Indexed OCR Text

Pages 81-100

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
بين ثديى، ثم قال: تحول ، فوضعها فى ظهرى بين كتفى، ثم قال: أم قومك فمن أم قوما فليخفف،
فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة. فإذا صلى أحدكم
وحده فليصل كيف شاء .
١١٤١ - (٧) وعن ابن عمر، قال: كان النبى معَّ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات. رواه النساقى.
(٢٨) باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
الفصل الأول
١١٤٢ - (١) عن البراء بن عازب، قال كنا نصلى خلف النبى معَثه، فإذا قال: سمع الله لمن
حمده، لم يحن
بتشديد اللام (بين ثديى) بتشديد الياء على التثنية، وكذا قوله كتفى (تحول) أى انقلب (فوضعها) أى كفه
(فإن فيهم الير) فى السن (وإن فيهم الضعيف) كالصبيان والنسوان أو ضعيفى الأبدان وإن لم يكن مريضا أو
كبيرا (وإن فيهم ذا الحاجة) أى المستعجلة. وفى تكرير(( إن)) إشارة إلى صلاحية كل العلة. وهذه الرواية
أخرجها أحمد ( ج ٤ ص ٢١٦، ٢١٨) وابن ماجه بنحوها من غير ذكر قصة وضع اليد على الصدر والظهر ،
وأخرجها البيهقى (ج ٣ ص ١١٨) مع القصة، وأخرجها أبوداود والنسائى وأحمد ايضا (ج ٤ ص ٢١٧) بافظ
قال: قلت يا رسول الله! اجعلنى إمام قومى، فقال أنت إمامهم. واقتد بأضعفهم.
١١٤١ - قوله (بأمرنا بالتخفيف) أى بتخفيف الصلاة اذا كنا إماما والمراد التخفيف فى القراءة
على ما ذكر وعين منها فى الأحاديث (ويؤمنا بالصافات) لرغبة المقتدين به فى سماع قراءته وقوتهم على التطويل
بحيث يكون هذا بالنظر اليهم تخفيفا، فرجع الأمر الى أنه ينبغى له أن يراعى حالهم قاله السندى . وقال الطيبي :
قبل بينهما أى بين أمره بالتخفيف وبين إمامته لهم بالصافات تناف، وأجيب بأنه إنما يلزم إذا لم يكن لرسول الله
وَّ فضيلة يختص بها، وهو أن يقرأ الآيات الكثيرة فى الأزمنة اليسيرة - انتهى. وقيل يحمل على أنه فعل ذلك
أحيانا لبيان الجواز، وإليه أشار النسائى حيث بوب على هذا الحديث باب الرخصة للامام فى التطويل بعد باب ما
على الامام من التخفيف (رواه النسائي) وكذا البيهقى (ج ٣ ص ١١٨).
(باب ما على المأموم من المتابعة) للامام (وحكم المسبوق) بالجر عطف على ما .
١١٤٢ - قوله (لم يحن) بفتح التحتانية وسكون المهملة وضم النون وكسرها، يقال حنا يَحْنُو وَحتَّى
٨١
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
أحد منا ظهره حتى يضع النبى وزي جبهته على الأرض. متفق عليه.
١١٤٣ - (٢) وعن أنس، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فلما قضى صلوته
أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس! إنى إمامكم فلا تسبقونى بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام،
ولا بالانصراف،
يحنى معا من بابى دعا ورمى، أى لم يقوس من حنيت العود وحنوته ، أى عطفته وثنيته (أحد منا ظهره) أى لم يثنه
من القومة قاصداً للسجود (حتى يضع النبى رد ◌ّم جبهته على الأرض) وفى رواية للبخاري: حتى يقع النبي ملكه
ساجداً ثم نقع جوداً بعده أى بحيث يتأخر ابتداء فعلهم عن ابتداء فعل النبى معَّةٍ، ويتقدم ابتداء فعلهم قبل
فراغه من السجود، إذ أنه لا يجوز التقدم على الامام، ولا التخلف عنه. ولا دلالة فيه على أن المأموم لا يشرع
فى الركن حتى يتمه الامام خلافا لابن الجوزى. ووقع فى حديث عمرو بن حريث عند مسلم: وكان لا يحنى رجل
منا ظهره حتى يستتم ساجدا، ولأبي يعلى من حديث أنس: حتى يتمكن النبى معَ ◌ّم من السجود. قال العينى: معنى هذا
كله ظاهر فى أن المأموم يشرع فى الركن بعد شروع الامام فيه وقبل فراغه منه. وقال الحافظ بعد ذكر هذين
الحديثين: وهذا أوضح فى انتفاء المقارنة - انتهى. قال ابن دقيق العيد: حديث البراء يدل على تأخر الصحابة فى
الافتدا عن فعل رسول اللّه ◌َاللّه حتى يتلبس بالركز الذى ينتقل اليه لا حين يشرع فى الهوى اليه. ولفظ الحديث
الآخر يدل على ذلك أعنى قوله فاذا ركع فاركعوا، واذا سجد فاسجدوا فانه يقتضى تقدم ما يسمى ركوعا وسجودا -
انتهى. قلت: أحاديث البرا" وعمرو بن حريث وأنس وما فى معناها كلها دليل على أنه يجب على المأموم متابعة
الامام فى أفعاله، وأن السنة أن يتخلف المأموم فى الانتقالات عن الامام أى لا يقارن الامام فى الهوى إلى الركن
بل يتأخر عن الشروع فى الهوى حتى يشرع الامام فى الركن الذى انتقل اليه، واليه ذهب الشافعى ، وهو الحق .
وحمل الحفية هذه الأحاديث على أنه أمرهم بذلك حين بدن نخشى أن يتقدموا عليه. وفيه أن هذا الحمل محتاج
إلى دليل. والحديث فيه دليل على جواز النظر إلى الامام لأجل اتباعه فى انتقالاته فى الأركان (متفق عليه)
واللفظ للبخارى فى باب السجود على سبعة أعظم. والحديث أخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبوداود والنسائى
البيهقى (ج ٢ ص ٩٢).
١١٤٣ - قوله (فلما قضى صلاته) أى أداها وفرغ منها (إنى إمامكم) يعنى وسمى الامام إماماً
وتم به ويقتدى به على وجه المتابعة (فلا تسبقونى بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف) أى
لتسليم. وحاصله أن المتابعة واجبة فى الأحوال المذكورة . واستدل به بعضهم على جواز المقارنة. ورد بأنه دل
طوقه على منع المسابقة وبمفهومه على طلب المتابعة. وأما المقارنة فمسكوت. قال النووي: المراد بالانصراف السلام -
٨٢
١

مرعاة المفاتيح ج٤
٤- كتاب الصلاة
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
فإنى أراكم أمامى ومن خلفى. رواه مسلم .
١١٤٤ - (٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّله: لا تبادروا الامام: إذا كبر فكبروا،
وإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده،
فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد. متفق عليه ،
انتهى. ويحتمل أن يكون المراد النهى عن الانصراف من مكان الصلاة قبل الامام لفائدة أن يدرك المؤتم الدعاء
أو لاحتمال أن يكون الامام قد حصل له فى صلاته سهو، فيذكر وهو فى المسجد ويعود له ، كما فى قصة ذى الدين
أو لكى تنصرف النساء إلى بيوتهن قبل الرجال ، كما قيل فى بيان علة النهى فى حديث أنس المتقدم فى باب الدعاء فى
التشهد بلفظ: أن النبي ◌َّم حضهم على الصلاة، ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة. قال الطبى فى شرح
حديث الباب: يحتمل أن يراد بالانصراف الفراغ من الصلاة، وأن يراد الخروج من المسجد . قال القارى:
الاحتمال الثانى فى غاية السقوط لعدم المناسبة بالسابق واللاحق، وأيضاً لم يعرف النهى عن الخروج من المسجد قبل
خروجه عليه السلام - انتهى . قلت: الاحتمال الثانى يؤيده حديث أنس الذى ذكرناه آنفاً، ويؤيده أيضاً حديث
أم سلبة السابق فى باب الدعاء فى التشهد بلفظ: أن النساء فى عهد رسول اللّه مفع كن إذا سلمن من المكتوبة قمن،
وثبت رسول اللّه مَّمه ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول اللّه رَبّ قام الرجال (أمامى) بفتح
الهمزة أى قدامى أى خارج الصلاة (ومن خلفى) أى داخلها بالمشاهدة على طريق خرق العادة. والمعنى كما أراكم
من أمامى أراكم من خلفى (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقى (ج ٢ ص ٩١ - ٩٢).
