعل أو المفعول
وهو الأظهر، وبالنصب، ويرفع على الاستئناف ( بها ) قال ابن الملك: أى بالتطوع، وتأنيث الضمير باعتبار
النافلة. قال الطيبي: الظاهر نصب ((فيكل)) على أنه من كلام اللّه تعالى جوابا للاستفهام. ويؤيده رواية أحمد:
فكلوا بها فريضته، وإنما أنث ضمير التطوع فى (( بها)) نظراً إلى الصلاة (ما انتقص من الفريضة) ضمير ((انتقص))
راجع إلى الموصول على أنه لازم، أو إلى العبد، فيكون متعديا أى ما نقصه العبد من الفريضة. وظاهر الحديث أن
من فاتته الصلاة المفروضة ، وصلى تطوعا يحسب عنه التطوع موضع الفريضة . وقيل: بل ما نقص من خشوع
الفريضة وروائها يجبر بالتطوع. ورد بأن قوله: (( ثم يكون سائر عمله على ذلك، لا يناسبه، إذ ليس فى الزكاة
إلا فرض أو فضل ، فكما تكمل فرض الزكاة بفضلها كذلك فى الصلاة ، وفضل الله أوسع. قال العراقى فى شرح
الترمذى: يحتمل أن يراد به ما انتقصه من السنن والهيئات المشروعة فيها من الخشوع والأذكار والأدعية، وإنه
يحصل له ثواب ذلك فى الفريضة وإن لم يفعله فيها، وانما فعله فى التطوع. ويحتمل أن يراد به ما انتقص أيضاً من
فروضها وشروطها . ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأساً فلم يصله فيعوض عنه من التطوع، والله تعالى
يقبل من التطوعات الصحيحة عوضاً عن الصلوات المفروضة - انتهى. وقال ابن العربى: الأظهر عندى أنه يكل
بفضل التطوع ما نقص من فرض الصلاة وإعدادها لقوله ثم الزكاة كذلك وسائر الأعمال، وليس فى الزكاة
إلا فرض أو فضل، فكما يكمل فرض الزكاة بفضلها كذلك الصلاة، وفضل الله أوسع، وكرمه أعم واتم
(ثم يكون سائر عمله) من الصوم والزكاة وغيرهما (على ذلك) أى إن انتقص فريضة من سائر الأعمال المفروضة
تکل بالتطوع(وفى رواية)ظاهره أن الألفاظ الآتية فىطريق من طرق حديث أبى هريرة، ولیس کذلك، فان هذه
٣٧٦

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٠ - باب صلاة التسبيح
ثم الزكاة مثل ذلك، ثم توخذ الأعمال على حسب ذلك. رواه أبوداود.
١٣٤٠ - (٤) ورواه أحمد عن رجل.
الألفاظ إنماهى فى حديث تميم الدارى عند أبي داود (ثم الزكاة مثل ذلك) أى مثل ما فى الصلاة (ثم تؤخذ الأعمال) أى
المفروضة، ففى حديث أبى هريرة عند ابن ماجه: ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك (على حسب ذلك)
أى على حسب ذلك المثال المذكور فى الصلاة من تكميل الفريضة بالتطوع (رواه أبو داود) وأخرجه أيضاً أحمد
(ج ٢ ص ٢٩٠، ٤٢٥) والترمذى وابن ماجه والحاكم (ج١ ص ٢٦٢) كلهم من حديث أبى هريرة . واللفظ
المذکور للترمدی لا لابی داود إلا قوله: « ثم الزكاة، الخ فانه من حديث تميم الدارى عند أبي داود. ففى قول
المصنف: رواه أبو داود ، تسامح ظاهر إلا أن يقال إنه أراد أصل الحديث لا السياق المذكور بعينه. والحديث
سكت عنه أبو داود والنذرى، وحسنه الترمذى وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وما ذكر من الاضطراب فى سنده
فيمكن أن يدفع بما قال الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على الترمذى: لعل الحسن البصرى سمعه من ناس متعددين
حريث بن قتيبة (عند الترمذى) وأنس بن حكيم (عند أحمد وأبي داود والحاكم) ورجل من بنى سليط (عند أحمد
(ج ٤ ص ١٠٣) وأبى داود وابن ماجه والحاكم) أو يكون هذا الرجل المبهم أحدهما، وليس هذا اضطراباً فيه
يوجب ضعفه، بل هى طرق يؤيد بعضها بعضا. ورواه أحمد (وابن ماجه أيضاً) باسناد آخر (ج ٢ ص ٢٩٠)
عن يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين الواسطى عن على بن زيد بن جدعان عن أنس بن حكيم الضبى قال قال لى
أبو هريرة، فذكر الحديث بتمامه، وقال: وهذا اسناد صحيح، وعلى بن زيد بن جدعان ثقة - انتهى. قلت : على بن
زيد هذا ضعفه الأكثرون. ولعله لسوء حفظه واختلاطه، قيل: وكان يتشيع. ووثقه يعقوب بن شيبة. وقال
العجلى: كان يتشيع لا بأس به . وقال الساجى: كان من أهل الصدق . ويحتمل لرواية الجملة عنه وليس يجرى مجرى
من أجمع على ثبته . وقال الترمذى: صدوق الا أنه ربما رفع الشىء الذى يوقفه غيره ، كذا فى التهذيب وحديث تميم
الدارى أخرجه أحمد (ج ٤ ص ١٠٣) وأبو داود وابن ماجه والحاكم ( ج ١ ص ٢٦٢، ٢٦٣).
