Indexed OCR Text
Pages 121-140
مرعاة المفاتيح ج٣
٠
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
معا ، فإنه يستحب فيه المقارنة، يدل على هذا ما رواه أحمد والنسائى والسراج بلفظ «إذا قال الامام: غير المغضوب
عليهم ولا الضالين فقولوا آمين ، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة
غفر له ما تقدم من ذنبه)). وقيل: الأول لمن قرب عن الامام، والثانى لمن تباعد عنه، لأن جهر الإمام بالتأمين أخفض
من جهره بالقراءة. وقيل: يؤخذ من الروايتين تخيير المأموم فى قولها مع الإمام أو بعده، قاله الطبرى. وقيل: لاحاجة إلى
الجمع بين الروايتين، لأن الجمع والتوفيق فرع التعارض والتخالف، ولا تخالف بين الروايتين، فإن المراد بقوله «إذا قال
الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، أى وقال: آمين فقولوا آمين، أى مع تأمين الإمام، يدل عليه قوله مؤتمر: فإن
الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. قال الحافظ:
وهو دال على أن المراد الموافقة فى القول والزمان-انتهى. وهذا هو المراد بقوله ((إذا أمن الإمام فأمنوا)) أى فقولوا
آمين مقارنين بتأمينه. قال الخطابى فى المعالم (ج ١: ص ٢٢٤): معنى قوله ((إذا قال الامام ولا الضالين، فقولوا
آمين، أى مع الإمام، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معا، فأما قوله: إذا أمن الإمام فآمنوا. فإنه لا يخالفه ولا يدل على
أنهم يؤخرونه عن وقت تأمينه، وإنما هو كقول القائل: إذا رحل الأمير فارحلوا ، يريد إذا أخذ الأمير فى الرحيل
فهينوا للارتحال، ليكون رحيلكم مع رحيله، وبيان هذا فى الحديث الآخر أن الإمام يقول آمين والملائكة تقول:
آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، فأحب أن يجتمع التأمينان فى وقت واحد رجاء المغفرة.
قال: وقد احتج بقوله ((إذا قال الامام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا آمين)) من ذهب إلى أنه لا يجهر
بآمين، وقال ألا ترى أنه جعل وقت فراغ الإمام من قوله «ولا الضالين، وقنا لتأمين القوم فلو كان الامام يقوله جهرا
لاستغنى بسماع قوله عن التحين له مراعاة وقته. قال: وهذا قد كان يجوز أن يستدل به لو لم يكن ذلك مذكورا فى
حديث وائل بن حجر الذى تقدم ذكره، وإذا كان كذلك لم يكن فيما استدلوابه طائل، وقد يكون معناه: الأمربه والحض عليه
إذا نسيه الإمام، يقول لا تغفلوه إذا أغفله الإمام ولا تتركوه إن نسيه، وأمنوا لأنفسكم لتحرز وا به الأجر-انتهى. وقال السندى:
الأقرب أن أحد اللفظين من تصرفات الرواة وحينئذ فرواية «إذا أمن)) أشهر وأصح، فهى أشبه أن تكون هى الأصل، والله
أعلم - انتهى. وقوله (آمين)) بالمد والتخفيف فى جميع الروايات، وعن جميع القراء، وحكى الواحدى عن حمزة والكسائى
الإمالة، وفيها لغات أخرى شاذة. وهى من أسماء الأفعال، وتفتح فى الوصل لأنها مبنية بالاتفاق، مثل كيف ، ومعناه:
اللهم استجب. عند الجمهور، وقيل: غير ذلك ما يرجع جميعه إلى هذا المعنى ، مثل: ليكن كذلك، واقبل ، ولا تخيب
رجائا، ولا يقدر على هذا غيرك. وقيل: هواسم من أسماء الله تعالى. تنبيه: اعلم أنه استدل البخارى بقوله «إذا قال الإمام
غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين، على الجهر بالتأمين المأمومين ، حيث ترجم عليه («باب جهر المأموم
١٢١
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه. هذا لفظ البخارى، ولمسلم نحوه.
وفى أخرى للبخارى، قال: إذا أمن القارئى فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين
الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه.
بالتأمين)، ووجه الأخذ منه على ما قال الزين بن الخير: إن فى الحديث الأمر بقول آمين والقول إذا وقع به الخطاب
مطلقا حمل على الجهر، ومتى أريد به الاسرار وحديث النفس قيد بذلك. وقال ابن رشيد: تؤخذ مناسبة الحديث للترجمة
من جهات: منها أنه قال ((إذا قال الإمام فقولوا)) فقابل القول بالقول، والإمام إنما قال ذلك جهرا، فكان الظاهر الاتفاق
فى الصفة. ومنها أنه قال «فقولوا، ولم یقیده مجهر ولا غيره ، وهو مطلق فی سیاق الإثبات، وقد عمل به فى الجهر بدليل
ما تقدم، يعنى فى مسئلة الإمام، والمطلق إذا عمل به صورة لم يكن حجة فى غيرها باتفاق. ومنها أنه تقدم أن المأموم مأمور
بالاقتداء بالامام ، وقد تقدم أن الإمام يجهر فظزم جهره بجهره - انتهى. وتعقب بأنه يستلزم أن يجهر المأموم بالقراءة
لأن الإمام جهر بها، لكن يمكن أن ينفصل عنه بأن الجهر بالقراءة خلف الأمام قد نهى عنه فبقى التأمين داخلا تحت
عموم الأمر باتباع الامام ، ويتقوى ذلك بما تقدم عن عطاء: أن من خلف ابن الزبير كانوا يؤمنون جهرا، وروى
البيهقى من وجه آخر عن عطاء، قال: أدركت مائتين من أصحاب رسول اللّه مَّ فى هذا المسجد إذا قال الإمام ﴿ ولا
الضالين﴾ سمعت لهم رجة بآمين، كذا فى الفتح (هذا لفظ البخارى) وأخرجه أيضا بهذا اللفظ مالك، وأبوداود والنسائى
(ولمسلم نحوه) بمعناه (وفى أخرى للبخارى) فى باب التأمين من كتاب الدعوات (قال) أى النبى مَّم (إذا أمن القارئ)
قال الحافظ: المراد بالقارئ هنا الإمام إذا قرأ فى الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد بالقارئ أعم من ذلك - انتهى.
قلت: الظاهر أن المراد به هو الامام إذا قرأ فى الصلاة، لأن الحديث واحد اختلفت ألفاظه من تصرف الرواة. قيل:
الحديث يدل على أن الإمام هو القارئ دون المأموم. وأن المأموم إنما ينتظر فراغه من الفاتحة حتى يقول آمين.
وتعقّب: بأن الأصح الأشهر رواية ((إذا أمن الإمام، والرواية الأخرى من تصرف الراوى، فالأولى هى العمدة ، وبأن
إطلاق القارئ على الإمام إنما هو لأنه يجهر بالقراءة بخلاف المقتدى، لا لأن القراءة مختصة بالإمام، وهذا لا يقتضى
ففى القراءة السرية عن المأموم، والمعنى: إذا أمن الامام بعد الفراغ عن قراءة الفاتحة فأمنوا، وهذا هو معنى قوله ((إذا
قال الامام (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا آمين)، ولم يقل أحد: إن هذا يدل على نفى القراءة عن المأموم
وحصرها فى الإمام ، ويمكن أن تحمل هذه الرواية الأخرى على معنى: أن القارئ أى الامام إذا مر بآية مشتملة على
الدعاء بعد الفاتحة وأمن فقولوا آمين، فأطلق لفظ القارئ من حيث أنه ينفرد بقراءة ما فوق الفاتحة دون المقتدى. ورواية
البخاریهذه أخرجها أيضا النسائى وابنماجه، وفىرواية لأبى داود وابن ماجه عن أبى هريرة، قال كان رسول الله ربّے
٠١٢٢
-:
مرعاة المفاتيح چ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
٨٣٢ - (٥) وعن أبى موسى الأشعرى، قال: قال رسول اللّه عَّه: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم،
ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) فقولوا: آمين،
يحبكم الله. فإذا كبر وركع، فكبروا واركعوا، فإن الامام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله
فتلك بتلك .
: 5
إذا قال (غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال آمين. حتى يسمع من يليه من الصف الأول. وزاد ابن ماجه:
فيرج بها المسجد. وأخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه .
٨٣٢٠ - قوله (إذا صليتم) أى أردتم الصلاة (فأقيموا صفوفكم) أى عدلوها، وسووها، وتراصوا فيها بحيث
لا يكون فيها اعوجاج ولا فرج. فالمراد بإقامة الصفوف تسويتها واعتدال القائمين فيها على خط مستقيم وسمت واحد،
والتراص فيها ، وتتميمها الأول فالأول، وسد الخلل الذى فى الصف، وعدم الفرج. قال العينى: وهى أى تسوية
الصف من سنة الصلاة عند أبى حنيفة والشافعى ومالك، وزعم ابن حزم أنه فرض ، فإن تسوية الصفوف من إقامة
الصلاة ، وإقامة الصلاة فرض ، وما كان من الفرض فهو فرض (ثم ليؤمكم أحدكم) فيه الأمر بالجماعة فى المكتوبات ،
ولا خلاف فى ذلك، ولا ينافى هذا ما صح عنه مَ ◌ّه: يوم القوم أقرأهم، إلخ. لأنه لبيان الأفضل ، وذلك لبيان حصول
أصل الجماعة، أو محمول على استواء الجميع فى السن والفضيلة (فإذا كبر فكبروا) فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير
الإمام فلا يكبر قبل الامام ولا معه بل بعده، لأن الفاء للتعقيب (وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين) أى وقال:
آمين (فقولوا: آمين) أى مع تأمينه ليتوافق التأمينان معا. واستدل بهذا الحديث بعض الحنفية على ترك الفاتحة خلف الامام
لأنه ◌َّ لم يأمرهم بقراءتها والمقام مقام التعليم، وقال بعضهم: فى قوله ((إذا قال: غير المغضوب عليهم)، إلخ. إشارة إلى
السكوت والاستماع. قلت: قد أمرهم النبي مَ ايام بقراءة الفاتحة غير مرة فترك ههنا لظهور أمرها وشهرة شأنها ، واعتمادا
على ما أكد الأمر فيها فلم يكن حاجة إلى أن يذكرها كل مرة، كيف ولم يذكر ههنا دعاء الاستفتاح ، والتعوذ، ووضع
اليدين ، وغير ذلك من السنن وبعض الواجبات ، والمقام مقام التعليم ، ومع ذلك اتفقوا على مشروعيتها لكونها ثابتة من
أحاديث أخرى ، فليكن هكذا أمر الفاتحة خلف الإمام، ولا عبرة بالإشارة والمفهوم فى مقابلة النص الصريح والمنطوق
(يجبكم الله) بالجزم جواب الأمر، أى يستجب لكم، وهذا حث عظيم على التأمين فيتأكد الاهتمام به (فإذا كبروركع،
فكبروا واركعوا ، فإن الامام يركع قبلكم ويرفع قبلكم) معناه: اجعلوا تکیركم الركوع ور کوعكم بعد تکیره وركوعه ،
وكذلكم رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه (فتلك بتلك) أى فتلك اللحظة التى تقدمكم إما مكم مجبورة بتلك اللحظة التى تأخر تم عنه.
قال النووى: معناه أى تلك اللحظة التى سبقكم الامام بها فى تقدمه إلى الركوع ينجبر لكم بتأخركم فى الركوع بعدرفعه لحظة،
١٢٣
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
قال: وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم. رواه مسلم.
٨٣٣ - (٦) وفى رواية له عن أبى هريرة وقتادة:
فتلك الحظة بتلك اللحظة، وصارقدرركوعكم كقدرركوعه، وكذلك فى السجود. وقال الخطابى فى المعالم (ج١: ص٢٣٠):
فيه وجهان: أحدهما أن يكون ذلك مردودا إلى قوله «وإذا قرأ الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين،
يحبكم الله)) يريد أن كلمة آمين يستجاب بها الدعاء الذى تضمنه السورة أو الآية، كأنه قال: فتلك الدعوة مضمنة بتلك الكلمة
أو معلقة بها، أو ما أشبه ذلك من الكلام. والوجه الآخر أن يكون ذلك معطوفا على ما يليه من الكلام (وإذا كبر
وركع فكبروا واركعوا، يريد أن صلاتكم متعلقة بصلاة إمامكم فاتبعوه، وائتموا به ، ولا تختلفوا عليه، فتلك إنما تصح
وتثبت بتلك (وإذا قال) أى الإمام (سمع الله لمن حمده) أى استجاب الله دعاء من حمده (يسمع اللّه لكم) بكسر العين،
أى يستجيب لهم ويقبله ، وكان مجزوما لجواب الأمر تحرك بالكسر. وفيه دلالة على استحباب الجهر من الامام
بالتسميع ليسمعوه فيقولون. واستدل به من يقول: إن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: اللهم ربنا لك
الحمد فقط، لأن القسمة بين الذكرين تقطع الشركة. ويجاب: بأن أمر المؤتم بالحمد عند تسميع الامام لا ينافى فعله له، كما أنه
لاينافى قوله مَّ ((إذا قال الامام ولا الضالين، فقولوا: آمين)) قراءة المؤتم للفاتحة. وكذلك أمر المؤتم بالتحميد لأننافى
مشروعيته للإمام، كما لا ينافى أمر المؤتم بالتأمين ، تأمين الامام. وقد استفيد التحميد للإمام والتسميع المؤتم من أدلة
أخرى، قاله الشوكانى. وقال شيخنا فى أبكار المنن (ص ٢٢٠): ورد هذا الاستدلال بأن غرضه مر ئي من هذا القول
ليس للقسمة بين الإمام والمقتدى. بل ذكر وقت تحميد المقتدى أنه عند قول الامام (سمع الله لمن حمده، وهو ساكت
عن تجميد الإمام إثباتا ونفيا - انتهى (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى.
٨٣٣ - قوله (وفى رواية له) أى لمسلم، وكذا لأبى داود، وابن ماجه أيضا (عن أبى هريرة وقتادة) أى وعن
قتادة ، فيكون أثرا موقوفا على قتادة لا حديثا مرفوعا ، وإليه أشار النووى بقوله: لا سيما لم يروها مسندة فى صحيحه،
فكان المصنف وافق النووى فى جعل هذه الزيادة غير مسندة. وفيه نظر: فإن هذه الزيادة ليست موقوفة على قتادة من
قوله، بل هى مرفوعة متصلة رواها مسلم مسندة فى صحيحه من حديث أبى موسى الأشعرى من طريق جرير ، عن سليمان
التيمى ، عن قتادة ، عن يونس بن جبير أبى غلاب ، عن حطان بن عبد الله الرقاشى ، عن أبي موسى الأشعرى ، وهذا
ظاهر غير خفى لمن يتأمل فى سياق الحديث عند مسلم. والظاهر عندى: أن معنى قول المصنف: وقتادة، أى وعن قتادة عن
يونس بن جبير، عن حطان بن عبد اللّه، عن أبى موسى، فيكون إشارة إلى أن هذه الزيادة رواها مسلم من حديث أبى هريرة،
ومن حديث أبى موسى أيضا لكن من طريق جرير، عن سليمان التيمي ، عن قتادة، عن يونس بن جبير، إلخ. تنبيه:
١٢٤
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
وإذا قرأ فأنصتوا.
ظاهر عبارة المصنف يقتضى أن هذه الزيادة أخرجها مسلم فى صحيحه من حديث أبى هريرة ، وليس كذلك ، بل يفهم من
كلام مسلم أنه لم يخرج حديث أبى هريرة هذا أصلا ، فإن فى كتابه بعد إيراد حديث أبى موسى وذكر هذه الزيادة من
رواية جرير عن سليمان التيمى عن قنادة «قال أبو بكر بن أخت أبي النضر: حديث أبى هريرة يعنى: وإذا قرأ فانصتوا؟
فقال مسلم: هو عندى صحيح، فقال: لم لم تضعه ههنا؟ فقال: ليس كل شئ عندى صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا
ما اجتمعوا عليه)، انتهى. وحديث أبى هريرة هذا قد ذكره المصنف فى الفصل الثانى، ويأتى الكلام عليه هناك
(وإذا قرأ فأنصتوا) أى اسكتوا للاستماع، وهذا لا يكون إلا حالة الجهر، قاله السندى. وقد احتج بذلك القائلون
إن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام فى الصلاة الجهرية، وهم إسحاق بن راهويه وأحمد ومالك والحنفية ، لكن الحنفية قالوا:
لا يقرأ خلف الإمام لا فى سرية ولا جهرية. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وإذا قرى القرآن فاستمعوا له
وأنصتوا لعلكم ترحمون - ٧: ٢٠٤﴾ قال ابن الحمام فى فتح القدير: حاصل الاستدلال بالآية أن المطلوب أمران: الاستماع
والسكوت ، فيعمل بكل منهما ، والأول يخص الجهرية والثانى لا ، فيجرى على إطلاقه، فيجب السكوت عند القراءة
مطلقا - انتهى. وبقوله: إذا قرأ فانصتوا، فى حديث أبى موسى، وفى حديث أبى هريرة الآتى فى الفصل الثانى.
