Indexed OCR Text

Pages 181-200

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب صلاة الليل.
ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة، رواه مسلم. قوله: ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما
أربع مرات، هكذا فى صحيح مسلم، وأفراده من كتاب الحميدى، وموطأ مالك، وسنن أبى داود،
وجامع الأصول.
١٢٠٥ - (١١) وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: لما بدن رسول الله مثل وثقل
واحدة ولعل ناسخ المصابيح لما رأى الجمل جعل الخفيفتين من جملة المفصل فكتب قوله: ثم صلى ركعتين،
وهما دون اللتين قبلهما ثلاث مرات. ومن ذهب إلى أن الوتر ثلاث ركعات حمل قوله: ثم أوتر
على ثلاث ركعات، فعليه أن يخرج الركعتين الخفيفتين من البين (ثم أوتر) أى بواحدة على أن الركعتين
الخفيفتين داخلتان فى المجمل (فذلك) أى المجموع مع الوتر (ثلاث عشرة ركعة) فيه أن صلاته منؤه فى الليل
ثلاث عشرة ركعة بدون ركعتى الفجر (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد ومالك وأبو داود والترمذى فى الشمائل
وابن ماجه والبيهقى (ج٣ ص ٨) قال المصنف (قوله ) أى قول زيد (ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين
قبلها أربع مرات) بالنصب أى وقع هذا القول أربع مرات (هكذا) أى أربع مرات (فى صحيح مسلم) أى متنه
(وأفراده) بفتح الهمزة أى أفراد مسلم (من كتاب الحميدى) الجامع بين الصحيحين. والأحاديث فيه على
ثلاثة أنواع: الأول ما اتفق عليه الشيخان . والثانى ما انفرد به البخارى ويعبر عنه بأفراد البخارى. والثالث
ما انفرد به مسلم ، وهو المراد بأفراد مسلم. والحاصل أن الجملة المذكورة وقعت فى متن صحيح مسلم أربع
مرات، وكذا وقعت فى أفراد مسلم من كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدى (وموطأ مالك) أى فى موطئه
(وسنن أبي داود) السجستانى (وجامع الأصول) الستة لابن الأثير الجزرى (ج ٧ ص ٥٣) وكذا وقع فى
سنن ابن ماجه والشمائل الترمذى والسنن الكبرى للبيهقى أربع مرات. ومقصود المصنف من هذا الكلام الاعتراض
على البغوى حيث ذكره فى المصابيح ثلاث مرات. وقد يقال فى توجيه ما فى المصابيح إن قوله: طويلتين ثلاث
مرات محمول على ست ركعات بحذف حرف العطف، والركعتان الخفيفتان خارجتان ، والوتر ركعة. والأظهر
أن التكرير المبالغة فى الطول.
١٢٠٥ - قوله (لما بدن) بتشديد الدال من التبدين، وهو الكبر والضعف أى مسه الكبر وأسن (وثقل)
بضم القاف أى عن الحركة وضعف عنها لدخوله فى السن، ويروى بدن بضم الدال المخففة أى كثر لحمه وثقل
أى ضعف لكبر سنه وكثرة لحمه، وذلك قبل موته بسنة. قال التور بشتى: اختلف الرواة فى قوله بدن: فمنهم
من يرويه مخففا بضم الدال من قولهم يدن يبدن بدانة ويدن. بفتح الدال يبدن بدنا و وهو السمن والاكتناز.
١٨١
.

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
كان أكثر صلاته جالسا. متفق عليه .
١٢٠٦ - (١٢) وعن عبد الله بن مسعود، قال: لقد عرفت النظائر التى كان النبى
ومنهم من يرويه بفتح الدال وتشديدها من التبدين وهو السن والكبر، وهذه الرواية هى التى يرتضيها أهل العلم
بالرواية، لأن النبي مَّ لم يوصف بالسمن فيما يوصف به، نقله الأبهرى. وقال عياض: قال أبو عبيد فى تفسير
هذا الحديث بدن الرجل بفتح الدال المشددة تبدينا إذا أسن ، قال ومن رواه يدن بضم الدال المخففة فليس له
معنى هنا، لأن معناه كثر لحمه، وهو خلاف صفته مَِّ. قال عياض: روايتنا فى مسلم عن جمهورهم يدن بالضم،
وعن العذرى بالتشديد، قال وأراه إصلاحا، قال ولا ينكر اللفظان فى حقه مرّ فقد قالت عائشة فى صحيح مسلم: فما
أسن رسول اللّه مَّه وأخذه اللحم أوتر بسبع. وفى حديث آخر ولحم، وفى آخر أسن وكثر لحمه . وقول ابن
أبی هالة فی وصفه بادن متماسك . قال النووی: والذی ضبطناء ووقع فى أ کثر أصول بلادنا بالتشديد - انتهى.
قلت: روى البخارى فى تفسير سورة الفتح من حديث عائشة قالت: إن النبي مَّ كان يقوم من الليل حتى تتفطر
قدماه، فقالت عائشة لم تصنع هذا يا رسول اللّه وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال أفلا أحب
أن أكون عبدا شكورا. فلما كثر لحمه صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع ـ انتهى. قال الحافظ:
أنكر الداودى قوله: فلما كثر لحمه، وقال المحفوظ فلما بدن أى كبر فكان الراوى تأوله على كثرة اللحم ـ انتهى.
وقال ابن الجوزى أحسب بعض الرواة لما رأى بدن ظنه أى كثر لحمه وليس كذلك، وإنما هو بدن تبدينا أى
أسن ـ انتهى. وهو خلاف الظاهر. وفى حديث مسلم عن عائشة قالت لما بدن رسول الله مرضية وثقل كان أكثر
صلاته جالسا، لكن يمكن تأويل قوله ثقل أى ثقل عليه حمل لحمه، وإن كان قليلا لدخوله فى السن - انتهى
مختصرا. وقيل رواية كثر لحمه محمولة على استرخاء لحم بدنه كما يقتضيه كبر سنه ( كان أكثر صلاته) أى النافلة
(جالسا) وفى رواية أبى سلمة عن عائشة لم يمت حتى كان كثير من صلاته جالسا. وفى حديث حفصة: ما رأيت
رسول اللّه مَّ يصلى فى سبحته جالسا حتى إذا كان قبل موته بعام وكان يصلى فى سبحته جالسا، أخرجهما مسلم.
والحديث يدل على جواز التنفل قاعدا مع القدرة على القيام. قال النووي: وهو إجماع العلماء. قال ابن حجر:
ومن خصائصه عليه السلام أن ثواب تطوعه جالسا كهو قائما سواء جلوسه يكون بعذر أو بغير عذر (متفق عليه)
واللفظ لمسلم ، ولم يقل البخارى أكثر .
١٢٠٦ - قوله (لقد عرفت النظائر) جمع النظيرة، وهى المثل والشبه أى السور المتشابهة والمتقاربة فى
الطول والقصر. قال الحافظ فى الفتح: أى السور المتماثلة فى المعانى كالموعظة أو الحكم أو القصص لا المتماثلة
فى عدد الآى لما سيظهر عند تعيينها قال الحب الطبرى: كنت أظن أن المراد أنها متساوية فى العد حتى اعتبرتها
١٨٢
١
٦
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤- كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من أول المفصل، على تأليف ابن مسعود
فلم أجد فيها شيئا متساويا (يقرن) بضم الراء ويجوز كسرها أى يجمع (بينهن) أى بين سورتين منهن فى ركمة
(فذكر) أى ابن مسعود (عشرين سورة من أول المفصل) وهى الرحمن والنجم فى ركعة، واقتربت والحاقة
فی ر کعة ، والطور والذاريات فی ر کمة ، وإذا وقعت ونون فی ر کمة ، وسأل سائل والنازعات فی ر کمة ، وويل
للمطففين وعبس فى ركعة ، والمدثر والمزمل فى ركعة ، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة فى ركعة، وعم يتساءلون
والمرسلات فى ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت فى ركعة. رواه أبو داود، وقال هذا تأليف ابن مسعود
أى ترتيب السور المذكورة فى الحديث، وهو الترتيب الذى ألف عليه أبن مسعود السور فى مصحفه (على تأليف)
مصحف (ابن مسعود) أى جمعه وترتيبه. قال الحافظ: فيه دلالة على أن تأليف ابن مسعود على غير تأليف
العثمانى، وكان أوله الفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران، ولم يكن على ترتيب النزول. ويقال: إن مصحف
على كان على ترتيب النزول ، أوله اقرأ ثم المدثر ثم ن والقلم ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير ثم سبح وهكذا
إلى آخر المكى ثم المدنى، والله أعلم. وأما ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن فقال القاضى أبو بكر الباقلانى
يحتمل أن يكون التى تَّى هو الذى أمر بترفيبه هكذا، ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصحابة، ثم رجح الأول
بما روى البخارى عن أبى هريرة أنه كان النبي مَثم يعارض به جبريل فى كل سنة ، فالذى يظهر أنه عارضه به هكذا
على هذا الترتيب ، وبه جزم ابن الأنبارى. ومما يدل على أن ترتيب المصحف كان توقيفا ما أخرجه أحمد
وأبو داود وغيرهما عن أوس بن حذيفة الثقفى، قال: كنت فى الوفد الذين أسلموا من ثقيف، فذكر الحديث،
وفيه فقال لنا رسول اللّه ◌َي طرأ على حربى من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، قال فسألنا أصحاب
رسول الله ،ے، قلنا کیف تحزیون القرآن ؟ قلنا محزبه ثلاث سور و خمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى
عشرة، وحزب المفصل من ق حتى تختم. قال الحافظ: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو فى المصحف الآن
كان فى عهد النبي ◌َُّ. ويستفاد من هذا الحديث حديث أوس أن الراجح فى المفصل أنه من أول سورة ق
إلى آخر القرآن، لكنه مبنى على أن الفاتحة لم تعد فى الثلاث الأول، فإنه يلزم من عدها أن يكون أول المفصل من
الحجرات، وبه جزم جماعة من الأئمة - أنتهى . وقيل: ترتيب جميع السور توقيفى إلا ترتيب براءة والأنفال،
فهو من اجتهاد عثمان، كما يدل عليه حديث ابن عباس عند أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن حبان والحاكم،
وقد ذكره المصنف فى الباب الذى قبل كتاب الدعوات، وسيأتى الكلام فى ذلك هناك. قال الجزرى: أختلف
فى ترتيب السور هل هو توقيفى من النبى تَّث أو إجماع من الصحابة أو بعضه توقيف وبعضه إجماع من الصحابة ؟
وأجمعوا على أنه لم ينزل مرتبا هكذا، وعلى أنه لا يقرأ إلا هكذا، كما هو مرتب اليوم، وإنما يصح للصغار أن
يقرؤا من أسفل لضرورة التعليم، ولوقرأ فى الصلاة غير مرتب، فهو غير الأولى. وقيل: يكره، ولوقرأ فى
١٨٣
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
سورتين فى ركعة آخرهن حم الدخان، وعم يتساءلون. متفق عليه.
