Indexed OCR Text

Pages 241-260

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١١ - باب الغسل المسنون
رواه الترمذى وأبو داود والنسائى.
الفصل الثالث ).
٥٤٦ - (٨) عن عكرمة، قال: إن ناسا من أهل العراق جاؤا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل
يوم الجمعة واجبا؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب.
وسأخبركم كيف بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف
مؤلّ لواثلة وقنادة الرهاوى عند الطبرانى، وعقيل بن أبى طالب عند الحاكم فى تاريخ نيسابور. قال الحافظ: وفى
أسانيد الثلاثة ضعف. قال الشوكانى فى السيل الجرار: الظاهر وجوب الغسل، ولا وجه لمن تمسك ممن قال بعدم
الوجوب من أنه لو كان واجبا لأمر به مَ ◌ّم كل من أسلم ، لأنا نقول: قد كان هذا فى حكم المعلوم عندهم، ولهذا إن
ثمامة لما أراد الإسلام ذهب فاغتسل، كما فى الصحيحين. والحكم يثبت على الكل بأمر البعض ، ومن لم يعلم الأمر بذلك
لكل من أسلم لا يكون عدم علمه حجة له ـ انتهى. وقال فى النيل: والظاهر الوجوب، لأن أمر البعض قد وقع به
التبليغ، ودعوى عدم الأمر لمن عداهم لا يصلح متمسكا ، لأن غاية ما فيها عدم العلم بذلك وهو ليس علما بالعدم
(رواه الترمذى) وحسنه (وأبو داود) وسكت عنه. ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره (والنسائى) وأخرجه أيضا
أحمد (ج ٥: ص ٦١) وابن حبان ، وابن خزيمة، وابن سعد فى الطبقات (ج ١: ص ٢٣، ٢٤) وصححه ابن السكن.
٥٤٦ - قوله (من أهل العراق) هو بلاد من عبادان إلى موصل طولا ، ومن القادسية إلى حلوان عرضا ،
والعراقان الكوفة والبصرة كذا فى القاموس (جاءوا) أى إلى ابن عباس حين كان واليا على البصرة (أترى) بفتح التاء
من الرأى أى تعتقد (يوم الجمعة) ظرف للغسل (ولكنه أطهر) أى أكمل تطهيرا وأكثر تنظيفا، فهو أفعل التفضيل من
التطهير بحذف زوائده كما هو مذهب بعض النحاة، أو معناه أكثر طهارة صاحبه (وخير) أى نفع كثير (ومن لم يغتسل)
واكتفى بالوضوء (فليس) الغسل (عليه بواجب) هذا دليل لجواب مقدر تقديره: فلا بأس، إذ ليس الغسل فيه واجبا
( كيف بدأ الغسل ؟) بضم الهمزة أى سبب ابتداء مشروعيته للجمعة (كان الناس) استئناف بيان، والمراد من الناس
الصحابة (مجهودين) من الجهد بالفتح وهو المشقة والعسرة، يقال: جهد الرجل فهو مجهود، إذا وجد مشقة، وجهد
الناس فهم مجهودون إذا أجدبوا، أى أصابهم الجدب، وهو المحل والفقر، ومجهدون معسرون. والمعنى أنهم كانوا
فى المشقة والعسرة لشدة فقرهم (يلبسون الصوف) جملة مبينة، والصوف الضأرن كالشعبر العز والوبر الايلى
٢٤١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١١ - باب الغسل المسنون
ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف، إنما هو عريش، خرج رسول اللّه ێ﴾.
فى يوم حار، وعرق الناس فى ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضا .
فلما وجد رسول اللّه عَّ تلك الرياح، قال: أيها الناس! إذا كان هذا اليوم، فاغتسلوا وليمس
أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه. قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف،
وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذى كان يؤذى بعضهم بعضا من العرق.
(ويعملون على ظهورهم) أى فيعرقون (وكان مسجدهم) أى مسجد النبي تَّة، وأضيف إليهم لصلاتهم فيه (ضيقا)
بالطول والعرض (مقارب السقف) أى قريب السقف من الأرض لقلة ارتفاع الجدار (إنما هو) أى سقف المسجد
(عريش) بفتح العين، هو كل ما يستظل به. والمراد أن سقف المسجد كان من جريد النخل. وقيل: معناه أن
سقف المسجد لم يكن مرتفعا كسائر السقوف بل كان شيئا يستظل به عن الشمس كعريش الكرم، وهى خشبات تجعل تحت
أغصانه ليرتفع عليها، يعنى القصد منه الاستظلال عن الشمس، وإن كان على رأس الواقف (يخرج رسول الله ث
إلى المسجد (فى يوم حار) من أيام الجمعة (وعرق الناس) بكسر الراء جملة حالية أو عطف على (خرج)، (فى ذلك الصوف)
أى الذى يعملون على ظهورهم حين لبسه (حتى ثارت) أى انتشرت (منهم رياح) منتنة (آذى بذلك) أى بما ذكر من
العرق والرياح (فلا وجد) أى أحس (تلك الرياح) كذا فى سائر النسخ بالجمع، وفى سنن أبي داود: والريح، بالافراد
(هذا اليوم) إشارة إلى الجنس، أو المراد مثل هذا اليوم (وليمس) بفتح الميم والسين (ثم جاء الله بالخير) أى المال
من الثياب والعبيد والخدم، عطف على أول القصة، وهو كان الناس، أو على بدأ الغسل، وآثر ثم لدلالتها على التراخى
فى الزمان. لأنهم مكثوا مجهودين مدة طويلة، والفتوحات إنما حصلت أواخر حياته منرؤية (ولبرا غير الصوف) من
القطن والكتان عطف تفسير (وكفوا) بصيغة المجهول مخففا من كفاه مؤنته أى قام بها دونه، فأغناه عن القيام بها
(العمل) مفعول ثان، أى وقاهم خدمهم عن العمل والتعب والمشقة (وذهب) أى زال (بعض الذى كان يؤذى) أى به
(بعضهم بعضا) ويتأذى الكل (من العرق) بفتحتين بيان للبعض. والحديث قد استدل به على عدم وجوب الغسل
للجمعة. قال القارى فى شرح المؤطا بعدذكر هذا الحديث: فهذا يشير إلى أن الغسل كان واجبا، ثم صارسنة، يعنى أن وجوب
الغسل كان بعلة الروائح الكريهة ، فما زالت تلك العلة زال الوجوب. وفيه أنه لا نسلم أنها إذا زالت العلة زال الوجوب
مسندين ذلك بوجوب السعى مع زوال العلة التى شرع لها، وهى إغاظة المشركين. وقال الحافظ فى الفتح بعد ذكر حديث
ابن عباس هذا: إسناده حسن، لكن الثابت عن ابن عباس خلافه كما سيأتى قريباً، وعلى تقدير الصحة، فالمرفوع منه
٢٤٢

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
رواه أبو داود.
(١٢) باب الحيض
﴿ الفصل الأول )
٥٤٧ - (١) عن أنس بن مالك، قال: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم
يجامعوهن فى البيوت، فسأل أصحاب النبى معََِّّ النبى معَّم، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن
المحيض) الآية.
ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب، وأما ننى الوجوب ، فهو موقوف، لأنه من استنباط ابن عباس ، وفيه نظر ، إذ
لا يلزم من زوال السبب زوال المسبب كما فى الرمل والجمار، وعلى تقدير تسليمه، فلمن قصر الوجوب على من به رائحة
كريهة أن يتمسك به - انتهى. وقال بعد الجواب عن الأحاديث التى استدل بها الجمهور على عدم الوجوب وعارضوا بها
ما لفظه: ثم هذه الأحاديث كلها لو سلمت لما دلت إلا على نفى اشتراط الغسل لا على الوجوب المجرد كما تقدم ـ انتهى.
(رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى، وأخرجه أيضا الطحاوى ، وقد تقدم أن الحافظ حسن إسناده.
(باب الحيض) بفتح الحاء مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا فهى حائض وحائضة ، وهو لغة : السيلان ،
وفى العرف : جريان دم المرأة فى أوقات معلومة من رحمها بعد بلوغها . وقيل: هو دم ينفضه رحم امرأة سليمة من الداء
والصغر. ولما كانت له أحكام شرعية من أفعال وتروك عقد له بابا ساق فيه ما ورد فيه من أحكامه .
٥٤٧ - قوله (إن اليهود) قيل: اليهود جمع یهودی کروم ورومی، وأصله اليهودبين ثم حذف ياء النسبة. قال
القارى: والظاهر أن اليهود قبيلة سميت باسم جدها يهودا أخى يوسف الصديق، واليهودى منسوب إليهم بمعنى واحد
منهم (لم يؤاكلوها) بالهمزة ويبدل واوا. وقيل: إنه لغة (ولم يجامعوهن) أى لم يسا كنوهن ولم يخالطوهن. وإنما جمع
الضمير فيه لأن المراد بالمرأة الجنس ، فعبر أولا بالمفرد ثم بالجمع رعاية للفظ والمعنى على طريق التفنن (فسأل أصحاب
النبى تَّى) أى عن المواكلة والمجامعة فى البيوت (ويسألونك عن المحيض) المحيض مفعل من الحيض يصلح لغة للصدر
والزمان والمكان. وأكثر المفسرين على أن المراد به ههنا المصدر. ويقال فيه اسم مصدر والمعنى واحد. وقيل المراد
به موضع الدم ومكانه، والمعنى يسألونك عن دم الحيض ، أو موضعه ماذا يفعل بالنساء فيه (الآية) بالرفع والنصب
والجر تتمها ﴿قل هو﴾ أى دم الحيض ﴿أذى) أى شئى قدر يتأذى به من يقر به، أو مكان الحيض وموضعه ذو أذى
أو محل أذى ﴿فاعتزلوا النساء﴾ أى اتركوا وطيهن ﴿فى المحيض - ٢: ٢٢٢) أى فى زمان الحيض أو مكانه أو فى
٢٤٣

