Indexed OCR Text

Pages 121-140

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
بها أعضاءه بعد الوضوء. رواه الترمذى، وقال: هذا حديث ليس بالقائم وأبو معاذ الراوى ضعيف
عند أهل الحديث.
( الفصل الثالث ).
٤٢٤ - (٣١) عن ثابت بن أبى صفية، قال: قلت لأبى جعفر - هو محمد
الماء شربه، كتشفه، وقال فيه: أشف الماء تنشيفا أخذه بخرقة ونحوها (أعضاءه) كذا فى النسخ الموجودة عندنا بزيادة لفظ
((أعضائه) بعدقوله ((ينشف)» وليس هو فى المصابيح، ولا فى التلخيص، ولا جامع الترمذى، والمستدرك الحاكم والسنن الكبرى
للبيهقى ، فالظاهر أنه خطأ من زيادة الناسخ (بعد الوضوء) فيه أيضا دليل على جواز التنشيف وعدم كراهته ، وفى الباب
أحاديث أخرى تدل على جواز ذلك، ذكرها شيخنا فى شرح الترمذى نقلا عن العينى ، وكلها ضعيفة إلا حديث أبى مريم
أياس بن جعفر، عن فلان رجل من الصحابة أن النبي ◌َّ كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ. قال العينى
أخرجه النسائى فى الکنی. بسند صحيح رواه الترمذى، وأخرجه الحاكم (ج ١: ص ١٥٤)، والبيهقى (ج ١، ص ١٨٥)
(هذا حديث ليس بالقائم) أى ليس بالقوى، وبين وجهه بقوله (وأبو معاذ الراوى) قال الترمذى: يقولون: هو سليمان
ابن أرقم (ضعيف عند أهل الحديث) قال العلامة الشيخ أحمد محمد الشاكر فى تعليقه على الترمذى: إسناد المؤلف هنا فيه
سفيان بن وكيع بن الجراح، وهو فى نفسه ثقة صادق إلا أن وراقه أفسد عليه حديثه فأدخل عليه ما ليس منه ، ونصح
بتغييره فلم يقبل، فضعف حديثه باختلاطه بما ليس منه، ولكنه لم ينفرد برواية هذا الحديث، فقد رواه الحاكم فى المستدرك
من طريق محمد بن عبد الله بن الحكم عن ابن وهب، ورواه البيهقى عن الحاكم وغيره من طريق ابن عبد الحكم، وقد ضعف الترمذى
هذا الحديث من أجل سليمان بن أرقم فإنه ضعيف، ولكن الترمذى لم يجزم بأن أبا معاذ هو سليمان بن أرقم ، بل قال:
يقولون )، والبيهتى تبع الترمذى فى ذلك ، غير أنه جزم بأنه سليمان، وأما الحاكم فقال: أبو معاذ هو الفضيل بن ميسرة
بصرى ، روى عنه يحى بن سعيد، وأثنى عليه، وأقره الذهبي على ذلك فلم يتعقبه فيه، وبذلك يكون إسناد هذا الحديث
صحيحا - انتهى.
٤٢٤ - قوله (عن ثابت) بمثلثة وبموحدة ومثناة فوق (بن أبى صفية) بكسرة فاء مخففة وشدة ياء هو ثابت بن
أبى صفية الثمالى أبو حمزة واسم أبيه دينار، وقيل: سعيد، كوفى ضعيف رافضى ، مات فى خلافة أبى جعفر من صغار
النابعين (هو محمد) أى اسم أبى جعفر هو محمد ، وهو ابن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب الهاشمى،
ثقة فاضل ، من فقهاء التابعين، قال محمد بن فضيل عن سالم بن أبى حقصة: سألت أبا جعفرو ابنه جعفر بن محمد عن أبى بكر وعمر
فتالالى: يا سالم! تولهما وابراً من عدو هما فانهما كانا إمامى هدى. وعنه قال: ما أدركت أحدا من أهل بيتى إلا وهو يتولاهما.
١٢١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
الباقر - حدثك جابر: أن النبى مَّفتّ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم. رواه
الترمذى ، وابن ماجه .
٤٢٥ - (٣٢) وعن عبد الله بن زيد، قال: إن رسول اللّه مؤتمر توضأ مرتين مرتين، وقال: هو
/
نور على نور.
٤٢٦ - (٣٣) وعن عثمان، رضى الله عنه قال: إن رسول اللّه مَّ توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: هذا
وضوئى ووضوء الأنبياء قبلى، ووضوء إبراهيم.
كان مولده سنة (٥٦) ومات بالمدينة سنة (١١٤)، وقيل (١١٧) وقيل (١١٨) وهو ابن (٦٣) سنة، وقيل غير ذلك
ودفن بالبقيع (الباقر) أى باقر العلم، لقب به لتبقره أى توسعه وتبحره فى العلم، واشتهرابنه جعفر أبو عبد الله بالصادق،
وقوله ((هو محمد الباقر) زاده المؤلف لتعيين أبى جعفر (توضأ مرة مرة) الوضوء فعل مركب من غسلات ومسح، فقوله
(مرة مرة)) يتعلق بالكل فلذلك جاء مكررا، وعلى هذا فينبغى أن يكون مرتين وثلاثا كذلك، لكن المعلوم فى المسح مرة
فيحمل ذلك على التغليب ، لكن الغالب هو الغسل (قال نعم) قال الطبى: من عادة المحدثين أن يقول القارى بين
يدى الشيخ حدثك فلان عن فلان برفع إسناده وهو ساكت يقرر، وذلك كما يقول الشيخ حدثنى فلان عن فلان
ويسمعه الطالب - انتهى. وقال السيوطى فى تدريب الراوى: إذا قرأ على الشيخ قائلا: أخبرك فلان أو نحوه،
كقلت: أخبرنا فلان ، والشيخ مصغ إليه فاهم له غير منكر ، ولا مقر لفظا، صح السماع، وجازت الرواية به اكتفاء
بالقرائن الظاهرة، ولا يشترط نطق الشيخ بالإقرار، كقوله: نعم، على الصحيح الذى قطع به جماهير أصحاب الفنون،
وشرط بعض الشافعية والظاهريين نطقه به - انتهى. وفى الحديث بيان ثلاث أحوال فى ثلاث أوقات لا يبان حالة
واحدة (رواه الترمذى وابن ماجه) كلاهما من طريق شريك بن عبد الله النخعى عن ثابت بن أبي صفية، وشريك كثير
الغلط ، وثابت ضعيف الحديث بالاتفاق.
٤٢٥ - قوله (توضأ مرتين مرتين) أى غسل الأعضاء المغسولة مرتين مرتين (هونور على نور) أى غسل الأعضاء
المغسولة فى الوضوء مرتين مرتين سبب لزيادة النور. وقال الطبى: إشارة إلى قوله ((إن أمتى غر محجلون من آثار الوضوء»
أو هداية على هداية، أو سنة على فرض يهدى اللّه لنوره من يشاء.
٤٢٦ - قوله (توضأ ثلاثا ثلاثا) أى غسل الأعضاء المغسولة فى الوضوء ثلاثا (وقال هذا) أى الوضوء التام
الكامل (ووضوء الأنياء قبلى ووضوء إبراهيم) تخصيص بعد تعميم، وقد احتج به من قال أن الوضوء ليس مختصا بهذه
١٢٢
٢٠١٠١
٠

