Indexed OCR Text

Pages 221-240

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللّه مؤ لّ يمسح على ظاهر خفيه. رواه أبو داود،
والدارمى معناه.
(١٠) باب التيمم
لقربه من القاذورات والأوساخ (أولى بالمسح من أعلاه) أى ما تحت القدمين أولى بالمسح من الذى هو على أعلاهما،
لأنه الذى يباشر المشى ويقع على ما ينبغى إزالته، بخلاف أعلاه، وهوما على ظهر القدم (يمسح على ظاهر خفيه) أى على
أعلاهما دون أسفلهما يعنى فلا يعتبر بالرأى والقياس الذى هو على خلاف فعل رسول الله مد خله. واعلم أن العقل
الكامل تابع للشرع لأنه عاجز عن إدراك الحكم الالهية، فعليه التعبد المحض بمقتضى العبودية، وما ضل من ضل من
الكفرة، والحكماء، والمبتدعة وأهل الأهواء إلا بمتابعة العقل، وترك موافقة النقل. والحديث نص على المسح المشروع
هو مسح ظاهر الخف أى أعلاه دون باطنه أى أسفله (رواه أبو داود) بإسناد حسن ، قاله الحافظ فى بلوغ المرام.
وقال فى التلخيص : إسناده صحيح (والدارمى) جار ومجرور خبر مقدم مبتدأه (معناه) أى معنى هذا الحديث دون لفظه.
وأعلم أن الأحاديث المذكورة فى الباب ليس فيها تعرض للقدر المجزئى من المسح ، دعم قد روى عن على رضى الله عنه
أنه رأى رسول الله مرضم يمسح على ظاهر الخف خطوطا بالأصابع. قال النووى فى شرح المهذب: إنه حديث ضعيف
وروى عن جابر أنه تَّم أرى بعض من عامه المسح أن يمسح بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة ، وفرج بين
أصابعه. أخرجه الطبرانى فى الأوسط ، وعزاه ابن الجوزى فى التحقيق إلى رواية ابن ماجه. قال الحافظ: هو فى
بعض نسخ ابن ماجه دون بعض. وقد استدركه المزى على ابن عساكر فى الأطراف، وإسناده ضعيف جدا - انتهى.
وقد عرفت من هذا أنه لم يرد فى الكيفية والكمية حديث يعتمد عليه إلا حديث على والمغيرة فى بيان محل المسح. قال
الأمير المانى: والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحا على لغة أجزأه - انتهى.
(باب التيمم) قال الله تعالى ﴿إن كنتم مرضى، أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لا مستم النساء،
إ تجدوا ماء، فتيمموا صعيدا طيا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، ما يريد الله ليجعل عليكم (فى الدين) من حرج،
ولكن يريد ليطهركم - ٥: ٦) الآية. والتيمم فى اللغة القصد، وفى الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه
واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها. وهو من خصائص هذه الأمة نصا وإجماعا. واختلف هل التيمم عزيمة أو
رخصة؟ وفصل بعضهم، فقال: هو لعدم الماء عزيمة، وللعذر رخصة. قال الشاه ولى الله: لما كان من سنة الله فى
شرائعه أن يسهل عليهم كل ما لا يستطيعونه وكان أحق أنواع التيسير أن يسقط ما فيه حرج إلى بدل لتطمئن نفوسهم،
ولا تختلف الخواطر عليهم بإعمال ما التزموه غاية الالتزام مرة واحدة ولا بألفواترك الطهارات أسقط الوضوء والغسل
٢٢١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
الفصل الأول ).
٥٢٨ - (١) عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه وزيع: فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا
كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ،
فى المرض والسفر إلى التيمم ، ولما كان ذلك كذلك نزل القضاء فى الملأ الأعلى بإمامة التيمم مقام الوضوء والغسل،
وحصل له وجود تشبيهى أنه طهارة من الطهارات ، وهذا القضاء أحد الأمور العظام التى تميزت به الملة المصطفوية من
سائر الملل، وهو قوله وزيع: جعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء. قال: إنما خص الأرض لأنها لا تكاد تفقد ،
فى أحق ما يرفع به الحرج، ولأنها طهور فى بعض الأشياء كالخف والسيف بدلا عن الغسل بالماء، ولأن فيه بذللا
بمنزلة تعغير الوجه فى التراب، وهو يناسب طلب العفو، وإنما لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء، ولم يشرع التمرغ لأن
من حق ما لا يعقل معناه بادى الرأى أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار، فإنه هو الذى اطمأنت نفوسهم به فى هذا
الباب، ولأن التمرغ فيه بعض الحرج فلا يصلح رائعا الحرج بالكلية. وفى معنى المرض البرد الضار لحديث عمرو بن
العاص، والسفر ليس بقيد، إنما هو صورة لعدم وجدان الماء يتبادر إلى الذهن. وإنما لم يؤمر بمسح الرجل بالتراب
لأن الرجل محل الأوساخ، وإنما يؤمر بما ليس حاصلا ليحصل التنبه - انتهى. وقد يظن من لا يفقه أغراض الشريعة
الإسلامية أن التراب قد يكون ملوثا بالميكروبات الضارة أى جراثيم الأمراض، فمسح الوجه به ضرر لا نفع فيه.
والذى يقول لم يفهم معنى التيمم ، ولم يدرك الغرض منه لأن الشارع قد اشترط أن يكون التراب طاهرا نظيفا، ولم
يشترط أن يأخذ التراب ويضعه على وجهه، بل المفروض هو أن يأتى بكيفية خاصة تيح له العبادة الموقوفة على الوضوء
والغسل. كذا فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.
٥٢٨ - قوله (قال رسول اللّه مربع) متحدثا بنعمة الله ومبينا لأحكام شرعه (فضلنا على الناس) بصيغة المجهول
مشددا أى فضلنا الله على جميع الأمم السالفة، وحذف الفاعل العلم (بثلاث) أى بثلاث خصال لم تكن لهم واحدة منها ،
ومفهوم العدد غیر مراد ، لأنه قد ثبت أنه فضل بأ کثر من ذلك. وقيل: کان تنزل عليه گٹے خصائص أمته شيئا
حيها، فيخبر عن كل ما نزل عليه عند إنزاله بما يناسبه. وقد عد السيوطى خصائص التى تؤثّ، وفيها خصائص أمته
أيضا فى ((خصائصه الكبرى)) زيادة عن المائتين، وهذا إجمال، فصله قوله: (جعلت صفوفنا) أى وقوفنا فى الصلاة
(كيفوف الملائكة) أى فى الطاعة، أو فى الصلاة ، وهى أنهم يتمون المقدم، ثم الذى يليه من الصفوف، ثم يراصون
الصفوف، كما ورد التصريح بذلك فى سنن أبي داود وغيره، بخلاف الأمم الماضية، فإنهم كانوا يقفون فى الصلاة كيف
ما اتفق (مسجدا) أى موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، وهذه لم تكن لغير أمته { 8} كما صرح
جفى رواية عمرو بن شعيب عند أحمد: وكان من قبلى إنما يصلون فى كنائسهم. وفى رواية ابن عباس عند البزار:
٢٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء.
ولم يكن أحد من الأنبياء يصلى حتى يبلغ محرابه (وجعلت تربتها) أى ترابها كما فى حديث على عند أحمد والبيهقى. والتراب
أعم من أن يكون سبخاء أو غيره لأن المدينة سبخة، وقد كانوا يتيممون منها (لنا طهورا) أى مطهرا. فيه دليل على أن
التراب يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما فى الطهورية (إذا لم نجد الماء) هذا القيد قرآنى معتبر فى الأحاديث المطلقة.