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
فقال رسول اللّه معرؤية: اصنعوا كل شئى إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا
الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. جاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا :
يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟
الدم (فقال رسول اللّه ◌َاع) مبينا للاعتزال المطلق المذكور فى الآية بقصره على بعض أفراده (اصنعوا كل شئى) من
أنواع الاستمتاع (إلا النكاح) أى الجماع إطلاقا لاسم السبب على المسبب، لأن عقد النكاح سبب للجماع. وهذا تفسير
للآية، وبيان لقوله ﴿فاعتزلوا) فإن الاعتزال شامل للجانبة عن المؤاكلة والمصاحبة والجامعة، فبين النبى مؤثّم أن ليس
المراد بالاعتزال وعدم القربان مطلق المجانبة، بل مجانبة مخصوصة ، وهو ترك الوطى والجماع فقط لا غير. والحديث
يدل على جواز المباشرة فى ما بين السرة والركبة فى غير القبل والدبر. وإليه ذهب أحمد ومحمد ورجحه الطحاوى.
وقال العينى والسندهى: هو أقوى دليلا. وقال النووى: هو الأرجح دليلا وهو اختيار أصبغ من المالكية ، ويدل على
الجواز أيضا ما رواه أبو داود بإسناد قوى عن عكرمة عن بعض أزواج النبي مؤثّة: أنه كان إذا أراد من الحائض
شيئا ألقى على فرجها ثوبا ، وحملوا حديث عائشة الآتى وما فى معناه على الاستحباب جمعا بين الأدلة (فبلغ ذلك) أى
الحديث (ما يريد هذا الرجل) يعنون النبي ◌َّة، وعبروا به لا فكارهم نبوته (أن يدع) أى يترك (من أمرنا) أى من
أمورديننا (شيئاً) من الأشياء فى حال من الأحوال (إلا خالفنا) بفتح الفاء (فيه) أى إلا حال مخالفته إيانا فيه، يعنى لا يترك
أمرا من أمورنا إلا مقرونا بالمخالفة كقوله تعالى { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها -٤٩:١٨﴾ (بخام أسيد بن حضير)
بالتصغير فيهما، البي سماك بن عتيك الأنصارى الأشهلى الأوسى، كان أحد النقباء ليلة العقبة الثانية ، شهد بدرا وما بعدها
من المشاهد. قالت عائشة: كان من أفاضل الناس، وشهد الجابية، وفتح بيت المقدس. له ثمانية عشر حديثا ، اتفقا
على حديث. قال النبي ◌َّه: نعم الرجل أسيد بن حضير. ماث سنة (٢٠) وحمله عمر بين عمودى السرير حتى وضع
بالبقيع. قال عروة: مات أسيد بن حضير وعليه دين أربعة آلاف درهم ، فبيعت أرضه، فقال عمر: لا أترك بنى أخى
عالة ، فرد الأرض ، وباع ثمرها من الغرماء أربع سنين بأربعة آلاف كل سنة ألف درهم (وعباد) بفتح أوله وتشديد
الموحدة (بن بشر) بكر الباء، ابن وقش الأنصارى الأشهلى، أسلم بالمدينة على يدى مصعب بن عمير قبل إسلام سعد بن
معاذ، وشهد بدرا والمشاهد كلها ، وكان من قتل كعب بن الأشرف، وأبلى يوم اليمامة فاستشهد بها، وهو ابن (٤٥)
سنة. قالت عائشة: سمع النبي مَّمَ صوت عباد بن بشر ليلة، فقال: اللهم اغفر له، وأضاءت له عصاه لما خرج من
عند النبي ◌َّ. له حديثان (أفلا نجامعهن؟) وفى رواية أبى داود، والترمذى: أفلا ننكحهن فى المحيض ؟ أى أفلا نطأهن
٢٤٤
:

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
فتغير وجه رسول مرافق حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبى
عَّ ، فأرسل فى آثارهما، فسقاهما، فعرف أنه لم يجد عليهما. رواه مسلم.
٥٤٨ - (٢) وعن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا والنبى معَّم من إناء واحد ، وكلانا جنب ، وكان
يأمرنى، فأنزر، فيباشرنى وأنا حائض. وكان يخرج رأسه إلى وهو معتكف ، فأغسله، وأنا حائض.
متفق عليه.
لكى تحصل المخالفة التامة معهم (فتغير وجه رسول اللّه مرفقة) لأن تحصيل المخالفة بارتكاب المعصية لا يجوز (قد وجد)
أى غضب (خرجا) خوفا من الزيادة فى الغضب (فاستقبلتهما هدية) أى استقبل الرجلين شخص معه هدية يهديها إلى
رسول اللّه ◌َه، والإسناد مجازى (من لبن) من بيانية (إلى النبي ◌َّ) أى واصلة، أو واصل إليه (فأرسل فى آثارهما)
أى عقبهما رسولا فناداهما فجاءاه (فسقاهما) أى من اللبن تلطفا بهما وإظهارا للرضا (لم يجد) أى لم يغضب (عليهما)
لأنهما كانا معذورين لحسن فيتهما فيما تكلما به، أو ما استمر الغضب بل زال، أو ذهب (رواه مسلم) وأخرجه أيضا
أحمد والترمذى فى التفسير وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٥٤٨ - قوله (والنبي) بالرفع على العطف للفصل ويجوز النصب على أنه مفعول معه (وكلانا) الواو للحال
(وكان يأمر فى) بالاتزار (فأنزر) بتشديد التاء المثناة بعد الهمزة، وأصله أوزر بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم
المثناة بوزن افتعل ، وإدغام الهمزة فى التاء مذهب الكوفيين، حكاه الصغافى فى مجمع البحرين. وقول عائشة وهى من
فصحاء العرب حجة على الجواز. وقال ابن مالك: إنه مقصور على السماع كالكل ، ومنه قراءة ابن محيصن: فليؤد الذى
اتمن، بهمزة وصل وتاء مشددة مضمومة من الأمانة. والمراد بالاتزار أن تشد إزارها على وسطها، وحدد ذلك
الفقهاء بما بين السرة والركبة عملا بالعرف الغالب (فياشرنى) أى ياصق بشرته ببشرتى فيما دون الإزار. وقال الطيبي:
يعنى أنه كان يستمتع منى بعد أن يأمرفى بشد الإزار، فيمس بشرته يبشرقى (وأنا حائض) والحديث قد استدل به على
عدم جواز المباشرة فيما بين السرة والركبة، وفيه ما قال ابن دقيق العيد، من أنه ليس فى حديث الباب ما يقتضى منع ما تحت
الإزار، لأنه فعل مجرد - انتهى (وكان يخرج رأسه إلى وهو معتكف) فى المسجد بأن كان باب الحجرة مفتوحا إلى
المسجد، فيخرج رأسه منه إلى الحجرة، وهى فيها. وهذا يدل على أن المعتكف إذا أخرج بعض أعضاءه من المسجد لم
يطل اعتكافه (فأغسله) أى رأسه (وأنا حائض) فى الحديث دلالة على طهارة بدن الحائض وعرقها، وأن المباشرة
الممنوعة للعتكف هى الجماع ومقدماته ، وأن الحائض لا تدخل المسجد، وفيه استخدام الزوجة (متفق عليه) واللفظ
البخارى فى باب مباشرة الحائض من كتاب الحيض. والحديث أخرجه أيضا الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٢٤٥

