Indexed OCR Text

Pages 281-300

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى ٹتن وفضلها
رواه الترمذى وروى أبو داود والنسائى نحوه
٩٣٧ - (١٣) وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنت أصلى والنبى صلى الله عليه وسلم،
الأمر دلهما عليه السلام على الكمال ، وزاد النسائى فى روايته «وسل تعط)) وروى أبو داود عن فضالة بن عبيد، أنه سمع
رسول اللّه عَّه رجلا يدعو فى صلاته لم يمجد الله، ولم يصل على النبي ◌َ ◌ّم، فقال رسول الله عز ◌ّعٍ: عجل هذا، ثم
دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يصلى على النبى معَ ◌ّه، ثم يدعو بما شاء.
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦: ص ١٨) والترمذى وصححه، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقى. قال العلامة الأمير
اليمانى فى السبل: الحديث دليل على وجوب ما ذكر من التحميد، والثناء، والصلاة عليه ويؤمّ، والدعاء بما شاء، وهو
موافق فى المعنى لحديث ابن مسعود وغيره، لأن أحاديث التشهد تتضمن ما ذكر من الحمد والثناء، وهى مبينة لما أجمله
هذا. ويأبى الكلام فى الصلاة عليه ◌َّم، وهذا إذا ثبت أن هذا الدعاء الذى سمعه النبى مرٍّ من ذلك الرجل كان فى
قعدة التشهد، وإلا فليس فى هذا الحديث دليل على أنه كان ذلك حال قعدة التشهد ، إلا أن ذكر المصنف (أى الحافظ
ابن حجر) له هنا يدل على أنه كان فى قعود التشهد، وكأنه عرف من سياقه - انتهى. قلت: وكذا يدل على ذلك صنيع
البغوى فى المصابيح كما لا يخفى. والحديث قد استدل به القائلون بوجوب الصلاة عليه ويَّةٍ فى الصلاة ، قال الأمير
اليمانى: قد ثبت وجوب الدعاء فى آخر التشهد كما عرفت من الأمر به، والصلاة عليه ،َ فّم قبل الدعاء واجبة لما
عرفت من حديث فضالة، وبهذا يتم إيجاب الصلاة عليه مَّ بعد التشهد قبل الدعاء الدال على وجوبه - انتهى.
قال الحافظ: قد طعن. ابن عبد البر فى الاستدلال بحديث فضالة للوجوب فقال: لو كان كذلك لأمر المصلى
بالاعادة كما أمر المسمى صلاته، وكذا أشار إليه ابن حزم. وأجيب باحتمال أن يكون الوجوب عند فراغه، ويكفى
التمسك بالأمر فى دعوى الوجوب - انتهى (رواه الترمذى) فى الدعوات من طريق رشدين بن سعد ، عن أبى هانئى
الخولانى، عن أبى على الجنبى، عن فضالة، وقال: حديث حسن ، وقد رواه حيوة بن شريح عن أبى هانئى الخولانى -
انتهى. قلت: أخرج من طريق حيوة أحمد ، وأبو داود، والترمذى أيضا، وقد ذكرنا لفظه، ورواية الترمذى التى
ذكرها المصنف، عزاها الهيشمى للطبرانى، وقال: فيه رشدين بن سعد ، وحديثه فى الرقاق مقبول ، وبقية رجاله ثقات -
انتهى. وأخرجها أيضا النسائى فى باب التمجيد والصلاة على النبي ◌َّ فى الصلاة لكن من طريق ابن وهب عن أبى
هانتى (وروى أبو داود) قد تقدم لفظه (والنسائى نحوه) أى بمعناه. ذكر النسائى مع أبى داود لا يخلو عن نظر، لأن
المتبادر منه أن رواية النسائى مثل رواية أبى داود، والأمر ليس كذلك، فكان الأولى أن يقول: رواه الترمذى،
والنسائى، واللفظ للترمذى، وروى أبو داود، والترمذى أيضا نحوه، والله أعلم.
٩٣٧ - قوله (كنت أصلى) أى الصلات ذات الأركان بدليل قوله الآتى: فلما جلست (والنبي مَ ◌ّه) أى حاضر
٢٨١

مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٦ - باب الصلاة على النى ير وفضلها
وأبو بكر، وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله تعالى، ثم الصلاة على النبى معَّ، ثم دعوت
لنفسى. فقال النبى تَّى: سل تعطه، سل تعطه. رواه الترمذى.
ح( الفصل الثالث)؛
٩٣٨ - (١٤) عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَلّى: من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى،
أو جالس ونحوه (وأبو بكر وعمر معه) جملة أخرى معطوفة على الجملة الأولى وهى حال من فاعل ((أصلى» (سل تعطه)
الهاء إما للسكت كقوله ((حسابيه)) وإما ضمير المسئول عنه لدلالة («سل، عليه. وفى الحديث مشروعية تقديم الحمد والصلاة
قبل الدعاء فى قعود التشهد ليكون وسيلة للإجابة، وهو يوافق ما روى عن ابن مسعود، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلى على
التي، ثم يدعو لنفسه، أخرجه الحاكم بسند قوى ، قال الحافظ فى الفتح بعد ذكره: هذا أقوى شئى يحتج به الشافعى، فإن
ابن مسعود ذكر أن النبى مَثّم عليهم التشهد فى الصلاة، وأنه قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، فلما ثبت عن ابن مسعود
الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء دل على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث
ابن مسعود (فى التشهد) فى دفع ما ذهب إليه الشافعى مثل ما ذكر عياض، قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذى عليه له
النبى ◌َّ ليس فيه ذكر الصلاة عليه، وكذا قول الخطابى: إن فى آخر حديث ابن مسعود «إذا قلت هذا فقد قضيت
صلاتك)) لكن رد عليه بأن هذه الزيادة مدرجة، وعلى تقدير ثبوتها فتحمل على أن مشروعية الصلاة عليه وردت بعد
تعليم التشهد - انتهى (رواه الترمذى) فى أواخر الصلاة من طريق محمود بن غيلان ، عن يحيى بن آدم ، عن أبى بكر بن
عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن زر، عن ابن مسعود. وقال: حديث حسن صحيح، قلت: وأخرج أحمد فى مسنده
(ج ١: ص ٢٥، ٢٦، ٣٨) من رواية عمر حديثا طويلا، وفيه: كان رسول اللّه مَّ لا يزال يسمر عند أبى بكر الليلة
كذاك فى الأمر من أمر المسلمين، وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، خرج رسول اللّه مزقه وخرجنا معه، فإذا رجل
قائم يصلى فى المسجد، فقام رسول اللّه مَّم يستمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه قال رسول اللّه مٍَّ: من سره أن يقرأ
القرآن رطبا كما أنزل، فلقرأه على قراءة ابن أم عبد. قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله عزَ ◌ّم يقول له:
سل تعطه ، سل تعطه - الحديث. وأخرجه ابن ماجه فى فضل ابن مسعود فى أواخر السنة عن الحسن بن على الخلال ،
عن يحيى بن آدم ، عن أبى بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود ما يتعلق بأمر القراءة فقط .
٩٣٨ - قوله (من سره) أى أعجبه (أن يكتال) بفتح الياء أى يأخذ الأجر والثواب ، حذف ذلك للعلم به.
وقيل بضم الياء، أى يعطى الثواب (بالمكيال) بكسر الميم، وهو ما يكال به (الأوفى) عبارة عن نيل الثواب الوافى على
نحو قوله تعالى ﴿ ثم يجزاه الجزاء الأوفى - ٥٣: ٤١) وفيه دليل على أن هذه الصلاة أعظم أجرا من غيرها، وأوفر
٢٨٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى مؤتم وفضلها
إذا صلى علينا أهل البيت ، فليقل: اللهم صل على محمد النبي الأمى ، وأزواجه أمهات المؤمنين،
وذريته ،
ثوابا . وفيه الترغيب العظيم إلى أن تكون الصلاة على النبي رؤتقوم على تلك الصفة، وقد تقدم الكلام فى ذلك فتذكر. قيل:
لو حلف أحد أن يصلى على النبى مَ ◌ّم أفضل الصلاة فطريق البر أن يأتى بالصفة المذكورة فى حديث كعب بن عجرة ،
أو أبى حميد، أو أبى سعيد الخدرى عند البخارى، لأن تعليمه ملقم لأصحابه الكيفية بعد سؤالهم عنها يدل على أنها أفضل
كيفيات الصلاة عليه لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل ، والذى يرشد إليه الدليل أن البر يحصل بما فى حديث
أبى هريرة هذا لقوله: من سر أن يكال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا - الحديث (إذا صلى علينا أهل البيت) الأشهر فيه
النصب على الاختصاص ، ويجوز إبداله من ضمير ((علينا) وقيل: هو عطف بيان منه فيكون مجرورا فى هاتين الصورتين
(فليقل) قال الطيبي: قوله ((إذا صلى)، شرط، جزائه ((فليقل)) ويجوز أن يكون ((إذا)) ظرفا والعامل («فليقل) على مذهب من
قال: إن ما بعد الفاء الجزائية يعمل فيما قبلها كما فى قوله تعانى ﴿لا يلاف قريش - ١:١٠٦) فإنه معمول لقوله:
﴿فليعبدوا﴾ (النبى) بالادغام، ويجوز فيه الهمزة، وهو فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول من النبأ بمعنى الخبر، أو من النبوة
بمعنى الرفعة ، واللام هنا العهد، واختير النبوة على الرسالة لعموم أحواله، او البالغة، فإنه إذا كان يستحق الصلاة
بصفة النبوة فبالأولى أن يستحق بصفة الرسالة (الأمى) منسوب إلى الأم وهو الذى لا يكتب ولا يقرأ المكتوب كأنه على
أصل ولادة أمه بالنسبة إلى الكتابة وقراءة الخط. قال أبو السعود: نسبة إلى الأم كأنه باق على حالته التى ولد عليها
لا يقرأ الخط ولا يكتب، وقد جمع مع ذلك العلوم الباهرة. قال تعالى ( وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه
بيمينك إذا لارتاب المبطلون - ٢٩: ٤٨) وقيل: نسبة إلى الأمة وهى أمة العرب، وذلك لأن العرب لا تحسب ولا
تكتب ، ومنه الحديث: إنا أمة أمية لا تكتب ولا نحسب. وقيل: نسبة إلى أم القرى، وهى مكة، والأول أولى، وكونه
أميا من أكبر معجزاته وأعظمها. قال السيد الغبرينى المقرى شارح البردة: إن كونه أميا معجزة له كما قرروه، حتى
لا يرتاب أحد فى كلام اللّه، يرد عليه أنه لو تم قيل عليه: لم خلق أفصح الناس ولم يخلق غير فصيح؟ حتى يعلم أن ما
يتلوه من الكلام المعجز بلاغته ليس كلامه. قال الشهاب فى الريحانة: قوله هذا ليس بدئى. لأن الأمية سابقة فى أكثر
فصحاء العرب، وهم فى غناء عن الكتابة ، وأما عدم الفصاحة فلكنة وعيب عظيم ، منزه عنه، عال مقامه ، وطاهر فطرته
وجوهر جبلته - انتهى. وهل صدر عنه ذلك فى كتابة صلح الحديبية كماهو ظاهر الحديث المشهور أو أنه لم يكتب؟
وإنما أسند إليه مجازا ، وقيل: إنه صدر عنه ذلك على سبيل المعجزة، وتفصيله فى فتح البارى (وأزواجه) أى نساء.
الطاهرات (أمهات المؤمنين) أى من جهة التعظيم والتكريم (وذريته) أى أولاده وأحفاده، قال فى المجمع: الذرية اسم
٢٨٣

