Indexed OCR Text
Pages 241-260
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
٩١٨ - (٦) وعن عبد الله بن الزبير. قال: كان النبى رفض يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها.
رواه أبو داود والنسائى. وزاد أبو داود: ولا يجاوز بصره إشارته.
٩١٩ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: إن رجلا كان يدعو بإصبعيه، فقال رسول الله في: أحد
أحد. رواه الترمذى والنسائى، والبيهقى فى ((الدعوات الكبير).
٩٢٠ - (٨) وعن ابن عمر، قال: نهى رسول اللّه مؤ تم أن يجلس الرجل فى الصلاة وهو معتمد
على يده.
٩١٨ - قوله (إذا دعا) أى تشهد، واستدل به على استمرار الرفع إلى آخر التشهد. وقد قدمنا أن الراجح أن
يديم الرفع والإشارة إلى أن ينصرف من الصلاة بالسلام، وقد صرح شيخ مشاتخنا السيد نذير حسين المحدث الدهلوى
فى بعض فتاواه بأن المصلى يستمر على الرفع إلى آخر الدعاء بعد التشهد، وقد نقل صاحب ((غاية المقصود)، فتواه بتمامها
(ولا يحركها) تقدم الكلام فيه آنفا (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى (والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد ، وابن
حبان فى صحيحه. وقال النووى: إسناده صحيح (ولا يجاوز بصره) بضم الراء (إشارته) بالنصب على المفعولية، أى بل
كان يتبع بصره إشارته لأنه الأدب الموافق للخضوع. والمعنى لا ينظر إلى السماء حين الإشارة إلى التوحيد ، بل ينظر
إلى إصبعه، ولا يجاوز بصره عنها. وهذه الزيادة أخرجها النسائى أيضا .
٩١٩- قوله (إن رجلا) قیل هو سعد بن أبى وقاص كما فى رواية أبى داود والنسائى من حديث أبى صالح عن
سعد قال: مر على النبى مٍَّ، وأنا أدعو باصبعى، فقال: أحد أحد، وأشار بالسبابة (كان يدعو) أى يشير (با صبعيه)
الظاهر أنهما المسبحتان (أحد أحد) كرر للتأكيد فى التوحيد، أى أشر بإصبع واحدة ، لأن الذى تدعوه واحد ، وهو
الله تعالى، وأصله وحّد أمر مخاطب من التوحيد، وهو القول بأن الله تعالى واحد، قلبت الواو همزة. وإيراد المصنف
هذا الحديث فى التشهد يدل على أنه حمله على الا شارة فى جلسة التشهد، وعليه حمله النسائى أيضا حيث أورد حديث أبى هريرة
هذا، وحديث سعد فى التشهد، وترجم عليهما ((باب النهى عن الإشارة بإصبعين، وبأى إصبع يشير؟)) وأخرجه الترمذى
فى الدعوات كالبيهقى، وصنيعهما يدل على أنهما حملاه على الدعاء، لا على الإشارة فى التشهد، بل عداه أدبا من جملة آداب
الدعاء، وهو الذى فهمه أبو داود حيث أخرج حديث سعد فى الدعاء. ولا شك أن الحديث يحتمل كلا المعنيين، لكن
الاحتمال الثانى الذى ذهب إليه الترمذى وأبوداود والبيهقى أى حمله على أدب الدعاء أظهر (رواه الترمذى) أى فى
الدعوات وحسنه (والنسائى) فى الصلاة. ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
٩٢٠ - قوله (وهو معتمد) أى متكثى (على يده) قال القارى: وفى نسخة ((علی یدیه» وقال ابن رسلان فى شرح
٢٤١
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
رواه أحمد وأبو داود. وفى رواية له : نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض فى الصلاة.
السنن: الرواية الصحيحة («يديه)) يعنى بل يضعهما على ركبتيه ويغذيه، فالمراد بقوله: أن يجلس الرجل فى الصلاة وهو
معتمد على يده، هو أن يضع يده فى التشهد على الأرض، ويتكنى عليها. وقيل: هو أن يجلس الرجل فى الصلاة ، ويرسل
اليدين إلى الأرض من فخذيه، والأول أقرب إلى اللفظ، ووجه الكراهة أن ذلك من شأن المتكبرين ، وبه یزول
استواء الجلوس، وظاهر النهى التحريم ، وقد تقدم شئى من الكلام فيه فى شرح قول ابن عمر قبل باب التشهد (رواه أحمد)
(ج ٢: ص ١٤٧) (وأبو داود) وسكت عنه (وفى رواية له) أى لأبى داود (نهى أن يعتمد) أى يتكثى
(الرجل على يديه إذا نهض) أى قام (فى الصلاة) بل ينهض على صدور قدميه من غير اعتماد على الأرض، واحتج بهذه
الرواية الحنفية ومن وافقهم على أن المصلى لا يعتمد على يديه عند قيامه، ويعتمد على ظهور القدمين ، لكن هذه الرواية
شاذة، والرواية الصحيحة هى الأولى ، وذلك لأن حديث ابن عمر هذا فى النهى عن الاعتماد على اليد فى الصلاة. رواه
أبو داود عن أربعة من شيوخه: الإمام أحمد بن حنبل ، وأحمد بن محمد بن شوية، ومحمد بن رافع، ومحمد بن عبد الملك
الغزال ، واللفظ الأول لفظ أحمد بن حنبل، والرواية الثانية لابن عبد الملك، ولفظ ابن شوية: نهى أن يعتمد الرجل على
يده فى الصلاة ، ولفظ ابن رافع منهى أن يصلى الرجل وهو معتمد على يده)، ووضعه فى باب الرفع من السجود ظنا منه
أن الحديث فى النهى عن الاعتماد فى الرفع من السجود. والفرق بين هذه الروايات أن رواية ابن شبوية وأبن رافع
مطلقة ، يعنى أنها تدل على النهى عن الاعتماد على اليد فى الصلاة مطلقا، سواء كان فى الجلوس أو النهوض ، وإن كان ذكر
ابن رافع حديثه فى «باب الرفع من السجود، يدل على أنه حمله على حالة النهوض من السجود ، لكن لفظ الحديث عام ،
والظاهر أن المراد منه أن يضع يديه على ركبتيه بعد الرفع من السجدة ، وأما رواية أحمد بن حنبل فهى مقيدة بحالة
الجلوس ، فإنها تدل على أن النهى عن الاعتماد على اليد فى حالة الجلوس، يعنى إذا جلس فى الصلاة سواء كان فى التشهدين
أو بين السجدتين، أو فى جلسة الاستراحة، فلا يعتمد على يديه، وكذا رواية ابن عبد الملك أيضا مقيدة لكن بحالة
النهوض، وهى تدل على أن النهى عن الاعتماد على اليد فى حالة النهوض من السجود ، فقد تعارض القيدان، والحديث
واحد، ورواية ابن عبد الملك شاذة لمخالفته من هو أوثق منه، وهو الامام أحمد بن حنبل، فإنه إمام ثقة، مشهور العدالة ،
ومحمد بن عبد الملك - وهو ابن زنجوية البغدادى أبو بكر الغزال - وإن وثقه النسائى لكنه دون أحمد بن حنبل بمراتب،
وقد ذكر الحافظ فى تهذيب التهذيب فى ترجمة عبد الملك عن ابن أبى حاتم أنه قال: وهو صدوق، وقال مسلمة: ثقة ، كثير
الخطأ - انتهى. فلا شك أن أحمد بن حنبل أقوى وأوثق من ابن عبد الملك، فتقدم روايته لكونها أرجح على رواية ابن
عبد الملك. ويرجح رواية الامام أحمد أيضا ما فى البخارى من حديث مالك بن الحويرث بلفظ: واعتمد على الأرض،
وعند الشافعى: واعتمد يديه على الأرض، والله أعلم. ثم رأيت الشيخ أحمد محمد شاكر قد بسط الكلام فى شرح هذا
٢٤٢
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
٩٢١ - (٩) وعن عبد الله بن مسعود، قال: كان النبى ◌ّ فى الركعتين الأوليين كأنه على الرضف
حتى يقوم. رواه الترمذى وأبو داود والنسائى.
الحديث فى شرحه للسند (ج ٩: ص ١٥٧ - ١٦٢) ورجح لفظ رواية الإمام أحمد، وقد أجاد وأصاب،
فعليك أن تراجعه .