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
٥٤٩ - (٣) وعنها، قالت: كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبى معرفته، فيضع فاه على موضع
فى، فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبى مَّز، فيضع فاه على موضع فى. رواه مسلم.
٥٥٠ - (٤) وعنها، قالت: كان النبي ◌َّ يتكنى فى حجرى، وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن. متفق عليه.
٥٥١- (٥) وعنها، قالت: قال لى النبى صلى الله عليه وسلم: ناولينى الخمرة من المسجد.
٥٤٩ - قوله (ثم أناوله النبي) أى أعطيه الإناء الذى شربت فيه (فيضع فاه) أى فمه (على موضع فى) بتشديد
الياء، أى فى (وأتعرق العرق) بفتح فسكون، العظم الذى بقى عليه شتى من اللحم، وتعرق العرق أكل ما عليه من اللحم.
يقال: عرقت العظم وتعرفته واعترقته، إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك. والمعنى: وكنت آخذ ما على العظم من اللحم
بأسنانى. وهذا يدل على جواز مؤاكلة الحائض، ومشاربتها، ومجالستها ، وطهارة أعضاءها من اليد والفم وغيرهما،
وطهارة ريقها وسؤرها من طعام أو شراب (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى وابن ماجه.
٥٥٠ - قوله (كان يتكتى فى حجرى) بتثليث الحاء أى فى حضنى ، وفى رواية البخارى فى التوحيد: كان يقرأ
القرآن ورأسه فى حجرى، وأنا حائض. وفى رواية أبى داود: كان يضع رأسه فى حجرى، فيقرأ وأنا حائض.
فعلى هذا فالمراد بالاتكاء وضع رأسه فى حجرها. قال ابن دقيق العيد: فى هذا الفعل إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ
القرآن، لأن قراءتها لو كانت جائزة لما توهم امتناع القراءة فى حجرها حتى احتيج إلى التنصيص عليها - انتهى. وفى الحديث
جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها وثيابها على الطهارة ما لم يلحق شيئا منها نجاسة. وهذا مبنى على منع القراءة فى
المواضع المستقذرة. وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة، قاله النووى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى
وابن ماجه .
٥٥١ - قوله (ناولينى) أى أعطيني (الخمرة) بالضم، ما يضع عليه المصلى وجهه فى سجوده، أو يصلى عليه ، أو
يجلس عليه من حصير أو نسيجة خوص ، سميت بذلك لأن خيوطها مستورة بسعفها. وفى حديث الفارة عند أبى داود
تصريح بإطلاق الخرة على الكبير من نوعها (من المسجد) قيل: حال من النبي ◌َّه، أى قال لى ذلك حال كونه مَّ
فى المسجد، فتكون الخمرة فى الحجرة، والنبى معَّه فى المسجد. وقيل: حال من الخمرة، فيكون الأمر على العكس، وهو
الظاهر. قال السندى فى حاشية ابن ماجه: قوله ((من المسجد)) الظاهر أنه متعلق بناولينى، وعلى هذا كان النبي مؤيّة
خارج المسجد، وأمرها أن تخرجها له من المسجد بأن كانت الخمرة قريبة إلى باب عائشة تصل إليها اليد من الحجرة .
وهذا هو الموافق لترجمة المصنف وأبى داود والترمذى. وقال عياض: إنه قال لها ذلك من المسجد لتناوله إياها من
خارج المسجد، لأن النبي ◌َّ كان معتكفا، وكانت عائشة فى حجرتها. قال السندى: فكلمة «من» متعلقة بقال، ولا يخفى
٢٤٦

مرعاة المفاتيح ج٢
٣- كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
فقلت إنى حائض. فقال: إن حيضتك ليست فى يدك. رواه مسلم.
٥٥٢ - (٦) وعن ميمونة، رضى الله عنها، قالت: كان رسول اللّه مؤتم يصلى فى مرط،
بعده. والحامل له على ذلك أنه جاء فى حديث أبى هريرة عند مسلم، مثل هذه الواقعة، وفيه: أنه مرة كان فى المسجد
فحمل القاضى الحديثين على اتحاد الواقعة، وهو غير لازم ، بل التعدد هو الظاهر. وقال فى حاشية مسلم بعد ذكر قول
عياض ما نصه: هذا مبنى على أن هذه الواقعة ، والواقعة المروية فى حديث أبى هريرة واحدة لکن المذکور فی حدیث
أبى هريرة الثوب ، وفى حديث عائشة الخمرة ، فعند الحمل على الاتحاد لا بد من القول بأنه أمر بتناول الأمرين جميعا
ووقع الاقتصار فى كل من الحديثين على أحدهما أو أن بعض الرواة نسى فذكر الثوب مكان الخمرة، والله تعالى أعلم. فكلمة
من على هذا متعلقة بقال فى هذه الرواية، وبأمر فى الرواية الثانية، وقد يقال: لا حاجة إلى القول بالاتحاد ، فيجوزأنه قال
لها أولا وهو فى المسجد: ناولينى الثوب. وهذا هو ما روى أبو هريرة ، وقال لها ثانيا وهو فى البيت: ناولينى الخمرة من
المسجد. بأن كان الخمرة قريبا إلى باب عائشة يصل إليها اليد من الحجرة، فرأت عائشة أن الثانى أشد من الأول، فاعتذرت
بالحيض ثانيا ، وعلى هذا فكلمة من متعلقة بناولينى كما هو الظاهر (فقلت) أى معتذرة (إن حيضتك ليست فى يدك) بكسر
الحاء اسم للحالة كالجلسة. والمراد الحال التى تلزمها الحائض من التجنب ونحوه، والفتح لا يصح لأنه اسم امرة ، هذا
حاصل ما قاله الخطابى. وأنكر هذا عليه عياض، وقال: الصواب ههنا الفتح، لأن النبى مَّ إنما ننى عن يدها الحيض
الذى هو الدم والنجاسة، التى يجب تجنبها واستقدارها. فأما حكم الحيض ، وحالتها التى تتصف بها المرءة، فلازم ليدها
وجميعها وإنما جاءت الفعلة فى هيئات الأفعال كالقعدة والجلسة لا فى الأحكام والأحوال. قال النووي: هذا الذى
اختاره عياض من الفتح هو الظاهر ههنا ، ولما قاله الخطابى وجه - انتهى. قلت: الظاهر عندى هو الكسر، لأن
عائشة رضى الله عنها كانت تعلم أن نجاسة الحيض التى يصان المسجد عنها ليست فى يدها، وإنما امتنعت من إدخال يدها
فى المسجد لأنها علمت أن الحالة العارضة لها من الحيض ، وحکها قد حلت يدها أيضا ، وصارت يدها أيضا متلبسة بها،
فامتنعت من إدخال اليد معتذرة بأنها حائض، فقال لها مرّ: إن حيضتك ليست فى يدك ، أى الحالة التى هى كونها
حائضة عرضت لها باعتبار مجموعها ، لا باعتبار أجزاءما، واتصف بها المجموع اقصافا واحدا ، فلا يقال لليد حائضة
حتى يمتنع من إدخالها فى المسجد. والحديث فيه دليل على أن للحائض أن تتناول شيئا من المسجد، وأن من حلف أن
لا يدخل دارا أو مسجدا فإنه لا يحنث بإدخال بعض جسده فيه (رواه مسلم) وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود
والنسائى وابن ماجه وصححه الترمذى وهو صحيح بتصحيح مسلم إياه كما قاله ابن سيد الناس، وإخراجه له فى صحيحه.
٥٥٢ - قوله (یصلی فی مرط) بکسر الميم وسکون الراء کساء من صوف أو خز کانوا یتزرون به ویکون إزارا.
٢٤٧

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
بعضه على وبعضه عليه، وأنا حائض. متفق عليه.
( الفصل الثانى )
٥٥٣ - (٧) عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه وَلَّى: من أتى حائضا، أو امرأة فى دبرها، أو
كاهنا ، فقد كفر
ورداء (بعضه على) أى ملقى على بدنى (وبعضه عليه) أى بعض المرط ألقاه عليه الصلاة والسلام على كتفه (وأنا حائض)
فى الحديث دليل على أن أعضاء الحائض ظاهرة وإلا فالصلاة فى مرط واحد بعضه ملقى على النجاسة وبعضه متصل بالمصلى
غير جائز. وفيه أنه يجوز الصلاة فى ثوب بعضه على المصلى وبعضه على حائض أو غيرها (متفق عليه) فيه نظر لأنى لم أجده
فى الصحيحين ولا فى أحدهما بهذا اللفظ. وقد أخرج البخارى من حديث ميمونة معنى ما ذكره المصنف فى أربعة
مواضع من صحيحه فى آخر كتاب الحيض قبل التيمم عن الحسن بن مدرك، وفى باب ((إذا أصاب ثوب المصلى امرأته إذا
سجد» عن مسدد، وفى باب: إذا صلى إلى فراش فيه حائض، عن عمرو بن زرارة، وعن أبى النعمان. وأخرجه مسلم
فى الصلاة عن يحى بن یحی، وعن أبى بكر بن أبى شيبة، لكن ليس عندهما باللفظ الذى ذكره المصنف، نعم أخرج
أبو داود عن ميمونة: أن النبي ◌َّ صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهى حائض، وهو يصلى، وهو عليه.
ولفظ ابن ماجه : أن رسول الله ژبتے صلى وعلیه مرط، بعضه عله وعليها بعضه وهی حائض . ولأبى داود وابن ماجه
نحوه عن عائشة، قالت: كان رسول اللّه مَّ يصلى بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض، وعلى مرط لى وعليه بعضه.
٥٥٣ - قوله (من أتى حائضا) أى جامعها، فالمراد بالإتيان ههنا المجامعة (أو امرأة) مطلقا سواء كانت حائضا
أو غيرها (أو كامبا) لا يصح عطفه على حائضا، فلا بد من تقدير ((أتى)) بمعنى جامع، وجعل الجملة عطفا على الجملة. ومن
جوز استعمال المشترك فى معنييه يجوز عنده عطف المفرد، على أن المراد بالإتيان بالنسبة إلى المعطوف عليه معنى ،
وبالنسبة إلى المعطوف معنى آخر. وقال الطبى ((أتى)) لفظ مشترك هنا بين الجامعة، وإتيان الكاهن - انتهى. قال القارى:
والأولى أن يكون التقدير ((أو صدق كاهنا)) فيصير من قبيل («علفتها تبنا وماء باردا، والمراد بالكاهن، الذى
يتعاطى الخبر عن الكائنات فى مستقبل الزمان ومن الكهنة من يدعى أن له تابعا من الجن يلقى إليه الأخبار، ومنهم من
يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراق،
كالذى يدعى معرفة الشئى المسروق. ومكان الضالة، ونحوهما. قال الجزرى: وحديث من أتى كاهنا يشمل الكاهن والعراف
والمنجم (فقد كفر) الظاهر أنه محمول على التغليظ والتشديد كما قال التر مذى: إنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ. وقدروى
عن النبي ◌ُّم قال: من أتى حائضا فليتصدق بدينار، فلو كان إتيان الحائض كفرا لم يؤ مرفيه بالكفارة - انتهى. وقيل: إن
٢٤٨
-