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
رواهما رزين، والنووى ضعف الثانى فى شرح مسلم.
٤٢٧ - (٣٤) وعن أنس، قال: كان رسول اللّه مَّم يتوضأ لكل صلاة، وكان أحدنا يكفيه
الوضوء مالم يحدث. رواه الدارمى.
٤٢٨ - (٣٥) وعن محمد بن يحيى بن حبان، قال: قلت لعديد اللّه بن عبد الله بن عمر: أرأيت وضوء
الأمة ، لكنه حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به على ذلك لضعفه قاله الحافظ ، نعم يؤيد هذا القول ما صح فى البخارى
وغيره ((أن إبرهيم وسارة توضآً وصليا، وإن جريها توضأ وصلى» فالظاهر أن الذى اختصت به الأمة هو الغرة والتحجيل
لا أصل الوضوء (رواهما رزين) وروى أحمد عن ابن عمر مرفوعا: من توضأ واحدة فتلك وظيفة الوضوء التى لا بد
منها ، ومن توضأ اثنتين فله كفلان من الأجر ، ومن توضأ ثلاثا فذاك وضوئى ووضوء الأنبياء قبلى. وفيه زيد العمى
وهو ضعيف. وروى ابن ماجه نحوه عن أبي بن كعب، وفيه عبد الله بن عروة عن زيد العمى ، وهما ضعيفان (والنووى
ضعف الثانى) أى حديث عثمان (فى شرح مسلم) وكذا الحافظ فى شرح البخارى كما تقدم. قلت: والحديث الأول أى
حديث عبد الله بن زيد ما حكى فيه من وضوءه مَّه مرتين مرتين قد رواه البخارى كما سبق، وأما قوله: هو نور على
نور فقال العراقى فى تخريج الإحياء: لم أقف عليه، وقال المنذرى فى الترغيب (ج ١: ص ٨١): لا يحضرنى له أصل من ..
حديث النبي ◌َّ، ولعله من كلام بعض السلف.
٤٢٧ - قوله: (كان رسول اللّه مَّ يتوضأ لكل صلاة) أى مفروضة، ووقع فى رواية للترمذى: ظاهرا أو
غير طاهر ، وظاهر الحديث أن تلك كانت عادته ، وهو يحتمل أن ذلك كان واجبا عليه خاصة ، ثم نسخ يوم خيبر
بحديث سويد بن النعمان الذى تقدم فى باب ما يوجب الوضوء، ويحتمل أنه كان يفعله استحبابا ثم خشى أن يظن وجوبه
فتركه لبيان الجواز، قال الحافظ: وهذا أقرب. قلت: ويدل لهذا ما تقدم من حديث بريدة فى باب ما يوجب الوضوء:
أنه ◌َِّ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، وأن عمر سأله فقال: عمدا صنعته، أى لبيان الجواز واحتج النسخ
بحديث عبد الله بن حنظلة الآتى، وسيجتى الكلام فيه (ما لم يحدث) من الاحداث (رواه الدارمى) وأخرجه أيضا أحمد
والطيالسى والبخارى والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٤٢٨ - قوله (وعن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة ابن منقذ الأنصارى المدنى ، يكنى أبا
عبد الله، تابعى، ثقة فقيه قال الواقدى: كان له حلقة فى مسجد المدينة، وكان يفتى، وكان ثقة كثير الحديث. وقال
المصنف: روى عنه جماعة، وهو من مشائخ مالك، وكان مالك يجله ويذكره بكل فضل من العبادة والزهد والفقه
والعلم، مات بالمدينة سنة (١٤١) وهو ابن (٧٤) سنة (قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوى المدنى ،
١٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، عمن أخذه؟ فقال: حدثته أسماء بنت زيد
بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر الغسيل ،
يكنى أبا بكر ، شقيق سالم بن عبد الله بن عمر ثقة من أوساط التابعين، مات سنة (١٠٦) وقال المصنف: روى عنه الزهرى
ونقر من أعلام التابعين، مات قبل أخيه سالم وهو ثبت ثقة، حديثه فى الحجازيين، ووقع فى رواية أبى داود عبد الله بن عبد الله
بن عمر مكبرا، وهو أكبر ولد عبد الله بن عمر، ثقة قليل الحديث. مات سنة (١٠٥) (عمن أخذه) متعلق بمعنى أرأيت أى
أخبرنى عمن أخذه، والضمير بمعنى اسم الإشارة والمشار إليه الوضوء المخصوص (فقال) أى عبيد اللّه (حدثته) أى
عبيد الله ففى رواية أبى داود: فقال: حدثتنيه (أسماء) قال ميرك: هو معنى ما قاله لا ما تلفظ به ، فإن لفظه («هو حدثنى
(بنت زيد بن الخطاب) هو أخو عمر بن الخطاب ، قال فى التقريب: أسماء بنت زيد بن الخطاب العدوية يقال: لها صحبة
وقال ابن الأثير: لها رؤية، وقال فى التهذيب (ج ١٢: ص ٣٩٨) ذكرها ابن حبان وابن مندة فى الصحابة، وذكرها الحافظ
فى الإصابة فى القسم الثانى من حرف الألف من النساء (ج ٤: ص ٢٤٦): (وهو فيمن ذكر من الصحابة من الأطفال
الذين ولدوا فى عهد النبي {ّم لبعض الصحابة من النساء والرجال من مات متے وهو فى دون سن التمييز) وقال: يدل على
أنها من أهل هذا القسم أن والدها استشهد باليمامة بعد النبى مد له بقليل، وكانت دواعى الصحابة متوفرة على إحضار أولادهم
إذا ولدوا ليبرك عليهم النبي ◌َّ - انتهى (أن عبد الله بن حنظلة) ويقال له: ابن الغسيل، لأن أباه حنظلة غسيل الملائكة كما
سيأتى، وأم عبد الله جميلة بنت عبد الله بن أبي. قال ابن سعد: كان حنظلة لما أراد الخروج إلى أحد وقع على امرأته
فعلقت يومئذ بعبد الله فى شوال على رأس اثنين وثلاثين من الهجرة فولدته أمه بعد ذلك. وتوفى النبي محمد لم وهو ابن سبع
وقد رآه ، وروى عنه، وكان خيرا فاضلا مقدما فى الأنصار. قال ابن عبد البر: أحاديثه عندى مرسلة ، واستشهد يوم
الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وستين ، وكانت الأنصار قد بايعته يومئذ، وبايعت قريش
عبد الله بن مطيع: وكان عثمان بن محمد بن أبى سفيان قد أوفده إلى يزيد بن معاوية، فلما قدم على يزيد حباه
وأعطاه، وكان عبد الله فاضلا فى نفسه فرأى منه ما لا يصلح فلم ينتفع بما وهب له، فلما انصرف خلعه فى جماعة أهل المدينة
فبعث إليهم مسلم بن عقبة فكانت الحرة (الغسيل) أى غسيل الملائكة، وهو بالجر صفة حنظلة بن أبي عامر الراهب الأنصارى
الأوسى، ذكر أهل السير أن حنظلة الغسيل كان قد ألم بأهله فى حين خروجه إلى أحد، ثم هجم عليه من الخروج فى النفير
ما أنساه الغسل وأعجله عنه، فلما قتل شهيدا أخبر رسول اللّه مؤ أن الملائكة غسلته. وروى عروة بن الزبير أن
رسول اللّه ◌ُخيّم قال لا مرأة حنظلة: ما كان شأنه؟ قالت: كان جنبا وغسلت أحد شقي رأسه، فلما سمع الهمة خرج فقتل
١٢٤
-
......

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
حدثها أن رسول اللّه مَّى كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك
على رسول اللّه عَّ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. قال: فكان
عبد الله يرى أن به قوة على ذلك ففعله حتى مات. رواه أحمد.
٤٢٩ - (٣٦) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبى مؤتم مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا
السرف يا سعد؟ قال: أفى الوضوء سرف؟ قال نعم! وإن كنت على نهر جار. رواه أحمد وابن ماجه.
فقال رسول اللّه مَلقُّ: لقد رأيت الملائكة تغسله، كذا فى الاستيعاب (ج ١: ص ١٠٥) (حدثها) أى حدث عبد الله
أسماء ( كان أمر) بصيغة المجهول (بالوضوء) قال فى التوسط شرح سنن أبي داود: هذا الأمر يحتمل كونه له خاصا به
أو شاملا لأمته، ويحتمل كونه بقوله تعالى ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ بأن يكون الآية على ظاهرها - انتهى. قلت:
وحمل على رضى الله عنه هذه الآية على ظاهرها كما يدل عليه ما رواه الدارمى عنه فى باب قوله ﴿ إِذا قتم إلى الصلاة
فاغسلوا وجوهكم﴾ من مسنده، وقد تقدم الكلام فى معنى الآية مفصلا (فلما شق ذلك) أى الوضوء لكل صلاة
(أمر بالسواك عند كل صلاة) قال الطبي: فيه تنبيه على نخامة السواك حيث أقيم مقام ذلك الواجب، وكاد أن يكون
واجبا عليه (ووضع عنه الوضوء) أى وجوبه (إلا من حدث) أى من حدوث حدث حقيقى أو حكمى (قال) أى عبيد الله
(فكان عبد اللّه) أى ابن عمر (يرى أن به) أى بعبد اللّه، والجار مع مجروره خبر مقدم لأن (قوة) بالنصب على أنه
إسمه المؤخر، والجملة قائمة مقام مفعولى يرى (على ذلك) أى على نحو فعله مرّم قبل النسخ (ففعله) أى الوضوء لكل صلاة
(رواه أحمد) (ج ٥: ص ٢٥٥) وأخرجه أيضا الدارمى وأبو داود وسكت عنه وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان
والحاكم (ج ١: ص ١٥٥، ١٥٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي والبيهقى ، وفى سنده عندهم جميعا محمد
بن اسحق وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس: لكن صرح فى رواية الحاكم بالتحديث.
٤٢٩ - قوله (مربسعد) أى ابن أبى وقاص (وهو يتوضأ) يعنى يسرف فى وضوئه، إما فعلا كالزيادة على الثلاث
وإما قدرا كالزيادة على قدر الحاجة فى الاستعمال (ما هذا السرف) بفتحتين بمعنى الإسراف أى التجاوز عن الحد فى
الماء (قال: أفى الوضوء سرف؟) بناء على ما قيل لا خير فى سرف ولاسرف فى خير، فظن أن لا إسراف فى الطاعة
والعبادة (قال نعم! وإن كنت على نهر جار) فإن فيه إسراف الوقت وتضيع العمر، أو تجاوزا عن الحد الشرعى كما تقدم.
وقال الطبى: هو تتميم لإرادة المبالغة أى نعم ذلك تبذير وإسراف فى ما لم يتصور فيه التبذير فكيف بما تفعله ، ويحتمل
أن يراد بالاسراف الاثم بسبب التجاوز عن الحد الشرعى (رواه أحمد وابن ماجه) وفيه ابن لهيعة، قال أبو حاتم
١٢٥