٩٢١ - قوله (كان النبي مَ لّم فى الركعتين الأوليين) أى فيما بعدهما وهو التشهد الأول من صلاة ذات أربع أو
ثلاث ، وهذا لفظ أبى داود، ولفظ الترمذى: كان إذا جلس فى الركعتين الأوليين. ولفظ النسائى: كان النبي مَ اللّه فى
الركعتين. قال السندى: المراد فى جلوس الركعتين فى غير الثنائية، يدل عليه قوله: حتى يقوم (كأنه) جالس (على الرضف)
بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة بعدها فاء، الحجارة التى حميت بالشمس أو النار، واحدتها رضفة ، وهذا كناية عن
تخفيف الجلوس. قال المظهر: أراد به تخفيف التشهد الأول وسرعة القيام فى الثلاثية والرباعية يعنى لا يلبث فى التشهد
الأول كثيرا بل يخففه ويقوم مسرعاً كمن هو قاعد على حجر حار، فيكون مكتفيا بالتشهد دون الصلاة والدعاء (حتى يقوم)
وفى رواية النسائى: قلت: حتى يقوم؟ قال: ذاك يريد. قال السندى ((حتى) للتعليل بقرينة الجواب بقوله: ذاك يريد،
ولا يناسب هذا الجواب كون ((حتى، للغاية فليتأمل - انتهى. قال الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم، يختارون أن
لا يطيل الرجل القعود فى الركعتين الأوليين. ولا يزيد على التشهد شيئافى الركعتين الأوليين، وقالوا : إن زاد على التشهد
فعليه سجدتا السهو، هكذا روى عن الشعبى وغيره - انتهى. وهو الذى اختاره أبو حنيفة، وقال الشافعى: لا بأس
أن يصلى على النبى مَّمُ، قلت: الظاهر أن لا يزيد على التشهد، لكن لو زاد لا يجب عليه سجدتا السهو، لأنه لم يقم دليل
شرعى على وجوب سجدة السهو على من زاد على التشهد فى القعدة الأولى (رواه الترمذى وأبوداود والنسائى) وأخرجه
أيضا أحمد والشافعى والحاكم من طريق أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال الترمذى: هذا حديث حسن،
إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه - انتهى. فالحديث منقطع، وإنما حسنه الترمذى مع انقطاعه لشواهده. قال الحافظ فى
التلخيص (ص١٠١) بعد عزو الحديث إلى الشافعى وأحمد والأربعة، والحاكم: هو منقطع، لأن أبا عبيدة لم يسمع من
أبيه. قال شعبة عن عمرو بن مرة: سألت أبا عبيدة هل تذكر من عبد الله شيئا؟ قال: لا. رواه مسلم وغيره. وروى
ابن أبى شيبة من طريق تميم بن سلمة: كان أبو بكر إذا جلس فى الركعتين كأنه على الرضف. إسناده صحيح. وعن ابن عمر
نحوه ، ثم قال : وروى أحمد وابن خزيمة من حديث ابن مسعود: علمه التشهد، فكان يقول إذا جلس فى وسط الصلاة،
وفى آخرها على وركه اليسرى ((التحيات)) إلى قوله ((عبده ورسوله)) قال: ثم إن كان فى وسط الصلاة نهض حين يفرغ من
تشهده، وإن كان فى آخرها دعا بعد تشهده بما شاء اللّه أن يدعو ثم يسلم - انتهى. فهذه الروايات شواهد لحديث الباب
حديث ابن مسعود .
٢٤٣
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
& ( الفصل الثالث).
٩٢٢ - (١٠) عن جابر، قال: كان رسول اللّه ◌َيتم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن
بسم الله، وبالله، التحيات لله الصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أسأل الله
الجنة، وأعوذ بالله من النار.
٩٢٢ - قوله (بسم الله، وبالله) قد تفرد بهذه الزيادة أيمن بن نابل الراوى للحديث عن أبى الزبير، عن جابر
وقد رواه الليث وعمرو بن الحارث، وغيرهما عن أبي الزبير بدون هذا، وقال حمزة الكنانى: لا أعلم أحدا قال فى
التشهد ((بسم الله، وبالله)) إلا أيمن - انتهى. قلت: ووقع التسمية فى حديث عمر عند عبد الرزاق، وسعيد بن منصور،
وغيرهما، وصححه الحاكم مع كونه موقوفا، وعورض برواية مالك عن الزهرى، فإنها ليست فيها هذه الزيادة ، نعم
ثبتت فى الموطأ عن ابن عمر موقوفا، قال البيهقى: الرواية الموصولة المشهورة عن الزهرى، عن عبد الرحمن القارى، عن
عمر ليس فيها ذكر التسمية ، وأما الرواية التى فيها عن ابن عمر، فهى وإن كانت صحيحة ، فيحتمل أن تكون زيادة من جهة
ابن عمر، فقد روينا عنه، عن النبي ◌ّ حديث التشهد ليس فيه ذكر التسمية - انتهى. وورد التسمية أيضا فى حديث
ابن الزبير عند الطبرانى فى الكبير والأوسط من طريق ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبى الورد ، عن عبد الله بن
الزبير ، قال الطبرانى: تفرد به ابن لهيعة، وهو ضعيف ولا سيما وقد عالف، كذا فى التلخيص. وقال فى الفتح: وفى
الجملة لم تصح هذه الزيادة ، وقد ترجم البيهقى عليها (من استحب، أو أباح القسمية قبل التحية)) وهو وجه لبعض
الشافعية، وضعف. ويدل على عدم اعتبارها أنه ثبت فى حديث أبى موسى المرفوع فى التشهد وغيره: فإذا قعد أحدكم
ظيكن أول قوله: التحيات لله - الحديث. كذا رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة بسنده. وأخرج مسلم من طريق
عبد الرزاق هذه، وقد أنكر ابن مسعود وابن عباس وغيرهما على من زادها. أخرجه البيهقى وغيره ـ انتهى. وقال
السخاوى فى المقاصد الحسنة: زيادة التسمية فى التشهد ليس بصحيح، وقال أبو محمد البغوى، والشيخ فى المهذب: ذكر
التسمية فى التشهد غير صحيح. وقال ابن قدامة فى المغنى (ج ١: ص ٥٨٠): سمع ابن عباس رجلا يقول ((بسم الله))
فانتهره ، وبه قال مالك وأهل المدينة وابن المنذر والشافعى وهو الصحيح، لأن الصحيح من التشهدات ليس فيه قسمية
فيقتصر عليها، ولم تصح التسمية عند أصحاب الحديث، ولاغيرها مما وقع الخلاف فيه، وإن فعله جاز، لأنه ذكر - انتهى
وقال الباجى: ليس من سنة التشهد عند مالك البسملة فى أول التشهد لأنا قد بينا أن السنة هو تشهد عمر، وليس فيه
٢٤٤
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
رواه النسائي.
٩٢٣ - (١١) وعن نافع، قال: كان عبد الله بن عمر إذا جلس فى الصلاة وضع يديه على ركبتيه،
وأشار بإصبعه وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول اللّه ◌َبّى: لهى أشد على الشيطان من الحديد،
يعنى السبابة .
كذلك- انتهى (رواه النسائي) وأخرجه أيضا ابن ماجه، والترمذى فى العلل، والحاكم من طريق أيمن بن نابل، عن
أى الزبير عن جابر، قال الحافظ فى التلخيص: رجاله ثقات، إلا أن أيمن بن نابل أخطأ فى إسناده، وخالفه الليث، وهو
من أوثق الناس فى أبى الزبير فقال: عن أبي الزبير، عن طاؤس، وسعيد بن جبير عن ابن عباس، قال حمزة
الكنانى: قوله ((عن جابر)) خطأٍ ولا أعلم أحدا قال فى التشبد «بسم الله وبالله، إلا أيمن. وقال الدار قطنى: ليس بالقوى
خالف الناس. وقال يعقوب بن شيبة: فيه ضعف. وقال الترمذى: سألت البخارى عنه فقال: خطأ. وقال الترمذى:
وهموغير محفوظ. وقال النسائى: لا أعلم أحدا تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، لكن
الحديث خطأ. وقال البيهقى هو ضعيف، وأورد الحاكم فى المستدرك حديثا ظاهره أن أيمن توبع عن أبى الزير، فقال:
حدثنا أبو على الحافظ: ثنا عبد الله بن قحطبة: ثنامحمد بن عبد الأعلى: ثنا معتمر: ثنا أبى، عن أبي الزبير به. قال
الحاكم: سمعت أبا على يوثق ابن قحطبة إلا أنه أخطأ فيه، لأن المعتمر لم يسمعه من أبيه، إنما سمعه من أيمن - انتهى. كذا
فى التلخيص. وقال فى الفتح: تفرد به أيمن بن نابل، وحكم الحفاظ: البخارى وغيره على أنه أخطأ فى إسناده، وأن
الصواب رواية أبي الزبير عن طاؤس. وغيره عن ابن عباس. وفى الجملة لم تصح هذه الزيادة إلى آخر ما نقلنا من
كلامه. وقال السيوطى فى شرح سنن النسائى: قال الحاكم: أيمن ثقة تخرج حديثه فى صحيح البخارى، ولم يخرج هذا
الحديث، إذ ليس له متابع عن أبى الزبير من وجه يصح. وقال الدار قطنى فى عالمه: قد تابع أيمن الثورى وابن جريج ،
عن أبي الزبير - انتهى. قلت: لم يذكر السيوطى سند هذه المتابعة حتى ينظر فيه هل يصلح للتابعة أم لا؟ فما لم يعلم سندها
لا يحكم باعتبار ما وكونها مصححة لحديث أيمن.
٩٢٣ - قوله (وعن نافع) مولى ابن عمر (إذا جلس فى الصلاة) أى للتشهد (وضع يديه على ركبتيه) بقبض
اليمنى وبسبط اليسرى (وأشار باصبعه) أى مسبحة اليمنى (وأتبعها) أى الإشارة أو الإصبع (بصره) حين الإشارة
(لجى) أى الإشارة إلى الوحدانية (أشد على الشيطان من الحديد) المعنى: أن هذه الإشارة أشد على الشيطان من السيف
والتهم، لما فيه من التوحيد ، فيقطع طمع الشيطان من وقوع المصلى فى الإشراك والكفر (يعنى)
هذا كلام الراوى أى يريد النبي ون بالضمير فى ((لهى)) (السبابة) أى الإشارة بها، فعالة من السب،
٢٤٥
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٦ - باب الصلاة على النى مؤثّر وفضلها
رواه أحمد .
٩٢٤ - (١٢) وعن ابن مسعود، كان يقول: من السنة إخفاء التشهد. رواه أبو داود والترمذى،
وقال: هذا حديث حسن غريب.
