Indexed OCR Text

Pages 201-220

مرعاة المفاتيح ج٢
٣٠ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
٥٠٥ - (١٣) وعن أبى هريرة، قال: قال: رسول اللّه ◌ُفضل، إذا وطئى أحدكم بنعله الأذى، فإن
التراب له طهور.
الحديث. فهذا تقييد للفظ الغلام يكونه رضيعا، وهكذا يكون تقييدا للفظ الصبي والصغير والذكر الواردة فى بقية
الأحاديث. وحديث أبى السمح بين أن المراد بالنضح فى حديث لبابة هو الرش . ويرد كغيره من أحاديث الباب على
من لم يفرق بين بول الرضيع وبول الجارية اتباعا للقياس على بول الشيخ. وفى صنيعهم هذا تقديم للقياس على النص
ورد للسنن الصحيحة الصريحة. قال ابن القيم: والفرق بين الصبى والصبية من ثلاثة أوجه: أحدها كثرة حمل الرجال
والنساء الذكر فتعم البلوى بيوله فيشق عليه غسله. والثانى أن بوله لا ينزل فى مكان واحد بل ينزل متفرقا ههنا وههنا،
فيشق غسل ما أصابه كله بخلاف بول الأنثى. الثالث أن يول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر،
ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفف من نتن البول، وتذيب منها ما يحصل مع الرطوبة، وهذه المعانى مؤثرة يحسن
اعتبارها فى الفرق - انتهى. وذكر الشافعى فى الفرق وجها آخر كما رواه ابن ماجه فى سننه، والحق فيه وفى مثله
التعبد والاتباع، والسؤال عن الحكم خارج عن ذلك، فالواجب على الفقيه أن يتبع أمر رسول اللّه حيث وجده، ولا
يضرب له الأمثال .
٥٠٥ - قوله (إذا وطئ) بكسر الطاء أى مسح وداس (أحدكم بنعله) وفى معناه الخف (الأذى) أى النجاسة
رطبة كانت أو يابسة، متجسدة أو غير متجسدة (فإن التراب) أى بعد المكان الموطو (له) أى لنعل أحدكم (طهور)
وفى رواية: إذا وطئى الأذى بخفيه فطورهما التراب. والحديث يدل بإطلاقه على أنه إذا أصابت النجاسة النعل
فطهارته بالمسح والدلك ، سواء كانت ذات جرم كالعذرة أو غير ذات جرم كالبول ، وسواء كانت رطبة أو جافة ،
ويؤيده ما رواه أبو داود وغيره عن أبى سعيد الخدرى قال: بينما رسول اللّه ◌َّم يصلى بأصحابه إذا خلع نعليه - الحديث.
وفيه: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى فى نعليه قذرا أو أذى فيمسحه وليصل فيهما. وأعلم أن الحديثين قد
خالف ظاهرهما أبو حنيفة، فإن مذهبه أن النعل لا يطهر بالمسح إلا إذا كانت النجاسة ذات جرم وقد جفت،
وأما إذا لم تكن ذات جرم، أو كانت ذات جرم لكنها رطبة ، فلا يطهر إلا بالغسل ، ولأجل هذين الحديثين وما فى
معناهما ترك الحنفية مذهبه فى هذا الباب، واختاروا مذهب أبى يوسف، ومذهبه أن النعل يطهر بالدلك إذا أصابته
نجاسة لها جرم، رطبة كانت أو جافة أما إذا لم تكن لها جرم فلا يطهر إلا بالغسل. والفتوى عند الحنفية على قول أبى
يوسف ، ففى البحر الرائق (ج ١: ص ٢٢٣): وعلى قوله أكثر المشائخ. وفى النهاية والعناية والخلاصة: وعليه
الفتوى. وفى فتح القدير: وهو المختار لعموم البلوى، ولا طلاق الحديث - انتهى. وفى فتاوى قاضى خان: وعليه الفتوى لعموم
البلوى. قال شيخنا في أبكار المنن (ص ٤٦) هذان الحديثان بإطلاقها حبتان على أبى يوسف أيضاً أى كما أنهما
٢٠١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
رواه أبو داود، ولابن ماجه معناه.
٥٠٦ - (١٤) وعن أم سلمة، قالت لها امرأة: إنى أطيل ذيلى، وأمشى
حبتان على أبى حنيفة، لأن إطلاقهما يدل على أنه لا فرق بين أن تكون النجاسة ذات جرم أو لم تكن ، كما أن إطلاقهما
يدل على أنه لا فرق بين أن تكون النجاسة رطبة أو جافة ، وهو أى أبو يوسف يقول بالفرق بين الرقيقة والكثيفة، وإن
لم يقل بالفرق بين الرطب واليابس. وأما ما قالوا فى توجيه الفرق بينهما عنده: أنه مفاد بقوله: طهور أى مزيل ، ونحن
فعلم أن النعل أذا تشرب البول لا يزيله المسح، فإطلاقه مصروف إلى ما يقبل الإزالة بالمسح. فقد رده العلامة ابن
الحمام فى فتح القدير (ص ٧٦) بأنه لا يخفى ما فيه، إذ معنى طهور مطهر. واعتبر ذلك شرعا بالمسح المصرح فى الحديث
وكما لا يزيل ما تشربه من الرقيق كذلك لا يزيل ما تشرب من الكثيف حالة الرطوبة، والحاصل فيه بعد إزالة الجرم
كالحاصل قبل الدلك فى الرقيق، فإنه لا يشرب إلا ما فى استعداده قبوله وقد يصيبه من الكثيفة الرطبة مقدار كثير يشر به
من رطوبته مقدار ما يشربه من بعض الرقيق - انتهى. والحاصل أن النعل أو الخف إذا أصابته نجاسة يطهر بالدلك كثيفة كانت
أو رقيقة، رطبة كانت أو يابسة، لإطلاق الحديثين وهو الحق، وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ليس
بصواب - انتهى. (رواه أبو داود) من طريق أبى المغيرة، والوليد بن مزيد ، وعمربن عبد الواحد عن الأوزاعى قال:
أنبت أن سعيد بن أبى سعيد المقبرى حدث عن أبيه، عن أبى هريرة، وفيه مجهول كما ترى، لأن الأوزاعى لم يسم شيخه. ولعل
الرجل الذى أبهمه هو محمد بن عجلان فى الطريق الآتى، فروى أبو داود أيضا من طريق محمد بن كثير الصنعانى، عن الأوزاعى،
عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبى مُتے بمعناه، ومحمد بن كثير وإنضعف لكنه تابعه على هذا
أبو المغيرة، والوليد، وعمر كما تقدم، وكلهم ثقات، وابن عجلان وإن ضعفه بعضهم لكن الأكثرين على توثيقه. والحديث أخرجه
أيضا ابن السكن وابن حبان فى صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقى والطحاوى. قال النووى فى الخلاصة:
رواه أبو داود بإسناد صحيح - انتهى. وقال ابن الحمام: حديث أبى هريرة حسن لم يطعن فيه. كذا فى المرقاة (ج ١:
ص٣٥٦) وقد اعترف بحسن إسناد حديث أبى هريرة هذا النيموى أيضا. قلت: وله شاهدان بمعناه عند أبي داود وغيره
من حديث عائشة ، ومن حديث أبى سعيد. وتقدم ذكر لفظ حديث أبى سعيد (ولابن ماجه معناه) ولفظه: قيل:
يا رسول الله! إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة، فقال رسول الله محمد فضل: يطهر بعضها بعضا. قال فى الزوائد:
إسناده ضعيف، فإن إبراهيم بن إسماعيل الشكرى مجهول الحال، قال الذهبي: وشيخه إبراهيم بن اسماعيل بن أبى
حبيبة ما اتفقوا على ضعفه .
٥٠٦ - قوله (إنى أطيل) من الإطالة (ذيلى) بفتح الذال المعجمة، هو طرف الثوب الذى على الأرض وإن
٢٠٢

