Indexed OCR Text
Pages 101-120
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
مانعا سراية الحدث إلى القدم فهى طاهرةٍ، وما حل بالخف أزيل بالمسح، فهو على الحفى حقيقة وحكما ، وأيضا المسح
على الخفين لا يجب إلى الكعبين اتفاقا وأجيب بأنه يجوز أن يكون لبيان المحل الذى يجزئ عليه المسح، لأنه لا يجزئ
على ساقه، نعم! هذا الوجه لا يخلو عن بعد والقلب لا يميل إليه وإن أدعى الجلال السيوطى أنه أحسن ما قيل فى الآية.
وللإمامية فى تطبيق القراءتين وجهان أيضا لكن الفرق بينهما وبين ما سبق من الوجهين الذين عند أهل السنة أن قراءة
النصب التى هى ظاهرة فى الغسل عند أهل السنة، وقراءة الجر تعاد إليها، وعند الإمامية بالعكس. الوجه الأول أن
قعطف الأرجل فى قراءة النصب على محل (برؤسكم﴾ فيكون حكم الرؤس والأرجل كليهما مسحا. الوجه الثانى أن
الواو فيه بمعنى مع من قبيل («استوى الماء والخشبة، وفى كلا الوجهين بحث لأهل السنة من وجوه: الأول أن العطف
على المحل خلاف الظاهر بإجماع الفريقين ، والظاهر العطف على المغسولات والعدول عن الظاهر إلى خلافه بلا دليل لا
يجوز، وإن استدلوا بقراءة الجر قلنا: إنها لا تصلح دليلا على ذلك لما علمت، والثانى أنه لو عطف ﴿ وأرجلكم))
على محل ﴿برؤسكم) جاز أن نفهم منه معنى الغسل، إذ من القواعد المقررة فى العلوم العربية أنه إذا اجتمع فعلان
متغايران فى المعنى ويكون لكل منهما متعلق، جاز حذف أحدهما ، وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور كانه
متعلقه ، ومن ذلك قوله :
متقلدا سيفاو رمحا
يا ليت بعلك قد غدا
فإن المراد وحاملا ومحاومنه قوله :
إذا ما الغانیات برزن يوما
وزججن الحواجب والعيونا
تراه كان مولاه يجدع أنفه
فإنه أراد وكحلن العيونا ، وقوله :
وعینیه إن مولاه كان له وفر
أى يفقتى عينيه إلى ما لا يحمى كثرة. والثالث أن جعل الواو بمعنى مع بدون قرينة مما لا يكاد يجوز، ولا قرينة ههنا
على أنه يلزم كما قيل فعل المسحين معا بالزمان ، ولا قائل به بالاتفاق. في لو قال قائل لا أقنع بهذا المقدار فى الاستدلال
على غسل الأرجل بهذه الآية ما لم ينضم إليها من خارج ما يقوى تطبيق أهل السنة ، فإن كلامهم وكلام الامامية فى ذلك .
عسى أن يكون فرسي ومان قيل له إن سنة خير الورى ◌َ يتم وآثار الأئمة رضى الله عنهم شاهدة على ما يدعيه أهل السنة
وهى من طريقهم أكثر من أن تحصى ، وأما من طريق القوم فقد روى العياشى، عن على ، عن أبى حمزة قال: سألت
أبا هريرة عن القدمين فقال: تغسلان غسلا. وروى محمد بن النعمان، عن أبى بصير، عن أبى عبد الله رضى الله عنه قال:
إذا نسيت مسح رأسك حتى غسلت رجليك فامسح رأسك، ثم اغسل رجليك. وهذا الحديث رواه أيضا الكلبى، وأبو جعفر
الطوسی بأسانيد صحيحة بحيث لا يمكن تضعيفها ، ولا الحمل على التقية ، لآن المخاطب بذلك شیعی حاضر. وروى محمد بن
الحسن الصغار، عن زيد بن على ، عن أبيه ، عن جده أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: جلست أتوضأ فأقبل
رسول اللّه ◌َيتح فظا غسلت قدمى قال: يا على! خلل بين الأصابع. ونقل الشريف الرضى عن على كرم الله وجهه فى
نهج البلاغة حكاية وضوئه تَّ، وذكر فيه غسل الرجلين ، وهذا يدل على أن مفهوم الآية كما قال أهل السنة ، ولم يدع
١٠١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
أحد منهم النسخ حتى يتكلف لإثباته كما ظنه من لا وقوف له ومايزعمه الإمامية من نسبة المسح إلى ابن عباس
رضى الله عنهما، وأنس بن مالك وغيرهما كذب مفترى عليهم ، فإن أحدا منهم ما روى عنه بطريق صحيح أنه جوز
المسح إلا ابن عباس، فإنه قال بطريق التعجب: لا نجد فى كتاب الله تعالى إلا المسح ولكنهم أبوا إلا الغسل. ومراده
أن ظاهر الكتاب يوجب المسح على قراءة الجر التى كانت قراءته، ولكن رسول اللّه مَ لّم وأصحابه لم يفعلوا
إلا الغسل، ففى كلامه هذا إشارة إلى أن قراءة الجر مؤولة متروكة الظاهر بعمل رسول الله مَفقه وأصحابه رضى الله
عنهم ، ونسبة جواز المسح إلى أبى العالية ، وعكرمة، والشعبى زور وبهتان أيضا، وكذلك نسبة الجمع بين الغسل والمسح،
أو التخيير بينهما إلى الحسن البصرى عليه الرحمة ، ومثله نسبة التخير إلى محمد بن جرير الطبرى صاحب التاريخ الكبير
والتفسير الشهير ، وقد نشر رواة الشيعة هذه الأكاذيب المختلفة ، ورواها بعض أهل السنة من لم يميز الصحيح والسقيم
من الأخبار بلا تحقق ولا سند، واتسع الخرق على الواقع. ولعل محمد بن جرير القائل بالتخير هو محمد بن جرير بن
رستم الشيعى صاحب الايضاح للترشد فى الامامة، لا أبو جعفر محمد بن جرير بن غالب الطبرى الشافعى الذى هــو من
أعلام أهل السنة، والمذكور فى تفسير هذا هو الغسل فقط لا المسح، ولا الجمع، ولا التخيير الذى نسبه الشيعة إليه. ولا
حجة لهم فى دعوى المسح بما روى عن أمير المؤمنين على كرم الله وجهه: أنه مسح وجهه ويديه ، ومسح رأسه ورجليه،
وشرب فضل طهوره قائما، وقال: إن الناس يزعمون أن الشرب قائما لا يجوز، وقد رأيت رسول اللّه مَ ه يصنع مثل ما
صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث. لأن الكلام فى وضوء المحدث لا فى مجرد التنظيف بمسح الأطراف، كما يدل عليه
ما فى الخبر من مسح المغسول اتفاقا. وأما ما روى عن عباد بن تميم، عن عمه بروايات ضعيفة: أنه مؤلّم توضأ ومسح
على قدميه. فهو كما قال الحفاظ: شاذ منكر، لا يصلح للاحتجاج، مع احتمال حمل القدمين على الخفين ولو مجازا،
واحتمال اشتباه القدمين المتخففين بدون المتخففين من بعيد، ومثل ذلك عندمن اطلع على أحوال الرواة ما رواه الحسين بن
سعيد الأهوازى، عن فضالة، عن حماد بن عثمان، عن غالب بن هذيل ، قال: سألت أبا جعفر رضى الله عنه عن المسح
على الرجلين فقال: هو الذى نزل به جبريل عليه السلام، وما روى عن أحمد بن محمد قال: سألت أبا الحسن موسى بن
جعفر رضى الله عنه عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع بكفيه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين ، فقلت له.
لو أن رجلا قال باصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين أيجزئى؟ قال: لا إلا بكفه كلها إلى غير ذلك ما روته الامامية
فى هذا الباب ، ومن وقف على أحوال رواتهم لم يعول على خبر من أخبارهم، وقد ذكرنا نبذة من ذلك فی کتابنا
«النفحات القدسية فى رد الامامية، على أن لنا أن نقول: لو فرض أن حكم الله تعالى المسح على ما يزعمه الإمامية من
الآية فالغسل يكفى عنه، ولو كان هو الغسل لا يكفى عنه قبالغسل يلزم الخروج عن العهدة بيقين دون المسح، وذلك لأن
الغسل محصل لمقصود المسح من وصول البلل وزيادة وهذا مراد من عبر بأنه مسح وزيادة ، فلا يرد ما قيل من أن
الغسل والمسح متضادان لا يجتمعان فى محل واحد كالسواد والبياض، وأيضا كان يلزم الشيعة الغسل لأنه الأنسب
بالوجه المعقول من الوضوء، وهو التنظيف للوقوف بين يدى رب الأرباب سبحانه وتعالى لأنه الأحوط أيضا لكون
١٠٢
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
رواه مسلم .
٤٠١ - (٨) وعن المغيرة بن شعبة. قال إن النبى من توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين.
سنده متفقا عليه للفريقين كما سمعت، دون المسح للاختلاف فى سنده - انتهى (رواه مسلم) الحديث بهذا اللفظ من إفراد
مسلم ، وأخرجه أيضا أبو داود ، والنسائى، وابن ماجه مختصرا ، وهو عند جميعهم من حديث منصور عن هلال بن
يساف، عن أبى يحيى، عن عبد الله بن عمرو قال المنذرى: واتفق البخارى ومسلم على إخراجه من يوسف بن ما مك
عن عبد الله بن عمرو نحوه.
