Indexed OCR Text
Pages 441-460
مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة رواه أبو داود. ٧٣٥ - (٤٢) وعنه، قال: قال رسول اللّه عَلّى: من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة؛ فأجره كأجر الحاج المحرم. ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر. البركة والسلامة (رواه أبو داود) فى الجهاد وسكت عنه، وأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم فى الجهاد وقال ((صحيح) ووافقه الذهبي. ٧٣٥ - قوله (من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم) أى كما أن الحاج إذا كان محرما قبل الميقات كان ثوابه أتم، فكذلك الخارج إلى الصلاة إذا كان متطهرا من بيته كان ثوابه أفضل، شبه بالحاج المحرم لكون التطهر من الصلاة بمنزلة الإحرام من الحج لعدم جوازهما بدونهما. وقيل: المراد كأصل أجره ، وقيل: كأجره من حيث أنه يكتب له بكل خطوة أجر كالحاج، وإن تغاير الأجران كثرة وقلة أوكمية وكيفية. وقال الطبى: من خرج من بيته أى قاصدا إلى المسجد لأداء الفرائض. وإنما قدرنا القصد ليطابق الحج لأنه القصد الخاص ، فنزل النية مع التطهير منزلة الإحرام. وأمثال هذه الأحاديث ليست للتسوية، كيف وإلحاق الناقص بالكامل يقتضى فضل الثانى وجوبا ليفيد المبالغة، وإلا كان عبئا، فشبه حال المصلى القاصد إلى المكتوبة بحال الحاج المحرم فى الفضل مبالغة وترغيبا للصلى ليركع مع الراكعين ، ولا يتقاعد عن حضور الجماعات (تسيح الضحى) أى صلاة الضحى ، وكل صلاة قطوع تسبيحة وسبحة. قال الطبى: المكتوبة والنافلة وإن اتفقتا فى أن كل واحدة منهما يسبح فيها إلا أن النافلة جاءت بهذا الاسم أخص من جهة أن التسبيحات فى الفرائض والنوافل سنة، فكماأنه قيل للنافظة تسبيحة على أنهاشبيهة بأذكار فى كونها غير واجبة (لا ينصبه) أى لا يتعبه ولا يخرجه، بضم الياء من الإنصاب وهو الاتعاب، مأخوذ من نصب بكسر الصاد أى تعب، وأنصبه غيره أى أقعبه، ويروى بفتح الياء من نصبه إذا أقامه، قاله زين العرب. وقال التور بشتى: هو بضم الياء والفتح احتمال لغوى لا أحققه رواية (إلا إياه) أى لا يزعجه ولا يحمله على الخروج إلا ذلك، أى تسبيح الضحى. وحقه أن يقال: إلا هو ، فوضع الضمير المنصوب موضع المرفوع. قال ابن الملك: وضع الضمير المنصوب موضع المرفوع لأنه استثناء مفرغ يعنى لا يتعبه إلا الخروج إلى تسبيح الضحى (فأجره كأجر المعتمر) إشارة إلى أن فضل ما بين المكتوبة والنافلة، والخروج إلى كل واحد منهما، كفضل ما بين الحج والعمرة، والخروج إلى كل واحد منهما. ولا تخالف بين هذا الحديث وحديث ((أفضل صلاة المرأ فى بيته إلا المكتوبة)) لأن حديث الباب يدل على جوازه فى المسجد لا على أفضليته، أو يحمل على من لا يكون له مسكن، أو فى مسكنه شاغل ونحوه على أنه ليس السجد ذكر فى الحديث أصلا، فالمعنى: من خرج من بيته أو سوقه أو شغله متوجها إلى صلاة الضحى تاركا أشغال الدنيا. وقال التور بشتى: يحتمل أن يكون قوله مَّى: يا أيها الناس صلوا فى بيوتكم، فإن خير صلاة الرجل فى بيته إلا المكتوبة، مختصا بصلاة ٤٤١ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما، كتاب فى عليين. رواه أحمد، وأبو داود. الليل وإن كان ظاهر لفظه يقتضى العموم، وذلك لأنه قال هذا القول بعد أن قام ليالى رمضان، فلما رآهم يجتمعون إليه ويتنحنحون ليخرج إليهم قال ذلك. ومن الدليل على صحة ما ذهبنا إليه أنه مَ ◌ّه كان يقعد فى مصلاه حتى تطلع الشمس، ثم يركع ركعتين، وقد قال مَّ: من قعد فى مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتى الضحى لا يقول إلا خيرا إلا غفر له خطاياه، وكان مَّ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، وكان ◌َّم يأتى مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا فيصلى فيه ركعتين، فلو كانت صلاته هذا فى البيت خيرا لم يكن ليأخذ بالأدنى ويدع الأعلى والأفضل. وإذ قد ثبت هذا فنقول الظاهر أنه أمرهم بالصلاة فى بيوتهم لمعان، أو لبعض تلك المعانى: أحدها ، وهو آكد الوجوه: أنه أحب أن يجعلوا لبيوتهم حظا من الصلاة، ولا يتركوا الصلاة فيها فيجعلوها قبورا مثل بيوت بنى إسرائيل ، فإنهم كانوا لا يصلون إلا فى كنائسهم وبيعهم. والثانى: أحب أن يتفلوا فى بيوتهم ليشملها بركة الصلاة غيرتحل عنها الشيطان ، وينزل فيها الخير والسكينة. والثالث: أنه رأى النافلة فى البيت أفضل حذرا من دواعى الرياء وطلب المحمدة التى جل عليها الإنسان ونظرا إلى سلامته من العوارض والموانع التى تصيبه فى المسجد بخلاف البيت، فإنه يخلو هناك بنفسه فينسد مداخل تلك الآفات والعوارض. فعلى الوجه الأول والثانى، إذا أدى الإنسان بعض نوافظه فى البيت فقد خرج من عهدة ما شرع له. وعلى الوجه الثالث، إذا تمكن عن أداء نافظة فى المسجد عارية عن تلك القوادح لم تتأخر صلاته تلك عن صلاته فى البيت فضيلة. وأرى قوله ((لا ينصبه إلا إياه) إشارة إلى هذا المعنى، وهو أن لا يشوب قصده ذلك شى آخر، فلا يزعجه إلا القصد المجرد بخروجه إلى الصلاة سالما من الآفات التى أشرنا إليها - انتهى كلام التور بشتى مختصرا (وصلاة على إثر صلاة) بكسر الهمزة وسكون الثاء وبفتحتين لغتان، أى عقيبها ، يعنى صلاة تبع صلاة وتتصل بها ليلا ونهارا فرضا وسنة (لا لغو بينهما) أى ما لا يعنى من القول والفعل، قال فى النهاية : يقال: لغا الإنسان يلغو ولغى يلغى، إذا تكلم بالمطروح من القول وما لا يعنى. وقال فى القاموس: اللغو واللغى كالفتى السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره - انتهى. فيشمل اللغو من الفعل كما جاء فى الحديث: من مس الحصى فقد لغى (كتاب) أى عمل مكتوب (فى عليين) قال ابن رسلان: أى مكتوب ومقبول تصعد به الملائكة المقربون إلى علين لكرامة المؤمن وعمله الصالح. قال القارى: هو علم لديوان الخير الذى دون فيه أعمال الأبرار. قال تعالى: ﴿إن كتاب الأبرار لفى عليين، وما أدراك ما عيون؟ كتاب مرقوم، يشهده المقربون - ٨٣: ١٨ - ٢١) منقول من جمع علىّ فِعِيْل من العلو، سمى به لأنه مرفوع إلى السماء السابعة تكريما، ولأنه سبب الارتفاع إلى أعلى الدرجات، والعلية بتشديد اللام والياء الغرفة، كذا قاله بعضهم. وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب، أى مداومة الصلاة والمحافظة عليها من غير شوب بما ينافيها لا شئ من الأعمال أعلى منها فكنى عن ذلك بقوله فى عليين (رواه أحمد وأبو داود) وسكت عنه. وقال المنذرى: فيه القاسم أبو عبد الرحمن، وفيه مقال - انتهى. قلت: قد وثقه ابن معين، والعجلى، ٤٤٢ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة ٧٣٦ - (٤٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَطي: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قيل: يارسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: المساجد. قيل: وما الرتع؟ يا رسول اللّه! قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. رواه الترمذى. ويعقوب بن سفيان، والترمذى، ويعقوب بن شيبة، وإسحاق الحربى، وغيرهم. فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن. ٧٣٦ - قوله (إذا مررتم برياض الجنة) جمع روضة وهى أرض مخضرة بأنواع النبات (فارتعوا) من رتعت الماشية رتعا ورتوعا من باب نفع: رعت كيف شاءت. قال فى القاموس: رتع كمنع ، أكل وشرب ما شاء فى خصب وسعة، أو هو الأكل والشرب رغدا فى الريف. وتلخيص الحديث: إذا مررتم بالمساجد قولوا هذه الأذكار ، فلما وضع رياض الجنة موضع المساجد بناء على أن العبادة فيها سبب للحلول فى رياض الجنة روعيت المناسبة لفظا ومعنى، فوضع الرتع موضع القول ، أى استعير للعوض فى الأذكار الواقعة فيها ، لأن هذا القول سبب لنيل الثواب الجزيل . والرقع هنا كما فى قول إخوة يوسف ( يرتع ويلعب-١٢: ١٢ ) وهو أن يتسع فى أكل الفواكه والمستلذات والخروج إلى التنزه فى الأرياف والمياه كما هو عادة الناس إذا خرجوا إلى الرياض والبساتين، ثم اتسع واستعمل فى الفوز بالثواب الجزيل والأجر الجميل (قيل: يا رسول الله) السائل فى الفصلين هو أبو هريرة راوى الحديث وهو صريح فى كتاب الترمذى (وما رياض الجنة؟ قال: المساجد) وفى حديث أنس عند أحمد والترمذى: حلق الذكر. ولا منافاة بينهما لأنها تصدق بالمساجد وغيرها فهى أعم، وخصت المساجد هنا لأنها أفضل ، قاله القارى. وفسر فى حديث ابن عباس عند الطبرانى فى الكبير بمجالس العلم. قال الشوكانى: لا مخالفة بين هذه الأحاديث، فرياض الجنة تطلق على حلق الذكر، ومجالس العلم، والمساجد، ولا مانع من ذلك - انتهى. وقيل: اختلف الجواب فى تفسير الرتع باختلاف أحوال السائلين، فرأى أن الأولى بحال سائل حلق العلم ، وبحال سائل آخر حلق الذكر، ولهذا قال العلقمى: المراد من هذه الأحاديث فى تفسير الرتع مناسبة كل شخص بما يليق به من أنواع العبادة (وما الرتع؟) بسكون المثناة الفوقية (يا رسول الله! قال: سبحان الله) إلخ. لا يخفى أن الرتع ليس منحصرا فى هذه الأذكار، بل المقصود هذه وأمثالها من الباقيات الصالحات التى هى سبب وصول الروضات، ورفع الدرجات العاليات، وهذا لأن فى قوله ((حلق الذكر، فى حديث أنس و (مجالس الذكر)) فى حديث جابر عند أبي يعلى. والبزار، والطبرانى، والحاكم، والبيهقى إشارة إلى أن كل ذكر رتع، وإنما خصت الكلمات المذكورة بالذكر لأن الباقيات الصالحات فى الآية مفسربها. ولحديث ((إنها أحب الكلام إلى الله، أخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه من حديث سمرة بن جندب (رواه الترمذى) فى الدعوات وغر به، وفى سنده حميد المكى، وهو مجهول، لكن له شواهد ترتقى بها إلى الصحة أو الحسن. EEN أ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة ٧٣٧ - (٤٤) وعنه، قال: قال رسول اللّه معروفة: من أبى المسجد لشى، فهو حظه. رواه أبو داود. ٧٣٨ - (٤٥) وعن فاطمة بنت الحسين، عن جدتها فاطمة الكبرى، رضى الله عنها، قالت: كان التى مَّ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال: رب اغفرلى ذنوبى، وافتح لى أبواب رحمتك. وإذا خرج صلى على محمد وسلم، وقال: رب اغفرلى ذنوبى، وافتح لى أبواب فضلك. ٧٣٧ - قوله (من أتى المسجد لشئى) أى لقصد حصول شئى من غرض أخروى أو دنيوى. (فهو) أى ذلك الشئى (حظه) أى نصيبه، كقوله مرَّة: إنما لكل امرئ مانوى - الحديث. ففيه تنبيه على تصحيح النية فى إتيان المسجد لثلا يكون مختلطا بغرض دنيوى كالتمشية والمصاحبة مع الأصحاب مثلا، بل ينوى العبادة كالصلاة ، والاعتكاف ، واستفادة علم وإفادته ونحوها (رواه أبو داود) وسكت عليه. وقال المنذرى: فى إسناده عثمان بن أبى العاتكة الدمشقى، وقد ضعفه غير واحد - انتهى. قلت: قال العجلى: لا بأس به، وكان دحيم يثنى عليه، وينسبه إلى الصدق. وقال أبو حاتم عنه: لا بأس به. وقال أبو داود: صالح. وقال خليفة: كان ثقة كثير الحديث. وقال الحافظ فى التقريب: ضعفوه فى روايته عن على بن يزيد الألهانى - انتهى. وهذا الحديث إنما هو من روايته عن عمير بن هانئى العنسى، لا على بن يزيد الألهانى، حديثه هذا لا ينحط عن درجة الحسن ، ويقويه حديث: إنما لكل امرئى ما نوى، إلخ. ٧٣٨ - قوله (وعن فاطمة بنت الحسين) بن على بن أبى طالب الهاشمية القرشية المدنية، تزوجها ابن عمها الحسن ابن الحسن بن على بن أبى طالب، ومات عنها ، فتزوجها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. ثقة تابعية ، روت عن أبيها وأخيها زين العابدين، وعمتها زينب بنت على، وجدتها فاطمة الزهراء مرسل، وبلال المؤذن مرسل ، وابن عباس ، وأسماء بنت عميس، وروى عنها جماعة. ماتت بعد المائة وقد أسنت. ذكرها ابن حبان فى الثقات، وقال: ماتت وقد قاربت التسعين. ووقع ذكرها فى صحيح البخارى فى الجنائز: قال: لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته القبة (عن جدتها فاطمة الكبرى) أى الزهراء بنت رسول اللّه مَّل، وأمها خديجة، وهى أصغر بناته فى قول. وهى سيدة نساء هذه الأمة. تزوجها على بن أبى طالب فى السنة الثانية من الهجرة فى شهر رمضان، وبنى عليها فى ذى الحجة. وكان سنها يوم تزوجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف ، فولدت له الحسن ، والحسين ، والمحسن ، وزينب ، وأم كلثوم ، ورقية. وماتت بالمدينة بعد موت النبى مز ◌ّ بستة أشهر ، وقيل: بثلاثة أشهر ، وقيل: غير ذلك ، ولها سبع وعشرون سنة. وقيل: ثمان، وقيل: جاوزت العشرين بقليل، وكانت أول آل النبي ◌َّمه لحوقاً به. وغسلها على مع أسماء بنت عميس، وصلى عليها. ودفنت ليلا. روى عنها جماعة من الصحابة، ومناقبها كثيرة جدا (إذا دخل المسجد) أى أراد دخوله (صلى على محمد وسلم) تشريعا للأمة وبيانا، لأن حكمه حكم الأمة حتى ابتغاء الصلاة والسلام ٤٤٤ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة رواه الترمذى، وأحمد، وابن ماجه. وفى روايتهما، قالت: إذا دخل المسجد، وكذا إذا خرج، قال: بسم الله، والسلام على رسول الله، بدل صلى على محمد وسلم. وقال الترمذى: ليس إسناده يمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى. ٧٣٩ - (٤٦) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه إلا ما خصه الدليل، وإنما شرع الصلاة والسلام على رسول الله مريم عند دخول المصلى المسجد وعند خروجه، لأنه السبب فى دخوله المسجد، ووصوله الخير العظيم، فينبغى أن يذكره بالخير. وقال القارى: هو يحتمل قبل الدخول وبعده. والأول أولى. ثم حكمته بعد تعليم أمته أنه مربي كان يجب عليه الايمان بنفسه ، كما كان يجب على غيره، فكذا طلب منه تعظيمها بالصلاة منه عليها ، كما طلب ذلك من غيره-انتهى (رواه الترمذى) وقال: حديث حسن ، وإنما حسنه مع اعترافه بعدم اتصال سنده كما سيأتى، لأن الترمذى قد يحسن الحديث مع ضعف الأسناد الشواهد حديث فاطمة هذا حسنه لأن له شواهد يرتقى بها درجة الحسن (بسم الله والسلام على رسول اللّه) فيه زيادة التسمية وهى ثابتة أيضا عند ابن السنى من حديث أنس، فينبغى لداخل المسجد والخارج منه أن يجمع بين التسمية والصلاة والسلام على رسول الله، والدعاء بالمغفرة، وبالفتح أبواب الرحمة داخلا، ولأبواب الفضل خارجا ، ويزيد فى الخروج سؤال الفضل، وينبغى أيضا أن يضم إلى ذلك ما سيأتى فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، إلخ (ليس إسناده بمتصل) لأن فاطمة الصغرى بنت الحسين تروى هذا الحديث عن جدتها فاطمة الكبرى، وهى ما أدركتها، لأن الكبرى ماتت بعد رسول اللّه مؤثّ بستة أشهر، وفى سنده أيضا ليث ابن أبي سليم، وفيه مقال معروف. قال الحافظ: صدوق، اختلط أخيرا فلم يتميز حديثه، فترك. ٧٣٩ - قوله (عن أبيه) شعيب (عن جده) أى جد شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابى، وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو. والدليل على أن المراد بقولهم فى الإسناد ((عن جده، جد شعيب - أعنى عبد الله بن عمرو الصحابى - ما رواه البيهقى فى السنن الكبرى (ج ٥: ص ٩٢) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه ، قال: كنت أطوف مع أبى عبد الله بن عمرو بن العاص. فهذا يشير إلى صحة ما قال الذهبي في الميزان: أن محمدا والد شعيب مات فى حياة أبيه عبد الله، وترك ابنه شعيبا صغيرا، فكفله جده عبد الله ورباه، ولذلك يسميه هنا أباه، إذ هو أبوه الاعلى وهو الذى رباه، ومما يدل صريحا على صحة سماع شعيب عن جده عبد الله بن عمرو ما رواه الدارقطنى (ص ٣١٠) والحاكم (ج ٣: ص ٦٥) فى المستدرك عنه فى قصة سؤال الرجل عن محرم وقع بامرأة، فإن فيه تصريحا بسماع شعيب من جده عبد الله، وإنه كان يجالسه، ويجالس الصحابة فى عصره، وعلى هذا حديث عمرو ٤٤٥ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة عن