Indexed OCR Text
Pages 241-260
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فأصلى الليل أبداً. وقال الآخر: أنا أصوم النهار أبداً، ولا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء
فلا أتزوج أبدا، فجاء النبي ◌ّ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنى لأخشاكم لله،
وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى.
أى أما رسول مَ قّم فقد خص بالمغفرة العامة فلا عليه أن لا يكثر العبادة، وأما أنا فلست مثله (فأصلى الليل) الظاهر أنه
وما بعده عزم على ما ذكر، ويحتمل الإخبار عن ذلك (أبدا) قيد لليل لا لقوله ((أصلى)) أى طول الليل (أنا أصوم النهار
أبدا) كذا وقع فى بعض النسخ بتأكيد الصيام بقوله «أبداء والظاهر أنه خطأ وقد استغنى عنه بقوله (ولا أفطر) وفى
البخارى: أصوم الدهر ولا أفطر. قال الحافظ: لم يؤكد الصيام أى بالتأييد لأنه لا بد له من فطر الليالى وكذا أيام العيد
(أنا أعتزل النساء) أى أجتنبهن (فلا أتزوج) أى منهن أحدا (أبدا) فإنهن والاشتغال بهن يمنع الشخص عن العبادة،
ويوقعه فى طلب الدنيا، والحرص على تحصيلها فى العادة (بناء النبى مَّ إليهم) وقد علم ذلك بأن جاء إلى أهله فأخبروه،
وإما بالوحى (فقال أنتم) أى أأنتم؟ فذفت همزة الاستفهام التى للإنكار (الذين قلتم كذا وكذا) كناية عما تقدم
(أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، حرف تنبيه واستفتاح بمنزلة ((ألا)، (إنى لأخشاكم) أى إنى لأعلم به، وبما هو أعز
لديه، وأكرم عنده، فلوكان ما استاثر تموه من الإفراط فى الرياضة، أحسن مما أنا عليه من الاعتدال فى الأمور لما
أعرضت عنه (الله) مفعول به «لأخشاكم، وأفعل لا يعمل فى الظاهر إلا فى الظرف. قال ابن المنير: إن هؤلاء بنوا على
أن الخوف الباعث على العبادة ينحصر فى خوف العقوبة، فلما علموا أنه مرّ مغفور له ظنوا أن لا خوف، وحملوا قلة
العبادة على ذلك ، فرد عليه الصلاة والسلام عليهم ذلك، وبين أن خوف الإخلال أعظم من الاكثار المحقق الانقطاع،
لأن الدائم وإن قل أكثر من الكثير إذا انقطع - انتهى. وقال المظهر: إن قلة وظائف النبى مؤ لّ كانت رحمة للأمة
وشفقة عليهم لئلا يتضرروا فإن لأنفسهم عليهم حقا . ولأزواجهم حقا (لكنى أصوم) استدراك عن محذوف دل عليه
السياق، أى أنا وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء، لكن أنا أعمل كذا. وقيل: المعنى أنا أخشاكم لله، فينبغى على زعمكم
أو فى الحقيقة أن أقوم فى الرياضة إلى أقصى مداه لكن أقصد وأتوسط فيها، فأصوم فى وقت (وأفطر) أى فى آخر
(وأصلى) بعض الليل (وأرقد) أى أنام فى بعضه (وأتزوج النساء) ولا أزهد فيهن، وكمال الرجل أن يقوم بحتهن مع
القيام بحقوق اللّه تعالى، والتوكل عليه، والتفويض إليه، وهذا كله ليقتدى بى الأمة (فمن رغب عن سنتي) المراد بالسنة
الطريقة لا التى تقابل الفرض والواجب، أى أعرض عن طريقتى وتركها (فليس منى) أى ليس على ملتى إذا كان غير
معتقد لها ، والسنة مفرد مضاف يتم على الأرجح فيشمل الشهادتين وسائر أركان الاسلام ، فيكون المعرض عن ذلك
مرتدا. وكذا إذا كان الإعراض تنطعا يفضى إلى اعتقاد أرجحية عمله، لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر، وأما إن كان
ذلك بضرب من التأويل كالورع لقيام شبهة فى ذلك الوقت ، أو عجزا عن القيام بذلك، أو لمقصود صحيح فيعذر صاحبه
٢٤١
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
متفق عليه.
١٤٦ - (٧) وعن عائشة رضى الله عنها قالت: صنع رسول اللّه يفعل شيئا، فرخص فيه، فتنزه
عنه قوم، فبلغ ذلك رسول اللّه ◌َّر، خطب حمد الله، ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشئى
أصنعه؟ فوالله إنى لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية.