٤٠١ - قوله: (فمسح بناصيته وعلى العمامة) بكسر العين، وفى رواية للنسائى: مسح ناصيته وعمامته. واستدل
به لما ذهب إليه مالك والشافعى ومن معهما: من أنه لا يجوز اقتصار المسح على العمامة ، بل لا بدمع ذلك من المسح على
الناصية .. قيل: رواية مسلم هذه مفصلة، يحمل عليها ما فى بعض طرقها: من أنه مؤتم مسح على الخفين والعمامة. أخرجها
الترمذى وصححها ، وذهب أحمد وغيره من فقهاء أصحاب الحديث إلى جواز الاقتصار على العمامة، واحتجوا بحديث
عمرو بن أمية عند أحمد والبخارى وابن ماجه. وبحديث بلال عند أحمد ، ومسلم ، والترمذى، والنسائى وابن ماجه.
وبحديث سلمان عند أحمد ، وبأجاديث أبى أمامة، وخزيمة بن ثابت ، وأبى طلحة، وأبي ذر عند الطبرانى. وبحديث أنس
عند البيهقى ، وغير ذلك من الأحاديث التى ذكرها الزيلعى فى نصب الراية واعتذر الأولون عن هذه الأحاديث
بوجوه كلها مخدوشة ، فمنها أنها معلولة مضطربة الأسانيد وفيها رجال مجهولون وفيه أن أكثر هذه الأحاديث صحيحة
مستقيمة ، كما حقق صحتها واستقامتها الحافظ فى التلخيص وغيره. ومنها أن أحاديث المسح على العمامة من أخبار الآحاد
فلا تعارض الكتاب، لأن الكتاب يوجب مسح الرأس وفيه أن الآية لا تنفى الاقتصار على المسح على العمامة، لأن من قال:
قبلت رأس فلان) يصدق ولو بحاثل وسيأتى توضيحه ومنها أن الله تعالى فرض المسح على الرأس، والحديث فى العمامة محتمل
التأويل، فلا يترك المتيقن للحتمل، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس وفيه أن هذا الوجه يرجع إلى الوجه الثانى، وقد
تقدم جوابه وتوضيحه أنه أجزئ المسح على الشعر، ولا يسمى رأسا. فإن قيل: يسمى رأسا مجازا بعلاقة المجاورة. قيل:
والعمامة كذلك بتلك العلاقة، فإنه يقال: قبلت رأسه، والتقبيل على العمامة، ويؤيد ذلك حملهم قراءة الجر فى ((أرجلكم، فى
آية الوضوء على حالة التخفف، فتأمل. ومنها أن أحاديث المسح على العمامة محملة، وحديث المغيرة عند مسلم
مفصل مفسر فتحمل عليه، ويقال: إن أداء المفروض من مسح الرأس وقع بمسيح الناصية إذ هى جزء الرأس،
وصبارت العمامة تبعاله، يعنى أن المسح على العمامة كان زائدا على أصل الفرض، وتعميما وتكميلا، فرخص لهم
مرّ بفعله بعد مسح الواجب أن يقتصروا من الاستيعاب على مسح العمائم. وفيه أنه لا موجب لحمل أحاديث المسح
على العمامة على حديث المغيرة، فإنها وقائع مختلفة ليست حكاية عن فعل واحد فى وقت واحد، وأما إن المسح على العمامة
كان زائدا على أصل الفرض وإنماما ففيه أنه مجرد دعوى لا دليل عليها فلا يلتفت إليها. ومنها أنها حكاية حال فيجوز
١٠٣
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
رواه مسلم.
٤٠٢ - (٩) وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: كان النبي ◌َ ◌ّم يحب التيمن ما استطاع فى شأنه كله:
أن تكون العمامة صغيرة رقيقة بحيث تنقع البلة منها إلى الرأس. وفيه أن الكل من قوله وفعله وتقريره حجة لنا ، وفى
إنشاء مثل هذه الاحتمالات فى أفعاله وأحواله من غير دليل رد للسنة الصحيحة الثابتة ، وأيضا لا يتحقق وصول البلة إلى
الرأس إلا اذا كانت العمامة غير ذات أكوار، وفيه إبطال لمسمى العمامة. ومنها أنه يحتمل أن ذلك كان قبل نزول
المائدة. وفيه أنه لا يثبت النسخ بالاحتمال حتى يعلم التاريخ، وأيضا لا منافاة بين الآية وبين أحاديث المسح حتى يحتاج
إلى التوفيق، أو إدعاء النسخ. ومنهاما قال محمد بن الحسن فى مؤطاه: بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك. وفيه أنه
لا يثبت النسخ بمجرد قول الامام محمد، ولا بد لمن يدعى النسخ أن يأتى بالحديث الناسخ الصحيح الصريح. ومنها أن
الخطاب فى قوله: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. كالخطاب فى قوله: وامسحوا برؤسكم، ولا يجوز مسح الوجه فى التيمم
بحاثل، فكذلك الرأس. وفيه أنه قد ثبت بالأحاديث الصحيحة المسح على العمامة فقلنا به ولم يثبت مسح الوجه فى التيمم
بحائل، لا بحديث صحيح، ولا ضعيف، ولا بأثر صحابى، ولذلك لم يذهب إليه أحد من الأئمة، ولا حاجة إلى رد أحاديث
-المسح على العمامة بمثل هذا العذر الواهى. ومنها أن المراد بقوله ((مسح تمامته)) مسح ما تحتها، من قبيل إطلاق اسم الحال
على المحل وفيه أن هذا مجاز خلاف الأصل فلا يحمل عليه من غير دليل . ومنها أنه يحتمل أنه مسح ناصيته وسوى
عمامته بيديه حسب الراوى تسوية العمامة عند المسح مسحا لكونه بعيداو فيه أنه نسبة الخطأ إلى الصحابة من غير دليل ،
ويرتفع الأمان عن الأحاديث بمثل هذه الاحتمالات. ومنها أنه يحتمل أنه كان ذلك لمرض منعه كشف رأسه، فصارت
العمامة كالجيرة . وفيه أن هذا أيضا احتمال محض فلا يلتفت إليه، لما فيه من رد السنة الصحيحة الثابتة، وبهذا علمت أن
الحق ما ذهب إليه أحمد وغيره، فقد ثبت المسح على الرأس فقط، وعلى العمامة فقط، وعلى الرأس والعمامة، والكل صحيح
ثابت عن رسول الله مَ ◌ّ موجود فى كتب الأئمة الصحاح، والنبى مَ ◌ّم مبين لأمر الله، فقصر الاجزاء على بعض ما
ورد لغير موجب ليس من دأب المنصفين (رواه مسلم) وأخرجه أيضا النسائى والبيهقى وأخرجه الترمذى بلفظ: مسح
على الخفين والعمامة .
٤٠٢ - قوله (يحب التيمن) أى الابتداء باليمين، أى فيما لم يعهد فيه المقارنة من باب التشريف، بخلاف غسل
الوجه، ومسح الرأس والأذنين فإن المعهود فى هذه الأشياء قران اليسار باليمين (ما استطاع) ما إما موصول فهو بدل
من التيمن ، وإما بمعنى مادام، وبه احتراز عما لا يستطيع فيه التيمن شرعا كالخروج من المسجد ، والدخول فى الخلاء،
والتمخط ، والاستنجاء (فى شأنه) متعلق بالتيمن، أو بالمحبة، أو بهما على سبيل التنازع، والشأن الأمر والحال، والخطب
(كله) تأكيد، وهو يدل على التعميم ، أى استحباب التيمن فى دخول الخلاء وأمثاله أيضا، ويمكن أن يقال: حقيقة
١٠٤
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
فى طهوره وترجله وتنعله. متفق عليه.
( الفصل الثانى )
٤٠٣ - (١٠) عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َل): إذا لبستم وإذا توضأتم، فابدؤا بأيامنكم.
رواه أحمد وأبو داود.
الشأن ما كان فعلا مقصودا، وما يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة، بل هى إما تروك وإما أفعال غير مقصودة
(فى طهوره) بضم الطاء أى تطهره (وترجله) أى تمشيط الشعر بالماء أو بالدهن من اللحية والرأس (وتنعله) أى لبسه
النعل ، وقوله ((فى طهوره)) إلخ بدل من «فى شأنه)) بإعادة العامل بدل البعض من الكل، فيكون تخصيصا بعد تعميم، وخص
هذه الثلاثة بالذكر اهتماما بها وبيانا لشرفها ، ولا مانع أن يكون بدل الكل من الكل، إذ الطهور مفتاح أبواب العبادات
فبذكره يستغنى عنها ، والترجل يتعلق بالرأس، والتنعل بالرجل، وأحوال الإنسان إما أن تتعلق بجهة الفوق ، أو جهة
التحت ، أو بالأطراف، فجاء لكل منها بمثال قاله العينى. والحديث دليل على استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن فى
الترجل ، والغسل، والحلق وبالميامن فى الوضوء والغسل، والأكل، والشرب، وغير ذلك. قال النووى: قاعدة الشرع
المستمرة استحباب البداءة باليمين فى كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر. والكلام
فى تقديم اليمين فى الوضوء يأتى فى شرح حديث أبى هريرة الذى يتلوه (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى باب التيمن فى
دخول المسجد وغيره من كتاب الصلاة ، وأخرجه أيضا فى الطهارة، والأطعمة، واللباس ، وأخرج مسلم فى الطهارة
معناه، وأخرجه أيضا الترمذى فى آخر الصلاة ، والنسائى فى الطهارة، وفى الزينة، وأبو داود فى اللباس ، وابن ماجه
فى الطهارة .