واستدل بالحديث على أن التراب متعين التيمم دون بقية الجامدات من أجزاء الأرض كالحجر، والكحل، والزرنيخ،
والجص ، والنورة، والاتمد، والمرجان، والآجر، والملح معدنيا كان أو مائيا، وكالحديد والنحاس والصفر والذهب
والفضة، ونحوها مما يذاب بالنار متميزا عن التراب. قال الحافظ: دل الافتراق فى اللفظ حيث حصل التأكيد فى جعلها
مسجدا دون الآخر على الافتراق فى الحكم، أى بتعين التراب للتيمم دون السجود، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقا
كما وقع فى حديث جابر عند الشيخين بلفظ: وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا - انتهى. وقال الشوكانى فى السيل
الجرار: ومما يعين التراب ويقيد أنه المراد أن جماعة من أهل اللغة كصاحب القاموس وغيره فسروا الصعيد بالتراب،
وما صعد على وجه الأرض، فجعلوا التراب أحد معنى الصعيد، فالروايات المصرحة بالتراب هى معينة لأحد معنى الصعيد
انتهى. وقال العلامة القنوجى فى تفسير سورة النساء من فتح البيان (ج ٢: ص ٢٢٨) بعد ذكر حديث حذيفة هذا
ما لفظه: فهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور فى الآية ، أو مخصص لعمومه، أو مقيد لإطلاقه. ويؤيد هذا ما حكاه ابن
فارس عن كتاب الخليل: تيمم بالصعيد أى خذ من غباره - انتهى. والحجر الصلد لا غبار عليه. قلت: ويقوى كون
المراد التراب قوله تعالى فى المائدة ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه - ٥: ٦) وذلك أن كلمة ((من)) للتبعيض كما قال فى
الكشاف حيث قال: إنه لا يفهم أحد من العرب قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن التراب، إلا معنى التبعيض والتبعيض
لا يتحقق إلا فى المسح بالتراب لا من الحجارة ونحوها. وأيضا التنصيص على التراب فى الأحاديث يدل على أن ذلك
البعض هو التراب. قال الشوكانى فى السيل الجرار: ولا يعارض هذا تيممه مؤلّم من الحائط، فإنه لم يرو أنه كان
معموراً من الحجر، بل الظاهر أنه معمور بالطين ، وإذا كان كذلك فالضرب فيه لا يبعد أن يعلق باليد من تربته ما له
أثر يمسح به. وقد أخرج الشافى أنه حته أى الحائط الذى تيمم منه، وقد أخرج هذه الزيادة البيهقى من طريق
الشافعى ، ثم قال وفى إسنادها يعنى هذه الزيادة إبراهيم بن أبى يحى شيخ الشافى، عن أبى الحويرث - وهو متكلم
فيهما - عن الأعرج، عن أبى الصمة، وهو يعنى الأعرج لم يسمع منه - انتهى. قلت: ويتحق بالتراب الرمل،
فيجوز التيعم به أيضا كالتراب. قال ابن القيم فى زاد المعاد (ج ١، ص ٥١): صح عنه مرَّم أنه قال: حيثما أدركت
رجلا من أمتى الصلاة، فعنده مسجده وطهوره. وهذا نص صريح فى أن من أدر كته الصلاة فى الرمل له طهور . ولما
سافر هو وأصحابه فى غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال فى طريقهم، وماهم فى غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب
ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن فى المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره.
٢٢٣

مرعاة المفاتيح. ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
رواه مسلم.
٥٢٩ - (٢) وعن عمران، قال: كنا فى سفر مع النبى مؤلّ، فصلى بالناس ، فلما انقتل من صلاته،
إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان أن تصلى مع القوم؟ قال:
أصابتنى جنابة ، ولا ما .. قال: عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك. متفق عليه.
٥٣٠ - (٣) وعن عمار، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إنى أجنبت، فلم أصب الماء.
ومن تدبر هذا قطع بأنه كان تيمم بالرمل - انتهى. هذا والخصلة الثالثة مهمة، وقد بينها ابن خزيمة والنسائى وهى:
وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، يشير إلى ما حطه الله عن أمته من الإصر وتحميل ما
لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان (رواه مسلم) وأخرجه أيضا ابن خزيمة والنسائى.
٥٢٩ - قوله (كنا فى سفر) أى عند رجوعهم من خيبر، أو فى الحديبية، أو فى طريق مكة، أو بطريق تبوك
(فصلى بالناس) أى إماما لهم (فظا انقتل) أى انصرف وفرغ (إذا هو) أى النبي ◌َّم، وهو مبتدأ خبره قوله:
(برجل) لم يسم، وقيل: هو خلاد بن رافع أخو رفاعة، ولكن وهموا قائله (معتزل) أى منفرد عن القوم، خارج من
بينهم، واقف فى ناحية. والجملة جواب لما ، أى فلما انقتل فاجأه رؤية رجل معتزل غير مصل (ولا ماء) موجود بالكلية.
وماء بفتح الهمزة، ويحتمل أن تكون لاههنا بمعنى ليس، فيرتفع الماء حينئذ، ويكون المعنى ليس ماء عندى (عليك بالصعيد)
اسم فعل بمعنى خذ والزم ، والباء زائدة، واللام للعهد المذكور فى الآية (فإنه) أى الصعيد (يكفيك) أى لصحة الصلاة ،
ويجزئك عن الماء عند عدمه. والحديث نص فى جواز التيمم للجنب، وهو مجمع عليه، لم يخالف فيه أحد من الخلف ولا من السلف
إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وحكى مثله عن إبراهيم النخعى من عدم جوازه للجنب. وقيل:
إن عمر وعبد الله رجعا عن ذلك، وقد جاءت فى جوازه للجنب الأحاديث الصحيحة. واستدل بالحديث على كون
التيم طهارة مطلقة. قال الحافظ: احتج البخارى لعدم وجوب التيمم لكل صلاة بعموم قوله مزّ: عليك بالصعيد،
فإنه يكفيك. قال: وهذه المسئلة وافق فيها البخارى الكوفيين والجمهور - انتهى. قلت: وهو الراجح عندى (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى التيمم ، وفى علامات النبوة، ومسلم فى الصلاة مطولاً، وأخرجه أيضا النسائى فى الطهارة مختصرا.
٥٣٠ - قوله (وعن عمار) فیه: أن الذى وقع فى الصحیحین وغيرهما أن عبد الرحمن بن أبزی هو الذی روی
أول القصة، أعنى قوله: جاء رجل إلى عمربن الخطاب. فقال: إنى أجنبت، فلم أصب الماء. فهذا القدر إنما هو من رواية
عبد الرحمن دون عمار ، فالصواب أن يقول المصنف: عن عبد الرحمن بن أبزى بدل عن عمار ، ويدل على ما قلنا قوله :
فقال عمار لعمر (جاء رجل) لم يسم (إنى أجنبت) أى صرت جنبا (ظم أصب الماء) من الإصابة أى لم أجده ، فقال
٢٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا فى سفر أنا وأنت؟ فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتسكت
فصليت، فذكرت ذلك للنبي مُِّ، فقال: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبى مؤثر بكفيه الأرض،
ونفخ فيهما. ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
عمر: لا تصل حتى تجد الماء (فى سفر) ولمسلم: فى سرية، وزاد: فأجنبنا (أنا وأنت) تأكيد وبيان لضمير كنا ، فالمعنى
فأجنبنا كلنا (فأما أنت فلم تصل) لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أن التيمم إنما هو عن
الحدث الأصغر لا الأكبر، وهذا هو الأظهر، وقاس عمار الحدث الأكبر على الأصغر (فتمعكت) أى تمرغت وتقلبت
فى التراب، كأنه ظن أن إيصال التراب إلى جميع الأعضاء واجب فى تيمم الجنابة كإيصال الماء فى غسلها. وبه يظهر أن
المجتهد يخطئى ويصيب (فذكرت ذلك) أى ما ذكر من امتناع عمر عن الصلاة وتمعكى فى التراب (إنما كان يكفيك هكذا)
مجمل تفسيره (فضرب النبي ◌َّ بكفيه الأرض) فيه أن تعليمه ومؤالله العمار كيفية تتيمم كان بالفعل، والرواية الآتية تدل على أنه
كان بالقول. قال القارى: والجمع بين الحديثين: أنه عليه الصلاة والسلام جمع فى التعليم بين القول والفعل تأكيدا
للإعلام وتنيها على الاهتمام (ونفخ فيهما) يحتمل أن يكون النفخ لشئى علق يده خشى أن يصيب وجهه الكريم، أو علق
يده من التراب شئى له كثرة، فأراد تخفيفه لثلا يبقى له أثر فى وجهه (ثم مسح بهما وجهه وكفيه) أى ظاهرهما.
والحديث فيه دليل على أنه يكنى فى التيمم ضربة واحدة، ويكفى فى اليدين مسح الكفين، وأن الآية محملة بينها النبي مرؤلية
بالاقتصار على الكفين. والاكتفاء بالضربة الواحدة، وبمسح الراحتين وظاهر الكفين، هو مذهب جمهور العلماء،
وأهل الحديث عملا بحديث عمار هذا، فإنه أصح حديث فى الباب، كما أقر به النور بشتىء الخطابى وابن دقيق العيد وغيرهم
قال الشيخ عبد الحى اللكنوى: أقول: الأقوال فيه من حيث الدليل هو الاكتفاء بمسح اليدين إلى الرسغين لما ثبت فى
روايات حديث عمار الصحيحة: أن النبى يُؤتقع عليه كيفية التيمم حين بلغه تمعكه فى التراب، واكتفى فيه على مسح الوجه
والكفين - انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: وما أحسن ما قال! إن الأحاديث الواردة فى التيمم لم يصح منها سوى حديث
أبى جهيم، وعمار. وما عداهما، فضعيف أو مختلف فى رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه. فأما حديث أبى جهيم فورد
بذكر اليدين محملا ، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين فى الصحيحين ، وبذكر المرفقين فى السنن، وفى رواية إلى
نصف الذراع، وفى رواية إلى الآباط. فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع، ففيهما مقال، وأما رواية الآباط
أى الآتية فى الفصل الثالث، فقال الشافعى وغيره: إن كان ذلكِ وقع بأمر النبي ◌َّ، فكل تيمم صح النبيِ مَّه بعده
فهو ناسخ له، وإن كان بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوى رواية الصحيحين فى الاقتصار على الوجه والكفين
كون عمار يفتى بعد النبى معَّ بذلك، وراوى الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابى المجتهد - انتهى.
٢٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
رواه البخارى.