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
ہ۔ باب الغسل
٤٣٠ ٤٣١، ٤٣٢، (٣٩،٣٨،٣٧) وعن أبى هريرة، وابن مسعود، وابن عمر، أن النبى محمدثم قال: من
توضأ وذكر اسم الله، فإنه يطهر جسده كله، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله، لم يطهر إلا موضع الوضوء.
٤٣٣ - (٤٠) وعن أبى رافع، قال: كان رسول اللّه عَّ إذا توضأ وضوء الصلاة حرك خاتمه فى
أصبعه. رواهما الدارقطنى ، وروى ابن ماجه الأخير.
(٥) باب الغسل
الفصل الأول )
وأبو زرعة: يكتب حديثه للاعتبار. وقال الحافظ فى التلخيص (ص ٥٣) بعد ذكر هذا الحديث: إسناده ضعيف ، وقال
فى الفتح (ج ١: ص ١١٨) بإسناد لين .
٤٣٢،٤٣١،٤٣٠ - قوله (إن النبي) كذا فى طبعات الهند ووقع فى نسختى القارى والألبانى عن النبى
(وذكر اسم الله) أى فى أول وضوئه (فإنه يطهر) من التطهير على البناء للفاعل (جسده كله) أى من الذنوب (لم يطهر
إلا موضع الوضوء) أى إلا ذنوب المواضع المخصوصة يعنى من الصغائر ، وقد استدل به من قال بعدم وجوب التسمية
فى أول الوضوء، لكنه حديث ضعيف جدا بجميع طرقه، فلا يصح الاحتجاج به على هذا المطلوب ، والحق أن التسمية
فى أول الوضوء واجب لا يصح الوضوء بدونها .
٤٣٣ - قوله (وضوء الصلاة) احتراز عن غسل اليد فإنه وضوء لغوى (حرك خاتمه فى إصبعه) قال القارى:
أى لأن استيعاب الغسل فرض فيسن تحريك الخاتم إذا فان وصول الماء إلى ما تحته، وإلا فيجب تحريكه - انتهى.
وفيه دليل على مشروعية تحريك الخاتم ليزول ما تحته من الأوساخ، ويصل الماء إليه، وكذلك ما يشبه الخاتم من
الأسورة والحلية ونحوهما (رواهما الدار قطنى) قد تقدم الكلام فى الحديث الأول فى شرح حديث سعيد بن زيد
(وروى ابن ماجه الأخير) وهو ضعيف ، فإن فى سنده معمر بن محمد بن عبيد الله، وهو ضعيف منكر الحديث ، عن
أبيه محمد بن عبد الله، وهو أيضا ضعيف منكر الحديث جدا ، ذاهب متروك، وقد ذكره البخارى تعليقا عن ابن
سیرین، ووصله ابن أبى شيبة .
-
(باب الغسل) هو بفتح الغين أفصح وأشهر من ضمها، مصدر غسل الشئ، وبمعنى الاغتسال ، وبكسرها اسم لما
يغسل به من سدر وخطمى ونحوهما ، وبالضم اسم الماء الذى يغتسل به، قاله القسطلانى، وهو بالمعنيين الأولين إسالة
الماء وإمراره على الشئى، واختلف فى الدلك فقيل: يجب، وقيل: لا يجب، والمسئلة لغوية، واحتج من قال: ليس من
١٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٥- باب الغسل
٤٣٤ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّ: إذا جلس أحدكم بين شعبها الأربع، ثم
جهدها ، فقد وجب الغسل وإن لم ينزل. متفق عليه.
مسماه الذلك، بقول العرب: غسل المطر الأرض، وليس فى ذلك إلا الإسالة. قال الآلوسى فى تفسيره (ج ٦:
ص ٦٩): ومنع بأن وقعه من علو خصوصا مع الشدة والتكرر ذلك أى دلك، وهم لا يقولونه إلا إذا نظفت
الأرض، وهو إنما يكون بدلك ، وبأنه غير مناسب للعنى المعقول من شرعية الغسل وهو تحسين هيئة الأعضاء الظاهرة
للقيام بين يدى الرب سبحانه الذى لا يتم بالنسبة إلى سائر المتوضئين إلا بالدلك - انتهى. وقال بعض الخفية: الدلك
معتبر فى الغسل لغة ، وأقر به الشيخ ابن الهمام فى فتح القدير ، ولذا شرطه المالكية ، وما لا دلك فيه لا يسمى غسلا بل
يقال له: الصب والإسالة - انتهى. قلت: قوله مَّه: بلوا الشعر وأنقوا البشر، يشعر بوجوب الذلك، لأن الإنقاء
لا يحصل بمجرد الإفاضة والإسالة. وقيل: الذلك ليس واجبا لذاته، إنما هو واجب لتحقق وصول الماء، فلو تحقق
لم يجب كما قاله ابن الحاج فى شرح المنية، واشترط الذلك فى الغسل.
٤٣٤ - قوله (إذا جلس أحدكم بين شعبها الأربع) أى يديها ورجليها، أو رجليها ونذيها، أو مغذيها
وشغريها، أو ساقيها ويغذيها، أو نواحى فرجها الأربع، والشعب - بضم المعجمة وفتح المهملة - النواحى جمع شعبة
(ثم جهدها) يقال: جهد وأجهد أى بلغ المشقة يعنى بلغ جهده فى العمل بها أى حفزها وكدها بحركته، والمراد هنا الجماع
ومعالجة الإيلاج كنى به عنها ، ففى رواية أبى داود: وألزق الختان بالختان ، بدل قوله: ثم جهدها ، فهذا يدل على أن
المراد بالجهد مهنا الجماع (فقد وجب الغسل) أى عليهما (وإن لم ينزل) ولا أنزلت هى. فيه دليل على أن الانزال غير
مشروط فى وجوب الغسل ، بل المدار على الإيلاج وغيبوبة الحشفة فى الفرج وهو الحق. وقيل: لا يجب الغسل إلا
بالإنزال ، وكان الخلاف فيه مشهورا بين الصحابة ، ثم استمر بين العلماء بعدهم إلى عصر المؤلفين من الأئمة حتى قال
البخارى فى صحيحه: الغسل أحوط، وذاك الأخير إنما بينا لاختلافهم، والماء أنقى، لكن الخلفاء الأربعة وجمهور
الصحابة والتابعين ومن بعدهم على إيجاب الغسل بمجرد الجماع، ولو لم ينزل وهو الصواب (متفق عليه) هذا يقتضى أن
قوله: وإن لم ينزل ، متفق عليه، وهو ليس فى صحيح البخارى، بل هو من أفراد مسلم عن البخارى ، وسبق المصنف فى
عزوه إلى الصحيحين جميعا ابن الأثير فى جامع الأصول ، والظاهر أن المصنف تبعه واعتمد عليه، وقيل عزاه لهما جميعا
نظرا إلى أصل الحديث لا بالنظر إلى جميع ألفاظه. والحديث أخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه،
لكن قوله: وإن لم ينزل، من أفراد أحمد ومسلم.
١٢٧
!

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥ - باب الغسل
٤٣٥ - (٢) وعن أبى سعيد، قال: قال رسول اللّه عنه: إنما الماء من الماء. رواه مسلم.
٤٣٦ - (٣) قال الشيخ الإمام محى السنة رحمه الله: هذا منسوخ. وقال ابن عباس: إنما الماء من
الماء فى الاحتلام.
٤٣٥ - قوله (إنما الماء من الماء) أى الاغتسال من الإنزال فالماء الأول المعروف، والثانى المنى، وفيه من
البديع الجناس التام. والحديث دال بمفهوم الحصر على أنه لا غسل إلا من الإنزال، ولا غسل من مجاوزة الختان
الختان، لكن الجمهور على أنه منسوخ (رواه مسلم) فى قصة عنبان بن مالك، قال أبو سعيد: خرجت مع رسول الله
مؤلّ يوم الإثنين إلى قباء حتى إذا كنا فى بنى سالم وقف رسول اللّه مَ ◌ّم على باب عنبان فصرخ به نخرج يجر إزاره،
فقال رسول اللّه ◌ُقّ: أعجلنا الرجل، فقال عنتبان: أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه ؟ فقال رسول
اللّه ◌َبِّ: إنما الماء من الماء. وأخرجه أيضا أبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان بدون القصة. وروى البخارى القصة
ولم يذكر الحديث، ولذا قال الحافظ فى بلوغ المرام: وأصله عند البخارى، وهو أنه مَّ قال: إذا أعجلت أو أقحطت
فعليك الوضوء. والحديث له طرق عن جماعة من الصحابة عن أبى أيوب ، ورافع بن خديج ، وعتبان بن مالك ، وأبى
هريرة ، وأنس ، وغيرهم.
٤٣٦ - قوله (هذا) أى حديث أبي سعيد (منسوخ) بحديث سهل بن سعد عن أبى كعب، قال: إنما كان الماء
من الماء، رخصة فى أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعد. أخرجه أحمد والدارمى والترمذى وأبو داود وابن ماجه
واليهتى والدار قطنى وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال الاسماعيلى: إنه صحيح على شرط البخارى ، وقال الحافظ :
هو إسناد صالح لأن يحتج به. وبحديث رافع بن خديج قال: نادانى رسول اللّه مَبِّه وأنا على بطن امرأتى، فقمت ولم
أنزل، فاغتسلت، وخرجت، فأخبرته، فقال: لا عليك، الماء من الماء. قال رافع: ثم أمرنا رسول اللّه عَّم بعد ذلك
بالغسل. أخرجه أحمد (ج ٤: ص ١٤٣) وذكره الحازمى فى كتابه الناسخ والمنسوخ (ص ٢٢) وحسنه ، وفى تحسينه
نظر، وبالجملة الحديثان صريحان فى النسخ، وقد ذكر الحازمى فى كتابه آثاراتدل على النسخ. قال الأمير اليمانى: حديث الغسل
وإن لم ينزل، أرجح لو لم يثبت النسخ، لأنه منطوق فى إيجاب الغسل، وذلك مفهوم ، والمنطوق مقدم على العمل بالمفهوم،
وإن كان المفهوم موافقا للبراءة الأصلية، والآية تعضد المنطوق فى إيجاب الغسل، فإنه قال تعالى: وإن كنتم جنبا
فاطهروا. قال الشافعى: إن كلام العرب يقتضى أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، وإن لم یکن فیه إنزال. قال:
فإن كل من خوطب بأن فلانا أجنب عن فلانة ، عقل أنه أصابها وإن لم ينزل. قال: ولم يختلف أن الزنا الذى يجب به
الجلد هو الجماع ولو لم يكن منه إنزال، انتهى. فتعاضد الكتاب والسنة على إيجاب الغسل من الإيلاج (وقال ابن "
عباس: إنما الماء من الماء فى الاحتلام) يعنى أن حديث «الماء من الماء، محمول على صورة مخصوصة، وهى ما يقع فى المنام
١٢٨
:
-
٠