٤٠٣ - قوله (إذا لبستم) أى قميصا أو سراويل أو فعلا أو خفا ونحوها يعنى أردتم اللبس (وإذا توضأتم) أى
أردتم التطهر بالوضوء أو الغسل (فابدؤا بأيامنكم) جمع الأيمن وهو بمعنى اليمين، وفى رواية ((بميامنكم، جمع الميمنة، ولا
فرق بين اللفظين فى العربية، والأمر محمول على الندب كما يدل عليه حديث: كان يحب التيمن، وكذلك اقتران الوضوء
بالتيامن فى اللبس المجمع على عدم وجوبه فى حديث أبى هريرة هذا يصلح أن يكون قرينة لصرف الأمر إلى الندب ، ودلالة
الاقتران وإن كانت ضعيفة ولكنها لا تقصر عن الصلاحية للصرف، لاسيما مع اعتضادها بقول على رضى الله عنه وفعله
أخرجه الدار قطنى من طرق ، وبدعوى الإجماع على عدم الوجوب. قال النووي: أجمع العلماء أى أهل السنة على أن
تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين فى الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوئه، ولا اعتداد بخلاف
الشيعة (رواه أحمد وأبو داود) فى اللباس وسكت عنه، وأخرجه أيضا ابن ماجه فى الطهارة ، وابن خزيمة ، لكن ليس
١٠٥
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
٤٠٤ - (١١) وعن سعيد بن زيد، قال: قال رسول اللّه مَله: لا وضوء لمن لميذكر اسم الله عليه.
فى روايتهما إذا لبستم، وابن حبان ، والبيهتى كلهم من طريق زهير، عن الأعمش عن أبى صالح، عن أبى هريرة ، قال ابن
دقيق العيد: هو حقيق بأن يصح. وللنسائى، والترمذى من حديث أبى هريرة أن النبي ◌َبت إذا لبس قيصا بدأ بميامنه.
٤٠٤ - قوله (وعن سعيد بن زيد) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوى القرشى أبو الأعور، أحد العشرة
المشهود لهم بالجنة، والمهاجرين الأولين. قال المصنف: أسلم قديما، وشهد المشاهد كلها مع النبي مَثّ غير بدر، فإنه
كان مع طلحة بن عبيد الله يطلان خبر عير قريش وضرب له النبي ◌َّ بسهم، وكانت فاطمة أخت عمر بن الخطاب
تحته، وبسببها كان إسلام عمر، كان آدم طوالا أشعر. له ثمانية وثلاثون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخارى
بحديث، وروى عنه جماعة. مات بالعقيق لحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع سنة (٥١) وقيل (٥٠) وله بضع وسبعون
سنة (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) أى لا يصح الوضوء ولا يوجد شرعا إلا بالتسمية، إذا الأصل فى النفى الحقيقة،
ونفى الصحة أقرب إلى الذات، وأكثر لزوما للحقيقة فيستلزم عدمها عدم الذات ، وما ليس بصحيح لا يجزئ ولا يعتد
به فالحديث نص على افتراض التسمية عند ابتداء الوضوء، وإليه ذهب أحمد فى رواية، وهو قول أهل الظاهر. وذهبت
الشافعية، والحنفية، ومن وافقهم إلى أن التسمية سنة فقط، واختار ابن الهمام من الحنفية وجوبها، وقال الشاه ولى
الله الدهلوى فى حجة الله البالغة: هو أى الحديث نص على أن التسمية ركن أو شرط ، ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل
الوضوء، لكن لا أرقضى بمثل هذا التأويل، فإنه من التأويل البعيد الذى يعود بالمخالفة على اللفظ انتهى. قلت: ويبعده
أيضا القران بقوله: لا صلاة لمن لا وضوء له ، فى بعض الروايات، ويبعده أيضا أن الحمل على نفى الكمال مجاز، ولا
يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة، وقيام القرينة على إرادة المجاز وهو متف ههنا. وحديث من توضأ وذكر اسم الله
عليه كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه، ضعيف جدا، أخرجه
الدار قطنى والبيهقى مرفوعا من حديث ابن عمر، وفيه أبو بكر الداهرى عبد الله بن الحكم، وهو متروك ومنسوب إلى
الوضع وأخرجاه أيضا من حديث أبى هريرة، وفيه مرداس بن محمد بن عد الله بن أبان عن أيه، وهما ضعيفان، وأخرجاه
أيضا من حديث ابن مسعود، وفيه يحى بن هشام السمسار ، وهو متروك والحاصل أن هذا الحديث لا يصلح لشدة
وهنه أن يكون قرينة لتوجه ذلك النفي إلى الكمال، لا يقال: إنه تعاضد لكثرة طرقه، واكتسب قوة، لأن هذا إنما
يفيد إذا كان الضعف فى طرق الحديث يسيرا، وأما إذا اشتد الضعف والوهن كما هنا فلا يكتسب الحديث بكثرة طرقه
إلا ضعفا، وأما ماصرح به ابن سيد الناس فى شرح الترمذى من أنه قد روی فی بعض الروايات: لا وضو کاملا، وقد
استدل به الراضى ففيه أنه قال الحافظ: لم أره هكذا - انتهى وتفوه بعض الحنفية أن قول الحافظ: (لم أره، ليس
بحجة على من رآه من المتقدمين. قلت: لا يكفى للاحتجاج على المطلوب روية أحد كائنا من كان ما لم يعلم كونه حسنا
أو صحيحا، ولم يعلم حال هذه الزيادة، ولم تثبت من وجه معتبر إلى الآن، ولا يمكن لهذا المبعض المتفوه ولا لغيره من
١٠٦
:
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
رواه الترمذى، وابن ماجه .
٤٠٥ - (١٢) ورواه أحمد، وأبو داود عن أبى هريرة.
٤٠٦ - (١٣) والدارمى عن أبى سعيد الخدرى،
القائلين بعدم الوجوب أن يثبتوا هذه الزيادة من وجه معتبر ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، فلا تغنى روية ابن سيد
الناس هذه الزيادة عن شئ. وقال بعض الحنفية: حمل الرواية على حقيقة معناها الظاهر يوجب تخصيص الآية الذى هو
فى حكم النسخ، وليس ذلك إلى خبر الواحد - انتهى. قلت: حاصل هذا الجواب أن حمل الحديث على معناه الحقيقى
الظاهر، وجعل التسمية فى ابتداء الوضوء فرضا أى شرطا زيادة على آية الوضوء بخبر الواحد، فى رتبة الشرطية، والزيادة
على النص القطعى فى مرتبة الركنية أو الشرطية بأخبار الآحاد لا تجوز، لأنها نسخ ونسخ النص القطعى بخبر الواحد
لا يجوز. وفيه أن ذلك ليس بنسخ، لأن النسخ رفع حكم شرعى ثابت بالخطاب ، ولم يرتفع مهنا حكم على أن الزيادة
بخبر الواحد على النص القطعى فى مرتبة الوجوب أو الاستحباب تجوز عند الحنفية فكأنها ليست بزيادة عندهم، فيلزمهم أن
يقولوا بوجوب التسمية، كما قال به ابن الهمام ، وكما ذهب جمهورهم إلى تعين الفاتحة وجوبا، على أن حديث التسمية أصح
وأقوى وأشهر من حديث الوضوء بالنيذ، والزيادة بالحديث المشهور على القطعى تجوز عند الحنفية فتأمل. والمراد بقوله:
لم يذكر اسم الله عليه، أى لم يقل: بسم الله على وضوءه، لقوله فى قصة الإناء الذى وضع فيه يده: توضؤا بسم الله. ولقوله:
يا با هريرة ! إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله، أخرجه الطبرانى فى الأوسط (رواه الترمذى وابن ماجه) وزاد هو
فى أوله: لا صلاة لمن لا وضوء له، وأخرجه أيضا أحمد والبزار والدار قطنى والعقيلى والحاكم والبيهقى كلهم من طريق أبي
ثقال المرى وهو مقبول قاله الحافظ ، وذكره ابن حبان فى الثقات عن رباح بن عبد الرحمن ، وهو أيضا مقبول ، ذكره
ابن حبان فى ثقات أتباع التابعين عن جدته أسماء، قال الحافظ فى التلخيص: قد ذكرت فى الصحابة، وإن لم يثبت لها
صحبة ، فثلها لا يبئل عن حالها عن أبيها سعيد بن زيد بن عمرو، قال الترمذى: قال محمد يعنى البخارى: أحسن شئى فى
هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن.
٤٠٥ - قوله (ورواه أحمد وأبو داودعن أبى هريرة) وأخرجه أيضا الترمذى فى العلل، وابن ماجه
والدار قطنى وابن السكن والطبرانى والبيهقى والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. قال المنذري: وليس كما قال، فإنهم
رووه عن يعقوب بن سلمة الليثى عن أبيه عن أبى هريرة، وقد قال البخارى وغيره : لا يعرف لسلة سماع من أبى هريرة،
ولا ليعقوب سماع من أيه - انتهى. وأبوه سلة أيضا لا يعرف ما روى عنه غير ابنه يعقوب، فأين شروط الصحة ؟
وقد أطال الحافظ الكلام عليه فی التلخيص (ص ٢٦) فارجع إليه .
٤٠٦ - قوله (والدارمى عن أبى سعيد الخدرى) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى فى العلل وابن ماجه وابن عدى
١٠٧
أ
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
عن أبيه، وزادوا فى أوله: لا صلوة لمن لا وضوء له.
٤٠٧ - (١٤) وعن لقيط بن صبرة، قال: قلت: يا رسول الله! أخبرنى عن الوضوء. قال: أسبغ
الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ فى الاستنشاق،
وابن السكن والبزار والدار قطنى والحاكم والبيهقى من طريق كثير بن زيد الأسلمى وهو صدوق يخطئى، صالح الحديث عن
ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى، وهو مقبول ، قاله الحافظ عن أبيه عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى، وهو
ثقة. قال أحمد بن حنبل : إنه أحسن شئ فى هذا الباب ، وقال أيضا: أقوى شئى فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح.