١١٤٤ - قوله (لا تبادروا الامام) أى لا تسبقوه بالتكبير والركوع والسجود والرفع منهما والقيام
والسلام (إذا كبر فكبروا) أى للاحرام أو مطلقاً فيشمل تكبير النقل. زاد أبو داود: ولا تكبروا حتى يكبر (وإذا قال
ولا الضالين) أى فقال آمين (فقولوا آمين) أى مقارنا لتأمين الامام لما تقدم أنه ليسن مقارنة تأمينه لتأمين إمامه
(وإذا ركع) أى أخذ فى الركوع (فاركعوا) زاد أبو داود: ولا تركعوا حتى يركع (أى حتى يأخذ فى الركوع
لا حتى يفرغ منه، كما يتبادر من اللفظ) و إذا سجد (أى أخذ فى السجود) فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد. قال
الحافظ : هى زيادة حسنة تنفى احتمال إرادة المقارنة من قوله: إذا كبر فكبروا. وقال العينى والحافظ أيضاً:
رواية أبى داود هذه صريحة فى انتفاء التقدم والمقارنة (وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنالك الحمد)
استدل به من قال: إن وظيفة الإمام التسميع، ووظيفة المأموم التحميد، لأن ظاهره التوزيع والتقسيم وهو يناقى
الشركة، وقد تقدم الكلام عليه فى باب الركوع (متفق عليه) أى على أصل الحديث. والا فاللفظ المذكور لمسهم
٨٣

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
إلا أن البخارى لم يذكر: وإذا قال: ولا الضآلين.
١١٤٥ (٤) وعن أنس: أن رسول اللّه تَّ وكب فرسا، فصرع عنه، جحش شقه الأيمن، فصلى
صلوة من الصلوات
دون البخارى. وللحديث طرق وألفاظ عند البخارى ومسلم: منها ما أخرجه البخارى فى باب إقامة الصف من
تمام الصلاة بلفظ إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن
حمده فقولوا ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا. وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون. وأقيموا الصف فى
الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة، وهو عند مسلم أيضاً إلا أنه لم يذكر قوله: وأقيموا الصف الخ وزاد:
. فإذا كبر فكروا. واستدل بقوله: ولا تختلفوا عليه، لأبى حنفية وموافقيه على منع صلاة المفترض خلف
المنتفل ، لأن اختلاف النيات داخل تحت هذا القول لمومه وإطلاقه. وأجيب عنه بأنه محمول على الاختلاف
فى الأفعال الظاهرة فقط دون الباطنة، وهى ما لا يطلع المأموم عليه كالنية لأنه ورفع قد بين وجوه الاختلاف
وفصلها بقوله: فإذا كبر فكبروا الخ. ويلحق ما لم يذكر بما ذكر قياساً عليه. ومنها ما أخرجه البخارى أيضاً
فى باب إيجاب التكبير بلفظ: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فاذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا. وإذا قال سمع
الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالساً فصلوا جلوسا أجمعون. والحديث
أخرجه أيضا أحمد وأبوداود والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٢ ص ٩٢) (إلا أن البخارى لم يذكر وإذا قال
ولا الضالين) يعنى مع قوله: فقولوا آمين . وفيه أنه ليس فى طريق من طرقه عند البخارى قوله لا تبادروا الامام
كما عرفت فهذا اللفظ أيضاً من إفراد مسلم .
١١٤٥ - قوله (ركب فرسا) أى بالمدينة، كما فى حديث جابر عند أبى داود (فصرع عنه) بضم الصاد
وكسر الراء المهملة أى أسقط عن الفرس. قال فى القاموس: الصرع ويكسر الطرح على الأرض كالمصرع،
وقد صرعه كمنعه (فحش) بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مكسورة أى خدش، وهو قشر جلد العضو. وقيل:
الجحش فوق الخدش (شقه) بكسر الشين المعجمة أى جانبه (الأيمن) وفى رواية عبد الرزاق: ساقه الأيمن،
وليست مصحفة كما زعم بعضهم لما يوافقها رواية البخارى فى باب الصلوة فى السطوح، والخشب بلفظ نجحشت
ساقه أو كتفه، فيقال رواية الساق مفسرة لحل الخدش من الشق الأيمن ، لأن الخدش لم يستوعبه، ولا ينافى
ذلك ما وقع في حديث جابر عند أبى داود فصرعه على جزم نخلة فانفكت قدمه، لاحتمال وقوع الأمرين. قال
الحافظ : وأفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت فى ذى الحجة سنة خمس من الهجرة (فصلى) أى فى مشربة لعائشة
كما فى حديث جابر (صلوة من الصلوات) أى المكتوبات . قال القارى: وهو ظاهر العبارة. وقيل: من
٨٤

مرعاة المفاتيح ج ٤
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
٤ - كتاب الصلاة
وهو قاعد، فصلينا وراء قعودا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به،
النوافل . وفى رواية: حضرت الصلوة. قال القرطبى: اللام للعهد ظاهرا، والمراد الفرض، لأنها التى عرف من
عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة. وحكى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلا . وتعقب بأن فى رواية
جابر عند أبى داود الجزم بأنها فرض. قال الحافظ: لكن لم أقف على تعيينها إلا أن فى حديث أنس فصلى بنا
يومئذ فكأنها نهارية الظهر أو العصر (وهو قاعد) جملة حالية. قال عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رض
فى الأعضاء منعه من القيام. ورد هذا بأنه ليس كذلك، وإنما كانت قدمه مَطّع انفكت، كما ذكرنا من حديث
جابر، وكذا وقع فى رواية أنس عند أحمد والاسماعيلى (فصاينا وراءه قعودا) كذا فى هذه الرواية: إنهم صلوا.
خلفه قاعدين، وهى رواية مالك عن الزهرى عن أنس. وظامرما يخالف ما روى البخارى وغيره من حديث
عائشة بلفظ : فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما، فأشار اليهم أن اجلسوا. والجمع بينهما أن فى رواية أنس
هذه اختصارا، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. ووقع فى رواية حميد عن أنس
عند البخارى فى باب الصلوة فى السطوح بلفظ: فصلى بهم جالساً وهم قيام ، فلما سلم قال إنما جعل الامام الخ.
وفيها أيضاً اختصار، لأنه لم يذكر قوله: لهم أجلسوا. والجمع بينهما أنهم ابتدؤا الصلاة قياماً، فأوماً اليهم
بأن يقعدوا فقعدوا ، فنقل كل من الزهرى وحميد أحد الأمرين وجمعتهما عائشة، وكذا جمعهما جابر عند مسلم .
وجمع القرطبي بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال، وهو الذى حكاه أنس ، وبعضهم قام
حتى أشار إليه بالجلوس، وهذا الذى حكته عائشة. وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه مؤ لأنه يستلزم
النسخ بالاجتهاد، لأن فرض القادر فى الأصل القيام. وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة. وفيه
بعد، لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقة لزم منه ما ذكرنا من النسخ بالاجتهاد وإن كانت متأخرة
لم يحتج إلى إعادة قول إنما جعل الإمام ليؤتم به الخ، لأنهم قد امتثلوا أمره السابق وصلوا قعودا لكونه قاعدا ،
كذا فى الفتح (فلما انصرف) أى عن الصلوة (إنما جعل) بصيغة المجهول (الا مام) يحتمل أن يكون جعل بمعني
سمى فيتعدى إلى مفعولين أحدهما الامام القائم مقام الفاعل، والثانى محذوف أى إنما جعل الامام إماماً،
ويحتمل أن يكون بمعنى صار، أى إنما صير الامام إماماً. وقيل: جعل بمعنى أصب واتخذ فلا حاجة إلى التقدير
وكلمة ((إنما) تفيد جعل الامام مقصورا على الانصاف بكونه مؤتما به لا يتجاوزه المؤتم إلى مخالفته (ليؤتم به)
أى ليقتدى به بالوجه المشروع. وقوله: فإذا صلى قائماً الخ بيان لذلك والاتتمام الاقتداء والاتباع، أى جعل
الامام إماماً يقتدى به ويتبع ، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه فى موقفه بل
يراقب أحواله، ويأتى على أثرها بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه فى شىء من الأحوال التى فصلها الحديث
٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
٤ - كتاب الصلاة
فإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده
فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون.
ولا فى غيرها قياساً، لكن ذلك مخصوص بالأفعال الظاهرة ولا يشمل الباطنة، وهى مالا يطلع عليه المأموم
كالنية لما سيأتى. وبالجملة الاتمام يقتضى متابعة المأموم لإ مامه فى أحوال الصلاة، فتنتفى المقارنة والمسابقة
والمخالفة . قال النووى: متابعة الامام واجبة فى الأفعال الظاهرة. وقد نبه عليها فى الحديث فذكر الركوع
وغيره بخلاف النية ، فإنها لم تذكر، وقد خرجت بدليل آخر ، وكأنه يعنى قصة معاذ المقدمة فى باب
القراءة وستأتى أيضاً فى باب من صلى صلوة مرتين. ويمكن أن يستدل بهذا الحديث على عدم دخولها، لأنه
يقتضى الحصر فى الاقتداء به فى أفعاله لا فى جميع أحواله كما لو كان محدثاً أو حامل نجاسة فإن الصلوة خلفه تصح
لمن لم يعلم حاله على الصحيح عند العلماء. ثم مع وجوب المتابعة ليس شىء منها شرطاً فى صحة القدوة إلا تكبيرة
الإحرام. وأختلف فى السلام، والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الاحرام والقيام من التشهد الأول،
وخالف الحنفية فقالوا: تكفى المقارنة، قالوا لأن معنى الاتمام الامتثال ومن فعل مثل فعل إمامه عد مثلا سواء
أوقعه معه أو بعده، وسيأتى حديث أبى هريرة الدال على تحريم التقدم على الامام فى الأركان (فإذا صلى قائماً
فصلوا قياماً) مصدر أى ذوى قيام أو جمع أى قائمين ونصبه على الحالية (وإذا ركع فاركموا) وفى رواية
البخارى: فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا فالتكبيرهنا مقدر مراد (وإذا رفع) أى رأسه (فارفعوا) وفى
رواية للبخارى: وإذا رفع فارضعوا وإذا سجد فاسجدوا. وهو يتناول الرفع من الركوع والرفع من السجود
وجميع السجدات (ربنا لك الحمد) كذا فى جميع النسخ: ((لك الحمد)) بغير الواو. ووقع فى البخارى بإثباتها.
