Indexed OCR Text
Pages 161-180
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
برسول الله موت من فلان. قال سليمان: صليت خلفه فكان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر،
ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ فى المغرب بقصار المفصل، ويقرأ فى العشاء بوسط المفصل ،
ويقرأ فى الصبح بطول المفصل. رواه النسائى وروى ابن ماجه إلى ((ويخفف العصر)).
٨٩٠ - (٣٣) وعن عبادة بن الصامت، قال: كنا خلف النى مَلَّم فى صلاة الفجر، فقرأ، فثقلت
عليه القراءة. فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤن خلف إمامكم؟
(من فلان) زاد أحمد فى روايته ((لإمام كان بالمدينة)) وفى شرح السنة البغوى ((إن فلانا)) يريد به أميرا كان على المدينة،
قيل اسمه عمرو بن سلمة، وليس هو عمر بن عبدالعزيز كما قيل، لأن ولادة عمر بن عبد العزيز كانت بعد وفاة أبى هريرة ،
والحديث مصرح بأن أبا هريرة صلى خلف فلان (قال سليمان صليت خلفه) أى خلف ذلك الفلان، وهذا لفظ أحمد ،
ولفظ النسائى من رواية، فضلُنا وراء ذلك الإنسان (ويخفف العصر) أى بالنسبة إلى الظهر (فى المغرب) أى فى
الأولين منه، وكذا فى العشاء (بوسط المفصل) بفتح الواو والسين المهملة، والمفصل عبارة عن السبع الأخير من
القرآن، أوله سورة (الحجرات) سمى مفصلا لأن سوره قصار، كل سورة كفصل من الكلام (بطول المفصل) بضم.
الطاء المهملة وفتح الواو جميع الطولى، كالكبر فى الكبرى. وقيل: بضم الطاء ومكون الواو، مصدر بمعنى الوصف.
وفى بعض النسخ بطوال المفصل - بكسر الطاء جمع الطويلة - والحديث قد استدل به على استحباب قراءة قصار المفصل
فى المغرب لما عرفت من إشعار لفظ ((كان) بالمداومة. قيل فى الاستدلال به على ذلك نظر، لأن قوله («أشبه صلاة»
يحتمل أن يكون فى معظم الصلاة لا فى جميع أجزاءما، ويمكن أن يقال فى جوابه: إن الخبر ظاهر فى المشابهة فى جميع
الأجزاء فيحمل على عمومه حتى يثبت ما يخصصه. وقد تقدم الكلام فى القراءة فى صلاة المغرب مفصلا، وأن القول
الراجح هو أن القراءة فيها بطوال المفصل وقصاره سنة، والاقتصار على نوع من ذلك إن انضم إليه اعتقاد أنه السنة
دون غيره مخالف لهديه تَّ (رواه النسائي) قال الحافظ فى الفتح: وصححه ابن خزيمة وغيره ، وقال فى بلوغ المرام:
إسناده صحيح - انتهى. والحديث أخرجه أيضا أحمد.
٨٦٠ - قوله (فقرأ) أى النبي ◌َّة (فثقلت عليه القراءة) أى شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة، ويحتمل أن يراد
به أنها التبست عليه القراءة بدليل ما فى رواية لأبى داود من حديث عبادة بلفظ: فالتبست عليه القراءة. قال المظهر:
عسرت القراءة على النبى وَّ لكثرة أصوات المأمومين بالقراءة. والسنة أن يقرأ المأموم سرا بحيث يسمح كل واحد
نفسه (فلما فرغ) أى من الصلاة (لعلكم تقرؤن خلف إمامكم) قيل: هو سؤال فيه معنى الاستفهام للتقرير لا لطلب
١٦١
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
قلنا: نعم، يا رسول الله! قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها.
التصديق، ويؤيده رواية الترمذى بلفظ: إنى أراكم تقرؤن وراء إمامكم. وإنما قال: خلف إمامكم، وحق الظاهر ((خافى))
ليؤذن بأن تلك الفعلة غير مناسبة لمن يقتدى بالامام (قلنا: نعم) زاد أبو داود فى روايته «هذاً، قال الخطابي فى المعالم
(ج ١: ص ٢٠٥): ((الهذ)) سرد القراءة ومداركتها فى سرعة واستعجال. وقيل: أراد بالهذ الجهر بالقراءة،
وكانوا يلبسون عليه قراءته بالجهر، وقد روى ذلك فى حديث عبادة من غير هذا الطريق - انتهى (لا تفعلوا إلا
بفاتحة الكتاب) قال الخطابي: قوله ((لا تفعلوا) يحتمل أن يكون المراد به الهذ من القراءة، وهو الجهر بها. ويحتمل
أن يكون أراد بالنهى ما زاد من القراءة على فاتحة الكتاب - انتهى. قلت: على الاحتمال الأول يكون الحديث بظاهره
دليلا على الاذن بقراءة الفاتحة جهرا لأنه استثنى من النهى عن الجهر خلفه، لكن أخرج البخارى فى جزء القراءة، وابن
حبان، والبيهقى فى كتاب القراءة، وأبو يعلى، والطبرانى فى الأوسط من حديث أنس أن النبى مَ ◌ّم صلى بأصحابه، فلما قضى
صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: أتقرؤن فى صلاتكم والامام يقرأ؟ فسكتوا ، فقالها ثلاث مرات ، فقال قائل - أو
قائلون - إنا لنفعل. قال فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب فى نفسبه. هذالفظ البخارى (فإنه لاصلاة لمن لم يقرأ بها) قال
الخطابى فى المعالم (ج ١: ص ٢٠٥): هذا الحديث نص بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلى خلف الإمام، سواء
جهر الامام بالقراءة أو خافت بها. وإسناده جيد لا طعن فيه. قلت : الأمر كما قال الخطابى ، لا شك فى أن هذا
الحديث نص صريح فى أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على المأموم فى جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية، لأن الاستثناء
من النفى عند الجمهور إثبات، فيكون ظاهر الحديث مفيدا لإباحة القراءة بالفاتحة خلف الإمام، لا الوجوب، لكنه ههنا
يحمل على إفادة الوجوب، لا الإباحة، والإذن، والرخصة فقط، لقوله مَّ («فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، فقوله هذا
دليل واضح وحجة صريحة لحمل الاستثناء السابق على إفادته الوجوب، قال الشيخ عبد الحى اللكنوى فى السعاية: قد
ثبت بحديث عبادة وهو حديث صحيح قوى السند: أمره ◌َّم بقراءة الفاتحة للقتدى-انتهى. وقال الطحاوى فى شرح معانى
الآثار: أما حديث عبادة فقد بين الأمر، وأخبر عن رسول الله مَّم أنه أمر المأمومين بالقراءة خلفه بفاتحة الكتاب.
قلت: وقد ورد الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام صريحا فى حديث أنس، وقد تقدم لفظه. وفى حديث عادة عند
الطبرانى فى الكبير ولفظه: من على خلف الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب، كذا فى كنز العمال (ج ٤: ص ٩٦) ووقع
هذا الحديث فى مجمع الزوائد (ج ٢: ص ١١١) (طبعة مصر القاهرة) بلفظ: من قرأ خلف الإمام. بدل (من صلى، إلخ
والظاهر أنه خطأ من النساخ، فقد ذكره السيوطى فى الجامع الصغير بلفظ (من صلى، كما فى الكنز. قال الهيشمى: رجاله
موثقون. وقال العلقمى فى شرحه: بجانبه علامة الحسن. وفى حديث أبى هريرة عند البيهقى فى كتاب القراءة بعد ذكر
١٦٢
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
رواه أبو داود، والترمذى. وللنسائى معناه، وفى رواية لأبى داود، قال: وأنا أقول: ما لى ينازعنى
القرآن؟ فلا تقرؤا بشئى من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن.
مثل هذه القصة: اقرؤا بفاتحة الكتاب. فهذه الروايات صريحة فى الأمر بقراءة الفاتحة للمقتدى. وقد أجاب الحنفية
عن حديث عبادة هذا بوجوه كلها مخدوشة مردودة ، ذكر هذه الوجوه الشيخ اللكنوى فى ((إمام الكلام، وحاشيته
(غيث الغمام)، مع بيان ما فيها من الخدشات. وقد رد على هذه الوجوه شيخنا أيضا ردا حسنا فى ((أبكار المنن)) وفى
وتحقيق الكلام، والعلامة المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الامرتسرى كتاب نفيس فى هذه المسئلة سماه ((الكتاب المستطاب
فى جواب فصل الخطاب، قد رد فيه على ما جمعه الشيخ محمد أنور من تقريراته المنتشرة فى هذه المسئلة، فعليك أن تراجعه
أيضا لتقف على تشغيات الحنفية ومراوغاتهم الجدلة، ودسائسهم الخبيثة الواهية ، وتمويهاتهم الباطلة المزخرفة
(رواه أبوداود) وسكت عنه (والترمذى) وحسنه. ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره. وقال الحافظ فى التلخيص بعد
ذكر هذا الحديث: أخرجه أحمد والبخارى فى جزء القراءة. وصححه أبو داود، والترمذى، والدار قطنى، وابن حبان،
والحاكم ، والبيهقى من طريق ابن إسحاق: حدثنى مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة. وتابعه زيد بن واقد وغيره
عن مكحول. وقال فى الدراية: أخرجه أبو داود بإسناد رجاله ثقات. وقال فى نتائج الأفكار لتخريج أحاديث
الأذكار: هذا حديث حسن. وقال القارى: قال ميرك نقلا عن ابن الملقن: حديث عبادة بن الصامت رواه أبو داود
والترمذى، والدار قطنى، وابن حبان، والبيهقى، والحاكم. وقال الترمذى: حسن. وقال الدار قطنى: إسناده حسن
رجاله ثقات. وقال الخطابى: إسناده جيد لا مطعن فيه. وقال الحاكم: إسناده مستقيم. وقال البيهقى صحيح ۔ انتهى (وفى رواية
لأبي داود: قال) أى النبي ◌َّ (وأنا أقول) أى فى نفسى (مالى ينازعنى) أى يعالجنى ولا يتيسر (القرآن) بالرفع، أى
لا يتأتى لى، فكافى أجاذبه فيعصى ويثقل على، قاله الطبي. وبالنصب، أى ينازعنى من ورائى فيه بقراءتهم على
التغالب، يعنى تشوش قراءتهم على قراءتى (فلا تقرؤا بشئى من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن) أى سراً. قال المنذرى:
وأخرجه النسائى. قلت: وإلى هذه الرواية أشار المصنف بقوله: والنسائى معناه. ولحديث عبادة هذا شواهد: منها
حديث أنس وقد ذكرنا لفظه ومن خرجه من الأئمة. ومنها: حديث محمد بن عائشة عن رجل من أصحاب النبيِ مَّهِ،
قال: قال رسول اللّه عَّة: لعلكم تقرؤن والا مام يقرأ. قالوا: إنا لنفعل، قال: لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب.