تناشد الأشعار فى المسجد، وعن البيع والاشتراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة فى المسجد. رواه أبو داود، والترمذى. ابن شعيب عن أبيه عن جده، صحيح أو حسن إذا كان الإسناد إلى عمرو صحيحا ، وهو الذى عليه المحققون من أهل الحديث: على بن المدينى وأحمد بن حنبل والحميدى وإسحاق بن راهويه وأبو عبد والبخارى والحاكم والبيهقى ، وغيرهم. وبه قال الذهبي والنووى وابن عبد البر، وقد تقدم شتى من البسط فى هذا فى باب الإيمان بالقدر. وانظر تفصيل الكلام فى تهذيب التهذيب (ج ٨: ص٤٨ - ٥٥) والميزان (ج ٢، ص ٢٨٩) والتدريب (ص ٢٢١) ونصب الراية (ج١: ص٥٩،٥٨) وتعليق الشيخ أحمد محمد شاكر على جامع الترمذى (ج ٢: ص ١٤١ - ١٤٤) (عن تناشد الأشعار) قال التور بشتى: التناشد أن ينشد كل واحد صاحبه نشيدا لنفسه أو لغيره افتخارا ومباهاة، أو على وجه التفكه بما يستطاب منه ترجية للوقت بما تركز إليه النفس أو لغيره، فهو مذموم، وأما ما كان منه فى مدح الحق وأهله، وذم الباطل وذويه، أو كان منه تمهيدا لقواعد الدين، أو إرغاما لمخالفيه فهو خارج عن الذم وإن خالطه التشيب. وقد كان يفعل ذلك بین يدى رسول الله رَّ ولا ينهى عنه، لعلمه بالغرض الصحيح، كذا نقله الطبي. وقيل التناشد هو المفاخرة بالشعر، والإ كثار منه حتى يغلب على غيره، وحتى يخشى منه كثرة اللغط والشغب مما ينافى حرمة المساجد، وهذا غير إنشاد بعض القصائد. وقيل المراد تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين (وعن البيع والاشتراء فيه) فيه دليل على تحريم البيع والشراء فى المسجد. وقال الشوكانى: ذهب جمهور العلماء إلى أن النهى محمول على الكرامة. قال العراقى: وقد أجمع العلماء على أن ما عقد البيع فى المسجد لا يجوز نقضه، وهكذا قال الماوردى. وأنت خير بأن حمل النهى على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقى الذى هو التحريم عند القائلين: بأن النهى حقيقة فى التحريم، وهو الحق ، وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم، فلا يصح جعله قرينة لحمل النهى على الكراهة (وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة فى المسجد) أى نهى أن يجلسوا محلقين حلقة واحدة أو أكثر وإن كان لمذاكرة على. وفيه دليل على حرمة التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ، وذلك لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين بالتكير يوم الجمعة، والتراص فى الصفوف، الأول فالأول ، ولأنه يخالف هيئة اجتماع المصلين ، ولأن الاجتماع الجمعة خطب عظيم لا يسع من حضرها أن يهتم ما سواها حتى يفرغ منها، والتحلق قبل الصلاة يوهم غفلتهم عن الأمر الذى ندبوا إليه، ولأن الوقت وقت الاشتغال بالإنصات للخطبة. والتقييد بقبل الصلاة يدل على جوازه بعدها للعلم، والذكر ، والتقييد يوم الجمعة يدل على جوازه فى غيرها (رواه أبو داود) فى أبواب الجمعة، وزاد: وأن تنشد فيه ضالة. وسكت عليه (والترمذى) وحسنه، وصححه ابن خزيمة. وقال الحافظ فى الفتح: إسناده صحيح إلى عمرو بن شعيب، فمن يصحح نسخته يصححه. قال: وفى المعنى عدة أحاديث لكن فى أسانيدها مقال - انتهى. والحديث أخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه. ٤٤٩ م مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة ٧٤٠ - (٤٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َله: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع فى المسجد، فقولوا: لا أربح اللّه تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك. رواه الترمذى، والدارمى . ٧٤١ - (٤٨) وعن حكيم بن حزام، قال: نهى رسول اللّه مؤتمر أن يستقاد فى المسجد، وأن ينشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود. رواه أبو داود فى سننه، 1 ٧٤٠ - قوله (يبيع أو يبتاع) أى يشترى. قال القارى: حذف المفعول يدل على العموم فيشمل ثوب الكعبة، والمصاحف، والكتب، والسبح (فقولوا) أى لكل منهما باللسان جهرا، وقيل: سرا (لا أربح الله تجارتك) أى لا جعل الله تجارتك ذات ربح ونفع، وهو دعاء عليه. ولو قال لهما معا: لا أربح اللّه تجارتكما لجاز لحصول المقصود (من ينشد فيه ضالة) أى يطلبها برفع الصوت (رواه الترمذى) فى آخر البيوع وحسنه (والدارمى) وأخرجه أيضا أحمد والنسائى فى اليوم والليلة ، وابن حبان وابن خزيمة والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ، ذكره ميرك. وقد أخرج الشطر الثانى مسلم أيضا كما تقدم فى الفصل الأول. ٧٤١ - قوله (وعن حكيم بن حزام) بكسر مهملة وفتح زاى، هو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى القرشى الأسدى. أبو خالد المكى، ابن أخى خديجة أم المؤمنين، ولد قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، أسلم يوم الفتح، وكان من المؤلفة، أعطاه النبي تَّم من غنائم حنين مائة من الإبل، وحسن إسلامه، وكان من سادات قريش وأشرافها ووجوهها فى الجاهلية والإسلام، وكان عاقلا فاضلا تقيا جوادا، أعتق فى الجاهلية مائة رقبة، وفى الاسلام مثلها ، وجاء الاسلام ودار الندوة بيده فباعها من معاوية بعد بمائة ألف درهم ، فقال له ابن الزبير : بعت مكرمة قريش ، فقال: ذهبت المكارم إلا التقوى، اشتريت بها دارا فى الجنة، أشهدكم أنى قد جعلتها فى سبيل الله يعنى الدراهم. وكان عالما بالنسب. مات بالمدينة فى داره سنة (٥٤) وله مائة وعشرون سنة، ستون فى الجاهلية وستون فى الإسلام. وقيل فى سنة وفاته غير ذلك. له أربعون حديثا، اتفقا على أربعة. روى عنه نفر (أن يستقاد) أى يطلب القود أى القصاص يعنى يقتص (فى المسجد) لتلا يقطر الدم فيه (وأن ينشد) بضم التحتية مذكرا، وفى أبى داود بالتأنيث: أى يقرأ (الأشعار) أى القبيحة المذمومة (وأن تقام فيه الحدود) أى سائرها، أى تعميم بعد تخصيص، أى الحدود المتعلقة باللّه ، أو بالآدمى، لأن فى ذلك نوع هتك حرمته، ولاحتمال تلوثه بجرح أو حدث، ولأنه إنما بنى المسجد للصلاة والذكر لا لإقامة الحدود. والحديث دليل على تحريم إقامة الحدود فى المساجد وتحريم الاستقادة فيها، لأن النهى كما تقرر فى الأصول حقیقة فى التحريم، ولا صارف له ههنا عن معناه الحقیق (رواه أبو داود فى سننه) فى أواخر كتاب الحدود؛ ٤٤٧ أ إ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة وصاحب جامع الأصول فيه عن حكيم، وفى المصابيح عن جابر .. ٧٤٢ - (٤٩) وعن معاوية بن قرة، عن أبيه، أن رسول الله مع نهى عن هاتين الشجرتين - يعنى البصل والثوم - وقال: من أكلهما فلا يقربن مسجدنا. وقال: إن كنتم لا بد وأخرجه أيضا أحمد والدار قطنى والحاكم وابن السكن والبيهقى. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحافظ فى التلخيص : لا بأس بإسناده. وقال فى بلوغ المرام: إن إسناده ضعيف. وقال الذهبي فى الميزان: ضعفه عبد الحق. وقال ابن القطان: علته الجهل بحال زفر بن وثيمة ، تفرد عنه محمد بن عبد الله الشعينى. قال الذهبي: قد وثقه ابن معين ، ودحيم. قلت: وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الحافظ: مقبول، فمن عرفه حجة على من لم يعرف، وجهل من جهله لا يضر، وقال المنذرى: فى إسناده محمد بن عبد الله بن المهاجر الشعينى النصرى الدمشقى، وقد وثقه غير واحد. وقال أبو حاتم الرازى: يكتب حديثه ولا يحتج به ـ انتهى. قلت: قد وثقه دحيم ، والمفضل بن غسان الغلابى، وقال النسائى لا بأس به. وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الحافظ، صدوق، تحديثه لا ينحط عن درجة الحسن. وفى الباب عن ابن عباس عند الترمذى وابن ماجه، وفى سنده إسماعيل بن مسلم المكى ، وهو ضعيف من قبل حفظه. وعن جبير بن مطعم عند البزار ، وفيه الواقدى. وعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، وفيه ابن لهيعة. كذا فى النيل (وصاحب جامع الأصول فيه) أى الجامع (عن حكيم) متعلق برواه (وفى المصابيح عن جابر) قال الطيبي: ولم يوجد فى الأصول الرواية عنه. وقال ميرك: صوابه عن حكيم بن حزام. ٧٤٢ - قوله (وعن معاوية بن قرة) بضم القاف وتشديد الراء، ابن إياس - بكسر الهمزة وتخفيف الياء تحتها نقطتان - ابن هلال المزنى، يكى أبا إياس البصرى، ثقة عالم من الطبقة الوسطى من التابعين، وثقه ابن معين ، والنسائى والعجلى وأبو حاتم وابن سعد وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال: كان من عقلاء الرجال ، مات سنة (١١٣) وهو ابن (٧٦) سنة (عن أبيه) قرة بن إياس بن هلال بن رياب المزنى أبو معاوية البصرى جد إياس بن معاوية القاضى ، صحابى. قال ابن عبد البر: سكن البصرة. لم يرو عنه غير ابنه. قتل فى حرب الأزارقة مع عبد الرحمن. ابن عيس فى زمن معاوية، وقد أرخه ابن سعد، وخليفة وأبو عروبة وابن حبان سنة (٦٤) فيكون ذلك فى زمن معاوية · ابن يزيد بن معاوية. وذكره ابن سعد فى طبقة من شهد الخندق ، له اثنان وعشرون حديثا (يعنى البصل والثوم) وفى معناهما الكراث ، والفجل، وما له رائحة كريهة (من أكلهما فلا يقربن مسجدنا) أى مسجد المسلمين، قال الطبي: وهذه الجملة كالبيان للجملة الأولى، أى أفاد هذا البيان أن التقدير: نهى عن أكلهما. وأفاد أيضا أن شرط النهى عن أكلها اقترانه بدخول المسجد مثلا مع بقاء ريحهما. وأما أكلها بحيث تزول الرائحة عند دخول المسجد، فلا يدخل تحت النهى ، وفى النهى عن القربان إمارة إلى أن النهى عن الدخول أولى (إن كنتم لا بد) أى لا فراق، ٤٤٨ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة .٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة آ فيهما، فأميتوهما طبغاً. رواه أبو داود. ٧٤٣ - (٥٠) وعن أبى سعيد، قال: قال رسول اللّه : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام. رواه أبو داود، والترمذى، والدارمى. ولا محالة ، ولا غنى بكم عن أكلهما لفرط حاجة أو شهوة ، فخبر لا محذوف كما قدرنا. وهذه الجملة معترضة بين اسم كان وخبرها وهو (آكليهما) يعنى وأردتم دخول المسجد (فأميتوهما طبعا) أى أزيلوا رائحتها بالطبخ، وفى معناه الإماتة والإزالة بغير الطبخ، وإنما خرج مخرج الغالب (رواه أبو داود) فى الأطعمة، وسكت عنه هو والمنذرى. ٧٤٣ - قوله (الأرض كلها مسجد) أى يجوز الصلاة فيها من غير كرامة (إلا المقبرة) فى القاموس مثلثة الباء، وكمكنسة، موضع القبور (والحام) بتشديد الميم الأولى، هو الموضع الذى ينتسل فيه بالحيم، وهو فى الأصل الماء الحار ثم قيل لموضع الاغتسال بأى ماء كان. والمراد إلا المقبرة والحمام وما فى معناهما، فلا بشكل الحصر بما سيجثى. والحديث دليل على أن الأرض كلها تصح فيها الصلاة ما عدا المقبرة، وهى التى يدفن فيها الموتى، فلا تصح الصلاة فيها. وظاهره سواء كان على القبر أو بين القبور أو فى مكان منفرد منها كالبيت أعد للصلاة ، وسواء كانت القبور منوشة، أو غير منبوشة، وسواء فرش عليها شئ يقيه من النجاسة، أو لم يفرش، وسواء كان قبر مؤمن أو كافر. وإلى ذلك ذهب أحمد، والظاهرية، وهو الراجح عندى. وكذلك الحمام، فإنه لا تصح فيه الصلاة، سواء صلى فى مكان نظيف منه أو فى مكان نجس. وإليه ذهب أحمد عملا بإطلاق الحديث. وقيل: يختص النهى بالمكان النجس منه. وإن صلى فى مكان طاهر فلا بأس. وذهب الجمهور إلى صحتها مع الطهارة لكن تكون مكروهة. وقد ورد النهى معللا بأنه محل الشياطين، وظاهر الحديث مع أحمد وهو مخصص لقوله: جعلت لى الأرض كلها مسجدا (رواه أبو داود والترمذى والدارمى) وأخرجه أيضا أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقى وابن خزيمة وابن حبان والشافعى. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذى: هذا حديث فيه اضطراب، أى من جهة إسناده، وذكر أن سفيان الثورى أرسله، قال: وكأن رواية الثورى، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي ◌َّ -أى مرسلا - أثبت وأصح - انتهى. وقال الحافظ فى بلوغ المرام: رواه الترمذى، وله علة، ويعنى بها الاختلاف فى وصله وإرساله، فرواه حماد بن سلمة، وعبد الواحد بن زيادة، وعبد العزيز بن محمد الدراوردى عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبى سعيد عن النبى تؤدي موصولا. ورواه الثورى عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي تؤثر مرسلا. ورجح الترمذى كما تقدم ، ثم الدار قطنى، والبيهقى الإرسال. والراجح وصله لأن الذى وصله ثقة، فلا يضر إرسال من أرسله. قال العلامة الشيخ أحمد فى تعليقه على الترمذى: الحديث رواه الشافعى فى الأم (ج ١: ص ٧٩) عن سفيان بن عينة مرسلا، ورواه أيضا اليهقى من طريق يزيد بن هارون عن الثورى موصولا، ثم قال: حديث الثورى مرسل، وقد روى موصولا وليس بشئى. وحديث حماد بن سلمة موصول، وقد تابعه على وصله عبد الواحد بن زياد والدراوردى، قال: ولا أدرى كيف ٤٤٩ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة ٧٤٤ - (٥١) وعن ابن عمر، قال: نهى رسول اللّه مؤلم أن يصلى فى سبعة مواطن: فى المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفى الحمام، وفى معاطن الايل ، يزعم الترمذى ثم البيهقى أن الثورى رواه مرسلا فى حين أن روايته موصولة أيضا، ثم الذى وصله عن الثورى هو يزيد ابن هارون، وهو حجة حافظ، وأنا لم أجده مرسلا من رواية الثورى، إنما رأيته كذلك من رواية سفيان بن عيينة فلعله أشتبه عليهم سفيان بسفيان ، ثم ماذا يضر فى إسناد الحديث أن يرسله الثورى أو ابن عيينة إذا كان مرويا بأسانيد أخرى صاح موصولة ، المفهوم فى مثل هذالنيكون المرسل شاهدا للسند ومؤيدا له. وقد ورد من طريق أخرى ترفع الشك، وتؤيد من رواه موصولا ، وهى فى المستدرك الحاكم من طريق بشر بن المفضل: ثنا عمارة بن غزية ، عن يحيي بن عمارة الأنصارى - وهو والد عمرو بن يحيى - عن أبى سعيد الخدرى مرفوعا. ولذلك قال الحاكم بعد أن رواه بهذه الطريق ، ومن طريق عبد الواحد بن زياد والدراوردى كلهم عن عمرو، عن أبيه: هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخارى ومسلم، ووافقه الذهبي، وقد صدقاً. ثم إن رواية سفيان بن عيينة المرسلة ليست قولا واحدا بالارسال، بل هى تدل على أنهم كانوا يروونه تارة بالإرسال وتارة بالوصل، لأن الشافعى بعد أن رواه عنه مرسلا قال: وجدت هنا الحديث فى كتابى فى موضعين: أحدهما منقطع والآخر عن أبى سعيد، عن النبى رؤيتين - انتهى. وهذا عندى قوة للحديث لا علة له - انتهى كلام الشيخ. وقال صاحب الإمام: حاصل ما علل به الإ رسال، وإذا كان الواصل له ثقة فهو مقبول، وله شواهد: منها حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: نهى عن الصلاة فى المقبرة ، أخرجه ابن حبان. ومنها حديث على: إن حي نهافى أن أصلى فى المقبرة ، أخرجه أبو داود. ٧٤٤ - قوله (أن يصلى) على بناء المفعول (فى المزبلة) بفتح الباء، وقيل: بضمها، الموضع الذى يكون فيه الزبل وهو السرجين، ومثله سائر النجاسات، أى وإن وجد فيها موضع خال عن الزبل، أو بسط عليها بساط فى المكان اليس، لأن فى ذلك استخفافا بأمر الدين لأن من حق الصلاة أن تؤدى فى الأمكنة النظيفة، والبقاع المحترمة، وكذلك المجزرة لأنها مسقح الدماء ، وملقى القاذورات ، وكذلك القول فى الحمام لأنه مكثنز الأوساخ، ومجتمع الغسالات ، ثم إنه محل قعرى الأبدان عن اللباس (والجزرة) بفتح الميم والزاى تفتح وتكسر : الموضع الذى تجزر فيه الحيوانات أى تنحر وتذمح (والمقبرة) قيل: لأن فيها اتخاذ القبور مساجد استنانا بسنة اليهود (وقارعة الطريق) الإضافة بيانية، أى الطريق الذى يقرعها الناس بأرجلهم أى يدقونها ويمرون عليها. وقيل هى وسطها أو أعلاها، والمراد هنا نفس الطريق، وكأن القارعة بمعنى المقروعة أو الصيغة للنسبة أى ذات قرع، وإنما نهى عن الصلاة فيها لاشتغال القلب بمرور الناس، وتضيق