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥- باب الغسل
رواه الترمذى ، ولم أجده فى الصحيحين .
٤٣٧ - (٤) وعن أم سلمة رضى الله عنها، قالت: قالت أم سليم: يا رسول الله! إن الله
لا يستحيى من الحق،
من رؤية الجماع ، فإنه لا يجب الغسل فى الاحتلام إلا بالإنزال لا بالمجامعة، وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير
تعارض، وهذا رأى من ابن عباس، تأول به الحديث، ولعله لم يبلغه التفصيل الذى فى حديث أبى سعيد عند مسلم ،
وحديث رافع بن خديج عند أحمد ، فإنه صريح فى نفى هذا التأويل. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى : يمكن أن يقال:
أن قول ابن عباس هذا ليس تأويلا للحديث، وإخراجاله هذا التأويل من كونه منسوخا، بل غرضه بيان حكم المسئلة بعد العلم
بكونه منسوخا، وحاصله أن عمومه منسوخ، فبقى الحكم فى الاحتلام - انتهى. وقال بعضهم: حديث ((إنما الماء من الماء» فى
المباشرة كما ذكره ابن رسلان فى شرح أبى داود، وقيل: المراد من الماء الثانى الأعم من الحقيقى، وهو المنى، والحكمى، وهو
الإيلاج، قلت: يأبى هذه التأويلات التفصيل المذكور فى حديث أبى سعيد، فأرجح الأقوال وأسلها أنه منسوخ
(رواه الترمذى ولم أجدہ) أی قول ابن عباس (فی الصحیحین) کا نه اعتراض على محى السنة حيث أورد قول ابن عباس
هذا فى الصحاح، ولا اعتراض فى ذلك عليه، لأنه إنما أورد قوله لبيان توجيه رواية مسلم أعنى حديث «إنما الماء من الماء»
لا أنه مقصود الباب ، فعدم وجوده فى الصحيحين لايضره ، لأن ذلك الشرط إنما هو فى مقاصد الباب ، وهو ظاهر لمن
تصفح وتتبع كتاب المصابيح.
٤٣٧ - قوله (قالت أم سليم) بضم السين مصغرا، هى أم سليم بنت ملحان، الأنصارية، والدة أنس بن مالك،
يقال: اسمها سهلة أو رميلة، أو رميثة، أو أنيثة، أو مليكة، وهى الغميصاء أو الرميصاء، ثبت ذلك البخارى، اشتهرت بكنيتها ،
وكانت من الصحابيات الفاضلات ، لها أربعة عشر حديثا ، وانفرد البخارى بحديث ، ومسلم بحديثين ، قال ابن عبد البر:
كانت تحت مالك بن النضر فى الجاهلية فولدت له أنسا، فلما جاء اللّه بالاسلام أسلمت وعرضت على زوجها الاسلام،
فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك، فتزوجت بعده أبا طلحة، خطبها وهو مشرك فأبت عليه إلا أن يسلم فأسلم فتزوجته
فولدت له غلاما كان قد أعجب به فمات صغيرا فأسف عليه. وقيل، إنه أبو عمير صاحب النغير، ثم ولدت له عبد الله
بن أبى طلحة فبورك فيه، وهو والد اسحق بن عبد الله بن أبى طلحة الفقيه وإخوته، وكانوا عشرة ، كلهم حمل عنه العلم،
وروى عن أم سليم، قالت: لقد دعالى رسول الله مَ لعمله حتى ما أريد زيادة، ومناقبها كثيرة شهيرة. ماتت فى خلافة عثمان
(إن الله لا يستحيى من الحق) بياتين على الأصل بعد سكون الحاء، أى لا يمتنع من بيان الحق، ولا يتركه ترك الحيى منا،
فكذا لا أمتنع أنا من سوالى عما أنا محتاجة إليه. وقيل: المعنى: إن الله لا يأمر بالحياء فى الحق ولا يبيحه، وإنما قالت هذا
اعتذار! بين يدى سوالها عما دعت الحاجة إليه مما تستحى النساء فى العادة عن السوال عنه، وذكره بحضرة الرجال
١٢٩

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥- باب الغسل
فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء. فغطت أم سلمة وجهها، وقالت:
يا رسول الله! أو تحتلم المرأة؟ قال: نعم، تربت يمينك، فيم يشبها ولدها؟ متفق عليه.
٤٣٨ - (٥) وزاد مسلم برواية أم سليم:
(من غسل) زيادة من للتأكيد، أى نوع من الغسل (إذا احتلمت) أى إذا رأت فى الحلم - بالضم - الجامعة ، وفى رواية
أنها قالت: إذا رأت أن زوجها يجامعها فى المنام أتغتسل؟ (قال: نعم! إذا رأت الماء) أى المنى بعد الاستيقاظ. وفيه دليل
على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال فى الاحتلام ، وكأن أم سليم لم تسمع حديث الماء من الماء أو سمعته ، وقام عندها
ما يوهم خروج المرأة عن ذلك وهو ندور بروز الماء منها ، وفيه رد على من قال: إن ماء المرأة لا يبرز (فغطت) أى
سترت حياء (أم سلمة وجها) قيل: إنه من كلام زينب الراوية عن أم سلمة، وقيل: من أم سلمة على سبيل الالتفات
كأنها جردت من نفسها أخرى، وأسندت إليها التغطية. وفى مسلم من حديث أنس أن ذلك وقع لعائشة. ويمكن
الجمع بينهما بأنهما كانتا حاضرتين عند سوال أم سليم (أو تحتليم) بإثبات همزة الاستفهام، وهو معطوف على مقدر يظهر من
السياق، أى أترى المرأة الماء وتحتلم؟ ووقع فى بعض النسخ بحذف الهمزة (المرأة) أى ويكون لها منى، ويخرج منها كالرجل؟
وفيه دليل على قلة وقوع الاحتلام من النساء (قال نعم) فيه: أن المرأة ترى ما يراه الرجل فى منامه (تربت يمينك) فى
معنى هذه اللفظة أقوال كثيرة ذكر عشرة منها ابن العربى فى شرح الترمذى ، والأصح الأقوى الذى عليه المحققون أنها
كلمة أصلها : لصقت بالتراب أى افتقرت، ولكنها جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع
الأمربها بل يقصدون الإنكار والزجر واللوم ونحوه، أى إن أم سليم فعلت ما يجب عليها من السوال عن دينها فلم
تستحق الإنكار واللوم، واستحققت أنت الإنكار لا نكارك ما لا إنكار فيه (فيم) بالموحدة المكسورة، وأصله ((فيما»
حذفت ألف ما الاستفهامية المجرورة (يشبها) من الاشباه (ولدها) بالرفع على الفاعلية أى فى بعض الأحيان. وهو
استدلال على أن لها منيا كما للرجل، والولد مخلوق منهما، إذ لو لم يكن لها ماء وخلق من ماء، فقط لم يشبها (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى العلم ، والطهارة وبدأ الخلق، والأدب ، ومسلم فى الطهارة لكن ليس فى روايته لفظ «فغطت أم سلمة
وجهها، بل إنما رواه البخارى فى العلم. والحديث أخرجه أيضا مالك فى المؤطا والترمذى والنسائي وابن ماجه،
وأخرجه أيضا مسلم وأبو داود من حديث أنس عن أم سليم، وسنذكر روايتها. ووقعت هذه المسئله لنساء من
الصحابيات: لخولة بنت حكيم عند أحمد والنسائي وابن ماجه ولسهلة بنت سهيل عند الطبرانى وليسرة بنت صفوان عند
ابن أبى شيبة.
٤٣٨ - قوله (وزاد مسلم برواية أم سليم) روى مسلم عن أنس بن مالك: أن أم سليم حدثت أنها سألت نى
١٣٠