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
بما أنزل على محمد. رواه الترمذى، وابن ماجه، والدارمى. وفى روايتهما: فصدقه بما يقول فقد كفر،
وقال الترمذى: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبى تميمة عن أبى هريرة.
٥٥٤ - (٨) وعن معاذ بن جبل، قال: قلت: يا رسول الله! ما يحل لى من امرأتى وهى حائض؟
قال: ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل،
كان المراد الإتيان باستحلال وتصديق فالكفر محمول على ظاهره، وإن كان بدونهما فهو على كفران النعمة ، أو على
معنى عمل معاملة من كفر (بما أنزل على محمد) من الكتاب والسنة (رواه الترمذى وابن ماجه والدارمى) وأخرجه
أيضا أحمد وأبو داود فى الكهانة والتطير، وابن الجارود فى المنتقى (ص ٥٨) والحاكم (وفى روايتهما) أى ابن ماجه
والدارمى (فصدقه) أى الكاهن. (بما يقول فقد كفر) وبه تقيد رواية الترمذى، فيخرج من أتاه ليظهر كذيه ، أو
للاستهزاء بما هو عليه. وهذه الزيادة عند أحمد وأبي داود، وابن الجارود، والحاكم أيضا. ولعل الترمذى اختصرها
(وقال "تر مذى: لانعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم) بمفتوحة وتكسر كاف، ولفظة حديث سقطت من جميع نسخ الكتاب
وهى ثابتة عند الترمذى (الأثرم) بمفتوحة فمثلثة ساكنة البصرى، قال فى التقريب: فيه لين (عن أبى تميمة) بفتح أوله ،
اسمه طريف بن مجالد الهجيمى، بضم الهاء وفتح الجيم ، ثقة ، من طبقة الوسطى من التابعين ، مات سنة (٩٧) أو قبلها أو
بعدها (عن أبى هريرة) قال الترمذى: ضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده - انتهى. قال الحافظ فى ترجمة حكيم
الأثرم : قال الذهلى عن ابن المدینی أعیانا هذا ، وقال مرة: لا أدرى من هو. وقال البخاری : لا يتابع فى حديثه ، يعنى
عن أبى تميمة عن أبى هريرة: من آتی کاهنا ، ولا نعرف لأبى تميمة سماعا من أبي هريرة. وقال النسائى : ليس به بأس،
وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الآجرى عن أبى داود: ثقة. وقال ابن أبى شيبة: سألت عنه ابن المدينى ، فقال:
ثقة عندنا - انتهى. قلت: فتوثيق النسائى وأبى داود وابن حبان، وابن المدينى فى رواية ابن أبى شيبة لحكيم الأثرم يرد
تضعيف الحديث، ويجعل إسناده حسنا أو صحيحا. والله اعلم.
٥٥٤ - قوله (ما يحل لى من امرأتى؟) أى أى موضع يباح لى من أعضاءها؟ (قال: ما فوق الإزار) أى
يجوز لك الاستمتاع ما فوق الإزار، أى ما فوق السرة، لأن موضع الإزار هو السرة (والتعفف) أى ومع ذلك
التجنب والامتناع (عن ذلك) أى عن الاستمتاع بما فوق الإزار (أفضل) لأنه من رقع حول الحمى يوشك أن يقع
فيه ، فلعل غلبة الشهوة توقعه فى الحرام ، فتدب إلى التعفف احتياطا. والحديث دليل على تحريم المباشرة محل الإزار،
وهو ما بين السرة والركبة ، لكن الحديث ضعيف، وقد عارضه حديث أنس: اصنعواكل شئ إلا النكاح. وهو أصح
من هذا ، فهو أرجح منه، ولا يكون مثل هذا المفهوم مخصصا لعموم كل شئ، فلا يعارض المنطوق الدال على الجواز.
٢٤٩
----

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
رواه رزين، وقال محى السنة : إسناده ليس بقوى.
٥٥٥ - (٩) وعن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه مَ : إذا وقع الرجل بأهله، وهى حائض،
فلیتصدق بنصف دینار،
قال العراقى: قوله: والتعفف عن ذلك أفضل ، هذا يقوى ما يقرر من ضعف الحديث ، فإنه خلاف المنقول عن فعل
رسول اللّه مَّة، لأنه يَّ كان يستمتع بما فوق الإزار، وما كان ليترك الأفضل، وعلى ذلك عمل الصحابة ، والتابعون
والسلف الصالحون. قال السيوطى: لعلم علم من حال السائل غلبة شهوته فرأى أن تر که لذلك أفضل فى حقه ثلا يوقعه فى
محظور (رواه رزين) وأخرجه أيضا أبو داود فى باب المذى ، وضعفه، قال: ليس هو يعنى الحديث بقوى، أمى لأن
فى سنده بقية بن الوليد وهو مدلس ، وقد رواه عن سعد بن عبد الله الأغطش بالعنعنة، وسعد الأغطش لين الحديث ،
وعبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من معاذ، فهو منقطع. قال الحافظ فى التلخيص: ورواه الطبرانى من رواية إسماعيل بن
عياش، عن سعيد بن عبد الله الخزاعى، فإن كان هو الأغطش، فقد توبع بقية، وبقيت جهالة سعيد، فإنا لا نعرف
أحدا وثقه، وأيضا فعبد الرحمن بن عائذ راويه عن معاذ، قال أبو حاتم: روايته عن على مرسلة، فإذا كان كذلك، فعن ،
معاذ أشد إرسالا - انتهى. وفى الباب عن حرام بن حكيم عن عبد الله بن سعد ، أخرجه أبو داود.
٥٥٥ - قوله (إذا وقع الرجل بأمله) أى جامعها (فليتصدق بنصف دينار) كذا وقع فى هذه الرواية، ولعلها
اختصار من بعض الرواة ، أو سهو، ففى سندها خصيف، وهو سئى الحفظ ، خلط بآخره. والحديث قد روى بأسانيد
كثيرة، وبألفاظ مختلفة، أصحها وأرجحها ما رواه أبو داود، قال: حدثنا مسدد، نا يحمى عن شعبة قال: حدثنى الحكم
عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم عن ابن عباس، عن النبى مَّى، فى الذى يأتى امرأته وهى حائض، قال: يتصدق
بدینار ، أو نصف دینار . ورواه النسائی عن عمرو بن على، عن یحی. ورواه ابن ماجه، عن محمد بن بشار ، عن يحى
ابنسعید، ومحمد بن جعفر،وابنأبیعدی. ورواه أحمدعنیحی و محمد بن جعفر. ورواه ابن الجارودعن محمد بنیحی عن وهب
ابن جرير، وعن أحمد بن محمد الشافعى ، عن الحسن بن على الحلوانى، عن سعيد بن عامر. ورواه الحاكم فى المستدرك من
طريق مسدد عن يحى. ورواه البيهقى من طريق الفضل بن عبد الجبار، عن النضر بن شميل كل هؤلاء عن شعبة، عن الحكم
عن عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا. قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة، قال: دينار أو نصف دينار. وربما لم
يرفعه شعبة - انتهى. فهذه الرواية أصح الروايات فى ذلك وأرجحها، فكل رواتها مخرج لهم فى الصحيح إلا مقسما الراوى عن
ابن عباس، فانفرد به البخارى، لكن ما أخرج له إلا حديثا واحدا. وقد صحح هذه الرواية الحاكم، ووافقه الذهبي
وصححها أيضا ابن القطان وابن دقيق العيد. وقال أحمد: ما أحسن حديث عبدالحميد عن مقسم عن ابن عباس، فقيل له: تذهب إليه؟
٢٥٠