فيه. ومعنى ((فليس منى)) أى ليس على طريقتى، ولا يلزم أن يخرج عن الملة، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم
الذين ابتدعوا التشديد كما سيأتى، وقد عابهم الله بأنهم ما وهوه بما التزموه، وطريقة النبى مؤتم الحنيفية السمحة، فيفطر
ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس، وتكثير النسل (متفق عليه)
أخرجاه فى النكاح، واللفظ للبخارى إلا قوله «أصوم النهار أبدا، وأخرجه أيضا النسائى فى النكاح، وأما ما ذكره
الرافعى واشتهر على الألسنة بلفظ ((النكاح من سنتى، فمن رغب عن سنتي فليس منى)) فلم أجده مع الاستقراء التام والتتبع
البالغ. والله أعلم.
١٤٦ - قوله (صنع رسول الله عز له شيئا) الظاهر أن الشئى المرخص فيه ما ذكر فى حديث أنس من النوم بالليل
والأكل بالنهار أى الإفطار فى بعض الأيام فى غير رمضان، والتزوج بالنساء، وفى حديث عائشة عند مسلم من غسل
الجنابة بعد طلوع الفجر فى رمضان (فرخص) أى الناس (فيه) أى فى ذلك الصنع أو من أجله (فتنزه) أى تباعد
وتحرز (عنه) أى عن ذلك الصنع (قوم) لم يعرف الحافظ القوم بأعيانهم. وقيل الظاهر أنهم هم المذكورون فيما تقدم
(فبلغ ذلك) أى تنزههم (خطب) أى أراد أن يخطب، ويمكن أن يكون قوله (حمد الله) إلخ تفسيراً لماقبله (ثم قال)
أى فى أثناء خطبته (ما بال أقوام) استفهام إنكارى بمعنى التوبيخ، أى ما حالهم؟ (يتنزهون) صفة وقع موقع الحال
(أصنعه) حال من الشئ، و((أل)) فيه للعهد الذكرى السابق فى قوله ((شيئا)، وقيل: اللام فى الشئى للجنس، و((أصنعه))
صفته (فو الله إنى لأعلهم بالله) أى بعذاب الله وغضبه، يعنى أنا أفعل شيئا من المباحات وهم يحترزون عنه، فإن احترزوا
لخوف عذاب الله، فأنا أعلم بقدر عذاب الله تعالى منهم، فأنا أولى أن أحترز عنه (وأشدهم له خشية) إشارة إلى القوة
العملية، وقوله (أعلمهم بالله)) إشارة إلى القوة العلمية، أى إنهم توهموا أن رغبتهم عما أفعل أقرب لهم عند الله، وأن فعلى
خلاف ذلك. وليس كما توهموا إذ هو أعلمهم بالقربة وأولاهم بالعمل بها، فمهما فعله مَ ◌ّم من عزيمة ورخصة فهو فيه فى
غاية النقوى والخشية، لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجلد فى العمل قياما بالشكر ، ومهما ترخص فيه فإنما هو للإعانة
على العزيمة ليعملها بنشاط. وفى الحديث ذم التعمق والتنزه عن المباح شكا فى إباحته، وفيه الحث على الاقتداء به مؤيّة
وأن الخير فى الاتباع، سواء كان ذلك فى العزيمة أو الرخصة ، فإن استعمال الرخصة بقصد الاتباع فى المحل الذى وردت
٢٤٢
١
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
متفق عليه.
١٤٧ - (٨) وعن رافع بن خديج قال: قدم فى اللّه ◌َلَّ المدينة وهم يؤبرون النخل، فقال: ما
تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لولم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنقصت. قال: فذكروا ذلك
له. فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشئى من أمر دينكم، نفذوا به، وإذا أمرتكم بشئى من رأيى،
1
أولى من استعمال العزيمة ، بل ربما كان استعمال العزيمة حينئذ مرجوحا كما فى إتمام الصلاة فى السفر ، وربما كان مذموما
إذا كان رغبة عن السنة كترك المسح على الخفين (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الأدب وفى الاعتصام ، ومسلم فى
الفضائل، واللفظ للبخارى فى الأدب. وأخرجه أيضا النسائى فى عمل اليوم والليلة .