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
فى المكان القذر، قالت: قال رسول اللّه وَّم: يطهره ماٍّبعده. رواه مالك، وأحمد، والترمذى،
وأبو داود، والدارمى وقالا: المرأة أم ولد لايراهم بن عبد الرحمن بن عوف.
لم يمسها (فى المكان القذر) بفتح فكسر، النجس، أى فى مكان ذى قذر (قال رسول اللّه مؤ فيه) فى جواب مثل هذا
السؤال (يطهره) أى الذيل (ما بعده) فى محل الرفع فاعل يطهر، أى المكان الذى بعد المكان القذر بزوال ما يتشبث بالذيل من
القذر، سواء كان المكان القذر رطباأو يابسا، والنجاسة متجسدة أو غير متجسدة، فلا حاجة إلى الغسل لإطلاق الحديث.
وهذا يدل على عدم الفرق بين الذيل المرأة ، والخف والنعل للرجل ، وهو الحق ، ويؤيد ذلك الحديث الأول من الفصل
الثالث من هذا الباب. قال الشيخ ولى الله الدهلوى فى المسوى شرح المؤطا تحت حديث أم سلمة هذا: إن أصاب
الذيل نجاسة الطريق ثم مر بمكان آخر ، واختلط به طين الطريق، وغبار الأرض ، وتراب ذلك المكان ، ويبست
النجاسة المتعلقة ، فيطهر الذيل المنجس بالتناثر أو الفرك، وذلك معفو عنه عن الشارع بسبب الحرج والضيق، كما أن
غسل العضو والثوب من دم الجراحة معفو عنه عند المالكية، وكما أن النجاسة الرطبة التى أصابت الخف تزيل بالدلك ،
ويظهر الخف عند الحنفية والمالكية بسبب الحرج، وكما أن الماء الواقع المستنقع فى الطريق وإن وقع فيه النجاسة معفو
عنه عند المالكية بسبب الحرج، وإنى لا أجد الفرق بين الثوب الذى أصابه دم الجراحة والثوب الذى أصابه الماء
المستنقع النجس، وبين الذيل الذى تعلقت به نجاسة رطبة، ثم اختاط به غبار الأرض وترابها وطين الطريق ، فتناثرت به
النجاسة أو زالت بالفرك فإن حكمهما واحد، وما قال البغوى: إن الحديث محمول على النجاسة اليابسة التى أصابت
الثوب ثم تناثرت بعد ذلك ففيه نظر ، لأن النجاسة التى تتعلق بالذيل فى المشى فى المكان القذر تكون رطبة فى غالب
الأحوال ، وهو معلوم بالقطع فى عادة الناس ، فإخراج الشئ الذى تحقق وجوده قطعا أو غالبا عن عادته الأصلية
بعيد. وأما طين الشارع يطهره ما بعده، فقيه نوع من التوسع فى الكلام، لأن المقام يقتضى أن يقال: هو
معفوعنه، أو لا بأس به ، لكن عدل عنه إلى إسناد التطهير إلى شئ لا يصلح أن يكون مطهرا للنجاسة، فعلم أنه معفو
عنه، وهذا أبلغ من الأول - انتهى (رواه مالك، وأحمد، والترمذى، وأبو داود والدارمى) وأخرجه أيضا الشافعى،
وابن ماجه ، وسكت عنه أبو داود والمنذرى. وقال القاضى أبو بكر بن العربى: هذا الحديث ما رواه مالك نصح
وإن كان غيره لم يره صحيحا - انتهى. والعلة على ما قيل جهالة المرأة التى روت هذا الحديث عن أم سلة وهى مدفوعة
كما سيأتى (وقالا) أى أبو داود والدارمى (المرأة) أى السائلة الراوية للحديث (أم ولد لا براهيم بن عبد الرحمن بن
عوف) وكذا قال ابن ماجه، وهى تابعية صغيرة مقبولة اسمها حميدة على ما فى التقريب. واختيار مالك حديثها وإخراجه
فى موطئه يدل أيضا على أنها غير مجهولة، لأنه أعرف الناس بأهل المدينة وأشدهم احتياطا فى الرواية عنهم ، والقول
قول من عرق.
٢٠٣٠°
!

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
٥٠٧ - (١٥) وعن المقدام بن معديكرب، قال: نهى رسول اللّه ممثل عن ليس جلود السباع،
والركوب عليها. رواه أبو داود، والنسائى.
٥٠٨ - (١٦) وعن أبى المليح بن أسامة، عن أبيه، عن النبى معَة: نهى عن جلود السباع. رواه
أحمد ، وأبو داود ، والنسائى، وزاد الترمذى ، والدارمى: أن تفترش.
٥٠٧ - قوله (نهى عن لبس جلود السباع) بضم اللام، فإنه مصدر لبس يلبس كمعلم يعلم، بخلاف فتح اللام فإنه مصدر
لبس يلبس كضرب يضرب بمعنى خلط (والركوب عليها) أى عن القعود عليها .. وفيه وفى حديث أبى المليح الآتى دليل على
أنه لا يجوز الانتفاع بجلود السباع من اللبس والركوب، وقيل: قبل الدباغ لأنها نجسة ، أو مطلقا إن قيل بعدم ظهارة
الشعر بالدبغ بناء على أن الدباغ لا يؤثر فى الشعر ولا يغيره عن حاله. وإن قيل بطهارته ، فالنهى عنها لكونها من
دأب الجبابرة وأهل الخيلاء والسرف وعمل المترفين. وقد استدل بعضهم بحديث المقدام هذا وما فى معناه على أن
الدباغ لا يطهر جلود السباع، بناء على أنه مخصص للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم. قال الشوكانى:
وهذا الاستدلال غير ظاهر، لأن غاية ما فيه مجرد النهى عن الركوب عليها وافتراشها. ولا ملازمة بين ذلك وبين
النجاسة، كما لا ملازمة بين النهى عن الذهب والحريرونجاستهما فلا معارضة، بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع منع الركوب
عليها ونحوه، مع أنه يمكن أن يقال أن النهى عن جلود السباع أعم من وجه من الأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على
العموم لشمولها لما كان مدبوغا من جلود السباع وما كان غير مدبوغ - انتهى (رواه أبو داود) فى اللباس فى قصة طويلة
وسكت عنه، وفيه بقية بن الوليد عن بحير بن سعد. وبقية صدوق كثير التدليس. وروى أحمد (ج ١، ص ١٣٢)
طرفا من تلك القصة من حديث بقية عن بخير، وقد صرح فيه بقية بالتحديث (والنسائى) فى الفرع مختصرا من غير ذكر
القصة.
٥٠٨ - قوله (وعن أبى المليح) بفتح الميم وكسر اللام (بن أسامة) بن عمير أو عامر بن حنيف بن تاجية
الهذلى. قبل اسم أبى المليح عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة من أوساط التابعين. مات سنة (٩٨) وقيل:
سنة (١٠٨) وقيل: بعد ذلك. روى عن جماعة من الصحابة (عن أبيه) أى أسامة بن عمير الهذلى البصرى ، صحابى،
له سبعة أحاديث، روى عنه ابنه أبو المليح فقط، تفرد عنه (نهى) وفى بعض النسخ: أنه نهى (عن جلود السباع) أى
عن الانتفاع بها من اللبس والقعود ونحو هما لما فيه من التكبر، أو لأن الشعر نجس لا يقيل الدباغ (رواه أحمد
وأبو داود) فى اللباس وسكت عنه (والنسائى) فى الفرع (وزاد الترمذى) فى اللباس (والدارمى) فى الأضاحى، يعنى
رويا هذا الحديث وزاد فيه (أن تفترش) أى تبسط ويجلس عليها. قال الترمذى: لا نعلم أحدا قال عن أبى المليح
٢٠٤

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
٥٠٩ - (١٧) وعن أبى المليح، أنه كره ثمن جلود السباع. رواه
٥١٠ - (١٨) وعن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب رسول الله عَبه: أن لا تنتفعوا من الميتة
باهاب ولا عصب.
عن أبيه ، غير سعيد بن أبى عروبة عن قتادة، ثم أخرجه الترمذى من حديث شعبة، عن يزيد الرشك ، عن أبى الملح،
عن النبي ◌َّ مرسلا، وقال: وهذا أصح. ونقل المنذرى كلام الترمذى هذا وأقره، ونظر بعضهم فى
كلام الترمذى بأن شعبة وإن كان أحفظ وأتقن من سعيد بن أبى عروبة ، لكن ابن أبى عروبة لم يتفرد بروايته
موصولا بل تابعه علیه یحی بن سعيد عن قتادة عند الدارمى ، ويؤيده أيضا أن البهتي (ج ١، ص ٢١) أخرجه من
طريق يزيد بن هارون عن شعبة عن يزيد الرشك موصولا ، وقال: رواه غيره عن شعبة عن يزيد عن أبى المليح مرسلا
دون ذکر أیہ۔ اتھی.
٥٠٩ - قوله (وعن أبى المليح أنه) أى أن رسول اللّه ◌َؤ لية (كره ثمن جلود السباع) أى بيعها وشراءها ، قاله
ابن الملك. قال المظهر: ذلك قبل الدباغ لنجاستها أما بعده فلا كراهة (رواه) أى مرسلا من غير ذكر عن أبيه،
وههنا بياض، وألحق به ((الترمذى)) قال الطيبي: رواه فى كتاب اللباس من جامعه، وسنده وجيه ، و کذا قال السيد
جمال الدين. وقال الجزدى: هذا الأثر سنده جيد. رواه الترمذى فى اللباس من جامعه ولفظه: أنه كره ، إلخ.
والظاهر أنهم أرادوا الرواية المرسلة التى حكم الترمذى بكونها أصح من الموصولة ، لكن لفظها عنده عن أبى المليح عن
التى تُؤثّ: أنه نهى عن جلود السباع، أى يلفظ ((نهى) مكان ((كره)، وبدون لفظ ((ثمن)) ولم نقف على من خرج
هذه الرواية المرسلة باللفظ الذى ذكره المصنف نقلا عن المصابيح مع عدم مناسبتها لكتاب الطهارة .
٥١٠ - قوله (وعن عبد الله بن عكيم) بضم العين وفتح الكاف مصغرا ، يكنى أبا معبد الجهنى ، مخضرم ، ثقة ،
أدرك زمن التى تَّ ، ولا تعرف له روية ولا رواية، وقد خرجه غير واحد فى عداد الصحابة ، والصحيح أنه تابعى
من كبار التابعين، سمع كتاب النبي ◌َّ إلى جهينة، مات فى إمرة الحجاج (أن لا تنتفعوا) أن هذه مفسرة أو مخففة
(ولا عصب) بفتحتين أطناب مفاصل الحيوان، وفى بعض كتب اللغة أطناب منتشرة فى الجسم كله، وبها تكون الحركة
والحض. ونهى عن الانتفاع به لأن عصب الميتة نجس لأن فيه حياة بدليل تألمه بالقطع. والحديث قد تمسك به من
قال: أن الدباغ لا يطهر شيئا من الجلود، فلا يتفع من الميتة بشئ، سواء دبغ جلدها أولم يدبغ. وزعم أنه ناسخ
للأحاديث القاضية بطهارة جلد الميتبة بالدباغ لما ورد فى رواية الشافعى وأحمد ، وأبى داود: قبل موته بشهر، وفى
رواية، بشهر أو شهرين، فصار متأخرا. والجمهور على خلافه، وأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة، محصلها: الإرسال
٢٠٥