ولمسلم نحوه، وفيه: قال: إنما يكفيك أن تضرب يديك الأرض، ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك.
وقال الشوكانى فى السيل الجرار: إن جميع الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا ضربة واحدة الوجه والكفين فقط . وجميع
ما ورد فى الضربتين أوكون المسح إلى المرفقين لا يخلو عن ضعف يسقط به عن درجة الاعتبار، ولا يصلح للعمل عليه، حتى
يقال: إنه مشتمل على زيادة، والزيادة يجب قبولها، فالواجب الاقتصار على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة - انتهى. قال ابن
رشد فى البداية: إن الصواب هو أن يعتقد أن الفرض إنما هو الكفان فقط، وذلك أن اسم اليد لا يخلو أن يكون فى
الكف أظهر منه فى سائر الأجزاء، أو يكون دلالته على سائر أجزاء الذراع والعضد بالسواء، فإن كان أظهر فيجب
المصير إليه على ما يجب المصير إلى الأخذ بالظاهر ، وإن لم يكن أظهر، فيجب المصير إلى الأخذ بالأثر الثابت، فأما أن
يغلب القياس ههنا على الأثر فلا معنى له ، ولا أن ترجيح به أيضا أحاديث لم تثبت بعد ، فالقول فى هذه المسئلة بين من
الكتاب والسنة - انتهى. وفى الحديث أن مسح الوجه واليدين بدل فى الجنابة عن كل البدن، وإنما لم يأمر عمارا
بالإعادة لأنه عمل أكثر مما كان يجب عليه فى التيمم (رواه البخارى) أى بهذا اللفظ فى «باب هل ينفخ فى يديه بعد ما
يضرب بهما الصعيد للنيمم، وأخرجه أيضا مسلم كما ذكره المصنف والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه بألفاظ
مطولا ومختصرا.
قوله (إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ) إلخ. فيه رد صريح على من أجاب عن رواية عمار المتقدمة
بأن تعليمه له وقع بالفعل ، وقد ورد فى الأحاديث القولية المسح إلى المرفقين ، ومن المعلوم أن القول مقدم على الفعل .
ووجه الرد أن رواية مسلم هذه تدل صريحا على أن التعليم وقع بالقول أيضا، كما يدل على ذلك ما وقع فى رواية للبخارى:
يكفيك الوجه والكفان. وقد تفوه بعض أهل الأهواء أن قوله: يكفيك الوجه والكفان ، لعله رواية بالمعنى ، وحكاية
للفعل بالقول ، وإنما كان أشار إليه كما فى الرواية المارة: إنما كان يكفيك هكذا، وكانت تلك إشارة إلى المعهود. وقال
تلميذه الذى لا يتحاشى مثل شيخه عن استطالة اللسان على فقهاء أصحاب الحديث وإساءة الأدب فى شأنهم نصرة لقول
هذا البعض، والقرينة على أن الأصل فى روايته هو التعليم بالاشارة، وأن التعليم بالقول رواية بالمعنى، ما عنه عند البخارى:
فقال النبىِ مَ ◌ّهِ: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ◌ُ ◌ّم بكفيه الأرض، إلخ. ففيه ذكر التعليم القولى مع فعله مريضة.
بالكفين ، فلما كان ذكر الكفين جری فی ذیل فعله ، وكان بيانا لقوله أخذه بعض الرواة فى بيان القول ، ثم رفعه - انتهى
قلت: من عادة هؤلاء المشغوفين بآراء الرجال والأقيسة والأهواء أنهم إذا رأوا حديثا مرفوعا صحيحا مخالفا لقول إمامهم
اشمأزوا منه ، واخترعوا لرده تأويلات متبجحين بها ، فتارة يجعلونه منسوخا ، وأخرى رواية بالمعنى ، وتارة يحاولون
٢٢٦

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
٥٣١ - (٤) وعن أبى الجهيم بن الحارث بن الصمة، قال: مررت على النبى مَلَّم وهو يبول،
فسلمت عليه، فلم يرد على حتى قام إلى جدار، فته بعصا كانت معه ، بم وضع يديه على الجدار،
تضعيفه، وأخرى ينسبون إلى الصحابى عدم فهم خطاب النبى مَّه ، ونحو ذلك من الوجوه الباطلة التى هى تحريفات
معنوية الحديث الصحيح. وعندنا لا تخالف بين هذه الروايات، فقد جمع النبي مَ ◌ّم فى تعليمه لعمار كيفية التيمم بين
الإشارة والقول والفعل، مبالغة فى الإعلام، كما أقر به القارى، والشيخ اللكنوى. فالظاهر أنه أشار مؤيّ أولا، ثم فسر
إشارته بفعله، وعلى مع ذلك بالقول أيضا. وأما رواية البخارى هذه فالأظهر أن الراوى اكتفى فيها بذكر التعليم بالإشارة والفعل
دون القول فلا دلالة فيها على أن الرواية الأخرى التى فيها ذكر القول رواية بالمعنى، فإنها تحمل على أن الراوى اقتصر مرة
على ذكر الإشارة والفعل ، وأخرى على ذكر القول ، ولا بعد فيه عند من له خبرة واطلاع على الأحاديث. وأما من
أعمى الله قلبه وبصيرته فهو معذور. هذا، وقد أجاب القائلون بمسح اليدين إلى المرفقين وتعدد الضربة عن حديث
حمار هذا بوجوه أخرى كلها واهية، قد ردها وأبطلها شيخنا فى شرح الترمذى (ج ١: ص ١٣٤، ١٣٥) فارجع إليه
تقف على ما فعللوا به لرد هذا الحديث الصحيح من الأغذار الباردة، وتعتبر. وقد استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه
بأحاديث لا تصلح للاحتجاج لما لا يخلو واحد منها من المقال كما تقدم إليه الإشارة فى كلام الحافظ . واحتجوا أيضا
بآثار الصحابة، وأنت تعلم أن الأثر لا يقاوم الحديث المرفوع. وقد ذكر شيخنا فى شرح الترمذى وفى أبكار
المنن (ص ٦٣ - ٦٥) أحاديث الضربتين، وبين ما فيها من الكلام ، فعليك أن تراجعهما .
٥٣١ - قوله (وعن أبى الجهيم) بضم الجيم وفتح الهاء وسكون الياء (بن الحارث بن الصمة) بكسر الصاد المهملة
وتشديد الميم، ابن عمرو الأنصارى الخزرجى ابن أخت أبي بن كعب، صحابى معروف، بقى إلى خلافة معاوية. واختلف
فى اسمه، فقيل: هو عبد الله بن الحارث بن الصمة. وقيل: هو عبد الله بن جهيم بن الحازاث بن الصمة، نسب إلى جده. وقيل:
إنه الحارث بن الصمة. ولفظ ((ابن)، بين أبى الجهيم والحارث غاط. وقيل: الحارث بن الصمة رجل آخر غير أبى الجهيم.
ولأنى الجهيم حديثان فى الصحيحين، أحدهما فى التيمم على الجدار، والثانى فى الماربين يدى المصلى. وسيأتى فى باب السترة.
وقال ابن الأثير، وابن عبدالبر: راوى حديث التيمم غير راوى حديث المرور، فالأول هو أبو الجهيم بن الحارث بن الصمة، والثانى
أبو الجهيم عبدالله بن الجهيم الأنصارى، وجعلهما ابن مندة وأبونعيم والحافظ واحدا. وأبو الجهيم راوى حديث التيمم وحديث
المرورغير أبى الجهم صاحب الأنبجانية المذكور فى حديث عائشة الآتى فى باب الستر، واسمه عامر بن حذيفة (فحته) بالتاء
الفوقية أى خدشه حتى يحصل منه التراب. وفيه دليل على أنه لا بد فى التيمم من التراب. وقيل: حته لتحصيل التراب
قصدا إلى الأفضل، وهو محمول على أنه كان جدارا مباحا أو مملوكا لإنسان يعرف رضاه (ثم وضع يديه على الجدار)
٢٢٧

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد على. ولم أجد هذه الرواية فى ((الصحيحين)) ولا فى (( كتاب الحميدى))
ولكن ذكره فى ((شرح السنة)) وقال: هذا حديث حسن.
﴿ الفصل الثانى )
٥٣٢ - (٥) عن أبى ذر، قال: قال رسول اللّه مؤلّ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم
يجد الماء عشر سنين ،
فيه أنه يجزئ وضع اليدين فى التراب للتيمم، ولا يجب ضربة التراب. وفيه أن الضربة الواحدة كافية (فمسح وجهه
وذراعيه) الذراع - بكسر الذال ـ الساعد ومن طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. قال الحافظ: الثابت فى حديث
أبى جهيم بلفظ: يديه، لا ذراعيه فإنها رواية شاذة مع ما فى أبى الحويرث من الضعف - انتهى (ثم رد على) أى السلام،
فيه دليل على استحباب الطهارة لذكر الله (ولم أجد هذه الرواية) أى بهذا اللفظ، أى نقلت هذا الحديث هنا تبعا للصنف ولم أجده
(فى الصحيحين) وروايتهما مذكورة فى أول الفصل الثالث من هذا الباب (ولا فى كتاب الحميدى) أى الجمع بين الصحيحين
للحميدى، فالاعتراض وارد على صاحب المصابيح حيث ذكر هذا الحديث فى الصحاح الموضوع فى اصطلاحه لحديث
الشيخين أو أحدهما (ولكن ذكره) أى صاحب المصابيح (فى شرح السنة) من كتبه بإسناده من حديث الشافعى ، عن
إبراهيم بن محمد بن أبى يحى عن أبى الحويرث عن الأعرج عن أبى جهيم بن الصمة، فكأنه غفل عنه فى المصابيح (وقال: هذا
حديث حسن) قيل فى تحسينه نظر، لأن شيخ الشافعى إبراهيم بن محمد بن أبى يحمى قد ضعفه عامة المحدثين. وشيخ
شيخه أبالحويرث متكلم فيه، وأيضا هو منقطع لأن ما بين الأعرج وأبى جهيم، عمير كما فى رواية البخاري وغيره.