أخرجه أحمد، والبخارى فى جزء القراءة، والبيهقى. وفى رواية البخارى: إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب فى نفسه.
ونحوه فى رواية البيهقي. قال الحافظ فى التلخيص: إسناده حسن. وقال البيهقى فى معرفة السنن بعد روايته: هذا إسناد
صحيح. وأصحاب التى ◌َّ كلهم ثقة، فترك ذكر أسماءهم فى الاسناد لا يضر إذا لم يعارضه ما هو أصح منه. وقال
فى كتاب القراءة: هذا حديث صحيح، احتج به محمد بن إسحاق بن خزيمة فى جملة ما احتج به فى هذا الباب. ومنها: حديث عمرو
١٦٣
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
٨٦١ - (٣٤) وعن أبى هريرة، أن رسول اللّه مؤتم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال:
هل قرأ معى أحد منكم آنفا؟ فقال رجل: نعم، يا رسول الله! قال: إنى أقول: ما لى أنازع القرآن؟
قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول اللّه مَيتم فيما جهر فيه بالقراءة من الصلوات
ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله مَبقى: أتقرون خلفى؟ قالوا: نعم يا رسول الله! إنا لنهذه هذا.
قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، أخرجه البخارى فى جزء القراءة. والبيهقى فى كتاب القراءة. وإسناده حسن، رجاله
ثقات. ومنها: حديث أبي قتادة قال: قال النبى مَّ أتقرؤن خافى؟ قلنا، نعم قال فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب. أخرجه
البيهقى فى كتاب القراءة. ومنها: حديث عبادة، قال: قال رسول اللّه مَ ◌ّم: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
خلف الإمام. أخرجه أيضا البيهقى فى كتاب القراءة ، وقال: إسناده صحيح، والزيادة التى فيه صحيحة مشهورة من أوجه
کثیرة ، کذا فی کنز العمال (ج ٤ : ص ٢٠٨).
٨٦١ - قوله (انصرف) أى فرغ (من صلاة جهر فيها بالقراءة) وعند ابن عبد البر: صلى رسول الله مؤّ صلاة الصبح،
وفى رواية لأبي داود: صلى بنا رسول الله تَوِّ صلاة فظن أنها الصبح (هل قرأ معى أحد منكم آنفا ؟) يمد أوله وكسرالنون.
يعنى الآن، وأراد به قريبا. والمد هو المشهور، وقد يقصر، والاستفهام للتقرير لا لطلب التصديق، لأن قراءة من
قرأ خلفه كانت بالجهر فكانت مسموعة له من . والدليل عليه ما رواه البيهقى فى جزء القراءة (ص ١٣) قال: حدثنا محمود: ثنا
البخارى قال: ثناأبو الوليد قال: ثنا الليث، عن الزهرى، عن ابن أكيمة، عن أبى هريرة، قال صلى النبي منَّم صلاة تجهرفيها، فلما قضى
الصلاة قال: من قرأ معى؟ قال رجل: أنا. قال: إنى أقول: ما لى أنازع القرآن؟ فهذه الرواية صريحة فى أن
السؤال ليس عن نفس القراءة وأصلها ، لأنها كانت بالجهر لا بالسر ، بل عن تعيين القارى، فلا بد أن يحمل قوله ههنا:
•هل قرأ أحد منكم، على ذلك أى يجعل محط السؤال قوله ((أحد منكم) (فقال رجل: نعم) وفى رواية «فقال رجل نعم أنا،
وهذا أيضا يدل على أن السؤال كان عن تعيين القارى لا عن نفس القراءة (إنى أقول) فى نفسى (ما لى أنازع القرآن) بفتح الزاى
بالبناء لما لم يسم فاعله، ونصب القرآن على أنه مفعول ثان بتقدير «فى القرآن) أى أجاذب فى قراءته كانى أجذبه إلى من غيرى،
وغيرى يجذبه إليه منى. والظاهر أنه أخبرهم بهذا المعنى نهيا لهم عن ذلك، وإنكارا لفعلهم. والظاهر أيضا بل المتعين
أن الرجل جهر بالقراءة خلفه، فهو بمعنى التثريب واللوم له على ذلك، فيكون المنع مخصوصا بالجهر خلفه. قال الخطابي
فى المعالم (ج ١: ص ٢٠٦): معناه أداخل فى القراءة، وأغالب عليها. وقال الجزرى فى النهاية: أى أجاذب فى قراءته،
كأنهم جهروا بالقراءة خلفه نشغلوه فالنبست عليه القراءة. وأصل النزع الجذب، ومنه نزع الميت بروحه (قال) أى
الزهرى (فانتهى الناس عن القراءة) أى تركوها (فيما جهر) رسول الله وروبية (فيه بالقراءة من الصلوات) بان لما
١٦٤
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
٠ ١٢ - باب القراءة فى الصلاة
حين سمعوا ذلك من رسول الله
الموصولة. قال القارى مفهومه: أنهم كانوا يسرون بالقراءة فيما كان يخفى فيه رسول اللّه مرتين، وهو مذهب الأكثر،
وعليه الإمام محمد من أتمتنا (حين سمعوا ذلك) أى ما ذكر من التثريب واللوم. زاد البخارى والبيهقى فى جزء القراءة
لهما. وقرؤا فى أنفسهم سرافيما لا يجهر فيه الامام. واعلم أن قوله: فانتهى الناس، إلخ. ليس من رواية أبى هريرة فى
الحديث بل هو مدرج من قول الزهرى، وقد بين ذلك أبوداود فى سننه ، قال: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهرى.
وأنتهى حديثه إلى قوله ((مالى أنازع القرآن)). ورواه الأوزاعى عن الزهرى ، قال فيه: قال الزهرى: فاتعظ المسلمون
بذلك، فلم يكونوا يقرؤن معه فيما يجهر به. قال أبو داود: وسمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله ((فانتهى الناس)) من
كلام الزهرى. وقال البيهقى فى معرفة السنن: قوله «فانتهى الناس عن القراءة، من قول الزهرى. قاله محمد بن يحى الذهلى
صاحب الزهريات، ومحمد بن إسماعيل البخارى، وأبو داود، استدلوا على ذلك برواية الأوزاعى حين ميزه من الحديث،
وجعله من قول الزهرى. وكيف يصح ذلك عن أبى هريرة وأبو هريرة بأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهربه وفيما خافت-انتهى.
وقال فى جزء القراءة: رواية ابن عيينة عن معمر دالة على كونه من قول الزهرى. وكذلك انتهاء الليث بن سعد وهو من الحفاظ
الأثبات الفقهاء مع ابن جريج برواية الحديث من الزهرى إلى قوله (ما لى أنازع القرآن)) دليل على أن ما بعده ليس فى الحديث،
وأنه من قول الزهرى ، ففصل كلام الزهرى من الحديث بفصل ظاهر. وقال الحافظ فى التلخيص: قوله «فانتهى الناس)) إلى
آخره، مدرج فى الخبر من كلام الزهرى، بينه الخطيب، واتفق عليه البخارى فى التاريخ ، وأبو داود ويعقوب بن
سفيان والنعلى والخطابى، وغيرهم - انتهى. وانظر السنن الكبرى للبيهقى (ج ٢: ص ١٥٧ - ١٥٩). وإذا ثبت
أن قوله «فانتهى الناس، إلخ. من كلام الزهرى التابعى فلا يصح الاستدلال به لأن قول التابعى ليس بحجة بالاتفاق.