المكان عليهم ، وإيقاعهم فى الاثم إن مروا بلا ضرورة، وإيقاع نفسه فيه لو كان لهم ضرورة (وفى معاطن الابل) جمع معطن بکسر الطاء، وهو وطی الایل ومبر کها حول الحوض كالعطن-محركة-وجمعه أعطان، و کذا الحكم فى سائر مباركها ومواطنها، فقد ورد النهى بلفظ «مبارك الابل، وفى لفظ «مزايل الاعلى، وفى أخرى «مناخ الإبل، وهى أعم من معاطف الابل. وقدورد ٤٥٠ ٠ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة وفوق ظهر بيت الله. رواه الترمذى، وابن ماجه. 1 التحليل فيها منصوصا بأنها من الشياطين. أخرجه أبو داود. وفى حديث ابن مغفل عنده: فإنها خلقت من الجن، الاترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت. قيل المعنى أنها كثيرة الشراد، شديدة النفار، معها أخلاق جنية، فلا يأمن المصلى فى أعطانها أن تنفر، فتقطع عليه صلاته. وعلى هذا فيفرق بين كون الابل فى معاطنها ، وبين غيتها عنها ، إذ يؤمن نفورها حينئذ (وفوق ظهر بيت الله) لأن الصلاة على ظهر البيت تفضى إلى ارتفاع سطح البيت، وذلك مخل بشرط التعظيم المشابهته صنيع أهل العادة فى استعلاء البيوت للتطلع والتفرج، ثم لخلوه عن الفائدة. والحديث يدل على منع الصلاة فى هذه المواطن السبعة، ولو صح لكان بقاء النهى على ظاهره الذى هو التحريم فى جميع ما ذكر هو الواجب ، وكان مخصصا لعموم ((جعلت لى الأرض مسجدا، لكن فيه كلام كما ستعرف، إلا أن الحديث فى القبور والحمام والمعاطن من بين هذه المذكورات قد صح كما تقدم، وكما يفيده الحديث الثانى (رواه الترمذى وابن ماجه) كلاهما من طريق زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين ، عن نافع، عن ابن عمر، قال الترمذى: حديث ابن عمر ليس بذاك القوى ، وقد تكلم فى زيد بن جيرة من قبل حفظه - انتهى. قال الزيلعى: اتفق الناس على ضعف زيد بن جيرة، فقال البخارى: منكر الحديث. وقال النسائى: ليس بثقة. وقال أبو حاتم والأزدى: منكر الحديث، لا يكتب حديثه. وقال الدار قطنى: ضعيف الحديث- انتهى. وقال الحافظ فى التلخيص: إنه ضعيف جدا. وأخرجه أيضا ابن ماجه من حديث عمر، من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح المصرى، كاتب الليث، عن سعد، عن الليث بن سعد: حدثى نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وقد أشار الترمذى إلى هذه الرواية، لكن زاد فى سنده عبد الله بن عمر العمرى بين الليث بن سعد ونافع، والعمری ضعيف، قاله فى التقريب. وقال الذهبي: صدوق، فی حفظه شئی. ثم رجح الترمذى رواية زيد بن جيرة ، عن داود ، عن نافع عن ابن عمر، عن النبي مَثّ على رواية الليث من أجل عبد الله بن عمر العمرى، وفيه نظر ظاهر، بل الأمر بالعكس، لأن زيد بن جيرة منكر الحديث متروك الحديث ضعيف جدا. وأما العمرى فروى أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين ليس به بأس، يكتب حديثه. وقال الدارمى: قلت لابن معين: كيف حاله فى نافع؟ قال: صالح ثقة. وقال أحمد بن حنبل: صالح لا بأس به. وقال ابن عدى: فى نفسه صدوق. علا أن الليث بن سعد رواه عند ابن ماجه ، عن نافع من غير واسطة العمرى كما عرفت، وقد ضعفه بعضهم بأبى صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، والظاهر أنه ثقة مأمون كما قال عبد الملك بن شعيب بن الليث. وقال ابن معين: هما ثبتان: ثبت حفظ و ثبت كتاب ، وأبو صالح كاتب الليث ثبت كتاب. وقال أبو زرعة: كان حسن الحديث. وقال ابن القطان: هو صدوق، ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه إلا أنه مختلف فيه فحديثه حسن، وقال الحافظ: صدوق كثير الغلط ثبت فى كتابه، وكانت فيه غفلة. قلت: فالظاهر أن حديث الليث حديث حسن، وأنه أرجح وأحسن من حديث زيد بن جيرة عن داود ، خلافا لما قال الترمذى. ٤٥١ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة ٧٤٥ - (٥٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَ ◌ّ: صلوا فى مرابض الغنم، ولا تصلوا فى . . أعطان الإبل. رواه الترمذى. ٧٤٦ - (٥٣) وعن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: لعن رسول اللّه لل زائرات القبور، م ٧٤٥ - قوله (صلوا فى مرابض الغنم) جمع مربض بفتح الميم وسكون الراء وكسر الباء الموحدة وآخره ضاد معجمة، وهو مأوى الغنم، ومكان ربوضها. والأمر للإباحة. قال العراقى: اتفاقا، وإنما نبه مَّ لثلا يظن أن حكمها حكم الايل، أو أنه أخرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين، فأجاب فى الابل بالمنع، وفى الغنم بالا ذن وأما الترغيب المذكور فى الأحاديث بلفظ: فإنها بركة. فهو إنما لقصد تبعيدها عن حكم الايل، كما وصف أصحاب الايل بالغلظ والقسوة، ووصف أصحاب الغنم بالسكينة - انتهى. وفيه دليل على طهارة أبوال مأكول اللحم، وأروائه لأنه أذن للصلاة فى المرابض مطلقا من غير تقييد بحائل، ومن غير تخصيص بموضع دون موضع (ولا تصلوا فى أعطان الايل) جمع عطن بالعين والطاء المهملتين المفتوحتين، وهى أماكن بروكها. وقد تكلفوا فى استخراج علة النهى فيها واختلفوا، فقيل: هى النجاسة. وفيه أن ذلك متوقف على تجاسة أبوال الإبل وأزبالها، وقد تقدم أن الحق طهارتها ، ولو سلمنا النجاسة لم يصح جعلها علة، إذ لا فرق حينئذ بين المرابض والمعاطن لأن كل واحد من الجنسين. مأكول اللحم فهما سيان فى الحكم. وقيل علة النهى شدة نفار الايل، فقد يؤدى ذلك إلى بطلان الصلاة، أو قطع الخشوع، أو غير ذلك، فلذلك جاء: إنها من الشياطين، وعلى هذا فيفرق بين كون الابل فى المعاطن وبين غيتها إذ يؤمن حينئذ نفورها. وفيه أنه نهى عن الصلاة فى الأعطان مطلقا سواء كانت الايل فيها أو غابت عنها. وقيل: العلة أن الرعاة كانوا يبولون، ويتغوطون بينها. وقيل: الحكمة فى النهى كونها خلقت من الشياطين كما فى حديث ابن مغفل عند ابن ماجه وغيره. والظاهر أن النهى تعبدى فالحق الوقوف على مقتضى النهى وهو التحريم، فيحرم الصلاة فى المعاطن ، ولا تصح. وهو مذهب أحمد، والظاهرية ، وغيرهم (رواه الترمذى) وصححه، وأخرجه أيضا أحمد وابن ماجه ، وفى الباب عن جماعة من الصحابة ذكر تخريج أحاديثهم الشوكانى فى النيل. ٧٤٦ - قوله (لعن رسول الله ڑٹے زائرات القبور) قيل: هذا كان قبل الترخص بقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها الآن لأنها تذكر الآخرة ، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائى." فلا رخص دخل فى الرخصة الرجال والنساء، ومحله ما إذا أمنت الفتنة. وقيل: بل نهى النساء عن زيارة القبور باق لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن إذا رأين القبور. وقيل بل يحرم زيارة القبور على النساء مطلقا، فإن النهى ورد خاصا بهن، والإباحة والرخصة لفظها عام، ولا منافاة بين العام والخاص حتى يقال: إن العام نسخ الخاص ، بل الخاص حاكم عليه، ومقيد له، فيكون الاذن خاصا بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور مطلقاً سواء أمنت الفتنة والجزع أم لم تأمن، هذا وقد بسط ابن القيم القول. ٤٥٢ ! مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى. ٧٤٧ - (٥٤) وعن أبى أمامة، قال: إن حبرا من اليهود سأل النى مَّم: أى البقاع خير؟ فسكت عنه، وقال : 1 فى مختصر السنن فى مسألة زيارة النساء للقابر فارجع إليه (والمتخذين عليها المساجد) لأن فى ذلك استنانا بـ نسبة اليهود (والسرج) بضمتين جمع سراج بكسر أوله، وهو المصباح أى لما فيه من تضيع المال بلا نفع، ويشبه تعظيم القبور كاتخاذها مساجد، وفيه رد صريح على القبوريين الذين يبنون القباب على القبور، ويسجدون إليها ، ويسرجون عليها، ويضعون الزهور والرياحين عليها تكريما وتنظيما لأصحابها (رواه أبو داود) فى الجنائز (والترمذى) فى الصلاة (والنسائى) فى الجنائز. وأخرجه أيضا أحمد وابن ماجه وابن حبان. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذى: حديث حسن. قال المنذرى فى محمصر السنن (ج ٤: ص ٣٥٠): وفيما قاله نظر، فإن أبا صالح هذا أى الراوى للحديث عن ابن عباس هو باذام، ويقال: باذان مكى مولى أم هانى بنت أبى طالب، وهو صاحب الكلبى، وقد نقل: أنه لم يسمع من ابن عباس. وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقال ابن عدى: لم أعلم أحدا من المتقدمين رضیه. وقد قيل عن يحي ابن سعيد القطان وغيره تحسين أمره، فلعله يريد: رضيه ححة، أو قال: هو ثقة - انتهى. وذكره المنذرى أيضا فى الترغيب ، ونسبه أيضا لصحيح ابن حبان ، ثم قال: وأبو صالح هذا هو باذام، ويقال: باذان، مكى مولى أم ماشى وهو صاحب الكلب. قيل: لم يسمع من ابن عباس، وتكلم فيه البخارى والنسائى وغيرهما ـ انتهى. وقال ابن القيم: قد تقدم أن أبا حاتم خالفه أى المنذرى فى ذلك وقال: صالح هذاهو مهران ثقة وليس بصاحب الكلب، ذاك اسمه باذام-انتهى. وقيل: الظاهر هو قول الترمذى: أن هذا الحديث حسن، لأنه ليس لتضعيف أبى صالح حجة قوية، والذى ادعى أنه لم يسمع من ابن عباس هو ابن حان کما فى تهذيب التهذيب (ج١ ص٤٠٧) ولعلها فلتة منه، فإن أبا صالح تابعى قديم، روى عن مولاته أم مائی ، وعن أخيها على بن أبى طالب، وعن أبى هريرة . وابن عباس أصغر من هؤلاء كلهم، وأما وصف الحافظ، والخزرجى أبا صالح بالتدليس فعله مبنى على قول ابن حبان ، وإنما تكلم فيه من تكلم من أجل التفسير الکثیر المروی عنه واحل فى ذلك على تلیذه محمد بن السائب الکلی ، ولذلك قال ابن معین : ليس به بأس، وإذا روی عنه الكلى فليس بشئى. وهذا الحديث رواه عنه محمد بن جحادة لا الكلبى. وقال يحيى القطان: لم أر أحدا من أصحابنا تركه، وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا، ووثقه أيضا العجلى. ٧٤٧ - قوله (إن حبرا) أى عالما، وهو بفتح الحاء أشهر من كسرها، قاله ابن الملك. وذكر فى الصحاح أن كسر الماء أصح، لكن المشهور فى الاستعمال الفتح الفرق بين العالم وبين ما يكتب به، كذا فى المفاتيح (أى البقاع) بكسر الباء جمع البقعة بالضم (خير) أى أفضل يعنى كثير الخير (فسكت عنه) أى عن جوابه (وقال) أى فى نفسه وقلبه أو بلسانه ٤٥٣ م مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة أسكت حتى يهفى جبرئيل، فسكت، وجاء جبرئيل عليه السلام، فسأل، فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، لكن أسأل ربى تبارك وتعالى. ثم قال جبرئيل: يا محمد! إنى دنوت من الله دنوا مادنوت منه قط. قال: وكيف كان يا جبريل؟ قال: كان بينى وبينه سبعون ألف حجاب من نور، فقال: شر البقاع أسواقها وخير البقاع مساجدها. رواه ..... م (أسكت) بصيغة المتكلم أو الأمر (فسكت) أى إلى مجنى جبرئيل. قال الطيبي: فيه أن من استفتى عن مسئلة لا يعلمها فعليه أن لا يعجل فى الإفتاء، ولا يستنكف عن الاستفتاء ممن هو أعلم منه، ولا يبادر إلى الاجتهاد ما لم يضطر إليه، فإن ذلك من سنة رسول اللّه وَالله وسنة جبرئيل (فسأل) أى فسأله النبى تَّ عن هذه المسئلة (فقال: ما المسئول عنها) أى عن هذه المسئلة (ثم قال جبر ئيل) أىبعدسؤاله ورجوعهمن حضرة الله تعالى (دنوت من الله دنوا) فعول مصدردنا بمعنى قرب (ما دنوت منه قط) أى أذن لى أن أقرب منه تعالى أكثر مما قربت منه فى سائر الأوقات. قال ابن الملك: ولعل زيادة تقريبه منه فى هذه المرة لتعظيم التى تؤثّة، وقد يزيد المحب فى احترام رسول الحبيب لأجل الحبيب - انتهى كلامه. أو لأنه تقرب إليه تعالى بطلب العلم، ومن وعده تعالى أن من تقرب إليه شبرا تقرب عليه باعا، كذا فى المرقاة (وكيف كان) أى دنوك (سبعون ألف حجاب من نور) قالوا المراد به التكثير لا التحديد، و((من نور)) إشارة إلى أن الحجب للملائكة نورانية، وهى حجب اسماءه وصفاته وأفعاله، وهى غير متناهية وإن كانت أصول الصفات الحقيقية سبعة أو ثمانية. والملائكة محجوبون بنور المهابة والعظمة والجلال ، والإنسان منهم من حاله كذلك ، ومنهم من حجب بحجب ظلانية، كذا فى اللعات. وقال القارى: اعلم أن الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس، وهو الخلق ، فهم محجوبون عنه تعالى بمعانى أسماء، وصفاته وأفعاله، وأقرب الملائكة الحافون بالعرش، وهم محجوبون بنور المهابة والعظمة والكبرياء والجلال، وأما الآدميون فمنهم من حجب برؤية النعم عن المنعم، وبمشاهدة الأسباب عن المسبب، ومنهم من حجب بالشهوات المباحة أو المحرمة، أو بالمال والنساء والبنين وزينة الحياة الدنيا والجاه. ومنه قول الصوفية: العلم حجاب. قال بعض مشائخنا: لكنه نورانى، فأفاد أن الحجب على نوعين: نورانى وظلمانى. وقد أشار إليه الحديث بقوله من نور. انتهى. وقال النووى: حقيقة الحجاب إنما يكون للأجسام المحدودة، والله تعالى منزه عن الجسم والحد ، والمراد هنا المانع من رؤيته، وسمى ذلك المانع نورا أو نارا لأنهما يمنعان من الإدراك فى العادة لشعاعهما -انتهى (شر البقاع أسواقها) لأنها محل الغفلة والمعصية (وخير البقاع مساجدها) لأنها محل الحضور والطاعة. قال الطيبي: أجاب عن الشر والخير، وإن كان السؤال عن الخير فقط تنبيها على بيت الرحمن وبيت الشيطان. قلت: الأشياء تبين بأضدادها (رواه ..... ) كذا فى أصل المصنف هنا ياض، وألحق به ابن حبان عن ابن عمر ، ولذا قال الطبي: ذكر الراوى أى المخرج ملحق. ٤٥٤ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة الفصل الثالث ): ٧٤٨ - (٥٥) عن أبى هريرة، قال: سمعت رسول اللّه مَّم يقول: من جاء مسجدى هذا لم يأت إلا لخير يتعلمه أو يعلمه؛ فهو بمنزلة المجاهد فى سبيل الله. وقال السيد جمال الدين: هذا الحديث بهذا اللفظ لم أره مخرجا فى شئ من الكتب المعتمدة المشهورة ، ولكن رأيت فى تخريج أحاديث المصابيح للسلى أنه قال: وروى ابن حبان فى صحيحه، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، أن رجلا سأل النبي تَّ أى البقاع خير؟ وأى البقاع شر؟ قال: لا أدرى حتى أسأل جبريل عليه السلام ، فسأل جبريل فقال: لا أدرى حتى أسأل ميكائيل، لجاء فقال: خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق- انتهى. وذكر المنذری حديث ابن عمر هذا فى الترغيب مختصرا ليس فيه الدنو من الله ولا الحجب ونسبه للطبرانى وابن حبان، وكذلك رواه الحاكم (ج ٢: ص٧، ٨) بأطول منه، وفى سنده عندهم جميعا عطاء بن السائب وكان اختلط وله شاهد من حديث جبير بن مطعم أن رجلا قال: يا رسول اللّه أى البلدان أحب إلى الله وأى البلدان أبغض إلى الله؟ قال: لا أدرى حتى أسأل جبرئيل، فأتاه فأخبره أن أحسن البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق، رواه أحمد (ج٤: ص ٨١) والبزار واللفظ له. وأبو يعلى، والحاكم وقال صحيح الإسناد ، وفى الباب أيضا عن أنس أخرجه الطبرانى فى الأوسط. وقد تقدم فى الفصل الأول حديث أبى هريرة بلفظ أحب البلاد إلى اللّه تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواتها. ومن هذا كله عرفت أن عدد السبعين وتكثير الحجب لم يرد فى حديث صحيح، وأما الحجاب نفسه فقد ورد فى صحيح مسلم على ما تقدم فى صدر الكتاب من حديث أبى موسى مرفوعا . ٧٤٨ - قوله (مسجدى هذا) قال السندى: أراد مسجده وتخصيصه بالذكر إما لخصوص هذا الحكم به ، أو لأنه كان محلا الكلام حينئذ، وحكم سائر المساجد كحكمه - انتهى. وقال الشوكانى: فيه تصريح بأن الأجر المرتب على الدخول إنما يحصل لمن كان فى مسجده مَّله، ولا يصح إلحاق غيره به من المساجد التى هى دونه فى الفضيلة لأنه قياس مع الفارق (لم يأت) الجملة حال أى حال كونه غير آت (إلا لخير) أى علم أو عمل (يتعلمه أو يعلمه) أو التنويع، وفى رواية أحمد: من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا أو ليعلمه. قال الشوكانى: فيه أن الثواب المذكور إنما يتسبب عن هذه الطاعة الخاصة لا عن كل طاعة ، وفيه أيضا التنويه بشرف تعلم العلم وتعليمه، لأنه هو الخير