ونص عليه أيضا البيهقى وغيره كما تقدم فى كلام الشوكانى أنه أخرجه البيهقى من طريق الشافعى وتكلم فيه. قلت: أصل
الحديث متفق عليه، لكن ليس فى روايتهما ذكر الذراع، ولاحت الجدار بالعصا، ولا أنه سلم عليه وهو يبول، بل فيه:
أنه أقبل النبى مَُّ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه - الحديث. كما سيأتى فى الفصل الثالث.
٥٣٢ - قوله (الطيب) أى الطاهر (وضوء المسلم) بفتح الواو، أى طهوره، وأطلق عليه اسم الوضوء مجازا
لأن الغالب فى الطهور هو الوضوء، قاله السندى. وقال القارى: بفتح الواو لأن التراب بمنزلة الماء فى صحة الصلاة.
وقيل: بضم الواو، أى استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوضوء المسلم، فهو تشبيه بليغ، وعلى التقديرين يفيد أن
النيمم رافع للحدث، فيصلى بواحدما شاء من الفرائض والنوافل. قلت: وما يزيد ذلك أن الله تعالى جعل التيمم عوضنا
عن الماء عند عدمه، والأصل أنه قائم مقامه فى جميع أحكامه، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل، ويجوز لمن تطهر بالصعيد
الطيب ما يفعله المتطهر بالماء. قال الخطابي: يحتج بهذا الحديث من يرى أن التيمم أن يجمع بتيممه بين صلوات
ذوات عدد، وهو مذهب أصحاب الحديث - انتهى (وإن لم يجد الماء) إن وصلية (عشر سنين) المراد منه الكثرة
٢٢٨

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير. رواه أحمد، والترمذى، وأبو داود. وروى النسائى
نحوه إلى قوله : عشر سنين.
والمبالغة لا المدة المقدرة أى التحديد، والمعنى: أن له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن بلغت مدة عدم الماء
واتصلت إلى عشر سنين، وليس فى معنى: أن التيمم دفعة واحدة يكفيه لعشر سنين، قاله الخطابى. وفيه دلالة على أن
خروج الوقت غير ناقض للتيمم بل حكمه حكم الوضوء، وما صح عن ابن عمر: أنه تيمم لكل صلاة وإن لم يحدث.
محمول على الاستحباب. وفيه دليل على جواز التيمم لرفع الجنابة عند عدم الماء لأنه مث جعل الصعيد طهورا السلم ، كما
فى رواية الترمذى وغيره، وهو بعمومه يشمل الطهور من الحدثين الأصغر والأكبر معا لا طلاقه وعدم تقيده بأحدهما
قلت: ويؤيده أيضا سبب ورود الحديث كمافى رواية أحمد وأبى داود، وحاصله: أنه قال أبوذر: اجتويت المدينة، فأمرنى
رسول الله تَّ بايل، فكنت فيها، فأتيت رسول اللّه مَثّل، فقلت: هلك أبو ذر، قال ما حالك؟ قلت: أتعرض
الجنابة وليس قربى ماء. قال: الصعيد طهور، إلخ (فإذا وجد الماء) أى كافيا لفسله، أو وضوءه (فليمسه) بضم الياء
وكسر الميم من الامساس (بشرته) بفتحتين، ظاهر الجلد، أى فليوصل الماء إلى بشرته وجلده، يعنى فليتوضأً، أو ينتسل
(فإن ذلك) أى الاساس (خير) أى من الخيور، وليس معناه أن كليهما جائز عند وجود الماء، لكن الوضوء أو"
الغسل خير ، بل المراد أن الوضوء أو الغسل فرض عند وجود الماء، والخيرية لا ينافى الفرضية، ونظيره قوله تعالى:
﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراوأحسن مقيلا - ٢٤:٢٥﴾ ووقع فى رواية لأحمد (ج ٥: ص ١٤٦): فإذا وجدت
الما- فأمس بشرتك. وفى رواية لأبي داود: فأمس جلدك. وهذا أمر وهو الوجوب. واستدل بقوله: فإذا وجد الماء فليمس
بشرته. على وجوب الإعادة على من وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة. قال الشوكانى: وهو استدلال صحيح، لأن هذا
الحديث مطلق فيمن وجده بعد الوقت، ومن وجده قبل خروجه ، وحال الصلاة ، وبعدها. وحديث أبى سعيد الآتى مقيد
بمن وجد الماء فى الوقت بعد الفراغ من الصلاة ، فتخرج هذه الصورة بحديث أبي سعيد وتبقى صورة وجود الماء قبل
الدخول فى الصلاة بعد فعل التيسم ، وبعد الدخول فى الصلاة قبل الفراغ منها ، داخلتين تحت إطلاق الحديث
(رواه أحمد) (ج ٥: ص ١٨، ١٤٦، ١٥٥) (والترمذى) وقال هذا حديث حسن صحيح (وأبو داود) وسكت عنه،
ونقل المنذرى تصحيح الترمذى، وأقره، وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١: ص ١٨٦، ١٨٧) والبيهقى (ج ١:
ص٢١٢، ٢٢٠) والدار قطنى (ص ٦٨) وابن حبان فى صحيحه، والأثرم، وصححه أيضا أبو حاتم والحاكم ووافقه
الذهبى على تصحي فى تلخيصه. وفى الباب عن أبى هريرة، أخرجه البزار، وصحه ابن القطان، لكن قال الدار قطنى فى
المثلى: إرساله أصح. وعن عمران بن حصين، وهو الحديث الثانى من الفصل الأول.
٢٢٩

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
٥٣٣ - (٦) وعن جابر، قال: خرجنا فى سفر، فأصاب رجلا منا حجر، فشجه فى رأسه، فاحتلم،
فسأل أصحابه : هل تجدون لى رخصة فى التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء.
فاغتسل فات. فلما قدمنا على النبى معَّ أخبر بذلك. قال: قتلوه، قتلهم اللّه، ألا سألوا إذ لم
يعلموا! فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح
عليها ، ويغسل سائر جسده.
٥٣٣ - قوله (خرجنا فى سفر) قيل ((فى)) تعليلية أى خرجنا لإرادة سفر، وقيل: الجار والمجرور فى محل نصب على
أنه حال ، أى خرجنا مسافرين (فشجه فى رأسه) الشج كسر الرأس خاصة وجرحه، وقد يستعمل فى غيره ، وضير
المفعول الرجل ، وذكر الرأس لزيادة التأكيد، فإن الشج هو كسر الرأس ، ففيه تجريد والمعنى: تجرحه فى رأسه
(وأنت تقدر على الماء) الجملة حال ، حملوا الوجدان على حقيقته، ولم يعدوا أن الوجدان عند الضرورة فى حكم الفقدان
(أخبر) بالبناء المجهول (قتلوه) أسند القتل إليهم لأنهم تسبيوا له بتكليفهم له باستعمال الماء مع وجود الجرح فى رأسه ليكون أدل
على الإنكار عليهم (قناهم الله) أى لعنهم، إنما قاله زجراوتهديدا. وفيه أن صاحب الخطأ الواضح غير معذور، لأنه عابهم
بالفتوى بغير علم، وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم، وجعلهم فى الاثم قتلة له (ألا سألوا) بفتح الهمزة وتشديد اللام
حرف تحضيض دخل على الماضى فأفاد التنديم (فإنما شفاء العى) بكسر العين وتشديد الياء هو التحير فى الكلام، وعدم
الضبط، كذا فى الصحاح. وفى النهاية ولسان العرب: العى بكسر العين الجهل، والمعنى: أن الجهل داء شفاءه السؤال والتعلم
(إنما كان يكفيه) أى الرجل المحتلم (أن يتيمم) أولا (ويعصب) بتشديد الصاد المكسورة، أى يشد (على جرحه)
بضم الجيم (خرقة) بكسر الخاء، أى حتى لا يصل الماء إلى الجرح (ثم يمسح عليها) أى على الخرقة بالماء. والحديث
دليل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر وعلى وجوب المسح على الجبائر، ومثله حديث على رضى الله عنه
قال: أمرنى رسول اللّه مؤقّ أن أمسح على الجبائر. أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف اتفق الحفاظ على ضعفه،
وصح عن ابن عمر: أنه مسح على الجبيرة، ويؤيد وجوب المسح أيضا ما قيل من أنه عضو تعذر غسله بالماء ،
فسح ما فوقه كشعر الرأس، وقياسا على مسح أعلى الخفين، وعلى العمامة. وهذا القياس يقوى النص.