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه.
٥١١ - (١٩) وعن عائشة، رضى الله عنها، أن رسول اللّه مؤتم أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا
دبغت. رواه مالك وأبو داود.
لعدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي مُؤثّة، ثم الانقطاع لعدم سماع عبد الرحمن بن أبى ليلى من عبد الله بن عكيم. ثم
الاضطراب فى سنده، فإنه قال تارة: عن كتاب النبى معَّم. وتارة: عن مشيخة من جهينة. وتارة: عمن قرأ
الكتاب. ثم الاضطراب فى متنه، فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بتقييد شهر، أو شهرين ، أو أربعين
يوما أو ثلاثة أيام. ثم الترجيح بالمعارضة لأن حديث الدباغ أكثر وأصح، لأنه روى فى تطهير الدباغ خمسة عشر
حديثا، منها ما اتفق الشيخان. ثم القول بأن الإهاب كما تقدم من القاموس، اسم لما لم يدبغ فى أحد القولين. وقال
النضربن شميل: الإهاب لما لم يدبغ، وبعد الدبغ يقال له: شن، وقربة، وبه جزم الجوهرى، فلما احتمل الأمرين وورد
الحديثان فى صورة المتعارضين جمعنا بينهما بأنه نهى عن الانتفاع بالا هاب مالم يدبغ، فإذا دبغ لم يسم إهابا، فلا يدخل تحت
النهى، وهو حسن. وقد بسط تلك الأجوبة الحافظ فى التلخيص (ص ١٧) والشوكانى فى النيل (ج ١: ص ٦١)
والأمير اليمانى فى السبل (ج ١: ص ٤١، ٤٢) فارجع إلى هذه الكتب (رواه الترمذى) وقال: حديث حسن.
قيل: فى تحسينه نظر لما فى سنده من الاضطراب والإرسال والانقطاع. قال صاحب الإمام: تضعيف من ضعفه
ليس من قبل الرجال فإنهم كلهم ثقات، وإنما ينبغى أن يحمل الضعف على الاضطراب. وقد حكى الخلال أن أحمد
توقف فى حديث ابن عكيم لما رأى تزلزل الرواة فيه. وقال بعضهم: رجع عنه كما ذكره الترمذى (وأبو داود) وقال:
قال النضر بن شميل: يسمى إِهابا مالم يدبغ، فإذا دبغ لا يقال له إهاب ، إنما يسمى شنا وقربة (والنسائى) وقال:
أصح ما فى هذا الباب فى جلود الميتة إذا دبغت حديث الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة
(وابن ماجه) وأخرجه أيضا الشافعى، وأحمد ، والبخارى فى تاريخه، والدار قطنى، والبيهقى، وابن حبان.
٥١١ - قوله (أمر) أنى أذن ورخص (أن يستمتع) على بناء المفعول (بجلود الميتة) الحديث بإطلاقه يرد على
من خص الاستمتاع بها بالأشياء اليابسة، وبالماء من بين سائر المائعات (إذا دبغت) فيه رد صريح على من أباح
الاستمتاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، متمسكا بالروايات المطلقة (رواه مالك) فى كتاب الصيد من مؤطاه (وأبو داود) فى
اللباس وسكت عنه، وأخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان كلهم من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن
أمه، عن عائشة. قال المنذرى: أم محمد بن عبد الرحمن لم تنسب ولم تسم. قلت : أم محمد هذه قال الحافظ فى التقريب:
إنها مقبولة، وذكرها ابن حبان فى الثقات، واختيار مالك حديثها وإخراجه فى مؤطاه يدل على صحته عنده، لأنه
أعرف الناس بأهل المدينة وأشدهم احتياطا فى الرواية عنهم.
٢٠٦

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
٥١٢ - (٢٠) وعن ميمونة، قالت: مر على النبى مَّ رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار،
فقال لهم رسول اللّه تَّ: لو أخذتم إهابها. قالوا: إنها ميتة. فقال رسول اللّه مَّى: يطهرها الماء
والقرظ. رواه أحمد وأبو داود.
٥١٣ - (٢١) وعن سلمة بن المحبق، قال: إن رسول اللّه مؤتم جاء فى غزوة تبوك على أهل بيت،
فإذا قربة معلقة، فسأل الماء، فقالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، فقال: دباغها
٥١٢ - قوله (يجرون) بضم الجيم يسحبون (شاة) أى ميتة (مثل الحمار) أى مثل جره ، أو فى كونها مينة منتفخة
(لو أخذتم إمابها) قيل كلمة لو للتمنى بمعنى ليت، يعنى ليتكم أخذتم. وقيل: كلمة شرط حذف جوابها، أى لكان
حسنا، أو لحل لكم الانتفاع به بعد الدباغ (يطهرها الماء والقرظ) بفتحتين ، ورق السلم يعنى يطهرها خلط القرظ بالماء
ودباغة الجلد به. قال الخطابي: القرظ شجر يدبغ به الأهب، وهو لما فيه من العفوصة والقبض ينشف البلة،
ويذهب الرخاوة ويخفف الجلد ويصلحه ويطيبه، فكل شئى عمل عمل القرظ كان حكمه فى التطهير حكمه ۔ انتهى. وقال
النووى: يجوز الدباغ بكل شئى ينشف فضلات الجلد، ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشث، والقرظ، وقشور الرمان،
وغير ذلك من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالشمس إلا عند الحنفية، ولا بالتراب، والرماد والملح على الأصح - انتهى.
والحديث دليل على وجوب استعمال الماء فى أثناء الدباغ أو بعد الدباغ لإزالة الدرن ووضر الدبغ. وحمله بعضهم على
الندب أو على الطهارة الكاملة لعدم اشتراط الماء فى الدبغ عنده، وهو خلاف الظاهر (رواه أحمد) (ج ٦: ص ٣٣٦)
(وأبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى، وأخرجه أيضا النسائى والدار قطنى وابن حبان ، وصححه ابن السكن والحاكم.
=
٥١٣ - قوله (وعن سلة) بفتح اللام (بن المحبق) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة المشددة وتفتح. قال فى
جامع الأصول: المحبق بتشديد الياء المكسورة، وأصحاب الحديث يفتحونها - انتهى. وقال فى تهذيب التهذيب (ج ٤:
ص ١٥٨): قال العسكرى فى التصحيف عن أحمد بن عبد العزيز الجوهرى: قال ما سمعت ابن شبة وغيره إلا بكسر الباء، قال
العسكرى: فقلت: إن أصحاب الحديث كلهم يفتحون الباء، فقال: أيش المحبق فى اللغة؟ قلت: المضرط. فقال: هل
يستحسن أحد أن يسمى ابنه المضرط؟ وإنما سماه المضرط تفاولا بأنه يضرط أعداءه، كما سموا عمرو بن هند مضرط
الحجارة - انتهى. وقيل: هو سلمة بن ربيعة بن المحبق، وأنه نسب إلى جده، جزم به ابن حبان. واسم المجبق صخر بن
عبيد. وسلمة هذا يكنى أبا سنان الهذلى البصرى، صحابى، له اثنا عشر حديثا، روى عنه ابنه سنان وغيره
(فى غزوة تبوك) موضع بين الشام ووادي القرى، والمشهور فيه عدم الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار البقعة، ومن
صرفها أراد الموضع (قربة معلقة) أى فيها ماء وهى مدبوغة (إنها) أى القربة (ميئة) أى جلد ميتة دبغ (دباغها) بكسر
٢٠٧

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
طهورها. رواه أحمد وأبو داود.
ة( الفصل الثالث )
٥١٤ - (٢٢) عن امرأة من بنى عبد الأشهل، قالت: قلت يا رسول الله! إن لنا طريقا إلى المسجد
منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قالت: فقال: أليس بعدها طريق هى أطيب منها؟ قلت: بلى. قال:
فهذه بهذه. رواه أبو داود.
الدال (طهورها) بفتح الطاء وتضم، أى مطهرها أو طهارتها. وفى رواية النسائى وغيره: دباغها ذكاتها، بفتح الذال
المعجمة ، وهى الذيج، والمراد هنا التطهير لأن الذيح يطهر المذبوح ويحل أكله. والحديث قد استدل بإطلاقه على عدم
وجوب استعمال الماء فى أثناء الدباغ وبعده. قال الخطابي: هذا الحديث يدل على بطلان قول من ذهب إلى أن إهاب
المبينة إذا مسه الماء بعد الدباغ ينجس، وبين أنه طاهر كطهارة المذكى، وأنه إذا بسط وصلى عليه أوخرزمنه خف، فصلى
فيه جاز (رواه أحمد) (ج ٥: ص ٦، ٧ وج ٣: ص ٤٧٦) (وأبو داود) وأخرجه أيضا الشافعى والنسائى ، وابن
حبان فى صحيحه، والبيهقى من حديث الجون بن قتادة عن سلمة بن المحق، وسكت عنه أبو داود. وقال الحافظ :
إسناده صحيح. وقال أحمد: الجون لا أعرفه. وبهذ أعله الأثرم. قال الحافظ قد عرفه غيره. عرفه على بن المدينى
وروى عنه الحسن، وقنادة ، وصحح ابن سعد ، وابن حزم، وغير واحد أن له صحبة وتعقب أبو بكر بن مفوز ذلك
علی ابن حزم.
٥١٤ - قوله (عن امرأة من بنى عبد الأشهل) صحابية لم تسم، قاله الحافظ فى التقريب. وقال فى تهذيب التهذيب فى
ترجمة موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمى: روى عن أبيه، وأمه، وأبى حميد الساعدى، وعن امرأة من بنى الأشهل لها
صحبة (منتنة) صفة طريق، وهو يذكر ويؤنث ، أى نجسة يعنى فيها أثر الجيف والنجاسات (إذا مطرنا) على بناء المجهول
أى ومررنا على تلك النجاسات بأذيالنا المنسحبة على الأرض (هى أطيب منها) أى أطهر بمعنى الطاهر (فهذه بهذه) أى
ما حصل التنجس بتلك يطهره انسحابه على تراب هذه الطبية. وهذا الحديث موافق لما تقدم من حديث أم سلمة فى الفصل
الثانى ، وهما يدلان صريحا على أن الذيل المنجس بنجاسة الطريق الرطبة يطهر إذا انسحب على الطريق الطاهرة، واختلط
بالتراب الطاهر من الطريق وقت المرور، ولا يصح حمل القذر على اليابس لأنه يأبى عنه قولها ، فكيف نفعل إذا مطرنا؟
وكذا لا يصح تخصيص الحديث بالنعل والخف لأنه يبطله حديث أم سلمة المتقدم ، ففى الحديثين رد صريح على الأثمة
الأربعة وأتباعهم. وقد تأول السندى فى حاشية ابن ماجه حديث المرأة الأشهلية هذا بما يمجه السمع ويستكرهه القلب
(رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى. قال الخطابي: الحديث فيه مقال، لأن امرأة من بنى عبد الأشهل مجهولة،
٢٠٨