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
قال نعم، إنما هو كفارة، ذكره الخلال. وبالجملة رواية عبد الحميد هذه صحيحة لکن وقع الاختلاف فى رفعها ووقفها
فرضتها شعبة مرة ووقفها مرة. قال الحافظ فى بلوغ المرام بعد ذكر هذه الرواية مرفوعة: صححه الحاكم ، وابن القطان،
ورجح غیر ھما وقفه. قال الشو کانی فی النیل (ج ١ : ص ٢٦٨): ويجاب عن دعوى الاختلاف فى رفعه ووقفه بأن
حی بن سعيد و محمد بن جعفر وابن أبى عدى رفعوه عن شعبة، وكذلك وهب بن جرير ، وسعيد بن عامر ، والنضر بن
شميل، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف. قال ابن سيد الناس: من رفعه عن شعبة أجل وأكثر وأحفظ ممن وقفه.
وأما قول شعبة: أسنده لى الحكم مرة ووقفه مرة، فقد أخبر عن المرفوع والموقوف أن كلا عنده، ثم لو تساوى رافعوه
مع واقفيه لم يكن فى ذلك ما يقدح فيه. قال أبو بكر الخطيب: اختلاف الروايتين لا يؤثر فى الحديث ضعفا ، وهو مذهب
أهل الأصول، لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للا خرى، والأخذ بالمرفوع أخذ بالزيادة وهى واجبة القبول - انتهى.
وإذا عرفت أن هذه الرواية صحيحة، فاعلم أنهم اختلفوا فى لفظة ((أو)) حملها بعضهم على الشك، وبعضهم على التنويع،
والتفصيل بين حالى الدم ووقته، وبعضهم على التخيير، فقد نقل الخطابى فى معالم السنن (ج ١، ص ٨٤) أن أحمد بن
حنبل كان يقول: هو مخير بين الدينار ونصف الدينار، فهذا يدل على أن أحمد كان يرى أن أصل اللفظ فى الحديث على
التخير لا على الشك، ولا على التفصيل. قال الشوكانى: والحديث يدل على وجوب الكفارة على من وطى امرأته وهى
حائض، وإلى ذلك ذهب ابن عباس والحسن البصرى وسعيد بن جير وقتادة والأوزاعى وإسحق وأحمد فى الرواية
الثانية عنه، والشافعى فى قوله القديم - انتهى. قال العينى: ثم إن الذين ذهبوا إلى عدم الوجوب أجابوا أن قوله مؤقتّ :
يتصدق، محمول على الاستحباب. وقال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر فى تعليقه على الترمذى بعد ذكر القول بالتخير
عن أحمد ما لفظه: وإذا ثبت أن أصل الحديث الأمر بالتخير بين الدينار وبين نصف الدينار فانى أرى أن الأمر فيه
ليس للوجوب، وإنما هو للندب، لأن الأصل فى الأمر أن يكون للوجوب على الحقيقة. ولا يكون للندب إلا مجازا،
والمجاز لا بد له من قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقى، والقرينة هنا فى نفس اللفظ، لأن التخيير فى المأمور به بين أن يكون
قليلا أو كثيرا من نوع واحد يدل على أن الزائد عن القليل ليس واجبا ، لأن الدينار الواحد له نصفان ، وقد أمر مخيرا
بين أداءه كله، وبين أداء نصف من نصفيه فإذا أدى النصف كان آتيا بالمأمور به فى أحد شقى الأمر ، ولم يأت إلا ببعضه
فى الشق الآخر ، وبرئت ذمته بما أتاه من المأمور به ، فكان الذى لم يأت به غير واجب عليه بنفس دلالة اللفظ ، فدل
لفظ الأمر على أن بعض مدلوله ليس مرادا به الوجوب، فرج بذلك عن الحقيقة إلى المجاز. وإذ خرج فى بعض
مدلوله عن الحقيقة لهذه القرينة القاطعة ، خرج فى كل مدلوله ، لامتناع استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه معا. وتحقيق
ذلك فى موضعه من على الأصول. وليس هذا من باب الواجب الخير المعروف فى الفقه والأصول، لأن الواجب الخير
إنما يكون فى التخيير بين أنواع مأمور بها لا فى التخيير بين القليل والكثير من نوع واحد وهذا ثابت بالتتبع - انتهى كلامه.
٢٥١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
رواه الترمذى ، وأبو داود ، والنسائى، والدارمى، وابن ماجه.
(رواه الترمذى وأبو داود) كلاهما من طريق شريك بن عبد الله، عن خصيف عن مقسم عن ابن عباس.
ورواه أيضا من هذا الطريق أحمد والبيهقي (والنسائى) فيه نظر، لأن النسائى لم يرو هذه الرواية (والدارمى) من طريق شريك
عن خصيف عن مقسم. ورواه أيضا من طريق الثورى عن خصيف نحو رواية شريك (وابن ماجه) من طريق أبى
الأحوص ، عن عبد الكريم بن مالك الجزرى ، عن مقسم، عن ابن عباس. قال المنذرى: هذا الحديث يعنى حديث
ابن عباس فى كفارة إتيان الحائض قد وقع الاضطراب فى سنده ومتنه ، فروى مرفوعا وموقوفا ومرسلا ومعضلا .
وقال عبد الرحمن بن مهدى: قيل لشعبة: إنك كنت ترضعه، قال: إنى كنت مجنونا، فصححت ـ انتهى. وقال الحافظ فى
التلخيص: والاضطراب فى إسناد هذا الحديث ومننه كثير. قلت: لا شك فى أن فى إسناد هذا الحديث ومننه اختلافا
كثيرا لكن قد تقرر فى موضعه أن مجرد الاختلاف لا يؤثر فى صحة الحديث بل يشترط له استواء وجوه الاختلاف،
فتى رجحت رواية من الروايات المختلفة من حيث الصحة قدمت ، ولا تعل الرواية الراجحة بالمرجوحة ، وههنا رواية
عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس بلفظ: فليتصدق بدينار أو بنصف دينار صحيحة راجحة، كما تقدم النقل فى تصحيحها عن
الحاكم، والذهبى وابن القطان وابن دقيق العيد، وأحمد بن حنبل، وأما باقى الروايات فضعيفة مرجوحة لا توازى رواية عبد الحميد
فلا تعل رواية عبد الحميد هذه بالروايات المرجوحة. والعجب من المصنف أنه أورد فى هذا الباب رواية خصيف عن
مقسم عن ابن عباس بلفظ: يتصدق بنصف دينار ، وهى رواية ضعيفة مرجوحة ، ولم يورد رواية عبد الحميد عن مقسم
عن ابن عباس بلفظ: يتصدق بدينار أو نصف دينار. وهى أرجح الروايات وأصحها. قال الحافظ فى التلخيص: قد أمعن
ابن القطان القول فى تصحيح هذا الحديث ، والجواب عن طرق الطعن فيه بما يراجع منه ، وأقر ابن دقيق العيد تصحيح
ابن القطان وقواه فى الامام وهو الصواب، فكم من حديث قد احتجوابه، وفيه من الاختلاف أكثر مما فى هذا الحديث
كحديث بئر بضاعة، وحديث القلتين، ونحوهما. وفى ذلك ما يرد على النووى فى دعواه فى شرح المهذب ، والتنقيح،
والخلاصة، أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم فى تصحيحه، وأن الحق أنه ضعيف باتفاقهم، وتبع فى بعض ذلك ابن
الصلاح - انتهى كلام الحافظ. وأما قول عبد الرحمن بن مهدى: قيل لشعبة: إنك كنت ترفعه؟ قال «إنى كنت مجنونا
فصححت)) ففيه أنه اختلف النقل فيه عن شعبة، فروى هذا الحديث الدارمى، عن أبى الوليد، عن شعبة موقوفاً ، وعن سعيد بن
عامر عن شعبة موقوفا أيضا. وقال: قال شعبة: أما حفظى فهو مرفوع، وأما فلان وفلان، فقالا غير مرفوع. قال بعض القوم:
حدثنا بحفظك ودع ما قال فلان وفلان، فقال: والله ما أحب أنى عمرت فى الدنيا عمر نوح وإنى حدثت بهذا أوسكت عن هذا.
فهذه الرواية عن شعبة ترشد إلى أنه كان على وثوق من حفظه، ويقين برفعه، ثم إنه تردد واضطرب حين رأى غيره يخالفه،
فیرویه موقوفا، ثم جعل هویرویهموقوفا أیضا ،وهذا کماتریلا يؤثرفى یقینه الأول برفعه. وقد تابعه فىرفعهغيره، فرواه البيهقى
عن إبراهيم بن طهمان عن مطر الوراق عن الحكم عن المقسم عن ابن عباس مرفوعا. قال المنذرى: وأما الاضطراب فى
متنه فروى ((بدينار أو نصف دينار) على الشك. وروى: يتصدقٍ بدينار، فإن لم يجد فينصف دينار. وروى ((إذا كان
٢٥٢ ١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢ - باب الحيض
٥٥٦ - (١٠) وعنه، عن النى مَّ، قال: إذا كان دما أحمر، فدينار، وإذا كان دما أصفر،
فنصف دينار. رواه الترمذى .
( الفصل الثالث)؟
٥٥٧ - (١١) عن زيد بن أسلم، قال: إن رجلا سأل رسول اللّه عَّه، فقال: ما يحل لى من
دما أحمر فدينار، وإن كان دما أصفر فنصف دينار)، وروى ((إن كان الدم عبيطا فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة فنصف
دينار)) - انتهى. قلت: قد تقدم أن أصح الروايات وأرجحها فى ذلك رواية من قال بدينار أو نصف دينار. وهى التى
صحح لفظها أبو داود بقوله: هكذا الرواية الصحيحة، قال: دينار أو نصف دينار. فتقدم هذه الرواية على غيرها
من الروايات.
٥٥٦ - قوله (إذا كان) أى الحيض (دما أحمر فدينار) أى على المجامع فيه (وإذا كان دما أصفر فنصف دينار)
إن صح الحديث فالأظهر فيه أنه تعبد محض لا مدخل للعقل فيه ، لكن قد تقدم أن الرواية الصحيحة دينار أو نصف
دينار من غير تفصيل بين حالى الدم أو وقتيه. وقال العلامة المصرى فى تعليقه على الترمذى: أما التفصيل بين حالى الدم
أو وقتيه فإنه تفسير من الرواة قطعا. ثم دخل على بعض الرواة عنهم ، فظنوه من متن الحديث، فتقلوه كذلك. وقد
حفظ لنا سعيد بن أبى عروبة الدليل الصريح على أن التفسير أو التفصيل إنما هو من بعض الرواة. ففى رولية البيهقى (ج ١ :
ص ٣١٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا مبدينار أو نصف دينار)
فقسره قتادة، قال: إن كان واجدا فدينار وإن لم يجد فنصف دينار. وفى رواية أيضا (ج ١: ص ٣١٧) من طريق
عبد الوهاب عن سعيد عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا. وفسر ذلك مقسم ، فقال : إن غشيها فى الدم
فدينار، وإن غشيها بعد انقطاع الدم قبل أن تغتسل ، فنصف دينار. وفى رواية أيضا من طريق روح بن عبادة عن
سعيد عن عبد الكريم أبى أمية عن عكرمة عن ابن عباس ، فذكر نحو هذا، ونسب التفسير إلى مقسم أيضا مع أنه ليس فى
هذا الإسناد - انتهى (رواه الترمذى) من طريق أبى حمزة السكرى، عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن
عباس. وأخرج بنحوه الدارمى، والدار قطنى كلاهما من طريق أبى جعفر الرازى عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن
عباس مرفوعا .
٥٥٧ - قوله (عن زيد بن أسلم) العدوى مولى عمر بن الخطاب ، يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدنى ، ثقة من
أهل الفقه والعلم، وكان عالما بتفسير القرآن، وكان يرسل من الطبقة الوسطى من التابعين، مات سنة (١٣٦) فى العشر الأول من ذى
الحجة (إن رجلا سأل رسول اللّه مُؤ له) لعل الرجل السائل هو عمربن الخطاب مولى زيد بن أسلم، فقد روى أبو يعلى عن
٢٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٢- باب الحيض
امرأتى وهى حائض؟ فقال له رسول اللّه مؤتمر: تشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها. رواه مالك
والدارمى مرسلا .
٥٥٨ - (١٢) وعن عائشة، قالت: كنت إذا خضت نزلت عن المثال على الحصير، فلم نقرب.
رسول الله {ے ، ولم ندن منه حتى نطهر. رواه أبو داود.
عاصم بن عمر أن عمر قال: سألت رسول اللّه مَّ ما يحل للرجل من امرأته وهى حائض؟ قال: ما فوق الإزار. قال
الهيشمى: رجاله رجال الصحيح، ويمكن أن يكون السائل عبد الله بن سعد. فقدروى أبو داود عنه قال: سألت رسول الله مؤبت}
ما يحل لى من امرأتى وهى حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار (تشد) بفتح التاء وضم الشين والدال، خبر معناه الأمر.
وفى الموطأ والدارمى ((لتشد) بزيادة اللام (ثم شأنك بأعلاها) أى استمتع بما فوق فرجها، وشأنك بالنصب بإضمار
فعل، أى خذ، ويجوز رفعه على الابتداء، والخبر محذوف تقديره مباح أو جائز. وفيه دليل على منع الاستمتاع بما
تحت الإزار، لكن الحديث مرسل، والمرسل على القول الأصح ليس بحجة ، ولو سلم اعتضاده بما تقدم من حديث
عاصم بن عمر وعبد الله بن سعد، فلا يدل على منع ذلك إلا بالمفهوم، وقد عارضه منطوق حديث: إصنعوا كل شئ إلا
النكاح ، وهو أصح منه، فيقدم عليه، وقد تقدم أن الطحاوى رجح الجواز، وقواه العينى والسندى دليلا ، واختاره
أصبغ من المالكية، ورجحه النووى دليلا (رواه مالك والدارمى) من طريق مالك (مرسلا) بفتح السين. والحديث
المرسل ما سقط منه الصحابى كقول نافع: قال رسول اللّه ◌َي كذا أو فعل كذا أو فعل بحضرته كذا. قال ابن
عبد البر: لا أعلم أحدا رواه بهذا اللفظ مسندا، ومعناه صحيح ثابت - انتهى. قلت: روى الطبرانى فى الكبير عن
ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله! مالى من امرأتى وهى حائض؟ قال تشد عليها إزارها ثم شأنك بها. وفيه
أبو نعيم ضرار بن صرد، وهو ضعيف ، قاله الهيشمى.
٥٥٨ - قوله (إذا حضت) بكسر الحاء (عن المثال) أى الفراش (فلم نقرب) بفتح النون والراء (رسول اللّه)
بالنصب (مَُّ، ولم ندن) بفتح النون الأولى وضم الثانية (منه حتى نطهر) بالنون. هذا مخالف لما سبق، ولعله منسوخ
إلا أن يحمل القربان والدنو على الغشيان كما فى قوله تعالى ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن - ٢: ٢٢٢) فإن كل واحد من
الزوجين يدنو ويقرب من الآخر عند الغشبان، قاله القارى نقلا عن الطبي. قلت : التأويل هو المتعين الجمع بين
الأحاديث. وقال ابن حجر: هذا کان شأنهن معه ٹے ، أعنى إنهن يعتزلنه خوفا من شمه أو رؤيته لبعض ما ينفر مما
بهن حتى يدعونهن إلى معاشرته (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى. قلت: فى سنده أبو اليمان الرحال ، قال
الحافظ فى التقريب: مستور، وذكره ابن حبان فى الثقات.
٢٥٤
.:
:
أ