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - ككتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى ثر وفضلها
وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. رواه أبو داود.
٩٣٩ - (١٥) وعن على رضى الله عنه، قال: قال رسول اللّه مدفوع: البخيل الذى من ذكرت عنده
فلم يصل على.
يجمع نسل الإنسان من ذكروأنثى، وأصله الهمز يخفف وتجمع على ذريات وذرارى مشددا ، وقيل أصلها من الذر بمعنى
التفرق لأن الله ذرهم فى الأرض (وأهل بيته) قال الطبي: من عطف العام على الخاص على طريقة قوله تعالى ﴿ولقدآتيناك
سبعا من المثانى والقرآن العظيم - ١٥: ٨٧ ﴾ انتهى. والحديث قد استدل به القائلون بأن الزوجات من
الآل والقائلون بأن الذرية من الآل، وهو أدل على ذلك من حديث أبى حميد المتقدم لذكر الآل فيه مجملا
ومبينا ، قاله الشوکانی (رواه أبوداود) عن موسى بن إسماعيل، عن حبان بن يسار الكلابی، عن أبى مطرف عبد الله بن
طلحة بن كريز، عن محمد بن على الهاشمى (أبى جعفر الباقر) عن المجمر، عن أبى هريرة. والحديث سكت عنه أبوداود ،
والمنذرى. وقال الشوكانى: وقد اختلف فيه على أبى جعفر، وأخرجه النسائى فى مسند على من طريق عمرو بن عاصم،
عن حبان بن يسار الكلابى، عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعى ، عن أبى جعفر ، عن محمد بن الحنفية ، عن أبيه على ، عن
التى تُؤثّ بلفظ حديث أبى هريرة، وقد اختلف فيه على أبى جعفر، وعلى حبان بن يسار- انتهى. قلت: حبان بن يسار
الكلابى ، قال أبو حاتم عنه ليس بالقوى ولا بالمتروك. وقال ابن عدى: حديثه فيه ما فيه لأجل الاختلاط الذى ذكر عنه .
وذكره البخارى فى التاريخ وأعل حديثه، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال أبو داود: لا بأس به. وقال الحافظ :
مدوق اختلط ..
٩٣٩ - قوله (البخيل) أى الكامل فى البخل كما يفيده تعريف المتداء. قال الشوكانى: تعريف المسند إليه يقتضى
الحصر ، فينبغى حمله على الكامل فى البخل ، لأنه بخل بما لا نقص عليه فيه ولا مؤنة، مع كون الأجر عظيما، والجزاء
موفورا. قال الفاكهانى: وهذا أقبح بخل وشح لم يبق بعده إلا الشح بكلمة الشهادة (الذى من) قال الطبى: الموصول
الثانى مقحم بين الموصول الأول وصلتهتأ كيدا، كما فى قراءة زيد بن على (الذى خلقكم والذين من قبلكم - ٢: ٢١)
أى بفتح الميم - انتهى (ذكرت) بصيغة المجهول (عنده) أى ذكر أسمى بمسمع منه (فلم يصل على) لأنه يخل على نفسه
حيث حرمها صلاة اللّه عليه عشرا إذا موصلى واحدة ، قاله المناوى. وقال القارى: فمن لم يصل عليه فقد بخل ومنع نفسه.
من أن يكتال بالمكيال الأوفى، فلا يكون أحد أبخل منه، كما يدل عليه رواية ((البخيل كل البخيل)) - انتهى. والحديث
دليل على وجوب الصلاة على النبي ◌َّ كلما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء، منهم الطحاوى والحلیمی، ويدل عليه أيضا
ما تقدم من حديث أبى هريرة بلفظ: رغم أنف رجل ذكرت عنده، إلخ. وما روى من حديث كعب بن عجرة عند الحاكم
٢٨٤

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى ، تے وفضلها
رواه الترمذى.
٩٤٠ - (١٦) ورواه أحمد عن الحسين بن على.
بلفظ : بعد من ذكرت عنده فلم يصل على. ومن حديث جابر عند الطبرانى مرفوعا بلفظ: شقى عبد ذكرت عنده فلم يصل
على. ومن مرسل قنادة عند عبد الرزاق: من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلى على. ومن حديث عمار بن ياسر عند
الطبرانى. بلفظ: من ذكرت عنده فلم يصل على فأبعده الله. وله شواهد من حديث مالك بن الحويرث ، وابن عباس.
وعبد الله بن الحرث عند الطبرانى أيضا. قال الحافظ فى الفتح: قد تمسك بهذه الأحاديث من أوجب الصلاة عليه كلما
ذكر، لأن الدعاء بالرغم والايعاد والشقاء، والوصف بالبخل والجفاء يقتضى الوعيد، والوعيد من علامات الوجوب،
وأجاب عنها من لم يوجب ذلك بأنها خرجت مخرج المبالغة فى تأكيد ذلك وطلبه ، وفى حق من اعتاد ترك الصلاة عليه
ديدنا - انتهى. قلت: ظاهر الأحاديث هو الوجوب كلما ذكر، وأما حملها على المبالغة وعلى من اتخذ ترك الصلاة عليه
عادة فهو تأويل بعيد يأباه ظاهر الأحاديث الواردة فى ذلك، وقد استدل أيضا بهذه الأحاديث من قال بوجوب الصلاة
عليه بعد التشهد الأخير لأنها تدل على وجوب الصلاة عليه عند ذكره ، وقد ذكر هو فى التشهد، وهذا من أحسن ما يستدل
به على هذا المطلوب (رواه الترمذى) أى فى الدعوات من طريق سليمان بن بلال عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن على
ابن حسين بن على بن أبى طالب عن أبيه عن حسين بن على بن أبى طالب عن على بن أبى طالب. قلت: اختلفت نسخ
التر مذى فى تعيين الصحابي ففى بعضها الحديث من مسند على بن أبى طالب، وهكذا وقع فى طبعات الهند وكذا يظهر من كلام
المنذرى فى الترغيب حيث ذكر الحديث من رواية الحسين بن على بن أبى طالب وعزاه للنسائى وابن حبان فى صحيحه
والحاكى، ثم قال: والترمذى، وزاد فى سنده على بن أبى طالب، وقال ((حديث حسن صحيح غريب)) وكذلك عزاه
إليه من حديثه النابلسى فى الذخائر (ج ٣: ص ١٤) والجزرى فى جامع الأصول (ج ٥: ص ١٥٥) وفى بعض النسخ
الترمذى هو من مسند الحسين بن علىبن أبى طالب كما وقع عند غيره من أخرجه، ومنهم من جعل ذلك من اختلاف الرواة
فقد قال ابن كثير فى تفسيره بعد ذكر الحديث من المسند براوية الحسين بن على: ورواه الترمذى من حديث سليمان بن
جلال، ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ومن الرواة من جعله من مسند الحسين بن على ، ومنهم من جعله من
مسند على نفسه - انتهى. قال الشيخ الألباني: وقد اختلف على عبد الله بن على بن حسين فى إسناده كما خرجه إسماعيل
القاضى مبسوطا لكن الحدیث صحیح فإن له شاهدا من حديث أبى ذر، وآخر عن الحسن البصرى مرسلا بسند صحيح عنه،
أخرجهما القاضى، وثالث من حديث أنس عزاه الفيروزآبادى للسائى، وقال: وهذا حديث صحيح - انتهى.
٩٤٠ - قوله (ورواه أحمد) (ج ١: ص ٢٠١) (عن الحسين بن على) بن أبى طالب، عن النبي مؤ تم، وكذا رواه
٢٨٥