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
٥١٥ - (٢٣) وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نصلى مع رسول اللّه تَّ ولا تتوضأ من
الموطنى. رواه الترمذى.
والمجهول لا تقوم به الحجة فى الحديث - انتهى. قلت: المرأة من بنى عبد الأشهل هذه صحابية، ذكرها ابن الأثير
الجزرى فى أسد الغابة، وصرح الحافظ فى التقريب وتهذيب التهذيب بكونها صحابية كما تقدم، بل كونها صحابية ظاهر من نفس
الحديث، ألا ترى أنها شافهت رسول اللّه مٍَّ، وسألته بلا واسطة، وقالت: قلت يا رسول الله إن لنا، إلخ. وقد تقرر
أن جهالة اسم الصحابي ونسبه لا تقدح فى كونه صحابيا، ولا تؤثر فى صحة الحديث، فالحديث صحيح، وكلام الخطابي
ومن تبعه مردود عليه. والحديث أخرجه ابن ماجه أيضا .
٥١٥ - قوله (ولا تتوضأ من الموطنی) بفتح الميم وإسكان الواو وكسر الطاء المهملة والهمزة ، وقيل: الموطأ.
بفتح الميم وسكون الواووفتح الطاء وبالهمزة. قيل: كسر الطاء هو الأصل، والفتح شاذ، وقيل: بل الفتح هو القياس، وهو أعلى
وأرجح من الكسر. وارجع للبسط إلى تعليق الترمذى للشيخ أحمد محمدشاكر. قال ابن العربى فى شرح الترمذى (ج١: ص ٢٣٧)
الموطئى مفعل بكسر العين من وطنى، وهو اسم الموضع ، فيكون معناه الوضوء من وطئ الموضع القذر، ويكون
بفتحها، والمعنى واحد، وفيه كلام كثير - انتهى. وقال الخطاب فى المعالم: الوطنى ما يوطئى فى الطريق من الأذى،
وأصله الموظؤ. قال العراقى: يحتمل أن يحمل الوضوء على الوضوء اللغوى وهو التنظيف، فيكون المعنى أنهم كانوا
لا يغسلون أرجلهم من الطين ونحوها، ويمشون عليه بناء على أن الأصل فيه الطهارة - انتهى. وحمله البيهقى على النجاسة
اليابسة، وأنهم كانوا لا يغسلون الأقدام إذا وطئوا على نجاسة يابسة، وإنما كانوا يغسلونها إذا كانت النجاسة رطبة ، وهو
الذى فهمه الترمذى ، وحمل عليه الحديث. وقد نقل ذلك عن غير واحد من أهل العلم. قلت : معنى حديث ابن مسعود
هذا قريب من معنى حديث المرأة الأشهلية وحديث أم سلمة ، فالظاهر أن يترك حديث ابن مسعود على إطلاقه ، ولا
يخصص بالنجاسة اليابسة لعدم وجود دليل على هذا التخصيص ، فالقدم التى أصابتها النجاسة الرطبة كالخف والنعل والذيل
تطهر إذا مرت على الأرض اليابسة الطاهرة، وزالت النجاسة المتعلقة بالقدم بالتناثر والذلك والمسح ، والله أعلم
(رواه الترمذى) فيه نظر ظاهر لأنه لم يروه الترمذى فى جامعه، بل ذكره بقوله: وفى الباب عن عبد الله بن مسعود
قال: كنا نصلى، إلخ. والحديث إنما أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذرى، وأخرجه ابن ماجه فى الصلاة،
والحاكم وصححه، والطبرانى فى الكبير. قال الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ١: ص ٢٨٥) رجاله ثقات ، واللفظ الذى
ذكره الترمذى موافق لرواية الحاكم (ج ١: ص ١٣٩) والطبرانى، ولفظ أبي داود: قال عبد الله: كنا لا توضأ من
موطئى ولا نكف شعرا ولا ثوبا . ولفظ ابن ماجه: قال عبد الله: أمرنا أن لا نكف شعرا ولا ثوبا ولا تتوضأ من
موطئى. وكان على المصنف أن يعزو الحديث إلى الثلاثة أو إلى أبى داود على الأقل .
٢٠٩

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
٥١٦ - (٢٤) وعن ابن عمر، قال: كانت الكلاب تقبل وتدبر فى المسجد فى زمان رسول الله
فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك. رواه البخارى.
٥١٦ - قوله ( كانت الكلاب تقبل وتدبر) من الإقبال والإدبار جملة فى محل النصب على الخبرية على أن
((كانت)) ناقصة، وعلى الحال على أنها تامة بمعنى وجدت. وفى رواية أبى داود والإسماعيلى وأبى نعيم والبيهقى: كانت
الكلاب تبول وتقبل وتدبر، بزيادة «تبول)) قبل «تقبل وتدبر، والظاهر أن هذه الزيادة محفوظة (فى المسجد) الألف
واللام للعهد أى فى مسجد النبى. قال الخطابي: كان إقبالها وإدبارها فى أوقات نادرة ، ولم يكن على المسجد أبواب
تمنع من عبورها فيه. قلت: ويمكن ذلك مع وجود الغلق والأبواب أيضا كما هو مشاهد فى زماننا (فلم يكونوا يرشون)
فى نفى الرش مبالغة ليست فى نفى الغسل والصب، لأن الرش ليس جريان الماء بخلاف الغسل ، فإنه يشترط فيه الجريان
والسيلان، فنفى الرش أبلغ من نفى الغسل والصب (شيئا) عام لأنه نكرة وقعت فى سياق النفي، وهو أيضا يفيد المبالغة
فى عدم النضح بالماء أى شيئًا من الماء (من ذلك) أى من أجل البول والإقبال والإدبار. والحديث فيه دليل على أن
الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو الهواء فذهب أثر النجاسة تطهر، إذ عدم الرش يدل على عدم الصب والغسل
بالأولى ، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك. والحديث مشكل جدا على الشافعية ، حيث لم يقولوا:
يكون الجفاف مطهرا للأرض ، فقال بعضهم لفظ «تبول)، ليس بمحفوظ فى الحديث ، يدل على كونه غير محفوظ ترك
البخارى هذا اللفظ فى روايته. قلت: روى هذا الحديث عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثنا سكن بن نافع الباهلى أبو الحسين:
ثنا صالح بن أبى الأخضر، عن الزهرى عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: كنت أعزب شابا، أبيت فى المسجد
فى عهد رسول اللّه مَ الله ، وكانت الكلاب تقبل وتدبر فى المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك. وهذا كما ترى ليس
فيه لفظ ((تبول)، والطريق غير طريق البخارى، فالظاهر أن ترك لفظ ((تبول، والاقتصار على تقبل وتدبر من ابن عمر ،
أو من غيره من الرواة ، لا من البخارى ، فكان ابن عمر أو غيره يذكر لفظة («تبول» مرة ویتر کها أخری، و کیف ما
كان الأمر ، فالظاهر أن هذه اللفظة محفوظة. وتأوله ابن المنذر فقال: كانت الكلاب تبول خارج المسجد فى مواطنها
ثم تقبل وتدبر فى المسجد ، وكذا قال الخطابي. قلت: هذا خلاف الظاهر، لا يتكلف له إلا المتعصب لرأى إمامه،
وهلا قال: كانت الكلاب تبول خارج المسجد وتستنجى هناك ثم تدخل المسجد؟ ومن أكبر موانع هذا التأويل أن
قوله : فى المسجد. ليس ظرفا لقوله ((وتقبل وتدبر)) وحده وإنما هو ظرف لقوله تبول وما بعده كلها ، وتقدم شئى من
الكلام فيه فى شرح حديث صب الماء على بول الأعرابى فتذكر (رواه البخارى) الحديث أورده البخارى فى صحيحه معلقا
بصيغة الجزم، فقال : قال أحمد بن شبيب عن أبيه، إلخ. قال أبو نعيم: رواه البخارى بلا سماع. وقال العينى: ذكره
البخارى معلقاً ، وأورده الحافظ فى المقدمة فى سياق تعاليقه المرفوعة ، فقال: حديث أحمد بن شبيب عن أبيه وصله
٢١٠
-