قال العينى: هذا حجة صريحة فى أن المقتدى لا يجب عليه أن يقرأ خلف الامام أصلا على الشافعى فى جميع الصلوات،
وعلى مالك فى الظهر والعصر - انتهى. قلت: الاستدلال بالآية وبقوله «إذا قرأ فأنصتواء على منع القراءة خلف الإمام
فى الصلوات الجهرية أو مطلقا غير صحيح. أما الآية فلأن صحة الاستدلال بها موقوفة على أن يكون الخطاب فيها مع
المسلمين وهو منوع، بل الظاهر أن الخطاب فيها مع الكفار ، قال الفخر الرازى فى تفسيره: لا شك أن قوله:
﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبا، والناس فيه أقوال
(إلى أن قال): وفى الآية قول خامس: وهو أنه خطاب مع الكفار فى ابتداء التبليغ وليس خطابا مع المسلمين، وهذا
قول حسن مناسب - انتهى. ثم ذكر الرازى تقرير هذا القول، من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى تفسيره. وما قيل:
أنه أجمع الناس على أن هذه الآية نزلت فى الصلاة، فهو ادعاء محض، لم يقم عليه دليل صحيح. ويرده: أن فى سبب نزولها
أقوالا وروايات مختلفة عن الصحابة ومن بعدهم: منها أنها نزلت فى السكوت عند الخطبة. ويرده أيضا: أن الصحابة قد
اختلفوا فى القراءة خلف الإمام، وقد قال بها أكثر أهل العلم من أصحاب النبيِ مَّه والتابعين ومن بعدهم كما صرح به
الترمذى. ويرده أيضا: قول ابن المبارك: أنا أقرأ خلف الإمام، والناس يقرأون إلا قوم من الكوفيين، ويرده أيضا:
أن أحمد اختار القراءة خلف الإمام، وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام، كما
ذكره الترمذى. وأما ما قيل: أن الخطاب فى هذه الآية وإن كان مع الكفار لكن قد تقرر فى مقره
١٢٥
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فيجرى لفظ الآية على عمومه، ويشمل حكمه المورد وغيره فتدل
هذه الآية بعمومها على وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقا. ففيه: أنه لا شك فى أن العبرة لعموم
اللفظ لا لخصوص السبب، لكن قد تقرر أيضا فى مقره أن اللفظ لويحمل على عمومه يلزم التعارض والتناقض، ولويحمل
على خصوص السبب يندفع التعارض، فحينئذ يحمل على خصوص السبب. قال ابن الهمام فى فتح القدير: قوله بته :
ليس من البر الصيام فى السفر، محمول على أنهم استضروابه، بدليل ما ورد فى صحيح مسلم فى لفظ: إن الناس قد شق عليهم
الصوم ، والعبرة وإن كان لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لكن يحمل عليه دفعا العارضة بين الأحاديث، إلخ. فإذا
عرفت هذا فاعلم أنه لو يحمل قوله ﴿ وإذا قرّ القرآن) على عمومه لزم التعارض والتناقض بينه وبين قوله تعالى ﴿فاقرؤا ما
تيسر من القرآن - ٧٣: ٢٠) وأحاديث القراءة خلف الإمام، ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض، حينئذ يحمل
على خصوص السبب. ولو تنزلنا واعتبر ناعموم لفظها بل سلمنا أن فيها الخطاب مع المسلمين فعلى هذا التقدير أيضا الاستدلال بها على
منع القراءة خلف الإمام فى الجهرية أو مطلقا ليس بصحيح لوجوه كثيرة : منها أن هذه الآية ساقطة عن الاستدلال عند
الحنفية كما صرحوا به فى كتب الأصول، ففى نور الأنوار (ص ١٩١): وحكمها بين الآيتين المصير إلى السنة ، لأن
الآيتين إذا تعارضتا تساقطنا فلا بد للعمل من المصير إلى ما بعده وهو السنة، ولا يمكن المصير إلى الآية الثالثة ، لأنه
يفضى إلى الترجيح بكثرة الأدلة وذلك لا يجوز، ومثاله قوله تعالى ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن) مع قوله تعالى:
﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ فإن الأول بعمومه يوجب القراءة على المقتدى، والثانى بخصوصه ينفيه،
وقد وردا فى الصلاة جميعا فتساقطا، فيصار إلى حديث بعده، وهو قوله عليه السلام: من كان له إمام فقراءة الامام
له قراءة - انتهى. وقال مسعود بن عمر سعد الدين التفتازانى - الذى جعله طائفة حنفيا كابن نجيم وعلى القارى، وجعله
بعضهم شافعيا كصاحب كشف الظنون والكفوى والسيوطى -فى التلويح لمحاشية التوضيح شرح التنقيح، فى باب المعارضة
والترجيح: مثال المصير إلى السنة عند تعارض الآيتين قوله تعالى ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن) وقوله تعالى ﴿وإذا
قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) تعارضا فصرنا إلى قول النبى حوله: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة - انتهى،
ومنها أن الآية إنما أمرت باستماع القرآن والانصات له ، وهذا لا يقتضى وجوب سكوت المقتدى مطلقا بأن لا يقرأ فى
نفسه أيضا ، فإن الانصات هو ترك الجهر، والعرب يسمى تارك الجهر منصتا وإن كان يقرأ فى نفسه وسرا إذا لم يسمع
أحد قراءته ، وقد حقق ذلك البيهقى فى كتاب القراءة، وعلى هذا فالدليل غير مثبت للرام، والنقريب غير تام ، وقد يقرر
هذا الوجه بأن قوله { وإذا قرى القرآن) إلخ، إنما ينفى القراءة خلف الإمام جهرا وبرفع الصوت، فإنها تشغل عن
استماع القرآن، وأما القراءة خلفه فى النفس وبالسر فلا ينفيها، فإنها لا تشغل عن الاستماع فنحن نقرأ الفاتحة خلف
١٢٦
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
الامام عملا بأحاديث القراءة خلف الإمام فى النفس وسرا، ونستمع القرآن عملا بقوله ﴿ وإذا قرئ القرآن)
والاشتغال بأحدهما لا يفوت الآخر ، ألا ترى أن الفقهاء الحنفية يقولون: إن استماع الخطبة يوم الجمعة واجب لقوله
تعالى ﴿ وإذا قرى القرآن) ومع هذا يقولون إذا قرأ الخطيب ﴿يا أيها الذين آمنواصلوا عليه وسلموا تسليما - ٣٣: ٥٦)
فيصلى السامع فى النفس وسرا. ومنها أن كتب المذاهب الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة قد صرحت بجواز تخصيص
عموم الكتاب بخبر الواحد عند الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة كما فى المحصول، والمختصر ، وشرحه للعضد، وشرح
الأسنوى على المنهاج للقاضى البيضاوى، والمستصفى، وروضة الناظر، وإرشاد الفحول، وغيرها، فلو سلمنا أن قوله
﴿وإذا قرئ القرآن﴾ عام حديث عبادة أخص منه، فيخص به عموم الآية، وتحمل على ما عدا الفاتحة، أو على غير
المقتدى. قال الرازى فى تفسيره: السؤال الثالث وهو المعتمد أن تقول: الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم
القرآن بخبر الواحد، فهب أن عموم قوله تعالى ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) يوجب سكوت المأموم عند قراءة
الامام إلا أن قوله عليه السلام: لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وقوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب . أخص من ذلك
العموم، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب تخصيص هذه الآية بهذا الخبر، وهذا السؤال حسن
انتهى وفى تفسير النيسابورى: وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ. إلا أنهم جوزوا تخصيص عموم القرآن بخير
الواحد ، وذلك مهنا قوله عزَّ: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب-انتهى. ومنها أن الآية لا تدل إلا على وجوب الاستماع
والإنصات أى السكوت له، وهذا مختص بالجهرية لا يتعدى إلى غيرها، فإن الاستماع والسكوت له لا يكون فى السرية،
فلو سلم أن هذه الآية تدل على منع القراءة خلف الامام فإنما تدل على المنعَ فى الجهرية دون السرية فيكون المدعى عاما
والدليل خاصا. ومنها أن الآية لا تدل إلا على وجوب الإنصات حال قراءة الإمام لاستماعه، لا على السكوت مطلقا
لأن المأمور فى الآية الاستماع والإنصات، والاستماع لا يمكن وجوده إلا حال القراءة، والانصات ليس عبارة عن
السكوت مطلقا بل عن سكوت مستمع. قال الرازى فى تفسيره : الإنصات سكوت مع استماع، ومتى انفك أحدهما عن
الآخر لا يقال له إنصات. قال تعالى {فاستمعوا له وأنصتوا ) وقال العينى فى شرح البخارى: الإنصات هو السكوت
مع الاصغاء. وقال محمد بن أبى بكر الرازى فى جواهر القرآن ((أنصتوا)) اسكتوا سكوت مستمعين. يقال: نصت وأنصت
وأنصت له، كله بمعنى واحد، أى سكت مستمعا. وقال الجزرى فى النهاية: قد تكرر ذكر الانصات فى الحديث ، يقال
أنصت ينصت إنصاثا إذا سكت سكوت مستمع. وقال الفتنى فى مجمع البحار: باب الإنصات للعلماء، أى السكوت
والاستماع لأجل ما يقولون - انتهى. ومثله كثير فى كتب اللغة، وغريب القرآن، والحديث، وشروح الحديث، فلا
وجود للإنصات أيضا إلا حال القراءة فالقول بأن الاستماع فى الجهرية والانصات بمعنى السكوت فى السرية باطل ،
١٢٧
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
فيقرأ المأموم الفاتحة فى سكتات الإمام فى الجهرية ، وينصت عند القراءة، ويكون عاملا بالقرآن والسنة جميعا. قال
الإمام البخارى فى جزء القراءة: قيل له احتجاجك بقول الله تعالى ﴿فاستمعوا له وأنصتوا) أرأيت إذا لم يجهر الامام
يقرأ خلفه؟ فإن قال: لا. بطل دعواه، لأن الله تعالى قال ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ وإنما يستمع لما يجهر، مع أنا نستعمل
قول الله ﴿فاستمعوا له) نقول: يقرأ خلف الإمام عند السكتات - انتهى. وقال الشيخ عبد الحى اللكنوى فى إمام.