قال الحافظ : كذا لجميع الرواة فى حديث أنس باثبات الواو إلا فى رواية الليث عن الزهرى فى باب إيجاب
التكبير ، فللكشمهنى بحذف الواو، ورجح إثبات الواو بأن فيها معنى زائدا لكونها عاطفة على محذوف ، وقد
تقدم الكلام فى معناه (فإذا صلى) أى الامام (جالساً) أى بعذر (فصلوا جلوسا) جمع جالس وهو حال بمعنى
جالسين (أجمعون) بالرفع على أنه تأكيد لضمير الفاعل فى قوله ((صلوا)) أو الضمير المستكن فى الحال وهو
جلوسا . قال الحافظ: كذا فى جميع الطرق فى الصحیحین بالواو . وقال القسطلانى: ولابوی ذر والوقت أجمعين
بالنصب على الحال أى من ضمير الفاعل فى قوله ((صلوا)) أو من ضمير ((جلوساً)) أى صلوا جالسين مجتمعين،
وليس منصوبا على أنه تأكيد لجلوسا ، لأنه نكرة فلا يؤكد. وقيل: هو منصوب على التأكيد، لكن تأكيد لضمير
منصوب مقدر كأنه قال: أعينكم أجمعين. ولا يخفى ما فيه من البعد. والحديث فيه فوائد: منها: وجوب
متابعة الامام فيكبر للاحرام بعد فراغ الامام منه، فان شرع فيه قبل فراغه لم تتعقد، لأن الامام لا يدخل فى
٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٤
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
٤ - كتاب الصلاة
الصلاة إلا بالفراغ من التكبير ، فالاقتداء به فى أثناء. اقتداء بمن ليس فى صلاة بخلاف الركوع والسجود ونحوهما
فيركع بعد شروع الامام فى الركوع، فان قارنه أو سبقه فقد أساء ولا تبطل ، وكذا فى السجود، ويسلم بعد
سلامه ، فان سلم قبله بطلت إلا أن ينوى المفارقة أو معه فلا تبطل ، لأنه تحلل فلا حاجة فيه التابعة بخلاف السبق،
فإنه مناف للاقتداء قاله القسطلانى. ومنها: مشروعية ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها والتأسى لمن يحصل له
سقوط، ونحوه بما اتفق للنبي ومؤثّم فى هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة. ومنها: أنه يجوز عليه مَيضع ما يجوز على
البشر من الاسقام ونحوها من غير نقص فى مقداره بذلك بل ليزداد قدره رفعة ومنصبه جلالة . ومنها : استحباب
العيادة عند حصول الخدشة ونحوها. ومنها: جواز الصلوة جالساً عند العجز. ومنها : أنه يجب متابعة الامام
فى القعود وأنه يقعد المأموم مع قدرته على القيام، واختلف الأئمة فيه: فذهب إلى ظاهر الحديث اسحاق
والأوزاعى وداود وبقية أهل الظاهر ، قالوا: يجب القعود خلف الامام القاعد ولو كان القوم أصحاء . قال ابن
حزم فى المحلى (ج٣ ص ٦٩): وبهذا نأخذ إلا فيمن يصلى إلى جنب الامام يذكر الناس ويعلمهم تكبير الامام،
فإنه مخير بين أن يصلى قاعدا وبين أن يصلى قائماً، وذهب أحمد إلى التفصيل، فقال: إذا ابتدأ إمام الحى
الراتب الصلاة قاعدا لمرض يرجى برده حينئذ يصلون وراءه جلوسا ندبا ولو كانوا قادرين على القيام وتصح
الصلوة خلفه قياما، فالحديث عنده محمول على القعود الأصلى الغير الطارئى، ومقيد بإمام الحى الراتب المرجو
زوال مرضه، والأمر بالجلوس فيه الندب، قال: وإذا ابتدأ الإمام الراتب قائما لزم المأمومين أن يصلوا
خلفه فيإما سواء طرأ ما يقتضى صلوة إمامهم قاعدا أم لا، كما فى الأحاديث التى فى مرض موته، فإنه مؤلفة
لم يأمرهم بالقعود، لأنه ابتدأ إمامهم، وهو أبو بكر، صلوته قائما ثم أمهم ◌َّ فى بقية الصلوة قاعدا بخلاف صلوته
مرّ بهم فى مرضه الأول المذكور فى حديث أنس، فإنه ابتدأ صلاته قاعدا فأمرهم بالقعود. وذهب الشافعى
وأبو حنيفة وأبو يوسف الى أنه لا يجوز للقادر على القيام أن يصلى خلف القاعد الا قائما ، وهى رواية عن مالك
فيما رواها الوليد بن مسلم عنه، قالوا: الأمر بالقعود خلف الامام القاعد للعذر منسوخ، وناسخه صلوة التى تَّ
بالناس فى مرض موته قاعدا وهم قيام ، وأبو بكر قائم. مككذا قرره الشافعى ، ونقله البخارى عن شيخه
الحميدى، وهو تلميذ الشافعى، وسيأتى الجواب عن ادعاء النسخ. وذهب مالك فى الرواية المشهورة عنه إلى أنه
لا يجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائما ولا قاعدا، وبه قال محمد فيا حكاه الطحاوى عنه قالت
المالكية، أمامة الجالس المعذور بمثله وبالقائم خاص بالنى مَبيثة، لأنه ◌َّ لا يصح التقدم بين يديه فى الصلوة
ولا لعذر ولا لغيره ورد بصلوته مَّم خلف عبد الرحمن بن عوف وخلف أبى بكر ثم لو سلم أنه لا يجوز أن
يؤمه أحد لم يدل ذلك على منع إمامة القاعد وقد أم قاعداً جماعة من الصحابة بعده مثل منهم أسيد بن حضير
٨٧
3

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة ٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
قال الحميدى: قوله: إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا، هو فى مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك
التى
وجاير وقيس بن فهد وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحة. أخرجها عبد الرزاق وسعيد بن منصور
وابن أبى شيبة وغيرهم ، بل أدعى ابن حبان وابن حزم اجماع الصحابة على صحة أمامة القاعد. وقال أبو بكر
ابن العربى: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبى مؤثّم يخلص عند السبك واتباع السنة أولى والتخصيص
لا يثبت بالاحتمال. قال: إلا أنى سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال التى عمَّه
والنبرك به وعدم العوض عنه يقتضى الصلوة معه على أى حال كان عليها وليس ذلك لغيره وأيضا فنقص صلاة القاعد
عن القائم لا يتصور فى حقه فلا نقص فى صلوته عن القائم والجواب عن الأول رده بعموم قوله مؤفهم صلوا
كما رأيتمونى أصلى، وعن الثانى بأن النقص أنما هو فى حق القادر فى النافلة، وأما المعذور فى العريضة ملا نقص فى
صلوته عن القائم وقال ابن دقيق العيد: وقد عرف أن الأصل عدم التخصيص حتى يدل عليه دليل - أنتهى .