مرعاة المفاتيح ج٢
٣- كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
(١٣) باب المستحاضة
(باب المستحاضة) هى المرأة التى استمر بها الدم بعد أيامها، من الاستحاضة، وهى جريان الدم من فرجها فى غير
أوانه من عرق فى أدنى الرحم دون قعره ، يقال لذلك العرق العاذل. يقال: استحيضت المرأة - بالبناء للمفعول - إذا
استمر بها الدم ، فهى مستحاضة، وهى من الأفعال اللازمة البناء للمفعول، وأصلها من الحيض، لحق الزوائد المبالغة كما
يقال: قر فى المكان واستقر، وأعشب، ثم يزاد للبالغة فيقال: اعشوشب. قال العين (ج ١: ص ١٤٢) فإن قلت:
ما وجه بناء الفعل للفاعل فى الحيض، والمفعول فى الاستحاضة؟ قلت: لما كان الأول معروفا معتادا نسب إليها ، والثانى
لما كان نادرا غير معروف الوقت، وكان منسوبا إلى الشيطان كما ورد أنها ركضة منه، بنى لما لم يسم فاعله . فإن قلت:
ما هذه السين؟ قلت: يجوز أن تكون للتحول كما فى استحجر الطين ، وههنا تحول دم الحيض إلى غيره ، وهو دم
الاستحاضة - انتهى. وحكمها حكم الطاهرة فى العبادات والوطى عند الجمهور، خلافا لأحمد فى الوطى. واعلم أن
المستحاضة على أربعة أقسام: الأولى مبتدأة مميزة. الثانية مبتدأة غير ميزة. الثالثة معتادة من غير تمييز. الرابعة معتادة
بتمييز ، فأما الأولى فهى التى ابتدأ بها الحيض ، ولم تكن حاضت قبله ، واستمر بها الدم ، وكانت ميزة بأن ترى فى بعض
الأيام دما أسود ، وفى بعضها دما أحمر أو أصفر، فحيضها مدة تميزها، أى حكمها أن حيضها زمن الدم الأسود بشرط
أن لا يزيد على أكثر الحيض، فإن زاد على أكثره لم يكن حيضا. قال ابن العربى فى شرح الترمذى: الأصل فى اعتبار
التمییز حديث لا بأس به، يرويه العلماء عن فاطمة بنت أبى حبيش: أن دم الحيض دم أسود يعرف. وقد خرجناه من
طريق حسنة ، لها مدخل فى الصحة يعضده قوله فى الصحيح حسب ما قدمناه لها ((إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة)، وفى
هذا الحديث عندى نظر عظيم، والأول أقرب إلى الحجة وأسهم واضح المحبة - انتهى. وأما الثانية وهى مبتدأة من غير
تمييز فإن حاضت حيض لداتها يعنى أهل سنها، وقيل: أقرانها، حكم لها بحكم الحيض ، وإن زادت عليه، فقيل: تجلس
أكثر الحيض يعنى خمسة عشر يوما ، ثم يحكم لها بالاستحاضة. وقيل: تجلس عادة نسائها كأختها وأمها. وقيل:
تجلس غالب الحيض من كل شهر ، وذلك ستة أيام أو سبعة أيام. وهذا أشبه بالحق لحديث حمنة بنت جحش الآتى فى
الفصل الثانى. وأما الثالثة وهى المعتادة من غير تمييز، يعنى التى لها عادة معلومة قبل أن تستحاض ، ولا تمييز لها لكون
دمها لا يتميز بعضه من بعض، فإنها تجلس أيامٍ عادتها، ثم تغتسل عند انقضائها، وتوضأ لكل صلاة. وعليه يدل
حديث أم سلمة وحديث عدى بن ثابت، عن أبيه، عن جده فى الفصل الثانى ، وحديث عائشة فى أم حبيبة بنت جحش
عند مسلم وغيره ، ففيه: امكثى قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلى. وأما الرابعة وهى المعتادة بتميز، فإن كان
الأسود فى زمن العادة فقد اتفقت العادة والتمييز، فيعمل بهما ، وإن اختلفت العادة والتمييز فقيل: يقدم التمييز
وتدع العادة، يعنى يكون الاعتبار للتمييز لا للعادة، لأن التمييز أولى، لأن العادة قد تختلف والتمييز لا يختلف، ولأن
٢٥٥