الكلام (ص١٠٧): الإنصاف الذى يقبله من لا يميل إلى الاعتساف أن الآية المذكورة التى استدل بها أصحابنا على مذهبهم
لا تدل على عدم جواز القراءة فى السرية، ولا على عدم جواز القراءة فى حال الجهرية عند السكتة، وقال: الاستدلال بها على
وجوب الإنصات مطلقا سرية كانت أو جهرية فى حال السكتة وفى حال القراءة غير تام إلا بتأويلات ركيكة، لا يقبلها
ذو الفهم التام - انتهى. وههنا وجوه أخرى تدل كلها على أن استدلال الحنفية بها على مطلوبهم المذكور ليس بصحيح،
ولا يثبت بها مدعاهم، وقد ذكرها شيخنا فى كتابه «تحقيق الكلام١ فى وجوب القراءة خلف الإمام». وأما قوله من : إذا
قرأ فأنصتوا، فقد أجمع أكثر الحفاظ على أنه وهم من الراوى، وأنه ليس بصحيح ، منهم البخارى وأبو داود وأبو حاتم
وابن معين والحاكم والدار قطنى وابن خزيمة ومحمد بن يحيى الذهلى، والحافظ أبو على النيسابورى والحافظ على بن عمرو
البيهقى، وصححه أحمد ومسلم ، ولا شك أن عدد المضعفين أكثر من عدد من صحه بأضعاف ، فيقدم تضعيفهم على
تصحيح مسلم ومن وافقه، وقد حقق وقرر شيخنا فى أبكار المنن (ص ١٥٠ - ١٥٣) وتحقيق الكلام (ج ٢:
ص ٨١ - ٩٤) كون هذه الفظة غير صحيحة، وأشبع الكلام فى ذلك فارجع إلى هذين الكتابين. ولو سلم أن هذه
اللفظة فى حديث أبى موسى وأبى هريرة صحيحة محفوظة فالاستدلال بها على منع القراءة خلف الإمام ليس بصحيح، كما أن
الاستدلال على هذا المطلوب بقوله تعالى ﴿وإذا قرئ القرآن) ليس بصحيح كما عرفت، وعلى عدم صحة الاستدلال بها على
المنع وجوه أخرى مذكورة فى ((تحقيق الكلام)) منها أن قوله وإذا قرأ فأنصتوا محمول على ما عدا الفاتحة جمعا بين الأحاديث
قال الحافظ فى الفتح: واستدل من أسقطها عنه فى الجهرية كالمالكية بحديث: وإذا قرأفأنصتوا ، ولا دلالة فيه لا مكان
الجمع بين الأمرين فينصت فيما عدا الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام ويقرأ إذا سكت. وقال الامام البخارى فى جزء
القراءة: ولو صح لكان يحتمل سوى الفاتحة، وأن قرأ فيما سكت الامام ، ويؤيد هذا أن أبا هريرة كان يفتى بعد وفاة
رسول الله مُّ بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام فى جميع الصلوات جهرية كانت أو سرية، وهو راوى حديث: وإذا
قرأ فأنصتوا، أيضا. وارجع إلى المحلى (ج ٣: ص ٢٤١) لابن حزم فقد أوضح ذلك الجواب فيه. واستدل أيضا
١ - هو كتاب مبسوط فى اللغة الأردوبة، مفرد فى هذه المسلة، عديم النظير، قد تم فى جزءین کیرین: الجزء الأول فی ذکر دلائل وجوب
القراءة خلف الإمام من الأحاديث وآثار الصحابة والتابعين، والجزء الثانى فى ذكر مستدلاتٍ من ذهب إلى عدم الوجوب، أو المتع والكرامة فى
الجهرية، أو مطلقا مع الجواب عن كل دليل بعدة وجوهٍ، فعليك أن ترجع إليه .
١٢٨
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
الحنفية بحديث جابر: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة. أخرجه الطحاوى والدار قطنى وغيرهما. والجواب
عنه أن هذا الحديث بجميع طرقه ضعيف كما بينه شيخنا فى أبكار المنن وتحقيق الكلام. قال الحافظ فى الفتح: واستدل
من أسقطها عن المأموم مطلقا كالحنفية بحديث: من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة، لكنه ضعيف عند
الحفاظ، وقد استوعب طرقه، وعلله الدار قطنى وغيره - انتهى. وقال فى التلخيص: حديث ((من كان له إمام فقراءة
الإمام له قراءة)، مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة وكلها معلولة -انتهى. وقال ابن كثير فى تفسيره
بعد ما ذکره عن مسند أحمد بن حنبل : فی إسناده ضعف ، ورواه مالك ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر من كلامه ،
وقد روى هذا الحديث من طرق لا يصح شئ منها عن النبى مَّم - انتهى. وقال البخارى فى جزء القراءة: هذا الخبر لم
يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم لإ رساله وانقطاعه.انتهى. ولو سلم أن هذا الحديث صحيح فقد أجيب
عنه بوجوه كثيرة ذكرها شيخنا فى ((تحقيق الكلام)) من شاء الوقوف عليها رجع إليه. فنها أن هذا الحديث معارض
بقوله تعالى ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن) فإنه بعمومه نص صريح فى أن المقتدى لا بد له من قراءة حقيقية خلف
الإمام، وهذا الحديث يدل على منع القراءة الحقيقية خلف الإمام على قول أكثرهم ، أو يدل على أن المقتدى لا حاجة
4 أن يقرأ خلف الإمام قراءة حقيقية، بل قراءة إمامه تكفيه، فلا يجوز تركه بخبر الواحد ، وأما قول العينى: جعل
المقتدى قارئا بقراءة الإمام، فلا يلزم الترك، فمبنى على عدم التدبر، فإنه ليس المراد بقوله: من كان له إمام، إلخ. إلا
أن قراءة الامام تكفى المقتدى، ولا حاجة له إلى القراءة الحقيقية، فلو يقبل هذا الحديث ويعمل به يلزم الترك بلا شبهة.
ومنها ما قال البخارى فى جزء القراءة: فلو ثبت الخبران كلاهما لكان هذا مستثنى من الأول لقوله: لا يقرأن إلا بأم
الكتاب. وقوله: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، جملة، وقوله ((إلا بأم القرآن)، مستثنى من
الجملة كقول النبى معَّ: جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا، ثم قال فى أحاديث أخر: إلا المقبرة، وما استثناه من
الأرض، والمستثنى خارج من الجملة، وكذلك فاتحة الكتاب خارج من قوله: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ،
مع انقطاعه - انتهى. ومنها أن هذا الحديث وارد فيما عدا الفاتحة، قال الشيخ عبد الحى اللكنوى فى إمام الكلام.
(ص ١٥٠): قد يقال: إن مورد هذا الحديث هو قراءة رجل خلف النبي مَ ثّة (سبح اسم ربك الأعلى - ٨٧: ١) فى الظهر
أو العصر كما مر من طرق عن جابر، فهو شاهد لكونه واردا فيما عدا الفاتحة - انتهى. والعبرة وإن كانت لعموم اللفظ
لا لخصوص المورد لكن قد يحمل الحديث على خصوص مورده إذا حصل بذلك الجمع بين الأحاديث المتعارضة دفعا
التعارض، حديث جابر هذا يحمل على خصوص مورده أى ما عدا الفاتحة لأنه يحصل بذلك الجمع بين الأحاديث ويندفع
التعارض. وقال الزيلعى فى نصب الراية: وحمل البيهقى هذه الأحاديث على ما عدا الفاتحة ، واستدل بحديث عبادة أن
١٢٩
منعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة في الصلاة
النبي ◌َّ صلى الفجر ثم قال: لعلكم تقرأون خلف إمامكم ، قلنا: نعم. قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب. وأخرجه
أبو داود بإسناد رجاله ثقات، وبهذا يجمع بين الأدلة المثبتة للقراءة والنافية - انتهى. ومنها ما قال الشيخ عبد الحي
اللكنوى فى إمام الكلام (ص ٥٠): إن هذا الحديث يعنى حديث من كان له إمام، إلخ. ليس بنص على ترك الفاتحة بل
يحتملها ويحتمل قراءة ما عداها، وتلك الروايات يعنى روايات عبادة وغيره فى القراءة خلف الإمام تدل على وجوب
قراءة الفاتحة أو استحسانها نصا، فينبغى تقديمها عليه قطعا - انتهى. وقال فيه أيضا: حديث عبادة نص فى قراءة الفاتحة
خلف الإمام ، وأحاديث النهى والترك لا تدل على تركها نصا بل ظاهرا ، وتقديم النص على الظاهر عند تعارضهما
منصوص فى كتب الأعلام - انتهى. وقال الحازمى فى كتاب الاعتبار: الوجه الثالث والثلاثون أن يكون الحكم الذى
تضمنه أحد الحديثين منطوقاً به، وما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملا ، يعنى فيقدم الأول على الثانى. ومنها: أن هذا
الحديث منسوخ عند الحنفية فلا يصح الاستدلال به على منع القراءة خلف الإمام، وتقرير النسخ أن جابراً راوى هذا
الحديث كان يقرأ خلف الإمام كما روى ابن ماجه بسند صحيح عنه، وكذلك روى هذا الحديث أبو هريرة ، وأنس،
وأبو سعيد ، وابن عباس ، وعلى ، وعمران بن حصين ، رضى الله عنهم ، وكان كل من هؤلاء يقرأ الفاتحة خلف الإمام
ويفتى بعد وفاة رسول الله مريم بقراءتها، بعضهم فى جميع الصلوات، وبعضهم فى السرية فقط. وقد تقرر عند الخفية
أن عمل الصحابى وفتواه على خلاف حديثه يدل على نسخه ، فهذا الحديث عند الحنفية منسوخ، وإن شئت الاطلاع
على الأجوبة الأخرى فعليك أن تطالع تحقيق الكلام. تنبيه: قال شيخنا فى شرح الترمذى: اعلم أن الحنفية قد استدلوا على
منع القراءة خلف الإمام ببعض آثار الصحابة رضى الله تعالى عنهم، كاثر زيد بن ثابت، قال: لا قراءة مع الامام فى
شئى. رواه مسلم، وأخرج الطحاوى عن زيد، وجابر، وابن عمر ، أنهم قالوا: لا يقرأ خلف الإمام فى شئ من
الصلوات. قلت: احتجاجهم بهذه الآثار ليس بشئ، فإن الأئمة الحنفية كالشيخ ابن الهمام وغيره قد صرحوا بأن قول
الصحابى حجة مالم ينفه شئى من السنة ، وقد عرفت أن الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة دالة على وجوب القراءة
خلف الإمام فهى تنفى هذه الآثار فكيف يصح الاحتجاج بها. قال صاحب إمام الكلام: صرح ابن الهمام وغيره أن
قول الصحابى حجة ما لم ينفه شئ من السنة، ومن المعلوم أن الأحاديث المرفوعة دالة على إجازة قراءة الفاتحة خلف
الإمام، فكيف يؤخذ بالآثار وتترك السنة - انتهى. وأيضا قد صرحوا بأن حجية آثار الصحابة إنما تكون مفيدة إذا.