على أنه يقدح فى التخصيص ما تقدم من امامة جماعة من الصحابة قاعدين بعده
واستدل بعضهم على دعوى التخصيص بما روى الدار قطنى (ص ١٥٣) والبيهقى (ج ٣ ص ٨٠) عن الشعبي
مرفوعا لا يؤمن أحد بعدى جالسا وأجيب عن ذلك بأن الحديث باطل، لأنه من
رواية جابر الجعفى عن الشعبى مرسلا وجابر متروك، وروى أيضا من رواية مجالد عن الشعبى
ومجالد ضعفه الجمهور وحكى عياض عن بعض مشاتخهم: أن إمامة القاعد
منسوخة جملة بحديث الشعبى المذکور وتعقب بأن ذلك يحتاج لو صح الى تاريخ وهو لا یصحے کما قدمنا
(قال الحميدى) بضم الحاء المهملة وفتح الميم هو شيخ البخارى وتلميذ الشافعى، واسمه عبد الله بن الزبير بن عيسى
ابن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد الفرشى الأسدى المكى أبوبكر، ثقة فقيه حافظ أجل أصحاب ابن
عيينة. قال الحاكم: كان البخارى اذا وجد الحديث عند الجميدى لا يعدوه الى غيره من الثقة به . وفى الزهرة: روى
عنه البخارى خمسة وسبعين حديثا، وهو من افراد البخارى، مات بمكة سنة تسع عشرة ومائتين . وقيل: بعدها
وليس هو الحميدى الذى جمع بين الصحيحين (هو فى مرضه القديم) يعنى مرضه الذى كان بسبب سقوطه عن
الفرس. وقال القارى: أى حين -آلى من نساءه - انتهى. وفيه أن قصة الايلاء كانت سنة تسع على ما هو المشهور
و واقعة سقوطه عن الفرس المذكورة فى حديث أنس وعائشة وجابر كانت سنة خمس على ما أفاد ابن حبان
وجزم به العينى والقسطلانى وصاحب تأريخ الخميس (ثم صلى بعد ذلك) أى فى مرض موته (التي ځ) حال
٨٨
١

مرعاة المفاتيح ج٤
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
٤ - كتاب الصلاة
جالسا والناس خلفه قيام لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبى
كونه (جالسا والناس خلفه قيام لم يأمرهم بالقعود وانما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي مؤثر) يعنى أن الذى
يجب به العمل هو ما استقر عليه آخر الأمر من النبى تَثية، ولما كان آخر الأمرين منه مَّم صلوته قاعدا والناس
وراءه قيام دل على أن ما كان قبله من ذلك مرفوع الحكم ومنسوخ هذا هو الجواب المشهور عن حديث أنس وما
فى معناه من اختار وجوب القيام خلف الامام القاعد ، والبه يظهر ميل البخارى حيث ذكر قول شيخه الحميدى
هذا بعد اخراج الحديث ولم يتعقبه. وقال فى كتاب المرضى بعد اخراج حديث عائشة فى قصة السقوط عن
الفرمن قال الحميدى: هذا الحديث منسوخ. قال أبو عبد الله (هو البخارى نفسه) لأن النبي ◌َفي آخر ما صلى
صلى قاعدا والناس خلله قيام -انتهى. قلت: فى هذا الجواب نظر من وجوه: منها: أن حديث أنس وما فى معناه
قانون كلى وتشريع عام للأمة وما صدر منه مَّثه فى مرض موته واقعة جزئية غير منكشفة الحال وحكاية حال
مختمله لحامل فلا يدرى أنه كان لنسخ الأمر بالقعود خلف الامام القاعد أو كان لبيان أن الأمر المذكور ليس
الوجوب بل الندب ، أو كان ذلك، لأن امامهم كان قد ابتدأ الصلوة قائما فأقرهم على القيام اظهارا للفرق بين
القعود الأصلى والقعود الطارئى وبين المرض المرجو الزوال وغير المرجو الزوال ، وادعاء النسخ بمثل هذه
الواقعة الجزئية لا يخلو عن خفاء بل هو مشكل. قال صاحب فيض البارى: القول بالنسخ لا يعلق بالقلب، لأن
الحديث مشتمل على أجزاء كثيرة من تشريع عام وضابطة كلية على نحو بيان سنة وسرد معاملة بين الامام
والمأموم فالقول بنسخ جزء من الأجزاء من البين وإبقاء المجموع على ما كان ثم بواقعة جزئية تحتمل محامل ما
يفضى الى الاضطراب ولا يشفى ولعمرى أنا لو لم نعلم هذه المسئلة لما انتقل ذهن أحدنا إلى أن صلوة النبى محمد فيه
تلك قاعدا كانت لبيان النسخ وانما حملناها عليه حفظا الذهب فقط والا فالجمع بين الحديثين يحصل على مذهب أحمد
ولا يحتاج الى النسخ ألا ترى أن ساداتنا (الحنفية) لما تركوا مسئلة جواز الاستقبال والاستدبار لم يبالوا بوقائع
تنقل فى هذا وقالوا إنها وقائع غير منكشفة الحال، وحديث أبى أيوب تشريع عام فلا أدرى أنه ما الفرق بين
هذين، فذهوا الى النسخ ههنا دون مناك ـ انتهى. ومنها: أن القول بالنسخ مبنى على أن النبي ◌َّ كان
الإمام وأن أبا بكر كان مأموما فى تلك الصلوة، وقد وقع فى ذلك خلاف. قال السندى فى حاشية ابن ماجه:
قوله: كان أبو بكر بأتم بالى رَب (أى فى قصة مرض موته) ظاهره أن النبى مزيج كان إماما، وقد جاء خلافه
أيضا. وبسبب التعارض فى روايات هذا الحديث سقط استدلال من استدل به على نسخ حديث واذا صلى جالساً
فصلوا جلوسا، وقال فى حاشية النسائى بعد ذكر الروايات المختلفة فى ذلك ما لفظه، وهذا يفيد الاضطراب فى
هذه الواقعة، فعلى هذا فالحكم بنسخ ذلك الحكم الثابت بهذه الواقعة المضطربة، لا يخلو عن خفاء. وأجيب
بأن هذا الاختلاف ليس بقادح، لأن روايات إمامة التي وي أصح وأرجح، لكونها مخرجة فى الصحيحين ،
٨٩
!

مرعاة المفاتيح ج ٤
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
٤ - كتاب الصلاة
فتقدم على روايات إمامة أبى بكر. ويظهر من صنيع الشيخين أن الراجح عندهما هو إمامة النبى وَثية، لأنهما
لم يدخلا فى صحيحيهما من طرق حديث عائشة الا ما فيه إمامة النبى مَث مع ثقة رواة الخلاف، وكذا لم يذكرا
فى صحيحيهما حديث أنس المصرح بإمامة أبى بكر، وهو عند أحمد والترمذى والنسائى وأبي داود الطيالسى
والطحاوى . وهذا على تقدير اتحاد الواقعة . وأما على ما جزم به ابن حبان وابن حزم والبيهقى والضياء المقدسى
وغيرهم من تعدد الواقعة، وأنه مؤثّ كان إماما مرة ومأموما أخرى فلا تعارض أصلا. ومنها: أن هذا مبنى على
أن الصحابة صلوا خلف النبي مَثٍ قياما، ولم يثبت ذلك صريحا بطريق صحيح متصل. وأما ما ذكر الزيلعى فى
نصب الراية (ج٢ ص٤٢) من كتاب المعرفة للبيهقى أن رسول الله عزوفضل أمر أبا بكر أن يصلى بالناس فى مرضه الذى
مات فيه إلى أن قال فكان عليه السلام بين يدى أبى بكر يصلى قاعدا، وأبو بكر يعلى بصلوته قائما ، والناس يصلون
بصلوة أبى بكر، والناس قيام خلف أبى بكر. ففيه أنه لم يذكر إسناده فما لم يعرف حال سنده، وأنه صالح
للاحتجاج لا يكون حجة على المخالف. وأما ما قال الحافظ فى الفتح نقلا عن الشافعى: إنه أى قيام المأمومين فى
رواية ابراهيم النخعى عن الأسود عن عائشة وإنه وجده مصرحا به فى مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج عن
عطاء، فذكر الحديث، وفيه فصلى الناس وراءه قياما. ففيه أن رواية عائشة معلقة ورواية عطاء مرسلة. وقد
قال أحمد: ليس فى المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد . وقال ابن
المدينى : كان عطاء بأخذ عن كل ضرب. وقد نازع أيضا ابن حزم وابن حبان فى ثبوت كون الصحابة صلوا
خلف النبي ◌َّم وهو قاعد فياما غير أبى بكر، واستدل ابن حبان على ذلك بما رواه من طريق أبي الزبير عن
جاير قال اشتكى رسول الله عزّه، فعلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره ، قال فالتفت الينا
فرأنا قياما، فأشار الينا فقعدنا، فلما سلم قال إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم فلا تفعلوا - الحديث. وهو
حديث صحيح أخرجه مسلم والنسائى والطحاوى وابن ماجه. قال ابن حبان: وإسماع أبى بكر التكبير لم يكن الا فى
مرض موته، لأن صلوته فى مرضه الأول كانت فى مشربة عائشة ، ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون الى من
يسمعهم تكبيره بخلاف صلوته فى مرض موته، فإنها كانت فى المسجد يجمع كثير من الصحابة فاحتاج أبو بكر
أن يسمعهم التكبير - انتهى وأجاب عنه الحافظ بحمله على حديث أنس على صلوته فى مشربة عائشة فى مرضه الأول،
قال: وإسماع التكبير فى هذا لم يتابع أبا الزبير عليه أحد. وعلى تقدير أنه حفظه فلا مانع أن يسمعهم أبو بكر التكبير فى
تلك الحالة، لأنه يحمل على أن صوته ◌َّ كان خفيا من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتكبير فكان أبو بكر يجهر عنه
بالتكبير لذلك. نعم وقع فى مرسل عطاء المذكور متصلا به بعد قوله: وصلى الناس وراءه قياما، فقال النبي مرَّة:
٩
:
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
٤ - كتاب الصلاة
لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما صليتم الا قعودا، فصلوا صلاة إمامكم ما كان ، إن صلى قائما فصلوا قياما،
وإن صلى قاعدا فصلوا قعود. وهذه الزيادة تقوى ما قال ابن حبان إن هذه القصة كانت فى مرض موت النبى مرثية -
انتهى. ثم رأيت السندى قد ذكر فى حاشية البخارى (ج ١ ص ٨٨) وجه النظر الثالث، وقرره أحسن تقرير،
وبسط الكلام فيه فأجاد حيث قال: لا دلالة فيه أى فى حديث عائشة الذى فى مرض موته على أن الصحابة كانوا
قياما نعم قد ثبت أن أبا بكر كان قائما، ولعله قام لضرورة الاسماع ، لا يقال قد جاء فى بعض الروايات أنهم
كانوا قائمين، لأن مدار النسخ حينئذ على تلك الروايات لا على ما ذكره صاحب الصحيح أو أصحاب الصحاح ،
حينئذ ينظر فى تلك الروايات هل يقوى شىء منها قوة حديث إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا، وما ذكروا لا يساوى
هذا الحديث ، بل ولا يدانيه ، فلايتجه الحكم بنسخ هذا الحديث بتلك الروايات. وما قيل: إنهم ابتداو
الصلوة مع أبى بكر قياما بلا نزاع فن ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان فقيه أن المحتاج الى البيان من
يدعى النسخ وأما من يمنعه فيكفيه الاحتمال، لأن الأصل عدم النسخ، ولا يثبت بمجرد الاحتمال. فقوله فن
ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان خارج عن قواعد البحث على أنا نقول قعود الصحابة هو الأصل
الظاهر عملا بالحكم السابق المعلوم عندهم، وبقاءهم على القيام لا يتصور الا بعد عليهم بنسخ ذلك الحكم المعلوم،
ولا دليل عليه. فالواجب أنهم قعدوا فمن ادعى خلافه فعليه البيان. وأما القول بأنهم ثبتوا على القيام اتفاقا وإن
كان المعلوم عندهم أن الحكم هو القعود الا أنه وافق النسخ، وعلم ذلك بتقرير النبي ◌َّم إياهم على القيام ، فمن
باب فرض المستحيل عادة، وكذا القول بأنه لم يكن فى الحاضرين أحد يعرف الحكم السابق مع أن الحكم السابق
كان مشهورا فيما بينهم ، وكانوا يعملون به، وكذا القول بأنهم لعلهم عرفوا النسخ قبل هذه القضية بديانه مرة
لهم النسخ، فلذلك ثبتوا على القيام ، اذ يستبعد جدا أن يكون هناك ناسخ لذلك يعرفه أولئك الحاضرون ثم يخفى
بحيث لا يرويه أحد - انتهى كلام السندى. ومنها: أنه إنما يصار الى النسخ إذا تعذر الجمع وههنا الجمع ليس
يمتعذر، بل هو ممكن، كما نقل عن أحمد أنه جمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين، وهو واضح مما ذكرنا من مذهبه.