١٣٤٠ - قوله (ورواه أحمد عن رجل) (ج ٤ ص ١٠٣) قال حدثنا الحسن بن موسى قال حدثنا
حماد بن سلبة عن الأزرق بن قيس عن يحيى بن يعمر عن رجل من أصحاب النبي مَّثه، قال: قال رسول اللّه عَ لَّه:
أول ما يحاسب به العبد الخ. وأخرجه أيضا الحاكم ( ج١ ص ٢٦٣) من طريق الربيع بن يحيى عن حماد بن سلمة
وذكر الاختلاف فيه على حماد بن سلمة، وأشار الى تقوية رواية حماد بن سلمة عن داود بن أبى هند عن زرارة بن
أو فى عن تميم الدارى.
٣٧٧
-- --..... ... ...... . . - .....

مرعاة المفاتيح ج٤
-
٤ - كتاب الصلاة
٤٠ - باب صلاة التسبيح
١٣٤١ - (٥) وعن أبى أمامة، قال: قال رسول اللّه عَّه: ما أذن الله لعبد فى شىء أفضل من
الركنين يصليهما، وإن البر ليذر على رأس العبد مادام فى صلاته، وما تقرب العباد الى اللّه بمثل
ما خرج منه، يعنى القرآن. رواه أحمد والترمذى.
١٣٤١ - قوله (ما أذن الله) أى ما استمع، فى القاموس: أذن له واليه كفرح استمع معجبا أو عام.
والمراد هنا الاقبال من اللّه بالرأفة والرحمة على العبد. وذلك أن العبد اذا كان فى الصلاة، وقد فرغ من الشواغل
متوجها الى مولاه، مناجيا له بقلبه ولسانه ، فالله سبحانه أيضا يقبل عليه بلطفه وإحسانه إقبالا لا يقبل فى غيره
من العبادات. ولعله ذكر الاستماع، وإن كانت الصلاة من جملة الأفعال، لكونها مشتملة على الكلام من القرآن
والتسبيحات والتكبيرات (لعبد فى شىء) أى فى شىء من العبادات (أفضل من الركعتين) فى مسند الامام أحمد
والجامع الترمذى والجامع الصغير السيوطى والترغيب للنذرى من ركعتين ( يصليهما) يعنى أفضل العبادات
الصلاة، كما ورد فى الصحيح: الصلاة خير موضوع أى خير من كل ما وضعه الله لعباده ليتقربوا اليه، قاله القارى
(وإن البر) بكسر الباء بمعنى الخير والاحسان (ليذر) بالذال المعجمة والراء المشددة على بناء المجهول أى ينثر
ويفرق من قولهم: ذررت الحب والملح أى فرقته (على رأس العبد) أى ينزل الرحمة والثواب الذى هو أثر البرعلى
المصلى (ما دام فى صلاته) أى مدة دوام كونه مصليا (وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه) أى بأفضل
من كلامه. قال فى مجمع البحار: أى ما ظهر من اللّه ونزل على نبيه (فضمير ((منه)) راجع إلى الله، و((خرج)
بمعنى ظهر). وقيل: ما خرج من العبد بوجوده على لسانه محفوظاً فى صدره، مكتوبا بيده. وقيل: ما ظهر من
شرائعه وكلامه، أوخرج من كتابه المبين (وهو اللوح المحفوظ). و((ما، استفهامية للافكار. ويجوز كونه نافية،
وهو أقرب أى ما تقرب بشىء مثل - انتهى ما فى المجمع. (يعنى القرآن) هذا تفسير من بعض الرواة لقوله:« ما
خرج منه، وهو أبو النضرهاشم بن القاسم الليثى شيخ أحمد وشيخ شيخ الترمذى. قال شيخنا: وهذا التفسير أولى عندى
يعنى ضمير ((منه)) يرجع إلى الله. والمراد بما خرج منه ما أنزل الله على نبيه عَّث وهو القرآن. قال الطبى: أطلق
المصنف هذا التفسير ، ولم يقيده بما يفهم منه أن المفسر من هو. والحديث نقله المؤلف من كتاب الترمذى. وفى
روايته قال أبو النضر يعنى القرآن. ومثل هذا لا يتسامح فيه أهل الحديث ، فإنه يوهم أن التفسير من فعل الصحابى ،
فيجعل متن الحديث - انتهى . قلت: أطلق صاحب المشكاة هذا التفسير تبعا للبغوى فى المصابيح. والحديث رواه