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
٥١٧ - (٢٥) وعن البراء، قال: قال رسول اللّه ◌َ لّم: لا بأس بيول ما يؤكل لحمه.
٥١٨ - (٢٦) وفى رواية جابر، قال: ما أكل لحمه فلا بأس ببوله. رواه أحمد، والدار قطنى.
أبو نعيم والبيهقى، وغيرهما - انتهى. وأخرجه أيضا أحمد فى مسنده (ج ٢: ص ٧١).
٥١٧- قوله (لا بأس بیول ما يؤكل لحمه) فيه دليل على أن بول ما يؤكل لحمه طاهر ، لكن الحديث ضعيف جدا
لا يصلح للاستدلال كما ستقف عليه، والعجب من المصنف أنه أورد هذا الحديث الضعيف، ولم يذكر حديث العربيين
وأحاديث الإذن بالصلاة فى مرابض الغنم، وهى أحاديث صحيحة،وأصل استدلال القائلين بطهارة بول ما يؤكل لحمه بهذه
الأحاديث الصحيحة، ولذلك ذكرها المحدثون فى باب طهارة أبوال مأكولات اللحم، حديث العرنيين، وحديث الإذن
بالصلاة فى مرابض الغنم يدلان على طهارة أبوال الإبل والغتم نصا ، ويقاس عليها غيرها ما يؤكل لحمه. وأما حديث
أبى هريرة مرفوعا: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه. أخرجه ابن خزيمة وغيره ، فمحمول على بول
الإنسان لا بول سائر الحيوان. وكذا حديث ابن عباس المتفق عليه، قال: مر النبى مؤلّه بقبرين، فقال: إنهما يعذبان
وما يعذبان فى كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول - الحديث. المراد به بول الناس لا بول سائر الحيوان ، لما فى
رواية للبخاری : کان لا يستتر من بوله. قال البخاری : ولم یذکر سوی بول الناس ۔ انتھی. فلا یکون فی حدیث ابن
عباس هذا حجة لمن حمله على العموم فى بول جميع الحيوان. وارجع للبسط والتفصيل إلى الفتح (ج ١: ص ١٦٨)
والنيل (ج ١: ص ٤٩) وأبكار المنن (ص ٤٣).
٥١٨ - قوله (وفى رواية جابر قال ما أكل لحمه فلا بأس بيوله رواه) لو قال رواهما كان أقرب إلى
الصواب، فإنهما حديثان، الأول عن البراء بن عازب، والثانى عن جابر بن عبد الله مرفوعا (أحمد) ما وجدت الحديث
فى مسنده لا فى مسند البراء ولا فى مسند جابر، ولم أر أحدا من أصحاب كتب التخريج والأحكام والجوامع، وشروح
الحديث كالحافظ، والزيلعى والسيوطى والهيشى وعلى المتقى والشوكانى وغيرهم أنه عزاه لأحمد (والدار قطنى) (ص ٤٧)
فى سند حديث البراء سؤاربن مصعب ، وهو متروك الحديث عند جميع أهل النقل ، متفق على ترك الرواية عنه، وفى سند
حديث جابر عمرو بن الحصين، عن يحمى بن العلاء، وهما أيضا متروكان ذاهبا الحديث. وقال أحمد فى يحيى بن العلاء: كذاب،
يضع الحديث. وقال الحافظ فى التلخيص (ص١٦): إسناد كل من الحديثين ضعيف جدا - انتهى. والحديث أخرجه أيضا
البيهقى وضعفه ، وأخرجه الخطيب فى تاريخه عن على بن أبى طالب بلفظ: لا بأس بيول الحمار، وكل ما أكل لحمه. كذا فى
كنز العمال (ج ٥: ص ٨٨) وأورد حديث على هذا، ابن الجوزى فى الموضوعات ، وأقره السيوطى فى اللآلى المصنوعة ،
ثم ابن عراق فى تنزيه الشريعة (ج ٢: ص ٦٦) والشوكانى فى الفوائد المجموعة (ص ٦).
٢١١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٩ - باب المسح على الخفين
(٩) باب المسح على الخفين
( الفصل الأول ):
٥١٩ - (١) عن شريح بن هانئى، قال: سألت: على بن أبى طالب عن المسح على الخفين، فقال:
جعل رسول الله مَّ ثلاثة أيام ولياليهن للسافر، ويوما وليلة للقيم. رواه مسلم.
٥٢٠ - (٢) وعن المغيرة بن شعبة: أنه غزا مع رسول اللّه عَلل غزوة تبوك. قال المغيرة: فتبرز
(باب المسح على الخفين) أى باب ذكر أدلة شرعية على ذلك ، وما يتعلق به من التوقيت فى المسح، وبيان محله ،
وشرطه، والمسح إصابة اليد المبتلة بالعضو، وإنما عدى بعلى إشارة إلى موضعه، وهو فوق الغف دون داخله وأسفله
على ما ورد مخالفا للقياس. والخف فعل من أدم يغعلى الكعبين ، والجورب لفافة الرجل من أى شئ كان من الشعر ، أو
الصوف أو الكرباس، أو الجلد تخينا أو رقيقا إلى ما فوق الكعب يتخذللبرد. والمسح على الخفين ثابت بالسنة كما
سترى. وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته، فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة
وقال الحسن البصرى: حدثنى سبعون من الصحابة أن رسول الله عز له كان يمسح على الخفين. أخرجه ابن أبى شيبة. وذكر
أبو القاسم بن مندة اسماء من رواه فى تذكرته ، فكانوا ثمانين صحايا. وذكر الترمذى والبيهقى فى سننهما ، وابن عبد البر
فى الاستذكار منهم جماعة. قال النووى: أجمع من يعتد به فى الإجماع على جواز المسح على الخفين فى السفر والحضر
سواء كان لحاجة أو لغيرها .
٥١٩ - قوله (عن شريح) بالتصغير (بن هانئى) بالهمزة على وزن فاعل، أدرك زمن النبي مؤلم، وبه كنى
النبى مَفّ أباه هانئ بن يزيد، فقال: أنت أبو شريح. وشريح من جملة أصحاب على رضى الله عنه، كذا ذكره المصنف فى أسماء
رجاله فى عداد الصحابة، وقد تقدم أنه مخضرم تابعى ، فكان المصنف تبع ابن عبد البر فى ذكر المخضر مين مع الصحابة
(عن المسح) أى عن مدته (ثلاثة أيام ولياليهن) بفتح الياء (السافر ويوما وليلة للقيم) فيه دليل لما ذهب إليه جمهور
العلماء من توقيت المسح بثلاثة أيام السافر ، ويوم وليلة القيم، وهو الحق والصواب، لما ورد فى التوقيت بذلك أحاديث
عن أكثر من عشرة من الصحابة. وإنما زاد فى المدة للسافر لأنه أحق بالرخصة من المقيم لمشقة السفر
واختلفوا فى ابتداء مدة المسح، فقال كثير من العلماء: إن ابتداء المدة من حين الحدث بعد لبس الخف لا من حين اللبس
ولا من حين المسح. ونقل عن أحمد أنه قال: إن ابتداءها من وقت البس (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والنسائى
وابن ماجه وابن حبان .
٥٢٠ - قوله (فتبرز) أى خرج إلى البراز، وهو الفضاء الواسع فكنوا به عن قضاء الحاجة
٢١٢

مرعاة المفاتيح ج٢
٣٠ - كتاب الطهارة
٩ - باب المسح على الخفين
رسول اللّه مَلّ قبل الغائط، حملت معه إداوة قبل الفجر، فلما رجع أخذت أهريق على يديه من
الإدارة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كم الجبة ،
فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، وغسل ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى
العمامة، ثم أهويت لأنزع خفیه، فقال: دعهما فانی أدخلتهما طاهرتین، فمسح عليهما،
(قبل الغائط) بكسر القاف وفتح الياء أى جانبه لقضاء الحاجة. والغائط هو المكان المطمئن فى الفضاء أو المكان المنخفض من
الأرض (فحملت معه) أى ذاهبا معه (إداوة) بكسر الهمزة، أى إناء من ٠١٠ أخذه المغيرة من أعراية صبته له من قربة جلد
هيئة دبغته، وأخذ الماء ليتوضأ به لا ليستنجى (قبل الفجر) أى قبل صلاة الصبح وبعد طلوع الفجر (فلما رجع) من قضاء
الحاجة (أخذت) أى شرعت (أهريق على يديه من الإدارة) أى أصب الماء. وفيه دلالة على جواز الاستعانة فى
الطهارة بصب الماء (فغسل يديه) أى كفيه (ووجهه) لا دلالة فيه على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق فى الوضوء
كما زعم ابن حجر لاحتمال عدم ذكره لهما إما اختصارا أو نسيانا، أو لكونهما داخلين فى حد الوجه من وجه على ما
حققه فى محله، ومع تحقق الاحتمال لا يصح الاستدلال، قاله القارى. قلت: قد وقع ذكر المضمضة والاستنشاق عند البخارى
فى الجهاد فقيه: أنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه (وعليه) أى على بدنه، والواو للحال (جبة) أى شامية من جباب الروم
(ذهب) أى شرع وأخذ، وهو استئناف (يحسر) من باب ضرب أى يكشف كميه (عن ذراعيه) أى ليغسلهما
(فضاق كم الجبة) بحيث لم يقدر على أن يخرج يديه إلى المرفقين عن كمى الجبة من غاية ضيقهما (وألق الجبة) أى ذيلها
(وعلى العمامة) تحصيلا ونكميلا للاستيعاب الواجب (ثم أهويت) أى مددت يدى. وقبل: قصدت الهوى من القيام
إلى القعود. وقيل الإهواء إمالة اليد إلى شئ ليأخذه ، أى انحنيت (لأنزع خفيه) كأنه لم يكن قد علم برخصة المسح، أو
علها وظن أنه تمَّم سيفعل الأفضل بناء على أن الغسل أفضل، أو جوز أنه لم يحصل شرط المسح. وهذا الأخير أقرب
لقوله (دعهما) أى أتركهما ولا تنزعهما عن رجلى (فانى أدخلتهما) أى القدمين (طاهرتين) أى لبستهما حال كون قدمى
طاهرتين. وفيه دليل على أن الشرط لمسح الخفين طهارة القدمين وقت اللبس. ويلزم منه اشتراط تمام الوضوء عند مزيقول
بوجوب الترتيب فى الوضوء، ولا يلزم عند غيره كما لا يخفى. والراجح هو القول الأول، لقوله مَّ «إذا تطهر ولیس خفيه، فى
حديث أبى بكرة الآتى فى الفصل الثانى. ولحديث صفوان بن عسال عند أحمد وغيره: قال: أمرنا النبي مٍَّ أن نمسح على الخفين
إذا نحن أدخلناهما على طهر - الحديث. ولحديث أنس مرفوعا: إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما - الحديث.
أخرجه الدار قطنى والحاكم وصححه. قال الأمير اليمانى: تقيد اللبس والمسح بعد الوضوء دليل على أنه أريد بالطهارة
فى حديث المنورة وما فى معناه الطهارة المحققة من الحدث الأصغر (فمسح عليهما) فيه رد على من زعم أن المسح على
٢١٣