ثم فى حديث جابر هذا دليل على أنه يجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة ، وغسل سائر الجسد بالماء، وهو
مشكل حيث جمع بين التيمم والغسل، ولم ير أحد الأمرين كافيا دون الآخر. وفيه مخالفة القياس، وهو الجمع
بين البدل والمبدل منه. فقيل: الحديث ضعيف لأن فى سنده زبير بن خريق، وهو لين الحديث، وقد تفرد برواية
الجمع بين التيمم والغسل، وهو مع كونه غير قوى فى الحديث، قد خالف الأوزاعى كما سيأتى، فرواية الجمع بين
٢٣٠

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
رواه أبو داود.
٥٣٤ - (٧) ورواه ابن ماجه ، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس.
التيمم والغسل ضعيفة لا تثبت بمثلها حكم شرعى وقيل: الواو فى قوله: ويعصب. بمعنى أو (رواه أبو داود) من طريق
زہیر بن خریق ،عنعطاءبن أبى رباحعن جابروسكتعنه، و صححه ابنالسکن. وقال ابن أبىداود: تفرد بهالزبير بنخریق. وكذا
قال الدار قطنى (ص ٧٠) قال: وليس بالقوى، وخالفه الأوزاعى، فرواه عن عطاء عن ابن عباس، وهو الصواب. ونقل ابن
السكن عن ابن أبى داود أن حديث الزبير بن خريق أصح من حديث الأوزاعى. قال: وهذا أمثل ما ورد فى المسح على الجيرة. وقال
البيهقى فى المعرفة : هذا الحديث يعنى حديث زبير بن خريق ، عن عطاء عن جابر أصح ما روى فى هذا الباب مع اختلاف
فى إسناده قد بيناه فى كتاب السنن - انتهى. قال الدار قطنى: واختلف فيه أى فى حديث الأوزاعى عن عطاء عن ابن عباس، على
الأوزاعى، فقيل: عنه عن عطاء. وقيل: بلغنى عن عطاء، وأرسل الأوزاعى آخره، فقال: عن عطاء، عن النبيِ مَّهِ.
وهو الصواب. قلت: هى رواية ابن ماجه، والدارمى. واختلف فى أن الأوزاعى سمع هذا الحديث عن عطاء، فقال أبو حاتم
وأبو زرعة: لم يسمعه الأوزاعى من عطاء، إنما سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء، بین ذلك ابن أبى العشرين فى روايته عن
الأوزاعى، ورواه الحاكم فى المستدرك (ج ١: ص ١٢٨) من حديث بشر بن بكر، عن الأوزاعى: حدثنا عطاء بن
أبى رباح ، عن ابن عباس به. قال الحاكم: وقد رواه الهقل بن زياد، وهو من أثبت أصحاب الأوزاعى ، ولم يذكر
سماع الأوزاعى من عطاء - انتهى. ونقل العلامة أبو الطيب فى التعليق المغنى (ص ٧٠) عن الحاكم أنه قال بعد رواية
الحديث من طريق بشر بن بكر بتصريح سماع الأوزاعى من عطاء ما لفظه: بشر بن بكر ثقة مأمون ، وقد أقام إسناده،
وهو صحيح على شرطهما - انتهى. قلت: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون الأوزاعى سمعه من عطاء بلا واسطة،
ثم سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء أو بالعكس، والله اعلم. وحديث جابر أخرجه أيضا الدار قطنى والبيهقى.
٥٣٤ - قوله (ورواه ابن ماجه) من طريق الأوزاعى (عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس) وكذا أبوداود
أخرجه من طريق الأوزاعى لكن بلاغا عن عطاء عن ابن عباس عقيب رواية عطاء عن جابر ، ولعل وجه التخصيص
بتخريج ابن ماجه أن رواية أبى داود عن ابن عباس مختصرة ليس فيها ما أرسله الأوزاعى بآخره، وهو قوله: قال عطاء:
وبلغنا أن رسول اللّه تَّم قال: لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح. وحديث ابن عباس أخرجه أيضا أحمد
والدار قطنى ، والحاكم والبيهقى، لكن لم يقع فى رواية عطاء هذه عن ابن عباس ذكر التيمم فيه، فثبت أن الزبير بن خريق
تفرد بسياقه، نبه على ذلك ابن القطان. قال الحافظ لكن روى ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (ج ١: ص ١٦٥)
من حديث الوليد بن عبيد الله بن أبى رباح، عن عمه عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: أن رجلا أجنب فى شتاء، فسألِ،
فأمر بالغسل، فمات، فذكر ذلك للنبي ◌َضع، فقال: ما لهم قتلوه قتلهم الله، ثلاثا، قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهورا.
٢٣١
عدد

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
٥٣٥ - (٨) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: خرج رجلان فى سفر، حضرت الصلاة وليس معهما
ماء، فتيما صعيدا طيبا، فصليا، ثم وجدا الماء فى الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء، ولم يعد
الآخر. ثم أتيا رسول الله مثله، فذكر ذلك. فقال الذى لم يعد : أصبت السنة، أجزأتك
صلاتك. وقال للذى توضأ وأعاد :
قال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ: والوليد بن عبيد الله ضعفه الدارقطنى، وقواه من صح
حديثه هذا ، وله شاهد ضعيف جدا من رواية عطية عن أبى سعيد الخدرى رواه الدار قطنى ولم يقع فى رواية ابن أخى
عطاء أيضا ذكر المسح على الجبيرة، فهو من إفراد الزبير بن خريق - انتهى. وعطاء بن أبي رباح - بفتح الراء والموحدة -
واسم أبى رباح أسلم، القرشى مولاهم، أبو محمد المكن، ثقة، فقيه، فاضل، لكنه كثير الإرسال. قال ابن سعد : كان
من مولدى الجند، ونشأ بمكة، وهو مولى لبنى فهر أو الجمح، وانتهت إليه فتوى أهل مكة وإلى مجاهد فى زمانهما .
وأكثر ذلك إلى عطاء، سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج ، ثم عمى بعد ،
وكان ثقة نتیها ، عاما ، کثیر الحديث. وذكر أبو داود العیوب المذكورة ، وزاد : وقطعت يده مع ابن الزیر ، وروى
عن ابن عباس: أنه قال: تجتمعون إلى يا أهل مكة! وعند كم عطاء. وكذا روى عن ابن عمر. وقال أبو حنيفة: ما
رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء. وقال الأوزاعى: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس.
مات سنة (١١٥) وقيل (١١٤) وله ثمان وثمانون سنة، وفضائله كثيرة، بسط ترجمته الحافظ فى تهذيب
التهذيب (ج ٧: ص ١٩٩ - ٢٠٣) وقال الذهبي فى التذكرة (ج ١: ص ٨٦): مناقب عطاء فى العلم والزهد والتأله
كثيرة. مات على الأصح فى رمضان سنة (١١٤) وقيل (١١٥) بمكة .
٥٣٥ - قوله (فحضرت الصلاة) أى حان وقتها (فنيمما صعيدا) أى قصداه على الوجه المخصوص ، فالمراد به
المعنى اللغوى، أوفتيمما بالصعيد، على نزع الخافض، وأريد به المعنى الشرعى (م وجدا الماء فى الوقت) أى فى وقت الصلاة
التى صلياها، وفيه رد على من تأول الحديث بأنهما وجدا الماء بعد الوقت (فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء) إما ظنا بأن
الأولى باطلة، أو احتياطا (ولم يعد الآخر) على ظن أن تلك الصلاة صحيحة (فذكرا ذلك) أى ما وقع لهما
(أصبت السنة) أى الطريقة الشرعية الثابتة بالسنة، يعنى وافقت الحكم المشروع، وهذا تصويب لاجتهاده وتخطئة
لاجتهاد الآخر (وأجر أتك صلاتك) أى كفتك عن القضاء. والاجزاء عبارة عن كون الفعل مسقطا للإعادة. قال
القارى: وهو تفسير لما سبق، أى لأنها وقعت فى وقتها. والماء مفقود، فالواجب التراب (وأعاد) أى الصلاة فى الوقت
٢٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
لك الأجر مرتين. رواه أبو داود، والدارمى. وروى النسائى نحوه.
٥٣٦ - (٩) وقد روى هو وأبو داود أيضا عن عطاء بن يسار مرسلا.