لمیکن الأمر مختلفا فیه بينهم كما فى التوضيح، ونور الأنوار ، والأمر فیما نحن فيه ليس كذلك ، بل فيه اختلاف الصحابة ،
فكيف يصح احتجاجهم بهذه الآثار، فلا بد أن تحمل على قراءة السورة التى بعد الفاتحة، أو على الجهر بالقراءة مع الإمام
لثلا تخالف الأحاديث المرفوعة الصحيحة. قال النووى فى شرح مسلم: والثانى أنه أى قول زيد بن ثابت محمول على قراءة السورة
١٣٠
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
٨٣٤ - (٧) وعن أبى قتادة، قال: كان النبي ◌َّم يقرأ فى الظهر فى الأوليين بأم الكتاب وسورتين،
وفى الركعتين الأخريين بأم الكتاب،
التى بعد الفاتحة فى الصلاة الجهرية ، فإن المأموم لا يشرع له قراءتها ، وهذا التأويل متعين ليحمل قوله على موافقة
الأحاديث الصحيحة - انتهى. وقال البيهقى فى كتاب القراءة: وهو أى قول زيد محمول عندنا على الجهر بالقراءة مع
الإمام، وما من أحد من الصحابة وغيرهم من التابعين قال فى هذه المسئلة قولا يحتج به من لم ير القراءة خلف الامام
إلا وهو يحتمل أن يكون المراد به ترك الجهر بالقراءة - انتهى.
٨٣٤ - قوله (فى الأولين) بيائين وضم الهمزة، تثنية الأولى وكذا الأخريين (بأم الكتاب) أى فى كل ركعة
منهما (وسورتين) أى فى كل ركعة سورة ، ويدل على ذلك ما ثبت من حديث أبي قتادة فى رواية للبخارى بلفظ : كان
التى مَّة يقرأ فى الظهروالعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة. واستدل به على أن قراءة سورة أفضل من قراءة قدرها من
طويلة، وكأنه مأخوذ من قوله: كان يفعل ، لأنها تدل على الدوام أو الغالب (وفى الركعتين الأخربين بأم الكتاب)
ظاهره أنه لا يزيد على أم الكتاب فى الأخريين ، ويدل حديث أبى سعيد الآتى على أنه كان يقرأ فى الأخريين من
الظهر غيرها معها ، ويزيده دلالة على ذلك ما وقع فى رواية لمسلم من هذا الحديث أن التى تَّةٍ كان يقرأ فى صلاة
الظهر فى الركعتين الأوليين فى كل ركعة قدر ثلاثين آية ، وفى الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال نصف ذلك. قال
الأمير اليمانى: ولعل حديث أبى قتادة أرجح من حديث أبى سعيد من حيث الرواية لأنه اتفق عليه الشيخان ، ومن
حيث الدراية لأنه إخبار مجزوم به، وخبر أبى سعيد انفرد به مسلم، ولأنه خبر عن حزر وتقدير وتظنن. ويحتمل أن
يجمع بينهما بأنه مَّا كان يصنع هذا تارة فيقرأ فى الأخريين غير الفاتحة معها ، ويقتصر فيهما أحيانا فتكون الزيادة عليها
فيهما سنة تفعل أحيانا وتترك أحيانا - انتهى. قلت : الجمع بينهما عندى أولى من الترجيح، فالظاهر أنه يجوز الزيادة على
الفاتحة فى الأخريين من غير كراهة ، ويؤيده ما رواه مالك فى المؤطا عن أبى عبد الله الصنابحى: أنه سمع أبا بكر يقرأ
فى الثالثة فى المغرب {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا-٣: ٨) الآية. وحمل الباجى وابن قدامة فعل أبى بكر هذا على أنه كان
على معنى الدعاء لا على معنى أنه قرن قراءته على حسب ما تقرن بها السورة. وفيه: أن هذا الحمل يحتاج إلى دليل ، وهو
مفقود فلا يصغى إليه ، ويؤيد أيضا ما تقدم من كون الزيادة على الفاتحة فى غير الأولين جائزة من غير كراهة بل سنة
ما رواه مالك أيضا عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقرأ فى الأربع جميعا، فى كل ركعة بأم القرآن وسورة من القرآن. والظاهر
أن الصلاة كانت فريضة لما فى رواية محمد فى هذا الأثر فى الأربع جميعا من الظهر والعصر. قال النووى: استحسن الشافعى
قراءة السورة مع الفاتحة فى الأخريين فى الجديد دون القديم، والقديم هنا أصح، وهو مذهب مالك. قلت: وهو قول
١٣١
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
ويسمعنا الآية أحيانا، ويطول فى الركعة الأولى ما لا يطيل فى الركعة الثانية ،
أحمد. وعند الحنفية فيه ثلاثة أقوال: أحدها : أن ضم السورة يوجب سجدة السهو. والثانى: أنه لا يوجب لكن يكره.
والثالث: أنه لا يسن ولا يكره. وهو قول فخر الإسلام، وحقق الشامى أنه لوزاد على الفاتحة يكون خلاف الأفضل
(ويسمعنا الآية) من الإسماع أى يقرأ بحيث تسمع الآية من جملة ما يقرأ. وللنسائى من حديث البراء: كنا نصلى
خلف النبي مَّم الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات. ولابن خزيمة من حديث أنس نحوه،
لكن قال: بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية. وهذه الأحاديث دليل على أنه لا يجب الاسرار فى
السرية، وأن الجهر بالشئى اليسير من الآيات فى الصلاة السرية جائز مغتفر لا يوجب سهوا يقتضى السجود. واختلف الحنفية
فى وجوب سجدة السهو إذا جهر فى السرية ، فقيل: تجب ولو بكلمة ، وقيل بآية تامة ، وقيل بأكثر من الآية ، وأحاديث
الباب ترد هذه الأقوال كلها سواء قلنا : كان يفعل ذلك عمدا لبيان الجواز كما هو الظاهر من لفظ الإسماع، أو بغير قصد
للاستغراق فى التدبر، أو ليعلمهم أنه يقرأ، أو يقرأ سورة كذا ليتأسوا به. واعلم أن الجهر فى مواضع الجهر والاسرار
فى مواضع الاسرار فى الجهرية، والإسرار فى السرية سنة عند الشافعى وأحمد، فإن فعل خلاف ذلك، أى جهر فيما
يسر فيه، أو أسر فيما يجهر فيه كره ذلك، وأجزأه، وتمت صلاته، ولا سجود سهو فيه. وهو قول الظاهرية ، وهو
الحق. والدليل على ذلك أن الجهر فيما يجهر فيه، والاسرار فيما يسر فيه إنما هما فعل رسول الله مَفتيم، وليسا أمرا منه،
وأفعاله عليه السلام على الانساء، لا على الوجوب، وإنما كره خلاف ذلك لأن الجمهور من فعله عليه السلام كان الجهر
فى الجهرية، والإسرار فى السرية، ولا سجود سهو فى ذلك، لحديث أبي قتادة، وحديث البراء وأنس، وما أبيح تعمد
فعله أو تركه فلا سهو فيه لأنه فعل ما هو مباح له، ولم يقم دليل على وجوب الجهر فى الجهرية، والإسرار فى السرية،
لا من كتاب ولا من سنة، وقد اعترف بذلك بعض العلماء الحنفية حيث قال: هو سنة عند الجمهور ، وواجب عندنا.
ولا دليل له عندى - انتهى. وحكم المنفرد كحكم الإمام، فيسن له أيضا الجهر عند الشافعى، وظاهر كلام أحمد أنه
بخير، و کذلك من فاته بعض الصلاة فقام لیقضیه قال أحمد : إنما الجهر للجماعة (أحیانا) أى فى أحيان جمع حین، وهويدل
على تكرر ذلك منه مَّة. وفيه دليل على جواز أن يخبر الإنسان بالظن، وإلا فمعرفة القراءة بالسورة فى السرية لا طريق
فيه إلى اليقين، وإسماع الآية أحيانا لا يدل على قراءة كل السورة، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان فى الجهرية، وكأنه أخذ
من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، ولو كانوا يعلمون قراءة السورتين بخبر عنه مر ضى عقب الصلاة دائما أو
غالبا لذكروه (ويطول) بالتشديد من التطويل (فى الركعة الأولى) أى يجعل السورة فيها أطول من التى فى الثانية، لأن
النشاط فى الأولی یکون أ کثر فناسب التخفيف فى الثانية حذرا من الملل ، وأیضا لیدر کما الناس کما صرح به راوى
الحديث عند أبى داود، وابن خزيمة: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى (ما لا يطيل فى الركعة الثانية)
١٣٢
مرعاة المفاتيح ج.٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
وهكذا فى العصر، وهكذا فى الصبح. متفق عليه.