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى فى وفضلها
وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
٩٤١ - (١٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مؤ لّى: من صلى على عند قبرى سمعته، ومن
صل على نائيا أبلغته.
النسائى وابن حبان فى صحيحه والحاكم (ج ١: ص٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي، وابن السنى فى عمل اليوم والليلة
والطبرانى فى الكبيروإسماعيل القاضى فى فضل الصلاة (ص ١٤) قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه الترمذى
والنسائى وابن حبان والحاكم ، وإسماعيل القاضى، وأطنب فى تخريج طرقه، ويان الاختلاف فيه من حديث على ومن
حديث ابنه الحسين ، ولا يقصر عن درجة الحسن - انتهى. والحسين بن على هو الحسين بن على بن أبى طالب الهاشمى
أبو عبد الله المدنی سبط رسول الله اتے ،وريحاتهمن الدنيا ، وأحد سیدی شباب أهل الجنة ، ولد خمس ليال خلون من
شهر شعبان سنة أربع، وكانت فاطمة علقت به بعد أن ولدت الحسن بخمسين ليلة، وقد حفظ الحسين عن رسول الله حمد الله
وروى عنه، وأخرج له أصحاب السنن أحاديث يسيرة ، ومناقبه كثيرة ، استشهد بكر بلاء يوم الجمعة ، يوم عاشوراء
سنة (٦١) وله ست وخمسون سنة. وقد بسط الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ٢: ص ٣٤٨ -٣٥٣) وفى الاصابة (ج ١:
ص ٣٣٣: ٣٣٤) قصة قتله ، ثم قال: قد صنف جماعة من القدماء فى مقتل الحسين تصانيف فيها الغث والسمين ، والصحيح
والسقيم ، وفى هذه القصة التى سقتها غنى - انتهى.
٩٤٠ - قوله (من صلى على عند قبرى) أى فى بيتى قريبا من قبرى، هذا هو الظاهر لكنه غير ممكن اليوم ، لكون
رت عائشة الذى هو مدفن رسول اللّه مَالله قد سد، وبنيت على القبر حيطان مرتفعة مستديرة حوله. لا يمكن لأجلها
الدخول فى الحجرة ، والوصول إلى قرب القبر. وقيل: المراد فى حجرتى مطلقا، وهذا أيضا غير مقدور. وقيل:
المراد أعم من ذلك، أى ولو كان المصلى فى المسجد خارج الحجرة ، ولا يخفى ما فيه من الخدشات، وقد تقدمت
الإشارة إليها فى كلام الحافظ المقدسى، والعلامة السهسوانى (سمعته) أى سمعا حقيقيا بلا واسطة (ومن صلى على نائيا)
أى بعيدا عن قبرى من نأى فلانا وعن فلان ينأى نأياً: بعد عنه (أبلغته) بضم الهمزة على بناء المفعول من الابلاغ، وفى
بعض النسخ بلغته أى بصيغة المجهول مشددا من التبليغ. قال المناوى: أى أخبرت به على لسان بعض الملائكة لأن
لروحه تعلقا بمقره الشريف، وحرام على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فحاله كحال النائم - انتهى. والضمير
المنصوب راجع إلى مصدر ((صلى، كقوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى - ٥: ٨) والحديث يدل على الفرق بين
صلاة الحاضر عند قبره، وصلاة الغائب عنه، فيسمع صلاة المصلى عند قبره بنفسه، ويبلغ صلاة من صلى نائيا عنه، وقد
استدل به على أن الصلاة عند قبره مزية وفضيلة على الصلاة من بعيد عنه، واحتج بذلك على استحباب زيارة قبره {ٹ(،
٢٨٦

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى مؤفي وفضلها
رواه البيهقى فى شعب الإيمان.
وعلى ندب السفر لمجرد قصد الزيارة، لكن الحديث ضعيف جدا لا يجوز الاحتجاج به أصلا لما قد عرفت ولما ستعرف.
ولأن لفظ هذا الحديث مختلف، فاللفظ المذكور يدل على إثبات السماع عند القبر، وقد روى عن أبى هريرة نفسه ما يدل
على عدم السماع عند القبر، فقد روى البيهقى فى شعب الإيمان: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: حدثنا أبو عبد الله الصفار إملاء
حدثنا محمد بن موسى البصرى: حدثنا عبد الملك بن قريب: حدثنا محمد بن مروان -وهو يتيم لبنى السدى-عن الأعمش، عن أبى
صالح، عن أبى هريرة ، قال: قال رسول الله مَلقّى: ما من عبد يسلم على عند قبرى إلا وكل اللّه به ملكا يبلغنى وكفى أمر
آخرته ودنياه، وكنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة. وقال أبو الحسين بن سمعون: حدثنا عثمان بن أحمد بن بزيد: حدثنا محمد
ابن موسى : حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعى: حدثنى محمد بن مروان السدى، عن الأعمش ، عن أبى صالح ، عن أبى
هريرة، قال: قال رسول الله تَّه: من صلى على عند قبرى وكل اللّه به ماكا يبلغنى، وكفى أمر دنياه وآخرته، وكنت
له يوم القيامة شهدا أو شفيعا. وليس أحد من اللفظين أى اللفظ الدال على السماع عند القبر، واللفظ الآخر الدال على
عدم السماع عند القبر أولى وأرجح من الآخر ، فإن مدار الروايتين كلتيهما على محمد بن مروان السدى، وهو متروك
الحديث، منهم بالكذب، فتساقطت الروايتان جميعا. ولأن حديث أبى هريرة هذا قد عارضه أحاديث كثيرة حسنة،
مروية فى السنن، والمسانيد، والمعاجم، كحديث أبى هريرة عند أبى داود، وحديث الحسين بن على بن أبى طالب ،
وحديث على بن أبى طالب عند الضياء المقدسى ونحو ذلك، فإنها متفقة على أن من صلى عليه من أمته فإن ذلك يبلغ
ويعرض عليه، سواء كان المصلى حاضرا عند قبره قريبا منه، أو غائبا بعيدا، وليس فى شئى منها أنه يسمع صوت المصلى
عليه بنفسه، إنما فيها أنه يعرض عليه ويبلغه من غير فرق بين القريب والبعيد. ولأنه ينافيه ما تقدم من النهى عن اتخاذ
قبره عيدا. والأمر بالصلاة عليه حيث ما كان المصلى، ولأنه يخالفه حديث النهى عن شد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد
لأن تحصيل مزية الصلاة عليه عند قبره لا يتيسر لمن كان على مسافة بعيدة منه إلا بالسفر إليه . وقد نهى عن شد الرحل
إلى بقعة غير المساجد الثلاثة (رواه البيهقى فى شعب الإيمان) وأخرجه أيضا أبو بكر بن أبى شيبة ، والعقيلى ، والطبرانى
كلهم من رواية العلاء بن عمرو الحنفى، عن أبى عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة. قال البيهقى: أبو عبد الرحمن
هذا هو محمد بن مروان السدى فيما أرى ، وفيه نظر - انتهى. قلت: هذا الحديث واه جدا لا يحتج به ، فإن العلاء بن
عمرو ضعيف، لا يجوز الاحتجاج به، وأبو عبد الرحمن محمد بن مروان السدى الصغير متروك الحديث، متهم بالكذب،
وأخرجه أبو الشيخ فى كتاب الثواب من رواية أبى معاوية عن الأعمش، وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن مروان
السدى، وقد تفرد به. قال الحافظ محمد بن عبد الهادى المقدسى فى الصارم المنكى: إسناده لا يحتج به فإنه لا يعرف
إلا من حديث محمد بن مروان السدى الصغير عن الأعمش كما ظنه البيهقى ، وما ظنه فى هذا هو متفق عليه عند أهل
٢٨٧