(لك الأجر مرتين) أجر الصلاة بالتراب، وأجر الصلاة بالماء ، فإن كلا منهما صحيحة تترتب عليها مثوبة، لكون الله
لا يضيع عمل عامل. وفيه أن الخطأ فى الاجتهاد لا ينافى الأجر فى العمل المبنى عليه. والظاهر ثبوت الأجر له، ولمن
تبعه على وجه يصح، ولا يستلزم ثبوت الأجر له أصابته، فإن النبى مؤ تم قد أثبت لمن أخطأ فى اجتهاده أجراكما فى
الصحيحين وغيرهما ، فهذا الذى أعاد الصلاة بالوضوء قد أخطأ فى اجتهاده، وثبت له الأجر كما ثبت للحاكم المخطئ فى
اجتهاده. وفى الحديث من الفقه: أن السنة تعجيل الصلاة التيمم فى أول وقتها كهو التطهر بالماء، فلا يجب الطلب
والتلوم له، أى الإنتظار. وفيه أيضاً أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة لا يجب عليه الاعادة
(رواه أبو داود والدارمى) أى مسندا بذكر أبى سعيد، وأخرجه أيضا الدار قطنى والحاكم (ج ١: ص ١٢٨) وصححه
على شرط الشيخين (وروى النسائى نحوه) أيضًا.
٥٣٦ - قوله (وقد روى هو) أى النسائى (وأبو داود أيضا عن عطاء بن يسار مرسلا) قال الدار قطنى: تفرد
به عبد الله بن نافع عن الليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد موصولا، وخالفه ابن المبارك، فأرسله،
وكذا قال الطبرانى فى الأوسط: لم يروه متصلا إلا ابن نافع. وقال أبو داود: رواه غير ابن نافع، عن الليث، عن عميرة بن
أبى ناجية، عن بكر عن عطاء مرسلا. قال: وذكر أبى سعيد فيه ليس بمحفوظ. قال الحافظ : لكن هذه الرواية رواها
ابن السكن فى صحيحه من طريق أبى الوليد الطيالسى، عن الليث، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبى ناجية جميعا، عن
بكر موصولا. قال أبو داود: ورواه ابن لهيعة عن بكر فزاد بين عطاء وأبى سعيد أبا عبد الله مولى إسماعيل بن
عبيد الله - انتهى. وابن لهيعة ضعيف، فلا يلتفت لزيادته، ولا يعل بها رواية الثقة عمرو بن الحارث ومعه عميرة بن
أبی ناجية ، وقد وثقه النسائى، وابن حبان، ویحیی بن بکیر، وأثنى عليه أحمد بن صالح، و ابن يونس، وأحمد بنسعيد بن
أبى مريم. وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه اسحاق بن راهويه فى مسنده. وعطاء بن يسار يكنى أبا محمد الهلالى
المدنى مولى ميمونة زوج النبي وم ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعادة، من صغار الطبقة الوسطى من التابعين. وقال
المصنف: كان من التابعين المشهورين بالمدينة، كان كثير الرواية عن ابن عباس. مات بالإسكندرية سنة (٩٤)
وقيل سنة (٩٧) وقيل (١٠٣) وقيل (١٠٤) وهو ابن (٨٤) سنة.
٢٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣- كتاب الطهارة
١٠ - باب التيمم
( الفصل الثالث ):
٥٣٧ - (١٠) عن أبى الجهيم بن الحارث بن الصمة، قال: أقبل النبى رفيع من نحو بئر جمل، فلقيه
رجل، فسلم عليه فلم يرد النبي ◌ُؤثّ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام.
متفق عليه.
٥٣٨ - (١١) وعن عمار بن ياسر، أنه كان يحدث: أنهم تمسحوا وهم مع رسول اللّه مَه بالصعيد
لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة ، ثم عادوا ، فضربوا
بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم.
٥٣٧ - قوله (من نحو بتر جمل) بفتح الجيم والميم، أى من جهة الموضع الذى يعرف بذلك، وهو معروف
بالمدينة (فلقيه رجل) هو أبو الجهيم الراوى ، بينه الشافعى فى روايته لهذا الحديث من طريق أبي الحويرث ، عن
الأعرج، قاله الحافظ. قلت: أراد بذلك حديث أبى الجهيم السابق ففيه تصريح بذلك حيث قال: فسلمت عليه
(فلم يرد النبي ◌َّة) أى السلام عليه (حتى أقبل على الجدار) وفى رواية للدار قطنى: حتى وضع يده على الجدار.
واستدل بالحديث على جواز التيمم على الحجر، لأن حيطان المدينة مبنية بحجارة سود، وهى لا تحتمل التراب لأنه لا
يثبت عليها. قال القسطلانى أخذا عن الكرمانى: وأجيب بأن الغالب وجود الغبار على الجدار. قلت: لم يرو فى شتى
من الروايات أن الجدار الذى تيمم منه النبى يؤفقة كان معمورا من الحجر ، بل الظاهر أنه معمور من الطين، ولو سلم
كون الجدار من الحجر، فيحتمل أنه موافق تيمم بالطين الذى بين السافتين. وأيضا عدم كون التراب على الجدار غير
معلوم بل هو محتمل (فسح بوجهه ويديه) والدار قطنى من طريق أبي صالح عن الليث: فمسح بوجهه وذراعيه. قال
الحافظ : الثابت فى حديث أبى جهيم بلفظ «يديه)) لا ذراعيه، فإنها رواية شاذة ، مع ما فى أبى صالح من الضعف - انتهى.
وقد تقدم بقية الكلام على هذا الحديث فى باب مخالطة الجنب فتذكر (متفق عليه) أخرجه البخارى موصولا ، ومسلم
معلقا، وهو أحد الأحاديث المعلقة فيه. والحديث أخرجه أيضا النسائى والدار قطنى.
٥٣٨ - قوله (تمسحوا) أى تيمموا (وهم مع رسول اللّه مؤثر) جملة معترضة (بالصعيد) متعلق بتمسحوا
(لصلاة الفجر) أى لأدائها (فضربوا بأكفهم الصعيد) إلخ. بيان لتمسحوا (مرة أخرى) أى ضربة أخرى
(فسحوا بأيديهم) جمع اليد وهى مؤنثة، وهى من المنكب إلى أطراف الأصابع (إلى المناكب والآباط) بالمد جمع إبط
يذكر ويؤنث (من بطون أيديهم) متعلق بمسحوا أى مسجوا من بطون الأيدى لا من ظهورها. قال القارى: من للابتداء أى
٢٣٤

مرعاة المفاتيح. ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١١ - باب الغسل المسنون
رواه أبو داود.
(١١) باب الغسل المسنون
( الفصل الأول )
٥٣٩ - (١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل
ابتدأوا بالمسح من بطون الأيدى لا من ظهورها ، ويمكن أن يقال: المراد بالابتداء ابتداء آلة المسح لا ابتداء الممسوح .
انتهى. قال شيخ شيخ مشاتخنا الشهير فى الآفاق الشيخ محمد إسحاق المحدث الدهلوى: هذا قياس الصحابة فى أول الأمر
قبل بيان النبي ◌َّة، فلا بينه لهم علموا كيفية التيمم - انتهى. وقال إسحاق بن راهويه ما حاصله: أنه قال عمار: تيممنا
مع رسول اللّه مَّم إلى المناكب والآباط. وروى عنه، عن النبي مُؤَّ الوجه والكفين، وليس بينهما تخالف، لأن
عمارا لم يذكر أن التي تُؤثّ أمرهم بذلك، وإنما قال: فعلنا كذا وكذا، فتيممهم إلى المناكب والآباط لم يكن بأمر النبى مؤثّة
عظما سأل النبي ◌َّ أمره بالوجه والكفين، فانتهى إلى ما علمه رسول الله مَ ◌ّ. والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي مؤلّ.
بالوجه والكفين، فكان هو آخر الأمرين ، فالأول ما فهموا من إطلاق اليد فى الكتاب فى آية التيمم ، والثانى ما انتهوا
إليه بتعليم النبى مَتع ، فكان الثانى هو المعتبر والمعمول به (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا ابن ماجه وهو منقطع، فإن
عبد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمارا. وقد أخرجه النسائي وابن ماجه مختصرا من حديث عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، عن أبيه، عن عمار، موصولا. وأخرجه أبو داود أيضا وغيره من حديث الزهرى: حدثنى عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس عن عمار أتم منه، ثم ذكر أبو داود فيه الاضطراب فى السند والمتن.
(باب الغسل المسنون) بضم العين لا غير، ولم يذكر المصنف فى الباب الغسل يوم الفطر ويوم الأضحى، لأنه لم
يصح فيه حديث ، وقد ورد فيه ثلاثة أحاديث كلها ضعيفة .
٥٣٩ - قوله (إذا جاء أحدكم الجمعة) أى صلاتها، وهى منصوبة على المفعولية، أى إذا أراد أحد كم أن يأتى
الجمعة. كما جاء مصرحا به فى رواية لمسلم (فليغتسل) فيه دليل على وجوب غسل الجمعة، والحديث الثانى صريح فى ذلك
لا يحتمل التأويل للتصريح فيه بلفظ واجب. ويدل أيضا على الوجوب حديث أبى هريرة الذى يتلوه. وكذا ما أخرجه
النسائى عن جابر مرفوعا بلفظ: على كل رجل مسلم فى كل سبعة أيام غسل يوم وهويوم الجمعة. وما أخرجه أحمد والترمذى
عن البراء مرفوعا بلفظ: حقا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة. وما أخرجه أحمد عن رجل من الأنصار من أصحاب
النبي ◌َّ مرفوعا: حق على كل مسلم يغتسل يوم الجمعة، ويتسوك - الحديث. وما روى عن ثوبان عند البزار، وأبى
٢٣٥

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١١ - باب الغسل المسنون
متفق عليه.