وقال إسحاق بن راهويه: هو أصح ما فى الباب. وقال فى الزوائد على ابن ماجه: هذا حديث حسن (عن أبيه) هذا
من أوهام المصنف لأن الراوى للحديث هو أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدرى لا أبوه مالك بن سنان (وزادوا)
أبى أحمد وأبو داود والدارمى ،وهذا أيضا من أوهامه فإن هذه الزيادة ليست الدارمى، ففى عبارة المصنف مهنا سهوان
أحدهما فى الإسناد، وهو زيادة ((عن أبيه)) بعد قوله ((أبى سعيد الخدرى)، والثانى أن زيادة ((لا صلاة لمن لا وضوء له))
ليست الدارمى ، خلاف ما يفهم من قوله، وزادوا فى أوله «واعلم أنه ورد فى الباب أحاديث كثيرة لا يخلو واحد منها
عن مقال، لكنها تعاضدت بكثرة طرقها ، قال المنذرى فى الترغيب: لا شك أن الأحاديث التى وردت فيها وإن كان
لا يسلم شئى منها عن مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوة ـ انتهى. وقال الحافظ: الظاهر أن مجموع
الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا، وقال أبو بكر بن أبى شيبة: ثبت لنا أن النبى مؤلّ قاله ، وقال ابن سيد
الناس فى شرح الترمذى: ولا يخلو هذا الباب من حسن صريح ، وصحيح غير صريح ، وقال ابن كثير فى الإرشاد وقد
روى من طرق يشد بعضها بعضا فهو حديث حسن أو صحيح ، وقال ابن الصلاح: ثبت بمجموعها ما يثبت بالحديث
الحسن .
٤٠٧ - قوله (وعن لقيط) بفتح اللام وكسر القاف وبالطاء المهملة (بن صبرة) بفتح المهملة وكسر الموحدة،
هو لقيط بن عامر بن صبرة أبورزين العقلى، صحابى مشهور، له أربعة وعشرون حديثا، جعلهما واحداابن عبدالبروعبد الغنى
بن سعيد وابن معين وحكى ذلك الأثرم عن أحمد، وإليه نحا البخارى وجمعه ابن حبان وابن السكن وقال ابن المدينى
وخليفة خياط وابن أبى خيثمة وابن سعد ومسلم والتر مذى وابن قائع والبغوى والدارمى وجماعة : إن لقيط بن صبرة غير
لقيط بن عامر بن صبرة (أسبغ الوضوء) أى أبلغه مواضعه، وأوف كل عضو حقه، وقيل: أی أ کله، وبالغے فيه بالزيادة
على المفروض كمية وكيفية بالثلث ، والدلك ، وتطويل الغرة، وغير ذلك (وخلل بين الأصابع) أى أوصل الماء إلى ما
بين أصابع اليدين والرجلين بالتخليل. وفيه دليل على وجوب التخليل بين أصابع اليدين والرجلين مطلقا
من غير فرق بين إمكان وصول الماء بدون تخليل وعدمه (وبالغ فى الاستنشاق) بإيصال الماء إلى
باطن الأنف. وفى رواية الدولابى (وبالغ فى المضمضة والاستنشاق)، وفى رواية لأبى داود: وإذا توضأت فمضمض،
1
٠
١
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
إلا أن تكون صائما. رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى وروى ابن ماجه، والدارمى إلى قوله:
بين الأصابع.
٤٠٨ - (١٥) وعن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه مُطه: إذا توضأت خلل بين أصابع يديك
ورجليك. رواه الترمذى. وروى ابن ماجه نحوه. وقال الترمذى: هذا حديث غريب.
٤٠٩ - (١٦) وعن المستورد
وفيه دليل على وجوب الاستنشاق والمضمضة ، والاقتصار على ذكر هذه الخصال مع أن السوال كان عن الوضوء إما
من الرواة بسبب أن الحاجة دعتهم إلى نقل البعض، والنبى مرَّم بين كيفية الوضوء بتمامها، أو من النبى مَّ بناء على أنه
على أن مقصد السائل البحث عن هذه الخصال، وإن أطلق لفظه فى السوال، إما بقرينة حال، أو وحى ، أو إلهام. وقال
فى التوسط: اقتصر فى الجواب علما منه أن السائل لم يسأله عن ظاهر الوضوء، بل عما خفى من باطن الفم والأنف
والأصابع، فإن الخطاب ((بأسبخ، إنما يتوجه نحو من علم صفته - انتهى (إلا أن تكون صائما) فلا تبالغ لئلا يصل إلى
باطنه ، ولئلا ينزل إلى حلقه، ما يفطره، وكذا حكم المضمضة (رواه أبو داود) فى الطهارة ، وفى الصيام وفى الحروف ،
مطولا ومختصرا ، وسكت عنه، ونقل المنذرى تصحيح الترمذى، وأقره (والترمذى) فى الطهارة وفى الصيام مختصرا
وصححه (والنسائى) فى الطهارة مختصرا (وروى ابن ماجه والدارمى إلى قوله: بين الأصابع) أى بدون قوله: وبالغ فى
الاستنشاق إلا أن تكون صائما وهذا وهم من المصنف، لأن ابن ماجه رواه أولا فى باب المبالغة فى الاستنشاق مثل
رواية الكتاب ، إلا أنه ليس فيه قوله: وخلل بين الأصابع. ثم رواه فى باب تخليل الأصابع بلفظ أسبغ: الوضوء
وخلل بين الأصابع. وليس فيه ذكر المبالغة فى الاستنشاق. والحديث أخرجه أيضا الشافعى وأحمد وابن الجارود
وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه، والبيهقى مطولا ومختصرا ورواه الحافظ فى الإصابة (ج ٣: ص ٣٢٩) وقال:
هذا حديث صحيح. وصححه أيضا البغوى وابن القطان. وقال النووى : حديث لقيط بن صبرة أسانيده صحيحة .
٤٠٨ - قوله (إذا توضأت) أى شرعت فى الوضوء أو غسلت أعضاء الوضوء (خلل بين أصابع يديك ورجليك)
فيه حجة على من قيد التخليل وخصه بأصابع الرجلين (رواه الترمذى) إلخ وأخرجه أيضا أحمد والحاكم (وقال الترمذى
هذا حديث غريب) وفى نسخ الترمذى المصححة الموجودة عندنا ((حديث حسن غريب، والحديث فى إسناده صالح
مولى التوأمة ، وقد اختلط فى آخر عمره، ولكن موسى بن عقبة راوى الحديث سمع منه قبل أن يختلط ، ولذلك
حسنه الترمذى، وحسنه البخارى أيضا كما نقل الحافظ فى التلخيص (ص ٣٤).
٤٠٩ - قوله (وعن المستورد) بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة وبكسر الراء وبالدال المهملة
١٠٩
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
بن شداد، قال: رأيت رسول اللّه عَّم: إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره. رواه الترمذى،
وأبو داود، وابن ماجه.
٤١٠ - (١٧) وعن أنس، قال: كان رسول اللّه وَلَّم إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت
حنکه، خلل به لحيته، وقال: هكذا أمرنی ربی.
(بن شداد) بن عمرو القرشى الفهرى الحجازى، سكن الكوفة. له ولأبيه صحبة. قال الخزرجى: له سبعة أحاديث، انفرد
له مسلم بحديثين، شهد فتح مصر، ومات بالإسكندرية سنة (٤٥) روى عنه جماعة (يدلك) أى يخلل كما فى رواية أحمد
(ج ٤: ص ٢٢٩) (بختنصره) أى بختصر يده اليسرى لأنها أليق به (رواه الترمذى) وقال: هذا حديث حسن غريب
كما فى بعض نسخ الترمذى المصححة المعتمدة (وأبو داود) وسكت عنه (وابن ماجه) وأخرجه أيضا أحمد، وابن
عبد الحکم فی فتوح مصر (ص ٢٦١) طبعة لیدن کلهم من طريق ابن همة، وقد صرح الترمذى بانفراده به ولكنه ليس
كذلك، فقد قال الحافظ فى التلخيص (ص ٣٤): تابعه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث وأخرجه البيهقى ، وأبو
بشر الدولابى، والدار قطنى فى غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة ، وصححه ابن القطان ، انتهى. وفى الباب
أحادیث أخری ذکرما الشوکانی فی النيل (ج ١ : ص ١٤٩).
٤١٠ - قوله (أخذ كفا من ماء) أى عند غسل الوجه، قال المناوى: مقتضى الحديث أنه كان يخلل لحيته بكف
واحد، لكن فى رواية لابن عدى ((خلل لحيته بكفيه)) (فأدخله) أى بيمينه (تحت حنكه) الحنك بفتح الحاء المهملة والنون،
أعلى باطن الفم والأسفل من طرف مقدم اللحيين، وتحت الحنك تحت الذقن (خلل به لحيته) قال القارى: أى أدخل
كفا من ماء تحت لحيته من جهة حلقه نخلل به لحيته ليصل الماء إليها من كل جانب، وكان عند غسل الوجه لأنه من تمامه
لا بعد فراغه كما توهم (وقال) لمن حضره (هكذا أمرنى ربى) أى أمرنى بتخليل اللحية بالوحى الخفى، أو بواسطة جبريل.