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٩ - باب المسح على الخفين
ثم ركب وركبت، فانتهينا إلى القوم، وقد قاموا إلى الصلاة ويصلى بهم عبد الرحمن بن عوف، وقد.
ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبى مٍَّ، ذهب يتأخر فأومأ إليه، فأدرك النبى معَّ إحدى الركعتين
معه. فلما سلم، قام النبي ◌َّ، وقمت معه، فركعنا الركعة التى سبقتنا. رواه مسلم.
الخفين منسوخ بآية المائدة لأنها نزلت فى غزوة المريسيع، وهذه القصة كانت فى غزوة تبوك، وهى بعدها باتفاق ، إذ هى
آخر المغازى (فانتهينا) أى وصلنا (وقد قاموا إلى الصلاة) أى صلاة الصبح، جملة حالية (ويصلى بهم) أى والحال
أنه يصلى بهم إماما لهم. وفى مسلم: وقد قاموا فى الصلاة يصلى بهم (عبد الرحمن بن عوف) بن عبد عوف بن عبد بن
الحارث بن زهرة القرشى الزهرى أبو محمد المدنى ، أحد العشرة ، ولد بعد الفيل بعشر سنين ، وأسلم قديما على يد أبى
بكر الصديق، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وأحد الستة، شهد بدرا والمشاهد كلها ، وكان اسمه عبد الكعبة، ويقال:
عبد عمرو، فغيره النبي ◌ٍَّ. أصيب يوم أحد، وجرح عشرين جراحة أو أكثر فأصابه بعضها فى رجله فعرج. قال
الزهرى: تصدق على عهد النبي ◌َّ بأربعة آلاف، ثم بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمس مائة فرس، ثم على
خمس مائة راحلة. وكان عامة ماله من التجارة. وأوصى لنساء النبي ◌َّم بحديقة قومت بأربعمائة ألف. ومناقبه كثيرة
شهرة. له خمسة وستون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخارى بخمسة. مات سنة (٣٤) وقيل (٣٣) وقيل (٣١)
قال بعضهم: وله (٧٥) سنة ، ودفن بالبقيع (فلما أحس بالني) أى علم بمجيته (ذهب يتأخر) من موضعه ليتقدم
النبيِ مَّمِ (فأوماً إليه) أى أشار إليه أن يكون على حاله (فأدرك النبى مَّ إحدى الركعتين معه) أى اقتدى به فى الركمة
الثانية. وفيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وأن الأفضل تقديم الصلاة فى أول الوقت ، فإنهم فعلوها أول الوقت، ولم
ينظروا النبى ◌َّة، وأن الامام الراتب إذا أخرعن أول الوقت استحب للجماعة أن يقدم واأحدهم فيصلي بهم (فلما سلم) أى
عبد الرحمن (قام النبى) أى لأداء ما سبق. فيه أن من سبقه الا مام ببعض الصلاة أتى بما أدرك، فإذا سلم أتى بما بقى عليه، ولا
يسقط ذلك عنه. وفيه اتباع المسبوق للإمام فى فعله فى ركوعه، وسجوده، وجلوسه، وإن لم يكن ذلك موضع فعله
الأموم، وإنما المسبوق إنما يفارق الامام بعد سلام الإمام (فركعنا) أى صلى كل منا منفردا، ويحتمل على بعد أن يكون
المعنى: صليت معه مقتديا به فى الركعة التى فاتتنا ، فيكون دليلا على جواز إمامة المسبوق ، ولا يخفى ما فى هذا الاستدلال
من الضعف والوهن، لأن ضمير الجمع يكفى له الاشتراك فى أصل القضاء، ولا يقتضى ذلك التبعية بحيث أن يكون
أحدهما إماما للآخر فى قضاء ما فاتهما من الركعة ، ولو سلم فهى واقعة حال تحتمل الخصوصية وغير ذلك (رواه مسلم)
للحديث طرق وألفاظ عند مسلم ليس السياق المذكور من أوله إلى آخره، أى بتمامه فى طريق منها ، بل هو
مأخوذ مركب من عدة طرق عنده كما لا يخفى على من تأمل فى طرقه وألفاظه. وأصل الحديث متفق عليه بين الشيخين
وله ألفاظ فى الصحيحين، وأبى داود، والنسائى وابن ماجه، أخرجوه مطولا ومختصرا، أورده مسلم فى الطهارة والصلاة
٢١٤

مرعاة المفاتيح ج ٢
T
٣ - كتاب الطهارة
٩ - باب المسح على الخفين
( الفصل الثانى )
٥٢١ - (٣) عن أبى بكرة، عن النبى مُّ: أنه رخص المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والقيم يوما
وليلة ، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما. رواه الأثرم فى سننه، وابن خزيمة،
والبخارى فيهما ، وفى الجهاد، والمغازى، واللباس، وليس فى روايته ذكر المسح على الناصية والعمامة، وصلاة
عبد الرحمن بن عوف بالناس .
٥٢١ - قوله (عن أبى بكرة) بسكون الكاف وبالناء، هو نفيع - بضم النون وفتح الفاء وسكون الياء - ابن الحارث
ابن كلدة - بفتحتين - ابن عمرو الثقفى. وقيل: اسمه مسروح، بمهملات. قيل: تدلى من حصن الطائف إلى الني رؤيته
بكرة وأسلم، فكناه النبى مَّ بأبى بكرة وأعتقه، فهو من مواليه. كان من خيار الصحابة ، ونزل البصرة ، وكان من
اعتزل يوم الجمل وصفين ، ولم يقاتل مع واحد من الفريقين. له مائة واثنان وثلاثون حديثا، اتفقا على ثمانية، وانفرد
البخارى بخمسة ، ومسلم بآخر. روى عنه أولاده عبد الرحمن وعبد الله ومسلم وغيرهم. مات سنة (٥١) أو (٥٢)
(رخص السافر) أى فى المسح على الخفين (إذا تطهر) أى كل من المسافر والمقيم إذا تطهر من الحدث الأصغر
(فلبس خفيه) أى لبس خفيه بعد تمام الطهارة، قاله ابن الملك. قال القارى: ولا يشترط التعقيب، فالفاء لمجرد البعدية. وقال
الأمير اليمانى: ليس المراد من الفاء التعقيب بل مجرد العطف لأنه معلوم أنه ليس شرطا فى المسح. وفى رواية ابن ماجه: إذا
توضأ ولبس خفيه. قال السندى: ظاهره أنه يلبس خفيه بعد الوضوء (أن يمسح عليهما) هذا الحديث مثل حديث
على رضى الله عنه فى إفادة مقدار المدة للسافر والمقيم، ومثل حديث أنس وصفوان فى شرطية الطهارة أى الوضوء وقت
اللبس، وفيه إبانة أن المسح رخصة لتسمية الصحابى له بذلك (رواه الأثرم) بفتح الهمزة وسكون المثلثة وفتح الراء، هو
أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئى الإسكافى الطائى، ويقال: الكلبى، صاحب الإمام أحمد بن حنبل. سمع عفان بن مسلم ،
وأبا الوليد الطيالسى والقعنى وأبا نعيم ومسددا وطبقتهم ، وصنف التصانيف. حدث عنه النسائى فى السنن ، وموسى بن
هارون، وابن صاعد، وآخرون ، وله كتاب فى علل الحديث ومسائل أحمد بن حنبل ، وكان من أفراد الحفاظ. قال
أبو بكر الخلال: كان جليل القدر، حافظا. وقال الخطيب فى تاريخه (ج ٥: ص ١١٠): كان الأثرم من يعد فى الحفاظ
والأذكياء. وقال الذهبي فى التذكرة: كان له تيقظ عجيب. قال ابن معين: كان أحد أبويه جنيا. وقال إبراهيم
الأصبهانى: الأثرم أحفظ من أبى زرعة الرازى وأتقن. قال الذهبي: أظنه مات بعد الستين ومائتين. وله كتاب نفيس
فى السنن يدل على إمامته وسعة حفظه. وقال الخطيب: كان الأثرم من أهل إسكاف بنى جنيد ، وبه مات (وابن خزيمة)
بضم الخاء المعجمة فزاى بعدها تحتية مثناة فتاء تأنيث، هو الحافظ الكبير، إمام الأئمة، شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن
إسحق بن خريمة السلمى النيسابورى، ولد سنة (٢٢٣) وعنى بهذا الشأن فى الحداثة، انتهت إليه الإمامة والحفظ فى
عصره بخراسان، حدث عنه الشيخان خارج صحيحيهما. قال الذهبي: كان هذا الامام فريد عصره. قال أبو حاتم
٢١٥