وجمع بعضهم بأن الأمر بالجلوس كان للندب وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز. قال الحافظ بعد ذكر رواية
عطاء المرسلة المتقدمة: ويستفاد منها نسخ الأمر بوجوب صلوة المأمومين قعودا إذا صلى أمامهم قاعدا لأنه
لم يأمرهم فى هذه المرة الأخيرة بالاعادة ، لكن اذا نسخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافى الاستحباب،
فيحمل أمره الأخير بأن يصلوا قعودا على الاستحباب، لأن الوجوب قد رفع بتقريره لهم وترك أمرهم بالاعادة
هذا مقتضى الجمع بين الأدلة - انتهى. ومنها: أنه وقع الأمر بالجلوس خلف الإمام القاعد فى صلوة مرض موته
٩١
:

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة ٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
عليه السلام أيضاكما تقدم فى رواية عطاء، فالاستدلال بصلوة مرض موته على نسخ الأمر بالجلوس خلف القاعد
لا يخلو عن اشكال: ومنها: أن الحديث يدل على أن الجلوس عند جلوس الإمام من جملة الائتمام بالامام
ولاشك أن الاقتداء بالإمام حكم ثابت على الدوام غير منسوخ، وأيضا حديث جابر يدل على أن علة عدم جواز
القيام عند قعود الامام هى أن القيام يصير تعظما لغير اللّه فيما شرع تعظيما لله وحده لاشريك له ولاشك فى أن هذه
العلة ودوامها يقتضى دوام الحكم فيلزم أن يدوم عدم شرعية القيام خلف الإمام القاعد لوجوب دوام المعاول
عند دوام العلة، فالقول بنسخ هذا الحكم لا يخلو عن بعد، قاله السندى فى حاشية ابن ماجه، وذكر نحوه أيضا فى
حاشية الصحيحين. ومنها: أن الأصل عدم النسخ لاسيما وهو فى هذه الحالة يستلزم النسخ مرتين، لأن الأصل
فى حكم القادر على القيام أن لا يصلى قاعدا وقد نسخ الى القعود فى حق من صلى أمامه قاعدا فدعوى نسخ القعود
بعد ذلك تقتضى وقوع النسخ مرتين . وهو بعيد وأبعد منه ما تقدم من نقل عياض، فانه يقتضى وقوع النسخ
ثلاث مرات هذا. وقد أجاب أيضا من اختار وجوب القيام خلف القاعد، وكذا من منع صحة امامة
القاعد بأن المراد بالأمر فى قوله: « وإذا صلى جالا فصلوا جلوسا، أن يقتدى به فى جلوسه فى التشهد وبين
السجدتين ، لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع والرفع منه والسجود قالوا : فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا
تعظيما له فأمرهم بالجلوس وقد نبه على ذلك بقوله فى حديث جابر: أن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم
يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، فيكون معنى قوله «إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا» أنه اذا كان فى حالة
الجلوس فاجلسوا ولا تخالفوه بالقيام وإذا صلى قائما فصلوا قياما أى اذا كان فى حالة القيام فقوموا ولا
تخالفوه بالقعود، وكذلك فى قوله ((فإذا ركع فاركموا واذا سجد فاسجدوا)). وتعقبه ابن دقيق العيد
وغيره بالاستبعاد وبأن سياق طرق الحديث يا باه، وبأنه لو كان المراد الأمر بالجلوس فى الركن لقال «واذا
جلس فاجلسوا)، ليناسب قوله ((واذا ركع فاركعوا واذا سجد فاسجدوا)) فلما عدل عن ذلك الى قوله «واذا
صلى جالسا، ظهر أن المراد بذلك جميع الصلوة، ويؤيد ذلك قول أنس ((فصلينا وراءه قعودا))، وإذا عرفت هذا
فاعلم أن أولى الأقوال وأرجحها عندى، هو أن يجمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره
مَّ قيام الصحابة خلفه لو ثبت كان لبيان الجواز، فمن أم قاعدا لعذر تخير من صلى خلفه بين القيام والقعود،
والقعود أولى لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع وكثرة الأحاديث الواردة فى ذلك، ويزيد هذا الجمع أنه استمر عليه
عمل الصحابة فى حياته وبعده . وقد ذكر الحافظ فى الفتح (ج٣ ص ٣٨٢) قيس بن قهد وأسيد بن حضير وجابر
إبن عبد الله أنهم صلوا قعودا والناس خلفهم جلوس وذكر عن أبى هريرة ((أنه أفتى بذلك وذكر من أخرج هذه
٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
هذا لفظ البخارى. واتفق مسلم إلى أجمعون. وزاد فى رواية: فلا تختلفوا عليه، وإذا
سجد فاسجدوا.
١١٤٦ (٥) وعن عائشة، رضى الله عنها، قالت: لما ثقل رسول اللّه تعزية، جاء بلال يؤذنه بالصلوة.
الآثار وصحح أسانيدها. وذكر ابن حزم فى المحلى (ج ٣ ص ٧٠) ذلك أيضا وأخرج الدارقطنى فى (ص٥٢)
عن أسيد بن حضير وفى (ص ١٦٢) عن جابر: أنهما صليا جالسين والمأمون أيضا جاوس ، وادعى ابن حبان:
الاجماع على العمل. وكأنه أراد السكونى، لأنه حكاه عن أربعة من الصحابة الذين تقدم ذكرهم. وقال: لا يحفظ
عن أحد من الصحابة غيرهم القول بخلافه لا من طريق صحيح ولا ضعيف، وكذا قال ابن حزم: أنه لا يحفظ
عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. وأما ما قال الشافعى: أن ما حكى عن هؤلاء الصحابة: أنهم أموا جالسين
ومن خلفهم جلوس. محمول على أنه لم يبلغهم النسخ، ففيه أن كل ما زعموه للنسخ هو حديث عائشة الآتى ولا
يدل على شىء مما أرادوا كما تقدم. وأيضا أن هؤلاء الصحابة لم يتفردوا بذلك بل وافقهم على ذلك من صلى خلفهم
جالسين من الصحابة والتابعين وبعيد كل البعد أن لا يبلغ النسخ أحدا منهم (هذا لفظ البخارى) فى باب انما
جعل الإمام ليؤتم به (واقفق مسلم) أى معه فى أصل الحديث (الى أجمعون وزاد) أى مسلم (فى رواية فلا
تختلفوا عليه) فيه نظر، لأن هذا اللفظ ليس فى حديث أنس لا فى البخارى، ولا فى مسلم ، نعم هو فى حديث
أبى هريرة عند الشيخين ، فأخرجه البخارى بهذا اللفظ ، فى باب اقامة الصف من تمام الصلوة ، ومسلم فى باب
إنتمام المأموم بالامام. ومحل هذا اللفظ بعد قوله ((انما جعل الإمام ليؤتم به )، متصلا به واستدل به على عدم
جواز صلوة المفترض خلف المتفل لما فيها من الاختلاف بين الإمام والمأموم نية، وهو ضعيف، لأن المراد
عدم الاختلاف فى الأفعال بدليل التفسير بقوله («فاذا ركع الخ، كيف ولو كان شاملا للاختلاف نية لما كانت
صلوة المتنقل خلف المفترض جائزة مع أنه جائز بالاتفاق (واذا سجد فاسجدوا) فيه أن هذه الزيادة عند
البخارى أيضاً فى حديث أنس وليست من افراد مسلم كما توهم المصنف، واختلفت الروايات فى ذكر محلها، وحديث
أفس هذا أحرجه أيضا أحمد ومالك والشافعى فى الرسالة ، وفى الأم، وفى اختلاف الحديث والترمذى وأبوداود
والنسائى وابن ماجه وغيرهم .