أول ركعة سورة الناس، فماذا بقرأ فى الثانية؟ قال أبو حنيفة: يعيدها . وقال الشافعى: يبدأ من أول البقرة
أى إلى المفلحون. وهو رواية عن أبى حنيفة، وهو الأظهر، لأن الإفادة أولى من الإعادة (سورتين) أى كل
سورتين من العشرين (فى ركعة آخرهن) أى آخر العشرين مبتدأ يعنى آخر الثنتين من العشرين (حم الدخان)
يحتمل الحركات الثلاث فى حم)) والفتح أشهر. وكذلك فى الدخان، والجر أشهر (وعم يتساءلون) هذا يخالف
ظاهره ما تقدم من رواية أبى داود إلا أن يقال التقدير آخرهن أى آخر العشرين ( حم الدخان)) ونظيرتها إذا
الشمس كورت ، وعم يتساءلون، ونظيرتها والمرسلات، قاله القارى. وقال الحافظ: قوله آخرهن حم الدخان،
وعم يتساءلون مشكل، لأن حم الدخان آخرهن فى جميع الروايات. وأماعم ، فهى فى رواية ابن خزيمة
السابعة عشرة . وفى رواية أبى داود: الثامنة عشرة، فكان فيه تجوزا ، لأن عم وقعت فى الركعتين الأخير تين فى
الجملة - انتهى. ووقع فى رواية البخارى فى باب الجمع بين السورتين فى ركعة من أبواب الصلاة، فذكر عشرين
سورة من المفصل، واستشكل عد الدخان من المفصل، لأنها ليست منه. وأجيب بأن ذكرها معهن فيه تجوز،
ولذلك فصلها من المفصل فى رواية البخارى فى باب الترتيل فى القراءة ولفظها: وإنى لأحفظ القرناء التى كان يقرأ
بهن النبي ◌َّ ثمان عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم ، لكن يرد على رواية البخارى هذه أن
الروايات لم تختلف أنه ليس فى العشرين من الحواميم غير الدخان . قال الحافظ: فتحمل على التغليب أو فيها حذف
كأنه قال وسورتين احداهما من آل حم ـ انتهى. ولذكر ابن مسعود هذا الحديث سبب وهوأن رجلا وهو
نهيك بن سنان جاء إلى ابن مسعود فقال قرأت المفصل الليلة فى ركعة فقال (اى ابن مسعود) هذَّا كَهَذِ الشعر
لقد عرفت النظائر الخ. قال الحافظ : وفى هذا الحديث من الفوائد كراهة الإفراط فى سرعة التلاوة، لأنه ينافى
المطلوب من التدير والتفكر فى معانى القرآن ولاخلاف فى جواز السرد بدون تدبر لكن القراءة بالتدبر أعظم
أجراً وفيه جواز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها وفيه الجمع بين السورتين فى ركعة، ويستدل به على
الجمع بين السور، لأنه إذا جمع بين السورتين ساغ الجمع بين الثلاث فصاعدا. وقد روى أبو داود، وصححه
ابن خزيمة من طريق عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة أكان رسول اللّه مَّثم يجمع بين السبور؟ قالت نعم من
المفصل. ولا يخالف هذا ما سيأتى فى التهجد أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال لأنه يحمل على النادر.
وقال عياض فى حديث ابن مسعود هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته غالباً . وأما تطويله فإنما
كان فى التدبر والترتيل. وما ورد غير ذلك من قراءة البقرة وغيرها فى ركعة ، فكان نادراً. قال الحافظ لكن
ليس فى حديث ابن مسعود ما يدل على المواظية بل فيه أنه كان يقرن بين هذه السور المعينان إذا قرأ من
المفصل وفيه موافقة لقول عائشة وابن عباس أن صلاته بالليل كانت عشر ركعات غير الوتر (متفق عليه)
١٨٤
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١- باب صلاة الليل
الفصل الثانى )
١٢٠٧ - (١٣) عن حذيفة: أنه رأى التى رَبثم يصلى من الليل، وكان يقول: الله أكبر، ثلاثا،
ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع، فكان ركوعه نحوا من
قيامه، فكان يقول فى ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه من الركوع،
فيه أن هذه الألفاظ لم يتفقا عليها بل الحديث فى الصحيحين بألفاظ مختلفة ولفظ الكتاب بهذا السياق ليس لهما
ولا لأحدهما ، بل هو مجموع من مجموع ما فيهما . والحديث أخرجه أيضاً الترمذى وأبو داود والنسائى وابن خزيمة
والبيهقى (ج ٢ ص ٩).
١٢٠٧ - قوله (يصلى من الليل) أى التهجد (وكان) وفى بعض النسخ ((فكان، موافقا لما فى سنن
أبى داود. قال الطيبي: الفاء للتفصيل (يقول الله أكبر ثلاثا) ليس فى رواية النسائى ثلاثا، (ذو الملكوت)
بفتحتين أى صاحب الملك والعزة ظاهرا وباطنا ، والصيغة المبالغة فى الملك (والجبروت) بفتحتين أيضا مبالغة فى
الجبر بمعنى القهر والغلبة (والكبرياء والعظمة) قيل الكبرياء الترفع عن جميع الخلق مع انقيادهم له التنزه عن
كل نقص ، والعظمة تجاوز القدر عن الاحاطة به. وقيل: الكبرياء عبارة عن كمال الذات. والعظمة عبارة
عن جمال الصفات ولا بوصف بهذين الوصفين الا الله تعالى (ثم استفتح) أى قرأ الثناء فانه يسمى دعاء الاستفتاح
أو استفتح بالقراءة أى بدأ بها من غير الاتيان بالثناء لبيان الجواز أو بعد الثناء جمعاً بين الروايات، وحلا على
أكمل الحالات، قاله القارى. وقال ابن حجر: أى يقوله فى صلاته فى محل دعاء الافتتاح ثم استفتح القراءة - انتهى.
قلت: يؤيد ما قاله ابن حجر رواية أحمد والترمذى فى شمائله عن حذيفة أنه صلى مع النبى معَّم من الليل قال فذا دخل
فى الصلاة قال الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة قال ثم قرأ البقرة الخ فقوله فلما دخل أى
بتكبيرة الاحرام وقوله الله اكبر الخ الظاهر أنه قال ذلك بعد تكبيرة الاحرام بدليل زيادة الكلمات المذكورة،
فيكون هذا صيغة من صيغ دعاء الافتاح الواردة (فقرأ) فى الركعة الأولى (البقرة) أى بكمالها بعد الفاتحة وإن
لم يذكرها اعتمادا على ماهو معلوم من أنه مرَّة لم يخل صلاة عن الفاتحة (فكان ركوعه) أى طوله (نحوا من قيامه)
أى قريباً منه فيكون قد طول الركوع قريباً من هذا القيام الطويل يدل عليه رواية النسائى فى صلاته التهجد فلا
ركع مكث قدر سورة البقرة ويقول فى ركوعه سبحان ذى الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة وكان مقروا
فيها أيضاً سورة البقرة (فكان يقول) حكاية للحال الماضية استحضارا. قاله ابن حجر: و فى سنن أبي داود
(( وكان يقول» (فى ركوعه سبحان ربي العظيم) بفتح الياء، وتسكن، والمراد أنه كان يكرر هذه الكلمة ما دام
١٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
فكان قيامه نحوا من ركوعه، يقول: لربى الحمد، ثم سجد، فكان سجوده نحوا من قيامه، فكان
يقول فى سجوده: سبحان ربي الأعلى. ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين
نحوا من سجوده، وكان يقول: رب اغفرلى رب اغفرلى. فصلى أربع ركعات قرأ فيهن البقرة،
وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام، شك شعبة رواه أبو داود.