علا أنه إن كان المراد بقوله: فانتهى الناس، إلخ. أن جميع الصحابة تركوا القراءة خلفه فى الصلوات الجهرية
فهو كذب محض، لأن الصحابة اختلفوا فى ذلك، وقد ذهب أكثرهم إلى قراءة الفاتحة خلف الإمام فى جميع
الصلوات الجهرية والسرية وجوبا أو ندبا. وإن كان المراد فانتهى الناس أى الذين حضروا هذه الصلاة معه
وَ لا جميع الصحابة، فهو أيضا ليس بصحيح، لأن أبا هريرة قد شهد هذه الصلاة والقصة، وهو لم يترك قراءة الفاتحة خلف
الامام بل كان يفتى بها فى جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية. ولو سلم أن قول الزهرى هذا صحيح، وأن قول التابعى
حجة ، فلا يثبت به ما ذهب إليه الحنفية من كرامة قراءة الفاتحة خلف الإمام فى جميع الصلوات ، ومنعها مطلقا ، بل
قول الزهرى هذا يبطل دعواهم ، لأنه يدل على أنهم كانوا يقرؤن سرا فيما لا يجهر فيه الامام كما تقدم. وأما ما قيل من
أن قوله ((فانتهى الناس، إلخ. ليس مما قاله الزهرى من عند نفسه لأنه لم يشهد هذه القصة، والظاهر بل المتعين أن هذا
قول بعض الصحابة الذين حضروا هذه الصلاة وسمعوا قوله مَبته: مالى أنازع القرآن، وقد علم هذا الصحابى ترك قراءتهم
خلفه فى الجهرية باطلاعهم إياه على ذلك فلا محالة من أن يقال أنه سمع الزهرى هذا الكلام من هذا الصحابى، ومن المعلوم أن
مثل هذا الكلام من الصحابى يكون فى حكم المرفوع، فيكون قول الزهرى هذا أيضا مرفوعا حكما غاية ما فيه أنه مرسل
١٦٥
٤ - كتاب الصلاة
مرعاة المفاتيح ج٣
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
لأنه لم يذكر الصحابى الذى سمعه منه هذا القول ولا حرج. ففيه: أنه لا نسلم أن الزهرى سمع هذا القول من شهد هذه
القصة قطعا ، فإنه يحتمل أن يكون سمع ذلك من تابعى ، ولا يدرى أن التابعى الذى سمعه منه ثقة أو ضعيف ، مقبول
أو مردود. وأيضا قد تقدم أن هذا القول كذب لاختلاف الصحابة فى ذلك. ولو صرفنا النظر عن جميع ذلك
فلا شك أنه مرسل، ومرسل الزهرى كالريح ليس بشى. قال الذهبي فى التذكرة (ج ١: ص ٩٨): قال قدامة
السرجسى: قال يحيى بن سعيد: مرسل الزهرى شرمن مرسل غيره، لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمى سمى، وإنما يترك من
لا يستجيز أن يسمى. وقال ابن أبى حاتم فى « كتاب المراسيل» (ص ٢): حدثنا أحمد بن سنان قال: كان يحى بن سعيد
القطان لا يرى إرسال الزهرى وقتادة شيئا ، ويقول هو بمنزلة الريح. وقال السيوطى فى التدريب (ص ٧٠):
مراسيل الزهرى قال ابن معين ويحى بن سعيد بن القطان: ليس بشئى. وكذاقال الشافعى، قال: لأنا نجده يروى عن سليمان بن
الأرقم. وروى البيهتقی عن یحی بن سعيد قال: مرسل الزهری شر من مرسل غيره، لأنه حافظ كلما قدر أن یسمی سمی،
وإنما يترك من لا يستحب أن يسميه-انتهى. واستدل المالكية بقوله رؤية ((مالى أنازع القرآن)) على منع القراءة خلف الامام
إذا جهر الامام بالقراءة. وفى الاستدلال به على هذا المطلوب نظر ظاهر، لأنه لا يدل على منع القراءة خلف الأمام المتنازع فيها،
وهى القراءة فى النفس وبالسر بحيث لا يفضى إلى المنازعة بقراءة الامام، فعم يدل على صنع القراءة بالجهر خلفه، وهى ممنوعة بالاتفاق.
قال القرطبى : والمعنى فى حديثه (أى حديث أبى هريرة هذا): لا تجهروا إذا جهرت، فإن ذلك تجاذب وتخالج ، اقرؤا
فى أنفسكم. بينه حديث عبادة. وأفتى الفاروق برأى أبى هريرة الراوى الحديثين، فلو فهم المعنى جملة من قوله لما أفتى
بخلافه - انتهى. وقال ابن عبد البر فى التمهيد: لا تكون المنازعة إلا فيما جهر فيه المأموم وراء الامام. ويدل على
ذلك قول أبى هريرة: اقرأ بها فى نفسك يا فارسى. وقال الشيخ عبد الحى اللكنوى فى غيث الغمام (ص ٣٠): غابة
ما فيه أن النبى يَّم قال: ما لى أنازع القرآن. فهو إن دل على النهى، فإنما يدل على نهى القراءة المفضية إلى المنازعة فى
الجهرية - انتهى. وقال الشوكانى فى النيل: استدل به القائلون بأنه لا يقرأ المؤتم خلف الإمام فى الجهرية، وهو خارج
عن محل النزاع لأن محل النزاع هو القراءة خلف الإمام سرا، والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم لا مع إسراره.
وقد حاول بعض الحنفية الاستدلال بقوله «ما لى أنازع القرآن)) على ترك القراءة خلف الإمام بالسر وفى السرية، قائلا
بأن المنازعة مع الإمام فى القراءة تتحقق مع قراءة المأموم بالسر وفى الصلاة السرية أيضاً ، لأن معنى المنازعة: هو أن
يشارك المأموم الامام فى القراءة ويشتغل بالقراءة حال قراءة الإمام ولا يترك الإمام أن ينفرد بالقراءة. وفيه: أن
الاستدلال به على ذلك باطل لأنه لو كان معنى المنازعة ما بينه هذا البعض لما كان يقرأ الصحابة خلف الإمام سرافى
الصلوات السرية كما يدل عليه قول الزهرى وهو فى حكم المرفوع عند الحنفية. وقد تقدمت رواية البيهقى والبخارى بلفظ:
فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام ، وقرؤا فى أنفسهم سرا فيما لا يجهر فيه الامام. ويبطله أيضا فيه حديث
عبادة عند أبى داود والدار قطنى بلفظ: وأنا أقول: مالى أنازع القرآن فلا يقرأن أحد منكم شيئا من القرآن إذا جهرت
١٦٦
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذى والنسائى. وروى ابن ماجه نحوه.
٨٦٢، ٨٦٢ - (٣٥، ٣٦) وعن ابن عمر، والبياضى، قالا: قال رسول اللّه وعود : إن المصلى يناجى ربه،
بالقراءة إلا بأم القرآن. لأنه لو كان معنى المنازعة ما ذكره هذا المستدل لما أمرهم مَ هم بقراءة الفاتحة خلف الإمام بالسر
بعد ما أنكر عليهم المنازعة بقوله: مالى أنازع القرآن. ويبطله أيضا أن أبا هريرة ، وعبادة ، وعمر رضى الله عنهم كانوا
يفتون بقراءة الفاتحة خلف الإمام فى جميع الصلوات، وهم ممن رووا حديث المنازعة، فظهر بذلك أن معنى المنازعة ليس
كما ذكره هذا البعض. قال الشيخ اللكنوى فى غيث الغمام: ومن الناس من توهم أن معنى المنازعة هو أن يقرأ المؤتم
حال قراءة الإمام، وهو متحقق فى السرية أيضا مطلقا، وهو مبنى على الغفلة عن كتب اللغة وشروح الحديث للأئمة -
انتهى. ولو سلم أن حديث أبى هريرة هذا يدل على ترك القراءة خلف الإمام بالسر أيضا، فهو محمول على ما عدا
الفاتحة ، جمعا بين الأحاديث ، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم
يقرأ بها. ويدل عليه أيضا فتوى أبى هريرة: اقرأ بها فى نفسك يا فارسى. وانظر كتاب القراءة (ص ٩٩) للبيهقى،
وكتاب الاعتبار الحازمى (ص ١٠١). وعن الاستدلال بهذا الحديث على ترك القراءة خلف الإمام فى الجهرية أو
مطلقا أجوبة أخرى ذكرها الشيخ فى «تحقيق الكلام، فارجع إليه (رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذى) وحسنه.
ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره، وصححه أبو حاتم الرازى وابن حبان وابن القيم (والنسائى) وأخرجه أيضا الشافعى
والبيهقى والطحاوى وابن حبان (وروى ابن ماجه نحوه) أى معناه.
٨٦٣٠٨٩٢ - قوله (عن ابن عمر، والبياضى) الواو عاطفة، والبياضى - بفتح الباء الموحدة والياء المنقوطة
بالاثنتين من بحت، والضاد المعجمة - منسوب إلى بياضة بن عامر بن زريق، بطن من الأنصار، اسمه فروة - بفتح
الفاء وسكون الراء - ابن عمرو - بفتح العين - ابن ودقة ــ بفتح الواو وسكون الدال ـ ابن عبيد بن عامر بن بياضة.
شهد العقبة وبدرا وما بعدها مع رسول اللّه مَّثة، آخى رسول اللّه مَ اللّه بينه وبين عبد الله بن مخرمة العامرى، وكان
يبعثه النبي مَثّ لخرص النخل ، وكان ممن قاد مع رسول الله عزفتّم فرسين فى سبيل الله، وكان يتصدق فى كل عام من
فخله بألف وسق، وكان من أصحاب على يوم الجمل (قال رسول اللّه مَّه: إن المصلى) وسبب هذا القول أن رسول الله
مَّيّ كان معتكفا فى العشر الأواخر من رمضان فى قبة على بابها حصير، والناس يصلون عصبا عصبا، فأخرج منها رأسه
ذات ليلة، وقد علت أصواتهم بالقراءة بالجهر، فقال: إن المصلى إذا صلى (يناجى ربه) أى يحادثه ويكالمه، وهو كناية
عن كمال قربه المعنوى. وقيل: هى عبارة عن إحضار القلب والخشوع فى الصلاة. وقيل: هى إخلاص القلب، وتفريغ
السر بذكره. وقيل مناجاة العبد: أداء الأفعال والأقوال المطلوبة فى الصلاة، ومناجاة الرب لعبده: إقباله عليه بالرحمة
١٦٧.
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
فلينظر ما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن. رواه أحمد.
٨٦٤ - (٣٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَلى: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر
فكروا، وإذا قرأ فأنصتوا.