وفيه وفى حديث عثمان الذى يتلوه دليل على مشروعية تخليل اللحية، واختلف فى ذلك اختلافا كثيرا حتى للحنفية وحدهم
فيه ثمانية أقوال كما فى رد المختار، والراجح عندى أنه يجب فى غسل الجنابة غسل جميع اللحية أى ما يلاقى البشرة منها ،
وما يسترسل، ويلزم إيصال الماء إلى باطنها خفيفة كانت أو كثة، لقوله مرتين: تحت كل شعرة جنابة قبلوا الشعر وأنقوا
البشر. وأما الوضوء فلا يجب فيه غسلها وإيصال الماء إلى باطنها وتخليلها مطلقا لا ما يلاقى البشرة أى الشعر المقابل
المماس للخدين والذقن، ولا المسترسل أى الشعر الخارج عن دائرة الوجه، بل يسن تخليلها ومسحها ، وذلك لما رواه
البخارى عن ابن عباس فى صفة الوضوء ثم أخذ غرفة من ماء لجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فنسل بها وجهه ، قال
الشوكانى: لا شك أن الغرفة الواحدة لا تكفى كث اللحية لغسل وجهه وتخليل لحيته، ودفع ذلك كما قال بعضهم بالوجدان
١١٠
1
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
رواه أبو داود.
٤١١ - (١٨) وعن عثمان رضى الله عنه: أن النبى مؤخر كان يخلل لحيته. رواه الترمذى، والدارمى.
٤١٢ - (١٩) وعن أبى حية، قال: رأيت علياً توضأ فغسل كفيه
مكابرة منه انتهى. وأما الخفيفة التى ترى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها، هذا ما عندى والله اعلم. واستدل بعضهم
على الوجوب بما فى حديث أنس من قوله مَفت: هكذا أمرنى ربى. وفيه أنه حديث ضعيف لا يصلح مثله للاستدلال على
إيجاب شئ، ولو سلم صلاحيته للاستدلال وانتهاضه للاحتجاج ما أفاد الوجوب على الأمة لظهوره فى الاختصاص به،
وهو يتخرج على الخلاف المشهور فى الأصول «هل يسم الأمة ما كان ظاهر الاختصاص به مَّم أم لا؟ والفرائض
لا تثبت إلا بيقين ، فعم! الاحتياط والأخذ بالأوثق لا شك فى أولويته. وأما أحاديث الباب الأخرى مما ذكره الزيلعى
والحافظ فهى لا تدل على الوجوب لأنها أفعال (رواه أبو داود) وفى سنده الوليد بن زوران، قال الحافظ فى التقريب:
لين الحديث. وقال الآجرى عن أبى داود: لا ندرى سمع من أنس أولا. وقال الذهبى فى الميزان: ماذا بحجة مع أن ابن
حبان وثقه انتهى. قال الحافظ فى التلخيص (ص ٣١): وله طرق أخرى عن أنس ضعيفة ثم ذكر بعضها مع
الكلام عليها .
٤١١ - قوله (كان يخلل لحيته) أى يدخل يده فى خللها وهى الفروج التى بين الشعر، ومنه فلان خليل فلان أى يخالل
حبه فروج جسمه حتى يبلغ إلى قلبه، ومنه الخلال (رواه الترمذى والدارمى) وأخرجه أيضا ابن ماجه، وابن الجارودفى
المنتقى والدار قطنى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، قال الترمذى: حديث حسن صحيح، وقال فى علله الكبير: قال محمد بن
إسماعيل يعنى البخارى: أصح شئى فى التخليل حديث عثمان، وهو حديث حسن. وقال الزيلعى: أمثل أحاديث تخليل
اللحية حديث عثمان. ونقل الحافظ فى التهذيب (ج ٥: ص ٦٩) تصحيحه عن ابن خزيمة ، وابن حبان . وقال الحاكم
صحيح الإسناد: وقد احتجا يعنى البخارى، ومسليا بجميع رواته غير عامر بن شقيق، قال: ولا أعلم فى عامر طعنا بوجه
من الوجوه. وتعقبه الذهبى فى مختصره، وقال إن عامر بن شقيق ضعفه ابن معين ، وكذا قال تقى الدين. وقال
النسائى: ليس به بأس، وذكره ابن حبان فى الثقات. وللحديث شواهد ذكرها الزيلمى فى نصب الراية (ج ١ ص ٢٤، ٢٦)
والحافظ فى التلخيص (ص ٣١) والهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ١، ص ٣٣٥) وهى بمجموعها تصلح للاحتجاج على
استحباب تخليل اللحية فى الوضوء، قال شيخنا فى شرح الترمذى: وهذا هو الحق.
٤١٢ - قوله (عن أبى حية) بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة التحتية، هو ابن قيس الوداعى الحمدانى الخارفى
ولا يعرف اسمه، ذكره ابن حيان فى الثقات، وقال ابن القطان: وثقه بعضهم، وصمح حديثه ابن السكن وغيره. وقال
ابن الجارود فى الكتى: وثقه ابن نمير (توضأ فتسل كفيه) أى شرع فى الوضوء، أو أراده ؛ فالفاء التعقيب، أو لتفصيل
١١١
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه
مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت
أن أريكم كيف كان طهور رسول اللّه مح له. رواه الترمذى، والنسائى.
٤١٣ - (٢٠) وعن عبد خير، قال: نحن جلوس ننظر إلى على حين توضأ، فأدخل يده اليمنى
فلاًفمه، فمضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاث مرات، ثم قال: من سره أن ينظر
إلی طهور رسول الله ڑبتے ،
ما أجمل فى قوله: توضأ ، وتفسيره. والمراد بالكفين اليدان إلى الرسغين (حتى أنقاهما) أى أزال الوسخ عنهما، وقد
جاء التصريح بالثليث فى الروايات الأخرى (ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا) قال القارى: ظاهره الفصل المطابق
لمذهبنا، قلت : بل هو محتمل، فإنه يحتمل أن يكون معناه أنه مضمض ثلاثا بثلاث غرفات، ثم استنشق ثلاثا بثلاث غرفات
أخرى. ويحتمل أن يكون معناه أنه مضمض واستنشق بغرفة، ثم فعل هكذا فى الثانية والثالثة. والمحتمل لا يقوم به
حجة ، أو يرد هذا المحتمل إلى الأحاديث المحكمة الصحيحة الصريحة فى الوصل توفيقا بين الدليلين (وذراعيه) أى يديه
من رؤس الأصابع إلى المرفقين (ومسح برأسه مرة) فيه حجة للجمهور خلافا للشافعى (ثم غسل قدميه) أی ثلاثا ثلاثا
كما فى رواية عبد خير عن على عند أبى داود، والنسائى. وفيه رد على الشيعة (فضل طهوره) بفتح الطاء أى بقية ماته الذى
توضأ به (فشربه وهو قائم) قال بعض العلماء: إن الشرب قائما مخصوص بفضل الوضوء بهذا الحديث، وبماء زمزم لما جاء
فيه أيضا ، وفى غيرهما لا ينبغى الشرب قائما للنهى. والحق أنه جاء فى غير هما أيضا ، فالوجه أن النهى للتنزيه ، وما جاء
من الرخصة فهو لبيان الجواز (أحببت أن أريكم) بصيغة المتكلم من الإبراءة (كيف كان طهور رسول اللّه مح ليه) بضم
الطاء أى وضوئه وطهارته (رواه الترمذى) وقال: "حديث حسن صحيح (والنسائى) وأخرجه أيضا أبو داود، وابن
ماجه مختصرا .
٤١٣ - (وعن عبد خير) ضد شر، هو عبد خير بن يزيد الهمدانى أبو عمارة الكوفى، أدرك زمن النبي(م{ّ
إلا أنه لم يلقه، وصحب عليا، وهو من كبار أصحابه، ثقةٍ ◌ّمامون، سكن الكوفة، ويقال: أتى عليه مائة وعشرون سنة.
قال الحافظ فى التقريب: مخضرم ثقة من كبار التابعين، لم يصح له صحبة (نحن جلوس) أى جالسون (ننظر إلى على حين توضأ)
لأخذ العلم من بابه (فأدخل يده اليمنى) أى فى الإناء، فأخذ بها الماء (ونثر) أى أخرج الماء، والمخاط، والأذى من
الأنف (فعل هذا) أى المذكور من المضمضة والاستنشاق، وهذا ظاهر فى الوصل (من سره) أى جعله مسرورا، أو
١١٢
:
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
فهذا طهوره. رواه الدارمى.
٤١٤ - (٢١) وعن عبد الله بن زيد، قال رأيت رسول اللّه مؤلم مضمض واستنشق من كف
واحد، فعل ذلك ثلاثا. رواه أبو داود، والترمذى.
٤١٥ - (٢٢) وعن ابن عباس، أن النبى يَّ مسح برأسه، وأذنيه: باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما
بابهاميه. رواه النسائى.
أحب (فهذا طهوره) أى نحو وضوءه مَ لّه، والإشارة إلى تمام ما فعله من الوضوء، والاقتصار من الراوى
(رواه الدارمى) وأخرجه أيضا أحمد والنسائى. ولحديث على فى صفة الوضوء طرق عنه عند الترمذى، وأبى داود
والنسائي وابن ماجه وابن حبان ، والبزار، ذكرها وجمعها الحافظ فى التلخيص (ص ٢٨ - ٢٩).
٤١٤ - قوله (عن عبد الله بن زيد) أى ابن عاصم المازنى، لا ابن عبد ربه الذى أرى النداء كما توهم الطبي وقلده
فيه القارى ، لأن الراوى لصفة الوضوء هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنى، ومنشأ توهم الطبي رواية سفيان بن عيينة عند
النسائى ، فإنه أخرج حديث صفة الوضوء من رواية عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهذا وهم من ابن عينة، خطأه فى
ذلك البخارى وغيره (مضمض واستنشق من كف واحد) كذا بالتذكير فى طبعات الهندوفى نسخة القارى وهكذا فى جامع
الترمذى وفى بعض نسخ أبى داود ووقع فى نسخة الألبانى بالثانيث وكذا فى أكثر نسخ أبى داود وهذا الحديث صريح فى
الجمع بين المضمضة والاستنشاق فى كل مرة بأن يكون بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها
(فعل ذلك) أى الجمع بين المضمضة والاستنشاق (رواه أبو داود والترمذى) وأصله عند الشيخين ، وقد ذكره المؤلف
فى الفصل الأول .