مرعاة المفاتيح ج٢
٣٠ - كتاب الطهارة
٥ - باب الغسل
إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر ، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه.
٤٣٩ - (٦) وعن عائشة رضى الله عنها، قالت كان رسول اللّه عليه إذا اغتسل من الجنابة، بدأ
فغسل يديه،
الله عزَّ عن المرأة ترى فى منامها ما يرى الرجل، فقال رسول اللّه ◌َلّى: إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل، فقالت أم سلمة:
واستحبيت من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله عَ لَّه: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل إلخ
(إن ماء الرجل غليظ أيض، وماء المرأة رقيق أصفر) هذا الوصف باعتبار الغالب، وحال السلامة، واعتدال الحال، لأن
منى الرجل قد يصير رقيقا بسبب المرض ، ومحمرا بكثرة الجماع، وقد بيض منى المرأة لفضل قوتها (فمن أيهما) بكسر الميم
بعدها نون ساكنة، وهى الحرف المعروف، أى أى الماءين، ومن زائدة قاله الطبي (علا) أى غلب (أو سبق) يعنى غلب
المنى فيما إذا وقع منيهما فى الرحم معا، أو سبق وقوع منيه فى الرحم قبل وقوع منى صاحبه، فأو للتقسيم لا للترديد قاله
القارى (يكون منه الشبه) بكسر الشين وسكون الموحدة ويفتحهما لغتان ، أى شبه الولد بالأب أو الأم فى المزاج،
والذكورة، والأنوثة. وفى حديث أنس عند البخارى فى قصة إسلام عبد الله بن سلام: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة
نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد. ووقع فى حديث عائشة عند مسلم: إذا علا ماءها ماء الرجل
أشبه الولد أخواله ، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه. قال الحافظ: المراد بالعلو ههنا السبق، لأن من سبق فقد
علا شأنه فهو على معنوى، وأما ما وقع عند مسلم من حديث ثوبان رفعه: ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر ، فإذا
اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة أذكرا باذن الله، وإذا تلا منى المرأة منى الرجل آنثا بإذن الله، فهو مشكل من
جهة أنه يلزم منه اقتران الشبه للأعمام إذا علا ماء الرجل، ويكون ذكرا لا انى، وعكسه، والمشاهد خلاف ذلك، لأنه قد
يكون ذكرا، ويشبه أخواله لا أعمامه، وعكسه. قال القرطبى يتعين تأويل حديث ثوبان بأن المراد بالعلو السبق ، قال
الحافظ والذى يظهرما قدمته، وهو تأويل العلوفى حديث عائشة، وأما حديث ثوبان فيقى العلوفيه على ظاهره فيكون السبق
علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه، فيرتفع الاشكال، وكان المراد بالعلو الذى يكون سبب الشبه بحسب الكثرة
بحيث يصير الآخر مغمورا فيه ، فبذلك يحصل الشبه، وينقسم ذلك ستة أقسام: الأول أن يسبق ماء الرجل، ويكون أكثر
فيحصل له الذكورة والشبه، والثانى عكسه، والثالث أن يسبق ماء الرجل، ويكون ماء المرأة أكثر فتحصل الذكورة
والشبه المرأة ، والرابع عكسه، والخامس أن يسبق ماء الرجل ويستويان فيذكر، ولا يختص بشبه، والسادس
عکسہ اتھی.
٤٣٩ - قوله (إذا اغتسل) أى أراد الغسل (من الجنابة) أى من أجل رفعها، أو بسبب حدوثها (فغسل يديه)
١٣١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥- باب الغسل
ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه فى الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على
رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.
فى حديث ميمونة مرتين ، أو ثلاثا، وغسلهما يحتمل أن يكون للتنظيف مما بهما من مستقذر ، ويحتمل أن يكون هو الغسل
المشروع عند القيام من النوم، ويدل عليه الزيادة التى رواها مسلم وغيره بلفظ: قبل أن يدخل يده فى الإناء، وزاد أيضا
فيغسل فرجه (ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة) فيه احتراز عن الوضوء اللغوى، وظاهره أنه يمسح رأسه أيضا. قيل: يحتمل
أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد فى الغسل، ويحتمل أن يكتفى
بغسلها فى الوضوء عن إعادته ، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة فى أول عضو، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفا
لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى. قلت: الظاهر هو الاحتمال الأول لقوله: ثم يفيض الماء على جلده
كله. ثم اختلف فى هذا الوضوء، فذهب الجمهور إلى أنه لا يجب الوضوء مع الغسل، وقال داود وغيره : الغسل لا ينوب
عن الوضوء للحدث، ويلزم الجمع بين الوضوء والغسل، وهو الراجح، لأن المراد بقوله تعالى: حتى تغتسلوا، هو الاغتسال الشرعى
الذى ثبت عن رسول اللّه مَ له، وكذا المراد بقوله («فاطهروا)) هو التطهر الشرعى، فما جاء عن النبي محر ◌ّله من يان هيئة
الغسل هويان للاغتسال الشرعى المجمل الواجب الذى لا يتبين المراد منه إلا بيانه مؤقّم فيكون واجبا. وظاهر قولها: كما
يتوضأ للصلاة، أنه يغسل الرجلين ولا يؤخر غسلهما إلى فراغ الغسل، لكن وقع فى رواية لمسلم: ثم أفاض على سائر جسده،
ثم غسل رجليه، وفى رواية أبى داود الطيالسى ((فإذا فرغ غسل رجليه)) فإما أن يحمل قولها: كما يتوضا للصلاة، على المجاز
بأن المراد يتوضأ أكثر الوضوء كما يتوضأ للصلاة وهو ما سوى الرجلين، أو يحمل على ظاهره، ويكون المراد بقولها: ثم
غسل رجليه، فى رواية مسلم أى أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن كانت غسلهما فى الوضو، فيوافق قولها فى رواية
الكتاب «ثم يفيض على جلده كله) (ثم يدخل أصابعه فى الماء) لتأخذ البلل ثم يخرجها (فيخلل بها) أى بأصابعه التى
أدخلها فى الإناء لأنه أسهل لوصول الماء (أصول شعره) أى شعر رأسه، ويدل عليه رواية البيهقى: يخلل بها شق رأسه
الأيمن فيتتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك. وقيل: المراد شعر لحيته ورأسه جميعا، لعموم قوله:
أصول الشعر (ثم يصيب) أى الماء (على رأسه ثلاث غرفات) بفتحتين، وفى بعض النسخ غرف بضم المعجمة وفتح الراء
جمع غرفة، وهى قدر ما يغرف من الماء بالكف، وفيه سنية التثليث فى الصب على الرأس، وألحق به غيره ، فإن الغسل
أولى بالتثليث من الوضوء المبنى على التخفيف. وقيل: لا يستحب التكرار فى الغسل، والمراد من التثليث فى هذه
الرواية أن كل غرفة كانت فى جهة من جهات الرأس فكان يقصد بالثلث الاستيعاب مرة لا التكرار مرات،
وكون الغسل أولى بالتثليث لا يخلوعن نظر، لأن فى تثليث الغسل من الحرج ما ليس فى تثليث الوضوء
(ثم يفيض الماء على جلده كله) هذا التأكيد يدل على أنه عم جميع جسده بالغسل بعد ما تقدم ، وهو يؤيد
الاحتمال الأول أن الوضوء سنة مستقلة قبل الغسل ، لكن يعارضه ماوقع فى بعض طرق مذا الحديث عند البخارى:
١٣٢