والرضوان. والمقصود التنبيه على الخشوع فى الصلاة (فلينظر) أى فليتفكر وليتأمل (ما يناجيه به) ما استفهامية
والضمير المنصوب فى ((يناجيه)) راجع إلى الرب، وفى ((به)) إلى ((ما)، و «ماً)) مفعول ((فلينظر)). قال القارى: وفى نسخة
((ما يناجى به، ما استفهامية أو موصولة. أى ما يناجى الرب تعالى من الذكر، والقرآن، والحضور، والخشوع،
والخضوع . انتهى. والمقصود التنبيه على تحصيل الخشوع بمواطاة القلب اللسان، والإقبال إلى اللّه بشراشره، وذلك
إنما يحصل إذا لم ينازعه صاحبه بالقرأة ، ولم يجهر بعضهم على بعض بالقرآن، لأن المنازعة وجهر بعض على بعض بالقراءة
مفوت للخشوع، ومن ثم عقبه بقوله: (ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) فإن ذلك يؤذى ويمنع من الإقبال على
الصلاة، والنهى يتناول من هو داخل الصلاة وخارجها. قال الطبي: عدى بعلى لإرادة معنى الغلبة ، أى لا يغلب ولا
يشوش بعضكم على بعض جاهرا بالقراءة - انتهى (رواه أحمد) أما حديث ابن عمر فأخرجه (ج ٢، ص ٣٦، ٦٧،
١٢٩) وسنده صحيح وأخرجه أيضا البزار والطبرانى فى الكبير. قال الهيشمى: وفيه محمد بن أبى إلى، وفيه كلام.
وأما حديث البياضى فأخرجه (ج ٤: ص٣٤٤) وأخرجه أيضا مالك فى الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن
الحارث التيمى، عن أبى حازم التمار، عن البياضى. ومن طريق مالك أخرجه أحمد، قال الهيشمى: رجاله رجال الصحيح -
انتهى. فلو عزاه المؤلف إلى الموطأ كان أولى. وللحديث شاهد من حديث أبى سعيد عند النسائى. قال ابن عبد البر:
حديبف البياضى وأبى سعيد صحيحان ثابتان - انتهى. وفى الباب عن على عند أحمد وأبي يعلى، وعن أبى هريرة ، وعائشة
عند الطبرانى فى الأوسط، ذكرهما الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢: ص ٢٦٦،٢٦٥).
٨٦٤ - قوله (إنما جعل) بناء المجهول، وكلمة ((إنما) للحصر البالغة والاهتمام (الإمام) أى إماما، فالمفعول
الثانى لقوله ((جعل) مح ذوف، والتقدير «إنما جعل الإمام إماما، والمفعول الأول قام مقام الفاعل، أو فجعل، بمعنى
((نصب)) و((اتخذ» فلا حاجة إلى التقدير (ليؤتم به) أى ليقتدى به. والمعنى: أن الاتمام يقتضى متابعة المأموم لا مامه،
فلا يجوز له المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعى عليه ، كصلاة القاعد خلف القائم ونحوها ، وقد ورد
النهى عن الاختلاف بخصوصه بقوله: لا تختلفوا عليه (فإذا كبر) أى للاحرام أو مطلقا ، فيشمل تكبير النقل (فكبروا)
زاد فى رواية «ولا تكبروا حتى يكبر، أى حتى يفرغ منه. وقيل: حتى يأخذ فى التكبير (وإذا قرأ فأنصتوا) احتج به
القائلون أن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام فى الصلاة الجهرية. قلت: الاستدلال بذلك على هذا المطلوب موقوف على
١٦٨
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
أن تكون هذه اللفظة ثابتة محفوظة صحيحة ، وقد اختلفوا فى ذلك فصححها مسلم ، ومال إليه المنذرى، وصححها ابن حزم
أيضا. وضعفها البخارى وأبو داود وأبو حاتم وابن معين وابن خزيمة والحاكم والدار قطنى. واجتماع هؤلاء
الحفاظ النقاد على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم. قال البيهقى فى المعرفة: قد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة فى
الحديث: أبو داود وأبو حاتم وابن معين والحاكم والدار قطنى، وقالوا: إنها ليست بمحفوظة - انتهى. وروى فى كتاب
القراءة بإسناده عن ابن أبى حاتم، قال: سمعت أبى، وذكر حديث أبى خالد الأحمر عن ابن عجلان (يعنى حديث
أبى هريرة هذا) قال أبى: ليست هذه الكلمة محفوظة، هى من تخاليط ابن عجلان - انتهى. قلت: محمد
ابن عجلان هذا مدلس، وروى هذا الحديث عن زيد بن أسلم معنعنا، فلا يجوز الحكم بصحته حتى يثبت سماعه من
زيد بن أسلم لهذا الحديث. وأيضا ابن عجلان ليس بحافظ، بل هو سعى الحفظ، وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابعه
عليها أحد من الثقات، وقد روى حديث أبى هريرة هذا بالأسانيد الصحيحة الكثيرة، ليس فى واحد منها هذه الزيادة.
أما كونه مدلسا فقد صرح به برهان الدين العلي فى ((التيين لأسماء المدلسين)). وقال الحافظ فى ((طبقات المدلسين»: محمد بن
عجلان المدنى تابعى صغير مشهور، من شيوخ مالك، وصفه ابن حبان بالتدليس. وأما كونه فى الحفظ فقال الحافظ
فى مقدمة الفتح: فيه مقال من قبل حفظه. وقال الذهبى فى الكاشف: وثقه أحمد؛ وابن معين، وقال غيرهما ستى الحفظ .
وقال فى الميزان: وقد تكلم المتأخرون من أتمتنا فى سوء حفظه - انتهى. ولعل الشيخين لم يحتجا به لأجل ذلك. قال
الذهبي فى التذكرة: لم يحتج الشيخان بحديث محمد - انتهى. وأما كونه متفردا بهذه الزيادة فى هذا الحديث فهو ظاهر لمن
تبع طرق الحديث. قال البيهقى فى كتاب القراءة (ص ٩١): قال ابن خزيمة: قال محمد بن يحيى الذهلى: خبر الليث أصح
متنا من رواية أبى خالد يعنى عن ابن عجلان، ليس فى هذه القصة عن النبي وَّ ((وإذا قرأ فأنصتواء بمحفوظ، لأن
الأخبار متواترة عن أبى هريرة بالأسانيد الصحيحة الثابتة المتصلة بهذه القصة، ليس فى شئى منها: وإذا قرأ فأنصتوا. إلا خبر
أبى خالد ومن لا يعتد أهل الحديث بروايته. ثم رواها ابن خزيمة من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن
أبى هريرة. ومن حديث الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة. ومن حديث سهل بن أبى صالح عن أبيه، عن
أبى هريرة . وليس فى شتى منهاهذهالزيادة،وهىفىالصحيح من حديث الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة . ومن حديث
سيل بن أبى صالح عن أبيهعن أبى هريرة. ومن حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة. ومن حديث همام بن منبه
وأبى علقمة الهاشمى ، وأبى يونس مولى أبي هريرة كلهم، عن أبى هريرة ، ليس فى شئ من هذه الروايات: وإذا قرأ
فأنصتوا - انتهى. فإن قلت: قال ابن التركمانى فى الجوهر النقي (ص ١٥٣): قد تابعه عليها خارجة بن مصعب ويحيى
ابن العلاء كما ذكره البيهقى فيما بعد - انتهى. وكذلك قال العينى فى شرح البخارى (ج٦: ص ١٥) قلت: لا اعتداد بمتابعتها.
١٦٩
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
رواه أبو داود
قال الحافظ فى التقريب فى ترجمة خارجة بن مصعب : متروك وكان يدلس عن الكذابين ، ويقال: إن ابن معين كذبه -
انتهى. وقال الذهبي فى الميزان فى ترجمة يحيى بن العلاء: قال الدار قطنى متروك، وقال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث.
وقال الخزرجی فی الخلاصة فى ترجمته: کذبه و کیح وأحمد ۔ انتهى . وقال البيهقى فى كتاب القراءة: وقد رواه یحی بن
العملاء الرازى، عن زيد بن أسلم. ويحيى بن العلاء متروك، جرحه يحيى بن معين وغيره من أهل العلم بالحديث. وروى بإسناد
ضعيف عن عمر بن هارون ، عن خارجة بن مصعب ، عن زيد بن أسلم. ولا يفرح بمتابعة هؤلاء فى خلاف أهل الثقة
والحفظ ـ انتهى. تنبيه: ذكر العينى فى شرح البخارى والبناية شرح الهداية: أن ابن خزيمة أيضا مصحح حديث ابن عجلان ،
يعنى زيادة ((وإذا قرأ فأنصتوا) وقد نقله عنه الشيخ اللكنوى فى ((إمام الكلام)) والنيموى فى ((آثار السنن» وغيرهما من
العلماء الحنفية فى تصانيفهم، وهذا خطأ فاحش ووهم قبيح، فإن ابن خزيمة لم يصحح هذه الزيادة أبدا بل هو من ضعفها
جدا. قال البيهقى فى كتاب القراءة (ص٩١): قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: هذا خبر، ذكر قوله ((وإذا قرأ
فأنصتوا، فيه وهم. وقد روى الليث بن سعد-وهو عالم أهل مصر وفقيههم، أحد علماء زمانه، غير مدافع، صاحب حفظ
وإتقان وكتاب صحيح - هذا الخبر عن ابن عجلان، فذكر الرواية التى ذكرها البخارى، وليس فى شفى منها «وإذا قرأ
فأنصتوا)). قال ابن خزيمة: قال محمد بن يحيى الذهلى: خبر الليث أصح متنا من رواية أبى خالد ، يعنى ابن عجلان ، ليس
فى هذه القصة عن النبي مَّت «إذا قرأ فأنصتوا، بمحفوظ، إلخ. وقد ذكر ابن خزيمة فصلا مستقلا لإثبات أن هذه
الزيادة غير محفوظة، كما قال البيهقى فى كتاب القراءة (ص ٩٥) فارجع إليه. ولو سلم أن زيادة «وإذا قرأ فأنصتوا)) فى
حديث أبى هريرة صحيحة ثابتة محفوظة، فقد ذكرنا عنها أجوبة فى شرح حديث أبى موسى الأشعرى فتذكر (رواه أبوداود)
وقال: هذه الزيادة ((وإذا قرأ فأنصتوا)، ليست بمحفوظة. الوهم عندنا من أبى خالد، وتقدم أن أبا حاتم قال: هى من
تخاليط ابن عجلان، يعنى أن الوهم عنده من ابن عجلان، ولم يبين بعض الحفاظ الذين صرحوا بكونها غير محفوظة، أن الوهم
من هو؟ فإن قلت: اختلافهما فى نسبة الوهم، وسكوت بعضهم عن تعيين الواهم يؤدى إلى طرح القولين، والرجوع إلى صحة
هذه الزيادة، قلت: إن الحفاظ النقاد إذا حكموا على حديث بأنه غير محفوظ، واختلفوا فى نسبة الوهم فبعض نسبوه إلى أحد،
وبعضهم إلى آخر، فهذا الاختلاف لا يؤدى إلى طرح القولين، ولم يقل به أحد ، كيف ؟ وقد تقرر فى موضعه أن المحدثين
المعلين القائمين بمعرفة فن المعلول الذى هو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها إذا اتفقوا على حديث أنه معلول
فدعواهم مقبولة، وإن اختلفوا فى توجيه التعليل، بل وإن أخطأ بعضهم فى توجيهه، فإنه قد يقصر عارة المعلل عن
إقامة الحجة على دعواه ، كالصيرفى فى نقد الدينار والدرهم ، وهذا الجواب على تقدیر تسلیم کون أبى خالد وابن عجلان
ثقتين ، حافظين ، لكن قد تقدم أن ابن عجلان مدلس، وقد روى هذا الحديث عن زيد بن أسلم معنعنا، ومع كونه
١٧٠
.أ
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
والنسائى وابن ماجه.