٤١٥ - قوله (مسح برأسه وأذنيه) فيه دليل على أن وظيفة الأذنين المسح مع الرأس، وظاهره أنه مسحهما بماء
رأسه. وفى رواية ابن حبان «غرف غرفة فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بابهاميه إلى ظاهر أذنيه ،
فسح ظاهرهما وباطنهما. ذكرها الحافظ فى التلخيص ، وقال: صححها ابن خزيمة، وابن مندة. وفيه ، وفى حديث
الربيع الآتى بيان كيفية مسح الأذنين (باطنهما) بالجر على البدلية من لفظ أذنيه، والنصب بدل من محله ، والمراد بالباطن
الجانب الذى فيه الصماخ أى الثقب (بالسباحتين) السباحة والمسبحة الاصبع التى تلى الابهام ، سميت بذلك لأنها يشاربها
عند التسبيح ، وهذا اسم إسلامى وضعوها مكان السبابة لما فيه من الدلالة على المعنى المكروه، وهو أن الجاهلية كانوا
يسبون الناس ويشيرون بها إليهم (وظاهرهما) بالوجهين وهو الطرف الذى يلى الرأس ويلتصق به (رواه النسائى)
وأخرجه أيضا الترمذى وابن ماجه والحاكم والبيهقى بألفاظ متقاربة ، وصححه الترمذى وابن خزيمة وابن مندة .
١١٣
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
٤١٦ - (٢٣) وعن الربيع بنت معوذ: أنها رأت النبى مَّم يتوضأ، قالت فمسح رأسه ما أقبل منه
وما أدبر، وصد غيه، وأذنيه مرة واحدة. وفى رواية ، أنه توضأ فأدخل إصبعيه فى جحرى أذنيه.
رواه أبو داود. وروى الترمذى الرواية الأولى، وأحمد وابن ماجه الثانية .
٤١٧ - (٢٤) وعن عبد الله بن زيد: أنه رأى النى مؤلّم توضأ، وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه.
٤١٦ - قوله (وعن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بنت معوذ) اسم فاعل من
التعويذ، هى الربيع بنت معوذ بن عفراء، وعفراء أم معوذ، وأبوه الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، أنصارية نجارية
صحابية من المبايعات تحت الشجرة. قال ابن عبد البر: لها قدر عظيم، وكانت ربما غزت مع رسول اللّه مؤلّهِ. لها أحد وعشرون
حديثا ، اتفقا على حديثين ، وانفرد البخارى بحديثين، روى عنها جماعة (ما أقبل منه) أى من الرأس، وما موصولة
(وما أدبر) عطف عليه ، وهما بدل من رأسه، يعنى مسح من مقدم الرأس إلى منتهاه ثم رد يديه من مؤخرة الرأس إلى
مقدمه (وصدغيه وأذنيه) معطوف على رأسه، والصدغ بضم الصاد وسكون الدال، الموضع الذى بين العين والأذن ،
والشعر المتدلى على ذلك الموضع (مرة واحدة) متعلق بمسح، فيكون قيدا فى الاقبال والإدبار وما بعدهما ، فباعتبار
الإقبال يكون مرة ، وباعتبار الإدبار مرة أخرى، وهو مسح واحد. والحديث يدل على مشروعية مسح الصدغ
والأذن ، وأن مسحهما مع الرأس ، وأنه مرة واحدة (فأدخل إصبعيه) أى عند مسح الرأس وبعده (فى جحرى أذنيه)
بتقديم الجيم المضمومة تثنية جحر وهو الثقب والخرق يعنى صماخهما (رواه أبو داود) أى الروايتين كلتيهما (وروى
الترمذى) إلخ قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح ، وسكت عنه أبو داود ، ونقل المنذرى تصحيح الترمذى وأقره.
وقيل: فى تصحيحه نظر ، لأن فى سنده عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه مقال. قال الشوكانى : ولحدیث الربيع روايات
فى صفة الوضوء وألفاظ ، مدار الكل على عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه مقال مشهور لا سيما إذا عنعن، وقد فعل ذلك
فى جميعها - انتهى. قلت: هو مدلس كما صرح به الحافظ فى طبقات المدلسين، لكن قد احتج بحديثه أحمد، وإسحاق،
والحميدى. وقال البخارى: هو مقارب الحديث. وقال الذهبي: حديثه فى مرتبة الحسن، فالظاهر أن حديث الربيع هذا حسن.
٤١٧ - (بماء غير فضل يديه) أى بماء جديد لا ببقية من ماء يديه، أى أخذ لمسح الرأس ماء جديدا ولم يقتصر
على البلل الذى بيديه. قال النووى: لا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به، لأن هذا إخبار عن
الإتيان بماء جديد للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه - انتهى. وروى أبو داود من حديث سفيان بن سعيد أى
الثورى ، عن ابن عقيل ، عن الربيع بنت معوذ: أن النبى مؤتم مسح برأسه من فضل ماء كان فى يده. وقد احتج به من
رأى طهورية الماء المستعمل، وتأوله البيهقى على أنه أخذ ماء جديدا وصب نصفه، ومسح بيلل يده ، ليوافق حديث
١١٤
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
رواه الترمذى. ورواه مسلم مع زوائد.
٤١٨ - (٢٥) وعن أبى أمامة ذكر وضوء رسول اللّه مَّه، قال: وكان يمسح الماقين، وقال:
عبد الله بن زيد ((ومسح رأسه بماء غير فضل يديه)). قلت: حديث الربيع هذا صحيح أو حسن، ولا تعارض بينه وبين
حديث عبد الله بن زيد لأنهما عن حادثتين مختلفتين، فلا حاجة إلى تأويل البيهقى، بل يقال: كلا الأمرين جائزان، إن
شاء أخذ لرأسه ماء جديدا، وإن شاء مسحه بفضل ماء يكون فى يده لكن قيل: فى متن حديث الربيع اضطراب ، فإن
ابن ماجه أخرج من طريق شريك عن ابن عقيل عنها، قالت: أتيت النبي مُّ بميضاة فقال: اسكبي، فسكبت ، فغسل
وجهه وذراعيه، وأخذ ماء جديدا فمسح به رأسه مقدمه ومؤخره .. قلت: شريك هذا هو ابن عبد الله القاضى، وهو
صدوق يخطئى كثيرا ، تغير حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة. وقال ابن معين: صدوق ، ثقة إلا إذا خالف فغيره أحب
إلينا منه، وقد خالف ههنا الثورى ، تحديث شريك هذا مرجوح، ولا يعل الراجح بالمرجوح. والحاصل أنه يجوز
كلا الأمرين عندى إلا أن الأولى أن يأخذ ماء جديد! لمسح الرأس ولا يقتصر على بلل يديه (رواه الترمذى) وقال:
حسن صحيح. وأخرجه أيضا أبو داود وسكت عنه (رواه مسلم مع زوائد) أى مطولا ، وكذا الدارمى. فأصل
الحديث مخرج فى صحيح مسلم ، وما رواه الترمذى طرف منه، والظاهر أن البغوى لم يشعر أنه فى كتاب مسلم، ونقله
عن جامع الترمذى فعله من الحسان ، أو شعر بذلك لكن نسى ذكره فى الصحاح .
٤١٨ - قوله (وعن أبى أمامة) الظاهر أنه هو أبو أمامة الصدى بن عجلان الباهلى ، لا أبو أمامة أسعد بن سهل
بن حنيف الأنصارى الأوسى كما توهم الطبى، فقد ذكر الإمام أحمد هذا الحديث فى مسنده فى مسانيد أبى أمامة الباهلى
الصدى بن عجلان (ج ٥: ص ٢٥٨ و ٢٦٨) فصنيعه هذا يدل على أن أبا أمامة راوى حديث ((الأذنان من الرأس»
ومسح الماقين، عند أحمد ، هو صدى بن عجلان الباهلى لا غير ، ويؤيد ذلك صنيع الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ٤ :
٤٣٠)، والإصابة (ج ٢: ص ١٨٢)، حيث ذكر فى ترجمة أبى أمامة الباهلى شهر بن حوشب (راوى هذا الحديث
عن أبى أمامة) فيمن روى عنه ، ولم يذكر شهراً فيمن روى عن غير أبى أمامة الباهلى ممن كنيته أبو أمامة ، ويقوى ذلك
أيضا أن الشيخ عبد الغنى النابلسى ذكر هذا الحديث فى أحاديث أبى أمامة الباهلى، ولم يذكره فى أحاديث غيره من كنيته أبو
أمامة من الصحابة كا سعد بن سهل بن حنيف المتقدم ذكره ، وأياس بن ثعلبة أبى أمامة البلوى الأنصارى، (ذكر وضوء
رسول الله) أى وصف وضوءه، وفى بعض نسخ أبى داود: وذكر وضوء النبي (قال) أى أبو أمامة ، وهو بدل من
ذكر (وكان يمسح) أى يذلك (الماقين) تثنية مأق بفتح الميم وسكون الهمزة، ويجوز تخفيفها، وهو طرف العين الذى
على الأنف والأذن ، واللغة المشهورة موق، وإنما مسحهما على الاستحباب مبالغة فى الاسباغ ، لأن العين قلبا تخلو من
قدی ترمیه من کحل وغیر ، أو رمص فيسيل وينعقد على طرفى العین (وقال) أى رسول الله ،ێ ، فيكون مرفوعا، أو
١١٥
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
الأذنان من الرأس. رواه ابن ماجه، وأبو داود، والترمذى. وذكرا قال حماد : لا أدرى الأذنان
من الرأس من قول أبى أمامة أم من قول رسول اللّه مؤته.