(١٦) باب الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم وفضلها
وهو الشتم ، وسبه أيضا قطعه، والحمل على المعنى الثاني أنسب لذكر الحديد ، كأنه بالاشارة بها يقطع طمع الشيطان من
إضلاله، قاله الطبى (رواه أحمد) (ج ٢: ص ١١٩) ونسبه الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢: ص ١٤٠) إلى البزار
أيضا ، وقال: فيه كثير بن زيد، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره ـ انتهى. وروى البيهقى فى السنن الكبرى عن ابن عمر
مرفوعا: تحريك الإصبع فى الصلاة مذعرة للشيطان. قال ابن حجر وغيره : سنده ضعيف.
٩٢٤- قوله (من السنة) قال الطيبي: إذا قال الصحابى ((من السنة كذا، أو السنة كذا، فهو فى الحكم كقوله:
قال رسول الله وم للعمل. هذا مذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء، وجعله بعضهم موقوفا، وليس بشئى - انتهى (إخفاء التشهد)
كذا فى جميع النسخ بلفظ المصدر، وفى جامع الترمذى وسنن أبي داود ((أن يخفى التشهد، وهو يحتمل أن يكون مبنيا
للفاعل، ولما لم يسم فاعله، وفى رواية الحاكم (تخفى، فيكون مبنيا للفاعل فقط. والحديث دليل على أن السنة فى التشهد
أن يقرأ سرا. قال الترمذى: والعمل عليه عند أهل العلم (رواه أبو داود والترمذى وقال: هذا حديث حسن غريب)
وسكت عنه أبو داود، وأخرجه الحاكم (ج ١: ص ٢٦٧) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي.
والحديث فى سنده عند الثلاثة يونس بن بكير بن واصل الشيبانى الكوفى. قال الحافظ: صدوق يخطئى. وقال الخزرجى:
قال ابن معين: ثقة، وضعفه النسائى. وقال أبو داود: ليس بحجة، يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله أى بالأحاديث ،
روى له مسلم متابعة ، وفيه أيضا محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد رواه مععنا لكنهما لم ينفردا بهذا الحديث ، فقد
رواه أيضا الحاكم فى المستدرك (ج ١: ص ٢٣٠) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن عبد الله، عن
عبد الرحمن بن الأسود بإسناده ، وقال: صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي. وعلى هذا فالحديث
لا ينحط عن درجة الحسن .
(باب الصلاة على النبي مَّ) أى باب حكم الصلاة وصفتها ومحلها (وفضلها) أى ثوابها. قال المجد الفيروزآ بادي:
الصلاة: الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن الثناء من الله عز وجل على رسوله مح له، وعبادة فيها ركوع وسجود، اسم يوضع
موضع المصدر ، صلى صلاة لا تصلية، دعا - انتهى. وقال الحافظ فى الفتح بعد ذكر أقوال القوم فى معنى الصلاة: وأولى
الأقوال ما تقدم عن أبى العالية أن معنى صلاة الله على نبيه، ثناءه عليه، وتعظيمه: وصلاة الملائكة وغيرهم عليه، طلب
٢٤٦
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤- كتاب الصلاة
٠ ١٦ - باب الصلاة على النبى متح وفضلها
ذلك له من الله تعالى. والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة، وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة، وتكون
عامة ، فصلاته على أنبيائه هى ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة ، فهى التى وسعت كل شئ، قال:
وقال الحليمى: معنى الصلاة على النبى توتّ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد: عظم محمدا، والمراد تعظيمه فى الدنيا
باعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفى الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه فى أمته، وإبداء فضيلته بالمقام
المحمود. وعلى هذا فالمراد بقوله ((صلوا عليه)) ادعوا ربكم بالصلاة عليه - انتهى. ولا يعكر عليه عطف ((آله وأزواجه،
وذريته، عليه، فإنه لا يمتنع أن يدعى لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به. وما تقدم عن أبى العالية أظهر،
فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله، وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد - انتهى
كلام الحافظ مختصرا. واعلم أنهم اختلفوا فى أن الأمر فى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلوا تسليما -
٣٣: ٥٦) هل هو الندب أو الوجوب؟ ثم هل الصلاة عليه فرض عين أو فرض كفاية؟ ثم هل تكرر كلما سمع ذكره
أم لا؟ وإذا تكرر هل تتداخل فى المجلس أم لا؟ فذهب ابن جرير الطبرى إلى أن الصلاة عليه من المستحبات.
وقيل: إنها تجب فى العمر مرة فى صلاة أو فى غيرها، وهى مثل كلمة التوحد، قاله أبو بكر الرازى من الحنفية، وابن
حزم، وغيرهما، فهى عندهم فرض بالجملة، ولا تتعين فى الصلاة ، ولا فى وقت من الأوقات، ومن صلى عليه مرة
واحدة فى عمره فقد سقط فرض ذلك عنه، ويقى مندوبا إليه فى سائر عمره مقدار ما يمكنه ، وبهذا عرف أن الصلاة عليه
فى التشهد الأخير من الصلاة سنة مستحبة عندهم، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والثورى. وقيل: تجب
فى القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعى وأحمد ومن تبعهما ، فهى عندهم من فرائض الصلاة ،
وأركانها. والفرض منها عندهم متعين فى الصلاة. وقيل : تجب فى الصلاة من غير تعيين المحل، نقل ذلك عن أبى جعفر
الباقر، وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية. وقيل: كلما ذكر، قاله
الطحاوى، وجماعة من الحنفية، والحليمى، وجماعة من الشافعية. وقال ابن العربى من المالكية: إنه الأحوط، وكذا
قال الزمخشرى. وقال فى الدر المختار: اختلف الطحاوى والكرخى فى وجوبها على السامع والذاكر كلما ذكر،
والمختار عند الطحاوى تكرار الوجوب كلما ذكر، ولو اتحد المجلس فى الأصح، لا لأن الأمر يقتضى التكرار ، بل لأنه
تعلق وجوبها بسبب متكرر، وهو الذكر فيتكرر بذكره، وتصير دينا بالترك. فتقضى لأنها حق عبد كالتشميت، بخلاف
ذكر الله تعالى. والمذهب استحباب التكرار، وعليه الفتوى، والمعتمد قول الطحاوى، كذا ذكره الباقانى تبعا لما صححه
الحلبى وغيره، ورجحه فى البحربأحاديث الوعيد كرغم، وإبعاد، وشقاء، وبخل، وجفاء -انتهى. وقيل: تجب فى مجلس مرة،
ولو تكرر ذكره مرارا، حكاه الزمخشرى. وقيل: فى كل دعاء، حكاه أيضا. هذا إجمال الكلام فى معنى الصلاة على
٢٤٧
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٦ - باب الصلاة على النبى وم وفضلها
﴿ الفصل الأول )
٩٢٠ - (١) عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، قال: لقينى كعب بن عجرة،
النبي ◌ُّه وحكمها. ويؤخذما أوردنا من بيان الآراء فى حكمها بيان محلها وحكمها فى الصلاة خاصة. ومن المواطن.
التى اختلف فى وجوب الصلاة عليه فيها: التشهد الأول، وخطبة الجمعة، وغيرها من الخطب، وصلاة الجنازة، وما
يتأكد ووردت فيه أنجار خاصة أكثرها بأسانيد جيدة: عقب إجابة المؤذن وأول الدعاء ووسطه وآخره، وفى أولها
آكد، وفى آخر القنوت وفى أثناء تكبيرات العيد وعند دخول المسجد والخروج منه. وعند الاجتماع والتفرق وعند البيفر
والقدوم، وعند القيام لصلاة الليل وعد ختم القرآن وعند الهم والكرب وعند التوبة من الذنب وعند قراءة الحديث
فى العلم والذكر وعند نسيان الشئى، وورد ذلك أيضا فى أحاديث ضعيفة، وعند استلام الحجر وعند طنين الأذن
وعند التلبية وعقب الوضوء وعند الذيج والعطاس، وورد المنح منها عند هما أيضا، وورد الأمر الإكثار منها يوم الجمعة فى
حديث صحيح، كذا فى الفتح. وأما صفتها، فقال ابن قدامة فى المفتى (ج ١ ص ٥٨٥): الأولى أن يأتى بالصلاة على
النبى مؤثّم على الصفة التى ذكر الخرقى لأن ذلك حديث كعب بن عجزة، وهو أصح حديث رومى فيها. وعلى أى صقة
أتى بالصلاة عليه مما ورد فى الأخبار أى الصحيحة جاز، كقولنا فى التشهد، وظاهره أنه إذا أخل بالت ساقط فى بعض
الأخبار جاز، لأنه لو كان واجبا لما أغفله التى مَوَّل. قال القاضى أبو يعلى: ظاهر كلام أحمد أن الصلاة واجبة على
النبى ◌َُّ حسب لقوله فى خبر أبى زرعة: الصلاة على النبى مؤثر أمر، من تركها أعاد الصلاة، ولم يذكر الصلاة على آله،
وهذا مذهب الشافعى، ولهم فى وجوب الصلاة على آله وجهان. وقال بعض أصحابنا: تجب الصلاة على الوجه الذى فى
خبر كعب، لأنه أمر به، والأمر يقتضى الوجوب، والأول أولى، والتى مت إنما أمرهم بهذا حين سألوه تعليمهم،.