١١٤٦ - قوله (لما ثقل رسول اللّه عَّ) أى فى مرضه الذى توفى فيه بفتح التاء وضم القاف يقال ثَقُلَّ
الشىءَ يَنْقُلُ ثِقَلاَ مثال صَغُرَ يَصْغُرُ صِغَراً فهو ثقيل ضدخف، والمعنى ههنا اشتد به مرضه وتناهى ضعفه.
وركد أعضاء عن خفة الحركات ، ويفسره قولها بعده فى رواية : واشتد به وجعه (يؤذنه) بضم الياء وسكون
الهمزة من الابذان أى يعلمه ويخبره ويجوز ابدال الهمزة واواً (بالصلاة) أى بحضور وقتها والمراد صلاة العشاء
٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
فقال: مروا أبابكر أن يصلى بالناس فعلى أبو بكر تلك الأيام. ثم إن النبى معَ وجد فى نفسه
خفة، فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان فى الأرض، حتى دخل المسجد، فا سمع أبو بكر
حسه، ذهب يتأخر، فأومأ اليه رسول الله مَث أن لا ينأخر، فجاء حتى جلس عن يسار أبى بكر،
الآخرة كما سيأتى (مروا أبا بكر أن يصلى بالناس) استدل به أهل السنة على خلافة أبى بكر رضى الله عنه ووجهه
أن الامامة فى الصلاة التى هى الامامة الصغرى كانت من وظائف الامامة الكبرى فنصبه مرض إياه إماما فى الصلاة
فى تلك الحالة من أقوى إمارات تفويض الامامة الكبرى اليه، وهذا مثل أن يجلس ساطان زماننا أحد أولاده عند
الوفاة على سرير الساطنة فهل يشك أحد فى أنه فوض الساطنة اليه فهذه دلالة قوية لمن شرح الله تعالى صدره، وليس من
باب قياس الامامة الكبرى على الامامة الصغرى مع ظهور الفرق ، كمازعمه الشيعة. وقولهم: إن الدلالة لو كانت ظاهرة
قوية لما حصل الخلاف بينهم فى أول الأمر باطل ضرورة أن الوقت كان وقت حيرة ودهشة وكم من ظاهر يخفى
فى مثله (ثم ان الذى يُؤَّ وجد فى نفسه خفة) أى قوة فى بعض تلك الأيام. والظاهر أن ذلك كان عند صلاة الظهر
يوم الخميس قبل أن يقبض بخمسة أيام (فقام يهادى) بضم أوله وفتح الدال على بناء المفعول من المفاعلة (بين رجلين)
أى يمشى بينهما معتمداً عليهما ممايلا فى مشيه من شدة ضعفه وإحدى يديهاعلى عاتق أحدهما والأخرى على عاتق الآخر.
يقال جاء فلان يهادى بين اثنين إذا كان يمشى بينهما معتمداً عليهما من ضعفه متايلا اليهما فى مشيه من شدة
الضعف، والرجلان: العباس بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب، كما فى الحديث الآتى فى الفصل الثالث. وفى
رواية ابن حبان: وجد من نفسه خفة تخرج بين بريرة ونوبة. ويجمع كما قال النووى: بأنه خرج من البيت إلى
المسجد بين هذين ، ومن ثم إلى مقام الصلاة بين العباس وعلى. وقال أبو حاتم: خرج بين الجاريتين إلى الباب ومن
الباب أخذه العباس وعلى حتى دخلا به المسجد. وقيل يحمل على التعدد، ويدل عليه ما فى رواية الدار قطنى: أنه خرج
بين أسامة بن زيد والفضل بن عباس . وأماما فى مسلم أنه خرج بين الفضل بن عباس وعلى، فذلك فی حال مجيئه
من بيت ميمونة الى بيت عائشة (ورجلاه تخطان) بضم الخاء (فى الأرض) أى تعملان فيها خطأً إذ لا يقدر أن
يرفعهما عنها من الضعف. قال النووى أى لا يستطيع أن يرفعهما ويضعهما ويعتمد عليهما (فلما سمع أبو بكر حسه)
بكسر الحاء وتشديد السين المهملتين أى نفسه المدرك بحس السمع، قاله السندى. وقيل: أى حركته أوصوته الخفى
(ذهب) أى أراد وقصد أو طفق أو شرع (يتأخر) عن موضعه ليقوم عليه السلام مقامه (فأوماً) بهمزة فى
آخره أى أشار. وفى بعض النسخ: فأوماً بالألف وهو خطأ (أن لا يتأخر) أى بعدم تأخره (بجاء) أى رسول
الله جل (حتى جلس عن يسار أبى بكر) هذا هو مقام الامام ، وفيه تعيين لما أبهم فى الرواية الآتية من مكان
جلوسه وَّ وفيه دلالة على أن النبى وثّ كان اماما لا مأموءاً لجعله أبا بكر عن يمينه. وقال العينى: أنما لم يجلس
٩٤
١
ـة

مرعاة المفاتيح ج؛
٤ - كتاب الصلاة
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
فكان أبو بكر يصلى قائما، وكان رسول اللّه ◌َ يصلى قاعدا، يقتدى أبو بكر بصلاة رسول اللّه تَه،
والناس يقتدون بصلاة أبى بكر .
رسول اللّه وَّ عن يمينه لأن اليسار كان من جهة حجرته فكان أخف عليه (يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله ور
فيه رد على من زعم أنه مَثل كان مقتديا بأبى بكر (والناس يقتدون بصلاة أبى بكر) أى من حيث أنه كان يسمع
الناس تكبيره مثله. قال القسطلانى: أى يستدلون بصلاته على صلاة رسول الله مر ثية. وقال القارى: أى يصنعون
مثل ما يصنع لأنه تَّ كان قاعداً وأبو بكر كان يجنبه قائما لا أن أبا بكر كان أمام القوم والتي تَبيّ كان
إمامه إذا الاقتداء بالمأموم لا يجوز بل الامام كان النبي ◌َّم وأبو بكر والناس يقتدون به. واعلم أنه قد وقع
الاختلاف فى حديث عائشة هل كان النبي تَّ إماماً أو مأموماً؟ فوقع عند الشخين، وكذا عند أحمد فى
مسنده ومالك فى باب صلوة الامام وهو جالس، والنسائى فى باب الاهتمام بمن يأتم بالإمام، وفى
باب الاتمام بالامام يصلى قاعدا، وابن الجارود فى المنتقى فى باب تخفيف الصلوة بالناس، والبزار كما قال
الحافظ فى الفتح وابن حبان كما قال الزيلعى وابن ماجه فى باب صلوة رسول الله وَّم فى مرضه ما يفيد
أن رسول الله ربيع كان إماماً وأبو بكر مأموماً ووقع عند ابن حبان كما قال الزيلعى، وعند ابن حزم
فى المحلى (ج ٣ ص ٦٧) وابن الجارود فى المنتقى (ص ١٦٦) وأحمد فى مسنده (ج ٦ ص ١٥٩)
والبيهقى فى سننه (ج ٣ ص ٨٢) وابن المنذر و ابن خزيمة كما قال الحافظ ، والترمذى فى باب بعد باب
إذا صلى الامام قاعدا فصلوا قعودا ما يفيد أن أبا بكر كان هو الامام وروى ابن خزيمة عن
محمد بن بشار عن أبى داود الطيالسى عن شعبة عن الأعمش عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: من الناس
من يقول كان أبو بكر المقدم بين يدى رسول اللّه تَّم فى الصف، ومنهم من يقول كان رسول اللّه يَج هو المقدم
وظاهر هذه الرواية أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة. قال الحافظ: ولكن تظافرت الروايات عنها بالجزم
بما يدل على أن النبى وزيع كان هو الإمام فى تلك الصلوة، منها رواية موسى بن أبى عائشة وهى التى تأتى فى الفصل
الثالث، ثم قال بعد أن ذكر الاختلاف فيها فمن العلماء من سلك الترجيح فقدم الرواية التى فيها أن أبا بكر كانه
مأموما الجزم بها، ولأن أما معاوية (الذى روى الحديث بلفظ يقتدى أبو بكر بصلوة رسول اللّه زيم والناس
يقتدون بصلوة أبى بكر) أحفظ فى حديث الأعمش من غيره. ومنهم من سلك عكس ذلك و رجح أنه كان
إماماً. ومنهم من سلك الجمع (كابن حبان والبيهقى وابن حزم) حمل القصة على التعدد (يعنى أنه كان
إماما مرة ومأموماً أخرى) ويؤيده اختلاف النقل عن الصحابة غير عائشة لتحديث ابن عباس فيه. أن
أبابكر كان مأموماً كما سيأتى فى رواية موسى بن أبى عائشة، وكذا فى رواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس
٩٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
٤ - كتاب الصلاة
عند ابن ماجه وحديث أنس فيه أن أبا بكر كان إماماً. أخرجه الترمذى والنسائى - انتهى كلام الحافظ. قلت:
حديث أرقم عن ابن عباس أخرجه أيضاً أحمد (ج ١ ص ٢٣١ و ٢٥٥ و ٢٥٦) والطحاوى فى شرح الآثار
(ج ١ ص ٢٣٥) وفى مشكله (ج ٢ ص ٢٧) وابن سعد فى طبقاته (ج ٢ ص ١٣٠) والبيهقى فى سننه (ج ٣
ص ٨١) ومدار هذا الحديث عند الجميع على أبى اسحاق السبيعى عن أرقم بن شرحيل ، وأبو اسحاق
مدلس واختلط بآخره . وقد رواه بالعنعنة. وقد قال البخارى لا يذكر سماعاً من أرقم بن شرحبيل ـ انتهى .