٨٦٥ - (٣٨) وعن عبد الله بن أبى أوفى، قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ، فقال: إنى لا أستطيع
أن آخذ من القرآن شيئا، فعلى ما يحزننى. قال، قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،
والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول اللّه! هذا لله، فماذا لى؟ قال، قل: اللهم
ارحمنى، وعافى، واهدنى، وارزقنى. فقال هكذا بيديه وقبضهما.
مدلسا ليس بحافظ ، بل هو ستى الحفظ. وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابعه عليها أحد من الثقات. وأما أبو خالد
الأحمر سليمان بن حيان الأزدى فهو أيضا سى الحفظ. قال الحافظ فى مقدمة الفتح: قال ابن معين: أبو خالد صدوق ،
ليس بحجة. وقال ابن عدى: وإنما أتى من سوء حفظه فيغلط، ويخطئى. وقال أبو بكر البزار: اتفق أهل العلم بالنقل
أنه لم يكن حافظاً. وقال الحافظ فى التقريب: صدوق يخطئى (والنسائى وابن ماجه) وأخرجه أيضا أحمد.
٨٦٥ - قوله (وعن عبد الله بن أبي أوفى) هو عبد الله بن أبى أوفى، علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمى
أبو إبراهيم، أو أبو محمد أو أبو معاوية، صحابى ابن صحابى، شهد عبد الله بيعة الرضوان، وخيبر، وما بعد ذلك من
المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قبض رسول الله عَّه، ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر من بقى بالكوفة من الصحابة ،
مات سنة (٨٧) بالكوفة، وكان قد كف بصره، روى خمسة وتسعين حديثا ، اتفقا على عشرة ، وانفرد البخارى بخمسة
ومسلم بواحد، روى عنه جماعة (أن آخذ من القرآن شيئا) أى أتعلم وأحفظ من القرآن شيئا أقرأه فى الصلاة، أو آخذ
شيئا من القرآن ورداً (ما يجزتنى) أى يكفينى عن القراءة فى الصلاة، أو عن ورد القرآن (قال) وفى بعض النسخ ((فقال))
وكذا وقع فى أبى داود (قل سبحان الله) إلخ. فإن هذه الكلمات أحب الكلام إلى الله وأفضل الذكر بعد كلام الله
(هذا لله) أى ما ذكر من الكلمات ذكر الله، مختص له، أذكره به (فماذا لى ؟) وفى أبى داود: فما لى؟ أى علنى شيئا يكون لى
فيه دعاء واستغفار أذكره لى عند ربى (اللهم ارحمنى) أى بترك المعاصى أبدا، أو بغفرانها وعفوها (وعافى) من آفات
الدارين (واهدنى) أى ثبتنى على دين الإسلام، أو دلنى على متابعة الأحكام (وارزقنى) أى رزقا حلالا طيا، كافيا مغنيا
عن الأنام، أو التوفيق والقبول وحسن الاختتام (فقال) أى فعل الرجل (هكذا) قال الطبي: أى أشار إشارة مثل هذه
الإشارة المحسوسة (بيديه) تفسير وبيان (وقبضها) قال القارى: وفى نسخة («فقبضهما، فقيل)، أى عد تلك الكلمات بأنامله
وقبض كل أنملة بعدد كل كلمة. وقال ابن حجر: ثم بين الراوى المراد بالإشارة بهما فقال: وقبضهما أى إشارة إلى أنه
يحفظ ما أمر به كما يحفظ الشئى النفيس بقبض اليد عليه. وظاهر السياق أن المشير هو المأمور، أى حفظت ما قلت لى
١٧١
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
فقال رسول اللّه مية: أما هذا فقد ملأ يديه من الخير.
وقبضت عليه، فلا أضيعه. ويؤيده قول الراوى (فقال رسول اللّه مزي: أما هذا) أى الرجل (فقد ملاً يديه من الخير)
قال ابن حجر: كناية عن أخذه مجامع الخير بامتثاله لما أمر به. قلت: وقع فى رواية لأحمد (ج ٤: ص ٣٥٣): ثم
أدبر وهو ممسك كفيه، بدل قوله: فقال هكذا يديه وقبضهما. ورواية أحمد هذه ظاهرة فى أن الإشارة باليدين كانت
من هذا الرجل لا من الرسول تَّةٍ، فالمأمور هو المثير. واعلم: أنهم اختلفوا فى تعيين محمل الحديث ، فقال الطبي:
الظاهر أنه أراد أنى لا أستطيع أن أحفظ شيئًا من القرآن وأتخذه وردا لى فعلنى ما أجعله وردا لى، فأقوم به آناء الليل
وأطراف النهار ، فلما عليه ما فيه تعظيم لله تعالى طلب ما يحتاج إليه من الرحمة والعافية والهداية والرزق. ويؤيد ما
ذكرنا من أن مطلوبه ما يجعله وردا له لا يفارقه أبدا، قبضه بيديه. أى أنى لا أفارقه ما دمت حيا. وتوثم بعضهم
من إيراد هذا الحديث فى هذا الباب أن هذه القصة فى الصلاة ، فقال: لا يجوز ذلك فى جميع الأزمنة لأن من قدر على
تعلم هذه الكلمات يقدر على تعلم فاتحة الكتاب لا محالة ، بل تأويله أنى لا أستطيع أن أتعلم شيئا من القرآن فى هذه الساعة
وقد دخل على وقت الصلاة فقال له رسول الله مرثية: قل سبحان الله، إلخ. فمن دخل عليه وقت صلاة مفروضة ولم
يعلم الفاتحة ، وعلى شيئًا من القرآن، لزمه أن يقرأ بقدر الفاتحة عدد آيات وحروف، فإن لم يعلم شيئا منه يقول هذه
الكلمات، فإذا فرغ من تلك الصلافلزمه أن يتعلم. وفيه: بعد، لأن عجز العربى المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم ما تصح
به صلاته من القرآن مستبعد جدا ، وأنى كان رسول اللّه تَبَّ يرخص فى الاكتفاء بالتسبيح على الإطلاق من غير أن
يبين ما له وما عليه - انتهى. ونقل ميرك عن زين العرب أنه قال: وكل هذا خلاف الظاهر ، بل قوله «فعلنی ما
يجزتى، مع إيراد المحدثين لهذا الحديث فى هذا الباب يدل أيضا على أن المراد القدر المجزئى فى الصلاة وإلا لكان إيراده
فى باب التسبيح أليق، وما ذكره من الاستبعاد فغير بعيد، لأنه كما أن من العرب من هو فى غاية الفصاحة والبلاغة فمنهم من هو
فى غاية الجلافة والبلادة - انتهى. قلت: الظاهر أن الحديث وارد فى الصلاة لما مرمن حديث رفاعة للترمذى فى باب صفة
الصلاة. قال: إذا قمت إلى الصلاةفتوضأً كما أمرك الله به، ثم تشهد،فإن كان معك قرآن فاقراً، وإلا فاحمد الله، وكبره،
وهاله ، ثم ار کع. فانه يدل على أن من لم يحفظ القرآن يجزئه الحمد والتکبیر والتهليل ، وهو مع حديث الباب دليل على
أن هذه الأذكار قائمة مقام الفاتحة وغيرها لمن لا يستطيع أن لا يتعلم القرآن، وليس فيه ما يقتضى التكرار ، فظاهره أنها
تكفى مرة. وقد ذهب البعض إلى أنه يقولها ثلاث مرات. قال الخطابى فى المعالم (ج ١: ص ٢٠٧): الأصل أن
الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة فاتحة الكتاب، لقوله مع ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) ومعقول أن وجوب
قراءة فاتحة الكتاب إنما هو على من أحسنها دون من لا يحسنها، فإذا كان المصلى لا يحسنها ، وكان يحسن
شيئا من القرآن غيرها، كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات، لأن أولى الذكر بعد فاتحة الكتاب ما كان مثلا
١٧٢
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
رواه أبو داود. وانتهت رواية النسائى عند قوله: إلا بالله.
٨٦٦ - (٣٩) وعن ابن عباس، رضى الله عنه، أن النبى مؤ كان إذا قرأ (سبح اسم ربك الأعلى)
قال: سبحان ربي الأعلى.
لها من القرآن، فإن كان رجل ليس فى وسعه أن يتعلم شيئا من القرآن لعجز فى طبعه أو سوء حفظه أو عجمة
لسان، أو آفة تعرض له، كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبى مؤته من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. وقد
روى عن رسول اللّه ◌َ أنه قال: أفضل الذكر بعد كلام الله عز وجل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله
أكبر -انتهى (رواه أبو داود) وسكت عليه، وأخرجه أيضا أحمد وابن الجارود وصححه ابن حبان، والحاكم والدار قطنى.