أحمد، ولم يذكرفى روايته ما يفهم منه أن المفسر من هو، ولعل المؤلف نقله من مسند الامام أحمد، فهو معذور
فى الاطلاق وعدم بيان من فسره بذلك (رواه أحمد) (ج٥ ص ٢٦٨) عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن بكر بن
خيس عن ليث بن أبى سليم عن زيد بن أرطاة عن أبي أمامة (والترمذى) فى فضائل القرآن عن أحمد بن منيع عن
٣٧٨
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
(٤١) باب صلاة السفر
أبي النضر هاشم بن القاسم، قال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خنيس قد
تكلم فيه ابن المبارك، وتركه فى آخر أمره - انتهى. وقال الحافظ فى التقريب فى ترجمة بكر بن خنيس: إنه عابد
صدوق له أغلاط أفرط فيه ابن حبان - انتهى. واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة: ليس بشىء، وقال مرة
ضعيف، وقال مرة شيخ صالح لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح غزاء ليس بالقوى. وقال العجلى: كوفى
ثقة . وضعفه غير واحد ، كما فى التهذيب. وليث بن أبى سليم صدوق اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه فترك، قاله فى
التقريب . فالحديث لا يخلو عن ضعف .
(باب صلاة السفر) قال فى حجة الله (ج ٢ ص ١٧) لما كان من تمام التشريع أن يبين لهم الرخص
عند الأعذار ليأتى المكلفون من الطاعة بما يستطيعون ، ويكون قدر ذلك مفوضاً إلى الشارع ليراعى فيه التوسط
لا اليهم فيفرطوا أو يفرطوا، اعتنى رسول الله عَ ◌ّه بضبط الرخص والأعذار. ومن أصول الرخص أن ينظر
إلى أصل الطاعة حسبما تأمر به حكمة البر فيعض عليها بالنواجذ على كل حال، وينظر إلى حدود وضوابط شرعها
الشارع ليتيسر لهم الأخذ بالبر، فيتصرف فيها إسقاطا وإيدالا حسبما تؤدى اليه الضرورة ، فمن الأعذار
السفر، وفيه من الحرج ما لا يحتاج إلى بيان، فشرع رسول اللّه مَثّ له رخصا : منها القصر، ومنها الجمع بين
الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ومنهما ترك الستن، ومنها الصلاة على الراحلة حيث توجهت به يومى. إيماء،
وذلك فى النوافل وسنة الفجر والوتر لا الفرائض - انتهى مختصراً. والسفر لغة: قطع المسافة ، وليس كل قطع
تتغير به الأحكام من جواز الافطار وقصر الرباعية وغيرهما ، فاختلف العلماء فيه شرعا ، كما ستعرف . قال ابن
رشد فى البداية (ج ١ ص ١٣٠): السفر له تاثير فى القصر باتفاق، فقد اتفق العلماء على جواز قصر الصلاة
للسافر إلا قول شاذ أن القصر لا يجوز إلا للخائف لقوله تعالى: ﴿إن خفتم - ٤: ١٠١) الآية واختلفوا من ذلك
فى خمسة مواضع: أحدها فى حكم القصر. والثانى فى المسافة التى يجب فيها القصر. والثالث فى السفر الذى يجب فيه
القصر. والرابع فى الموضع الذى يبدأ منه المسافر بالتقصير. والخامس فى مقدار الزمان الذى يجوز المسافر
فيه إذا أقام فى موضع أن يقصر الصلاة . فأما حكم القصر، فاختلفوا فيه على أقوال: فمنهم من رأى أن القصر
هو فرض المسافر المتعين عليه. ومنهم من رأى أن القصر سنة. ومنهم من رأى أنه رخصة، والاتمام أفضل
وبالقول الأول قال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون بأسرم أعنى أنهفرض متعين. وبالثانى أعنى سنة قال مالك فى أشهر
الروايات عنه. وبالثالث أعنى رخصة. قال الشافعى فى أشهر الروايات عنه، وهو المنصور عند أصحابه ـ انتهى