الذى لا يقاوم قدره ، وهذا إن جعل تنكير الخير للتعظيم، ويمكن إدراج كل تعلم وتعليم لخير أى خير كان تحت ذلك، فيدخل كل ما فيه قرية يتعلمها الداخل أو يعلها غيره، وفيه أيضا الإرشاد إلى أن التعليم والتعلم فى المسجد أفضل من سائر الأمكلة (بمنزياة المجاهد) من حيث أن كلا منهما يريد إعلاء كلمة الله العليا، أو لأن كل واحد من العلم والجهاد عبادة نفعها متعد إلى عموم المسلمين، ٤٥٥ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة ومن جاء لغير ذلك، فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره. رواه ابن ماجه، والبيهقى فى شعب الإيمان. ٧٤٩ - (٥٦) وعن الحسن مرسلا، قال: قال رسول اللّه مؤلّى: يأتى على الناس زمان يكون حديثهم فى مساجدهم فى أمر دنياهم. فلا تجالسوهم؛ فليس لله فيهم حاجة. رواه البيهقى فى شعب الإيمان. - وقيل: وجه مشابهة طلب العلم بالمجاهدة فى سبيل الله أنه إحياء الدين، وإذلال الشيطان وإتعاب النفس، وكسر ذوى اللذة، كيف وقد أبيح له التخلف عن الجهاد فقال تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة -١٢٢:٩) الآية (ومن جاء لغير ذلك) أى لغير ما ذكر من الخير، وهو العلم والعمل الذى يشمل الصلاة، والاعتكاف، والزيارة. قال الطبى: يوهم أن الصلاة داخلة فى الغير، وليس كذلك لأن الصلاة مفروغ عنها، وإنها مستثناة من أصل الكلام. وقال الشوكانى: ظاهر الحديث أن كل ما ليس فيه تعليم ولا تعلم من أنواع الخير لا يجوز فعله فى المسجد، ولا بد من تقييده بماعدا الصلاة، والذكر والاعتكاف، ونحوها مما ورد فعله فى المسجد أو الإرشاد إلى فعله فيه (فهو بمنزلة الرجل) إلخ. أى بمنزلة من دخل السوق لا يبيع ولا يشترى بل لينظر إلى أمتعة الناس فهل يحصل له بذلك فائدة فكذلك هذا. وفيه أن مسجده ◌َّ سوق العلم فينبغى الناس شراء العلم بالتعلم والتعليم. وقيل المقصود: أن من لم يأت المسجد لخير يتعلمه أو يعلمه ينظر يوم القيامة إلى ثواب غيره من يعمل أعمال الخیر فی المسجد کمن ینظر إلی متاع غيره نظر إعجاب واستحسان وليس له مثله (رواه ابن ماجه) فى السنة. قال فى الزوائد: إسناده صحيح على شرط مسلم (والبيهقى فى شعب الإيمان) وأخرجه أيضا أحمد ، وفى الباب عن سهل بن سعد، وأبى أمامة، أخرجهما الطبرانى بإسناد حسن. ٧٤٩٠ - قوله (وعن الحسن) أى البصرى (حديثهم) أى كلامهم ومحادثتهم (فلا تجالسوم) أى فى المسجد أو مطلقا (فليس لله فيهم) أى فى إثيانهم إلى المسجد (حاجة) قال الطبي: هو كناية عن براءة الله تعالى عنهم، وخروجهم عن ذمة الله، وإلا فالله سبحانه وتعالى منزه عن الحاجة مطلقا. وفيه تهديد عظيم، ووعيد شديد، وذلك أنه ظالم مبالغ فى ظلمه حيث يضع الشئى فى غير موضعه لأن المساجد لم تبن إلا العبادات - انتهى (رواه البيهقى فى شعب الإيمان) وفى حديث ابن مسعود: سيكون فى آخر الزمان قوم يجلسون فى المساجد حلقا حلقا أمانيهم الدنيا، فلا تجالسوهم، فإنه ليس لله فیهم حاجة، ذكره العراقى فى شرح الترمذى. قال: وإسناده ضعيف فيه بریغ أبو الخلل وهو ضعيف جدا، وفى الترغيب النذرى عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله مثل: سيكون فى آخر الزمان قوم يكون حديثهم فى مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة. رواه ابن حبان فى صحيحه. ٤٥٦ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة ٧٥٠ - (٥٧) وعن السائب بن يزيد، قال: كنت نائما فى المسجد، خصبنى رجل، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال: اذهب فائتنى بهذين. لتجئته بهما. فقال: من أتما - أو من أين أتما - قالا: من أهل الطائف. قال: لوكنتما من أهل المدينة لأوجعتكما؛ ترفعان أصواتكا فى مسجد رسول اللّه مؤلف؟ رواه البخارى. 1 ٧٥٠ - قوله (كنت نائما) وفى رواية الاسماعيلى: كنت مضطجعا (خصبنى) أى رمانى بالحصباء، وهى الحجارة الصغار (فإذا هو) أى الرجل الحاصب (عمر بن الخطاب) كلمة إذا المفاجأة، وهو مبتدأ، وعمر خبره، وفى بعض النسخ: فإذا عمر ، أى بدون زيادة هو. وكذا وقع فى البخارى ، فعلى هذا عمر مبتدأ وخبره محذوف تقديره: فإذا عمر حاضر، أو قائم، أو واقف (فقال) أى عمر السائب (بهذين) قال الحافظ: لم أقف على تسمية هذين الرجلين لكن فى رواية عبد الرزاق أنهما ثقفيان (من أنتما) أى من أى قبيلة وجماعة (أو من أين أنتما) أى من أى بلد (لوكنتما من أهل المدينة) وفى البخارى: لو كنتما من أهل البلد. والمراد بالبلد المدينة. وهذا يدل على أنه كان تقدم نهيه عن ذلك. وفيه المعذرة لأهل الجهل بالحكم إذا كان مما يخفى مثله (لأوجعتكما) إذ لا عذر لكما حينئذ، قاله الطبي. يعنى أهل المدينة يعرفون حرمة مسجده ◌َ ◌ّه أكثر من غيرهم، فلا يسامحون مسامحة الغرباء، إذ يمكن أن يكونوا قريي العهد بالإسلام وبمعرفة الأحكام. وفى رواية الاسماعيلى: لأوجعتكما جلدا. ومن هذه الجهة يثبين كون هذا الحديث له حكم الرفع، لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توقيفى (ترفعان) جملة استئنافية، وهى فى الحقيقة جواب عن سؤال مقدر كأنهما قالا له: لم توجعنا؟ قال: لأنكما ترفعان أصواتكما فى مسجد الرسول مؤلّم (أصواتكما) عبر بأصواتكما بالجمع دون صوتيكما بالثنية لأن المضاف المثنى معنى إذا كان جزء ما أضيف إليه فالأصح الأجود الأفصح أن يذكر بالجمع كقوله تعالى ﴿فقد صغت قلوبكما -٤:٦٦) ويجوز إفراده نحو أكلت رأس شاتين. والتثنية مع إصالتها قليلة الاستعمال، وإن لم يكن جزئه لأكثر مجيئه بلفظ الثنية نحو سل الزيدان سيفيهما. وإن أمن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع كما يعذبان فى قبورهما، قاله المالكى، وفى رواية الاسماعيلى: برفعكما أصواتكما. وإنما أنكر عليهما عمر لأنهما رضا أصواتهما فيما لا يحتاجان إليه من اللغط الذى لا يجوز فى المسجد، فيمنع رفع الصوت فى المسجد فيما لا منفعة فيه، وأما إذا ألجنت الضرورة إليه فلا منع لعدم إنكاره ◌َ تتم على ابن أبى حدرد وكعب بن مالك رفع أصواتهما فى المسجد عند تقاضى الدين وقد وردت أحاديث فى النهى عن رفع الصوت فى المساجد مطلقا ، لكنها ضعيفة. أخرج ابن ماجه بعضها. وقيل: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشا، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش (فى مسجد رسول الله عَّل) إذ مع شرافته له زيادة مزية كون حجرته ومؤتم متصلة بالمسجد (رواه البخارى) وأخرجه ٤٥٧ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة ٧٥١ - (٥٨) وعن مالك، قال: بنى عمر رحبة فى ناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط، أو ينشد شعرا، أو يرفع صوته؛ فليخرج إلى هذه الرحبة. رواه فى الموطأ. أيضا الإسماعيلى. وروى عبد الرزاق عن نافع قال: كان عمر يقول: لا تكثروا اللغط، فدخل المسجد فإذا هو برجلين قد ارتفعت أصواتهما، فقال: إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت - الحديث. وفيه انقطاع لأن نافعا لم يدرك ذلك الزمان. ٧٥١ - قوله (عن مالك) بن أنس الإمام صاحب المذهب المشهور إمام دار الهجرة (قال: بنى عمر رحبة) هذا من بلاغات مالك ، ففى الموطأ مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب بنى رحبة. قال الزرقانى: كذا ليحي - أى ابن يحي المصمودى الأندلسى - ولغيره: مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد اللّه عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أن عمر بن الخطاب (فى ناحية المسجد) أى بنى فضاء فى خارج المسجد. قال فى القاموس: رحبة المكان - وتسكن - ساحته ومتسعه. وقال الطبى: الرحبة بالفتح الصحراء بين أفنية القوم، ورحبة المسجد ساحته (تسمى) أى تلك الرحبة (البطيحاء) بضم الباء وفتح الطاء تصغير البطحاء، والبطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصى ، وتسمية الرحبة بها إما لسعتها أو لوجود دقاق