أبو أمامة فيكون موقوفا ، والراجح عندنا هو الأول لما سيأتى (الأذنان من الرأس) أى حكما من حيث أنهما يمسحان
بماء الرأس لا من الوجه ، فيغسلان معه، واختلفوا فى أنهما يمسحان ببقية ماء الرأس ، أو يؤخذ لهما ماء جديد،
والراجح عندنا أنهما يمسحان بماء الرأس، ولو أخذ لمسحهما ماء جديدا لم يفعل بأسا لقوله: الأذنان من الرأس. وتقرير
دلالته على ذلك أنه لا يخلو من أحد الأمرين: إما أن يراد به الحكم أو بيان الخلقة، لا يجوز الثانى لكونه مؤ قّم مبعوثا
لبيان الأحكام دون الخلقة والحقائق، ولكونهما من الرأس مشاهدة مغنية عن البيان، فتعين الأول ، ثم لا يخفى إما
أن يكون المراد من الحكم كونهما ممسوحتين بماء الرأس، أو كونهما مسوجتين كالرأس، ولا يجوز الثانى، لأن اشتراك الشئى
مع الشئى لا يوجب أن يكون ذلك الشئ من الشئى الآخر، كالرجل مع الوجه يشتركان فى حكم الغسل، ولا يقال: إن الرجل
من الوجه ، فتعين الأول وهو كونهما مسوحتين بماء الرأس ، ويؤيد ذلك ما تقدم من حديث ابن عباس عند ابن حبان
وغيره فى صفة الوضوء، وفيه «وغرف غرفة فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بابهاميه إلى ظاهر أذنيه،
الحديث. واستدل النسائى على ذلك بحديث: إذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، لأن
خروج الخطايا منهما بمسح الرأس إنما يحسن إذا كانا منه، وقد سبق التنبيه على ذلك فى أوائل الطهارة. قال شيخنا فى
شرح الترمذى بعد ذكر ما احتج به على أخذ الماء الجديد لمسح الأذنين أخذا من النيل ما نصه: لم أقف على حديث
مرفوع صحيح خال عن الكلام يدل على مسح الأذنين بماء جديد ، نعم ثبت ذلك عن ابن عمر من فعله ، روى مالك فى
موطأه عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يأخذ الماء باصبعيه لأذنيه - انتهى. وقال ابن القيم فى الهدى: لم يثبت عنه أنه أخذ
لهما ماء جديدا، وإنما صح ذلك عن ابن عمر (رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٢٥٨
و ٢٦٨) كلهم من حديث حماد بن زيد ، عن سنان بن ربيعة ، عن شهر بن حوشب ، عن أبى أمامة ، قال الترمذى: هذا
حديث ليس إسناده بذاك القائم (وذكرا) أى أبو داود والترمذى فى روايتهما عن قتيبة ، عن حماد، ولذا قدم المصنف
عليهما ابن ماجه مع أنه خلاف العادة (قال حماد) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدى الجهضمى أبو إسماعيل البصرى
أحد الأعلام الأثبات. قال الحافظ: ثقة ثبت فقيه. قيل: إنه كان ضريرا، ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب. ولد
سنة (٩٨) ومات فى رمضان سنة (١٧٩) وله إحدى وثمانون سنة (لا أدرى الأذنان من الرأس من قول أبي أمامة) أى موقوفا
(أم من قول رسول الله ټێے) أى مرفوعا. ورواه أبو داود أيضا عن سلمان بن حرب عن حماد ، وقال : قال سلمان
بن حرب: يقولها أبو أمامة. ورواه ابن ماجه، عن محمد بن زياد، عن حماد بإسناده بلفظ: أن رسول اللّه ◌ُبِّه قال:
الأذنان من الرأس، وكان يمسح رأسه مرة ، وكان يمسح المأقين. وهذا اللفظ لا يحتمل أن يكون كلمة «الأذنان من
الرأس، مدرجة فى الحديث ، بل هو نص فى أنها من اللفظ النبوى، وقد أطالوا البحث فى هذه الكلمة، وهل هى مدرجة
١١٦
:
٠
i
٠
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
٤١٩ - (٢٦) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء أعرابى إلى النبي مؤ مّ يسأله
عن الوضوء، فأراه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا
من قول أبى أمامة أو مرفوعة. ورجح كثير منهم أبو حاتم، وأبو زرعة، والدار قطنى، والبيهقى الإدراج. وقال
الحافظ فى التلخيص (ص ٣٣): قد بينت أنه مدرج فى كتابى فى ذلك أى (تقريب المنهج بترتيب المدرج)، والظاهر أنه
مرفوع ليس بمدرج ، والحديث حسن أو صحيح، فقد روى من غير وجه بأسانيد بعضها جيد و ؤيد بعضها بعضا. قال
ابن دقيق العيد («فى الإمام)) فى حديث أبى أمامة هذا: أنه معلول بوجهين: أحدهما الكلام فى شهر بن حوشب، والثانى
فى الشك فى رفعه، ولكن شهر وثقه أحمد ، ويحيى ، والعجلى، ويعقوب بن شيبة وسنان بن ربيعة ، أخرج له البخارى
أى مقرونا بآخر ، وهو وإن كان قد لين فقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به ، وقال ابن معين: ليس بالقوى.
فالحديث عندنا حسن - انتهى. وقال الزيلعى فى نصب الراية (ج ١ ص ١٩): قد اختلف فيه على حماد فوقفه ابن
حرب عنه، ورفعه أبو الربيع، واختلف أيضا على مسدد عن حماد ، فروى عنه الرفع ، وروى عنه الوقف ، وإذا رفع
ثقة حديثا ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد فى وقتين ترجح الرافع لأنه أتى بزيادة ، ويجوز أن يسمع الرجل حديثا
فيفتى به فى وقت ، ويرضعه فى وقت آخر ، وهذا أولى من تغليط الراوى، ثم نقل الزيلعى حديث ((الأذنان من الرأس)
من حديث عبد الله بن زيد مرفوعا من سنن ابن ماجه وقال: هذا أمثل إسناد فى الباب لاتصاله وثقة رواته ــ انتهى.
وقال البوصيرى فى الزوائد : هذا إسناده حسن إن كان سويد بن سعيد حفظه، قلت: سويد بن سعيد هذا صدوق فى
نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وقد أخرج له مسلم ، واحتج به، ثم نقله الزيلعى من حديث ابن
عباس مرفوعا أيضا من سنن الدار قطنى من طريق أبى كامل الجحدرى، عن غندر، عن ابن جريج ، عن عطاء، عن ابن
عباس ، ثم قال: قال ابن القطان: إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته ، قال وأعله الدار قطنى بالاضطراب فى إسناده ،
وقال: إسناده وهم، وإنما هو مرسل، ثم أخرجه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي مَّم مرسلا، وتبعه
عبد الحق فى ذلك، وقال: إن ابن جريج الذى دار الحديث عليه يروى عنه عن سليمان بن موسى عن النبي مَّم مرسلا ،
قال: وهذا ليس يقدح فيه ، وما يمنع أن يكون فيه حديثان مسند ومرسل - انتهى. قال شيخنا فى شرح الترمذى:
كلام ابن القطان هذا متجه، وقد روى («الأذنان من الرأس)) من حديث أبى هريرة . وأبى موسى، وابن عمر ، وعائشة،
وأفس أيضا، أنظر التلخيص (ص ٣٣) ونصب الراية (ج ١: ص ٢٠).
٤١٩ - قوله (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه) شعيب (عن جده) أى جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن
العاص (يسأله) حال من فاعل جاء (عن الوضوء) أى كيفيته (فأراه) أى بالفعل، لأنه أبلغ فى التعليم من القول. وفى
الكلام حذف، تقديره: أى فأراد أن يريه ما سأله فتوضأ (ثلاثا ثلاثا) أى غير المسح، فقد جاء فى هذا الحديث أن المسح كان
١١٧
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
فقد أساء وتعدى وظلم. رواه النسائي، وابن ماجه، وروى أبو داود معناه
٤٢٠ - (٢٧) وعن عبد الله بن المغفل، أنه سمع ابنه يقول: اللهم إنى أسألك القصر الأبيض عن
يمين الجنة. قال أى بنى سل اللّه الجنة، وتعوذ به من النار؛ فإنى سمعت رسول اللّه ◌ُ م يقول: إنه
سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون فى الطهور
مرة فى رواية سعيد بن منصور ذكره الحافظ فى الفتح، وقد سبق التنبيه على ذلك (فقد أساء) أى فى مراعاة آداب
الشرع، فإن الزيادة استنقاص لما استكمله الشرع (وتعدى) أى عما حد له وجعله غاية التكميل (وظلم) أى نفسه باقعابها
فيما زاد على الثلاثة من غير حصول ثواب له، أو بإتلاف الماء ووضعه فى غير محله، وإنما ذمه بهذه الكلمات الثلاث
إظهارا لشدة النكير عليه، وزجرا له عن ذلك. وقد جاء فى رواية أبى داود زيادة أو نقص، واستشكلت. والمحققون
على أنها وهم لجواز الوضوء مرة مرة ومرتين مرتين، وقد تكلف لتوجيها بما هو مذكور فى النيل (ج ١: ص ١٦٨)
والعون (ج ١: ص ٥٢) إن شئت الوقوف عليه فارجع إليهما (رواه النسائي وابن ماجه) إلا أن رواية ابن ماجه
بلفظ «هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء، أو تعدى، أو ظلم)) بأو، بدل الواو (وروى أبو داود معناه) بأطول
من هذا، وسكت عليه. وأخرجه أيضا أحمد ، وابن خزيمة. قال الحافظ فى التلخيص: من طرق صحيحة، وصرح فى
الفتح: أنه صححه ابن خزيمة وغيره .