٨٣٥ - (٨) وعن أبي سعيد الخدرى، قال: كنا نحزر
كلمة ما يحتمل أن تكون نكرة موصوفة ، أى تطويلا لا يطيله فى الثانية، وأن تكون مصدرية أى غير إطالته فى الثانية ،
تكون هى مع ما فى حيزها صفة لمصدر محذوف (وهكذا) يقرأ فى الأولیین بأم الكتاب وسورتین ، وفى الأخریین بها
فقط، ويطول فى الأولى، ويسمع الآية أحيانا (فى العصر) أى فى صلاة العصر (وهكذا) أى يطيل فى الركعة الأولى
فى صلاة الصبح، فالتشبيه فى تطويل المقرؤ فى الأولى فقط ، بخلاف التشبيه فى العصر ، فإنه أعم منه. والحديث يدل
على استحباب تطويل الركعة الأولى بالنسبة إلى الثانية، وهذا هو مذهب أحمد ، ومحمد بن الحسن فى جميع الصلوات ، وبه
قال بعض الشافعية لهذا الحديث المصرح به فى الظهر والعصر والفجر، وقياس غيرها عليها. وعند أبى حنيفة،
وأبى يوسف يسوى بين الركعتين إلا فى الفجر، فإنه يطول الأولى على الثانية، وبه قال بعض الشافعية، ويدل عليه حديث
أبى سعيد الآتى: كان يقرأ فى الظهر فى الأوليين فى كل ركعة قدر ثلاثين آية. وفى رواية لابن ماجه: إن الذين حزروا
ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة. وأجيب لهما عن حديث أبى قتادة بأن تطويل الأولى كان بدعاء الاستفتاح والتعوذ لا
فى القراءة. وادعى ابن حبان أن الأولى إنما طالت على الثانية بالزيادة فى الترتيل فيها مع استواء المقرؤ فيهما. وقد
روى مسلم من حديث حفصة: أنه تمَّ كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. قلت: والراجح عندى هو
ما ذهب إليه أحمد ومحمد من أنه يستحب قطويل الركعة الأولى على الثانية فى الصلوات كلها ، وأن تطويل الأولى فى الظهر
والعصر كان فى القراءة لا بدعاء الاستفتاح والتعوذ، أو بالزيادة فى الترتيل، لأن المذكور فى الحديث هو القراءة لا غير،
فالظاهر أن التطويل والتقصير راجعان إلى ما ذكر فيه وهو القراءة. ولما روى أبو داود عن عبد الله بن أبى أو فى: أن
النبي ◌ُّ كان يقوم فى الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. وتقديم حديث أبي قتادة على حديث
أبى سعيد أولى لأنه أصح، ويتضمن زيادة، وهى ضبط التفريق بين الركعتين. أو يجمع بينهما بأنه مؤ فيهم كان يطول
الأولى تارة ويسوى بين الركعتين أخرى. وقال الحافظ فى الفتح: وقال البيهقى فى الجمع بين الأحاديث: يطول فى
الأولى إن كان ينتظر أحدا ، وإلا فليسوبين الأوليين. وروى عبد الرزاق نحوه عن ابن جريج عن عطاء قال: إنى
أحب أن يطول الامام الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس، فإذا صليت لنفسى فإنى أحرص على أن أجعل الأوليين
سواء. وذهب بعض الأئمة إلى استحباب تطويل الأولى من الصبح دائما، وأما غيرها فإن كان يترجى كثرة المأمومين
ويبادر هو أول الوقت فينظر ، وإلا فلا. وذكر فى حكمة اختصاص الصبح بذلك أنها تكون عقب النوم والراحة ، وفى
ذلك الوقت يواطى السمع واللسان القلب لفراغه، وعدم تمكن الاشتغال بأمور المعاش وغيرها منه. والعلم عند الله
(متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى وابن ماجه.
٨٣٥ - قوله (كنا نحزر) بفتح النون وسكون الحاء المهملة وضم الزاى بعدها راء، من الجزر، أى تخرس
١٣٣
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
قيام رسول اللّه مَّم فى الظهر والعصر، لحزرنا قيامه فى الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة
الم تنزيل السجدة، وفى رواية: فى كل ركعة قدر ثلاثين آية. وحزرنا قيامه فى الأخريين قدر النصف
من ذلك، وحزرنا فى الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه فى الأخريين من الظهر، وفى
الأخريين من العصر على النصف من ذلك. رواه مسلم.
ونقدر. وفى قوله (( كنا نحزر) ما يدل على أن المقدرين بذلك جماعة، وقد أخرج ابن ماجه أن الخارصين ثلاثون
رجلا من الصحابة (قيام رسول اللّه مزثم فى الظهر والعصر) أى مقدار طول قيامه فى الصلاتين (الم تنزيل) بالرفع على
الحكاية، قال القارى: ويجوز جره على البدل، ونصبه بتقدير ((أعنى) (السجدة) قال النووى: يجوز جر(«السجدة)) على
البدل ، ونصبها بأعنى، ورفعها على خبر مبتدأ محذوف، ولا يخفى أن هذه الوجوه الثلاثة كلها مبنية على رفع ((تنزيل))
حكاية ، وأما على إعرابه فيتعين جر («السجدة)) على الإضافة قاله القارى (وفى رواية فى كل ركعة قدر ثلاثين آية)
أول هذه الرواية عند مسلم: أن النبي مَّهُ كان يقرأ فى صلاة الظهر فى الركعتين الأوليين فى كل ركعة قدر ثلاثين آية.
فيحمل الرواية المطلقة المتقدمة على هذه المقيدة بقوله («فى كل ركعة)) (قيامه فى الأخريين) أى من الظهر (قدر النصف
من ذلك) فيه دلالة على أنه مَّ كان يقرأ غير الفاتحة معها فى الأخريين من الظهر، ويزيده دلالة على ذلك قوله
(وحزرنا) كذا فى جميع النسخ من غير زيادة لفظ ((قيامه)) وفى مسلم: وحزرنا قيامه (فى الركعتين الأوليين من العصر
على قدر قيامه فى الأخريين من الظهر) ومعلوم أنه كان يقرأ فى الأولين من العصر سورة غير الفاتحة (وفى الأخريين
من العصر على النصف من ذلك) أى من الأوليين منه. وفى رواية لمسلم: وفى الأخريين (أى من الظهر) قدر قراءة
خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك ، وفى العصر فى الركعتين الأوليين فى كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية ، وفى
الأخريين قدر نصف ذلك. وفيه دليل على أنه لا يقرأ فى الأخريين من العصر إلا الفاتحة ، وأنه يقرأ فى الأخريين من
الظهر غيرها معها. وقد تقدم الكلام فى هذا. وحديث أبى سعيد هذا يدل على تخفيف الأخريين من الظهر والعصر
من الأوليين منهما. ويدل أيضا على استحباب التخفيف فى صلاة العصر وجعلها على النصف من صلاة الظهر، والحكمة
فى إطالة الظهر أنها فى وقت غفلة بالنوم فى القائلة فطولت ليدركها المتأخر ، والعصر ليست كذلك ، بل تفعل فى وقت
تعب أهل الأعمال فخففت. وقد ثبت أن النبي مَ ◌ّه كان يطول فى صلاة الظهر تطويلا زائدا على هذا المقدار كما فى
حديث أبى سعيد عند مسلم ، والنسائى: أن صلاة الظهر كانت تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضى حاجته، ثم يتوضأ،
ثم يأتى ورسول اللّه مَّه فى الركعة الأولى ما يطولها (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود وأخرجه ابن ماجه
بسند ضعيف بألفاظ أخرى.
١٣٤
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
٨٣٦ - (٩) وعن جابر بن سمرة، قال: كان النبى معَّ يقرأ فى الظهر: بـ﴿الليل إذا يغشى) وفى
رواية: ب(سبح اسم ربك الأعلى) وفى العصر نحو ذلك، وفى الصبح أطول من ذلك. رواه مسلم.
٨٣٧ - (١٠) وعن جبير بن مطعم، قال: سمعت رسول اللّه ◌َ يقرأ فى المغرب بـ(الطور)
٨٣٦ - قوله (كان يقرأ فى الظهر: بـ«الليل إذا يغشى)، وفى رواية بـ«سبح اسم ربك الأعلى، وفى العصر نحو
ذلك) أى يقرأ قريبا مما ذكر من السورتين (وفى الصبح أطول من ذلك) أى من جميع ما ذكر ، لأنها تفعل فى وقت
الغفلة بالنوم فى آخر الليل، فيكون فى التطويل انتظار التأخر، وإعانة له على إدراكها. وقوله («كان يقرأ فى الظهر» يفيد
الاستمرار وعموم الأزمان كما تقرر فى الأصول من أن لفظ ((كان)، يفيد ذلك، فينبغى أن يحمل قوله ((كان يقرأ فى الظهر»
إلخ. على الغالب من حاله مرَّم، أو تحمل ((كان)) على أنها لمجرد وقوع الفعل لأنها قد تستعمل لذلك كما قال ابن دقيق العيد ،
لأنه قد ثبت: أنه مَّ كان يقرأ فى الظهر والعصر بـ (السماء والطارق) و (السماء ذات البروج) ونحوهما من السور.
أخرجه أبو داود ، والترمذى، وصححه من حديث جابر بن سمرة ، وتقدم: أنه قرأ فى الظهر سورة لقمان، والذاريات ،
وأنه كان يقرأ فى الظهر فى الركعتين الأوليين فى كل ركعة قدر ثلاثين آية. وفى رواية قدر «الم تنزيل السجدة». وفى الباب
أحاديث كثيرة مختلفة. قال الحافظ: وجمع بينهما بوقوع ذلك فى أحوال متغايرة إما ليان الجواز ، أو لغير ذلك من
الأسباب. واستدل ابن العربى باختلافها على عدم مشروعية سورة معينة فى صلاة معينة، وهو واضح فيما اختلف، لا
فيما لم يختلف، كتنزيل وهل أتى، فى صبح الجمعة - انتهى (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد، وأخرجه أبو داود بلفظ:
كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من ﴿ والليل إذا يغشى) والعصر كذلك، والصلوات كذلك إلا الصبح،
فإنه كان يطيلها .