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
( الفصل الأول )
٥٥٩ - (١) عن عائشة، رضى الله عنها، قالت: جاءت فاطمة بنت أبى حبيش إلى النبى معَ للَّه،
فقالت: يا رسول الله! إنى امرأة، أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟
النظر إلى اللون اجتهاد والنظر إلى العادة تقليد ، والاجتهاد أولى من التقليد. وقيل: العبرة للعادة لا للتمييز فترد إلى
العادة وهو الراجح عندى، لأن العادة أقوى لكونها لا تبطل دلالتها ، والدم الأسود إذا زاد على أكثر مدة الحيض
بطلت دلالته، فما لا تبطل دلالته أولى، ولأنه تمَّ رد أم حبية والمرأة التى استفتت لها أم سلمة إلى العادة من غير
استفصال وتفريق بين كونها ميزة وغير مميزة، وكذا حديث عدى بن ثابت عام فى كل مستحاضة ، وقد تكلم فى إسناده
بما لا يوجب سقوطه عن درجة الاعتبار ثم أعلم أن الحنفية لم يعتبروا التمييز مطلقا فالمستحاضة عندهم على ثلاثة أنواع،
الأولى مبتدأة مميزة كانت أو غير مميزة، وحكمها عندهم أنها تجاس أكثر الحيض. والثانية معتادة ذات تميز كانت أو غير
ذات تميز، وحيضها أيام عادتها. والثالثة متحيرة، وهى التى كانت لها عادة معلومة لكن نسيت أيامها، والتبس عليها قدر
عادتها . وقد تحيروا فى حكم المتحيرة، وتخطوا ، واضطربت أقوالهم فيه اضطرابا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة ، فضلا
عن النساء الموصوفات بنقصان العقل والدين، ولا إشكال فى حكمها عندنا، فإنها إن كانت ذات تميز، فالدم الأسود حيض
وإن كانت غير ذات تمييز ، جلست ستة أيام أو سبعة أيام ، كما فى حديث حمنة ، وحديث فاطمة: إن دم الحيض دم
أسود يعرف. يرد عليهم فى منع اعتبار التمييز مطلقا. هذا، وقد وردت فى المستحاضة روايات مختلفة ، لكنها عند
الإمعان ترجع إلى ثلاثة أحاديث، يعلم منها أحكام جميع أنواع المستحاضة كما أشرنا إلى ذلك. قال ابن قدامة فى
المغنى (ج ١: ص ٣٢٣): قال الإمام أحمد: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث، حديث فاطمة وأم حبيبة وحمنة. وفى
رواية حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة - انتهى. وقد بسط الكلام فى أحوال المستحاضة وأنواعها فى
المغنى (ج ١: ص ٣٢٨ - ٣٥٢) فن شاء رجع إليه .
٥٥٩ - قوله (فاطمة بنت أبى حبيش) بضم حاء مهملة وفتح باء موحدة وياء ساكنة بعدها شين معجمة ، واسمه
قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصى، مهاجرية جليلة، روت عن النبي مَ ◌ّم حديث الاستحاضة، وعنها عروة
ابن الزبير. وقيل: عن عروة عن عائشة أن فاطمة بنت أبى حبيش قالت: فذكره. وهو أول أحاديث الفصل الثانى
(أستحاض) بهمزة مضمومة وفتح تاء، أى استمر بى الدم فلا ينقطع، ولم ترد الاستحاضة الفقهية، وهى جريان الدم فى
غير أوانه، لأنها لو كانت تعلم أنها استحاضة شرعية ما أشكل عليها الأمر (فلا أطهر) أى لا ينقطع عنى الدم
(أفادع الصلاة) عطف على مقدرة بعد الهمزة لأن لها صدر الكلام ، أى أيكون لى حكم الحائض؟ فأترك الصلاة
٢٥٦
٠
١٠
------.

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
فقال: لا ، إنما ذلك عرق وليس بحيض ، فإذا أقبلت حيضتك
(فقال: لا) أى لا تدعى الصلاة (إنما ذلك) بكسر الكاف خطاب المؤنث أى الذى تشتكينه (عرق) بكسر العين، أى دم
عرق انشق وانفجر منه الدم ، أو إنما سبب ذلك عرق فه فى أدنى الرحم ، وهذا بیان لعدم كونه حیضا ، ولیس یانا
لكونه ناقضا للوضوء كما توهمت الحنفية. قال الخطابي: ليس معنى الحديث ما ذهب إليه هؤلاء، ولا مراد الرسول مؤ ذية
من ذلك ما توهموه ، وإنما أراد أن هذه العلة إنما حدثت بها من تصدع العرق، وتصدع العرق علة معروفة عند الأطباء،
يحدث ذلك عند غلبة الدم ، فتصدع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية - انتهى. قلت: لا شك فى أن هذا هو مراده
عَّ بذلك الكلام، وما ساق الكلام إلا لأجله، وليس فيما قاله الخطابى، تخصيص لعمومه، ولا تقييد لإ طلاقه كما لا يخفى
(وليس بحيض) فإن الحيض يخرج من قعر رحم المرأة ، فهو إخبار باختلاف المخرجين ، وهو رد لقولها : لا أطهر،
لأنها اعتقدت أن طهارة الحائض لا تعرف إلا بانقطاع الدم، فكنت بعدم الطهر عن اتصاله، وكانت قد علمت أن الحائض
لا تصلى، فظنت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم، فأبان لها مرّة أنه ليس بحيض وأنها طاهرة يلزمها الصلاة
(فإذا أقبلت حيضتك) بفتح الحاء ويجوز كسرها، والمراد بالإقبال ابتداء دم الحيض، وبالا دبار ابتداء انقطاعها.
واعلم أنهم اختلفوا فى أن فاطمة بنت أبى حبيش معتادة كانت أو مميزة غير معتادة . فمال البيهقى والترمذى وغيرهما
من فقهاء أصحاب الحديث إلى أنها مميزة. قال الترمذى: قال أحمد وإسحق فى المستحاضة إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم
وإدباره، فإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن يتغير إلى الصفرة ، فالحكم فيها على حديث فاطمة بنت أبى حيش - انتهى.
واستدل هؤلاء على كونها مميزة بأول حديث الفصل الثانى، وبقوله: إذا أقبلت حيضتك ، فى هذا الحديث. قالوا:
الحيضة بالكسر، والمراد بها الحالة التى تكون للحيض من قوة الدم فى اللون والقوام. وإن كان بالفتح فالمراد بإقبال
حيضتها بالصفة. قال بعض الحنفية: لفظ الإقبال والإدبار يؤيد الشافعى فى اعتبار اللون، فإنه يعلم منه أن دم الحيض
دم متميز بنفسه يعرف إذا أقبل وإذا أدبر ، فالإ حالة على الدم مشعر بأن دم الطمث مغاير لدم الاستحاضة بنفسه ،
ومتميز كتمايز سائر الماهيات، ولذا اكتفى بالاحالة على الاسم لأنه كان من الأشياء المتميزة بنفسها كما فى رواية: فإنه
دم أسود يعرف. قلت: فى الاستدلال به على كونها ذات تميز خفاء لأنه يمكن أن يقال أن المراد بالحيضة - بالكسر-
الحالة التى كانت تحيض فيها، وهى تعرفها، فيكون ردا إلى العادة. وبإقبال حيضتها - بالفتح - إقبال أيام الحيض، أى
وجود الدم فى أول أيام العادة ، ويؤيده ما فى رواية للبخارى من هذا الحديث: فإذا ذهب قدرها ، يعنى قدر أيام الحيضة
وقال من ذهب إلى كونها ميزة: أى ذهب قدر الحيضة على ما قدره الشارع ، أو على ما تراه المرأة باجتهادها ، ولا يخفى
بعد هذا التأويل بل يبطله ما وقع فى رواية أخرى للبخارى أيضا: ولكن دعى الصلاة قدر الأيام التى كنت تحيضين فيها.
فانها صريحة فى أنه تمَّ ردها إلى عادتها، وبالجملة فى الاستدلال بلفظ «إقبال الحيض وإدباره، على كونها ميزة نظر.
٢٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
فدعى الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلى عنك الدم، ثم صلى. متفق عليه.
واحتج من ذهب إلى كونها معتادة بروايتى البخارى المتقدمتين، وبما رواه أبو داود وغيره من طريق المنذر عن عروة
عن فاطمة أنها سألت رسول الله مزيفة - الحديث. وفيه: فانظرى إذا أتاك قر ك فلا تصلى وإذا مرقرمك فتطهرى، ثم صلى
ما بين القرء إلى القرء. والأصل فى القرء الوقت المعلوم، ولذلك أطلق على الضدين الحيض والطهر، لأن لكل منهما وقتا.
وبما رواه أبو داود أيضا والدار قطنى عن عروة، عن أسماء بنت عميس أن فاطمة أمرتها أن تسأل رسول الله مر فأمر أن تقعد
الأيام التى كانت تقعد، ثم تغتسل. قال المنذرى: حديث حسن. وبحديث أم سلمة الآتى، فإن المرأة التى استفتت لها أم سلمة
هى فاطمة بنت أبى حيش كما ستقف عليه. والظاهر عندى أن فاطمة بنت أبى حيث كانت معتادة مميزة . وكان الدم
الأسود فى زمن عادتها ، أى اتفقت العادة والتمييز، فردها إلى العادة مرة، وإلى التمييز أخرى، لأنه لم يكن بينهما تخالف
ويحتمل كما قال البيهقى: أن كانت لها حالان فى مدة استحاضتها حالة تميز بين الدمين ، فأفتاها بترك الصلاة عند إقبال
الحيض، وبالصلاة عند إدبارها، وحالة لا تميز فيها بين الدمين فأمرها بالرجوع إلى العادة - انتهى (فاغسلى عنك الدم) أى
واغتسلى. ففى رواية للبخارى: ثم اغتسلى، وصلى. لكن ليس فيها ذكر غسل الدم. وهذا الاختلاف من الرواة، اقتصر
بعض الرواة على أحد الأمرين والآخر على الآخر لوضوحه عنده (ثم صلى) أى بعد الاغتسال. زاد البخارى فى هذه
الرواية: ثم توضى لكل صلاة حتى يجئ ذلك الوقت. والحديث فيه دليل على أن المستحاضة إذا أقبلت حيضتها بالعادة
أو بالصفة تعمل على إقبالها، فتترك الصلاة، فإذا انقضى قدرها أى قدر أيام العادة ، أو قدر الحيضة على ما تراه المرأة
باجتهادها بحسب قوة الدم ولونه، اغتسلت منه، ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتوضأ لكل صلاة لا تصلى
بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية، لظاهر قوله: ثم توضئى لكل صلاة. وبهذا قال الجمهور،
فوضوء المستحاضة عندهم للصلاة لا للوقت. وأما ما روى أبو حنيفة، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن
النبي ◌َّم قال لفاطمة بنت أبى حبيش: توضئى لوقت كل صلاة. ففى كونه محفوظا نظر قوى وكلام ظاهر، فإن الطرق
الصحيحة كلها قد وردت بلفظ: توضئى لكل صلاة، وأما هذا اللفظ نظم يقع فى واحد منها. وقد تفرد به أبو حنيفة، وهو
سى الحفظ كما صرح به ابن عبد البر. وقال بعض الحنفية: لو ثبت لفظ «وقت الصلاة، لم ينفصل منه الأمر أيضا ، لأنه
يجرى البحث بعده فى السبب هل هو الصلاة أو الوقت؟ ويسوغ لهم أى الشافعية أن يقولوا: أن اللام للظرف ، فوقت
الصلاة ظرف للوضوء لا سبب وإنما السبب هو الصلاة كما فى قولنا: أتيت فلانا خمس مضين من رمضان. فإن اللام فيه
للظرف لا للسبب ، فالوضوء يجب على المعذور لأجل الصلاة فى وقتها عندهم، فصح ما فى المعنى لوقت كل صلاة على
مذهبهم أيضا - انتهى (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى باب غسل الدم. وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود والنسائى
وابن ماجه وغيرهم.
٢٥٨