راكعاً (فكان قيامه) بعد الركوع أى اعتداله (نحوا من ركوعه) أى قريباً منه، وفيه دليل على أن الاعتدال
ركن طويل خلافا للشافعية فانه ركن قصير عندهم. واختار النووى أنه طويل أخذا بهذا الحديث وأمثاله (يقول)
أى بعد سمع الله لمن حمده (لربى الحمد) أى كان يكرر ذلك مادام فى الاعتدال (فكان سجوده نحوا من قيامه)
من الركوع للاعتدال. وقال ابن حجر: أى من اعتداله (فكان يقول فى سجوده سبحان ربي الأعلى) أى كان
يكرر ذلك ما دام ساجدا (ثم رفع رأسه من السجود) أى السجود الأول إلى الجلوس بين السجدتين
( وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده ) أى سجوده الأول. وفى مسند أحمد والشمائل فكان فيما بين
السجدتين نحواً من السجود ، وفيه دليل على أن الجلوس بين السجدتين ركن طويل خلافا للشافعية ( وكان يقول )
أى فى جلوسه بين السجدتين (رب اغفرلى رب اغفرلى) أى وهكذا، فالمرتان المراد منهما التكرار مرارا كثيرة
لا خصوص المرتين على حد قوله تعالى: ﴿ثم ارجع البصر كرتين - ٦٧: ٤) فكان يكرر هذه الكلمة ما دام
جالساً، ولم يذكر السجود الثانى ولا تطويله ولا ما قاله فيه أهلمه بالمقايسة على السجود الأول (قرأ) وفى أبى داود
((فقرأ)) (فيهن) أى فى الركعات الأربع (البقرة) فى الركعة الأولى (وآل عمران) فى الثانية (والنساء)
فى الثالثة (والمائدة أو الأنعام) بالشك أى فى الرابعة (شك شعبة) راوى الحديث المذكور فى السند أى فى
السورة التى قرأها فى الرابعة هل هى المائدة أو الأنعام ؟ قال القارى: والأظهر الأول مراعاة للترتيب المقرر
مع أن الصحيح أن الترتيب فى جميع السور توقيفى، وهو ما عليه الآن مصاحف الزمان، كما ذكره السيوطى فى
الاتقان فى علوم القرآن - انتهى. والحديث يدل على مشروعية طلب المغفرة فى الاعتدال بين السجدتين، وعلى
استحباب تطويل صلاة النافلة والقراءة فيها بالسور التطويلة وتطويل أركانها جميعاً. وفيه رد على من ذهب
إلى كرامة تطويل الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين . قال النووى: والجواب عن هذا الحديث
صعب، ذكره الشوكانى فى النيل (رواه أبو داود) وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٥ ص ٣٩٨) والنسائى والترمذى فى
الشمائل كلهم من طريق أبي حمزة مولى الأنصار عن رجل من بني عبس عن حذيفة. قال الترمذى: أبو حمزة
اسمه طلحة بن زيد. وقال النسائى: هو طلحة بن يزيد، وهذا الرجل المبهم يشبه أن يكون صلة بن زفر. قال
١٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
١٢٠٨ - (١٤) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول اللّه ◌َيَج: من قام بعشر
آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من
المقطرين .
المنذرى: طلحة بن يزيد أبو حمزة الأنصارى مولاهم الكوفى، احتج به البخارى فى صحيحه ، وصلة بن زفر العبسى
احتج به البخارى ومسلم - انتهى. والحديث أصله فى صحيح مسلم .
١٢٠٨ - قوله (من قام بعشر آيات) أى أخذها بقوة وعزم من غير فتور ولا توان من قولهم قام
بالأمر ، فهو كناية عن حفظها والدوام على قراءتها والتفكر فى معانيها والعمل بمقتضاها، واليه الاشارة بقوله
لم يكتب من الغافلين ولا شك أن قراءة القرآن فى كل وقت لها مزايا وفضائل وأعلاها أن يكون فى الصلاة
لا سيما فى الليل قال تعالى: ﴿إن ناشئة الليل هى أشد وطأ وأقوم قيلا - ٧٣: ٦) ومن ثم أورد محى السنة
الحديث فى باب صلاة الليل ، قاله الطيبى . وحاصله أن الحديث مطلق غير مقيد لا بصلاة ولا بليل ، فينبغى أن
يحمل على أدنى مراتبه، ويدل عليه قوله لم يكتب من الغافلين، وإنما ذكره البغوى فى محل الأكمل. وقال ابن
حجر: أى يقرأها فى ركعتين أو أكثر، وظاهر السياق أن المراد غير الفاتحة - انتهى. قلت: تفسير قام يصلى
أى بالقراءة فى الصلاة بالليل فى هذا المقام هو الظاهر بل هو المتعين ، لما روى ابن خزيمة فى صحيحه والحاكم
(ج ١ ص ٣٠٩) عن أبى هريرة مرفوعا بلفظ: من صلى فى ليلة بمائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن صلى فى ليلة
بمائى آية فانه يكتب من القانتين المخلصين. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي ، وأخرجه أيضاً البزار، لكن فى سنده يوسف بن خالد السمتى ، وهو ضعيف ، قاله الهيشمى فى
مجمع الزوائد (ج ٢ ص ٢٦٧) (لم يكتب من الغافلين) أى لم يثبت اسمه فى صحيفة الغافلين. وقيل: أى خرج
من زمرة الغفلة من العامة ودخل فى زمرة رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله (ومن قام بمانة آية
كتب من القاتين ) القنوت يردبمعان: كالطاعة والقيام والخشوع والعبادة والسكوت والصلاة، فيصرف فى كل
واحد من هذه المعانى إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه، والمراد هنا القيام أو الطاعة أى كتب عند الله من
الثابتين على طاعته أو من القائمين بالليل. وقال الطبى: أى من الذين قاموا بأمر الله ولزموا طاعته وخضعوا له
(ومن قام بألف آية) قال المنذرى من الملك الى آخر القرآن ألف آية ( كتب من المقنطرين) بكسر الطاء أى من
المكثرين من الأجر والثواب، ماخوذ من القنطار، وهو المال الكثير. قال الطيبي: أى من الذين بلغوا فى
حيازة المثوبات مبلغ المقنطرين فى حيازة الأموال. قال أبو عبيد: لا تجد العرب تعرف وزن القنطار، وما نقل
عن العرب المقدار المعول عليه. قيل أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا قناطير مقنطرة فهى اثنا عشر ألف دينار.
١٨٧

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
رواه أبو داود.
١٢٠٩ - (١٥) وعن أبى هريرة، قال: كانت قراءة النبى مرين بالليل يرفع طورا ويخفض طورا.
رواه أبو داود .
١٢١٠ - (١٦) وعن ابن عباس، قال: كانت قراءة التى تضم على قدر ما يسمعه من فى الحجرة
وقيل: القنطار ملاً جلد ثور ذهبا. وقيل: هو جملة كثيرة مجهولة من المال - انتهى. قلت: روى ابن حبان فى
صحيحه عن أبى هريرة مرفوعا: القنطار اثناعشر ألف أوقية، الأوقية خير مما بين السماء والأرض، ذكره المنذرى.
وروى الطبرانى فى الكبير بسند ضعيف عن أبى أمامة فى أثناء حديث ومن قرأ ألف آية أصبح، وله قطار ألف
وماتنا أوقية، الأوقية خير مما بين السماء والأرض أو قال خير مما طلعت عليه الشمس (رواه أبو داود) وأخرجه
أيضا ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما إلا أن فى رواية ابن حبان ومن قام بمائتى آية كتب من المقنطرين أخرجوه
من طريق أبى سوية عن ابن حجيرة عن عبد الله بن عمرو، وقد سكت عنه أبو داود والمنذرى فى تلخيص الآن .
ونقل فى الترغيب عن ابن خزيمة أنه قال: إن صح الخبر فإنى لا أعرف أبا سوية بعدالة ولا جرح - انتهى.
قلت: أبو سوية هذا اسمه عبيد بن سوية. وقيل: عبيد بن حميد . وقيل كنيته أبو سويد بدال مصغرا . قال فى
التقريب: والصواب أبو سوية صدوق. وقال فى تهذيب التهذيب: قال ابن ماكولا أنه كان فاضلا. وقال ابن
حبان: ثقة مصرى. وقال ابن يونس: كان رجلا صالحا - انتهى. وفى الباب عن فضالة بن عبيد وتميم الدارى
وأبى هريرة وأبى أمامة وعبادة بن الصامت وأبى الدرداء وأبى سعيد، ذكر أحاديثهم الهيثمى فى مجمع الزوائد
(ج ٢ ص ٢٦٧، ٢٦٨) مع الكلام فيها .