ولم يبتدهم به - انتهى. وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك إن شاء الله تعالى. وقد أطال الكلام فى مسئلة الصلاة عليه فأجاد ،
ميساء
وأحسن العلامة الخفاجى فى ((نسيم الرياض، شرح (شفاء القاضى عياض، والإمام ابن القيم في ((جلاء الأفهام)
والسخاوى فى (القول البديع فى الصلاة على الشفيع، والقسطلانى فى ((المواهب اللدنية) من أحب رجع إلى هذه الكتب.
٠ ٩٢٥- قوله (عن عبد الرحمن بن أبى ليلى) الأنصارى المدنى ثم الكوفى، ثقة من كبار التابعين، اختلف فى
سماعه من عمر ، مات بوقعة الجماجم سنة ست وثمانين. وقيل: إنه غرق بدجيل، ووالده أبو ليلى الأنصارى، صاب».
اسمنه بلال، أو بليل - بالتصغير - ويقال: داود، وقيل: يسار - بالتحتانية - وقيل: أوض .. شهد أحدا وما بعد ماره:
وعاش إلى خلافة على (لقينى كعب) وعند الطبرى: إن ذلك كان وهو يطوف بالبيت الحرام (بن عجرة) بضم العين.
٢٤٨
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٦ - باب الصلاة على النبى معرفة وفضلها
فقال: ألا أهدى لك هدية سمعتها من النى مَّةٍ؟ فقلت: بلى، فأهدها لى. فقال: سألنا رسول الله
وَفِّ، فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم
المهملة وسنكون الجي بعدها راء مفتوحة فهاء تأنيث، البلوى حليف الأنصار، أبو محمد المدنى، صحابى مشهور، نزل الكوفة
قال الواقدى: استأخر إسلامه، ثم أسلم وشهد المشاهد، وهو الذى نزلت فيه بالحديبية الرخصة فى حلق رأس الحرم
والفدية. روى سبعة وأربعين حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بمثلهما، روى عنه جماعة. مات بالمدينة سنة
إحدى، وقيل: ثتين، وقيل: ثلاث وخمسين. قال بعضهم: وهو ابن خمس، وقيل: سبع وسبعين سنة
(فقال) لى (ألا) الحمزة للاستفهام (أهدى) بضم الهمزة (هدية) بتشديد الياء، وهى اسم مصدر، والمصدر إهداء
لأنه من «أهدى، والهدية ما يتقرب به إلى المهدى إليه توددا وإكراماً. وزاد فيه بعضهم ((من غير
قصد نفع عوض دنيوى، بل لقصد ثواب الآخرة، وأكثر ما يستعمل فى الأجسام لاسيما والهدية فيها نقل من مكان إلى
آخر ، وقد يستعمل فى المعانى كالعلوم والأدعية مجازا لما يشتركان فيه من قصد المواددة والتواصل فى إيصال ذلك إليه
(فأهدما) بقطع الهمزة (فقال سألنا) بسكون اللام، والفاء للتفسير، إذ التقدير: أردنا السؤال (فقلنا) أراد بإيراد
صيغة الجمع نفسه وغيره من الصحابة ممن كان حاضرا. قال فى الفتح: وقد وقفت من تعيين من باشر السؤال على
جماعة، وهم كعب بن عجرة عند الطبرانى ، وبشير بن سعد والد النعمان فى حديث أبى مسعود عند مالك، ومسلم ، وزيد
ابن خارجة الأنصارى عند النسائى، وطلحة بن عبيد الله عند الطبرى، وأبو هريرة عند الشافعى، وعبد الرحمن بن بشير
عند إسماعيل القاضى فى كتاب الصلاة ، فإن ثبت أن السائل كان متعددا فواضح، وإن ثبت أنه كان واحدا فالحكمة
بالتعبير بصيغة الجمع الإشارة إلى أن السؤال لا يختص به بل يريد نفسه، ومن يوافقه على ذلك، ولا يقال هو من باب
التعبير عن البعض بالكل، بل حمله على ظاهره هو المعتمد لما ذكر. وعند البيهقى والخلعى عن كعب بن عجرة، قال: لما
تؤك: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي - ٣٣: ٥٦) الآية، قلنا: يا رسول الله ! قد علمنا - الحديث (كيف
الصلاة ؟) أى كيف لفظ الصلاة فى الصلاة بعد التشهد؟ قال القاضى: يحتمل أن يكون سؤالهم عن كيفية الصلاة فى غير
الصلاة ، ويحتمل أن يكون فى الصلاة. قال: وهو الأظهر. قال النووي: وهذا ظاهر اختيار مسلم، ولهذا ذكر هذا
الحديث فى هذا الموضع أى بعد أحاديث التشهد (عليكم) فيه تغليب، ويدل عليه الحديث الآتى: كيف نصلى عليك؟.
قاله القارى. وقال الحافظ: أما إتيانه بصيغة الجمع فى قوله ((عليكم، فقد بين مراده بقوله «أهل البيت، لأنه لو اقتصر عليها
لاحتمال أن يريد بها التعظيم، وبها تحصل مطابقة الجواب للسؤال حيث قال ((على محمد وعلى آل محمد، وبهذا يستغنى عن
قول من قال: فى الجواب زيادة على السؤال لأن السؤال وقع عن كيفية الصلاة عليه، فوقع الجواب عن ذلك بزيادة
٢٤٩
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى معَفّة وفضلها
أهل البيت؟ فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليك.
كيفية الصلاة على آله - انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى: المقصود السؤال عن كيفية الصلاة عليه موضة، وذكر
أهل البيت تبعا واستطرادا. وقيل: أهل البيت كناية عن ذاته مَّع، والأهل بمعنى الآل، وقد يقال: آل فلان، ويراد
به نفسه وذاته فقط. كما قيل فى آل داود ونحوه. وفى قوله ((أهل البيت» تلميح إلى قوله تعالى: ﴿رحمة الله وبركاته
عليكم أهل البيت - ١١: ٧٣) والقرينة على إرادة هذا المعنى قوله الآتى: فإن الله قد علمنا، إلخ (أهل البيت) بالنصب
على المدح والاختصاص ، أو على أنه منادى مضاف ، ويجوز جره بكونه عطف بيان لضمير المخاطب (فإن الله قد علنا
كيف نسلم عليك) يعنى فى التشهد، وهو قول المصلى «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، والمعنى: علمنا الله
كيفية السلام عليك على لسانك ، وبواسطة بيانك، وفى رواية للبخارى: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلى عليك؟
وفى أخرى: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ أى إن الله تعالى أمرنا بالصلاة والسلام عليك بقوله:
﴿صلوا عليه وسلموا تسليما - ٣٣: ٥٦) وقد عرفنا كيفية السلام عليك بما علمتنا فى التحيات من أن نقول:
السلام عليك أيها النبى، إلخ. فعلمنا كيف اللفظ الذى به فصلى عليك كما علمتنا السلام؟ فالمراد بعدم
عليهم الصلاة عدم معرفة تأديتها بلفظ لائق به عليه الصلاة والسلام، ولذا وقع بلفظ ((كيف)) التى يسأل به)
عن الصفة. قال القرطبى: هذا سؤال من أشكلت عليه كيفية ما فهم أصله ، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة فسألوا
عن الصفة التى تليق بها ليستعملوها - انتهى. والحامل لهم على ذلك أن السلام لما تقدم بلفظ مخصوص وهو (السلام.
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) فهموا منه أن الصلاة أيضا تقع بلفظ مخصوص، وعدلوا عن القياس لإمكان
الوقوف على النص ، ولا سيما فى ألفاظ الأذكار، فإنها تجئى خارجة عن القياس غالبا، فوقع الأمر كما فهموا، فإنه لم
يقل لهم: قولوا الصلاة عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا قولوا: الصلاة والسلام عليك، إلخ. بل عليهم صيغة
أخرى. وفى حديث أبى مسعود البدرى عند أحمد فى مسنده، وابن خزيمة فى صحيحه، والدار قطنى فى سنته، وابن
حبان فى صحيحه، والحاكم فى مستدركه، والبيهقى فى سننه: أنهم قالوا ، يا رسول الله! أما السلام فقد عرفناه، فكيف
فصلى عليك إذا نحن صلينا فى صلاتنا؟. وفى رواية: كيف نصلى فى صلاتنا؟. قال الدار قطنى : إسناده حسن متصل.