مرعاة الفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥ - باب الغسل
متفق عليه، وفى رواية لمسلم: يبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ، ثم يفرغ بيمينه على شماله ،
فيغسل فرجه ، ثم يتوضأ .
٤٤٠ - (٧) وعن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: قالت ميمونة: وضعت النبى معَّ غسلا
فسترته بثوب ، وصب على يديه ، فغسلهما ، ثم صب بيمينه على شماله ، فغسل فرجه ، فضرب بيده
الأرض فمسحها، ثم غسلها ، فمضمض واستنشق ، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه.،
وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه ،
ثم غسل سائر جسده، أى بقيته، لأن السائر الباقى، ويحتمل أن يقال: أن ((سائر)» هنا بمعنى الجميع جمعا بين
الروايتين (متفق عليه) وأخرجه أيضا الترمذى، وأبو داود، والنسائى وابن ماجه (وفى رواية لمسلم يبدأ) أى إذا
أراد أن يغتسل يشرع (فيغسل) إلخ قد ركب المصنف الألفاظ المذكورة من روايتين لمسلم، ففي رواية أبى معاوية عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: بدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على ثماله، فيغسل فرجه (بشماله) ثم يتوضأ إلخ.
وفى رواية زائدة عن هشام: بدأ فغسل يديه قبل أن يدخل يده فى الإناء ثم يتوضأ إلخ.
٤٤٠ - قوله (غسلا) بضم الغين المعجمة وسكون المهملة أى ماء الإغتسال (فسترته بثوب) أى ضربت له سترا
يغتسل وراءه لئلا يراه أحد. وفيه مشروعية التستر فى الغسل ولو فى البيت (فغسلهما) أى إلى رسغيه (فغسل فرجه)
أى بشماله (فضرب بيده) أى اليسرى (فمسحها) أى الأرض لأجل إزالة الرائحة من اليد، أو المبالغة فى التنظيف،
وتعليما للأمة (فمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه) قال عياض: لم يأت فى شئ من الروايات فى وضوء الغسل
ذكر التكرار. قال الحافظ: بل قد ورد ذلك من طريق صحيحة أخرجها النسائى والبيهقى من رواية أبى سلمة عن عائشة :
أنها وصفت غسل رسول اللّه مَ له من الجنابة. الحديث، وفيه ثم يمضمض ثلاثا، ويستنشق ثلاثا، ويغسل وجهه ثلاثا ويديه
ثلاثا، ثم يفيض على رأسه ثلاثا (ثم صب على رأسه) ظاهره أنه مرَ ◌ّم لم يمسح رأسه كما يفعل فى الوضوءاكتفاء بالغسل عن
المسح فى الوضوء. قال الحافظ: لم يقع فى شتى من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس فى هذا الوضوء، وتمسك به
المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا تمسح فيه الرأس بل يكتفى عنه لغساها، ـ انتهى. قلت ظاهر قوله فى روايات عائشة
فى صفة الغسل «يتوضأ وضوءه للصلاة، أنه يمسح رأسه أيضا، فيتحمل أن ترك المسح فى حديث ميمونة من اختصار الرواة
والله أعلم (ثم تنحى) أى تبعد (فغسل قدميه) وفى رواية للبخارى: توضأ رسول اللّهم لل وضوءه للصلاة غير رجليه.
الحديث، وفى آخره: ثم نحى رجليه فغسلهما. وفيه التصريح بتأخير الرجلين فى وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف
١٣٣
. .. ..

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥- باب الغسل
فناولته ثوبا فلم يأخذه ، فانطلق وهو ينفض يديه. متفق عليه ، ولفظه للبخارى.
٤٤١ - (٨) وعن عائشة، قالت: إن امرأة من الأنصار سألت النبى معَّم عن غسلها من المحيض،
فأمرها كيف تغتسل ، ثم قال : خذى فرصة
الظاهر رواية عائشة المتقدمة: ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجازكما تقدم،
وإما بحمله على حالة أخرى فكان يغسلهما أحيانا أى إن لم يكن واقفا فى المستنقع بل على لوح، أو حجر، أو مكان مرتفع
ويؤخرهما إلى الفراغ من الغسل أحيانا ، أى إذا كان واقفا فى المستنقع، وأخذ منه جواز تفريق أعضاء الوضوء. قال
مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية فى الأفضل قولان أصحهما وأشهرهما
ومختارهما أنه يكمل وضوءه (فناولته ثوبا) أى أردت إعطاءه لينشف به أعضاءه (فلم يأخذه) أى الثوب إما لكونه
مستعجلا أو لأن الوقت كان حرا، والبلل مطلوب، أو لشئى رآه فى الثوب من حرير، أو وسخ، ومع هذه الاحتمالات
فى الحديث لا يصلح أن يكون دليلا على كرامة التنشيف (فانطلق وهو ينفض يديه) فيه جواز نفض اليدين من ماء الغسل
قال الحافظ: وكذا الوضوء، وقد عارضه حديث: لا تنفضوا أيديكم فى الوضوء فإنها مراوح الشيطان. أخرجه ابن
جان فى الضعفاء ، وابن أبى حاتم فى العلل من حديث أبى هريرة إلا أنه حديث ضعيف جدا لو لم يعارضه هذا الحديث
الصحيح لم يكن صالحا لأن يحتج به. وفيه دليل على طهارة الغسالة، لأن النفض لا يخلو عن إصابة الرشاش بالبدن.
وحديث عائشة المتقدم وحديث ميمونة هذا مشتملان على بيان كيفية الغسل من ابتداه إلى انتهاه فابتداءه غسل اليدين قبل
إدخالهما الاناء، ثم غسل الفرج، ثم دلك اليد بالأرض وغسلها، ثم الوضوء ثم صب الماء على الرأس، ثم إفاضته على
الجسد كله (متفق عليه) أخرجه البخارى فى مواضع تسعة من كتاب الطهارة ، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى
وأبو داودوالنسائى وابن ماجه وليس لأحمد والترمذى نفض اليدين (ولفظه للبخاری) فى باب نفض اليدين من
غسل الجنابة .
٤٤١ - آرله (إن امرأة) من الأنصار قيل هى أسماء بنت شكل الأنصارية (من المحيض) مصدر ميمى أى من
أجل انقطاع حيضها (فأمرها كيف تغتسل) سكت فى هذه الرواية عن بيان كيفية الاغتسال ، وهى مذكورة مشرحة فى
رواية أخرى، فقد أخرج مسلم عن إبراهيم بن المهاجر، عن صفية، عن عائشة، أن أسماء سألت النبي مُؤَّم عن غسل
الحيض، فقال: تأخذ إحدا كن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلکه دلكا شديدا حتى تبلغ
شئون رأسها ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة. الحديث (ثم قال) أى بعد تعليمها كيفية الاغتسال (فرصة) بكسر
الفاء، وحكى ابن سيدة تثليثها، وبإسكان الراء وإهمال الصاد، قطعة من صوف ، أو قطن، أو جلدة عليها صوف،
١٣٤
٠
!