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٩ - باب المسح على الخفين
والدار قطنى. وقال الخطابى: هو صحيح الإسناد، هكذا فى المنتقى.
٥٢٢ - (٤) وعن صفوان بن عسال، قال: كان رسول اللّه مَّم يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع
خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم.
محمد بن حبان التميمى: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأن
السنن بين عينيه إلا محمد بن اسحق بن خزيمة فقط . وقال الدار قطنى: كان ابن خزيمة إماما ثبتا معدوم النظير ، وفضائله
کثیرة استوعب الحاكم سیرته وأحواله ، وقد ذكر شيئا منها الذھی فی التذكرة (ج ٢ ، ص ٢٨٧ - ٢٩٦) توفى
سنة (٣١١) وهو فى تسع وثمانين سنة (والدارقطنى. وقال الخطابي) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة نسبة إلى
الخطاب، وهو أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستى، صاحب معالم السنن فى شرح أبى داود، وإعلام
السنن فى شرح صحيح البخارى، توفى سنة (٣٨٨) (هو صحيح الإسناد هكذا فى المنتقى) من الأخبار فى الأحكام ، كتاب
مشهور شرحه الشوكانى، وسمى شرحه نيل الأوطار. وهو لمجد الدين أبى البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم المعروف
بابن تيمية الحنبلى المتوفى سنة (٦٥٢) وهو جد شيخ ابن القيم تقى الدين أبى العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن
عبد الله بن أبى القاسم بن تيمية الحرانى المتوفى سنة (٧٢٨) وارجع لترجمتهما، وكشف أحوال ((المنتقى، إلى «إتحاف
النبلاء، وأوائل ((نيل الأوطار)) و((مقدمة تحفة الأحوذي)) والحديث أخرجه أيضا الشافعى وابن أبى شيبة وابن حبان وابن
الجارود والبيهقى، والترمذى فى العلل المفرد ، وصححه أيضا الشافعى وابن خزيمة .
٥٢٢ - قوله (وعن صفوان) بفتح الصاد وسكون الفاء (بن عسال) بفتح العين (يأمرنا) ظاهره وجوب المسح،
ولكن الإجماع صرفه عن ظاهره، فبقى للإباحة والندب. وقد اختلف العلماء هل الأفضل المسح على الخفين أو نزعهما
وغسل القدمين ؟ فذهب جماعات من الصحابة ، والعلماء بعدهم إلى أن الغسل أفضل لكونه الأصل . قال النووي: صرح
أصحابنا بأن الغسل أفضل بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن السنة، كما قالوا فى تفضيل القصر على الإتمام. قلت: ويؤيدهم.
قول أبى بكرة فى الحديث السابق: رخص. وذهب جماعة من التابعين إلى أن المسح أفضل لحديث صفوان هذا، ولأجل من
طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، وإحياء ما طعن المخالفون فيه أفضل من تركه (إذا كنا سفرا) بسكون
الفاء جمع سافر، كصحب جمع صاحب أى مسافرين (أن لا ننزع خفافنا) يعنى يأمرنا أن نمسح عليهما، والخفاف بكسر
الخاء جمع الخف (إلا من جنابة) أى فننزعها ولو قبل مرور الثلاث، وهو استثناء مفرغ تقديره: أن لا ننزع خفافنا من
حدث من الأحداث إلا من جنابة ، فإنه لا يجوز للغتسل أن يمسح على النف ، بل يجب عليه النزع، وغسل الرجلين
كسائر الأعضاء (ولكن) عطف على مقدر يدل عليه ((إلا من جنابة)، وقوله: (من غائط) متعلق بمحذوف تقديره أمرنا
أن ننزع خفافا من جنابة، ولكن لا ننزعهن من غائط (وبول ونوم) أى لأجل هذه الأحداث إلا إذا مرت المدة
٢١٦

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٩ - باب المسح على الخفين
رواه الترمذى والنسائى.
٥٢٣ - (٥) وعن المغيرة بن شعبة، قال: وضأت النى مَّ فى غزوة تبوك، فمسح أعلى الخف
وأسفله. رواه أبو داود، والترمذى، وابن ماجه. وقال الترمذى: هذا حديث معلول. وسألت
أبا زرعة
المقدرة. وقال الخطابى فى معالم السنن (ج ١: ص ٦٢): كلة لكن موضوعة للاستدراك ، وذلك لأنه تقدمه نفى
واستثناء، وهو قوله: كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة. ثم قال: لكن من بول وغائط
ونوم. فاستدركه بـ«لكن، ليعلم أن الرخصة إنما جاءت فى هذا النوع من الأحداث دون الجنابة، فإن المسافر الماسح
على خفه إذا أجنب كان عليه نزع الخف وغسل الرجل مع سائر البدن ، وهذا کما تقول: ما جاءنى زيد لكن عمرو ،
وما رأيت زيدا لكن خالدا - انتهى. والحديث فيه دليل على اختصاص المسح على الخفين بالوضوء دون الغسل، وهو
مجمع عليه (رواه الترمذى والنسائى) وأخرجه أيضا الشافعى وأحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والدار قطنى
والبيهقى، والخطابی فی معالم السنن. قال الترمذىعن البخاری : إنه حديث حسن، بل قال البخاری : ليس فى التوقيت شئی
أصح من حديث صفوان بن عسال المرادى. ذكره فى سبل السلام (ج ١: ص ٨٦) وصححه الترمذى ، وابن
خزيمة والخطابى .
٥٢٣ - قوله (وضأت النبي نَّ) أى سكبت الوضوء على يديه. وقيل: حصلت وضوءه (فسح أعلى الخف
وأسفله) فيه بيان محل المسح على الخف وأنه أعلاه وأسفله، لكن الحديث فيه كلام كما ستعرف. ولم أقف فى المسح على
ظاهر الخف وباطنه على حديث مرفوع صحيح خال عن الكلام ، وقد ثبت عن على والمغيرة مرفوعا بإسناد جيد مسح
الخفين على ظاهرهما فقط ، كما سيأتى، فالراجح أن محل المسح هو أعلى الخف دون أسفله (رواه أبو داود والترمذى
وابن ماجه) وأخرجه أيضا أحمد وابن الجارود والدار قطنى والبيهقى كلهم من طريق الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد،
عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة ، عن المغيرة. وفى رواية ابن ماجه: عن وراد كاتب المغيرة ، عن المغيرة
(وقال الترمذى: هذا حديث معلول) هذا لحن على طريق أهل اللغة لأنه من على بالشراب إذا سقاه مرة بعد أخرى.
ويقال له: المعلل، أيضا. والأجود فيه أن يقال: معل بلام واحدة لأنه مفعول أعل قياسا، وأما معلل فمفعول علل وهو لغة
بمعنى ألهاه بالشئى وشغله . والحديث المعلل أو المعل ما اطلع فيه على علة غامضة خفية تقدح فى صحته مع ظهور السلامة ،
يتنبه لها الحذاق المهرة من أهل هذا الشأن، كإرسال فى الموصول ، ووقف فى المرفوع، ونحو ذلك. وحديث المغيرة
هذاقد بين الترمذى علته بقوله: لم يسنده أى لم يروه متصلا عن ثوربن يزيد غير الوليد بن مسلم (وسألت أبا زرعة) هو
٢١٧