الحصى فيها. قال الباجى: هذه البطيحاء بناء يرفع على الأرض أزيد من الذراع، ويحدق حواليه بشئ من جدار قصير، ويوسع كهيئة الرحبة، ويبسط بالحصباء يجتمع فيها للجلوس - انتهى (وقال) أى عمر (من كان يريد أن يلغط) بفتح أوله وثالثه أى يتكلم بكلام فيه جلبة واختلاط، ولا يتبين. قال الطيبي: اللغط - بفتح الغين المعجمة وسكونها - صوت وضجة لا يفهم معناه. قال القارى: والمراد من أراد أن يتكلم بما لا يعنيه (أو ينشد شعرا) لنفسه أو لغيره أى وإن كان مباحا (أو يرفع صوته) ولو بالذكر (فليخرج إلى هذه الرحبة) فإن الأمر فيها أسهل وأهون. قال الباجى: لما رأى عمر بن الخطاب کثرة جلوس الناس فى المسجد وتحدثهم فيه ، وربما أخرجهم ذلك إلى اللغط - وهو المختلط من القول وارتفاع الأصوات - وربما جرى فى أثناء ذلك إنشاد شعر، بنى هذه البطيحاء إلى جانب المسجد وجعلها لذلك ليتخلص المسجد لذكر الله وما يحسن من القول، وينزه من اللغط وإنشاد الشعر، ولم يرد أن ذلك محرم. وإنما ذلك على معنى الكراهية، وتنزيهه المساجد، لا سيما مسجد النبي مؤقتة ، فيجب له من التعظيم والتنزيه ما لا يجب لغيره. ثم ذكر الباجى حديث السائب بن يزيد المتقدم ، ورواية عبد الرزاق بلفظ: قال عمر: إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت. ثم قال: وقد علل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين: إحداهما أنه يجب أن ينزه المسجد من مثل هذا، ومعنى هذا أن المسجدمما أمرنا بتعظيمه وتوقيره. والثانية لأنه مبنى للصلاة وقد أمرنا أن نأتيها وعلينا السكينة والوقار، فبأن يلتزم ذلك بموضعها المتخذ لها أولى (رواه) أى مالك (فى الموطأ) بالهمزة والألف، وقد سبق الاعتراض على مثل صنيع المؤلف هذا ، وكان حقه فى هذا المقام أن يقول: وعن عمر أنه بنى رحبة، ثم يقول: رواه مالك بلاغا. وقد تقدم أيضا أن ابن عبد البر صنف كتابا فى وصل ما فى الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، ٤٥٨ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة ٧٥٢ - (٥٩) وعن أنس، قال: رأى النبى معَ تّى نخامة فى القبلة؛ فشق ذلك عليه حتى رئى فى وجهه، فقام فکه بيده، فقال: إن أحدكم إذا قام فى الصلاة فإنما یناجى ربه، وإن ربه بينه وبين : القبلة؛ فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه، وقال: جميع ما فيه من قوله ((بلغنى)، ومن قوله ((عن الثقة عنده، ما لم يسنده، أحد وستون حديثا كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث، ثم ذكرها. وأثر عمر هذا ليس من الأربعة، فهو مسند إلى عمر فى موضعه. وقد تقدم عن الزرقانى: أن صورة البلاغ إنما هى ليحيى ، وأما غيره فقد ذكره مسندا. ٩ ٧٥٢ - قوله (نخامة) بالميم مع ضم النون، قيل: هى ما يخرج من الصدر، وقيل: النخاعة - بالعين - من الصدر، و - بالميم- من الرأس. وقيل: النخاعة هى البزاقة التى تخرج من أقصى الحلق (فى القبلة) أى فى الحائط الذى فى جهة القبلة (فشق) أى صعب (ذلك) أى ما ذكر من رؤية النخامة (حتى رئى) بضم الرأى وكسر الهمزة وفتح الياء، أى شوهد أثر المشقة. قال الطبى: الضمير الذى أقيم مقام الفاعل راجع إلى معنى قوله: فشق ذلك عليه. وهو الكراهة، وفى رواية النسائى: فنصب حتى أحمر وجهه (فحكه) أى أثر النخامة (بيده) المباركة تعليما لأمته، وتواضعا لربه جل جلاله ومحبة ليته (إذا قام فى الصلاة) أى دخل فيها سواء كان فى المسجد أو غيره (فانما يناجى ربه) من جهة مساورته بالقرآن والأذكار فكانه يناجيه تعالى، والرب تعالى يناجيه من جهة لازم ذلك، وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز، لأن القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة، إذ لا كلام محسوسا إلا من جهة العبد. قال الحافظ: المراد بالمناجاة من قبل العبد حقيقة النجوى. ومن قبل الرب لازم ذلك، فيكون مجازا عن إقباله على العبد بالرحمة والرضوان (وإن) بكسر الهمزة (ربه ينه وبين القبلة) قال الخطابي: معناه أن توجه إلى القبلة مغض بالقصد منه إلى ربه، فصار فى التقدير كان مقصوده ينه وبين القبلة. وقيل: هو على حذف مضاف أى عظمة ربه ، أو ثواب ربه ، أو اطلاع ربه على ما بينه وبين القبلة أى فيجب على المصلى إكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن تنخم فى توجهك إلى رب الأرباب، وقد أعلنا الله تعالى بإقباله على من توجه إليه (فلا يبزقن أحدكم قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة إلى جهة (قبلته) التى عظمها الله، فلا تقابل بالبزاق المقتضى للاستخفاف والاحتقار، والأصح أن النهى للتحريم. قبل البزاق إلى القبلة دائما ممنوع، فتى صحيحى ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعا: من تغل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وقفله بين عينيه. وفى رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعا: بعث صاحب النخامة فى القبلة يوم القيامة وهى فى وجهه (ولكن) أى ليبصق (عن يساره) أى إذا كان فارغا لا عن يمينه، فإن عن يمينه كاتب الحسنات. كما رواه ابن أبى شيبة بسند صحيح (أو تحت قدمه) أى اليسرى. وأو التنويع وهو محمول على ما إذا لم يكن يساره ٤٥٩ مرعاة المفاتيح ج ٢ ٤ - كتاب الصلاة ٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا. رواه البخارى. ٧٥٣ - (٦٠) وعن السائب بن خلاد - وهو رجل من أصحاب النبي مؤ ثّم - قال: إن رجلا أم قوما، فبصق فى القبلة، ورسول اللّه مَ ينظر، فقال رسول اللّه مَفت لقومه حين فرغ: لا يصلى لكم. فأراد بعد ذلك أن يصلى لهم، فمنعوه، فأخبروه بقول رسول اللّه مؤته، فذكر ذلك لرسول الله عزَّ، فقال: نعم. وحسبت فارغا (ثم أخذ) أى النبى مؤ لّه (ثم رد بعضه) أى بعض ردائه (أو يفعل) عطف على المقدر بعد حرف الاستدراك، أى ولكن ليزق عن يساره أو يفعل هكذا، أى مثل هذا الذى فعلته، وفيه البيان بالفعل لأنه أوقع فى نفس السامع، وليست لفظة أو هنا للشك أو للتخيير بل للتنويع، فهو محمول على ما إذا بدره البزاق، فقد رواه مسلم من حديث جابر بلفظ: وليصق عن يساره وتحت رجله اليسرى ، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا، ثم طوى بعضه على بعض. ولابن أبى شية وأبى داود من حديث أبى سعيد نحوه، وفسره فى رواية أبى داود بأن يتفل فى ثوبه ثم يرد بعضه على • بعض (رواه البخارى) من طريق حميد عن أنس، وحميد مدلس، لكن قد صرح عبد الرزاق فى روايته بسماع حميد من أنس ، فأمن تدليسه . ٧٥٣ - قوله (وعن السائب بن خلاد) بمفتوحة وشدة لام وإهمال دال، ابن سويد بن ثعلبة بن عمرو الخزرجى الأنصارى، أبو سهلة المدنى ، قال أبو عبيد: شهد بدرا، وولى اليمن لمعاوية. وله أحاديث، روى عنه ابنه خلاد، وصالح بن حيوان، وعطاء بن يسار، وغيرهم. وقيل استعمله عمر على اليمن. مات سنة (٧١) فيما قال الواقدى (إن رجلا أم قوما) أى صلى بهم إماما، ولعلهم كانوا وفدا (فبصق) أى الرجل (فى القبلة) أى فى جهتها (فقال رسول الله مؤثر لقومه) لما رأى منه قلة الأدب، وليس فى نسخ أبى داود التى بأيدينا لفظة «لقومه)) (حين فرغ) أى هذا الرجل من الصلاة (لا يصلى لكم) بإثبات الياء، أى لا يكن هذا الرجل إماما لكم فى الصلاة بعد هذا. قال فى شرح السنة: أصل الكلام ((لا تصل لهم، فعدل إلى النفى ليؤذن بأنه لا يصلح للإمامة، وأن بينهموبينها منافاة. وأيضا فى الإعراض عنه غضب شديد حيث لم يجعله معملا الخطاب، وكأن النهى فى غيته، كذا فى المرقاة (فأراد) أى ذلك الرجل (بعد ذلك) أى بعد القول الذى ظهر منه تَّى (أن يصلى لهم) أى يؤمهم، ولعله لم يبلغه قوله حديثه فيه (فنعوه) من الإمامة، فسأل عن سبب المنع (فأخبروه بقول رسول الله عَليه) وهو: لا يصلى لكم (فذكر) أى الرجل (ذلك) أى منع القوم إياه عن الإمامة وأنه تَّثم قال ذلك (فقال: نعم) أنا أمرتهم بذلك (وحسبت) أى قال السائب بن خلاد: .... ٤٦٠