وقال البيهقى: إسناده حسن، صحيح، وصححه الحاكم أيضا. واستدل به جماعة من الشافعية كابن خزيمة ، والبيهقى
على إيجاب الصلاة على النبى معَ ◌ّ فى كل صلاة فى القعود آخر الصلاة بين التشهد والسلام. وتعقب بأنه لا دلالة فيه على
ذلك، بل إنما يفيد إيجاب الاتيان بهذه الألفاظ على من صلى على النبى مؤمه فى التشهد. وعلى تقدير أن يدل على إيجاب
أصل الصلاة فلا يدل على هذا المحل الخصوص، ولكن قرب البيهقى ذلك بأن الآية لما نزلت وكان النبي مَّ قد علهم
كيفية السلام عليه فى التشهد، والتشهد داخل الصلاة ، فسألوا عن كيفية الصلاة، فعلمهم، فدل على أن المراد بذلك
٢٥٠
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى فتے وفضلها
قال، قولوا: اللهم صل على محمد
إيقاع الصلاة عليه فى التشهد بعد الفراغ من التشهد الذى تقدم تعليمه لهم، وأما احتمال أن يكون ذلك خارج الصلاة فهو
بعيد كما قال عياض وغيره (قولوا) قال القسطلانى: الأمر ههنا للوجوب اتفاقا، نعم اختلف هل يتعدد أم لا؟ فقيل: فى
العمر مرة واحدة، وقيل: فى كل تشهد يعقبه سلام، قاله الشافعى. وقال الشوكانى فى النيل: قوله فى الحديث («قولوا،
استدل بذلك على وجوب الصلاة علیه ژ ێ بعد التشهد ، وإلى ذلك ذهب عمر ، و ابنه ، وابن مسعود ، وجابر بن زيد ،
والشعبى، ومحمد بن كعب القرظى، وأبو جعفر الباقر، والشافعى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن المواز. واختاره القاضى
أبو بكر ابن العربى ، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، منهم مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثورى، والأوزاعى،
وآخرون. قال: ويمكن الاعتذار عنه بأن الأمر المذكور تعليم كيفية، وهو لا يفيد الوجوب، فإنه لا يشك من له
ذوق أن من قال لغيره: إذا أعطيتك درهما فكيف أعطيك إياه أسراً أم جهرا؟ فقال له: أعطنيه سرا، كان ذلك أمرا
بالكيفية التى هى السرية ، لا أمرا بالاعطاء. وتبادر هذا المعنى لغة وشرعا وعرفا لا يدفع، وقد تكرر فى السنة وكثر ؛
فنه : إذا قام أحدكم الليل فليفتح الصلاة بركعتين خفيفتين - الحديث. وقد أطال الكلام على دلائل القائلين بوجوب الصلاة
عليه مرَّةٍ فى القعود آخر الصلاة ، والاعتذار عنها. ومال إلى عدم وجوبها فى الصلاة. والأحوط عندى هو وجوبها
لما تقدم من تقرير البيهقى فى الاحتجاج لذلك، ولما سيأتى. وقد ألزم العراقى من قال من الحنفية بوجوب الصلاة عليه
كلما ذكر، كالطحاوى ، ونقله السروجى فى شرح الهداية عن أصحاب المحيط، والعقد، والتحفة، والمغيث ، من كتبهم
أن يقولوا بوجوبها فى التشهد، لتقدم ذكره فى آخر التشهد، لكن لهم أن يلتزموا ذلك ، لكن لا يجعلونه شرطا فى مصحة
الصلاة (اللهم) هذه كلمة کثر استعمالها فى الدعاء، وهو بمعنی یا الله، والميم عوض عن حرف النداء، ولا يدخلها حرف
النداء إلا فى نادر ، كقول الراجز :
إنی إذا مات حادث أما
أقول : يا اللهم يا اللهما
واختص هذا الاسم بقطع الهمزة عند النداء ووجوب تفخيم لامه ، وبدخول حرف النداء عليه مع التعريف ، وبالباء فى
القسم ، وذهب الفراء ومن تبعه من الكوفيين إلى أن أصله يا ألله! وحذف حرف النداء تخفيفا، والميم مأخوذة من جملة
محذوفة مثل أمنا بخير، وقيل: بل زائدة كما «زرقم) الشديد الزرقة، وزيدت فى الاسم العظيم تفخيما، وقيل غير ذلك
(صل على محمد) قال الجزرى فى النهاية، معناه: عظمه فى الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفى
الآخرة بتشفيعه فى أمته، وتضعيف أجره ومثوبته. وقيل ، المعنى: لما أمر الله سبحانه بالصلاة عليه ولم تبلغ قدر الواجب
من ذلك أحلناء على الله، وقلنا: اللهم صل أنت على محمد لأنك أعلم بما يليق به. وهذا الدعاء قد اختلف هل
يجوز إطلاقه على غير النبى مَبية أم لا؟ والصحيح أنه خاص به فلا يقال لغيره. وقال الخطابي: الصلاة التى بمعنى التكريم
٢٥١
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على التى تح وفضلها
وعلى آل محمد ،
والتعظيم لا تقال لغيره، والتى بمعنى الدعاء والتبرك تقال لغيره، ومنه الحديث: اللهم صل على آل أبي أوفى ، أى ترحم
وبرك. وقيل فيه: إن هذا خاص له لكنه هو آثر به غيره، وأما سواء فلا يجوز له أن يخص به أحدا - انتهى كلام
الجزرى. وارجع للتفصيل إلى الفتح، والعمدة، وزاد المعاد، والقول البديع. قال الحليمى: المقصود بالصلاة على
النبى مُؤَّ التقرب إلى الله بامتثال أمره وقضاء حق النبى مؤقّ علينا، وتبعه ابن عبد السلام، فقال: ليست صلاتنا على
النبي ◌َّ شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله لما أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء
فأرشدنا الله لما على عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه. وقال ابن العربى: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذى يصلى
عليه لدلالة ذلك على نصوع العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة ، والمداومة على الطاعة، والاحترام الواسطة
الكريمة ◌َّه. واختلف فى زيادة لفظ السيادة قبل محمد جعله ابن عبد السلام من باب سلوك الأدب، ومال الشوكانى
فى النيل إلى أولويته. وقال الأسنوى: قد اشتهر زيادة ((سيدنا)) قبل ((محمد) عند أكثر المصلين وفى كون ذلك أفضل
فظر - انتهى. قلت: أما فى الصلاة فالظاهر هو تركه وعدم زيادته امتثالا للأمر، واتباعا لللفظ المأثور، وأما فى غير
الصلاة فلا بأس بزيادته. قال السيوطى فى الدر المنثور: أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن ماجه وابن مردويه
عن ابن مسعود، قال: إذا صليتم على النبى وَّةٍ فأحسنوا الصلاة، قالوا: فعلنا. قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك،
ورحمتك، وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين - الحديث. قال السخاوى: إن كثيرا من الناس يقولون ((اللهم
صل على سيدنا محمد، وأتى فى ذلك بحثا : أما فى الصلاة فالظاهر أنه لا يقال اتباعا للفظ المأثور، وأما فى غير الصلاة فقد
أفكر مَّ على من خاطبه بذلك كمافى الحديث المشهور، وإنكاره يحتمل تواضعا، أو كراهة منه أن يحمد مشافهة، أو لأن
ذلك كان من تحية الجاهلية، أو لمبالغتهم فى المدح، وقد صح قوله مَثّم: أنا سيد ولد آدم، وقوله للحسن: إن ابنى هذا
سيد، وقوله لسعد: قوموا إلى سيدكم. وورد قول سهل بن حنيف النبي مثل: يا سيدى، فى حديث عند النسائى، وقول
ابن مسعود: اللهم صل على سيد المرسلين. وفى كل هذا دلالة واضحة على جواز ذلك، والمانع يحتاج إلى دليل سوى
ما تقدم، لأنه لا ينهض دليلا مع الاحتمالات المتقدمة - انتهى (وعلى آل محمد) قد اختلف فى المراد بالآل فى هذا
الحديث ، فقيل: الراجح أنهم من حرمت عليهم الزكاة، فإنه بذلك فسرهم زيد بن أرقم، والصحابى أعرف بمراد. مؤليه
فتفسيره قرينة على تعيين المراد من اللفظ المشترك، وقد فسرهم بآل على ، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس.
وقيل: المراد بآل محمد، أزواجه وذريته، لأن أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ «وآل محمد)) وجاء فى حديث
أبي حميد التالى موضعه «وأزواجه وذريته، فدل على أن المراد بالآل الأزواج والذرية. وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة
﴿ فى حديث أبى هريرة الآتى فى الفصل الثالث فيحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، فالمراد بالآل فى التشهد
٢٥٢
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النى مؤفتح وفضلها
كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
الأزواج، ومن حرمت عليهم الصدقة . وتدخل فيهم الذرية ، فبذلك يجمع بين الأحاديث. وقد أطلق على أزواجه
آل محمد كما فى حديث عائشة: ما شيع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثا، وفى حديث أبى هريرة: اللهم اجعل رزق آل محمد
قرنا، وكأن الأزواج أفردوا بالذكر تنويها بهم وكذا الذرية. وقيل: المراد بالآل جميع أمة الاجابة. قال ابن
العربى: مال إلى ذلك مالك. وقال النووى فى شرح مسلم: هو أظهر الأقوال ، قال: وهو اختيار الأزهرى وغيره من
المحققين - انتهى. وقيده القاضى حسين، والراغب، بالأتقياء منهم. وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى
﴿إن أولياء، إلا المتقون - ٨: ٣٤ ) وقوله من («إن أوليائى منكم المتقون، وإلى حمله على أمة الإجابة ذهب نشوان
الحميرى إمام اللغة ، ومن شعره فى ذلك :
آل التي هم أتباع ماته
من الأعاجم والسودان والعرب
صلى المصلى على الطاغى أبي لهب
لو لم يكن آله إلا قرابته
ويدل على ذلك أيضا قول عبد المطلب من أيات:
وانصر على آل الصليب . .
وعابدیه اليوم آلك
والمراد بآل الصليب أتباعه. ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب - ٤٠: ٤٦﴾ لأن
المراد بآله أتباعه، وقد احتج لهذا القول بحديث أنس رفعه: آل محمد كل تقى. أخرجه الطبرانى، ولكن سنده واه جدا.