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٩ - باب المسح على الخفين
ومحمدا يعنى البخارى، عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، وكذا ضعفه أبو داود.
عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازى القرشى مولاهم، إمام حافظ ثقة مشهور، روى عن خلق كثير
وعنه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه وأبو حاتم وآخرون. قال الخطيب: كان إماما ربانيا حافظا مكثرا. وقال
الذهبى: سمع خلقا كثيرا بالحرمين ، والعراق ، والشام، والجزيرة، وخراسان ، ومصر .. وكان من أفراد الدهر حفظا ،
وذكاء، ودينا، وإخلاصا، وعلا، وعملا. وقال ابن حبان فى الثقات: كان أحد أئمة الدنيا فى الحديث مع الدين
والورع، والمواظبة على الحفظ والمذاكرة، وترك الدنيا وما فيه الناس. مات فى آخر يوم من سنة (٢٦٤) وله
أربع وستون سنة. وقد بسط ترجمته الذهبى فى التذكرة (ج ٢: ص ١٣٦ - ١٣٨) والحافظ فى تهذيب
التهذيب (ج ٧: ص ٣٠ - ٣٣) والشيخ فى مقدمة شرح الترمذى (ص ٢٢٩) (ومحمدا يعنى البخارى عن هذا الحديث،
فقالا ليس بصحيح) لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء، قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسلا عن النبي تَبئر،
ولم يذكر فيه المغيرة (وكذا ضعفه أبو داود) قال: بلغتى أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء، وهذا خلاف ما علل
به أبو زرعة والبخارى، أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة. قلت: وضعفه أيضا الشافعى وأحمد وأبو حاتم
وموسى بن هارون والدار قطنى، وغيرهم. واعلم أنه أعل هذا الحديث بخمس علل: الأولى تدليس الوليد بن مسلم ،
وهى مدفوعة بأن الوليد قال: حدثناثور، كما فى رواية ابن ماجه، وفى رواية الترمذى أخبرنى ثور، فلا تدليس. والثانية
أن ثورا لم يسمعبه من رجاء ، فإنه قال: حدثت عن رجاء، كما ذكره الأثرم عن أحمد. وأجيب عنها بأن الدار قطنى
والبيهقى، روياه من طريق داود بن رشيد، وهو ثقة: ثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد:
ثنا رجاء بن حيوة. فقد صرح ثور فى هذه الرواية بالسماع من رجاء، فزالت العلة. قال الحافظ : لكن رواه أحمد بن
عبيد الصفار فى مسنده عن أحمد بن يحى، عن الحلوانى، عن داود بن رشيد، فقال عن رجاء، ولم يقل : حدثنا رجاء ، فهذا
اختلاف على داود يمنع القول بصحة وصله مع ما تقدم فى كلام الأئمة - انتهى. الثالثة الإرسال ، فقد رواه ابن المبارك
عن ثور مرسلا لم يذكر المغيرة، وأجيب عنها بأن الوليد بن مسلم ثقة، فإن خالقه ابن المبارك فى هذه الرواية فإنما زاد
أحدهما من الآخر، وزيادة الثقة مقبولة، ولم يتفرد الوليد بذكر المغيرة بل تابعه على ذلك إبراهيم بن أبى حبيبة عند
الشافعى فى الأم ومحمد بن عيسى بن سميع على ما ذكره الدار قطنى فى العلل، فقد روياه عن ثور مثل الوليد بن مسلم .
والرابعة أن رجاء لم يسمعه عن كاتب المغيرة، فإنه قال: حدثت عن كاتب المغيرة. كما تقدم. والخامسة جهالة كاتب المغيرة
وهى مدفوعة بما فى رواية ابن ماجه من تصريح اسمه بأنه وراد. قلت: الظاهر أن حديث المغيرة هذا ضعيف، فإن العلة الرابعة
عقيمة عن الجواب، وهى مؤثرة وحدها فى صحة الحديث . وأما ما ذكر من متابعة إبراهيم بن أبى حبيبة، ومحمد بن عيسى
بن سميع لثور ففيه أن ابن أبى حبيبة هذا قد ضعفه عامة المحدثين، ووثقه تلميذه الشافعى فقط، ومحمد بن عيسى وإن كان
صدوقا لكنه يخطئى ويدلس.
٢١٨

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٩ - باب المسح على الخفين
٥٢٤ - (٦) وعنه، أنه قال: رأيت النى ويضم يمسح على الخفين على ظاهرهما. رواه الترمذى،
وأبو داود.
٥٢٥ - (٧) وعنه، قال: توضأ الني تر، ومسح على الجوربين والنعلين. رواه أحمد، والترمذى
وأبو داود ، وابن ماجه.
٥٢٤ - قوله (على ظاهر هما) أى على أعلاهما، فيه دليل على أن مخل المسح أعلى الخفين وظاهر هما، لا غير
(رواه الترمذى) وقال: حديث حسن (وأبو داود) وسكت عنه. ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره. وقال الحافظ
فى التلخيص: إسناده صحيح. والحديث أخرجه أيضا البخارى فى التاريخ الأوسط والطيالسى والبيهقى. وفى الباب أيضاً
عن عمر بن الخطاب عند ابن أبى شيبة والبيهقى، قاله الشوكانى.
٥٢٥ - قوله (ومسح على الجوربين) تثنية جورب، وهو لفافة الرجل، وقيل: غشاء للقدم من صوف أو شعر أو
كرباس، أو جلد، فخينا كان أو رقيقا إلى نحو الساق (والنعلين) أى مع الثعلين، تثنية النعل، وهو ما وقيت به القدم من
الأرض كالنعلة، قاله فى القاموس، وقال الجزرى: النعل مؤنثة، وهى التى تلبس فى المشى، تسمى الآن تاسومة - انتهى.
والمعنى أن النعاين لبسهما فوق الجوربين، فمسح على الجوربين والنعاين معا، وكان قاصدا بمسحه ذلك إلى جوريه لا إلى
تعليه ، فكان مسحه على الجوربين هو الذى تظهر به، ومسحه على النعلين فضل. هذا حاضل ما قاله الخطابى والطحاوى
وابن القيم والطبي وقيل فى معناه غير ذلك، والصواب ما قال هؤلاء الأئمة. وفى الحديث دليل على جواز مسح الجورب
من أى شئ كان تخينا أو رقيقاً، لأنه ورد فى الحديث مطلقا غير مقيد بوصف التجليد، أو التنعيل، أو الصفاقة والثخونة
من كرباس، أو صوف، أو شعر أو جلد، لكن الحديث قد تكلم فيه الأئمة كما سيأتى. وفى الباب عن أبى موسى أخرجه
ابن ماجه والطحاوى والبييق وهو ضعيف، وعن بلال أخرجه الطبرانى وغيره، وفيه أيضا ضعف، نعم قد صح المسح
على الجوربين عن كثير من الصحابة، ذكر أسماهم أبو داود فى سننه. وقد أشبع شيخنا الكلام على هذه المسئلة فى شرح
الترمذى (ج ١: ص ١٠٠ - ١٠٤) وابن حرم فى المحلى (ج ٢: ص ٨٤ - ٨٧) فارجع إليهما. والراجح عندى أن
الجوربين إذا كانا تخينين بحيث يستمسكان على القدمين بلا شد ويمكن المشى فيهما يجوز المسح عليهما
لأنهما فى معنى الخفين، وإن لم يكونا كذلك ففى جواز المسح عليهما عندى تأمل، عملا بقوله: دع ما يريك إلى ما لا
يريك. ومن اطمئن قلبه بعد إمعان النظر فى المسئلة بإطلاق القول فى المسح عليهما فهو وشأنه (رواه أحمد والترمذى
وأبو داود وابن ماجه) وأخرجه أيضا اليهق، وابن حبان فى صحيحه، كلهم من حديث أبى قيس، عن هزيل بن شرحيل
عن المغيرة. والحديث قد صحه الترمذى، وضعفه كثير من الأئمة مثل سفيان الثورى، وعبد الرحمن بن مهدى وأحمد
٢١٩

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٩ - باب المسح على الخفين
( الفصل الثالث )
٥٢٦ - (٨) عن المغيرة، قال: مسح رسول اللّه مَّل على الخفين. فقلت: يا رسول الله! نسيت؟
قال : بل أنت نسيت ، بهذا أمرنى ربى عز وجل. رواه أحمد ، وأبو داود.
٥٢٧ - (٩) وعن على، قال: لو كان الدين بالرأى لكان أسفل الخف
ابن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المدينى ومسلم بن الحجاج، وأبي داود والنسائى والبيهقى، والنووى. وحاصل ما فضعفوه
به أن المعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، وأن هزيل بن شرحبيل رواه عن المغيرة فقال: مسح على الجوربين،
تخالف جميع الناس الذين رووا عن المغيرة المسح على الخفين. قلت: قال الشيخ تقي الدين فى الامام: ومن يصححه
يعتمد على كونه ليس مخالفا لرواية الجمهور مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه ولا يعارضه، ولا سيما وهو
طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة لم يشارك المشهورات فى سندها. وقال غيره: مخالفة هزيل الناس إنما تضر إذا
كان ما رووه حكاية عن فعل وقت واحد، وأما إذا كان حكاية عن وضوعين مختلفين وقعا فى وقتين مختلفين ، فلا يضره
الرواية المعروفة عن المغيرة فى المسح على الخفين، لأنهما حديثان مختلفان، وروايتان عن حادثتين مختلفتين، والمغيرة صحب
النبى مُؤَّ نحو خمس سنين ، فلا بعد فى أن يشهد من النبي وقائع متعددة يحكيها ، فيسمع بعض الرواة منه شيئا ، ويسمع
غيره شيئا آخر.
٥٢٦ - قوله (نسيت) يحتمل تقدير همزة الاستفهام وتركه (قال) أى رسول الله مؤتم ما نسيت (بل أنت نسيت)
أى إنى مشرع حيث نسبت إلى النسيان (بهذا أمرنى ربى) ففعلى عمد، أو المعنى تركت الأدب حيث جزمت بنسبة النسيان إلى،
فيكون قوله: بل نسيت. معناه أخطأت، ويكون من باب المشاكلة، ومعنى قوله: بهذا. أى بالمسح أمرنى أى أمر إباحة
وندب. ربى أى بالوحى الغير المتلو. وقيل: فيه إشارة إلى أن المسح على الخفين ثابت بالكتاب أيضا أى على قراءة
الجر فى ﴿أرجلكم﴾ (رواه أحمد وأبو داود) قال الشوكانى: الحديث إسناده صحيح، ولم يتكلم عليه أبو داود، ولا
المنذرى فى تخريج السنن ولا غيرهما. قلت: فى سنده بكير بن عامر البجلى، قال الحافظ فى التقريب: ضعيف - انتهى.
وضعفه يحى بن معين والنسائى وأبو زرعة وأحمد فى رواية. ووثقه ابن سعد والحاكم والعجلى، وذكره ابن حبان فى
الثقات ، وقال أبو داود: ليس بالمتروك.
٥٢٧ - قوله (لو كان الدين بالرأى) أى بالقياس، وملاحظة المعانى دون الرواية والنقل (لكان أسفل النف)
٢٢٠