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى موضع وفضلها
٩٤٢ - (١٨) وعن عبد الله بن عمرو، قال: من صلى على النبى معوزير واحدة، صلى الله عليه
وملائكته سبعین صلاة. رواه أحمد.
المعرفة، وهو عندهم موضوع على الأعمش. وقال فى (ص ١٩٠): هذا الحديث موضوع على رسول الله عز بة، ولم
يحدث به أبو هريرة، ولا أبو صالح، ولا الأعمش، ومحمد بن مروان السدى متهم بالكذب والوضع، ورواه عنه
العلاء بن عمرو الحنفي، ورواه عن العلاء جماعة. قال أحمد بن إبراهيم بن ملحان: حدثنا العلاء بن عمرو: حدثنا محمد
ابن مروان، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َوَّه: من صلى على عند قبرى سمعته،
ومن صلى على نائيا من قبرى أبلغته. رواه العقيلى عن شيخ له، عن العلاء بن عمرو، وقال: لا أصل له من حديث
الأعمش، وليس بمحفوظ. ورواه الطبرانى من رواية العلاء أيضا، ولفظه: من صلى على من قريب سمعته، ومن صلى
على من بعيد أبلغته. وقد تكلم أبو حاتم بن حبان، وأبو الفتح الأزدى فى العلاء بن عمرو ، فقال ابن حبان: لا يجوز
الاحتجاج به بحال، وقال الأزدى: لا يكتب عنه بحال، وقد روى بعضهم هذا الحديث من رواية أبى معاوية عن
الأعمش، وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن مروان تفرد به، وهو متروك الحديث، منهم بالكذب. ثم ذكر كلام
أئمة الجرح فيه مفصلا. وبالجملة حديث أبى هريرة هذا ضعيف غاية الضعف، واه، ساقط، بل أو ادعى أحد كونه
موضوعا لا يكون فيه شئ من المبالغة ، والعجب من المصنف أنه أورد هذا الحديث من غير أن يذكر ما فيه من الكلام
الموجب لسقوطه عن الاحتجاج والاستشهاد والاعتبار.
٩٤٢- قوله (واحدة) أى صلاة واحدة (صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة) قد تقدم الجمع بين هذا وبين
ما تقدم من حديث أبى هريرة مرفوعا: من صلى على واحدة صلى الله عليه عشرا. وقيل: إن حديث أبى هريرة من
باب الحسنات بعشر أمثالها. وهذا الحديث من قبيل مضاعفة الثواب، فيجوز من فضل الله تعالى أن يضاعف أكثر
من ذلك إلى سبع مائة كما ورد فى تضعيف أجر بعض الحسنات، وزيد هنا صلاة الملائكة وهم تابعون لأمر الله تعالى،
فإذا صلى اللّه تعالى صلى كل شئ من مخلوقاته. وقال القارى: لعل هذا مخصوص بيوم الجمعة، إذ ورد أن الأعمال فى
يوم الجمعة بسبعين ضعف (رواه أحمد) (ج ٢، ص ١٧٢، ١٨٧) بإسناد حسن، قاله المنذرى فى الترغيب، و كذا
حسنه الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١: ص ١٦٠) وفيه ابن لهيعة ، وقد تقدم الكلام فيه، وتمام الحديث: فليقل عبد من
ذلك أو لیکثر ، والحديث وإن کان من کلام عبد الله بن عمرو لکنہ فی حکم المرفوع إذ لا مجال للاجتهاد فی یان
ثواب الأعمال، ومقداره، وكيفيته، قال السخاوى فى القول البديع بعد ذكر الحديث: رواه أحمد وابن زنجويه فى ترغييه
بإسناد حسن، وحكمه الرفع إذ لا مجال للاجتهاد فيه.
٢٨٨

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى فتة وفضلها
٩٤٢ - (١٩) وعن رويفع، أن رسول اللّه مؤثر، قال: من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله
المقعد المقرب عندك يوم القيامة. وجبت له شفاعتى. رواه أحمد.
٩٤٤ - (٢٠) وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: خرج رسول الله ◌ُتے حتى دخل نخلا، فسجد،
فأطال السجود حتى خشيت أن يكون الله تعالى قد توفاه. قال: فجئت أنظر، فرفع رأسه، فقال:
ما لك؟ فذكرت له ذلك.
٩٤٣ - قوله (عن رويفع) بالتصغير، وهو ابن ثابت بن السكن الأنصارى المدنى تقدم ترجمته (من صلى على
محمد، وقال) أى بعد الصلاة عليه، ففى الحديث الجمع بين الصلاة عليه رؤيتي وسؤاله أن ينزله المقعد المقرب عنده يوم
القيامة، فمن وقع منه ذلك استحق الشفاعة المحمدية وكانت واجبة له (المقعد المقرب عندك) وصف المقعد بالمقرب باعتبار
أن كل من كان فيه فهو مقرب عند الله فهو من قبيل وصف المكان بوصف المتمكن فيه، فعلى هذا ((المقرب) اسم مفعول،
ويجوزأن يكون اسم مكان ، أى مقعد هو مكان التقريب ، والقرب عنده ، ثم قيل: هو المقام المحمود لقوله (يوم القيامة)
وقيل: المراد به الوسيلة التى هى أعلى درجة فى الجنة، لا تكون إلا له ◌َّ، وعلى هذا، المراد يوم القيامة الدار
الآخرة (وجبت) أى ثبتت، ووقعت، وتحتمت بمقتضى وعد الله الصادق (له شفاعتى) أى نوع من أنواع شفاعاته
وزير الخاصة بعض أمته من رفع درجته أو نحوها (رواه أحمد) (ج ١: ص ١٠٨) وإسماعيل القاضى فى فضل الصلاة
(ص ٢١) وفى سنده ابن لهيعة، وعزاه المنذرى فى الترغيب، والهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠: ص ١٦٣) للبزار،
والطبرانى فى الكبير، والأوسط. قال المنذرى: وبعض أسانيدهم حسنة، وقال الهيشمى: وأسانيدهم حسنة.
٩٤٤ - قوله (حتى دخل نخلا) أى بستان نخل، وفى رواية لأحمد (ج ١، ص ١٩١): فتوجه نحو صدقته،
فدخل، فاستقبل القبلة، نخر ساجدا، وفى رواية لأبى يعلى: خرجت على أثره فوجدته قد دخل حائطا من الأسواف-وهو
بالفاء موضع بالمدينة - فتوضأ، ثم صلى ركعتين، فسجد سجدة، فأطال السجود (فسجد) أى سجدة كما فى رواية أبي يعلى
(قد توفاه) أى قبض نفسه فيها: ففي رواية أحمد المتقدمة: فأطال السجود حتى ظننت أن الله عز وجل قبض نفسه فيها
(قال) أى عبد الرحمن (جئت أنظر) هل هو حى أو ميت، وفى رواية أحمد فدنوت منه (فرفع رأسه) أى من السجدة
(فقال) أي تََّ (مالك؟) أى أى شى عرض لك حتى ظهر أمارة الحزن والفزع عليك؟ وفى الرواية المذكورة من
هذا؟ فقلت: عبد الرحمن. قال: ما شأنك؟ (فذكرت له ذلك) أى الخوف المرادف للخشية التى مستفادة من خشيت،
وفى الرواية المتقدمة: قلت يا رسول الله! سحدت سجدة خشيت أن يكون الله عز وجل قد قبض نفسك فيها
٢٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى رفيع وفضلها
قال: فقال: إن جبرئيل عليه السلام قال لى: ألا أبشرك أن اللّه عز وجل يقول لك: من صلى
عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه. رواه أحمد.
٩٤٥ - (٢١) وعن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض،
لا يصعد منه شئى حتى تصلى على نبيك
(ألا أبشرك أن الله عزوجل) بفتح ((أن)) وقيل: بكسرها، لأن فى البشارة معنى القول (من صلى عليك) أى صلاة (صليت
عليه، ومن سلم عليك) أى سلاما (سلمت عليه) زاد فى الرواية المتقدمة: فسجدت لله شكرا، وقد تقدم ذكر الأحاديث
المفسرة المصرحة بأن الله تعالى يصلى على من صلى على رسوله مَ له مرة واحدة عشر صلوات (رواه أحمد) (ج ١:
ص ١٩١) قال الهيشمى: ورجاله ثقات، وأخرجه أيضا الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. ورواه أيضا إسماعيل القاضى
(ص ٦،٥) والبيهقى (ج ٢: ص ٣٧٠) وابن أبى الدنيا، وأبو يعلى، ولفظه: قال كان لا يفارق رسول الله مؤ لّه
منا خمسة أو أربعة من أصحاب النبي مَّ لما ينوبه من حوائجه بالليل والنهار، قال جئته وقد خرج، فأتبعته ، فدخل
حائطا من حيطان الأسواف، فصلى فسجد ، فأطال السجود، فبكيت، وقلت: قبض الله روحه، قال فرفع رأسه فدعانى،
فقال: ما لك؟ فقلت: يا رسول الله! أطلت السجود، قلت: قبض الله روح رسوله لا أراه أبدا. قال: سجدت شكرا
لربى فيما أبلانى فى أمتى، من صلى على صلاة من أمتى كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات ، لفظ أبي يعلى.
وقال ابن أبى الدنيا: من صلى على صلاة صلى الله عليه عشرا. وفى إسنادهما موسى بن عبيدة الربذى، وهو ضعيف.
ورواه أيضا إسماعيل القاضى بنحو أبى يعلى ، وفيه أيضا موسى بن عبيدة الربذى .
٩٤٥ - قوله (لا يصعد) بفتح الياء (منه) أى من الدعاء جنسه (حتى تصلى على نبيك) قال الطيبي: يحتمل أن
يكون من كلام عمر رضى الله عنه فيكون موقوفا، وأن يكون ناقلا كلام رسول الله {فته فحينئذ فيه تجريد، جرد {ێ}
من نفسه نبيا وهو هو، وعلى التقديرين الخطاب عام، لا يختص بمخاطب دون مخاطب، والأنسب أن يقال: النبى مشتق
من النبوة بمعنى الرضعة، أى لا يرفع الدعاء إلى الله تعالى حتى يستصحب الرافع معه، يعنى أن الصلاة على النبى منَ ◌ّ هى
الوسيلة إلى الإجابة - انتهى. والحديث يقوى قول من ذهب إلى وجوب الصلاة فى قعود التشهد الأخير. قال ابن العربي:
ومثل هذا لا يقال من قبل الرأى فيكون له حكم الرفع ـ انتهى. قال الحافظ: وورد له شاهد مرفوع فى جزء الحسن
ابن عرفة أخرج العمرى فى عمل يوم وليلة عن ابن عمر بسند جيد، قال: لا تكون صلاة إلا بقراءة، وتشهد ، وصلاة على.
وأخرج البيهقى فى الخلافيات بسند قوى عن الشعبى، وهو من كبار التابعين. قال: من لم يصل على النبى معَ ◌ّ فى الشهد
فظيعد صلاته. وأخرج الطبرى بسند صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين، قال: كنا نعلم
٢٩٠

مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
رواه الترمذى .
(١٧) باب الدعاء فى التشهد
( الفصل الأول )
٩٩٦ - (١) عن عائشة، رضى الله عنها، قالت: كان رسول اللّه مفع يدعو فى الصلاة، يقول:
اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر،
التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمداعبده ورسوله، يحمد ربه ويشى عليه، ثم يصلى على النبى( مَ ثل ثم يسأل حاجته - انتهى.
وقد تقدم ما روى عن ابن مسعود، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلى على النبى ثم يدعو لنفسه، أخرجه الحاكم بسند قوى،
وهو أقوى شئ يحتج به الشافعى فى وجوب الصلاة على النبي ◌َ ◌ّه فى قعود التشهد الأخير (رواه الترمذى) فى الصلاة من
طريق أبى قرة الأسدى. عن سعيد بن المسيب، عن عمر موقوفا لكن الوقف فى مثل هذا حكم الرفع، لأن ذلك ما لا
مجال للاجتهاد فيه. قال ابن العربى فى العارضة (ج ٢ ص ٢٧٣، ٢٧٤): مثل هذا إذ قاله عمر لا يكون إلا توقيفا
لأنه لا يدرك بنظر، ويعضده ما خرج مسلم: قال النبي ◌ُّ: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على، فإنه
من صلى على صلاة، صلى الله بها عشراً، ثم سلوا الله لى الوسيلة - الحديث. قلت: لكن رواية عمر هذه ضعيفة، لأن
أبا قرة الأسدى مجهول كما صرح به الحافظ فى التقريب، والذهبى فى الميزان، وأخرج الطبرانى فى الأوسط عن على بن أبى طالب
قال: كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد مرفي وآل محمد. قال المنذرى: إنه موقوف، ورواته ثقات، ورضعه بعضهم ،
والموقوف أصح - انتهى. وقال الهيشمى: رجاله ثقات، وأخرجه البيهقى فى الشعب من حديثه، وأخرجه الدیلی فی
مسند الفردوس من حديث أنس بلفظ: كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبى تَّ وفى إسناده محمد بن عبد العزيز
الدينورى، قال الذهبي فى الضعفاء: منكر الحديث، ويشهد لذلك كله ما تقدم من حديث فضالة بن عبيد مرفوعا، وفى
الحصن الحصين (ص٢٤٧): قال الشيخ أبو سليمان الداراني: إذا سألت الله حاجة فابدأه بالصلاة على النبي مؤ ئه، ثم
ادع بما شئت، ثم اختم بالصلاة عليه، فإن الله سبحانه بكرمه يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما - انتهى.
(باب الدعاء فى التشهد) أى فى آخره أو عقبه بعد الصلاة على النبي مؤثّم، وفى كيفية الانصراف عن الصلاة.
٦٤٦ - قوله (كان رسول اللّه مَّ يدعو فى الصلاة) أى فى آخرما بعد التشهد قبل السلام للحديث الآتى عقب هذا فقيه
تعيين محل هذه الاستعاذة بعد التشهد الأخير، وهو مقيد ، وحديث عائشة هذا مطلق فيحمل عليه (يقول) بدل أو بيان
(اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر) هو ضرب من لم يوفق الجواب بمقامع من حديد وغيره من العذاب، كشدة
٢٩١

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة المات ،
الضغطة ووحشة الوحدة، والمراد بالقبر البرزخ ، والتعبير به الغالب، أو كل ما استقر فيه أجزاء، فهو قبره.
وفيه إثبات لعذاب القبر، ورد على المنكرين لذلك من المعتزلة. والأحاديث فى الباب متواترة كما تقدم
(وأعوذ بك من فتنة المسيح) قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار. قال عياض: واستعمالها فى العرف لكشف
ما يكره، وقد تطلق على القتل، والإحراق، والنميمة، وغير ذلك. والمسيح - بفتح الميم وكسر السين المخففة آخره
هاء مهملة - وفيه ضبط آخر ، وهذا المشهور الأصح، يطلق على الدجال ، وعلى عيسى بن مريم عليه السلام، لكن إذا
أريد الدجال قيد به، واختلف فى تلقيب الدجال بذلك، فقيل: لأن إحدى عينيه ممسوحة، فعيل بمعنى مفعول، أى عينه.
ذاهبة. وقيل: لأن أحد شقى وجهه خلق بمسوحا لا عين فيه ولا حاجب. وقيل: فعيل بمعنى فاعل من المساحة، لأنه
يمسح الأرض إذا خرج، أى يقطعها بتردده فيها فى أيام معدودة إلا مكة والمدينة ، فإن الله تعالى حماهما منه بفضله،
وآخر الأمر يقتله المسيح عيسى بن مريم فى محاصرة القدس. وأما عيسى، فقيل: سمى بذلك لأنه خرج من بطن أمه مسوحا
بالدهن. وقيل: لأن زكريا مسحه. وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عامة إلابرئى. وقيل: لأنه كان سياحا يمسح الأرض
أى يقطعها بسياحته وكثرة سيره فى الأرض. وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها. وقيل: للبسه المسوح. وقيل:
أصله ((ما شيخا» بالعبرانية، وهو المبارك، فعرب المسيح. وقيل: المسيح الصديق. وذكر المجد الشيرازى صاحب
القاموس أنه جمع فى وجه تسمية عيسى بذلك خمسين قولا أوردها فى شرح مشارق الأنوار (الدجال) أى الخداع الكذاب ،
فعال من الدجل، وهو الخدع، والكذب، والتغطية، والمراد به هنا الكذاب المعهود الذى سيظهر فى آخر الزمان،
وفى معناه كل مفسد مضل. والمراد بفتنة المسيح الدجال هى ما يظهر على يده من الأمور الخارقة للعادة التى يضل بها من
ضعف إيمانه كما اشتملت على ذلك الأحاديث المشتملة على ذكره، وذكر خروجه وما يظهر للناس من تلك الأمور
(وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات) المحيا بالقصر مفعل من الحياة كالممات من الموت، والمراد الحياة والموت، ويحتمل
أن يريد زمان ذلك ويريد بذلك محنة الدنيا وما بعدها ، ويحتمل أن يريد بذلك حالة الاحتضار وحالة المسألة فى القبر،
وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين ، وسأل التثبيت فيهما، قاله القرطبى. وقال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض
للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات ، والجهالات، وأعظمها - والعياذ بالله - أمر الخاتمة عند الموت،
وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك
ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صح يعنى حديث أسماء عند البخارى («إنكم تفتنون فى قبوركم مثل أو قريبا من
فتنة الدجال)) ولا يكون مع هذا الوجه متكررا مع قوله ((عذاب القبر)) لأن العذاب مرتب عن الفتنة، والسبب غير
المسبب. وقال الطبيبى: ((فتنة المحيا) الابتلاء مع زوال الصبر والرضاء، والوقوع فى الآفات، والإصرار على السيئات،
٢٩٢