٨٣٧ - قوله (سمعت رسول اللّه مَثّة) كان سماعه لذلك قبل إسلامه لما جاء فى فداء أسارى بدر، واستدل به
على صحة أداء ما تحمله الراوى فى حال الكفر ، وكذا الفسق إذا أداه فى حال العدالة (يقرأ فى المغرب بـ(الطور))) أى
بسورة الطور. وفيه دليل على أن المغرب لا يختص بقصار المفصل، وقد ورد أنه مَ ◌ّه قرأ فى المغرب بسورة (الأعراف)
وأنه قرأ فيها بحجم، والدخان، وأنه قرأ فيها بالمرسلات، وأنه قرأ فيها بـ(سبح اسم ربك الأعلى) وأنه قرأ فيها
بـ ﴿ التين والزيتون) وأنه قرأ فيها بـ ﴿الكافرون) و(الاخلاص). وقال رافع بن خديج: كنا نصلى المغرب مع
التى ◌َُّ، فينصرف أحدنا وإنه يبصر مواقع بله. قال الحافظ: طريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه ◌ُٹے کان أحيانا
يطيل القراءة فى المغرب إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين. وليس فى حديث جبير بن مطعم دليل
على أن ذلك تكرر منه. وأما حديث زيد بن ثابت يعنى الذى رواه البخارى وغيره عن مروان بن الحكم قال: قال لى
١٣٥
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
زيد بن ثابت: ما لك تقرأ فى المغرب بقصار المفصل وقد سمعت النبي مرَّة يقرأ بطولى الطولين؟. فقيه إشعار بذلك
لكونه أفكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبي ◌َّ واظب على ذلك لاحتج
به على زيد ، لكن لم يرو زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رأه من النبى
مرَّة. وفى حديث أم الفضل (يعنى ما أخرجه البخارى عن ابن عباس: أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ: ﴿والمرسلات
عرفا) فقالت: يا بنى ! لقد ذكرتنى بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله مَ ◌ّه يقرأ بها فى المغرب.
زاد فى رواية: ثم ما صلى لنا بعد حتى قبضه الله عز وجل) إشعار بأنه مَّى كان يقرأ فى الصحة بأطول من المرسلات
لكونه كان فى حال شدة مرضه وهو مظنة التخفيف. وقال ابن خزيمة: هذا من الاختلاف المباح ، بجائز الصلى أن
يقرأ فى المغرب وفى الصلوات كلها بما أحب، إلا أنه إذا كان إماما استحب له أن يخفف فى القراءة كما تقدم - انتهى. واعلم
أنه ذهب الجمهور إلى استحباب قراءة قصار المفصل فى المغرب، حتى ذكر الترمذى عن مالك أنه كره أن يقرأ فى المغرب
بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات. وقال الشافعى: لا أكره ذلك، بل استحب أن يقرأ بهذه السور فى الصلاة
الغرب. قال الحافظ: وكذا نقله البغوى فى شرح السنة عن الشافعى. والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة فى ذلك،
ولا استحباب. وأما مالك فاعتمد العمل بالمدينة بل وبغيرها. قال ابن دقيق العيد: استمر العمل من الناس على التطويل
فى الصبح، والقصر فى المغرب، والصحيح عندنا أن ماضح فى ذلك عن النبي ◌َّه بما لم يكثر مواظته عليه فهو جائز من
غير كراهة، وما صحت المواظبة عليه فهو فى درجة الرجحان فى الاستحباب - انتهى. واستدل للجمهور بحديث رافع بن
خديج الذى تقدم فى باب تعجيل الصلاة: أنهم كانوا يتضلون بعد صلاة المغرب ، فإنه يدل على تخفيف القراءة فيها؛
لكن ليس فيه التنصيص على القراءة بشئى من قصار المفصل. وبحديث ابن عمر، قال: كان النبي مَّ يقرأ فى المغرب
﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد) أخرجه ابن ماجه. قال الحافظ: ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة.
فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول ، قال الدار قطنى: أخطأ فيه بعض رواته. وأما حديث جابر
ابن سمرة فقيه سعيد بن سماك، وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما فى الركعتين بعد المغرب. وبحديث سليمان بن يسار
عن أبى هريرة الآتى فى الفصل الثانى، فإنه يشعر بالمواظبة على قراءة قصار المفصل فى المغرب، لكن فى الاستدلال به نظر.
وبما روى الطحاوى وغيره عن عمر أنه كتب إلى أبى موسى: أن اقرأ فى المغرب بقصار المفصل. وبما روى مالك عن
الصنابحى: أنه صلى المغرب خلف أبى بكر فقرأ فى الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورة سورة من قصار المفصل. وبما
روى أبو داود عن أبى عثمان النهدى أنه صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ بقل هو الله أحد. وبما روى أبو داود
أيضا عن عروة: أنه كان يقرأ فى المغرب بالعاديات، ونحوها من السمر. وقد ظهر بما ذكرنا أنه ليس فيما ذهب إليه
١٣٦
٠
ا
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
الجمهور حديث مرفوع صحيح صريح نص فيه على القراءة فى المغرب بشئى من قصار المفصل، قال الحافظ: لم أر حديثا.
مرفوعا فيه التنصيص على القراءة فيها بشئى من قصار المفصل ، إلا حديثا فى ابن ماجه عن ابن عمر نص فيه (الكافرون)
و (الإ خلاص) ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة - انتهى. وقد تقدم ما فيهما من الكلام عن الحافظ. وأجاب
الجمهور عن الأحاديث التى تدل على تطويل القراءة فى المغرب بوجوه: أحدها: أن هذا كان شيئًا فترك، قاله محمد فى
موطأه. وقال أبو داود بعد ذكر أثر عروة المتقدم: هذا يدل على أن ذاك - أى حديث زيد - منسوخ. وفيه: أن النسخ
لا يثبت بالادعاء والاحتمال، بل لابد لمن يدعى أن تطويل القراءة فى المغرب كان أولا ثم ترك، أن يأتى بالحديث الناسخ
الصحيح الصريح، ولا يثبت النسخ بمجرد قول محمد ولا غيره كائنا من كان ، ولم يبين أبو داود وجه الدلالة على النسخ .
وكأنه لما رأى عروة راوى الخبر عمل بخلافه، حمله على أنه اطلع على ناسخه ، ولا يخفى بعد هذا الحمل، وكيف يصح
دعوى النسخ وأم الفضل تقول: إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بـ (المرسلات). وقال صاحب التعليق الممجد: هذا الجواب.
مخدوش، لأن مبناه على احتمال النسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ولأن كونه متروكا إنما يثبت لو ثبت تأخر قراءة القصار على
قراءة الطوال من حيث التاريخ، وهو ليس بثابت، ولأن حديث أم الفضل صريح فى أن آخرما سمعت من رسول الله مؤلّه
هو سورة المرسلات فى المغرب، حينئذ إن سلك مسلك النسخ يثبت نسخ قراءة القصار لا العكس. وثانيها أنه لعله
كان يقرأ بعض السورة ثم يركع، ذكره أيضا محمد فى موطأه. وفيه: أن إثبات التفريق فى جميع ما ورد فى قراءة الطوال
مشكل ، وأيضا قد ورد فى رواية البخاري وغيره ما يدل على أن جبير بن مطعم سمع (الطور) بتمامه قراءة رسول الله
وري فى المغرب، فلا يفيد حينئذ ليت ولعل. وأيضا قد ورد: أن رسول اللّه موفقه قرأ بسورة (الأعراف) فى
المغرب، فرقها فى ركعتين، كما سيأتى، ومن المعلوم أن نصف (الأعراف) لا يبلغ مبلغ القصار، فلا يفيد التفريق
لا ثبات القصار، كذا فى التعليق الممجد. وقال الحافظ: ادعى الطحاوى أنه لا دلالة فى شئ من الأحاديث على تطويل
القراءة، لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة ، ثم استدل لذلك بما رواه من طريق هشيم عن الزهرى فى
حديث جبير بلفظ: سمعته يقرأ: ﴿إن عذاب ربك لواقع - ٥٢: ٧﴾ قال فأخبر أن الذى سمعه من هذه السورة هى هذه
الآية خاصة - انتهى. وليس فى السياق ما يقتضى قوله ((خاصة)) مع كون رواية هشيم عن الزهرى بخصوصها مضعفة،
ورواية البخارى فى التفسير بلفظ «سمعته يقرأ فى المغرب بـ (الطور) فلما بلغ هذه الآية (أم خلقوا من غير شئ أم هم
الخالقون - ٥٢: ٣٥) الآيات إلى قوله: ﴿المصيطرون - ٥٢: ٣٧) ﴾ كاد قلبى يطير، تبطل هذه الدعوى. وفى رواية ابن
حبان والطبرانى: سمعته يقرأ ﴿ والطور وكتاب مسطور - ٥٢: ١، ٢°) ومثله لابن سعد، وزاد فى أخرى: فاستمعت
قراءته حتى خرجت من المسجد. ثم ادعى الطحاوى أن الاحتمال المذكور يأتى فى حديث زيد بن ثابت ، وفيه نظر ،
١٣٧
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
متفق عليه.
٨٣٨ - (١١) وعن أم الفضل بنت الحارث، قالت: سمعت رسول اللّه مؤتم يقرأ فى المغرب:
بـ﴿ المرسلات عرفاً) متفق عليه.
٨٣٩ - (١٢) وعن جابر، قال: كان معاذ بن جبل يصلى مع التى تَفّ، ثم يأتى فيؤم قومه، فصلى
ليلة مع النبى معَّ العشاء ثم أتى قومه
لأنه لو كان قرأ بشئى منها يكون قدر سورة من قصار المفصل لما كان لإنكار زيد معنى، وقد روى أن زيدا قال لمروان:
إنك لتخفف القراءة فى الركعتين من المغرب، فوالله لقد كان رسول اللّه مريم يقرأ فيها بسورة الأعراف فى الركعتين
جميعا. أخرجه ابن خزيمة - انتهى كلام الحافظ باختصار وتغيير يسير. وثالثها: أن هذا بحسب اختلاف الأحوال
قرأ بالطوال لتعليم الجواز. وفيه: أنه لوكانت قراءته مؤقيم السور الطوال فى المغرب لبيان الجواز لما كان ما فعله مروان
من المواظبة على قصار المفصل إلا محض السنة، ولم يحسن من زيد بن ثابت إنكار ما سنه رسول اللّه مَاليه، ولم يفعل
غيره إلا لبيان الجواز، ولو كان الأمر كذلك لما سكت مروان عن الاحتجاج بمواظته مَ ◌ّ على ذلك فى مقام الإنكار
عليه، وأيضا بيان الجواز لا يحتاج له إلى تكرير الفعل، وقد عرفت أنه مَّم قرأ السور الطويلة فى المغرب مرات
متعددة، فالظاهر أن القراءة فى المغرب بطوال المفصل وقصاره وسائر السور سنة ، لكن ينبغى أن يكثر من قراءة قصار
المفصل، وأما الاقتصار على نوع من ذلك فهو إن انضم إليه اعتقاد أنه السنة دون غيره، مخالف لهديه عَّه، والله أعلم
(متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك، وأحمد، وأبو داود ، والنسائى، وابن ماجه .