وأخرج البيهقى عن جابر نحوه من قوله بسند ضعيف ، ويؤيد ذلك معنى الآل لغة. قال فى القاموس: الآل أهل الرجل
وأتباعه، وأولياء،، ولا يستعمل إلا فيما فيه شرف غالبا، فلا يقال آل الإسكاف، كما يقال أهله - انتهى. وفى تفسيره
أقوال أخرى كلها مرجوحة ضعيفة، فلا حاجة إلى ذكرها ، ولولا ضعف حديث أنس وكون سنده واهيا جدا لتعين
تفسير آل محمد فى التشهد بأتقياء أمته، ثم لعل وجه إظهار محمد فى قوله «وآل محمد، مع تقدم ذكره هو أن استحقاق
الآل بالاتباع لمحمد، فالتنصيص على اسمه آكد فى الدلالة على استحقاقهم، والله تعالى أعلم (كما صليت على إبراهيم) ذكر
فى وجه تخصيصه من بين الأنبياء وجوه، أظهرما كونه جد النبى مَثّل، وقد أمرنا بمتابعته فى أصول الدين أو فى التوحيد
المطلق والانقياد المحقق، قاله القارى (وعلى آل إبراهيم) هم ذريته من إسماعيل وإسحاق كما جزم به جماعة من الشراح،
وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر، فهم داخلون لا محالة. ثم إن المراد المسلمون منهم بل المتقون
فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم. وفيه ما تقدم فى آل محمد، قاله الحافظ. وقال
الباجى: «وآل إبراهيم، أتباعه، وهذا يحتمل أن يريد به أتباعه من ذريته، ويحتمل أن يريد أتباعه من كل من اتبعه، أى
من غير تخصيص بذريته، قال: والأظهر عندى أن الآل الأتباع والعشيرة. واستشكل هذا التشبيه، لأن المقرر كون
٢٥٣
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النی لے وفضلها
المشبه دون المشبه به، والواقع ههنا عكسه لأن محمدا ◌َية وحده أفضل من إبراهيم وآله. وأجيب عن ذلك بأجوبة، منها:
أن التشبيه إنما هو الأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر، فهو كقوله تعالى {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح-١٦٣:٤)
وقوله ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم-١٨٣:٢ ) وهو كقول القائل ((أحسن إلى ولدك كما أحسنت
إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره. ومنه قوله تعالى ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك - ٢٨: ٧٧) ورجح
هذا الجواب القرطبى فى المفهم. ومنها: أن الكاف للتعليل كما فى قوله تعالى ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم -٢: ١٥١) وفى قوله
﴿ واذكروه كما هداكم - ٢: ١٩٨ ) ومنها: أن قوله: اللهم صل على محمد، مقطوع عن التشبيه فيكون التشبيه متعلقا بقوله
((وعلى آل محمد، يعنى أنه تم الكلام بقوله («اللهم صل على محمد، ثم استأنف ((وعلى آل محمد» أى وصل على آل محمد كما صليت
على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، والمنشول له مثل إبراهيم وآله، هم آل محمد ربيع لا لنفسه. وفيه أن هذا الجواب وإن نقله أبو حامد
عن قص الشافعى، لكنه خلاف الظامر. وتعقب أيضا بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف تطلب لحم
صلاة مثل الصلاة التى وقعت لا يراهيم والأنبياء من آله؟ ويمكن الجواب عن ذلك بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم
لا جميع الصفات التى كانت سببا للثواب. ومنها: أن المسئول مقابلة الجملة بالجملة، ويدخل فى ((آل إبراهيم» خلافق
لا يحصون من الأنبياء، ولا يدخل فى «آل محمد، ني، وطلب إلحاق هذه الجملة التى فيها نى واحد بتلك الجملة التى فيها خلائق
من الأنبياء. ومنها: أن النشبيه لمحمد وآل محمد من صلاة كل فرد فرد فيحصل من مجموع صلاة المصلين من أول التعليم
إلى آخر الزمان أضعاف ما كان لآل إبراهيم . وعبر إين العربى عن هذا بقوله: المراد دوام ذلك واستمراره. ومنها : دفع
المقدمة المذكورة أولا وهى أن المشبه به يكون أرفع من المشبه، وأن ذلك ليس بمطرد ، بل قد يكون التشبيه بالمثل بل
وبالدون كما فى قوله تعالى ﴿مثل نوره كمشكاة - ٢٤: ٣٥) وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لما كان المراد من
المشبه به أن يكون شيئا ظاهرا واضحا للسامح حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا مهنا لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة
عليهم مشهورا واضحا عند جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما حصل لا براهيم، وآل
إبراهيم ، ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله «فى العالمين، أى كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فى
العالمين، ولذا لم يقع قوله ((فى العالمین، إلا فی ذکر آل إبراهيم، دون ذكر آل محمد على ما وقع فى الحديث الذى ورد فيه،
وهو حديث أبى مسعود عند مالك ومسلم وغيرهما. وعبر الطبي عن ذلك بقوله: ليس التشبيه المذكور من باب إلحاق
الناقص بالكامل ، بل من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر. ومنها: ما قال السندى: أما تشبيه صلاته مرثية بصلاة إبراهيم
فلعله بالنظر إلى ما يفيده واو العطف من الجمع، والمشاركة، وعموم الصلاة المطلوبة له ولأهل بيته مر تع، أى شارك
أهل بيته معه فى الصلاة، واجعل الصلاة عليه عامة له ولأهل بيته كما صليت على إبراهيم كذلك، فكانه مربع لما رأى أن
٢٥٤
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى محبة وفضلها
إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد،
الصلاة عليه من اللّه تعالى ثابتة على الدوام كما هو مفاد صيغة المضارع المفيد للاستمرار التجددى فى قوله (إن الله
وملائكته يصلون على النبي - ٣٣: ٥٦} فدعاء المؤمنين بمجرد الصلاة عليه قليل الجدوى ، بين لهم أن يدعوا له بعموم
صلاته له ولأهل بيته ليكون دعاءهم مستجلبا لفائدة جديدة، وهذا هو الموافق لما ذكره علماء المعانى فى القيود أن محط
الفائدة فى الكلام هو القيد الزائد ، وكأنه لهذا خص إبراهيم لأنه كان معلوما بعموم الصلاة له ولأهل بيته على لسان
الملائكة ولذا ختم بقوله («إنك حميد مجيد، كما ختمت الملائكة صلاتهم على أهل بيت إبراهيم بذلك. ومنها: ما قال بعض
المحققين: وجه الشبه هو كون كل من الصلاتين أفضل، وأولى، وأتم من صلاة من قبله، أى كما صليت على إبراهيم
صلاة هى أتم، وأفضل من صلاة من قبله، كذلك صل على محمد صلاة هى أفضل وأتم من صلاة من قبله. قال السندى
بعد ذكره: ويمكن أن تجعل وجه الشبه مجموع الأمرين من العموم والأفضلية (إنك حميد) فعيل من الحمد بمعنى محمود
وأبلغ منه، وهو من حصل لهمن صفات الحمد أكملها. وقيل: هو بمعنى الحامد أى إنك حالة من يستحق أن يحمد من
عبادك، وقيل: هو بمعنى المستحق لجميع المحامد لما فى الصيغة من المبالغة (مجيد) مبالغة ماجد من المجمد وهو الشرف،
والمجيد صفة من كمل فى الشرف، وهذا تذييل الكلام السابق وتقرير له على سبيل العموم ، أى إنك حميد، فاعل ما
تستوجب به الحمد من النعم المتكاثرة والآلاء المتعاقبة المتوالية، مجيد، كريم الإحسان إلى جميع عبادك الصالحين، ومن.
محامدك وإحسانك أن توجه صلواتك ، وبركاتك، وترحمك على حبيبك نبى الرحمة وآله، أو إنك حامد من يستحق أن
يحمد، ومحمد من أحق عبادك بحمدك، وقبول دعاء من يدعوله ولآله (اللهم بارك على محمد) أى أثبت له وأدم له ما أعطيته
من الشرف والكرامة، وزده من الكمالات ما يليق بك وبه. قال الحافظ : المراد بالبركة هنا الزيادة من الخير
والكرامة. وقيل: المراد التطهير من الذنوب والتزكية. وقيل: المراد إثبات ذلك واستمراره من قوله: بركت
الإيل أى ثبتت على الأرض، وبه سميت بركة الماء - بكسر أوله وسكون الثانية - لإقامة الماء فيها. والحاصل أن المطلوب
أن يعطوا من الخير أوفاه وأن يثبت ذلك ويستمر دائما - انتهى. قال القارى: وهذا زيادة على أصل السؤال ووقع
تتميما الكمال. واستدل بهذا الحديث على تعين هذا اللفظ الذى علمه النبى مَّ لأصحابه فى امتثال الأمر، سواء قلنا.