باختصار يسير . وبكون القصر أولى وأفضل قال أحمد. قال ابن قدامة: المشهور عن أحمد أن المسافر على الاختيار إن
1
٣٧٩

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
شاء صلى ركعتين، وإن شاء أتم، والقصر عنده أفضل وأعجب ـ انتهى. والراجح عندى: أن لا يتم المسافر
الصلاة ، بل يلازم القصر كما لازمه صلى الله عليه وسلم، فالقصر فى السفر كالعزيمة عندى، لكن لو خالف ذلك
وأتم الصلاة أجزأ ، سواء قعد القعدة الأولى أونسيها ولم يقعد ، فلا تلزم الاعادة، فيكون الاتمام بجزئا ،
والله أعلم. وأما المسافة التى إذا أراد المسافر الوصول اليها ساغ له القصر، ولا يسوغ له فى أقل منها،
فاختلف العلماء فى مقدارها اختلافا كثيرا، فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحوا من عشرين قولا . وأقل ما قيل
فى ذلك الميل كما رواه ابن أبى شيبة باسناد صحيح عن ابن عمر، واليه ذهب ابن حزم الظاهرى. واحتج له
باطلاق السفر فى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يخص الله ولا رسوله سفراً دون سفر، واحتج
على ترك القصر فيما دون الميل بأنه صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى الفضاء للغائط فلم يقصر. وذهب الظاهرية
- كما قال النووى - إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم احتجوا فى ذلك بما رواه مسلم وأبو داود
من حديث أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة.
قال الحافظ: وهو أصح حديث ورد فى بيان ذلك وأصرحه. وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة
التى يبتدأ منها القصر لا غاية السفر (يعنى أنه أراد به إذا سافر سفرا طويلا قصر إذا بلغ ثلاثة أميال، كما قال
فى لفظه الآخر: إن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى بالمدينة أربعا وبذى الحليفة ركعتين). ولا يخفى بعد هذا
الحمل مع أن البيهقى ذكر فى روايته من هذا الوجه أن يحي بن يزيد راويه عن أنس قال سألت أنسا عن قصر
الصلاة ، وكنت أخرج إلى الكوفة يعنى من البصرة فأصلى ركعتين ركعتين حتى أرجع. فقال أنس، فذكر
الحديث. فظهر أنه سأله عن جواز القصر فى السفر لاعن الموضع الذى يبتدأ منه القصر، ثم إن الصحيح فى ذلك
أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذى يخرج منها. وردّه القرطبى بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به، فان
كان المراد به أنه لا يحتج به فى التحديد بثلاثة أميال فسلم، لكن لا يمتنع أن يحتج به فى التحديد بثلاثة فراسخ،
فان الثلاثة أميال مندرجة فيها ، فيؤخذ بالأكثر احتياطا. وقد روى ابن أبى شيبة عن حاتم بن اسماعيل عن
عبد الرحمن بن حرملة قال قلت لسعيد بن المسيب أ أقصر الصلاة وأفطر فى بريد من المدينة؟ قال نعم - أنتهى.
وقيل : مذهب الظاهرية القصر فى كل سفر قريبا كان أو بعيدا. وقال مالك والشافعى وأحمد وفقهاء أصحاب
الحديث وغيرهم: إنه لا تقصر الصلاة إلا فى مسيرة اليوم التام بالسير الوسط ، وهى أربعة برد وهو ستة عشر
فرسخا أى ثمانية وأربعون ميلا بالهاشمى، لأن البريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. قال النووى: والميل
ستة آلاف ذراع ، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة ، والاصبع ست شعيرات معترضة معتدلة .
٣٨٠
١
أ
.
!
٠