ومدار الحديث على إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسماعيل السكسكى أبى إسماعيل الكوفى مولى صغير. قال الحافظ فى
التلخيص (ص ٨٩): هو من رجال البخارى، لكن عيب عليه إخراج حديثه، وضعفه النسائى. وقال ابن القطان : ضعفه
قوم فلم يأتوا بحجة. وذكره النووى فى الخلاصة فى فصل الضعيف. وقال فى شرح المهذب: رواه أبوداود والنسائى
بإسناد ضعيف، وكان سبه كلامهم فى إبراهيم. وقال ابن عدى: لم أجد له حديثا منكر المتن ـ انتهى. ولم ينفرد به بل
رواه الطبرانى وابن حبان فى صحيحه أيضا من طريق طلحة بن مصرف عن ابن أبى أوفى، ولكن فى سنده الفضل بن موفق
ضعفه أبو حاتم - انتهى كلام الحافظ. قلت: إبراهيم الككى هذا ضعفه أحمد، وقال ابن القطان: كان شعبة
يضعفه ، کان یقول لا يحسن يتكلم. وقال النسائى : ليس بالقوی، یکتب حديثه. وقال ابن عدى : لم أجد له حديثا
منكر المتن، وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره ، ويكتب حديثه كما قال النسائى ، وذكره العقيلى فى الضعفاء ، وابن حبان
فى الثقات. وهذا يدل على أنه صدوق ثقة عند البخارى وابن القطان وابن عدى وابن حبان، وليس من لا يحتج
بأحاديثهم ، وهو الراجح، والله أعلم.
٨١٦ - قوله ( كان إذا قرأ: سبح اسم ربك الأعلى) فى الصلاة أو غيرها، فريضة كانت الصلاة أو نافلة.
فيه دليل على أن للقارئ فى الصلاة أو غيرها إذا مربآية فيها تسبيح، أن يسبح. وإليه ذهب الشافعى، وهو الحق ، لأن
قوله ((كان إذا قرأ، عام يشمل الصلاة وغيرها، ويؤيده ما روى عن على بن أبى طالب: قرأ (سبح اسم ربك
الأعلى - ٨٧: ١﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وهو فى الصلاة. فقيل له: أتزيد فى القرآن، فقال: لا، إنما أمرنا بشئى
فقلته. وروى البيهقى عنه أنه قرأ فى الصبح بـ(سبح اسم ربك الأعلى) فقال: سبحان ربي الأعلى - الحديث. وعن
أبى موسى الأشعرى: أنه قرأ فى الجمعة (سبح اسم ربك الأعلى) فقال: سبحان ربي الأعلى. وعن سعيد بن جير، قال
سمعت ابن عمر يقرأ (سبح اسم ربك الأعلى) فقال: سبحان ربي الأعلى. وعن عمر مثله. وعن ابن الزبير أنه قرأ
١٧٣
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
رواه أحمد، وأبو داود.
٨٦٧ - (٤٠) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّه: من قرأ منكم بـ«التين والزيتون) فانتهى
إلى (أليس الله بأحكم الحاكمين) فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين.
(سبح اسم ربك الأعلى) فقال: سبحان ربي الأعلى، وهو فى الصلاة. وحديث ابن عمر رواه الحاكم أيضا (ج ٢:
ص ٥٢١) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ولا دليل لمن حمل حديث ابن عباس هذا على خارج
الصلاة أو خصه بصلاة النافلة ، بل يرد قوله ما تقدم من آثار الصحابة. ثم إنه قيل: يستحب أيضا السامع أن يقول
سبحان ربي الأعلى إذا سمع من القارئ {سبح اسم ربك الأعلى) لأنه لا دليل فى الحديث على اختصاص هذا القول
بالقارئ أو بالإمام، ولم يقل رسول اللّه مَّ هذا القول لكونه إماما أو قارئا، بل لأن مقتضى هذه الآية أن يقول كل
من قرأها أو سمعها فى جوابها: سبحان ربي الأعلى، امتثالا للأمر. قال المناوى فى شرح الجامع الصغير: أخذ من
ذلك أن القارئ أو السامع كلما مر بآية تنزيه أن ينزه الله، أو تحميد أن يحمده ، أو تكبير أن يكبره، وقس عليه
(رواه أحمد وأبو داود) من طريق وكيع عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبيرعن ابن عباس.
وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١: ص ٢٦٤) والطبرانى وابن مردويه والبيهقى، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقال العزيزى:
هو حديث صحيح. وقال أبوداود: خولف وكيع فى هذا الحديث. رواه أبو وكيع (يعنى الجراح بن مليح وائد
وكيع المذكور) وشعبة عن أبى إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً - انتهى. وأخرجه عبد الرزاق، وابن
أبى شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه: أنه كان إذا قرأ (سبح اسم ربك الأعلى) قال: سبحان ربي الأعلى. وفى
لفظ لعبد بن حميد عنه، قال: إذا قرأت (سبح اسم ربك الأعلى) فقل سبحان ربي الأعلى. قيل: الموقوف له حكم
المرفوع لأنه لا مسرح للاجتهاد فيه. والرفع زيادة ثقة فتقبل.
٨٩٧ - قوله (من قرأ) أى فى الصلاة أو خارجها (بـ ((التين والزيتون))) أى بهذه السورة (فانتهى إلى «أليس الله
بأحكم الحاكمين،) أى أقضى القاضين يحكم بينك وبين أهل التكذيب بك يا محمد! (فليقل: بلى) أى نعم. قال المناوى:
لأنه قول بمنزلة السؤال فيحتاج إلى الجواب. ومن حق الخطاب أن لا يترك المخاطب جوابه فيكون السامع كهيئة
الغافل، أو كمن لا يسمع إلا دعاء ونداء من الناعق به، صم بكم عمى فهم لا يعقلون ، فهذه هيئة سيئة. ومن ثم ندبوا
لمن مر بآية رحمة أن يسأل الله الرحمة، أو عذاب أن يتعوذ من النار، أو يذكر الجنة بأن يرغب إلى الله فيها، أو النار
أن يستعيذ به منها - انتهى (وأنا على ذلك) أى كونك أحكم الحاكمين (من الشاهدين) أى انتظم فى سلك من له مشافهة
فى الشهادتين من أنبياء الله وأوليائه. قال ابن حجر: وهذا أبلغ من أنا شاهد. ومن ثم قالوا فى (وكانت من
١٧٤
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
ومن قرأ ﴿لا أقسم بيوم القيامة) فانتهى إلى (أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى) فليقل:
على. ومن قرأ ﴿والمرسلات) فبلغ ﴿فبأى حديث بعده يؤمنون) فليقل: آمنا بالله. رواه
أبو داود والترمذى إلى قوله : وأنا على ذلك من الشاهدين.
القاتين - ١٢:٦٦) وفى (إنه فى الآخرة لمن الصالحين -٢: ١٣٠) أبلغ من «وكانت قانتة، ومن ((أنه فى الآخرة صالح»
لأن من دخل فى عداد الكامل وساهم معهم الفضائل ليس كمن انفرد عنهم (أليس ذلك) أى الذى جعل خلق الإنسان من
قطفة تمنى فى الرحم (فليقل: بلى) قال القارى: وفى رواية ((بلى إنه على كل شئ قدير)) - انتهى. وأخرج ابن النجار فى
تاريخه عن أبى أمامة: أنه سمع رسول الله مَ ◌ّه يقول عند قراءته لهذه الآية: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين (فبأى حديث بعده)
أى بعد القرآن، لأنه آية ميصرة، ومعجزة باهرة، حين لم يؤمنوا به فأى كتاب بعده يؤمنون؟ (فليقل: آمنا بالله)
أى به وبكلامه. ولعموم هذا لم يقل: آمنا بالقرآن. وقال الطبى: أى قل: أخالف أعداء الله المعاندين - انتهى.
والحديث يدل على أن من يقرأ هذه الآيات يستحب له أن يقول تلك الكلمات سواء كان فى الصلاة أو خارجها. وأما
قولها السامع المقتدى أو غير المقتدى فلم أقف على حديث مرفوع صريح يدل على ذلك، لكن قد تقدم أن هذه الآيات
بمنزلة السؤال فتحتاج إلى الجواب، ومن حق الخطاب أن لا يترك المخاطب جوابه فيستحب الجواب عند تلاوة هذه
الآيات للقارى والسامع كليها إماما أو مأموما أو منفردا. قال ابن عباس: من قرأ {سبح اسم ربك الأعلى) إماما
كان أو غيره فليقل: سبحان ربي الأعلى، ومن قرأ ﴿لا أقسم بيوم القيامة - ١:٧٥) إلى آخرها ، فليقل: سبحانك
اللهم بلى، إماما كان أو غيره، ذكره الخطيب. قال الحفناوى: قوله ((إماما كان أو غيره)» يقتضى أن هذه الكلمة وهى
((لى)) لا تبطل الصلاة، وهو كذلك، لأنها ذكر وتقديس وتنزيه لله تعالى، كذا فى فتح البيان (ج ١: ص ١٣٠)
(رواه أبو داود) من طريق ابن عيينة عن إسماعيل بن أمية، قال: سمعت أعرابيا يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال
وصول اللّه مَثّ: من قرأ، إلخ. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢، ص ٢٤٩) وابن المنذر وابن مردويه، والبيهقى. وفى
إسناده رجل مجهول، فالحديث ضعيف (والترمذى) أى ورواه الترمذى. وفى نسخة ((والترمذى)) وهو الظاهر، قال
الترمذى بعد ما أخرجه مختصرا: إنما يروى بهذا الإسناد، عن هذا الأعرابى، عن أبى هريرة، ولا يسمى - انتهى. قال
فى فتح الودود: وهذا الأعرابى لا يعرف، ففى الإسناد جهالة. وقال الحافظ فى المهمات من التقريب: إسماعيل بن
أمية عن أعرابى عن أبى هريرة لا يعرف. وسماه كما فى المستدرك (ج ٢: ص ٥٩٠) يزيد بن عياض أحد المتروكين
أبا اليسع، وهو معدود فيمن لا يعرف. وقال الذهبي فى الميزان (ج ٣: ص ٣٨٨) والحافظ فى اللسان (ج ٦:
ص ٤٥٤): أبو اليسع لا يدرى من هو، والسند بذلك مضطرب - انتهى. والعجب من الذهبى أنه وافق الحاكم فى
التلخيص فى تصحيح الحديث فقال: محمح.