١
١٢٠٩ - قوله (كانت قراءة النبى مَّ بالليل) فى الأزهار يعنى فى الصلاة، ويحتمل فى غيرما أيضاً، والخير
محذوف وهو مختلفة (يرفع) أى صوته رفعاً متوسطاً (طوراً) أى مرة أو حالة إن كان خالياً (ويخفض) بكسر
الفاء المعجمة من ضرب أخرى إن كان هناك نائم أو بحسب حاله المناسب لكل منهما . وقال الطبي : يرفع خبر
كان والعائد محذوف أى يرفع عليه السلام فيها طورا صوته، والحديث يدل على أن الجهر والاسرار جائزان
فى قراءة صلاة الليل (رواه أبو داود) وكذا البيهقى (ج٣ ص١٢، ١٣) وسكت عليه أبو داود والمنذرى.
١٢١٠ - قوله (كانت قراءة النبى ◌َّ) أى رفع صوت قراءته فى الصلاة بالليل (على قدر ما
يسمعه) أى مقدار قراءة يسمعها. وقال ابن حجر: أى صوت أو رفع يسمعه (من فى الحجرة) أى فى صحن
١٨٨
١
.

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
وهو فى البيت. رواه أبو داود.
١٢١١ - (١٧) وعن أبي قتادة، قال: إن رسول اللّه عَّ خرج ليلة فإذا هو بأبى بكر يصلى
يخفض من صوته، ومر بعمر وهو يصلى رافعا صوته، قال: فذا اجتمعا عند النبى رَّفَ قال: يا أبا بكر!
مروت بك وأنت تصلى تخفض صوتك. قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول اللّه! وقال لعمر:
مررت بك وأنت تصلى رافعا صوتك . فقال: يا رسول الله! أوقظ الوسنان،
البيت، وهى الأرض المحجورة أى الممنوعة بحائط محوط عليها (وهو فى البيت) أى والحال أنه مؤثر فى بيته ،
ويحتمل أن يقال المراد بالبيت هو الحجرة نفسها أى يسمع من فى الحجرة، وهو فيها. وقيل: الحجرة أخص من
البیت ، یعنی أنه مێے کان لا یرفع صوته کثیر ، ولا یسر بحیث لا يسمعه أحد بل كانت قراءته بين الجهر والاسرار،
فكان اذا قرأ فى بيته سمع قراءته من فى الحجرة من أهله ولا يتجاوز صوته الى ما وراء الحجرة ، وهذا اذا كان
يصلى ليلا، وأما فى المسجد، فكان يرفع صوته فيها كثيراً، وفى قيام الليل لمحمد بن قصر المروزى: سئل ابن عباس
عن جهر النبى مَثّ بالقراءة بالليل، فقال كان يقرأ فى حجرته قراءة لو أراد أن يحفظها حافظ فعل (رواه
أبوداود) وأخرجه أيضا الترمذى فى الشمائل بلفظ: كان قراءة النبى مَثّ ربما يسمعه من فى الحجرة، وهو فى
البيت. والحديث سكت عنه أبوداود. وقال المنذري: وفى سنده ابن أبي الزناد واسمه عبد الرحمن بن عبد الله
ابن ذكوان ، وفيه مقال، وقد استشهد به البخارى فى مواضع - انتهى. قلت: ضعفه ابن معين وعلى بن المدينى
والنسائى وغيرهم، ووثقه الترمذى والعجلى، وصح الترمذى عدة من أحاديثه. وقال فى اللباس ثقة حافظ. وقال.
ابن عدى: هو ممن يكتب حديثه . وقال ابن المدينى والساجى وعمرو بن على: ما حدث به بالمدينة فهو مقارب،
وما حدث به بالعراق فهو مضطرب . وقال الحافظ فى التقريب : صدوق تغير لما قدم بغداد ، وكان فقيها.
والبيهقى (ج ٣ ص ١١) من طريق آخر بلفظ: كان يقرأ فى بعض حجره، فيسمع قراءته من كان خارجا .
١٢١١ - قوله (فإذا هو بأبى بكر) قال الطيبي: أى مار بأبى بكر (يصلى) حال عنه (يخفض) حال
عن ضمير يصلى (من صوته) ((من)) زائدة أو تبعيضية أو بعض صوته (قال) أى أبو قتادة (فلما اجتمعا عند
النبيِ مَّ قال) أى النبى تَّ (وأنت تعلى) وفى رواية الترمذى: وأنت تقرأ وهى جملة حالية (تخفض
صوتك) بدل أو حال . وفى بعض نسخ أبى داود: تخفض من صوتك (قال) أبو بكر (قد أسمعت من ناجيت)
جواب متضمن لعلة الخفض أى أنا أناجى ربى وهو يسمع لا يحتاج الى رفع الصوت (أوفظ)
أى أنبه (الوسنان) أى النائم الذى ليس بمستغرق فى نومه من وسنَ يُؤْسُ وَسَناً وسِنَةَ أخذه ثقل النوم
١٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤- كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
وأطرد الشيطان. فقال النبى مَّ: يا أبا بكر! ارفع من صوتك شيئا، وقال لعمر: اخفض من
صوتك شيئا. رواه أبو داود ، وروى الترمذى نحوه.
١٢١٢ - (١٨) وعن أبى ذر، قال: قام رسول اللّه ◌َي} حتى أصبح بآية، والآية: (إن تعذبهم
فإنهم عبادك. وإن تغفرلهم فانك أنت العزيز الحكيم).
أو اشتد نعاسه (وأطرد) أى أبعد (الشيطان) ووسوسته بالغفلة عن ذكر الله (يأبا بكر ارفع من صوتك
شيئاً) أى قليلا لينتفع بك سامع ويتعظ مهتد (وقال لعمر أخفظ من صوتك شيئا) أى قليلا لئلا يتشوش بك
نحو مصل أو نائم معذور. قال الطيبي: نظيره قوله تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك
سيلا - ١٧ : ١١٠) كأنه قال للصديق أنزل من مناجاتك ربك شيأ قليلا واجعل للخلق من قراءتك نصيبا، وقال
الفاروق ارتفع من الخلق هونا واجعل لنفسك من مناجاة ربك نصيبا، وفيه هداية للأمر الوسط الذى هو خير
الأمور وتصرف بتغيير ما هما عليه وذلك من دأب المرشدين (رواه أبو داود) مسندا ومرسلا، وكذا البيهقى
(ج ٣ ص١١) (روى الترمذى نحوه) أى بمعناه. وقال: حديث غريب. وأنما أسنده يحيى بن اسحاق عن حماد
ابن سلمة وأكثر الناس انما رووا هذا الحديث عن ثابت عن عبد الله بن رباح مرسلا - انتهى. قال العلامة أحمد
محمد شاكر فى تعليقه على الترمذى (ج ٢ ص ٣٣٠) هذا التعليل لا يؤثر فى صحة الحديث، فإن يحي بن اسحاق
ثقة صدوق، كما قال أحمد. وقال ابن سعد: كان ثقة حافظا لحديثه، ووصل الحديث زيادة يجب قبولها ،
والحديث قد سكت عنه أبو داود. وقال المنذرى بعد نقل كلام التر مذى يحيى بن اسحاق هذا هو البجلى السيلحينى
وقد احتج به مسلم فى صحيحه - انتهى. وفى الباب عن على عند أحمد برجال ثقات ، وعن عمار بن ياسر عند
الطبرانى فى الكبير ، وفى سنده أيوب بن جابر، وثقه أحمد وعمرو بن على ، وضعفه ابن المدينى وابن معين ، وعن
أبى هريرة عند أبى داود ، وقد سكت عنه هو والمنذرى.
١٢١٢ - قوله (قام رسول اللّه مَّة) أى فى صلاته ليلا (بآية) متعلق ((بقام، أى أخذ يقرأها من لدن
قيامه ويتفكر فى معانيها مرة بعد أخرى، قاله الطيبى. وفى رواية لأحمد (ج ٥ ص ١٤٩) قال: صلى رسول الله مز فيه
ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها و يسجد بها. وفى فضائل القرآن لأبى عبيد: قام المصطفى ميه ليلة فقرأ آية
واحدة الليل كله حتى أصبح بها يقوم وبها يركع والمعنى أنه تمٍَّ قد استمر يكررها ليلته كلها فى ركعات تهجده فلم
يقرأ فيها بغيرها (والآية) أى المعهودة (إن تعذبهم فإنهم عبادك) أى لا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل
فى ملكه (وإن تغفر لهم) أى مع كفرهم (فانك أنت العزيز الحكيم) أى القوى القادر على الثواب والعقاب لا
١٩
١

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
رواه النسائي، وابن ماجه .
١٢١٣ - (١٩) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَث: إذا صلى أحدكم ركعتى الفجر،
فليضطجع على يمينه.