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٥ - باب الغسل
من مسك، فتطهرى بها. قالت: كيف أتطهربها؟ فقال: تطهرى بها. قالت: كيف أتطهربها؟ قال:
سبحان الله! تطهرى بها. فاجتذبتها إلى فقلت: تنبعى بها أثر الدم. متفق عليه.
٤٤٢ - (٩) وعن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله! إنى امرأة أشد ضفر رأسى،
وحكى أبو داود أن فى رواية أبى الأحوص («قرصة)) بفتح القاف، ووجهه المنذرى فقال: يعنى شيئا يسيرا مثل القرصة
بطرف الإصبعين (من مسك) بكسر الميم، وهو طيب معروف، أى خذى قطعة من صوف مطية من مسك، وقيل
بفتح الميم وهو الجلد، أى خذى فرصة كائنة من جلد، ويؤيد الكسر ، وأن المراد التطيب ما فى الرواية الأخرى («فرصة
مسكة)، ويقوى الكسر أيضا ما فى رواية عبد الرزاق حيث وقع عنده ((من ذريرة)، والمقصود باستعمال الطيب تطيب
المحل، ودفع الرائحة الكريهة، ورجح بعضهم فتح الميم بأنهم كانوا فى ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه،
وفيه أنه لا وجه لاستبعاده لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه ،
فإن فقدت المسك استعملت ما يخلفه فى طيب الريح فإن لم تجد فزيلا كالطين ، وإلا فالماء كاف (فتطهرى بها) أى فتنظفى
وتطبي بها، أى فاستعمليها فى الموضع الذى أصابه الدم حتى يصير مطيا (قال: سبحان الله) تعجبا من عدم فهمها المقصود
فأراد بقوله: سبحان الله التعجب، ومعنى التعجب ههنا أنه كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذى لا يحتاج الإنسان فى فهمه إلى
فكر أو تصريح ، ووقع فى رواية «استحيى وأعرض، وللاسماعيلى: فلما رأيته استحيا علمتها، وإنما كرر الجواب مع
كونها لم تفهمه أولا لأن الجواب به يؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله ((تطهرى) أى فى المحل الذى يستحيا من مواجهة
المرأة بالتصريح به فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال ، وفهمت عائشة ذلك عنه فتولت تعليمها (فاجتذبتها إلى) أى
قربتها إلى نفسى (تتبعى) من التقبع بتشديد الباء (بها) أى بالفرصة الممسكة (أثر الدم) أى اجعليها فى الفرج، وحيث
أصابه الدم ، ففى رواية الاسماعيلى (تتبعى بها مواضع الدم)، وزاد الدارمى ((وهو يسمع فلا ينكر)) وفيه صحة العرض على
المحدث إذا أقره ولو لم يقل عقبه فعم (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الطهارة ، وفى الاعتصام، ومسلم فى الطهارة .
ولفظ البخارى فى باب دلك المرأة نفسها إلخ: أن امرأة سألت النبي يؤثّم عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل ،
قال: خذى فرصة من مسك فتطهرى بها ، قالت: كيف أتطهر بها ؟ قال تطهرى بها ، قالت : كيف؟ قال سبحان الله !
تطهرى ، فاجتذبتها إلى إلخ. والحديث أخرجه أيضا أحمد ، وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٤٤٢ - قوله (أشد) بفتح الهمزة وضم الشين أى أحكم (ضفر رأسى) يفتح الضاد المعجمة وإسكان الفاء إما
مصدر وهو نسج الشعر أو غيره ، والتضغير مثله، وإما أن يكون اسما الضفورة. قال فى اللسان: ويقال للذؤابة:
صغيرة، وكل خصلة من خصل شعر المرأة تضفر على حدته، وجمعها ضفائر. قال ابن سيده: والضفر كل خصلة من
:
١٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٥- باب الغسل
أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثى على رأسك ثلث حثيات، ثم تفيضين
عليك الماء،
الشعر على حدتها ، ثم قال: والضفيرة كالضفر انتهى، وقال النووى : بفتح الضاد وإسكان الفاء هذا هو المشهور
المعروف فى رواية الحديث ، والمستفيض عند المحدثين ، والفقهاء، وغيرهم، ومعناه: أحكم فتل شعرى (أفأنقضه) أى
أفرقه، يعنى أيحب على شرعا نقضه أم لا؟ وإلا فهى مخيرة (لغسل الجنابة) أى لأجله حتى يصل الماء إلى باطنه. وفى
رواية مسلم: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ (فقال: لا) أى لا يجب، لا أنه لا يجوز (إنما يكفيك) بكسر الكاف
(أن تحتى) بسكون الياء لأنها ياء الخطاب للمؤنث والنون محذوفة على إعمال أن الناصبة ، ولا يجوز نصب الياء، من حئا
يحثو جثوا، وحتى يحثى حثيا، واوى ويائى، قال فى اللسان: والياء أعلى وهو الرمى، ووقع فى بعض نسخ النسائى ((أن
تحثين)» باثبات النون ، قال السندهى: وكأنه على إهمال ((أن)) تشبيها لها بما المصدرية، وقد ورد مثل ذلك فى الحديث
كثيرا، وارجع إلى ((شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)، (ص ١١٧ و١١٨) (حثيات) بفتحنات
أى حفنات يعنى ثلاث غرف بيديه واحدها حثية قاله فى النهاية واللسان (ثم تفيضين) بإثبات النون ، والتقدير أنت
قفيضين ، فيكون من باب عطف الجمل ، قاله القارى. وقيل: جاء على لغة من يرفع الفعل بعد أن حملا على أختها .
والحديث دليل على أنه لا يجب على المرأة نقض الضفائر فى غسل الجنابة ، ولا فى غسل الحيض بل يكفيها أن تصب على
رأسها ثلاث حقنات، ويدل عليه أيضا ما رواه أحمد ومسلم عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر
النساء إذا اغتلن أن ينقضن رؤسهن، فقالت: يا عجبا لابن عمرو يأمر النساء إذا اغتلن بنقض رؤسهن، أو ما
يأمرهن أن يحلقن رؤسهن، الحديث. وأماما ؟م من حديث عائشة (أى فى المنتقى) فى صفة غسل المرأة من المحيض
بلفظ: ثم قصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شئون رأسها. فلا يدل على نقض الضفائر، ولا على وجوب
بل داخل الشعر ولو سلم فهو محمول على العزيمة والندب، وحديث أم سلمة على الرخصة جمعا بين الأدلة. وأما حديث
عائشة أن النبى مؤلّم قال لها: وكانت حائضا: انقضى شعرك، واغتسلى. أخرجه الأئمة الستة، وهذا لفظ ابن ماجه،
وفى رواية للبخارى: انقضى رأسك ، وامتشعلى، وأمسكى عن عمرتك. فهو وارد فى مندوبات الإحرام ، والغسل فى
تلك الحالة للتنظيف لا للصلاة، والنزاع فى غسل الصلاة، ذكره الشوكانى فى النيل ، وقال فى السيل الجرار: واختصاص
هذا بالحج لا يقتضى ثبوته فى غيره ، ولا سيما وللحج مدخلة فى مزيد التنظيف ، ثم اقترانه بالامتشاط الذى لم يوجبه
أحد يدل على عدم وجوبه. وأما ما رواه الدار قطنى فى الأفراد، والبيهقى فى السنن الكبرى، والطبرانى فى الكبير من
حديث أنس مرفوعا: إذا اغتسلت المرأة من حيضتها نقضت شعرها نقضا وغسلته بخطمى وأشنان ، فإذا اغتسلت من
الجنابة صبت على رأسها الماء وعصر ته. فقد تفرد به مسلم بن صیح الیحمدى وهو مجهول، وهو غير أبى الضحى مسلم بن
صيح المعروف ، فإنه أخرج له الجماعة كلهم. وأيضا اقترانه بالغسل بخطمى وأشنان يدل على عدم الوجوب فإنه لم
١٣٦

مرعاة المفاتيح. ج٢
٣- كتاب الطهارة
٥- باب الغسل
فتطهرين. رواه مسلم.
٤٤٣ - (١٠) وعن أنس، قال: كان النبي ◌َّ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد،
يقل أحد بوجوب الخطمى ولا الأشنان - انتهى. وهذا كله فى حق المرأة. وأما الرجل فيجب عليه نقض شعره
المضفور، وبل ظاهره وباطنه، أى داخله إذا لم يصل الماء إلى أصول الشعر إلا بالنقض لحديثى أبى هريرة، وعلى الآتيين
فى الفصل الثانى، ولحديث ثوبان: أنهم استفتوا التى تمَّ فقال: أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى بلغ أصول
الشعر ، وأما المرأة فلا عليها أن لا تقضه، لتغرف على رأسها ثلث غرفات يكفيها. قال ابن القيم: هذا الحديث رواه
أبو داود من حديث إسماعيل بن عياش، وهذا إسناد شامى، وحديثه عن الشاميين صحيح. وقال الشوكانفى: أكثر ما
علل به أن فى إسناده إسماعيل بن عياش، والحديث من مروياته عن الشامين، وهو قوى فيهم فيقبل، انتهى. هذا.
وارجح للتفصيل إلى غاية المقصود شرح سنن أبي داود (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود
والنسائى وابن ماجه .
٤٤٣ - قوله (كان يتوضأ بالمدويغتسل بالصاع) الصاع أربعة أمداد بمد الني زة، والمد رطل وثلث بالعراق
فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا برطل عراق، وإليه ذهب أبو يوسف، ومالك، والشافعى، وأحمد، وخالفهم أبو حنيفة
ومحمد، فقالا: المد رطلان، والصاع ثمانية أرطال، ولا حجة لهما على ما ذهبا إليه، ولذلك ترك أبو يوسف مذهبه،
واختار مذهب الأئمة الثلاثة ، ولمالك مع أبى يوسف فيه قصة مشهورة رواها البيهقى بإسناد جيد، وارجع للتفصيل إلى
شرح الترمذى (ج ١ ص ١٥٩ - ١٦٠) لشيخنا العلامة الأجل المباركفورى. والحديث يدل على كرامة الاسراف
فى الماء الوضوء والغسل، واستحباب الاقتصاد، وهو مجمع عليه (إلى خمسة أمداد) بان لغايته، حاصله أنه لم ينقص عن
أربعة أمداد ولم يزد على خمسة أمداد، يعنى أنه ربما اقتصر على الصاع، وربما زاد عليه إلى خمسة، فكان أنسا لم يطلع على
أنه استعمل فى الغسل أكثر من ذلك، لأنه جعلها النهاية، وقد روى مسلم من حديث عائشة، أنه كان يغتسل من إناء
يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك. وروى الشيخان عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله مَّم من إناء واحد من
قدح يقال له الفرق. وفى رواية: كان يغتسل من إناء واحد يقال له الفرق، والفرق ثلاثة آصع أى ستة عشر رطلا
بالعراق. فهذا يدل على اختلاف الحال فى ذلك بقدر الحاجة. وقد اختلف الروايات فى الوضوء أيضاً، ففى حديث
عبد الله بن زيد عند ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم: أن النبي ◌َ ◌ّ أتى بثلثى مد من ماء فتوضأً جعل يد لك ذراعيه.
وفى حديث أنس عند أحمد ، وأبى داود: كان انبى مرّم يتوضأ بإناء يكون رطلين. وفى هذه الأحاديث رد على من
قدر وضوء وغسله تمثّ بما فى حديث أنس الذى ذكره المؤلف من رواية الشيخين، وحمله الجمهور على الاستجاب لأن
١٣٧