٥٤٠ - (٢) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول مُلِّم: غسل يوم الجمعة واجب على كل
محتلم. متفق عليه.
أيوب عند الطبرانى فى الكبير ، وأبى هريرة عند الطبرانى فى الأوسط، وبريدة عند الطبرانى أيضا ، وعائشة عند البزار
وجابر عند الطبرانى فى الأوسط. ذكر أحاديثهم الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢: ص ١٨٢، ١٨٣) وقد اختلفوا فى
ذلك، والراجح عندى أن غسل الجمعة واجب مستقل فى نفسه لهذه الأحاديث، وليس شرطا فى صحة الصلاة ، فمن لم يأت
به صحت صلاته ، وکان مقصرا فی الواجب عليه. وأما ما روی ما يدل على خلاف ذلك، کحديث سمرة، وحديث ابن
عباس ، ونحوهما ، فسيأتى الجواب عنه. قال الشوكانى فى السيل الجرار: حديث إذا جاء أحدكم إلى الجمعة. يدل على أن
الغسل لصلاة الجمعة، وأن من فعله لغيرها لم يظفر بالمشروعية، سواء فعله فى أول اليوم، أو فى أوسطه، أو فى آخره.
ويؤيد هذا ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان، وغيرهما عن ابن عمر مرفوعا: من أتى الجمعة من الرجال والنساء، فليغتسل
زادابن خزيمة: ومن لم يأتها، فليس عليه غسل ـ انتهى. قلت: رواية ابن خزيمة هذه تدل بمنطوقها نصا على أنه لا يجب
غسل الجمعة على من لم يشهد الجمعة، وهى تؤيد وتقوى مفهوم قوله: إذا جاء أحدكم: الجمعة فليغتسل (متفق عليه) وأخرجه
أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. قال الحافظ: وله طرق كثيرة. وعد ابن مندة من
رواه عن نافع، فبلغوا فوق ثلاث مائة نفس. وعد من رواه من الصحابة غير ابن عمر، فلغوا أربعة وعشرين صحابيا
وقد جمعت طرقه عن نافع فبلغوا مائة وعشرين نفساً - انتهى.
٥٤٠ - قوله (غسل يوم الجمعة) استدل بإضافة ((الغسل)) إلى ((يوم الجمعة)) على أن وقت غسلها يدخل بفجر يومها
ولا يتوقف على الرواح إليها. وهو مذهب الجمهور (واجب) قال ابن دقيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب
غسل الجمعة ، وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر، وقد أولوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على
التأكيد، كما يقال إكرامك على واجب، وهو تأويل ضعيف، إنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحا على هذا الظاهر،
وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديث من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل. ولا يعارض
سنده سند هذه الأحاديث - انتهى (على كل محتلم) أى بالغ، فشمل من بلغ بالسن أو الاحبال ، والمراد بالغ ، خال
عن عذر يبيح الترك، وإلا فالمعذور مستثنى بقواعد الشرع. والمراد الذكر كما هو مقتضى الصيغة، وأيضا الاحتلام أكثر
ما يبلغ به الذكور دون الإناث، وفيه الحيض أكثر، وعمومه يشمل المصلى وغيره، لكن الحديث الذى قبله وغيره
يخصه بالمصلى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
٢٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١١ - باب الغسل المسنون
٥٤١ - (٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه على: حق على كل مسلم أن يغتسل فى كل
سبعة أيام يوما ، يغسل فيه رأسه وجسده. متفق عليه.
( الفصل الثانى)
٥٤٢ - (٤) عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول اللّه مؤفيه: من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت،
ومن اغتسل فالغسل أفضل.
٥٤١ - قوله (حق) أى ثابت ولازم (على كل مسلم) أى مكلف فإنه المتبادر فى موضع التكليف، فرج الصبى ،
وبتذ كير اللفظ خرجت المرأة. والمراد بالحق الواجب، والدليل عليه حديث أبى سعيد المتقدم ، فقيه دليل على وجوب
غسل الجمعة (أن يغتسل فى كل سبعة أيام يوما) هكذا أبهم فى هذه الرواية، وقد عينه جابر فى حديثه عند النسائى، وقد
ذكرنا لفظه. قال الحافظ بعد ذكره: وصححه ابن خزيمة. ولسعيد بن منصور ، وأبى بكر بن أبى شيبة من حديث البراء
ابن عازب مرفوعا نحوه ، ولفظه: إن من الحق على المسلم أن يغتسل يوم الجمعة، ونحوه لأحمد والطحاوى من طريق محمد
ابن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من الصحابة أنصارى مرفوعا - انتهى. والقول: بأن قوله فى حديث جابر: وهو
يوم الجمعة . تفسير من بعض الرواة ، ادعاء محض لا دليل عليه، فلا يلتفت إليه (يغسل فيه رأسه وجسده) ذكر الرأس
وإن كان الجسد يشمله للاهتمام به، لأنهم كانوا يجعلون فيه الدهن، والخطمى ، ونحوهما ، وكانوا يغسلونه أولا ثم
يغتسلون (متفق عليه) وأخرجه أيضا البيهقى ، والطحاوى.
٥٤٢ - قوله (فيها) أى فيكتفى بها أى بتلك الفعلة التى هى الوضوء (ونعمت) بكسر فسيكون، هو المشهور.
وروى بفتح فكسر كما هو الأصل ، والمقصود أن الوضوء ممدوح شرعا لا يذم من اقتصر عليه. وقيل: قوله فيها أى
فيهذه الخصلة أو الفعلة أى الوضوء ينال الفضل، ونعمت الخصلة أو الفعلة هذه. وقيل: فبطهارة الوضوء حصل الواجب
ونعمت الطهارة للصلاة هذه. وقيل: فبالرخصة أخذ، ونعمت الرخصة هذه. وقيل: فبالفريضة أخذ ، ونعمت
الفريضة هذه (ومن اغتسل فالغسل أفضل) ليس المراد تفضيل الغسل على الوضوء نفسه، حتى يقال: كيف يفضل الغسل ،
وهو سنة على قول من ذهب إلى سنيته، على الوضوء، وهو فريضة، والفريضة أفضل إجماعا ، بل المقصود التفضيل على
الوضوء الذى لا غسل معه، كأنه قال من توضأ واغتسل فهو أفضل من توضأ فقط. والحديث يدل على عدم وجوب غسل
الجمعة، لأن قوله ((فالغسل أفضل)) يقتضى اشتراك الغسل والوضوء فى أصل الفضل، فيستلزم إجراء الوضوء، وهو من
أقوى حجج القائلين بعدم الوجوب ، ومن أوضح القرائن الدالة على تأويل الأحاديث القاضية للوجوب. وقد تقدم
٢٣٧

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١١ - باب الغسل المسنون
رواه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى والدارمى.
٥٤٣ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من غسل ميتا فليغتسل.
الجواب عنه فى كلام ابن دقيق العيد. وقد احتجوا أيضا، وعارضوا بأحاديث، ذكرها الحافظ فى الفتح (ج ٤:
ص ٤٧٧) والشوكانى فى النيل (ج ١: ص ٢٢٤ - ٢٢٦) مع الجواب عنها، فارجع إليهما. قال الشوكانى بعد
إيرادها والتعقب على الاستدلال بها ما لفظه: وبهذا يتبين لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلة على عدم الوجوب
وعدم إمكان الجمع بينها وبين أحاديث الوجوب، لأنه وإن أمكن بالنسبة إلى الأوامر ، لم يمكن بالنسبة إلى لفظ واجب
وحق إلا بتعسف ، لا يلجئى طلب الجمع إلى مثله. ولا يشك من له أدنى إلمام بهذا الشأن أن أحاديث الوجوب أرجح
من الأحاديث القاضية بعدمه، لأن أوضحها دلالة على ذلك حديث سمرة، وهو غير سالم من مقال، وأما بقية الأحاديث
فليس فيها إلا مجرد استنباطات واهية ـ اتهى (رواه أحمد وأبو داود) وسكت عنه (والترمذى) وحسنه ، وقال:
قد روى عن قتادة، عن الحسن، عن النبي مَّج مرسلا (والنسائى) وقال: الحسن عن سمرة كتاب، ولم يسمع الحسن من سمرة
إلا حديث العقيقة. وقال العراقى فى شرح الترمذى: قد صح سماعه منه لغير حديث العقيقة، ولكن هذا الحديث لم يثبت !
سماعه منه، لأنه رواه بالعنعنة فى سائر الطرق، ولا يحتج به لكونه يدلس، ذكره السيوطى فى قوت المغتذى (والدارمى)
قال الحافظ فى الفتح (ج ٤: ص ٤٧٧): لهذا الحديث طرق، أشهرها وأقواها رواية الحسن عن سمرة، أخرجها
أصحاب السنن الثلاثة وابن خريمة وابن حبان. وله علتان: إحداهما أنه من عنعنة الحسن، والأخرى أنه اختلف عليه
فيه. وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس، والطبرانى من حديث عبد الرحمن بن سمرة، والبزار من حديث أبي سعيد
وابن عدى من حديث جابر، وكلها ضعيفة - انتهى. قال ابن دقيق العيد فى الإمام: من يحمل رواية الحسن عن سمرة
على الاتصال يصحح هذا الحديث. قال الحافظ: وهو مذهب على بن المدينى كما نقله عنه البخارى، والترمذى والحاكم
وغيرهم. وقيل: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وهو قول البزار وغيره. وقيل: لم يسمع منه شيئا أصلا وإنما
يحدث من كتابه.