بالوجوب مطلقا أو مقيدا بالصلاة ، وأما تعينه فى الصلاة فعن أحمد فى رواية، والأصح عند أتباعه لا تجب. واختلف
فى الأفضل فعن أحمد أكمل ما ورد وعنه يتخير، وأما الشافعية فقالوا: يكفى أن يقول: اللهم صل على محمد، واختلفوا هل
يكفى الإتيان بما يدل على ذلك كأن يقوله بلفظ الخبر فيقول «صلى الله على محمد، مثلا؟ والأصح إجزاءه، وذلك أن الدعاء
بلفظ الخبر آكد فيكون جائزا بطريق الأولى. ومن منع وقف عند التعبد،وهو الذىرجحه ابن العربى ، بل كلامه يدل على
أن الثواب الوارد لمن صلى على النبى وئهم إنما يحصل لمن صلى عليه بالكيفية المذكورة. قال الحافظ فى الفتح: واتفق
٢٥٥
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب: الصلاة على النبى مئ وفضلها
كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أصحابنا على أنه لا يجزئى أن يقتصر على الخبر كأن يقول: الصلاة على محمد، إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله تعالى،
واختلفوا فى تعين لفظ محمد ، لكن جوزوا الاكتفاء بالوصف دون الاسم، كالنبى، ورسول الله، لأن لفظ ((محمد) وقع
التعبد به، فلا يجزئى عنه إلا ما كان أعلى منه. وذهب الجمهور إلى الاجتزاء بكل لفظ أدى المراد بالصلاة عليه ومبدئي
وعمدتهم فى ذلك أن الوجوب ثبت بنص القرآن بقوله تعالى: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليما - ٣٣: ٥٦)، فلما سأل الصحابة
عن الكيفية وعلمها لهم النبي ◌َّةٍ، واختلف النقل لتلك الألفاظ اقتصر على ما اتفقت عليه الروايات ، وترك ما زاد على
ذلك كما فى التشهد إذ لو كان المتروك واجبا لما سكت عنه. وقد استشكل ذلك ابن الفركاح فى الاقليد فقال: جعلهم
هذا هو الأقل ، يحتاج إلى دليل على الاكتفاء بمسمى الصلاة ، فإن الأحاديث الصحيحة ليس فيها الاقتصار والأحاديث
التى فيها الأمر بمطلق الصلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب من ذلك فى الصلاة ، وأقل ما وقع فى الروايات: اللهم صل على
محمد كما صليت على إبراهيم، ومن ثم حكى الفورانى عن صاحب الفروع فى إيجاب ذكر إبراهيم وجهين، واحتج لمن
لم يوجبه بأنه ورد بدون ذكره فى حديث زيد بن خارجة عند النسائى بسند قوى، ولفظه «صلوا على، وقولوا: اللهم
صل على محمد وآل محمد)) وفيه نظر ، لأنه من اختصار بعض الرواة ، فإن النسائى أخرجه من هذا الوجه بتمامه، وكذا
الطحاوى. واختلف فى إيجاب الصلاة على الآل ففى تعيينها أيضا عند الشافعية والحنابلة روايتان ، والمشهور
عندهم لا وهو قول الجمهور، وادعى كثير منهم فيه الاجماع. ونقل البيهقى فى الشعب عن أبى إسحاق المروزى، وهو
من كبار الشافعية ، قال: أنا اعتقد وجوبها قال البيهقى: وفى الأحاديث الثابتة دلالة على صحة ما قال. انتهى كلام الحافظ.
وقال الأمير اليمانى فى شرح حديث أبى مسعود البدرى عند مالك وأحمد ومسلم ، وغيرهم: الحديث يقتضى أيضا وجوب
الصلاة على الآل ، ولا عذر لمن قال بوجوب الصلاة عليه مَثّم مستدلا بهذا الحديث من القول بوجوبها على الآل، إذ
المأمور به واحد، ودعوى النووى وغيره الإجماع على أن الصلاة على الآل مندوبة غير مسلمة ، بل نقول: الصلاة عليه
مرّيّ لا تم، ولا يكون العبد ممتثلابها. حتى يأتى بهذا اللفظ النبوى الذى فيه ذكر الآل، لأنه قال السائل: كيف نصلى عليك؟ فأجابه
بالكيفية أنها الصلاة عليه وعلى آله، فمن لم يأت بالآل فاصلى بالكيفية التى أمر بها، فلا يكون ممتثلا للا مر، فلا يكون مصليا
عليه مَّ، وكذلك بقية الحديث من قوله: كما صليت ، إلى آخره يجب، إذ هو من الكيفية المأمور بها ومن فرق بين
ألفاظ هذه الكيفية بإيجاب بعضها وندب بعضها فلا دليل له على ذلك - انتهى. وقال الشوكانى فى تحفة الذاكرين بعد ذكر
حديث أبى مسعود البدرى: فيه تقييد الصلاة عليه منْ ه بالصلاة فيفيد ذلك أن هذه الألفاظ المروية مختصة بالصلاة، وأما خارج.
الصلاة فيحصل الامتثال بما يفيده قوله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما - ٣٣: ٥٦) فإذا
قال القائل ((اللهم صل وسلم على محمد، فقد امتثل الأمر القرآنى، وقد جاءت أحاديث فى تعليمه معَ ة لصفة الصلاة عليه
٢٥٦
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى تؤثر وفضلها
متفق عليه، إلا أن مسلما لم يذكر: على إبراهيم، فى الموضعين.
٩٣٦ - (٢) وعن أبي حميد الساعدى، قال: قالوا: يا رسول الله!
فيجزئى المصلى أن يأتى بواحد منها إذا كان صحيحا كما قلناه فى التشهد والتوجه، ولكنه ينبغى أن يأتى بما هو أعلى صحة وأقوى
سندا كحديث كعب، وأبى مسعود، ومثل ذلك حديث أبي حميد الساعدى يعنى الذى يأتى،ومثل ذلك حديث أبى سعيد الخدرى
عند البخارى والنسائى وابن ماجه ـ انتهى. قال الحافظ: واستدل بالحديث على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره ،
وكذا العكس، لأن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة كما تقدم ، فأفرد التسليم مدة فى التشهد قبل الصلاة عليه ، وقد
صرح النووى بالكرامة، واستدل بورود الأمر بهما معا فى الآية، وفيه نظر نعم يكره أن يفرد الصلاة، ولا يسلم أصلا .
وأما لو صلى فى وقت، وسلم فى وقت آخر فإنه يكون مثلا - انتهى. قال القارى فى شرح الشفاء: الواو تفيد الجمعية لا
المعية كما عليه الأصولية فلا دلالة فى الآية على كراهية إفراد الصلاة عن السلام، وعكته كما ذهب إليه النووى وأتباعه
من الشافعية، وقد أوضحت ذلك فى رسالة مستقلة - انتهى (متفق عليه) ولفظه للبخارى فى ترجمة إبراهيم عليه السلام فى
كتاب الأنبياء. والحديث أخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم (إلا أن مسلما لم يذكر ((على
إبراهيم، فى الموضعين) أى فى قوله ((كما صليت)، وفى قوله(كما باركت)، أى واقتصر فيهما على قوله((على آل إبراهيم)، وقد ظهر من
سياق البخارى المذكور أن ذكر محمد وإبراهيم، وذكر آل محمد وآل إبراهيم ثابت فى أصل الخبر فيحمل على أن بعض الرواة
حفظ ما لم يحفظ الآخر. قال الحافظ: لما اختلفت ألفاظ الحديث فى الاتيان بهما معا وفى إفراد أحدهما كان أولى المحامل أن
يحمل على أنه تمَّم قال ذلك كله، ويكون بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، وأما التعدد فبعيد، لأن غالب الطرق تصرح بأنه
وقع جوابا عن قولهم كيف نصلى عليك؟ ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على ((آل إبراهيم)بدون ذكر إبراهيم، رواه بالمعنى
بناء على دخول إبراهيم فی قوله «آل إبراهيم، تنبيه: ادعی ابن القيم أن أ کثرالأحاديثبل كلها مصرحة بذکر «محمد وآل محمد.
وبذكر ((آل إبراهيم، فقط أو بذكر «إبراهيم، فقط. قال: ولم يبحثى فى حديث صحيح بلفظ «إبراهيم وآل إبراهيم، معا. وإنما أخرجه
البيهقى من طريق يحيى بن السباق، عن رجل من بنى الحارث، عن ابن مسعود ، ويحيي مجهول، وشيخه مبهم، فهو سند
ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قوى، لكنه موقوف على ابن مسعود، وأخرجه النسائى، والدار قطنى من
حديث طلحة ، قال الحافظ بعد ذكر كلام ابن القيم هذا : وغفل أى ابن القيم عما وقع فى صحيح البخارى كما تقدم فى أحاديث
الأنبياء فى ترجمة إبراهيم عليه السلام ، وكذا وقع فى حديث أبى مسعود البدرى، أخرجه الطبرى، إلى آخر ما بسط
الكلام فى ذكر الطرق لأحاديث من ذكر اللفظين معا .
٩٨٨ - قوله (قالوا) أى الصحابة، ووقع عند السراج والطبرانى فى حديث كعب بن عجرة: أن أصحاب رسول الله
٢٥٧
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى ثمّ وفضلها
كيف نصلى عليك؟ فقال رسول اللّه ◌َف: قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت
على آل إبراهيم،
◌َّ قالوا (كيف نصلى عليك؟) أى كيف اللفظ اللائق بالصلاة عليك (صل على محمد) صلاة تليق به (وأزواجه)
أمهات المؤمنين كما ورد التقييد بذلك فى حديث أبى هريرة الآتى (وذريته) أى نسله أولاد بنته فاطمة رضى الله عنها.