تثيب ولا تعاقب الا عن حكمة. وقيل: المعنى أن تعذبهم أى من أقام على الكفر منهم فانهم عبادك أى تصنع
بهم ما شئت وتحكم فيهم بما تريد لا اعتراض عليك وإن تغفر لهم أى لمن آمن منهم فانك أنت العزيز
أى القادر على ذلك الحكيم فى أفعاله، وانما كررها مَّ حتى أصبح لما اعتراه عند قراءتها من هول ما ابتدنت
به ومن حلاوة ما اختتمت به، والآية من قول عيسى عليه السلام فى حق قومه، وكأنه عرض مؤ لم حال أمته على
الله سبحانه وتعالى واستغفر لهم، يدل على ذلك ما زاد أحمد فى روايته فلما أصبح قلت يا رسول الله ما زلت تقرأ
هذه الآية حتى أصبحت تركع بها، وتسجد بها قال إنى سألت ربى عز وجل الشفاعة لأمتى فأعطانيها، وهى نائلة
انشاء اللّه لمن لا يشرك بالله شيئا - انتهى. والحديث يدل على جواز تكرار الآية فى الصلاة، ولعل ذلك كان قبل
النهى عن القراءة فى الركوع والسجود أو أنه كان يقرأ بها فى الركوع والسجود بنية الدعاء لا بنية القراءة
والتلاوة، والله أعلم (رواه النسائي) أى فى سننه الكبرى (وابن ماجه) قال فى الزوائد إسناده صحيح،
ورجاله ثقات، ثم قال: رواه النساقى فى الكبرى وأحمد فى المسند (ج ٥ ص ١٤٩، ١٥٦) وابن خزيمة
فى صحيحه، والحاكم - انتهى. وهو فى المستدرك (ج ١ ص ٢٤١) ووافقه الذهبي على تصحيحه، ورواه
بقصة مطولة المروزى فى قيام الليل (ص ٥٩) وذكره السيوطى فى الدر المنثور مطولا بألفاظ مختلفة
(ج ٢ ص ٢٤٩، ٢٥٠) ونسبه أيضاً لابن أبى شيبة وابن مردويه والبيهقى، وهو فى السنن الكبرى من طريقين
(ج ٣ ص ١٣، ١٤) وفى الباب عن عائشة قالت: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة. أخرجه
الترمذى ، وقال : حديث حسن غريب .
١٢١٣ - قوله (إذا صلى أحدكم ركعتى الفجر) يعنى سنة الفجر، كما يشهد له حديث عائشة أول الفصل
الأول (فليضطجع) أى ندبا و استحباباً لما تقدم فى شرح حديث عائشة فى الفصل الأول (على يمينه) ولفظ
الترمذى: على شقه الأيمن أى جنبه الأيمن، وهذا نص صريح فى مشروعية الاضطجاع بعد سنة الفجر لكل أحد
المتهجد وغيره والمصلى ركعتى الفجر فى المسجد، وفى البيت، لأن الحديث مطلق، ولا دليل على تقييده بالمنهجد
وبالمصلى فى البيت. وللعلماء فى هذا الاضطجاع أقوال: أحدها أنه سنة، واليه ذهب الشافعى وأصحابه.
وقال النووى فى شرح مسلم: والصحيح أو الصواب أن الاضطجاع بعد سنة الفجر سنة. الثانى أنه مستحب ،
وروى ذلك عن جماعة من الصحابة ، وهم أبو موسى الأشعرى ورافع بن خديج وأنس بن مالك وأبو هريرة، ذكرهم
١٩١

مر عاة المفاتيح ج ٤
٤- كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
ابن القيم فى زاد المعاد والعراقى والعينى. وممن قال به من التابعين: محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب والقاسم بن
محمد وعروة بن الزبير وأبوبكر بن عبدالرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار
كان هؤلاء الصحابة والتابعون يضطجعون على أيمانهم بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح ويأمرون بذلك. الثالث
أنه واجب مفترض لابد من الإتيان به وهو قول أبى محمد على بن حزم الظاهرى فقال فى المحلى (ج ٣ ص ١٩٦)
كل من ركع ركعتى الفجر لم تجزه صلاة الصبح الا بأن يضطجع على شقه الأيمن بين سلامه من ركعتى الفجر وبين
تكبيره لصلاة الصبح، وسواء عندنا ترك الضجعة عمداً أو نسيانا وسواء صلاها فى وقتها أو صلاها قاضياً لها من نسيان
أو عمد نومه ، فإن لم يصل ركعتى الفجر لم يلزمه أن يضطجع فان عجز عن الضجعة على اليمين لخوف أو مرض أو
غير ذلك أشار إلى ذلك حسب طاقته، واستدل لذلك بحديث أبى هريرة قال: وقد أوضحنا أن أمررسول الله صلى
الله عليه وسلم كله على الفرض حتى يأتى نص آخر أو اجماع متيقن على أنه ندب فتقف عنده وإذا تنازع الصحابة
فالرد إلى كلام اللّه تعالى وكلام رسوله تَّ - انتهى. قلت: هذا افراط من ابن حزم فى هذه المسئلة وغلو
جدا ، وقول لم يسبقه اليه أحد ولا ينصره فيه أى دليل فقد عرفت فى شرح حديث عائشة ثانى أحاديث الفصل الأول
أن الأمر الوارد فى حديث أبى هريرة هذا محمول على الاستحباب، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على
الاضطجاع، فلا يكون واجباً فضلا عن أن يكون شرطا لصحة صلاة الصبح، ولو سلمنا أن الأمر فيه للوجوب.
فمن أين يخلص له أن الوجوب معناه الشرطية وأن من لم يضطجع لم تجزئه صلاة الصبح وما كل واجب شرط.
الرابع أن هذا الاضطجاع بدعة ومكروه ، ومن قال به من الصحابة : ابن مسعود وابن عمر على اختلاف عنه
وقد تقدم الجواب عن ذلك فى شرح حديث عائشة ثالث أحاديث الفصل الأول. الخامس أنه خلاف الأولى
روى ابن أبى شيبة فى مصنفه عن الحسن أنه كان لا يعجبه الاضطجاع بعد ركعتى الفجر. السادس أنه ليس
مقصودا لذاته ، وانما المقصود الفصل بين ركعتى الفجر وبين الفريضة، إما باضطجاع أو حدث أو بالتحول من
ذلك المكان الى غيره أو غير ذلك. والاضطجاع غير متعين فى ذلك، وهو محكى عن الشافعى، لكن قال البغوى والنووى
والحافظ: المختار الاضطجاع بخصوصه لظاهر حديث أبى هريرة. السابع التفرقة بين من يقوم بالليل، فيستحب
له ذلك للاستراحة وبين غيره، فلا يشرع له، واختاره ابن العربى وقال: لا يضطجع بعد ركعتى الفجر لانتظار
الصلاة إلا أن يكون قام الليل فيضطجع استجماما لصلاة الصبح فلا بأس، ويشهد لهذا ما رواه الطبرانى
وعبد الرزاق عن عائشة: أنها كانت تقول أن النبي مؤثّه لم يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأب ليله فيستريح ، وهذا
لا تقوم به حجة. أما أولا فلان فى اسناده راويا لم يسم، كما قال الحافظ. وأما ثانيا فلأن ذلك منها ظن وتخمين
وليس بحجة ، وقد روت أنه كان يفعله ، والحجة فى فعله وقد ثبت أمره به فتأكدت بذلك مشروعيته الثامن
١٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
التفرقة بين البيت فيستحب فيه وبين المسجد فلا يستحب فيه ذهب اليه بعض السلف ، وهو محكى عن ابن عمر وقد
تقدم الجواب عنه. والراجح عندى هو القول الثانى يعنى أن الاضطجاع بعد ركعتى الفجر مشروع على طريق
الاستحباب لكل أحد أى المتهجد وغيره والمصلى سنة الفجر فى المسجد وفى البيت، والله أعلم وقد أجاب من
لم ير مشروعية الاضطجاع عن حديث أبى هريرة هذا بأجوبة: أحدها أنه من رواية عبد الواحد بن زياد عن
الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وقد تكلم فيه بسبب ذلك يحيى بن سعيد القطان وأبو داود الطيالسى قال
يحيى بن سعيد ما رأيته يطلب حديثا بالبصرة ولا بالكوفة قط و كنت أجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة اذا
كره بحديث الأعمش لا يعرف منه حرفا. وقال الفلاس: سمعت أبا داود يقول عمد عبد الواحد الى أحاديث
كان يرسلها الأعمش فوصلها يقول حدثنا الأعمش حدثنا مجامد فى كذا وكذا وهذا من روايته عن الأعمش:
وقال عثمان بن سعيد الدارمى عن يحيى بن معين : أن عبد الواحد ليس بشىء. والجواب عن هذا الجواب أن
عبد الواحد بن زياد قد احتج به الأئمة الستة ووثقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو داود وابن القطان وابن سعد
وأبو حاتم والنسائى والعجلى والدارقطنى وابن حبان. وقد روى عن ابن معين ما يعارض قوله السابق فيه من طريق
من روى عنه التضعيف له، وهو عثمان بن سعيد المتقدم ، فروى عنه أنه قال ثقة. وقال العراقى: وما روى عنه
من أنه ليس بثقة ، فلعله اشتبه على ناقله بعبد الواحد بن زيد ، وكلاهما بصرى. وقال الحافظ فى مقدمة الفتح: قال
ابن معين أثبت أصحاب الأعمش شعبة وسفيان ثم أبو معاوية ثم عبد الواحد بن زياد، وعبد الواحد ثقة وأبو
عوانة أحب الى منه ، ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم وابن سعد والنسائى وأبو داود والعجلى والدار قطنى حتى قال
ابن عبد البر لاخلاف بينهم أنه ثقة ثبت ـ انتهى. وأما قول يحيى بن سعيد ما رأيته يطلب حديثا الخ، فقال
الحافظ هذا غير قادح، لأنه صاحب كتاب، وقد احتج به الجماعة. وأما قول الفلاس ففيه أن هذا الحديث
من روايته عن الأعمش عن أبى صالح لا عن مجاهد. الثانى أن الأعمش مدلس وقد رواه عن أبى صالح بالعنعنة
والجواب عنه أن عنعنة الأعمش عن أبى صالح محمولة على الاتصال. قال الذهبى فى الميزان: هو أى الأعمش
يدلس ، وربما دلس عن ضعيف ولا يدرى به، فمتى قال نا فلان فلا كلام ومتى قال عن تطرق اليه احتمال التدليس
الا فى شيوخ له أكثر عنهم كابراهيم وأبى وائل وأبى صالح السمان، فان روايته عن هذا الصنف محمولة على
الاتصال - انتهى. الثالث أن رواية أبى صالح عن أبى هريرة معلولة لم يسمعه أبو صالح عن أبى هريرة وبين
الأعمش وأبى صالح كلام، نسب هذا القول الى ابن العربى. وقال الأثرم: قلت لأحمد حديث الأعمش عن أبى صالح
عن أبى هريرة قال رواه بعضهم مرسلا. والجواب عنه أن عبد الواحد قد رواه موصولا، وهو ثقة ثبت قد
١٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤- كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
رواه الترمذى، وأبو داود .