٤٢٠ - قوله (أنه سمع ابنه) يمكن أن يكون هو يزيد بن عبد الله بن مغفل الذى روى عنه أبو نعامة الحنفى فى
ترك الجهر بالبسملة عند الترمذى وغيره ، ويزيد هذا مجهول الحال ، ويمكن أن يكون هذا ابنا لعبد الله بن مغفل آخر غير
هذا الذى روى عنه أبو نعامة، وعلى هذا فلم أتف على اسمه (أسألك القصر) قال فى المجمع القصر هو الدار الكبيرة
المشيدة لأنه يقصر فيه الحرم (قال) أى عبد الله لابنه حين سمعه يدعو بهذه الكلمات (أى) بفتح الهمزة وسكون الياء
حرف نداء ينادى به القريب (بنى) تصغير للابن مضافا إلى ياء المتكلم، (سل) أمر من سأل يسئل (اللّه الجنة) أى ينبغى
لك أن تكتفى بسوال الجنة، ولا تجاوز فى السوال عن الحد بزيادة القيود والأوصاف. قيل: إنما أنكر عبد الله على
ابنه فى هذا الدعاء، لأنه طمح إلى ما لا يبلغه عملا حيث سأل منازل الأنبياء، وجعله من الاعتداء فى الدعاء لما فيه من
التجاوز عن حد الأدب ، ونظر الداعى إلى نفسه بعين الكمال. وقيل: لأنه سأل شيئا معينا فربما كان مقدرا
لغيره. وقيل: إنكار عبد الله على ابنه من قبيل سد باب الاعتداء فإنه لما سمع ابنه يدعو بهذا الدعاء خاف عليه
أن يتجاوز عنه إلى ما فيه الاعتداء حقيقة فنبه على ذلك، وأنكر عليه سدا للباب (يعتدون) بتخفيف الدال
من الاعتداء، أى يتجاوزون عن الحد الشرعى (فى الطهور) بالزيادة على الثلاث وإسراف الماء، وبالمبالغة
١١٨
٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
والدعاء. رواه أحمد، وأبو داود ، وابن ماجه.
٤٢١ - (٢٨) وعن أبى بن كعب، عن النبى معَّةٍ، قال: إن للوضوء شيطاناً يقال له: الولهان،
فاتقوا وسواس الماء رواه الترمذى، وابن ماجه. وقال الترمذى: هذا حديث غريب، وليس إسناده
بالقوى عند أهل الحديث، لأنا لا نعلم أحدا أسنده غير خارجة ،
فى الغسل إلى حد الوسواس. والحديث عام يتناول الغسل، والوضوء، وإزالة النجاسة (والدعاء) قيل الاعتداء
فى الدعاء هو الدعاء بما لا يجوز، ورفع الصوت به، والصياح. وقيل: سوال منازل الأنبياء. وقيل: هو أن
يتكلف السجع فى الدعاء (رواه أحمد وأبو داود) فى الطهارة وسكت عنه هو والمنذرى (وابن ماجه) فى أبواب
الدعاء ، لكن ليس فى روايته لفظ الطهور فلا يكون شاهدا فى الباب ، فكان الأولى للصنف أن لا يذكر ابن ماجه.
وقيل عزا الحديث لابن ماجه نظرا إلى أصل الحديث، وإن اقتصر هو منه على الدعاء. والحديث أخرجه أيضا ابن
حبان والحاكم.
٤٢١ - قوله (إن للوضوء) المشهور ضم الواو على إرادة الفعل، ويحتمل الفتح على إرادة الماء وهو أنسب بآخر
الحديث على بعض الاحتمالات ، يعنى أن لأجل إلقاء الوسوسة فى الوضوء وما يتعلق به (شيطانا) أى نوعا خاصا،
وصنفا معينا من الشيطان، اسم هذا النوع الولهان، وليس المراد أنه واحد بالشخص (الولهان) بالواو واللام المفتوحتين،
صفة مشبهة من الوله، وقيل: أصله مصدر (وله)) بكسر اللام ومصدره أيضا ((الوله)) بفتح اللام، وهو الحزن، أو ذهاب
العقل والتحير من شدة الوجد وغاية العشق. وسمى به شيطان الوضوء إما لشدة حرصه على طلب الوسوسة، وإما لإلقائه الناس
بالوسوسة فى مهواة الحيرة حتى يرى صاحبه حيران ، ذاهب العقل، لا يدرى كيف يلعب به الشيطان، ولا يعلم هل
وصل الماء إلى العضو أم لا، وكم مرة غسله، كما ترى عيانا فى الموسوسين فى الوضوء (فاتقوا وسواس الماء) بكسر الواو
الأولى المصدر، وبفتحها الاسم، مثل الزلزال والزلزال بفتح الزاى وكسرها ، أى وسواسا يفضى إلى كثرة إراقة الماء
حالة الوضوء والاستنجاء. والمراد بالوسواس التردد فى طهارة الماء ونجاسته بلا ظهور علامات النجاسة، ويحتمل أن
يراد بالماء البول ، أى وساوس البول المفضية إلى الاستنجاء، وقال ابن الملك: أى وسواس الولهان، وضع الماء موضع
ضميره مبالغة فى كمال الوسواس فى شأن الماء، أو لشدة ملازمته له. والحديث يدل على كراهية الإسراف فى الماء
للوضوء وهو أمر مجمع عليه (رواه الترمذى وابن ماجه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥: ص ١٢٦) وأبو داود الطيالسى فى
مسنديهما ، والحاكم (هذا حديث غريب) أى إسنادا (لأنا لا نعلم) علة للغرابة والضعف (أحدا أسنده) أى رفعه
(غير خارجة) أى خارجة بن مصعب أبو الحجاج السرخسى، قال الترمذى: وقدروى هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله.
١١٩
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
وهو ليس بالقوى عند أصحابنا .
٤٢٢ - (٢٩) وعن معاذ بن جبل، قال: رأيت رسول اللّه منهم إذا توضأ مسح وجهه بطرف
ثوبه. رواه الترمذى.
٤٢٣ - (٣٠) وعن عائشة، رضى الله عنها، قالت: كانت لرسول اللّه مؤلّ خرقة ينشف
وقال ابن أبى حاتم فى العلل: سئل أبى عن هذا الحديث فقال: رفعه إلى النبى مَّه منكر - انتهى. لكن يؤيده ما روى
فی الباب عن عمران بن حصین عند البهنی بسند ضعيف نحو حديث أبي بن كعب، وما روى عن عبد الله بن مغفل، وعن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وقد تقدما ، وعن عبد الله بن عمر عند ابن ماجه، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند
أحمد وابن ماجه ، وسيأتى فى الفصل الثالث (وهو) أى خارجة (ليس بالقوى عند أصحابنا) أى أهل الحديث فقد ضعفه
ابن المبارك وابن معين وأحمد ووكيع والنسائى والدارقطنى وابن حبان وغيرهم. وقال الحافظ: متروك، وكان يدلس
عن الكذابين. ويقال: إن ابن معين كذبه .
٤٢٢ - قوله (مسح وجهه) أى نشفه بعد الوضوء (بطرف ثوبه) فيه دليل على جواز التنشيف بعد الوضوء،
واختلف فيه على أقوال، والراجح عندى قول من قال بجواز التنشيف بعد الوضوء والغسل الأحاديث الواردة فى الباب،
واحتج من كرهه بحديث ميمونة فى غسل النبي. ◌َّم، وفيه («فناولته ثوبا فلم يأخذه فانطلق وهو ينفض يديه)) أخرجه
البخارى ، وفى رواية ابن ماجه («فرده وجعل ينفض الماء» قال: هذا الحديث يدل على كراهة التنشيف بعد الغسل ، فيثبت
به كراهته بعد الوضوء أيضا. وفيه ما قال الحافظ: من أنه لا حجة فيه لأنها واقعة عين يتطرق إليه الاحتمال فيجوز أن
يكون الرد لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف بل الأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلا ، أو غير ذلك. قال
المهلب: يحتمل تركه لإ بقاء بركة الماء، أو التواضع، أو لشئ آخر رآه فى الثوب من حرير، أو وسخ. وقال إبراهيم
النخعى: إنما رده مخافة أن يصير عادة. وقال التيمى: فى هذا الحديث دليل على أنه كان ينشف ولو لا ذلك لم تأته
بالمنديل . وقال ابن دقيق العيد: نقضه الماء بيده يدل على أنه لا كراهة فى التنشيف لأن كلا منهما إزالة - انتهى كلام
الحافظ مختصرا (رواه الترمذى) وقال: هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف، ورشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن
بن زياد بن أنعم الافريقى يضعفان فى الحديث - انتهى. وقال الذهبي فى ترجمة رشدين: كان صالحا عابدا سيتى الحفظ
غير معتمد. وقال الحافظ فى ترجمة الافريقى: ضعيف فى حفظه، وكان رجلا صالحا، وكان البخارى يقوى أمره ، ولم
يذكره فى كتاب الضعفاء والحديث أخرجه. أيضا ابن عساكر.
٤٢٣ - قوله (ينشف) أى يمسح من التنشيف، قال فى القاموس: نشف الثوب العرق كسمع ونصر، شربه، والحوض
١٢٠