و حديث أنس قد صححه الترمذى، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٠١٥٩ وص ٢٣٣، وص ٢٤٣)
والراجح عندى أن القصة واحدة وأن الاختلاف فى إمامة النبى مؤلّ وأبى بكر فى صلوة واحدة . وإن هذا
الاختلاف من تصرف الرواة فقط ، وهو الظاهر من سياق الأحاديث الواردة فى الباب وطرقها ومن صنيع
الشيخين حيث لم يخرجا فى صحيحيهما من طرق حديث عائشة الا ما فيه إمامة النبى مؤقتة مع ثقة رواة الخلاف
ولم يخرجا حديث أنس أصلا. قال الحافظ: قد صرح الشافعى بأنه مَّه لم يصل بالناس فى مرض موته فى المسجد
الا مرة واحدة، وهى هذه التى صلى فيها قاعدا وكان أبو بكر فيها أولا إما ما ثم صار . أموماً يسمع الناس
التكبير - انتهى. وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبي تُؤثم كان الامام - انتهى. وفى هذه القصة
من الفوائد غير ما مضى تقديم أبى بكر وترجيحه على جميع الصحابة والأدب مع الكبير لهم أبى بكر بالتأخر عن
الصف واكرام الفاضل، لأنه أراد أن يتأخر حتى يستوى فلم يتركه البي صلى الله عليه وسلم يتزحزح عن
مقامه وفيه أن الإيماء يقوم مقام النطق واقتصار التى مُؤتقع على الإشارة يحتمل أن يكون لضعف صوته ،
ويحتمل أن يكون للاعلام بأن مخاطبة من يكون فى الصلوة بالايماء أولى من النطق وفيه تأكيد أمر الجماعة
والأخذ فيها بالأشد وإن كان المرض برخص فى تركها، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبان جواز الأخذ
بالأشد و إن كانت الرخصة أولى. وقال الطبرى: إنما فعل ذلك لتلا يعذر أحد من الأئمة بعده فى نفسه
بأدنى عذر فيتخلف عن الإمامة ، ويحتمل أن يكون قصد أفهام الناس أن تقديمه لأبى بكر كان لأهليته لذلك
حتى أنه صلى خلفه واستدل به على جواز استخلاف الامام لغير ضرورة الصنيع أبى بكر و على جواز مخالفة
موقف المأموم الضرورة، كن قصد أن يبلغ عنه و يلتحق به من زحم عن الصف، وعلى جواز اتتمام بعض
المأمومين ببعض، وهو قول الشعبى واختيار الطبرى وأومأ اليه البخارى كما تقدم وتعقب بأن أبا بكر إنما كان
مبلغا كما سيأتى الآن، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداءثم بصوته، ويؤيده أنه مزيفة كان جالسا وكان أبو بكر
قائما، فكان بعض أفعاله يخفى على بعض المأمومين، فمن ثم كان أبو بكر كالامام فى حقهم، وتأويله بأن المراد أن
أبا بكر كان يراعى فى الصلوة حاله تؤثر فى القيام والركوع والسجود، فكأنه كان مقتديا به، كما ورد فى
6
٩٦

:
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة ٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
متفق عليه .
وفى رواية لهما: يسمع أبو بكر الناس التكبير .
١١٤٧ - (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما يخشى
الحديث واقتد بأضعفهم بعيد جدا ، يرده قوله الآتى يسمع أبو بكر الناس التكبير واستدل به الطبرى على أن
للامام أن يقطع الاقتداء به ويقتدى هو بغيره من غير أن يقطع الصلوة بناء على أن أبا بكر كان دخل فى الصلوة
ثم قطع القدوة وانتم برسول الله رؤيته واستدل به على صحة إمامة القاعد المعذور يمثله وبالقائم أيضا خلافا
المالكية وقد تقدم الكلام فيه مفصلا (متفق عليه) الحديث أخرجه البخارى فى عدة مواضع بألفاظ وطرق
مطولا ومختصرا والسياق المذكور مختصر من حديث طويل أورده البخارى فى باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم
الناس بالمأموم وفيه فلما دخل (أبو بكر) فى الصلوة وجد رسول الله مَّم فى نفسه خفة بدل قوله: فصلى أبو بكر
تلك الأيام، ثم أن النبى متَّ وجد فى نفسه خفة وأيضا ليس فيه قوله: أن لا يتأخر. والمراد بقوله: فلما دخل
فى الصلوة وجد الخ أى فلما دخل فى أن يصلى بالناس أى فى منصب الإمامة، وتقرر اماما لهم واستمر على ذلك
أياما وجد النبي مَّ فى نفسه خفة فى بعض تلك الأيام، أو لما دخل فى الصلوة فى بعض تلك الأيام وجد مر
فى نفسه خفة ، وليس المراد أنه حين دخل أبو بكر فى تلك الصلوة التى جرى فى شأنها الكلام وجد صلى الله عليه
وسلم فى أثناءما خفة فلاتنافى هذه الرواية الرواية الآتية فى الفصل الثالث (وفى رواية لهما يسمع أبو بكر الناس
التكبير) أى تكبير النبى صلى الله عليه وسلم يعنى كمان أبو بكر مكبرا لا إماماً وهذه اللفظة مفسرة المراد بقوله:
يقتدى أبو بكر بصلوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يقتدون بصلوة أبى بكر. وبقوله فى رواية: كان
أبو بكر يصلى بصلوة النبى صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلوة أبى بكر . وفيه دليل على أنه يجوز رفع
الصوت بالتكبير لاسماع المأمومين فيتبعونه، وأنه يجوز للمقتدى اتباع صوت المكبر وصحة صلوة المسمع
والسامع ، وهذا مذهب الجمهور، وفيه خلاف المالكية و تفاصيل لا دليل عليها . والحديث أخرجه البيهقى أيضا
(ج ٣ ص ٨١ - ٩٣).
١١٤٧ - قوله (اما يخشى) كلمة ((ما، نافية والهمزة للاستفهام للافكار. والمقصود الانكار على ترك
الخدية والحث عليها ليرتدع فاعل ذلك الفعل بسبب الخشية من شفيع عاقبته عن ذلك الفعل . والحاصل أن فاعل
هذا الفعل فى محل المسخ ويستحق ذلك فقه أن يخشى هذه العقوبة وليس له أن لا يخشى وهذا إنما يدل على أن
فاعل هذا الفعل يستحق هذا العقاب، ولا يدل على أن من يفعل ذلك يلحق به هذا العقاب قطعا ، وكونه لا يلحق به
کما تری فضلا من الله فعالی لا یدل علی خلافه فکم من شی یستحقه العبد و یعفو عنه الرب تعالی وقد قال ويعفو
٩٧

٠
مرعاة المفاتيح ج ٤
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
٤ - كتاب الصلاة
الذى يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار.
عن كثير (الذى يرفع رأسه) أى من الركوع والسجود فالحديث نص عام فى الركوع والسجود، وأما
تخصيص السجدة بالذكر فى رواية أبى داود بلفظ الذى يرفع رأسه والامام ساجد فمن باب الاكتفاء، وهو ذكر
أحد الشيئين المشتركين فى الحكم إذا كان الذكور مزية فاكتفى فيها يذكر حكم السجدة عن ذكر حكم الركوع
لكون العلة واحدة وهى السبق على الإمام، كما فى قوله تعالى: (سرائيل تقيكم الحر - ١٦: ٨١) أى البرد
أيضا ولم يعكس الأمر، لأن السجود أعظم من الركوع فى اظهار التواضع والتذلل والعبد أقرب ما يكون إلى الرب
وهو ساجد. وأما التقدم على الإمام فى الخفض الركوع والسجود. فقد ورد الزجر عنه فى حديث أخرجه البزار
والطبرانى عن أبى هريرة مرفوعا الذى يخفض ويرفع قبل الامام إنما ناصيته بيد شيطان. قال الهيشمى فى مجمع الزوايد
(ج٢ ص٧٨) اسناده حسن، وأخرجه مالك وعبدالرزاق عنه موقوفا. قال الحافظ: وهو المحفوظ (قبل الامام)
أى قبل رفع رأسه (أن يحول الله) أى من أن يبدل ويغير (رأسه رأس حمار) وفى رواية لمسلم: صورته فى
صورة حمار. وفى أخرى له: أن يجعل الله وجهه وجه حمار. قال الحافظ: الظاهر أنه من تصرف الرواة .