٨٣٨ - قوله (يقرأفى المغرب بـ((المرسلات عرفاء) أى سورة (والمرسلات) وفى الجلالين ﴿والمرسلات-١:٧٧)
أى الرياح متتابعة كعرف الفرس يتلوبعضه بعضا، ونصب ((عرفاء على الحال-انتهى. والعرف - بضم العين المهملة - شعر
عنق الفرس. قال سليمان الجمل: أقسم تعالى بصفات خمسة، موصوفها محذوف، جعله بعضهم (الرياح)) فى الكل، وبعضهم
(الملائكة)) فى الكل، وبعضهم غاير - انتهى. والحديث يرد على من قال: التطويل فى صلاة المغرب منسوخ. كما تقدم
(متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك، والشافعى، وأحمد، والترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه .
٨٣٩ - قوله (يصلى مع النبي مَبية) زاد مسلم فى رواية ((عشاء الآخرة)) فكان العشاء هى التى كان يواظب فيها
على الصلاة مرتين (ثم يأتى) أى مسجد الحي (فيؤم قومه) وفى رواية مسلم المذكورة: فيصلى بهم تلك الصلاة.
والبخارى فى الأدب (فيصلى بهم الصلاة)) أى المذكورة. وفى هذا رد على من زعم أن المراد أن الصلاة التى كان يصليها مع
التى تَّ غير الصلاة التى كان يصليها بقومه (فصلى) أى معاذ (ليلة مع النبي ◌َّ العشاء) أى الآخرة (ثم أتى قومه)
١٣٨
٠
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
فأمهم، فافتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسهم، ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت
يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتين رسول اللّه ◌َ لّم فلاً خبرنه. فأتى رسول اللّه مؤلته، فقال:
يا رسول الله! إنا أصحاب نواضح، نعمل بالنهار، وإن معاذا صلى معك العشاء، ثم أتى قومه، فافتح
بسورة البقرة. فأقبل رسول اللّه مَّم على معاذ، فقال: يا معاذ! أفتان أنت؟ اقرأ ﴿ والشمس وضحاها)
أى بنى سلمة، بكسر اللام (فأمهم) أى فى العشاء (فافتح بسورة البقرة) أى بعد الفاتحة. وفى رواية للبخارى: فصلى
العشاء ، فقرأ بالبقرة. قال الحافظ: كذا فى معظم الروايات، ووقع فى رواية لأبى عوانة والطحاوى من طريق محارب:
صلى بأصحابه المغرب، فإن حمل على تعدد القصة، أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازا وإلا فما فى الصحيح أصح ـ انتهى
(فانحرف رجل) أى مال عن الصف يخرج منه، أو انحرف من صلاته عن القبلة. والرجل هو حزم بن أبي بن كعب،
كما فى رواية أبى داود الطيالسى فى مسنده. وقيل: سليم، كما فى رواية لأحمد. وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف
بأنهما واقعتان، لكن وقوع هذه القضية مرتين بعيد كما لا يخفى، إلا أن يقال يحتمل أنه وقع من معاذ مرتين، ثم رفع
الواقعتان إلى النبي محمدفز مرة. ووقع فى رواية لمسلم: فانطلق رجل منا. وهذا يدل على أنه كان من بنى سلة، ويقوى
رواية من سماه سليما (فسلم) أى قطع صلاته. قال النووي: قوله «سلم، دليل على أنه قطع الصلاة من أصلها،
ثم استأنفها ، فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر (ثم صلى وحده) أى استأنف الصلاة منفردا، لأنه لم يعلم أنه
لو فارق بالنية وانفرد وأتم بلا استيناف لجاز فيه ذلك ، ذكره ابن الملك (وانصرف) أى خرج من المسجد (فقالوا)
أى أصحاب معاذ (أنافقت يا فلان؟) أى أ فعلت ما يفعله المنافق من الميل والانحراف عن الجماعة، والتخفيف فى
الصلاة؟ قالوه تشديدا له، قاله الطبي (قال: لا والله، ولآتين) هو إما معطوف على الجواب، أى والله لا أنافق،
ولآتين ، وإما إنشاء قسم آخر والمقسم به مقدر (إنا أصحاب نواضح) جمع ناضحة أنثى ناضح، وهو - بالنون والضاد
المعجمة والحاء المهملة - ما استعمل من الايل فى سقى النخل والزرع (نعمل بالنهار) أى تكد فيه بعمل الزراعة لأجل أمر
المعاش (فافتح بسورة البقرة) يحتمل أنه أراد معاذ أن يقرأ بعضها ويركع، فتوهم المقتدى أنه أراد إتمامها فقطع صلاته،
فعاتب رسول اللّه تَّ على إيهامه ذلك، فإنه سبب للتنفير، قاله القارى (فقال: يا معاذ!) خطاب عتاب (أ فنان) أى
منفر عن الدين ، وصاد عنه، وموقع للناس فى الفتنة. قال الحافظ : معنى الفتنة مهنا أن التطويل يكون سببا لخروجهم
من الصلاة، وللتكره للصلاة فى الجماعة. وقال الداودى: يحتمل أن يريد بقوله ((فتان)) أى معذب، لأنه عذبهم
بالتطويل. ومنه قوله تعالى: ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين - ٨٥: ١٠) قيل: معناه عذبوهم (اقرأ والشمس وضحاها) إلخ. أى
١٣٩
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
﴿ والضحى) (والليل إذا يغشى) و(سبح اسم ربك الأعلى)
إقرأ هذه السورة وأمثالها. وفى الحديث استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وفيه جوازخروج المأموم من
الصلاة بعذر، وغير ذلك من الفوائد. واستدل بهذا الحديث الشافعى، وأحمد ، وإسحاق على صحة اقتداء المفترض خلف
المتغل ، لأن الظاهر منه أن معاذا كان يصلى مع النبي مَثّ فريضة، إذ بعيد من فتاهة معاذ - وهو أفقه الصحابة - أن
يدرك الفرض خلف أفضل الأئمة فى مسجده الذى هو أفضل المساجد بعد المسجد الحرام فيتركه ، ويضيع حظه منه،
ويقنع من ذلك بالنفل. قال الخطابي: لا يجوز على معاذ مع فقهه أن يترك فضيلة الصلاة مع رسول الله مرثية إلى فعل
نفسه - انتهى. قلت: وقد جاء فى الحديث رواية كأنها صريحة فى كون معاذ كان ينوى بالأولى الفرض، وبالثانية النقل،
ذكرها الدار قطنى وغيره بلفظ: هى له قطوع ولهم فريضة. قال الحافظ: ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق، والشافعى
والطحاوى، والدار قطنى وغيرهم من طريق ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر فى حديث الباب زاد: هي له
قطوع، ولهم فريضة. وهو حديث صحيح، وقد صرح ابن جريج فى رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تهمة تدليسه، فقول
ابن الجوزى ((أنه لا يصح)، مردود. وتعليل الطحاوى بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أثم من سياق ابن جريج ولم يذكر
هذه الزيادة، ليس بقادح فى صحته، لأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عينة، وأقدم أخذا عن عمرو منه، ولو لم يكن
كذلك فهى زيادة من ثقة حافظ، ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عددا، فلا معنى للتوقف فى الحكم
بصحتها . وأما رد الطحاوى لهما باحتمال أن تكون مدرجة (أی من قول ابن جریچ أومن قول عمرو بن دينار) جوابه:
أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضموما إلى الحديث فهو منه ، ولا سيما إذا روى من وجهين ،
والأمر هنا كذلك، فإن الشافعى أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعا لعمرو بن دينار عنه. وقول الطحاوى ((هو
ظن من جابر، (أى على تسليم كونها من قول جابر) مردود: لأن جابرا كان من يصلى مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع
ذلك منه، ولا يظن يجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد إلا بأن يكون ذلك الشخص اطلعه عليه. وأما قول
الطحاوى: لا حجة فيها لأنها لم تكن بأمر النبي ◌َّم ولا تقريره. جوابه: أنهم لا يختلفون فى أن رأى الصحابى إذا لم
يخالفه غيره حجة ، والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان يصلى بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عقبيا ، وأربعون
بدريا، قاله ابن حزم ، قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر ، وابن عمر،
وأبو الدرداء، وأنس وغيرهم. وأما قول الطحاوى: لو سلمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجة لاحتمال أن ذلك كان فى
الوقت الذى كانت الفريضة فيه تصلى مرتین ، أی فیکون منسوخا بما روى عن ابن عمر: أن رسول اللّه ◌َێهل نهى أن
تصلى فريضة فى يوم مرتين. جوابه: أنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال وهو لا يسوغ. وأما حديث ابن عمر فنى
الاستدلال به نظر، لاحتمال أن يكون النهى عن أن يصلوما مرتين على أنها فريضة فى كل مرة ، وبذلك جزم البيهقى جمعا
١٤٠