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥- باب الغسل
متفق عليه.
٤٤٤ - (١١) وعن معاذة، قالت: قالت عائشة رضى الله عنها: كنت أغتسل أنا ورسول اللّه مؤله
من إناء واحد بينى وبينه ، فيبادرنى، حتى أقول: دع لى دع لى. قالت: وهما جنبان. متفق عليه.
أكثر من قدر وضوءه وغسله مَّم من الصحابة قدرهما بذلك وهذا إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة ، وهو أيضا فى حق
من يكون خلقه معتدلا. قال الشوكانى: القدر المجزئى عن الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر ، وسواء
كان صاعا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ فى النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلا ، أو إلى مقدار فى الزيادة يدخل
فاعله فى حد الإسراف، وهكذا الوضوء، القدر المجزئى ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء سواء كان مدا أو أقل أو
أكثر ما لم يبلغ فى الزيادة إلى حد السرف أو النقصان إلى حد ما لا يحصل به الواجب (متفق عليه) وأخرج أحمد
ومسلم والترمذى وابن ماجه من حديث سفينة، وأبو داود من حديث عائشة بنحوه .
٤٤٤ - قوله (وعن معاذة) بضم الميم هى معاذة بنت عبد الله العدوية أم الصهباء البصرية العابدة، ثقة حجة،
تابعية، روت عن عائشة وعلى. يقال: إنها لم توسد فراشا بعد أبى الصهباء حتى ماتت. قال الذهبي: بلغنى أنها كانت
تحيى الليل وتقول: عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد فى القبور، توفيت سنة (٨٣) (أنا ورسول الله) بالنصب
على أن يكون مفعولا معه ، والرفع على أن يكون عطفا على الضمير ، وإبراز الضمير ليصح العطف ، وهو من باب تغليب
المتكلم على الغائب لكونها هى السبب فى الاغتسال ، فكانها أصل فى الباب (من إناء واحد) من قدح يقال له الفرق كما فى
رواية البخارى، والفرق ثلاثة آصع (بينى وبينه) أى يوضع الإناءبينى وبينه وهو واسع الرأس فنجعل أيدينا فيه ونأخذ
الماء الاغتسال به (فيبادرنى) أى يسبقنى لأخذ الماء زاد النسائى ((وأبادره)) قال الاشرف: ليس المعنى أنه يبادرنى ويغتسل
بعضه ويترك الباقى فأغتسل منه، بل المعنى أنهما اغتسلا منه معاكما ورد فى رواية أخرى: نغترف منه جميعا. وفى رواية
تختلف أيدينا فيه وتلتقى (دع لى دع لى) أى أترك لى ما أكمل غسلى، والتكرار للتأكيد أو للتعديد (قالت) أى معاذة
(وهما) أى النبي ◌َّم وعائشة رضى الله عنها (جنبان) بضم الجيم والنون تثنية جنب. وفى الحديث دليل على جواز
اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد معا ، ونقل الطحاوى ثم القرطبى والنووى الاتفاق على ذلك. وفيه أيضا جواز
اغتراف الجنب من الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من التطهير بذلك الماء، ولا بما يفضل منه، سواء فيه الرجل والمرأة
(متفق عليه) أى على أصل الحديث، واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضا النسائى وقال السيد جمال الدين: قوله: متفق عليه، فيه
نظر، لأن البخارى لم يقل: فيبادرنى حتى أقول «دع لى دع لى، وإنما هو من أفراد مسلم.
١٣٨

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥ - باب الغسل
ـة ( الفصل الثانى )
٤٤٥ - (١٢) عن عائشة، قالت: سئل رسول اللّه مؤيّ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما.
قال: يغتسل. وعن الرجل الذى يرى أنه قد احتلم ولا يجمد بللا. قال: لا غسل عليه. قالت أم
سليم: هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: نعم، إن النساء شقائق الرجال. ورواه الترمذى وأبو
داود. وروى الدارمى ، وابن ماجه إلى قوله : لا غسل عليه.
٤٤٥ - قوله (يجد البلل) بفتحتين أى رطوبة المنى على بدنه، أو فى ثوبه، وذلك لأن المسئول عنه إنما هى بلة المنى
لا مطلق البلة بقرينة الحال إذلم يقل أحد بوجوب الغسل على المنقبه من النوم برؤية بلل البول، فكذا المذى (ولا يذكر احتلاما)
أى لا يذكر أنه جامع فى النوم (قال: يغتسل) خبر بمعنى الأمر وهو الوجوب، وفيه دليل على اعتبار مجرد وجود المتى فى
إيجاب الاغتسال على المنتبه من النوم سواء انضم إلى ذلك ظن الشهوة أم لا. قال ابن قدامة : لا نعلم فيه خلافا ، وبه
قال مالك والشافعى واسحق وغيرهم، لكن قال ابن رسلان: لا يجب عند الشافعى الغسل حتى يذكر بعد التفيه من النوم أنه
جامع أحدا فى النوم (يرى) بفتح الياء أى يعتقد وبضمها أى يظن (أنه قد احتلم ولا يجد بللا. قال: لا غسل عليه) أى
لا يجب عليه الغسل، لأن البلل علامة ودليل ، والنوم لا عبرة به فالمدار على البلل سواء تذكر الاحتلام أم لا، وهذا لم
يختلف فيه أحد، وقد حكى عليه الاجماع ابن المنذر وابن قدامة وغيرهما، وأما إذا رأى المستيقظ بللا ولم يعلم أنه منى أو
مذى فالأحوط عندى وجوبا أن يغتسل لظاهر الحديث، وهو مختلف فيه بين الأئمة جدا حتى عند الحنفية أيضا ، فقد
ذكر ابن عابدين فى رد المختار (ج ١: ص ١٥١) أربعة عشر وجها فى المسئلة (ترى ذلك) أى البلل (إن النساء) بكسر
الهمزة استئناف فى معنى التعليل (شقائق الرجال) أى نظائرهم وأمثالهم فى الخلق والطبائع فكانهن شققن من الرجال، يعنى
فيجب على المرأة الغسل برؤية البلل بعد النوم كالرجل. قال الخطابي: فيه من الفقه إثبات القياس وإلحاق حكم النظير.
بالنظير ، فإن الخطاب إذا ورد بلفظ المذكر كان خطابا للنساء إلا مواضع الخصوص التى قامت أدلة التخصيص فيها
انتهى. (رواه الترمذى) إلخ. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ : ص ٢٥٦) والحديث قد تفرد به عبد الله بن عمر بن
حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب وهو صدوق فى حفظه شئى. قال الترمذى: إنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر
عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه فى الحديث ، لكن أصل القصة معروفة فى الصحيحين
وغيرهما من حديث أم سلمة، وهو ثالث أحاديث الفصل الأول، ونحوه من حديث عائشة فى مسلم أيضا وأبي داود، ومن
حديث أم سليم عند أحمد (ج ٦: ص ٣٧٧)، ومن حديث أنس عند مسلم أيضا والدارمى، فهذه الروايات شاهدة
١٣٩

مرعاة المفاتيح ج٢
٣٠ - كتاب الطهارة
٥ - باب الغسل
٤٤٦ - (١٣) وعنها، قالت: قال رسول الله على: إذا جاوز الختان الختان، وجب الغسل. فعلته
أنا ورسول الله عَ، فاغتسلنا. رواه الترمذى، وابن ماجه.
٤٤٧ - (١٤) وعن أبى هريرة، قال قال: رسول اللّه مؤلم: تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر،
لحديث عائشة من رواية عبد الله بن عمر العمرى، وقد سكت عنه أبو داود.
٤٤٦ - قوله (إذا جاوز الختان الختان) الأول بالرفع والثانى بالنصب، والمراد بالحنان ههنا موضع الختن، والختن
من الرجل قطع ما يغطى الحشفة بحيث إذا قطع ظهرت الحشفة ، ومن المرأة قطع جلدة فى أعلى فرجها مجاورة لتخرج البول
كعرف الديك، وذلك لأن مدخل الذكر هو مخرج الولد، والمنى، والحيض، وفوقه مخرج البول، وبينهما جلدة رقيقة،
وفوق مخرج البول جلدة رقيقة يقطع منها فى الختان ، ويسمى موضع الختن من المرأة الخفاض ، أطلق عليه الختان.
مشاكله. والمراد بمجاوزة الختان الختان ، الجماع، وهو غيوبة الحشفة فى فرجها ، فى حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص : إذا التقى الختانان، وتوارت الحشفة، فقد وجب الغسل، أخرجه ابن ماجه، وابن أبى شيبة (وجب الغسل)
وإن لم ينزل، والحديث نص فى أن الغسل يجب بمجرد مجاوزة الختان الخفاض، أى الإيلاج، ولا يتوقف على الإنزال
وإليه. ذهب الجمهور، وهو الصواب (فعلته) الضمير راجع إلى مصدر جاوز (ورسول الله) بالرفع أو النصب
(فاغتسلنا) ظاهره أنها تعنى بغير الإنزال، وأنه ناسخ لمفهوم حديث ((إنما الماء من الماء) (رواه الترمذى) أخرج الترمذى
أولا حديث عائشة هذا بتمامه موقوفاً من قولها، وكذا أخرجه الشافعى فى اختلاف الحديث، وأحمد فى المسند
(ج ١: ص ١٦١) وابن ماجه، ثم أخرجه الترمذى مرفوعا بسند آخر، وليس فيه ((فعلته أنا ورسول الله مؤفيمه فاغتسلنا»
إلى اقتصر على الجملة الأولى «إذا جاوز الختان الحتان وجب الغسل، وكذا اقتصر عليها البغوى فى المصابيح، والمصنف
وكب المرفوع والموقوف، أو جعل الموقوف مرفوعاً، وهذا خطأ منه. وأخرج المرفوع أيضا الشافعى فى اختلاف
الحديث ، وفى الأم، وأحمد فى المسندمن طرق. وقال الترمذى بعد رواية المرفوع: حديث عائشة حديث حسن صحيح،
وصححه أيضاً ابن حبان ، وابن القطان ، وأصله فى مسلم بلفظ: إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد
وجب الغسل .
٤٤٧ - قوله (تحت كل شعرة جنابة) كناية عن شمول الجنابة تمام البدن الذى هو محل الشعر عادة، ولذلك رتب عليه
قوله: فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة، وإلا فكون الجنابة تحت كل شعرة يقتضى وجوب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر،
ولا يقتضى غسل الشعر وإنقاء الجلد ، قاله السندهى (فاغسلوا الشعر) بسكون العين وفتحها أى جميعه، فلو بقيت شعرة
واحدة لم يصل إليها المابقيت جنابته. وظاهر الحديث يوجب نقض القرون والضفائر إذا أراد الاغتسال من الجنابة