ج ( الفصل الثالث ))
١٢١٤ - (٢٠) عن مسروق، قال: سألت عائشة: أى العمل كان أحب إلى رسول الله عَ بٍَّ؟
قالت: الدائم.
احتج به الأئمة السنة، وهو من أثبت أصحاب الأعمش، فيقبل وصله، لأنها زيادة ثقة ، ولا يضره ارسال من
أرسله. وأما دعوى عدم سماع أبى صالح من أبى هريرة ، فمردودة، لأنه ادعاء محض ، ويرده أيضا تصحيح
الترمذى لهذا الحديث، وهو من أئمة الشأن. وسكوت أبى داود ثم المنذرى، وقول النووى أسانيده صحيحة.
الرابع أنه أختلف فى حديث أبى هريرة هذا هل من أمر النبي مَّةٍ أو من فعله ؟ فقد روى الترمذى وأبو داود
وغيرهما من أمره. وروى ابن ماجه من فعله. وقد قال البيهقى: أن كونه من فعله أولى أن يكون محفوظا. وقال
ابن تيمية : حديث أبى هريرة ليس بصحيح، وانما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد
ابن زياد وغلط فيه - انتهى. والجواب عنه أن وروده من فعله معرفة لا ينافى كونه وروده من قوله فيكون عند
أبى هريرة حديثان حديث الآمربه، وحديث ثبوته من فعله، على أن الكل يفيد ثبوت أصل الشرعية فيرد القول بكراهته
وففى مشروعيته الخامس أن ابن عمر لما سمع أبا هريرة يروى حديث الأمر به قال أكثر أبو هريرة على نفسه.
والجواب عنه أن ابن عمر سئل هل تنكر شه ما يقول أبو هريرة؟ قال لا وأن أبا هريرة قال فما ذني إن كنت
حفظت ونسوا، وقد ثبت أن النبى مَّ دعا له بالحفظ هذا. وقد أفاض القول فى هذا المبحث العلامة العظيم آبادى
فى أعلام أهل العصر بأحكام ركعتى الفجر (ص ١٤ - ٢٠) فارجع اليه (رواه الترمذى) وصححه (وأبو داود)
وسكت عليه هو والمنذرى. وقال النووى فى شرح مسلم والشيخ زكريا الأنصارى فى فتح العلام : اسناده على شرط
الشيخين، وقال النووى فى رياض الصالحين (ص ٤٢٦) أسانيده صحيحة. وقال الشوكانى : رجاله رجال الصحيح.
وقد أفرط ابن تيمية فى الرد على ابن حزم حتى زعم أن حديث أبى هريرة هذا باطل، وليس بصحيح لتفرد عبد الواحد
ابن زياد به ، وفى حفظه مقال. قال الحافظ بعد ذكره: والحق أنه تقوم به الحجة - انتهى. قلت: قول ابن تيمية
هذا غلو منه وبعيد عن الصواب . والحق أن الحديث صحيح سندا ومتنا ، وعبد الواحد ثقة ثبت فلا يضر تفرده به ،
والله أعلم. والحديث أخرجه أيضا أحمد وابن حزم فى المحلى، وابن حبان، والبيهقى.
١٢١٤ - قوله (أى العمل) بالرفع. وفى رواية النسائى أى الأعمال (كان أحب) بالنصب (قالت الدائم)
بالرفع ، لأنه خبر مبتدأ محذوف، أى هو الدائم. وقيل: بالنصب. قال الطبى : أى العمل الذى يدوم عليه صاحبه
ويستقر عليه عامله، ومن ثم أدخل حرف التراخى فى قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا -
١٩٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
قلت: فأى حين كان يقوم من الليل؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ. متفق عليه.
١٢١٥ - (٢١) وعن أنس، قال: ما كنا نشاء أن نرى رسول اللّه ◌َف فى الليل مصليا إلا رأيناه،
ولا نشاء أن تراه نائما إلا رأيناه .
٤١: ٣٠) والمراد بالدوام الملازمة العرفية لا شمول الأزمنة، لأنه متعذر (فأى حين) بالنصب. وقيل: بالرفع
( كان يقوم) أى فيه (من الليل) أى من أحيانه وأوقاته ولم أجد هذا اللفظ أى قوله: من الليل فى الصحيحين.
وفى بعض النسخ البخارى (( فى، أى حين كان يقوم (قالت كان يقوم) أى فيصلى، ففى رواية: كان إذا سمع
الصارخ قام فصلى (إذا سمع الصارخ) أى الديك. قال النووى: هو المراد هنا باتفاق العلماء، وسمى بذلك لكثرة
صياخه. وفى سيرة الحافظ العراقى المنظومة: أنه كان عند النبى معَّم ديك أبيض. قال: كان عند النبي الديك
أبيض له. كذا المحب الطبرى نقله. قال الحافظ فى الفتح: وقع فى مسند الطيالسى فى هذا الحديث. الصارخ
الديك ، والصرخة الصيحة الشديدة ، وجرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالباً، قاله محمد بن ناصر .
قال ابن التين: وهو موافق لقول ابن عباس نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل. وقال ابن بطال: الصارخ
يصرخ عند ثلث الليل الأخير . والمراد بالدوام قيامه كل ليلة فى ذلك الوقت لا الدوام المطلق - انتهى. قلت :
لعل صراخ الديك فى الليل يختلف باختلاف البلاد ، وفى بلادنا يصيح فى الثلث الأخير ، بل فى السدس الأخير .
وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن زيد بن خالد الجهنى مرفوعا: لا تسبوا الديك فانه يوقظ للصلاة ،
وإسناده جيد. وفى لفظ: فانه يدعوا إلى الصلاة، وليس المراد أن يقول بصراخه حقيقة الصلاة ، بل العادة
جرت أنه يصرخ صرخات متنابعة عند طلوع الفجر، وعند الزوال فطرة فطره الله عليها، فيذكر الناس بصراخه
الصلاة ، قاله القسطلانى . وفى الحديث الحث على المداومة على العمل وإن قل. وفيه الاقتصاد فى العبادة وترك
التعمق، فيها لأن ذلك أنشط والقلب به أشد انشراحا (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى الرقاق إلا قوله ((من الليل )
فلم أجده عنده ولا عند مسلم. والظاهر أن المصنف نسب هذا اللفظ إلى الشيخين تبعا للجزرى. والحديث أخرجه
أيضاً أبو داود والنسائى والبيهقى (ج ٣ ص ٣ - ١٧).
١٢١٥ - قوله (ما كنا) ما نافية (نشاء أن نرى) أى نبصر (فى الليل) أى فى وقت من أجزاء الليل
(مصلياً) حال من المفعول (إلا رأيناه) أى مصليا (ولا نشاء أن نراه نائما) أى فى الليل (إلا رأيناه) أى نائما.
قال الطيبي: المعنى ما كنا أردنا أمراً منهما إلا وجدنا عليه يعنى أن أمره كان قصدا لا افراطاً ولا تفريطاً - انتهى.
يعنى ينام بالليل ويقوم، ولا يقوم الليل كله ولا ينام فيه كله هذا، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان مَ ◌ّه يقوم
١٩٥
٠ ١

---
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
رواه النسانى.