مرعاة المفاتيح ج٣
٠٠ ٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
اللهم إنى أعوذ بك من المأثم ومن المغرم. فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال:
إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف.
وترك متابعة طريق الهدى، و((فتنة الممات)) سؤال منكر ونكير مع الخيرة والخوف، وعذاب القبر وما فيه من الأهوال
والشدائد، وهذا من العام بعد الخاص، لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا
(من المأتم) أى مما يأتثم به الإنسان، أو مما فيه إثم، أو ما يوجب الإثم، أو الاثم نفسه، مصدر وضع موضع الاسم
(ومن المغرم) قال الجزرى: هو مصدر وضع موضع الاسم ، يريد به مغرم الذنوب والمعاصى. وقيل: المغرم كالغرم
وهو الدين، ويريد به ما استدين فيما يكرهه الله أو فيما يجوز ثم عجز عن أداءه، فأما دين احتاج إليه وهو قادر على
أداء، فلا يستعاذ منه - انتهى. وقال الحافظ: المغرم الدين، يقال: غرم ـ بكسر الراء - أى أدان. قيل: والمراد به
ما يستدان فيما لا يجوز، أو فيما يجوز ثم يعجز عن أداءه. ويحتمل أن يراد به ما هو أعم من ذلك، وقد استعاذ
من غلبة الدين - انتهى. وقال السندى: الظاهر أن المراد ما يفضى إلى المعصية بسبب ما (فقال له قائل) فى رواية للنسائى
أن السائل عن ذلك عائشة، ولفظها: فقلت: يا رسول الله! ما أكثر ما تستعيذ، إلخ (ما أكثر) بفتح الراء فعل التعجب
(ما تستعيذ) فى محل النصب وما مصدرية، أى استعادتك، كأن هذا القائل رأى أن الدين إنما يتعلق بضيق الحال ومثله
لا يحترز عنه أصحاب الكمال (إن الرجل) المراد به الجنس، وغالب حاله (إذا غرم) بكسر الراء أى لزمه دين ، والمراد
استدان واتخذ ذلك دأبه وعادته كما يدل عليه السياق (حدث) بتشديد الدال أى أخبر عن ماضى الأحوال لتمهيد عذر
فی التقصير (فكذب) لأنه إذا تقاضاه رب الدین ولم يحضره ما يؤدى به دینه یکذب لتخلص من يده ويقول : لى مال
غائب إذا حضر أؤدى دينك (ووعد) أى فى المستقبل بأن يقول: أعطيك غدا، أوفى المدة الفلانية (فأخلف) فى وعده،
وبما تقررعلم أن ((غرم)، شرط و((حدث)) جزاء، و((كذب)) عطف على الجزاء مرتب عليه، و((وعد)، عطف على ((حدث)) لا
على ((غرم)) و((أخلف)) مرتب عليه. وحاصل الجواب: أن الدين يؤدى إلى خلل بالدين فلذلك وقعت العناية بالمسألة.
وقد استشكل دعاءه مَّه بما ذكر مع أنه معصوم مغفور له ما تقدم وما تأخر. وأجيب بأجوبة، أحدها: أنه قصد
التعليم لأمته. ثانيها: أن المراد السؤال منه لأمته فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتى. ثالثها: سلوك طريق التواضع،
وإظهار العبودية، وإلزام خوف اللّه، وإعظامه، والافتقار إليه، وامتثال أمره فى الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب
مع تحقق الإجابة، لأن ذلك يحصل الحسنات، ويرفع الدرجات. وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك، لأنه إذا كان مع
تحقق المغفرة لا يترك التضرع، فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة. وأما الاستعاذة من فتنة الدجال مع تحققه أنه لا يدركه
فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين. وقيل: على الثالث يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه ، ويدل عليه
٢٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
متفق عليه.
٩٤٧ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَضى: إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ
بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والمات، ومن شر المسيح
الدجال. رواه مسلم.
٩٤٨ - (٣) وعن ابن عباس، رضى الله عنهما: أن النبى يؤثر كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم
السورة من القرآن، يقول: قولوا: اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب
القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والمات.
قوله فى الحديث الآخر عند مسلم: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه - الحديث. والله أعلم، كذا فى الفتح (متفق عليه)
وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى.
٩٤٧ - قوله (إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر) أى آخر الصلاة ولو كان أولا. وفيه تقييد لحديث عائشة
السابق، وبيان أن الاستعاذة المأمور بها بعد التشهد الأخير، ويدل التعقيب بالفاء وقوله («إذا فرغ، أنها تكون قبل الدعاء
المخير فيه بما شاء. وفيه رد على ابن حزم فيما ذهب إليه من وجوبها فى التشهد الأول. قال النووي: فيه التصريح
باستحبابه فى التشهد الأخير والإشارة إلى أنه لا يستحب فى الأول، وهكذا الحكم لأن الأول مبنى على التخفيف
(فليتعوذ بالله) ظاهره وجوب الاستعاذة مما ذكر، وقد ذهب إليه ابن حزم ، وروى عن طاؤس، وحمله الجمهور على
الندب ، وادعى بعضهم الإجماع على الندب، وهو لا يتم مع مخالفة من تقدم (من أربع) ينبغى أن يزاد على هذه الأربع
التعوذ من المأثم والمغرم المذكورين فى حديث عائشة (من عذاب جهنم) قدم فإنه أشد وأبقى ، بدل بإعادة الجار
(ومن شر المسيح الدجال) قيل أخره هنا لأنه إنما يقع آخر الزمان قرب الساعة. قال القارى ، قيل: له شر وخير،
غيره أن يزداد المؤمن إيمانا، ويقرأ ما هو مكتوب بين عينيه من أنه كافر، فيزيد إيقانا. وشره أن لا يقرأ الكافر
ولا يعلمه (رواه مسلم) فى الصلاة، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٩٤٨ - قوله ( کان یعلم) أی أصحابه أو أهل بيته (هذا الدعاء) أی الذی یأتی (یقول: قولوا) ذهب طاؤس
إلى وجوبه ، وأمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع بهذا الدعاء فيها، وإليه ذهب ابن حزم، والجمهور على أنه مستحب،
(اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم) فيه إشارة إلى أنه لا مخلص من عذابها إلا بالالتجاء إلى بارئها (وأعوذ بك من فتنة
المسيح الدجال) أى على تقدير لقيه (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) هذا تعميم بعد تخصيص، وكرر ((أعوذ)) فى كل
٢٩٤

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
رواه مسلم.
٩٤٩ - (٤) وعن أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله! على ذعاء أدعو
به فی صلاقی. قال: قل: اللهم إنى
واحدة إظهارا لعظم موقعها، وأنها حقيقة باعاذة مستقلة (رواه مسلم) فى الصلاة، وأخرجه أيضا مالك، وأبو داود
فى أواخر الصلاة ، والترمذى فى الدعوات ، والنسائى فى الاستعاذة .
٩٤٩ - قوله (وعن أبى بكر الصديق) هو عبد الله بن عثمان أبى قحافة ــ بضم القاف ـ ابن عامر بن عمرو بن
كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمى أبو بكر الصديق الأكبر، خليفة رسول الله مَّم وصاحبه فى الغار، وإنما سمى عتيقا
لأنه ومؤثّ قال: من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبى بكر، وهو أول الرجال إسلاما. وقال ميمون بن
مهران: لقد آمن أبو بكر بالنبي ◌َّ زمان بحيرا الراهب، واختلف بينه وبين خديجة حتى تزوجها. وذلك قبل أن
يولد على، وكان مولد أبى بكر يمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما، وشهد مع النبي تَبَّر المشاهد كلها، ولم يفارقه
فى الجاهلية، ولا فى الاسلام، وكان أفضل الصحابة، ولأبويه، وولده، وولد ولده محبة، ولم يجتمع هذا لأحد من
الصحابة. كان أيض، أشقر ، لطيفا ، نحيفاً، مسترق الوركين، خفيف العارضين. قال عمر: أبو بكر خيرنا وسيدنا،
وأحبنا إلى رسول اللّه وَج، ومناقبه وفضائله كثيرة جدا مدونة فى كتب العلماء. مات بالمدينة ليلة الثلاثاء ثمان بقين
من جمادى الآخرى سنة ثلاث عشرة من الهجرة بين المغرب والعشاء، وله ثلاث وستون سنة، وأوصى أن تغسله زوجته
أسماء بنت عميس، فغسلته، وصلی علیه عمر ، ودفن مع رسول الله گے ، وكانت خلافته سنتین وأربعة أشهر. روی
مائة واثتين وأربعين حديثا، اتفقا على سنة، وانفرد البخارى بأحد عشر، ومسلم بحديث، ولم يروعنه من الحديث إلا هذا
القدر القليل لقلة مدته بعد النبي مَثة، وترجمته فى تاريخ الشام فى مجلد ونصف (أدعو به فى صلاقى) أى عقب التشهد
الأخير والصلاة عليك والاستعاذة، وإليه جنح البخارى فى صحيحه حيث قال «باب الدعاء قبل السلام، ثم ذكر حديث
أبى بكر هذا. قال ابن دقيق العيد فى الكلام على هذا الحديث: هذا يقتضى الأمر بهذا الدعاء فى الصلاة من غير تعيين
محله، ولعل الأولى أن يكون فى أحد موطنين إما السجود وإما بعد التشهد، لأنهما أمر فيهما بالدعاء، ولعله يترجح كونه
فيما بعد التشهد بظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص فى هذا المحل. ونازعه الفا كهانى، فقال: الأولى الجمع بينهما فى المحملين
المذكورين أى السجود والتشهد. وقال النووى: استدلال البخارى صحيح لأن قوله ((فى صلاقى، يعم جميعها، ومن مظانه
هذا الموطن. وقال العينى: ظاهر الحديث عموم جميع الصلاة. ولكن المراد بعد التشهد الأخير قبل السلام ، لأن لكل
مقام من الصلاة ذكرا مخصوصا فتعين أن يكون مقامه بعد الفراغ من الكل وهو آخر الصلاة ، وبيانه أن الصلاة قياما،
٢٩٥