قال الباجى: أما الأزواج فهن معروفات. وأما الذرية فمن كانت النبي ◌َّل ولادة من ولده، وولده من تبع النبي ميله
وأطاعه - انتهى. وقال الحافظ: الذرية - بضم المعجمة وحكى كسرها - هى النسل، وقد يختص بالنساء والأطفال، وقد
يطلق على الأصل، وهى من ذرأ - بالهمزة - أى خلق الإنسان، إلا أن الهمزة سهلت لكثرة الاستعمال. وقيل: بل هى
من الذر، أى خلقوا أمثال الذر، وعليه فليس مهموز الأصل - انتهى. قال السخاوى: فالذرية الأولاد وأولادهم،
وهل يدخل أولاد البنات. فذهب الشافعى وما لك، وهو رواية عن أحمد أنهم يدخلون لإجماع المسلمين على دخول أولاد
فاطمة فى ذرية النبى مَّ، وحكى ابن الحاجب الاتفاق على دخول ولد البنات . قال: لأن عيسى من ذرية إبراهيم عليهما
السلام، وسامحه الشراح فى نقل الاتفاق. ومذهب أبي حنيفة ورواية أخرى عن أحمد أنهم لا يدخلون، واستثنوا أولاد
فاطمة رضى الله عنها لشرف هذا الأصل العظيم - انتهى. والحديث قد استدل به على أن المراد بآل محمد أزواجه وذريته
كما تقدم البحث فيه فى الكلام على آل محمد. واستدل به على أن الصلاة على الآل لا تجب لسقوطها فى هذا الحديث وهو
ضعيف لأنه لا يخلو أن يكون المراد بالآل غير أزواجه وذريته ، أو أزواجه وذريته، وعلى تقدير كل منهما لا ينهض
الاستدلال على عدم الوجوب، أما على الأول فشبوت الأمر بذلك فى غير هذا الحديث، وليس فى هذا الحديث المنع منه،
بل أخرج عبد الرزاق من طريق ابن طاؤس، عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن رجل من الصحابة الحديث
المذكور بلفظ: صل على محمد، وأهل بيته، وأزواجه، وذريته. وأما على الثانى فواضح. واستدل به البيهقى على أن
الأزواج من أهل البيت، وأيده بقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله أذهب عنكم الرجس أهل البيت - ٢٣:٣٣) كذا فى
الفتح (على آل إبراهيم) بذكر لفظ الآل فى الموضعين. وبحذف ((على إبراهيم، فيهما، وقد تقدم أن ذكر إبراهيم ثابت
فى أصل الخبر، وإنما حفظ بعض الرواة مالم يحفظ الآخر، ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على آل إبراهيم بدون
ذكر إبراهيم رواه بالمعنى بناء على دخول إبراهيم فى قوله ((آل إبراهيم، لأنه قد يطلق ((آل فلان)) على نفسه، وعليه، وعلى
من يضاف إليه جميعا، كقوله تَّ للحسن بن على: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، وكقوله تعالى: ﴿أدخلوا آل
فرعون أشد العذاب ٤٠: ٤٦) ومعلوم أن فرعون داخل معهم. قال النووى فى شرح المهذب: ينبغى أن يجمع ما
فى الأحاديث الصحيحة فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمى، وعلى آل محمد، وأزواجه، وذريته، كما صليت على
إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فى
العالمين إنك حميد مجيد. قال العراقى: بقى عليه مما فى الأحاديث الصحيحة ألفاظ أخر، وهى خمسة يجمعها قولك: اللهم
٢٥٨
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى ٹے وفضلها
وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. متفق عليه.
٩٢٧ - (٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّى: من صلى على واحدة، صلى اللّه عليه عشرا.
صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمى، وعلى آل محمد ، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته كما صليت على
إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد النبي الأمى، وعلى آل محمد ، وأزواجه، وذريته ، كما
باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم فى العالمين إنك حميد مجيد - انتهى. قال الشوكانى فى النيل: وهذه الزيادات
التى ذكرها العراقى ثابتة فى أحاديث الباب التى ذكرها ابن تيمية فى المنتقى، وذكرناها، وقد وردت زيادات غير هذه فى
أحاديث أخر عن على، وابن مسعود ، وغيرهما ولكن فيها مقال ـ انتهى. وقال الحافظ: قد تعقب الأسنوى ما قال
النووى فقال: لم يستوعب ما ثبت فى الأحاديث مع اختلاف كلامه، وقال الأذرعى: لم يسبق إلى ما قال، والذى يظهر
أن الأفضل لمن تشهد أن يأتى بأكمل الروايات ، ويقول: كل ما ثبت هذا مرة، وهذا مرة ، وأما التلفيق فإنه يستلزم
إحداث صفة فى التشهد لم ترد مجموعة فى حديث واحد - انتهى. وكأنه أخذ من كلام ابن القيم فإنه قال: إن هذه
الكيفية لم ترد مجموعة فى طريق من الطرق. والأولى أن يستعمل كل لفظ نبت على حدة فبذلك يحصل الاتيان بجميع ما
ورد، بخلاف ما إذا قال الجميع دفعة واحدة، فإن الغالب على الظن أنه من فضله لم يقله كذلك ، قال: وقد نص الشافعى
على أن الاختلاف فى ألفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف فى القراءات ، ولم يقل أحد من الأئمة باستحباب التلاوة بجميع
الألفاظ المختلفة فى الحرف الواحد من القرآن وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرين. قال الحافظ : والذى
يظهر أن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر سواء كما فى ((أزواجه، وأمهات المؤمنين)) فالأولى الاقتصار فى كل مرة على
أحدهما ، وإن كان اللفظ يستقل بزيادة معنى ليس فى اللفظ الآخر ألبتة فالأولى الإتيان به. ويحمل على أن بعض الرواة
حفظ ما لم يحفظ الآخر، وإن كان يزيد على الآخر فى المعنى شيئا فلا بأس بالإتيان به احتياطا. وقالت طائفة منهم
الطبرى: إن ذلك من الاختلاف المباح ، فأى لفظ ذكره المرأ أجزأ ، والأفضل أن يستعمل أكمله وأبلغه. واستدل
على ذلك باختلاف النقل عن الصحابة ، فذكر ما نقل عن على وهو حديث طويل موقوف أخرجه الطبرى، وسعيد بن
منصور ، والطبرانى، وابن فارس، وعن ابن مسعود أخرجه ابن ماجه، والطبرى - انتهى كلام الحافظ مختصرا
(متفق عليه) واللفظ للبخارى فى ترجمة إبراهيم من كتاب الأنبياء، وفى الدعوات، وأخرجه أيضا أحمد، ومالك، وأبو
داود ، والنسائى ، وابن ماجه .
٩٢٧ - قوله (من صلى على واحدة) أى صلاة واحدة (صلى الله عليه عشرا) أى عشر صلوات، وكلما زاد
زاده بذلك النسبة. قال الشوكانى: المراد بالصلاة من الله الرحمة لعباده، وأنه يرحمهم رحمة بعد رحمة حتى تبلغ رحمته
ذلك العدد ، وقيل: المراد بصلاته عليهم إقباله عليهم بعطفه، وإخراجهم من ظلمة إلى رفعة ونور كما قال سبحانه: {رهو
٢٥٩
رنة المفايح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى روشية وفضلها
رواه مسلم
(( الفصل الثانى )؟
٩٢٨ - (٤) عن أنس، قال: قال رسول اللّه عَّ: من صلى على صلاة واحدة، صلى الله عليه
عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات.
الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور - ٣٣: ٤٣) انتهى. وقال عياض، معناه: رحمه وضاعف
أجره، كقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - ٦: ١٦٠) قال القارى: والظاهر أن هذا أقل المضاعفة.
قال عياض: ويجوز أن تكون الصلاة على وجهها وظاهرها كلاما يسمعه الملائكة تشريفا الصلى وتكريما له، كما جاء: وإن
ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم - انتهى. وقد يستشكل بأبه كيف يجوز أن يكون الصلاة على النبى مؤ تم واحدة
وعلى المصلى عشرا؟. وأجيب بأن الواحدة صفة فعل المصلى، وجزاءها عشر صلوات من الله عليه على ما قال تعالى: (من
جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - ٦: ١٦٠﴾ ولا يفهم منه أن الصلاة على النبى ◌َّم من اللّه تكون واحدة، فإن فضل الله
واسع، ولو سلمنا أن الصلاة على النبي مَ ◌ّه من الله تكون واحدة، فلعل هذه الصلاة الواحدة من اللّه تساوى فى
الشرف مائة ألف صلاة، أو تزيد فى الشرف والكرامة بمائة ألف مرة . كما أن الجوهرة الواحدة الثمينة النفيسة تساوى
فى الثمن مائة ألف فلس، والله أعلم. والجمع بين هذا الحديث وبين ما يأتى من حديث عبد الله بن عمرو، قال: من صلى
على النبي ◌َّ واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة، بأنه مؤثّم كان يعلم بهذا الثواب شيئًا فشيئًا، فكلما علم بشئى
قاله، فعلم ◌َّ بأن ثواب من صلى عليه هو ما فى الحديث الأول، وما ورد فى معناه، فأخبر به، ثم علم بأن ثوابه هو
ما جاء فى الحديث الثانى فأخبر به. قال ابن العربى فى عارضة الأحوذي (ج ٢: ص ٢٧٣): الذى اعتقده، والله أعلم
أن قوله: من صلى على واحدة صلى الله عليه عشرا، ليست لمن قال: كان رسول اللّه عَلَه، وإنما هى لمن صلى عليه كما
على بما قصصناه عنه، والله أعلم - انتهى (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد، والترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن
حبان فى صحيحه، وفى بعض ألفاظ الترمذى: من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرا، وكتب له بها عشر حسنات.
لكن رواية الترمذى هذه لم أجدها، وقد أشار إليها المنذرى فى الترغيب وذكر أنها رواية عند الترمذى فكأنه لم يجدها
فی کتاب آخر .
٩٢٨ - قوله (وحطت عنه عشر خطيئات) أى غفرت، وسترت، ووضعت، ولعله اختير لفظ ((حطت)) لمقابلة
قوله: (ورفعت له عشر درجات) فى الدنيا بتوفيق الطاعات، وفى القيامة بتثقيل الحسنات، وفى الجنة بزيادة
الكرامات. قال الطيبي: الصلاة من العبد طلب التعظيم والتبجيل لجناب رسول الله عزّة، والصلاة من الله تعالى أى
٢٦٠