قال عياض: هذه الروايات متفقة، لأن الوجه فى الرأس ومعظم الصورة فيه. قلت: لفظ الصورة يطلق على الوجه
أيضا. وأما الرأس فرواتها أكثر وهى أشمل فهى المعتمدة، وخص وقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية
وهى أشمل - انتهى. وقيل: الظاهر أن الاختلاف حصل من تعدد الواقعة، ويؤيده رواية ابن حبان بلفظ: أن
يحول الله رأسه رأس كلب. واختلف فى معنى هذا الوعيد: فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوى
مجازى كالبلادة الموصوف بها الحمار ، والمعنى يجعله بليدا كالحمار، فيكون مسخا معنويا مجازيا. قال الطبى: لعل
المأموم لما لم يعمل بما أمر به من الاقتداء بالامام ومتابعته ولم يفهم أن معنى الامام والمأموم ماهو شبه بالحمار فى
البلادة كقوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم ليحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا - ٥:٦٢) انتهى ويرجح
هذا المجاز أن التحويل الظاهرى لم يقع مع كثرة الفاعلين لذلك. وقيل: هو محمول على ظاهره، وأن المراد
تغيير الصورة الظاهرة إذ لامانع من وقوع المسخ الحقيقى فى هذه الأمة، كما يشهد له حديث أبى مالك الأشعرى
المروى فى المغازى من صحيح البخارى، لأن فيه ذكر الخف، وفى آخره: ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى
يوم القيامة. ويقوى حمله على ظاهره رواية ابن حبان بلفظ: أن يحول الله رأسه رأس كلب. فهذا يبعد
المجاز لانتفاء المناسبة التى ذكروها من بلادة الحمار، ومما يبعده أيضاً ايراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال
على تغيير الهيئة الحاصلة ولو أريد تشبيه بالحمار لأجل البلادة لقال فرأسه رأس حمار، وذلك لأن الصفة المذكورة
وهى البلادة حاصلة فى فاعل ذلك عند فعاه المذكور ، فلا يحسن أن يقال له يخشى إذا فعلت ذلك أن تصير بليداً
مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة. وأما ما قيل فى ترجيح المجاز من أن التحويل الظاهرى لم يقع مع
٩٨
!

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤- كتاب الصلاة
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
متفق عليه.
ج ( الفصل الثانى )
١١٤٨، ١١٤٩ - (٧) عن على، ومعاذ بن جبل، رضى الله عنهما، قالا: قال رسول اللّه مثل:
إذا أتى أحدكم الصلوة والإمام على حال فيصنع كما يصنع الامام. رواه الترمذى وقال: هذا
حديث غريب.
كثرة الفاعلين لذلك، ففيه أنه ليس فى الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولابد وإنما يدل على كون فاعله
متعرمنا لذلك وكون فعله ممكنا ، لأن يقع عند ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض الشىء وقوع ذلك الشىء وقد
أوضحنا ذلك فى شرح أول الحديث وظاهر الحديث يقتضى تحريم الرفع قبل الامام ، لكونه توعد عليه
بالمسخ وهو أشد العقوبات، وبذلك جزم النووى فى شرح المهذب ، ومع القول بالتحريم ، فالجمهور على أن
فاعله يأثم وتجزى صلاته. وعن ابن عمر تبطل ، وبه قال أحمد فى رواية ، وأهل الظاهر بناء على أن النهى يقتضى
الفساد والوعيد بالمسخ فى معناه وقد ورد التصريح بالنهى فى حديث أنس ثانى أحاديث هذا الباب عن السبق
بالركوع والسجود والقيام والقعود وفى المغنى عن أحمد أنه قال فى رسالته ليس لمن سبق الامام صلوة لهذا
الحديث، قال: ولو كانت له صلوة لرجى له الثواب ولم يخش عليه العقاب، وفى الحديث كمال شفقته مؤثر بأمته
وبيانه لهم الأحكام وما يترتب عليها من الثواب والعقاب، واستدل به على جواز المقارنة ولا دلالة فيه لأنه دل
يمنطوقه على منع المسابقة وبمفهومه على طلب المتابعة، وأما المقارنة فمسكوت عنها (متفق عليه) واللفظ لمسلم .
وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٢ ص ٩٣).
١١٤٨، ١١٤٩ - قوله (والامام على حـال) أى من قيام أو ركوع أو سجود أو قعود
(فليصنع كما يصنع الامام) أى ليكبر تكبيرة الاحرام ويوافق الإمام فيما هو من القيام أو الركوع أو غير ذلك،
ولا يخالفه بأداء ما سبق من الصلوة بل يدخل معه فى الفعل الذى يؤديه فيتبعه فى القيام والقعود والركوع والسجود
ولا ينتظر رجوع الامام إلى القيام، كما يفعله العوام. والحديث يدل على أنه يجب على من لحق بالا مام أن
يدخل معه فى أى جزء من أجزاء الصلوة أدركه من غير فرق بين الركوع والسجود والقعود لظاهر قوله والامام
على حال. قال الترمذى: والعمل عليه عند أهل العلم (رواه الترمذى) فى أواخر الصلوة من طريق الحجاج بن
أرطاة عن أبى اسحاق السبيعى عن هبيرة بن يريم عن على، وعن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن
معاذ بن جبل (وقال هذا حديث غريب) لا نعلم أحدا أسنده إلا ما روى من هذا الوجه. قال النووى اسناده
٩٩

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٨ - باب ما على المأموم وحكم المسبوق
١١٥٠ - (٨) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َع: إذا جثم إلى الصلوة، ونحن سجود،
فاسجدوا ولا تعدوه شيئا، ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلوة.
ضعيف. وقال الحافظ فى التلخيص (ص ١١٧) فيه ضعف وانقطاع. وقال فى بلوغ المرام: رواه الترمذى
باسناد ضعيف ، وهذا لأن الحجاج بن أرطاة وأبا اسحاق السبيعى مدلسان، ولم يصرحا بالسماع هناد بن أبي ليلى
قالوا : لم يسمع من معاذ، لكن له شاهد من حديثه أيضاً عند أبى داود والبيهقى (ج ٣ ص ٩٣) يقول: فيه
ابن أبى ليلى حدثنا أصحابنا، ثم ذكر الحديث، وفيه فقال معاذ لا أراه على حال إلا كنت عليها قال فقال إن
ماذا قد سن لكم سنة كذلك فافعلوا وهذا متصل، لأن المراد بأصحابه الصحابة، كما صرح بذلك فى رواية ابن
أبى شيبة حدثنا أصحاب محمد عَّ ويشهد له أيضاً ما رواه ابن أبى شيبة عن رجل من الأنصار مرفوعا من
وجدنى راكعاً أو قائماً أو ساجدا ، فليكن معى على حالى التى أنا عليها. وما أخرجه سعيد بن منصور عن أناس
من أهل المدينة مثل لفظ ابن أبى شيبة .
١١٥٠ - قوله (ونحن سجود) جمع ساجد والجملة حالية أى والحال إنى ومن معى من المقتدين فى حالة
السجود (فاسجدوا) أى وافقوه فى السجود، وفيه مشروعية السجود مع الامام لمن أدركه ساجدا (ولا تعدوه)
بضم العين وتشديد الدال أى لا تحسبوا ذلك السجود. وفى أبى داود لا تعدوها أى بضمير التأنيث، وكذا
ذكره المجد ابن تيمية فى المنتقى والجزرى فى جامع الأصول (ج ٦ ص ٤٠٦) والمعنى: لا تعدوا تلك السجدة
(شيئا) أى معتدا به باعتبار حكم الدنيا من ادراك الركعة، لأن مع ادراك السجدة تفوت الركعة ولا يحصل
بها إلا ثواب الآخرة (ومن أدرك ركعة) وفى أبى داود: الركعة أى بالتعريف (فقد أدرك الصلوة) قيل:
المراد بالركعة هنا الركوع ، وبالصلوة الركعة . والمعنى من أدرك ركوعا مع الامام فقد أدرك الركعة أى صحت
له تلك الركعة، وحصل له فضيلتها فيكون الحديث دليلا لما ذهب إليه الجمهور من أن مدرك الامام راكعا
مدرك لتلك الركعة وتعقب بأن الركعة حقيقة لجميعها واطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لا يصار اليه إلا
لقرينة كما وقع عند مسلم من حديث البراء بلفظ فوجدت قيامه فركعته فاعتداله فسجدته فان وقوع الركعة فى
مقابلة القيام والاعتدال والسجود قرينة تدل على أن المراد بها الركوع ، وههنا ليست قرينة تصرف عن حقيقة
الركعة فالاستدلال به على أن مدرك الركوع مع الامام مدرك لتلك الركعة لا يخلو عن خفاء وقيل : المعنى
من أدرك ركعة من الصلوة فقد أدرك الصلوة مع الامام، يعنى يحصل له ثواب الجماعة، ويؤيده حديث
أبى هريرة بلفظ من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الفضل. وفى رواية: فقد أدرك الصلاة وفضلها. قال الطبي:
هذا الحكم فى الجمعة ولا يحصل له ثواب الجماعة إن أدرك بعضاً من الصلاة قبل السلام ومذهب مالك أنه
٠٠