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
ظلمت نفسى ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفرلى مغفرة من عندك، وارحمنى، إنك أنت
الغفور الرحيم .
وركوعا، وجودا، وقعودا، فالقيام محل قراءة القرآن، والركوع والسجود لهما دعاءان مخصوصان ، والقعود محل
التشهد، فلم يبق للدعاء محل إلا بعد التشهد قبل السلام (ظلمت نفسى) أى بملابسة ما يوجب العقوبة، أو ينقص الحظ
والأجر (ظلما كثيرا) يروى بالمثلثة وبالموحدة فيخير الداعى بين اللفظين، ولا يجمع بينهما لأنه لم يرو إلا أحدهما.
وقيل: يأتى مرة بالمثلثة، ومرة بالموحدة، فإذا أتى بالدعاء مرتين فقد نطق بما نطق به النبي مُؤثّ بيقين. قال الحافظ: فى
الحديث أن الإنسان لا يعرى عن تقصير، ولو كان صديقا. قال السندى: بل فيه أن الإنسان كثير التقصير وإن كان
صديقا، لأن النعم عليه غير متناهية، وقوته لا تطيق بأداء أقل قليل من شكرها، بل شكره من جملة النعم أيضا فيحتاج إلى
شكر هو أيضا كذلك، فما بقي له إلا العجز والاعتراف بالتقصير الكثير، كيف وقد جاء فى جملة أدعيته مَ القمر ((ظلمت
نفسى، انتهى (ولا يغفر الذنوب إلا أنت) فيه إقرار بوحدانية البارى تعالى، واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار كما قال
تعالى: على أن له ربا يغفر الذنب. ويأخذ بالذنب، وقد وقع فى هذا الحديث امتثال لما أثنى الله تعالى عليه فى قوله:
﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله - ٣: ١٣٥) فأتى
على المستغفرین ، وفی ضمن ثناء، بالاستغفار لوح بالأمر به کما قيل : إن کل شتى أنی الله علی فاعله فهو آمر به، وكل شئى
ذم فاعله فهو ناه عنه. وقوله ((لا يغفر الذنوب إلا أنت)، كقوله تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله) (مغفرة) نكرها
للتعظيم أى مغفرة عظيمة ، وزادها تعظيما بوصفها بقوله: (من عندك) لأن ما يكون من عنده لا تحيط بوصفه عبارة.
وقيل ، معناه: من محض فضلك من غير سابقة استحقاق منى، أو مغفرة لائقة بعظيم كرمك. قال الطيبي: دل التنكير
على أنه غفران لا يكتنه كنهه، ثم وصف بقوله (من عندك)) مبالغة فى ذلك التعظيم، لأن ما يكون من عند الله ومن لديه
لا يحيط به وصف واصف كقوله تعالى: ﴿وعلمناه من لدنا علما - ١٨: ٦٥﴾ وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين:
أحدهما الإشارة إلى التوحيد المذكور ، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت فافعله لى أنت. والثانى - وهو أحسن - أنه
إشارة إلى طلب مغفرة منفضل بها ، لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، فهى رحمة من عنده بهذا التفسير
ليس للعبد فيها سبب، وهذا تبرؤ من الأسباب، والادلال بالأعمال والاعتقاد فى كونها موجبة للثواب وجوبا عقليا.
وبهذا الثانى جزم ابن الجوزى فقال: المعنى هب لى المغفرة تفضلا وإن لمأكن لها أهلا بعملى (إنك أنت الغفور الرحيم) هما
صفتان ذكرتاختما للكلام على جهة المقابلة لما قبله، فالغفور مقابل لقوله ((اغفر لى)) والرحيم مقابل لقوله «ارحمنى، وهى
مقابلة مرتبة. وفى هذا الحديث من الفوائد: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه عند طلب الحاجات، واستدفاع المكروهات،
وأنه يأتى من صفاته فى كل مقام ما يناسبه كالغفور الرحيم عند طلب المغفرة والرحمة، ونحو (وارزقنا وأنت خير الرازقين -
٠٠
٥: ١١٤) عند طلب الرزق، والقرآن والأدعية النبوية مملوة بذلك. وفيه أيضا استحباب طلب التعليم من العالم
٢٩٦

مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
متفق عليه .
٩٥٠ - (٥) وعن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: كنت أرى رسول اللّه مَ لل يسلم عن يمينه وعن
يساره حتی اری بیاض خده.
سيما فى الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه.
٩٥٠ - قوله (عن عامر بن سعد) بن أبى وقاص الزهرى القرشى، ثقة من أوساط التابعين، مات سنة أربع ومائة
(عن أبيه) سعد بن أبى وقاص تقدم ترجمته (كنت أرى) بفتح الهمزة (يسلم عن يمينه) قال الطبي أى مجاوزا نظره عن يمينه
كما يسلم أحد على من فى يمينه (وعن يساره) فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار (حتى أرى بياض خده)
قال الأبهرى: أى وجنته الحالية عن الشعر، وكان مشربا بالحمرة - انتهى. والمعنى حتى أرى بياض خده الأيمن فى الأولى،
والأيسر فى الثانية، وفيه دليل على مبالغة فى الالتفات إلى جهة اليمين، وإلى جهة اليسار. واعلم أن السلام للتحلل عن الصلاة
فرض لا يقوم غيره مقامه، وبهذا قال مالك، والشافعى، وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يتعين السلام للخروج من الصلاة
بل إذا خرج بما ينافى الصلاة من عمل ، أو حدث؛ أو غير ذلك جاز. قال العينى : اختلف العلماء فى هذا ؛ فقال مالك
والثانى وأحمد وأصحابهم: إذا انصرف المصلى بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة؛ وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد
إلى أن التسليم ليس بغرض حتى لو تركه لم تبطل صلاته - انتهى. قلت: السلام عند الحنفية واجب يجب إعادة الصلاة
بتركه كما صرح به بعض الحنفية، وهذا مبنى على ما أصلوه من التفريق بين الواجب والفرض، قال فى البدائع: أما.
الخروج عن الصلاة بلفظ السلام فواجب عندنا على ما هو القاعدة عند الحنفية أن خبر الواحد يعنى قوله ((تحليلها التسليم)،
يفيد الوجوب - انتهى. والحق ما ذهب إليه الجمهور من تعين السلام للخروج عن الصلاة، وأنه لا يقوم غيره مقامه
وأنه يبطل صلاة من تركه. والدليل عليه: قوله ◌َفي «وتحليلها التسليم، فإن الإضافة تقتضى الحصر فكانه قال: جميع
تحليلها التسليم أى انحصر تحليلها فى التسليم لا تحليل لها غيره. ولأنه أحد طرفى الصلاة فكان فيه نطقا واجبا. ولأن
النبى وَّ كان يسلم من صلاته، ويديم ذلك، ويواظب عليه ولا يخل به، وقد قال صلوا كما رأيتمونى أصلى. ولأنه قد
تواتر العمل عليه من لدن صاحب الشريعة موثهم إلى يومنا هذا وتلقاه الكافة عن الكافة طبقة عن طبقة، فهو ثابت متواترا
عملا، وطبقة عن طبقة، وهذا كالقعدة الأخيرة عند الحنفية، فإنها فرض عندهم تبطل الصلاة بتركها، ولا دليل على فرضيتها
إلا أخبار الآحاد أو تواتر العمل. وأما ما قيل: من أن النبى مؤفتة لم يعلم السلام المسمى فى صلاته، ولو وجب لأمره
به، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ففيه أن النبى مؤثم لم يعلمه كل الواجبات بدليل أنه لم يعلسه التشهد
والقعود وغيرهما، ويحتمل أنه اقتصر على تعليمه ما رآه أساء فيه. وأما ما روى أن رسول الله مو ئيل صلى الظهر خمسا
٢٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعد فى التشهد
ظا سلم أخبر بسنته، فتى رجل، فسجد سجدتين، أخرجه الجماعة عن ابن مسعود بطريق متعددة، وألفاظ مختلفة.
قال الطحاوى: فى هذا الحديث أنه أدخل فى الصلاة وكمة من غيرها قبل التسليم، ولم ير ذلك مفسدا للصلاة ، فعل ذلك
على أن السلام ليس من أصلها ، ولو كان واجباً كوجوب السجدة فى الصلاة لكان حکمه أيضا كذلك ولکنه بخلافه نهو
سنة. فقيه أنه ليس فيه إلا تأخير السلام لا تركه رأسا، وهذا لا يدا، على كون السلام من غير أصل الصلاة مع أن
ذلك كان فى حالة النسيان، وعلى ظن عدم الزيادة والادعال، والكلام هنا فيمن ترك السلام عمدا، وخرج من الصلاة بغير
السلام ما ينافى الصلاة. وأما ما روى عن عبدالله بن عمر مرفوعا: إذا أحدث الرجل وقد جلس فى آخر صلاته قبل أن يسلم.
فقد جازت صلاته. أخرجه أبو داود والترمذى، وسيأتى فى «باب ما لا يجوز من العمل فى الصلاة وما ياح منه». فقيه
أنه حديث ضعيف مضطرب، تفرد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقى، وضعفه أكثر الحفاظ. قال الترمذى
بعد إخراجه: ليس إسناده بذاك الحيوى، وقد أخطبربوا فى إسناده - انتهى. وفيه أيضا أنه مخالف للحديث الصحيح
«وتحليلها التسليم، فلا يقوى على معارضة بل يؤخذ بالأصح، قال الخطابى فى المعالم (ج ١: ص ١٧٥): هذا الحديث ضعيف،
.وقد تكلم الناس فى بعض نقلته، وقد عارضته الأحاديث التى فيها إيجاب التشهد والتسليم - انتهى. وأما ما روى أن
رسول الله يرفع أخذ يد عبد الله بن مسعود فعله التشهد فى الصلاة، ثم قال: إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت
صلاتك، إن شئت أن تقوم فتم، وإن شئت أن تقعد فاقعد. أخرجه أحمد وأبو داود والدار قطنى. ففيه أن قوله:
إذا قلت هذا، إلخ. مدرج من قول ابن مسعود، قال الدار قطنى: الصحيح أن قوله ((إذا قضيت هذا فقد قضيت صلاتك))
من كلام ابن مسعود، فصله شبابة عن زهير بن معاوية ، وجعله من كلام ابن مسعود ، وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه
وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود على حذفه، كذا فى المنتقى. قال الشوكانى: أما حديث ابن مسعود فقال البيهقى فى
الخلافيات: إنه كالشاذ من قول عبد الله، وإنما جعله كالشاذ لأن أكثر أصحاب الحسن بن الحر لم يذكروا هذه الزيادة،
لا من قول ابن مسعود مفصولة من الحديث، ولا مدرجة فى آخره، وإنما رواه بهذه الزيادة عبد الرحمن بن ثابت عن
الحسن، فجعلها من قول ابن مسعود وزهير بن معاوية عن الحسن، فأدرجها فى آخر الحديث فى قول أكثر الرواة عنه
ورواها شبابة بن سوارعته مفصولة كما ذكر الدار قطنى. وقد روى البيهقى من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود ما يخالف
هذه الرواية بلفظ: مفتاح الصلاة التكبير وانقضاءها التسليم، إذا سلم الامام فقم إن شئت. قال: وهذا الأثر صحيح
عن ابن مسعود. وقال ابن حزم: قد صح عن ابن مسعود إيجاب السلام فرضا، وذكررواية أبي الأحوص هذه عنه . قال
البيهقى: إن تعليم التي وزيّل التشهد لابن مسعود كان قبل فرض التسليم ثم فرض بعد ذلك، وقد صرح بأن تلك الزيادة المذكورة فى
الحديث مدرجة جماعة من الحفاظ، منهم الحاكم والبيهقى والخطيب، وقال البيهقى فى المعرفة: ذهب الحفاظ إلى أن هذا وهم من زهير
٢٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
ابن معاوية. وقال النووى فى الخلاصة: اتفق الحفاظ على أنها مدرجة انتهى. وقد رواه عن الحسن بن الحر حسينالجعنى،
ومحمد بن عجلان. ومحمد بن أبان، فاتفقوا على ترك هذه الزيادة فى آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وغيره
عن ابنمسعودعلىذلك۔انتھی کلام الشوکانی. وقد تأول القاضى أبو بكر بن العربی فی شرحالترمذى(ج٢: ص ١٩٩)حديث
ابن مسعود هذا بأنه إنما يعنى به ((فقد قضيت صلاتك فاخرج منها بتحليل كما دخلتها بإحرام» -انتهى. وهو تأويل حسن
جيد ظاهر من السياق. وقال ابن حجر: معنى ((قضيت)) قاربت أو قضيت معظمها، وهذا على تقدير تسليم أنه من الحديث
وقد عرفت مما قدمنا أن الحق هو كونه مدرجا فى آخر الحديث من كلام ابن مسعود، وقد عارضه ما صح عن ابن
مسعود عند البيهقى، وابن حزم من إيجاب السلام فرضا ، والله أعلم. ثم إن حديث سعد هذا يدل على مشروعية
التسليمتين على اليمين واليسار، واختلف فيه أيضا فالتسليمتان معا فرض فى المشهور عن أحمد لكن صمح فى المغنى والشرح
الكبير (ج ١: ص ٥٩٤) أن الفرض تسليمة واحدة، والثانية سنة. ونقل ابن المنذر والنووى إجماع العلماء على ذلك
وأما عند الحنفية فالأولى واجبة، والثانية سنة ، وقيل كلتا هما واجبتان عندهم على ما صرح به الشامى ، وصاحب البرهان ،
والكبيرى، وعليه يدل كلام صاحب البدائع. وأما عند الشافعى فالأولى فرض، والثانية مستحبة. قال فى
الأم (ج ١: ص ١٠٦) بعد رواية أحاديث التسليمتين ما نصه: وبهذه الأحاديث كلها نأخذ فنأمر كل مصل أن يسلم
تسليمتين، إماما كان أو مأموما أو منفردا، ونأمر المصلى خلف الإمام إذا لم يسلم الامام تسليمتين أن يسلم هو تسليمتين
ويقول فى كل واحدة منهما: السلام عليكم ورحمة الله (ثم قال): وإن اقتصر رجل على تسليمة فلا إعادة عليه، وأقل ما
يكفيه من تسليمه أن يقول: السلام عليكم، فإن نقص من هذا حرفا عاد فسلم - انتهى. وأما عند مالك فنير المأموم
وهو الإمام والمنفرد يسلم واحدا قبالة وجهه، ويتيامن قليلا، والمأموم يسلم ثلاثا أى عن يمينه أولا ثم يرد على إمامه،
وإن كان على يساره أحد يرد عليه. وقد ظهربهذا كله أن الاختلاف مهنا فى شيئين: الأول فى عدد الواجب ، فالجمهور
على أن الواجب واحد والثانى سنة ، خلافا للشهور عن أحمد والحنفية فى قول. والثانى فى عدد السنة ، فعند الجمهور
المسنون تسليمتان لكل مصل إماما كان أو مأموما أو منفردا. وقال أنس وعائشة وسلمة بن الأكوع من الصحابة
والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز من التابعين، والشافعى فى قول: إن المشروع تسليمة واحدة لكل مصل.
وقال مالك: يسلم غير المأموم سلاما واحدا قبالة وجهه، والمأموم ثلاثا إن كان على يساره أخد. واستدل على ذلك
بما روى فى موطأه عن ابن عمر من فعله أنه كان يسلم عن يمينه، ثم يرد على الإمام ، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد
عليه أيضا. وأخرجه أيضا البيهقى فى سننه، وهذا من متفردات ابن عمر، لم يوافقه عليه أحد من الصحابة. والحق أن
المشروع تسليمتان فقط لكل مصل، والواحدة منهما ركن لا تجزئى الصلاة إلا بها، والتسليمة الثانية سنة يدل على ذلك
٢٩٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
رواه مسلم .
٩٥١ - (٦) وعن سمرة بن جندب، قال: كان رسول اللّه مؤلت إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه.
رواه البخارى.
الأحاديث الواردة فى المسئلة، وفيه جمع بين الأخبار، وأقوال الصحابة فى أن يكون المشروع والمسنون تسليمتين،
والواجب واحدة ، وقد دل على صحة هذا الإجماع الذى حكاه ابن المنذر والنووى فلا يعدل عنه. قال ابن العربى
فى العارضة: التسليمة الواحدة إن كان حديثها عن عائشة معلولة لكن نقلها بصفة الصلاة فى مسجد رسول الله مر فهم متواتر
فهى مقدمة على رواية الآحاد: فسدوا واحدة للتحليل من الصلاة كما أحر متم بتكبيرة واحدة ، وسلوا أخرى تردون
بها على الامام ، والذى على يساركم، واحذروا عن تسليمة ثالثة، فإنها بدعة - انتهى. ويأتى بقية الكلام فى شرح
حديث عائشة فى الفصل الثالث (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه والبزار والدار قطنى ، وابن حبان
وفى الباب أحاديث كثيرة فيها ذكر التسليمتين ذكرها الشوكانى فى النيل (ج ١، ص ١٩٣) والحافظ فى التلخيص
(ص ١٠٤) والزيلعى فى نصب الراية ، قال الأمير اليمانى فى السبل: حديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة
بأحاديث مختلفة، ففيها صحيح، وحسن، وضعيف، ومتروك.
٩٥١ - قوله (إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه) معناه إذا فرغ من الصلاة استقبل المأمومين لضرورة أنه لا
يتحول عن القبلة قبل فراغ الصلاة والتسليم، وفى الباب عن زيد بن خالد الجهنى، قال: صلى لنا رسول الله مد فع صلاة
الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف (أى من صلاته) أقبل على الناس - الحديث. وعن أنس،
قال: أخر رسول الله مَثّم الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه - الحديث.
أخرجها البخارى. وعن يزيد بن الأسود، قال: حججنا مع رسول اللّه مَثل حجة الوداع، قال: فصلى بنا صلاة
الصبح، ثم انحرف جالسا فاستقبل الناس بوجهه - الحديث. أخرجه أحمد. وفى هذه الأحاديث دليل على مشروعية
استقبال المؤتمين بعد الفراغ من الصلاة، والمواظبة على ذلك لما يشعر به لفظ ((كان)). قيل: والحكمة فى استقبال المؤتمين
أن يعلمهم ما يحتاجون إليه، وعلى هذا يختص بمن كان فى مثل حاله مَثّم من الصلاحية للتعليم والموعظة. وقيل: الحكمة
فيه أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة إذ لو استمر الإمام على حاله لأوهم أنه فى التشهد مثلا. وقال الزين بن المنير:
استدبار الامام المأمومين إنما هو لحق الامامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء
والترفع على المأمومين - انتهى. هذا، وحديث البراء الآتى بعد حديثين يدل بظاهره على أنه مريض كان يقبل على من فى جهة
اليمين لا على المؤتمين جميعا، وسيأتى وجه الجمع هناك (رواه البخارى) فى عشرة مواضع مطولا ومقطعا فى الصلاة
٣٠٠