٥٤٣ - قوله (من غسل) بالتخفيف ويشدد (فليغتسل) الحديث بظاهره يدل على وجوب الغسل على من غسل
الميت. وقد اختلفوا فيه، والراجح عندى أنه مندوب، والأمرفيه للاستحباب ، أمر به ندبا احتياطا لدفع ما يتوهم من
إصابة نجاسة بالبدن بواسطة أن بدن الميت لا يخلو عنها غالبا. والله أعلم. والدليل على كون الأمر الندب لا للوجوب
حديث ابن عباس مرفوعا : ليس عليكم فی غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهرا ، وليس بنجس، حسبكم
أن تغسلوا أيديكم. أخرجه البيهقى، وقد حسن الحافظ إسناده، وقال: فيجمع بينه وبين الأمر فى حديث أبى هريرة
٢٣٨

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة.
١١ - باب الغسل المسنون
رواه ابن ماجه. وزاد أحمد والترمذى وأبو داود : ومن حمله فليتوضأ.
بأن الأمر على الندب أو المراد بالغسل غسل الأيدى كما صرح به فى هذا - انتهى. وحديث ابن عمر: كنا نغسل الميت
فنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل. قال الحافظ فى التلخيص: إسناده صحيح، وهو يؤيد أن الأمر فى حديث أبى هريرة
الندب، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث - انتهى. وحديث أسماء بنت عميس امرأة أبى بكر الصديق:
أنها غسلت أبا بكر حين توفى، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين ، فقالت: إن هذا يوم شديد البرد وأنا
صائمة ، فهل على من غسل؟ قالوا: لا. رواه مالك فى المؤطا. قال الشوكانى: وهو من الأدلة الدالة على استحباب الغسل
دون وجوبه ، وهو أيضا من القرائن الصارفة عن الوجوب. قال: والقول بالاستحباب هو الحق ، لما فيه من الجمع
بين الأدلة بوجه مستحسن - انتهى (رواه ابن ماجه وزاد أحمد، والترمذى وأبو داود، ومن حمله فليتوضأً) هذا يدل
على وجوب الوضوء على من حمل الميت. والظاهر أن الأمر فيه أيضا الندب، يدل عليه قوله مؤلم: حسبكم أن تغسلوا
أيديكم ، فى حديث ابن عباس المتقدم. وقال المناوى: معناه من أراد حمل الميت، فليكن على وضوء، ليتأهب للصلاة
عليه حين وصوله المصلى خوف الفوت. قال الجد بن تيمية فى المنتقى: وقال بعضهم: معناه من أراد حمله ومتابعته،
فليتوضأً من أجل الصلاة عليه - انتهى. قال القارى: ويجوز أن يكون لمجرد الحمل فإنه قربة - انتهى. والحديث أخرجه
الترمذى وابن ماجه وابن حبان من طريق سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة. قال الحافظ فى الفتح:
هو معلول، لأن أبا صالح لم يسمعه من أبى هريرة - انتهى. وقال ابن دقيق العيد فى الامام: هى معلولة وإن صححها
ابن حبان وابن حزم، فقد رواه سفيان عن سهيل عن أبيه عن إسحق مولى زائدة عن أبى هريرة. قال الحافظ: إسحق هذا
أخرج له مسلم، فينبغى أن يصح الحديث، وأخرجه أحمد والبيهقى من رواية ابن أبى ذئب عن صالح مولى التومة
عن أبى هريرة ، وصالح صدوق، اختلط بآخره. قال ابن عدى لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج،
وأخرجه أبو داود من رواية عمرو بن عمير، وأحمد أيضا من رواية شيخ يقال له: أبو إسحق ، كلاهما عن أبى هريرة.
وأخرجه البزار من رواية العلاء عن أبيه، ومن رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ومن رواية أبى بحر البكراوى، عن محمد
ابن عمرو عن أبي سلمة كلهم عن أبى هريرة. وذكر البيهقى له طرقا، وضعفها، ثم قال: والصحيح أنه موقوف. وقال
ابن دقيق العيد: أما رواية محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة فإسناد حسن إلا أن الحفاظ من أصحاب محمد بن عمرو
.رووه عنه موقوفا. قال الحافظ فى التلخيص (ص ٥٠): وفى الجملة هو لكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنا ،
فإنكار النووى على الترمذى تحسينه معترض. وقد قال الذهبى فى مختصر البيهقى: طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث
احتج بها الفقهاء ولم يعلوها بالوقب بل قدموا رواية الرفع - انتهى. وقد أجاب أحمد عن هذا الحديث بأنه منسوخ
وكذا جزم بذلك أبو داود. وفيه أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، بل إذا وجد ناسخ صريح وهو متأخر.
٢٢

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١١ - باب الغسل المسنون
٥٤٤ - (٦) وعن عائشة رضى الله عنها، أن النبى مؤه، كان يغتسل من أربع: من الجنابة.
ويوم الجمعة ، ومن الحجامة ، ومن غسل الميت. رواه أبو داود.
٥٤٥ - (٧) وعن قيس بن عاصم، أنه أسلم، فأمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر.
٥٤٤ ٢ قوله (كان يغتسل من أربع) أى يأمر الناس بالاغتسال من أربع، ففي رواية أحمد والدار قطنى قال:
يغتسل من أربع (من الجنابة) بدل بإعادة الجار أى من أجلها، فمن تعليلية (ويوم الجمعة) بالجر، وهو الملائم للسابق
واللاحق، وإن صح النصب فيكون على نزع الخافض، قاله القارى (ومن الحجامة) بكسر الحاء أى للحجوم ، والاغتال
من الحجامة لإماطة الأذى ، ولما لا يؤمن أن يصيبه من رشاشة الحجامة فتستحب النظافة (ومن غسل الميت) بضم
الغين. والحديث دليل على مشروعية الغسل فى هذه الأربعة الأحوال. فأما الجنابة فالوجوب ظاهر. وأما الجمعة
ففى حكمه ووقته خلاف ، وقد تقدم أن الراجح فى حكمه الوجوب، وفى وقته أنه من فجر الجمعة إلى الذهاب، ويستحب
تأخيره إليه، وأما الحجامة فقيل: إنه سنة. وقد روى عن أنس: أنه مَّ احتجم، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل
محاجمه. أخرجه الدار قطنى ولينه، لأن فيه صالح بن مقاتل ، وليس بالقوى، وذكره النووى فى فصل الضعيف، فدل
على أنه سنة يفعل تارة كما أفاده حديث عائشة هذا، ويترك أخرى كما فى حديث أنس. ويروى عن على: الغسل من
الحجامة سنة وإن تطهرت أجزأك. وأما الغسل من غسل الميت ، فقد تقدم فى شرح حديث أبى هريرة الذى قبل هذا
(رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد، والبيهقى والدار قطنى وفى سنده مصعب بن شيبة ، وفيه مقال، وضعفه أبو زرعة
وأحمد والبخارى وصححه ابن خزيمة. وقال الدار قطنى: مصعب بن شيبة ليس بالقوى ولا بالحافظ. وقال أبو داود:
حديث مصعب ضعيف ، فيه خصال ليس العمل علىه - انتهى.
٥٤٥ - قوله (وعن قيس بن عاصم) بن سنان بن خالد التميمى السعدى المنقرى، صحابى مشهور بالحلم ، قدم على
النبي ◌َّ فى وفد بنى تميم سنة تسع فأسلم، فظا رآه النبى مَ ◌ّ، قال: هذا سيد أهل الوبر. وكان عاقلا، حليما، سمحا ،
جوادا. قيل للأحنف: من تعلمت الحلم؟ قال: من قيس. قال ابن عبد البر: قد حرم على نفسه الخمر فى الجاهلية.
نزل البصرة، وبنى بها دارا، وبها مات عن اثنين وثلاثين ذكرا من أولاده (فأمره النبي مَ ◌ّةٍ) أى بعد ما أسلم
(أن يغتسل بماء وسدر) المبالغة فى التنظيف، وإزالة الوسخ والرائحة الكريهة، لأنه يطيب الجسد. والحديث فيه دليل
على مشروعية الغسل لمن أسلم. وقد ذهب إلى الوجوب مطلقا أحمد لهذا الحديث، ولحديث أبى هريرة: أن تمامة أسلم،
فقال النبى معَوِّم: اذهبوا به إلى حائط بنى فلان، فروه أن يغتسل. أخرجه أحمد، وعبد الرزاق، والبيهقى، وابن
خزيمة، وابن حبان، وأصله فى الصحيحين، وليس فيهما الأمر بالاغتسال، ولكن فيهما أنه اغتسل، ولحديث أمره
٢٤٠