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
﴿ الفصل الثانى )
٥٦٠ - (٢) عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبى حبيش، أنها كانت تستحاض ، فقال لها
التى تَّ: إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك، فأمسكى عن الصلاة ،
فإذا كان الآخر، فتوضئى وصلى، فإنما هو عرق. رواه أبو داود ، والنسائى.
٥٦٠ - قوله (فإنه) أى الحيض، أو دمه (يعرف) بصيغة المجهول من المعرفة أى تعرفه النساء باعتبار لونه،
وتخاته، ونتنه. وقيل: بكسر الراء من الأعراف أى له عرف ورائحة (فإذا كان ذلك) بكسر الكاف ، أى فإذا كان الدم
دما أسود. قال القارى: أعاده لطول الفصل كما فى قوله تعالى (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم،
وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم - ٢: ٨٩) وقوله («فإنه دم أسود، استئناف مبين متفرع على
كون الدم دم الحيض ، ولا يصلح أن يكون تعليلا للجواب المذكور أو المقدر كما قرره ابن حجر، فتدبر
(فأمسكى عن الصلاة) من الإمساك أى أتركيها (فإذا كان الآخر) بفتح الخاء أى الذى ليس بتلك الصفة بأن كان دما أحمر
أو أصفر (فتوضئ) لكل صلاة مفروضة أى بعد الاغتسال من انقطاع دم الحيض (فإنما هو) أى الدم الذى هو على
غير صفة السواد (عرق) أى دم عرق انفجر، يقال له: العاذل. يعنى دم الاستحاضة يخرج من عرق فى أدنى الرحم
دون قعره. والحديث فيه دليل على أنه يعتبر التمييز بصفة الدم ، فإذا كان متصفا بصفة السواد فهو حيض ، وإلا فهو
استحاضة. وفيه دلالة على أن فاطمة كانت ميزة ، ولا مانع من اجتماع المعرفتين فى حقها وحق غيرها، وقد تقدم
الكلام فى ذلك (رواه أبو داود) قال: حدثنا محمد بن المثنی: نا محمد بن أبی عدی ، عن محمد يعنى ابن عمرو ، قال: ثنى
ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن فاطمة بنت أبى حيش، قال: إنها كانت تستحاض ـ الحديث، قال أبو داود:
قال ابن المثنى: ثنا به ابن أبى عدى من كتابه هكذا ، ثم ثنا به بعد حفظا ، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن الزهرى عن
عروة، عن عائشة قالت: إن فاطمة كانت تستحاض، فذكر معناه. قال فى عون المعبود (ج ١: ص ١١٥): والحاصل
أن ابن أبى عدى لما حدث ابن المثنى من كتابه حدثه من غير ذكر عائشة بين عروة وفاطمة. ولما حدثه من حفظه ذكر
عائشة بين عروة وفاطمة، ولذلك قال ابن القطان: هذا الحديث منقطع. وأجاب ابن القيم بأنه ليس كذلك، فإن محمد بن
أبى عدى مكانه من الحفظ والإتقان لا يجهل، وقد حفظه، وحدث به مرة عن عروة عن فاطمة، ومرة عن عائشة عن
فاطمة وقد أدرك كلتيهما، وسمع منهما بلا ريب، ففاطمة بنت عمه، وعائشة خالته. فالانقطاع الذى رمى به الحديث
مقطوع دابره، وتحتصرح بأن فاطمة حدثته - انتهى. والحديث أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصحاه، وأخرجه
أيضا الدار قطنى والبيهقى.
٢٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
٥٦١ - (٣) وعن أم سلمة، قالت: إن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول اللّه مؤتم فاستفتت
لها أم سلمة النبى معَّى. فقال: لتنظر عدد الليالى والأيام التى كانت تحيضهن من الشهر قبل أن
يصيبها الذى أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك ، فلتغتسل، ثم لتستتفر
بثوب، ثم لتصل.
٥٦١ - قوله (إن امرأة) هى فاطمة بنت أبى حيث، سماها حماد بن زيد ووهيب، وعبد الوارث ، وسفيان
الثورى فى روايتهم عن أيوب، عن سلمان بن يسار عند الدار قطنى ( كانت تهراق) بضم التاء وفتح الهاء وتسكن، أى
قصب، وتهراق هكذا جاء مجهولا ، ونائب فاعله ضمير يرجع إلى المرأة، وهاء، بدل من الهمزة. أراق الماء يريقه،
وهراقه يهريقه بفتح ماء هراقة ، ويقال: أهرقته أهرقه إهرافا بجمع بين البدل والمبدل منه كذا فى المجمع. وقد تقدم
تحقيقه بأبسط من هذا (الدم) بالنصب على التمييز وإن كانت معرفة على تقدير زيادة اللام، أى تهراق هى الدم ، أو
منصوب بنزع الخافض، أى تهراق بالدم، وفى رواية الدماء بالجمع للدلالة على الكثرة. قيل يجوز فيه الرفع على أنه
بدل من ضمير تهراق، أو على أنه مسند إليه، والألف واللام بدل من الإضافة، والتقدير تهراق دماءها (فاستفتت لها
أم سلمة) هذا قول الراوى عن أم سلمة، أى سألت لهذه المرأة بأمرها إياها، ففي رواية الدار قطنى: أن فاطمة بنت أبى
حيش استحيضت، فأمرت أم سلمة أن تسأل لها. وتقدم فى حديث عائشة المتفق عليه: أن فاطمة هى السائلة ، وفى
حديث أسماء بنت عميس الآتى فى الفصل الثالث أن السائلة أسماء، ولا تخالف بين هذه الروايات ، فإنه يقال: إن فاطمة
أمرت أسماء وأم سلمة كلتيهما أن تسألا لها رسول ومؤ فيه فسألنا مجتمعتين أو غير مجتمعتين، وسألت فاطمة بنفسها أيضا لمزيد
التوثق والاحتياط (لنظر) أى تفكر وتعرف (عدد الليالى والأيام التى كانت تحيضهن) أى تحيض فيهن (من الشهر)
بيان لهن أو الأيام والليالى. قال الزرقانى: فيه تصريح بأنها لم تكن مبتدأة بل كانت لها عادة تعرفها ، وليس فيه بيان
كونها مميزة أو غيرها، فاحتج به من قال: أن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها ميزت أم لا ، وافق تمييزها عادتها أو
خالفها - انتهى (قدر ذلك) أى قدر عادة حيضها (فإذا خلفت ذلك) أى تركت أيام الحيض التى اعتادتها خلفها،
وجاوزتها ، ودخلت فى أيام الاستحاضة (فلتغتسل) أى غسل انقطاع الحيض (ثم لتستتفر بثوب) الاستثمار أن تشد
فرجها ودبرها بخرقة عريضة بعد أن تحتشى قطنا وتوثق طرفى الخرقة فى شتى تشده على وسطها ، فتمنع بذلك سيل الدم.
وهو مأخوذ من ثفر الدابة الذى يجعل تحت ذنبه (ثم لنصل) بكسر اللام وإسكانها. وفيه دليل على أن الاغتسال إنما
هو مرة واحدة عند انقضاء أيام الحيض ، وأن حكم المستحاضة حكم الطاهرة فى الصلاة، وكذا فى الصيام، والقراءة،
٢٦٠
١