١٧٥
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
٨٦٨ - (٤١) وعن جابر، قال: خرج رسول اللّه مَهم على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من
أولها إلى آخرها، فسكتوا. فقال: لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودا منكم،
كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان) قالوا: لا بشئى من نعمك ربنا نكذب،
فلك الحمد. رواه الترمذى وقال: هذا حديث غريب.
الفصل الثالث )
٨٦٩ - (٤٢) عن معاذ بن عبد الله الجهنى، قال: إن رجلا من جهينة أخبره
٨٦٨ - قوله (فسكتوا) أى الصحابة مستمعين (ليلة الجن) أى ليلة اجتماعهم به (فكانوا) أى الجن (أحسن
مردودا) أى أحسن ردا وجوابا لما تضمنه الاستفهام التقريرى المتكرر فيها بأى (منكم) أيها الصحابة. قال الطبي:
المردود بمعنى الرد كالمخلوق والمعقول، نزل سكوتهم وإنصاتهم للاستماع منزلة حسن الرد ، فجاء بأفعل التفضيل.
ويوضحه كلام ابن الملك حيث قال: نزل سكوتهم من حيث اعترافهم بأن فى الجن والانس من هو مكذب بآلاء اللّه،
وكذلك فى الجن من يعترف بذلك أيضا لكن نفيهم التكذيب عن أنفسهم باللفظ أيضا أدل على الاجابة ، وقبول ما جاء
به الرسول من سكوت الصحابة أجمعين ، ذكره القارى (كنت) أى تلك الليلة (على قوله) أى على قراءة قوله تعالى
(فبأي آلاء ربكما تكذبان) الخطاب للانس والجن ، أى بأى نعمة مما أنعم الله به عليكم تكذبون وتححدون نعمه بترك
شكره ، وتكذيب رسله ، وعصيان أمره (لا بشئى) متعلق بنكذب الآتى (ربنا) بالنصب على حذف حرف النداء
(نكذب) أى لا نكذب بشتى منها (فلك الحمد) أى على نعمك الظاهرة والباطنة، ومن أتمها نعمة الايمان والقرآن
(رواه الترمذى) وأخرجه أيضا البزار وابن المنذر والحاكم وصححه ، والبيهقى (وقال: هذا حديث غريب) لا نعرفه
إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد ثم حكى عن الإمام أحمد أنه كان لا يعرفه ،، ينكر رواية أهل الشام عن
زهير بن محمد هذا. قلت: حديث جابر هذا رواه الوليد بن مسلم ، وهو من أهل الشام عن زهير بن محمد، ففى الحديث
ضعف لكن له شاهد من حديث ابن عمر، أخرجهابن جرير والخطيب فى تاريخه، والبزار والدار قطنى فى الأفراد وغيرهم،
وصحح السيوطى إسناده، كما فى فتح البيان (ج ٩: ص ١٦٧) قيل: أورد المصنف حديث ابن عباس وأبي هريرة
لاحتمالهما داخل الصلاة وخارجها، وذكر حديث جابر هذا تبعا لهما واطرادا فى حكمهما .
٨٦٩ - قوله (عن معاذبن عبد الله الجهنى) بضم الجيم وفتح الهاء، المدنى تابعى صدوق، ربما وهم، قاله الحافظ. ووثقه
ابن معين وأبو داود. وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الدارقطنى ليس بذلك (أخبره) الضمير المستتر راجع إلى
١٧٦
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
أنه سمع رسول اللّه مَّثم قرأ فى الصبح ﴿إذا زلزلت) فى الركعتين كلتيهما، فلا أدرى أ نسى أم
قرأ ذلك عمدا. رواه أبو داود.
٨٧٠ - (٤٣) وعن عروة، قال: إن أبا بكر الصديق، رضى الله عنه، صلى الصبح، فقرأ فيهما
بسورة البقرة فى الركعتين كلتيهما .
الرجل، والبارز إلى «معاذ، ولا يضرالجهل به لأنه صحابى، والصحابة كلهم عدول (أنه) أى الرجل (فى الركعتين كلتيهما)
تأكيد الدفع توهم التبعيض، أى قرأ فى كل من ركتبها ﴿إِذا زلزلت - ١:٩٩ ) بكمالها (أنسى؟) بهمزة
الاستفهام، أى أنه قرأ فى الأولى {إذا زلزلت﴾ (أم قرأ ذلك عمدا) تردد الصحابى فى أن إعادة النبي مؤلّم للسورة هل
كان نسيانا لكون المعتاد من قراءته أن يقرأ فى الركعة الثانية غير ما قرأ به فى الأولى، فلا يكون مشروعا لأمته، أو
فعله عمدا لبيان الجواز، فتكون الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها، وإذا دار الأمر بين أن يكون مشروعا
وغير مشروع فحمل فعله ◌َّم على المشروعية أولى. لأن الأصل فى أفعاله التشريع، والنسيان خلاف الأصل. ونظيره
ما ذكره الأصوليون فيما إذا تردد فعله معَّه بين أن يكون جبليا أو لبيان الشرع، والأكثر على التأسى به، كذا فى
النيل. وقال ابن حجر: الظاهر أنه فعل عمدا ليين به حصول أصل البسنة بتكرير السورة الواحدة من قصار المفصل
فى الركعتين (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمذزى. قال الشوكانى: ليس فى إسناده مطعن، بل رجاله
رجال الصحيح.
٨٧٠ - قوله (وعن عروة) أى ابن الزبير التابعى المشهور (فقرأ فيهما) أى فى ركعتى الصبح. وفى نسخة «فيها»
كما فى الموطأ، وهو الظاهر. أى فى صلاة الصبح، والمراد بعد فاتحة الكتاب، واستغنى عن ذكرها لشهرتها بين الناس
ولعلم الناس بذلك (بسورة البقرة فى الركعتين كلتيهما) يعنى على توزيع السورة وتقسيمها. وفى حديث أنس، قال:
صلى بنا أبو بكر صلاة الفجر، فافتح سورة البقرة، فقرأ بها فى ركعتين ، فلما سلم قام إليه عمر، فقال: ما كدت تفرغ
حتى تطلع الشمس. قال: لو طلعت لألفتنا غير غافلين. وهذا إجماع منهم. وفيه رد على من قال باستحباب الاسفار ،
وأفضلية تأخير صلاة الفجر إلى الإسفار، وتائيد لما ذكرنا فى معنى ((أسفروا بالفجر)، نقلا عن الطحاوى وابن القيم من
أن المراد به الإسفار دواما لا ابتداء فيدخل فيها مغلسا، ويطول القراءة، فيخرج منها سفرا جدا. قال الحافظ :
روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبى بكر الصديق أنه أم الصحابة فى صلاة الصبح بسورة البقرة فقرأما فى الركعتين ،
وهذا إجماع منهم - انتهى. وفيه دليل على جواز قسم السورة الواحدة بين الركعتين فى الفريضة من غير كرامة.
١٧٧
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
رواه مالك.
٨٧١ - (٤٤) وعن الفرافصة بن عمير الحنفي، قال: ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان
ابن عفان إياها فى الصبح، من كثرة ما كان يرددها. رواه مالك.
٨٧٢ - (٤٥) وعن عامر بن ربيعة، قال: صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح،
(رواه مالك) وهو منقطع لأن عروة ولد فى أوائل خلافة عثمان، لكنه ورد برواية أنس أخرجه الخلال كما فى المغنى
والبيهقى (ج ٢: ص ٣٨٩) وعبد الرزاق بسند صحيح.
٨٧١ - قوله (عن الفرافصة) بضم الفاء الأولى، فراء، فألف ، فضاء ثانية مكسورة ، فصاد مهملة، على ما ضبطه
الزرقانى. وفى المغنى محمد طاهر الفتنى: هو عند المحدثين بفتح الفاء الأولى. وقال الطبى: الفاء الأولى مفتوحة عند المحدثين،
وأهل اللغة لا يعرفون إلا الضم (بن عمير) بضم العين المهملة مصغرا (الحنفى) نسبة إلى قبيلة بني حنيفة، من الطبقة الأولى من
تابعى أهل المدينة فى الدرجة العالية. وثقه العجلى وابن حبان. وهو غير الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة الكلي
(ما أخذت) أى ما حفظت وتعلمت (إلا من قراءة عثمان بن عفان) لا ينصرف، وقد ينصرف، قاله القارى (إياما)
أى تلك السورة كلها (فى الصبح) أى فى صلاته (من كثرة ما كان يرددها) أى يكررها فى صلوات الصبح. ومن
تعليل لأخذت. وفيه أن المواظبة فى أكثر الأحوال على سورة واحدة لا محذور فيها. ويحتمل أن ذلك لما بشره، وَّة
بالجنة على بلوى قصيبه، كما ورد: إيذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. وسورة يوسف فيها ذكر البلوى على يوسف
عليه السلام ، فكان فيها مناسبة به. قيل: المداومة على قراءة سورة يوسف مورثة السعادة الشهادة وهى مجربة ، والله
أعلم (رواه مالك) عن يحيى بن سعيد، وريعة بن أبى عبد الرحمن الرأى، عن القاسم بن محمد، عن الفرافصة بن عمير،
وأخرجه أيضا الشافعى والبییقی.