١٢١٦ - (٢٢) وعن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: إن رجلا من أصحاب النبي ◌َّم قال:
قلت وأنا فى سفر مع رسول اللّه مَّله: والله لأرقبن رسول اللّه وَضع الصلاة حتى أرى فعله، فلما
صلى صلاة العشاء، وهى العتمة، اضطجع هويا من الليل، ثم استيقظ فنظر فى الأفق، فقال:
تارة وينام أخرى يفعل ذلك المرات فى الليل ، فمنهم من يتفق رؤيته مصليا، ومنهم من يتفق رؤيته نائما ، قالوا
كان صلاته نصف الليل وتومه نصفه، كذا فى اللعات. وقال السندى فى حاشية النسائى: أى أن صلاته ونومه
ما كانا مخصوصين بوقت دون وقت ، بل كانا مختلفين فى الأوقات ، وكل وقت صلى فيه أحياناً نام فيه أحياناً ..
انتهى. يعنى أنه ما كان يعين بعض الليل للصلاة وبعضه للنوم، بل وقت صلاته فى بعض الليالى وقت نومه فى
بعض آخر وعكسه ، فكان لا يرتب لتهجده وقتا معينا بل بحسب ما تيسر له من القيام. قال الحافظ: يعنى أنس
أن حاله فى التطوع بالقيام كان يختلف فكان تارة يقوم من أول الليل وتارة فى وسطه وتارة من آخره ، فكان
من أراد أن يراه فى وقت من أوقات الليل قائما فراقبه المرة بعد المرة ، فلا بد أن يصادفه قام على وفق ما أراد
أن يراه، هذا معنى الخبر وليس المراد أنه كان يستوعب الليل قياماً - انتهى . ولا يشكل عليه قول عائشة كان
إذا صلى صلاة داوم عليها وقولها كان عمله ديمة ، لأن اختلاف وقت التهجد تارة فى أول الليل وأخرى فى آخره
لا ينافى مداومة العمل، كما أن صلاة الفرض تارة تكون فى أول الوقت وتارة فى آخره مع صدق المداومة عليه
ولا يشكل عليه أيضاً قول عائشة إذا سمع الصارخ قام فصلى فان عائشة تخبر عمالها عليه اطلاع، وذلك أن صلاة
الليل كانت تقع منه غالبا فى البيت، غير أنس محمول على ما وراء ذلك (رواه النسائي) وأخرجه البخارى مطولا
وسيأتى فى باب القصد فى العمل والبيهقى (ج ٣ ص ١٧).
١٢١٦ - قوله (عن حميد) بضم الحاء المهملة مصغراً (بن عبد الرحمن بن عوف) الزهرى المدنى، ثقة
من كبار التابعين، توفى سنة ٩٥ وهو ابن ٧٣ سنة. وقيل: مات سنة ١٠٥ (أن رجلا من أصحاب النبي مؤ ثّ)
الظاهر أنه هو زيد بن خالد الجهنى المتقدم فلا تضر جهالته، لأن الصحابة كلهم عدول ( قال ) أى الرجل
(قلت) فى نفسى أو لبعض أصحابي (وأنا فى سفر) من غزوة أو عمرة أو حجة (الأرقبن) أى لأنظرن وأحفظن
(رسول اللّه ◌َّة) أى وقت قيامه فى الليل (للصلاة) أى لأجلها (حتى أرى فعله) وأقتدى به. قال الطيبي: أى
لأرقبن وقت صلاته فى الليل فأنظر ماذا يفعل فيه، فاللام فى للصلاة ، كما فى قوله قدمت لحياتي (اضطجع) أى رقد
(هويا) بفتح الهاء وتشديد الياء التحتانية أى زماناً طويلا (فنظر فى الأفق) أى نواحى السماء (فقال) أى قرأ
١٩٦

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا) حتى بلغ إلى: ﴿إِنك لا تخلف الميعاد) ثم أهوى رسول اللّه مَّل إلى
فراشه، فاستل منه سواكا، ثم أفرغ فى قدح من إداوة عنده ماء، فاستن، ثم قام، فصلى، حتى
قلت: قد صلى قدر ما نام ثم اضطجع حتى قلت قد نام قدر ما صلى، ثم استيقظ، ففعل كما فعل
أول مرة، وقال مثل ما قال، ففعل رسول اللّه ◌َفي ثلاث مرات قبل الفجر. رواه النسائي.
١٢١٧ - (٢٣) وعن يعلى بن مملك، أنه سأل أم سلسة
(ربنا ما خلقت هذا) أى مرتيناً من السماء والأرض (باطلا) أى خلقا عبئا بل خلقته بالحق والحكمة. والظاهر
أنه عليه السلام قرأ ما قبله من قوله تعالى: ﴿إن فى خلق السماوات والأرض -٣: ١٩٠) إلى آخر السورة، كما
تقدم. وإنما سمع الراوى هذا المقدار (حتى بلغ إلى أنك لا تخلف الميعاد) أى البعث بعد الموت، كما صح
عن ابن عباس أن الميعاد البعث بعد الموت وعدم اخلاف الميعاد بإثابة المطيع وعقاب العاصى، وقيل: أى وعدك
للعباد فى يوم المعاد، ويحتمل أنه عليه السلام وقف على هذا المقدار تلك الليلة، ويحتمل أن السامع لم يسمع ما بعده
فيوافق ماسبق عن ابن عباس أنه قرأ إلى آخر السورة (ثم أهوى رسول اللّه مزيفة) أى مد يده أو قصد يده أومال
(إلى فراشه) بكسر الفاء (فاستدل منه) أى استخرج من تحت فراشه (سواكا) قال الطيبي: أى انتزع السواك
من الفراش برفق وتأن وتدريج (ثم أفرغ) أى صب (فى قدح) بفتحتين (من ادارة) أى مطهرة كائنة (عنده)
والاداوة بكسر الهمزة إناء صغير من جلد (ماء) مفعول صب. قال ابن حجر: أى ماء بل السواك منه، كما هو
السنة - انتهى. ويحتمل أنه صب الماء فيه تهيئة للوضوء (فاستن) بتشديد النون أى استعمل السواك فى الاسنان
وهو افتعال من الاسنان ، لأنه يمره عليها (ثم قام فصلى) أى بوضوء مجدد أو بوضوءه السابق (حتى قلت) أى
فى ظنى ( قد نام ) أى رقد أو استراح (ثم استيقظ) أى استنبه من النوم أو رفع جنبه عن الأرض أى فقام
(ففعل كما فعل أول مرة) أى من الاستياك والصلاة (وقال مثل ما قال) من قراءة الآيات. والواو المطلق الجمع
(ففعل رسول اللّه مَّة) أى ما ذكر من القول والفعل أو من النوم واليقظة (قبل الفجر) أى قبل طلوعه
(رواه النسائي) برجال ثقات إلا أن فى رواية يونس بن يزيد الأعلى عن الزهرى، وهما قليلا. وهذا الحديث من
رواية يونس عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف .
١٢١٧ - قوله (عن يعلى) بفتح الياء وسكون العين المهملة وفتح اللام (بن مملك) بفتح الميم الأولى
وسكون الثانية وفتح اللام بعدها كاف بوزن جعفر، ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال فى التقريب : مقبول
١٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣١ - باب صلاة الليل
زوج النبي ◌َّث عن قراءة التى سَب وصلاته؟ فقالت: ومالكم وصلاته؟ كان يصلى ثم ينام قدر
ما صلى، ثم يصلى قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح، ثم نمتت قراءته، فإذا هى تعت
قراءة مفسرة حرفا حرفا. رواه أبوداود، والترمذى، والنسائى.
(زوج النبي مَة) بدل أو عطف بيان (عن قراءة النبى مَّه) أى عن صفتها من الترتيل والمد والوقف وغير
ذلك (وصلاته) أى فى الليل (وما لكم وصلاته) بالنصب، فان الوأو بمعنى مع أى ما تصنعون بصلاته ، والحال
أنكم لا طاقة لكم أن تصلوا مثلها، ففيه نوع استغراب. وقال الطيبي: ((ومالكم، عطف على مقدر أى مالكم
وقراءته ومالكم وصلاته، والواو فى قوله ((وصلاته، بمعنى مع أى ما تصنعون مع قراءته وصلاته، ذكرتها
تحسراً وتلهفاً على ما تذكرت من أحوال رسول اللّه عليه لا أنها أنكرت السوال على السائل - انتهى. قال
القارى: أو معناه أى شىء يحصل لكم مع وصف قراءته وصلاته وأنتم لا تستطيعون أن تفعلوا مثله، ففيه نوع
تعجب، ونظيره قول عائشة: وأيكم يطيق ما كان رسول اللّه مَّ يطيق. ووقع فى رواية أحمد (ج ٦ ص ٢٩٤)
ما لكم واصلاته ولقراءته أى بحذف الواو فى الأول وزيادة اللام الجارة فى الصلاة (كان يصلى ثم ينام قدر ما صلى
ثم يصلى قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح) أى كان يستمر حاله هذا من القيام والنيام إلى أن يصبح. وفى
رواية للنسائى: قالت أى أم سلمة كان يصلى العتمة ثم يسبح ثم يصلى بعدها ماشاء الله من الليل ثم ينصرف فيرقد مثل
ما صلى ثم يستيقظ من نومه ذلك فيصلى مثل ما نام وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح (ثم نعتت قراءته) أى
وصفت قراءته تَّةَ (فاذا هى) أى أم سلمة (تنعت قراءة مفسرة) بفتح السين المشددة أو كسرها من الفسر وهو البيان
أى مدينة (حرفا حرفا) أى كان يقرأ بحيث يمكن عد حروف ما يقرأ، والمراد أن قراءته كانت مرتلة ومجودة وميزة
غير مخالطة، ونعتها لقراءته مَّم يحتمل وجهين: أحدهما أنها قالت كانت قراءته كذا وكذا. وثانيهما أنها قرأت
قراءة مرتلة ومبينة، وقالت كان النبى تَبَثُّ يقرأ مثل هذه القراءة، وحرفا حرفا حال أى حال كونها مفصولة
الحروف. قال أبو البقاء: نصبهما على الحال أى مرتلة نحو أدخلتهم رجلا رجلا أى مفردين .......