٨٧٢ - قوله (عن عامر بن ربيعة) كذا فى نسخ المشكاة الموجودة عندنا بلفظ «عامر بن ربيعة، وكذا ذكره
ابن الدبيع١ فى تيسير الوصول (ج ٢: ص ٢٢٤) عن مالك. وهكذا أورده محمد بن سليمان المغربى فى جمع الفوائد عن
رزين ، أى بلفظ عامر بن ربيعة، ووقع فى نسخ الموطأ الحاضرة عندنا: عبد الله بن عامر بن ريعة، وبه جزم الزرقانى
حيث قال فى شرحه الموطأ: وثقه العجلى، وأبوه أى عامر بن ربيعة صحابى شهير، وكذا وقع فى رواية البيهقى من طريق
مالك، وكذا ذكره ابن التركمانى فى الجوهر النقي عنه. وهكذا فى رواية الطحاوى عن مالك. قيل: هذا هو الصواب.
وأما ما وقع فى نسخ المشكاة وتيسير الوصول فهو غلط ، وليس هو من خطأ النساخ بل من المصنفين بأنفسهما ، لأنهما
١ - هو عبد الرحمن بن على بن محمد بن يوسف الثيانى، الزيدى الشافعى، المعروف بابن الديع - بكسر الدال المهملة، ومكون الياء المثناة من
تحت، وفتح الموحدة، وفى آخره مهمة - ومعناه بلغة التوبة الأبيض، لقب جده على بن يوسف، وضبطه قطب الدين الحنفى فى كتابه «البرق
اليمانى فى الفتح العثمانى) بفتح الدال المهملة، وبالياء المثناة التحتية الساكنة، فالياء الموحدة المفتوحة، آخره عين .
١٧٨
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
فقرأ فيهما بسورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة، قيل له :
اقتصرا على ذكر ترجمة عامر بن ربيعة فى أسماء رجال المشكاة، وجامع الأصول، ولم يذكرا ترجمة ولده عبد الله بن عامر،
ولم يتنبه لذلك الخطأ القارى، بل تبعهما حيث قال: عامر بن ربيعة يكنى أباعبد الله العنزى، هاجر الهجرتين، وشهد بدرا
والمشاهد كلها ، وكان أسلم قديما. وقيل: كلنا النسختين صحيحتان، وأن هذا الأثر رواه عبد الله بن عامر وأبوه كلاهما
إلا أن هشاما (شيخ مالك) أخذه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة بلا واسطة أبيه عروة، ورواه عن عامر بن ربيعة
(والدعبد الله) بواسطة أبيه، قلت: وعدم ذكر الواسطة بين هشام وعبد الله هو الصواب عند مسلم والبيهقى لأن أصحاب
هشام: أبا أسامة ووكيما وحاتما لم يقولوا فيه لفظ ((عن أبيه)) وقالوا: عن هشام، قال: أخبرنى عبد الله بن عامر، ووم
مالك فقال: عن هشام عن أبيه، فزاد لفظ (عن أبيه)) ذكره ابن التركمانى فى (الجوهر النقي)) نقلا عن الاستذكار، ومعرفة
السنن. وعلى هذافالصحيح هو ما وقع فى نسخ الموطأ، ورواية البيهقى والطحاوى من قوله : عبد الله بن عامر بن ربيعة،
لا ما وقع فى نسخ المشكاة، وتيسير الوصول من قوله: عامر بن ربيعة، لأن رواية هشام بلفظ الإخبار لا يمكن أن
يكون عن عامر بن ربيعة، لأن عامرا أكثر ما قيل فى وفاته سنة (٣٧) ومولد هشام سنة مقتل الحسين أى سنة (٦١) والله
أعلم. ثم رأيت جامع الأصول الجزرى قد وقع فيه (ج ٦: ص٢٢٨) عامر بن ربيعة، كما وقع فى تيسير الأصول.
وعبد الله هذا هو عبد الله بن عامر بن ربيعة الأصغر، ولد على عهد رسول اللّه مؤفيه، وقيل فى سنة ست من الهجرة،
وتوفى رسول الله تَّم وهو ابن أربع أو خمس سنين. وثقه أبو زرعة. وقال العجلى: مدنى تابعى ثقة من كبار
التابعين. وقال أبو حاتم: رأى النبى ◌َّ لما دخل على أمه وهو صغير. وقال ابن حبان فى الصحابة أتاهم
النبي ◌َّ فى بيتهم وهو غلام، وروايته عن الصحابة. مات سنة بضع وثمانين. وليس هو عبد الله بن عامر بن ربيعة
الأكبر، الصحابى الذى استشهد بالطائف مع النبى مَّه. وأما أبوهما عامر، فهو عامر بن ربيعة بن كعب بن
مالك العنزى - بسكون النون - حليف بنى عدى، ثم الخطاب والد عمر. كان أحد السابقين الأولين. أسلم قبل عمر،
وهاجر الهجرتين، وشهد يدرا والمشاهد كلها. وكان صاحب لواء عمر لما قدم الجابية. واستخلفه عثمان على المدينة لما
حج، وقام عامر يصلى من الليل وذلك حين نشب الناس فى الطعن على عثمان ، فصلى من الليل ثم نام ، فأتى فى منامه ، فقيل
له قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة التى أعاذ منها صالح عباده ، فقام فصلى، ثم اشتكى، فما خرج بعد إلا بجنازته ، رواه
مالك في الموطأ. واختلف فى سنة وفاته، فقيل: مات سنة (٣٢) وقيل: (٣٣) وقيل: (٣٤) وقيل: (٣٦)
وقيل: (٣٧) وقال فى التقريب مات ليالى قتل عثمان. له اثنان وعشرون حديثا، اتفقا على حديثين (فقرأ فيهما) أى فى
ركعتيه، وفى نسخة ((فيها، كما فى الموطأ. أى فى صلاته (بسورة يوسف) أى كلها فى الركعة الأولى (وسورة الحج)
كلها فى الثانية (قراءة بطيئة) بالهمزة ويشدد، أى قراءة مجودة مرتلة مبينة بدون الإسراع (قيل له) أى لعامر أو العبد الله
ابن عامر، على ما فى نسخ الموطأ. وفى الموطأ (فقلت، وهو قول هشام على رواية الجماعة. أى قال هشام: فقات
١٧٩
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
إذا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر. قال: أجل. رواه مالك.
٨٧٣ - (٤٦) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا
كبيرة إلا قد سمعت رسول اللّه عليه يوم بها الناس فى الصلاة المكتوبة. رواه مالك.
٨٧٤ - (٤٧) وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم
لعبد الله بن عامر، أو قول أبيه عروة على رواية مالك، أى قال عروة: قلت لعامر بن ربيعة (إذا لقد كان يقوم) أى
يبتدى بصلاة الفجر (حين يطلع الفجر) بضم اللام، أى أول ما يظهر الصبح. قال الطبى ((إذا) جواب وجزاء، يعنى إذا
كان الأمر على ما ذكرت إذا واللّه لقام فى الصلاة أول الوقت حين الغلس (قال: أجل) أى نعم ، يقوم إذ ذاك ، قيل:
إن تطويل الخلفاء الراشدين كما يدل عليه الآثار المتقدمة كان لعلمهم برضا من خلفهم، وبحرصهم على التطويل ، وأما اليوم
فالتخفيف أولى بل هو واجب لقوله مرؤقال: من أم الناس فليخفف. وسيأتى تفصيل الكلام فيه (رواه مالك) عن هشام
ابن عروة عن أبيه: أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: صلينا، إلخ. وكذا أخرجه الطحاوى والبيهقى. قال فى
الاستذكار: زعم مسلم بن الحجاج أن ما الكاوهم فيه، لأن أصحاب هشام لم يقولوا فيه لفظ ((عن أبيه، وإنما قالوا: عن هشام
قال: أخبرنى عبد الله بن عامر. وذكر البيهقى فى المعرفة أنه بدون ذكر ((أبيه)) هو الصواب - انتهى. وذكر ابن حزم فى
المحلى (ج ٤: ص ١٠٤) عن سفيانين كلاهما، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمى، عن حصين بن سبرة: أن عمر بن
الخطاب قرأ فى الفجر يوسف ثم قرأ فى الثانية (والنجم) فسجد، ثم قام فقرأ ﴿إِذا زلزلت). وأخرجه عبد الرزاق
عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير، قال: كان عمر يقرأ فى الفجر يوسف، إلخ.
٨٧٣ - قوله (يوم بها الناس فى الصلاة المكتوبة) أى المفروضة على الأعيان ، وهى الخمس. وقد تقدم وجه الجمع
بين الروايات المختلفة فى القراءة أنها باختلاف الأحوال والأوقات (رواه مالك) لم أجده فى الموطأ مع الفحص الشديد
ويمكن أن يكون فى غير رواية المصمودى، والظاهر أن المصنف قلد فى ذلك الجزرى ، فقد نسبه فى جامع الأصول إلى
الموطأ. والحديث أخرجه أبو داود فى باب من رأى التخفيف فى القراءة فى المغرب، وسكت عنه هو والمنذرى ، وفى إسناده
محمد بن إسحاق، ورواه عمرو بن شعيب بالعنعنة وكذلك رواه البيهقى (ج ٢، ص ٣٨٨) وذكرالهيشمى فى مجمع
الزوائد (ج ٢: ص ١١٤) من حديث ابن عمر أنه قال: ما من سورة من المفصل صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول
اللّه ◌َّ يقرأها كلها فى الصلاة. رواه الطبرانى من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وهى ضعيفة ــ انتهى.
٨٧٤ - قوله (وعن عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون الفوقية بعدها.وحدة (بن مسعود) الهذلى، ابن أخى
عبد الله بن مسعود، مدنى الأصل، سكن الكوفة، أدرك النبي مَ ◌ّم ورآه، وهو من كبار التابعين. وثقه العجلى
١٨٠