(رواه أبوداود) فى أواخر الصلاة (والترمذى) فى أواخر فضائل القرآن. وقال: حديث حسن صحيح غريب
لا نعرفه إلا من حديث الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة - انتهى. والليث بن سعد ثقة ثبت فقيه أمام
مشهور، أخرج عنه الجماعة فلا يضر تفرده به، وقد سكت عنه أبو داود ، ونقل المنذرى قصحيح الترمذى وأقره
(والنسائى) وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٦ ص ٢٩٤، ٣٠٠) والبيهقى (ج٣ ص ١٣).
١٩٨
١
١
إ

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٢ - باب ما يقول إذا قام من الليل
(٣٢) باب ما يقول إذا قام من الليل
833 (الفصل الأول )؟
١٢١٨ - (١) عن ابن عباس، قال: كان النبي ◌َّ إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم لك الحمد
أنت قيم السماوات والأرض
(باب ما يقول إذا قام من الليل) من الأدعية والأذكار .
١٢١٨ - قوله (كان النبي ◌َّ إذا قام من الليل يتهجد) أى يصلى صلاة الليل، وهو حال من فاعل
((قام )، وأصل التهجد ترك الهجود، وهو النوم. وقال ابن فارس: المتهجد المصلى ليلا ، ذكره القسطلانى. وقال
الحافظ: تفسير التهجد بالسهر معروف فى اللغة وهو من الأضداد يقال تهجد إذا سهر وتهجد إذا نام ، حكاه
الجوهرى وغيره ، ومنهم من فرق بينهما فقال: مجدت نمت وتهجدت سهرت، حكاه أبو عبيدة وصاحب العين ،
فعلى هذا أصل الهجود النوم، ومعنى تهجدت طرحت عنى النوم . وقال الطبرى: التهجد السهر بعد نومة ثم ساقه
عن جماعة من السلف. وقال ابن فارس: المتهجد المصلى ليلا، وقال كراع: التهجد صلاة الليل خاصة - انتهى.
وقال الفخر الرازى فى تفسيره: قال الأزهرى المعروف فى كلام العرب أن الهاجد هو النائم ثم أن فى الشرع
يقال لمن قام من النوم إلى الصلاة أنه متهجد، فوجب أن يحمل على أنه سمى متهجدا لا لقاءه الهجود عن نفسه،
كما قيل للعابد متحنث لا لقاءه الحنث عن نفسه وهو الإثم ، ويقال فلان رجل متحرج ومتأثم ومتحوب أى يلقى
الحرج والإثم والحوب عن نفسه - انتهى. (قال) فى موضع نصب خبر ((كان)) و((إذا)) المجرد الظرفية أى كان
عليه السلام عند قيامه من الليل متهجدا يقول. وقال الطيبي: الظاهر أن ((قال)) جواب ((إذا)). والشرطية
خبر كان - انتهى. وفى رواية مالك ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن كان يقول: إذا قام إلى الصلاة من جوف
الليل. قال الحافظ: ظاهر السياق أنه كان يقوله أول ما يقوم إلى الصلاة، وترجم عليه ابن خزيمة الدليل على
أن النبي ◌َّث كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر ثم ساقه من طريق قيس بن سعد عن طاؤس عن ابن عباس
قال: كان رسول اللّه ◌َع إذا قام للتهجد قال بعد ما يكبر اللهم لك الحمد - انتهى. قلت: ولأبى داود من هذا
الطريق أن رسول اللّه ◌َوثم كان فى التهجد يقول بعد ما يقول الله أكبر (اللهم لك الحمد) تقديم الخبر للدلالة على
التخصيص (أنت قيم السماوات والأرض) أى القائم بأمره وتدبيره السماوات والأرض وغيرها. وفى رواية:
قيام وفى أخرى قيوم ، وهى من أبنية المبالغة، وهى من صفات الله تعالى، ومعناها واحد. وقيل: القيم معناه
القائم بأمور الخلق ومدير العالم فى جميع أحواله والقيام القائم بنفسه بتدبير خلقه المقيم لغيره، والقيوم من أسماء الله
١٩٩
---- .... -

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٢ - باب ما يقول إذا قام من الليل
ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات
والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق،
تعالى المعدودة ، وهو القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره وهو مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شیء
ولا دوام وجوده إلابه، وأصل هذه الألفاظ من الواو قَيْومِ وَقَيُوام وَقَيْدُووم بوزن فَيْعِل فيعال فيعول،
وكأنه قيل: لم خصصتنى بالحمد ؟ فقال لأنك أنت الذى تقوم بحفظ المخلوقات وتراعيها وتؤتى كل شىء ما به
قوامه وما به ينتفع إلى غير ذلك. وتكرير الحمد المخصص للاهتمام بشأنه وليناط به كل مرة معنى آخر (ومن)
غلب فيه العقلاء (فيهن) أى فى السماوات والأرض (أنت نور السماوات والأرض) أى منورهما وخالق نورهما
يعنى أن كل شىء استنار منهما وأضاء فبقدرتك وجودك والاجرام النيرة بدائع فطرتك والعقول والحواس
خلقك وعطيتك . قيل: وسمى بالنور لما اختص به من اشراق الجمال وسبحات العظمة والجلال التى تضمحل
الأنوار دونها ولما هيأ للعالم من النور !يهتدوا به فى عالم الخلق ، فهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق لغيره فيه
بل هو المستحق له المدعو به. وقيل: المعنى متزه فى السماوات والأرض من كل عيب ومبرأ من كل ربية ، يقال
فلان منور أى مبرأ من العيب. وقيل: هو اسم مدح، يقال فلان نور البلد أى مزينه . قال فى العات: وعند أهل
التحقيق هو محمول على ظاهره، والنور عندهم الظاهر بنفسه المظهر لغيره (أنت ملك السماوات والأرض) بكسر
اللام أى المتصرف فيهما تصرفا كليا ملكيا وملكيا ظاهريا وباطنيا لا نزاع فى ملكه ولا شريك له فى ملكه. وفى
رواية: أنت رب السماوات والأرض (ومن فيهن) عبر بمن تغليباً للعقلاء لشرفهم وإلا فهو رب كل شىء ومليكه
(أنت الحق) أى المتحقق الوجود الثابت بلاشك فيه. قال القرطبى: هذا الوصف له سبحانه وتعالى، الحقيقة خاص به
لا ينبغى لغيره إذ وجوده بذاته لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم ومن عداه من يقال فيه ذلك فهو بخلافه. وقيل: يحتمل
أن يكون معناه أنت الحق بالنسبة إلى من يدعى فيه أنه إله أو بمعنى أن من سماك إلهاً فقد قال الحق (ووعدك الحق)
أى صادق لا يمكن التخلف فيه، والظاهر أن تعريف الخبر فيه، وفى قوله أنت الحق ليس للقصر وإنما هو لإ فادة
أن الحكم به ظاهر مسلم لا منازع فيه، كما قال علماء المعانى فى قوله ووالدك العبد، وذلك لأن مرجع هذا
الكلام إلى أنه تعالى موجود صادق الوعد، وهذا أمر يقوله المؤمن والكافر. قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق
السماوات والأرض ليقولن الله - ٣١: ٢٥) ولم يعرف فى ذلك منازع يعتد به، وكأنه لهذا عدل إلى التفكير فى
البقية حيث وجد المنازع فيها بقى أن المناسب لذلك أن يقال وقولك الحق، كما فى رواية مسلم، فكان التنكير
فى رواية البخارى الشاكلة، قاله السندى . وقال الطيبي: عرف الخبر فيهما ونكر فى البواقى، لأنه لا منكر خلفا
وسلفا أن الله هو الثابت الدائم الباقى وما سواء فى معرض الزوال. قال لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل.
وكذا وعده مختص بالانجاز دون وعد غيره، إما قصدا وإما عجزا تعالى اللّه عنهما، والتنكير فى البواقى التفخيم-
٢٠٠