١٤٧ - قوله (وعن رافع بن خديج) بفتح معجمة، وكسر دال مهملة، وبجيم، ابن رافع بن عدى الأوسى
الحارثى الأنصارى، يكنى أبا عبد الله، صحابي جليل، أول مشاهده أحد، ثم الخندق، ورده النبى مؤّم يوم بدر لأنه
استصغره، وأجازه يوم أحد فشهد أحدا، والخندق، وأكثر المشاهد، وأصابه يوم أحد سهم فقال له رسول اللّه مؤقته :
أنا أشهد لك يوم القيامة ، وانتقضت جراحته فى زمن عيد الملك بن مروان فمات فى أول سنة (٧٣) بالمدينة ، وله ست
وثمانون سنة، وقيل: مات سنة (٧٤) له ثمانية وسبعون حديثا، اتفقا على خمسة ، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه خلق
(وهم) أى أهل المدينة (يؤبرون النخل) بضم الياء وتشديد الياء المكسورة، من التأثير، وروى يأبرون بفتح الياء وتخفيف
الباء المكسورة وضمها، من نصر وضرب. والأبر، والايار، والتأثير: إدخال شتى من طلع الذكر فى طلع الأنثى فتعلق
بإذن الله، وتأتى بثمرة أجود ما لم يؤبر ، وكانوا يفعلونه على العادة المستمرة فى الجاهلية (ما تصنعون) «ماء استفهامية
(كنا نصنعه) أى هذا دأبنا وعادتنا (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا) أى تتعبون فيما لا ينفع. وفى حديث طلحة عند
مسلم: ما أظن يغنى ذلك شيئا (فتركوه) أى التأثير (فنقصت) أى النخل ثمارها، أو انتقصت ثمارها، فإن النقص متعد.
ولازم (فذكروا) أى أصحاب النخل (ذلك) أى النقص (إنما أنا بشر) أى فليس لى اطلاع على المغيات، وإنما ذلك
شئى قلته بحسب الظن، يعنى أنى لاحظت إذ ذاك الأمر الحقيق، وهو أن كل شئ بقدرته تعالى، وأنها هى المؤثرة فى
الأشياء حقيقة، ولم ألتفت إلى أن اللّه تعالى قد أجرى عادته بأن ستر تأثير قدرته فى بعض الأشياء بأسباب معتادة، نجعلها
مقارنة لها ، ومغطاة لها ، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من مراعاة الأسباب (إذا أمرتكم بشئى من أمر دينكم) أضاف
الدين إليهم، لأن المراد: إذا أمرتكم بما ينفعكم فى أمر دينكم اتخذوه، كقوله تعالى: ﴿ وما آتاكم الرسول لخذوه - ٧:٥٩)
(خذوا به) أى افعلوه فإنى إنما نطقت به عن الوحى (بشئ) من أمور الدنيا ومعايشها (من رأيى) أى من
غير تشريع، فأما ما قاله باجتهاده مَّ ورآه شرعا يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع
٢٤٣
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فإنما أنا بشر. رواه مسلم.
١٤٨ - (٩) وعن أبى موسى قال قال رسول اللّه مَّى: إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل
أنى قوما، فقال: يا قوم إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء. فأطاعه
طائفة من قومه فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا.
المذكور قبله ، مع أن لفظة الرأى إنما أتى بها عكرمة على المعنى ، لقوله فى آخر الحديث «قال عكرمة أو نحو هذا، فلم يخبر
بلفظ النبى مرَّ محققا، قاله النووى (فإنما أنا بشر) جزاء الشرط على تأويل ((وإذا أمرتكم بشئ من رائى وأخطئ
فلا تستبعدوه، فإنما أنا بشر أخطئى وأصيب، كما فى رواية طلحة عند أحمد: والظن يخطئ ويصيب. وفى حديث
طلحة عند مسلم: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فانى إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذونى بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله
شيئا يتخذوا به. وفى حديث عائشة وأنس عند مسلم أيضا: أنتم أعلم بأمور دنياكم. قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرا،
وإنما كان ظنا كما بينه. قالوا: ورأيه مَّم فى أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص فى
ذلك ، وسببه تعلق هممه بالآخرة ومعارفها، وعدم الالتفات إلى الأمور الدنيوية (رواه مسلم) فى الفضائل، وله شاهد
من حديث طلحة عند أحمد ومسلم وابن ماجه ، ومن حديث عائشة عند مسلم ، وابن ماجه .
١٤٨ - قوله (إنما مثلى) المثل الصفة العجيبة الشأن يوردها البليغ على سبيل التشبيه لإ رادة التقريب والتفهيم
(أتى قوما) أى لينذرهم بقرب عدوهم (بعينى) للتأكيد، ودفع المجاز، وهو بالثنية وتشديد الياء الأخيرة (إنى أنا
النذير العريان) بضم العين وسكون الراء بعدها تحتية، من التعرى، قيل: الأصل فيه أن رجلا لقى جيشا فسلبوه وأسروه،
فانفلت إلى قومه فقال: إنى رأيت الجيش فسلبونى، فرأوه عريانا فتحققوا صدقه، لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه فى
النصيحة، ولا جرت عادته بالتعرى، فقطعوا صدقه بهذه القرائن، فضرب النبى معرؤية لنفسه ولما جاء به مثلا بذلك لما
أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على صدقه تقريبا لأفهام المخاطين بما يألفونه ويعرفونه. وقيل: المراد المنذر الذى
تجرد عن ثوبه، وأخذ يرفعه ويديره حول رأسه إعلاما لقومه بالغارة. وكان من عادتهم أن الرجل، إذا رأى الغارة
أنهم، وأراد إنذار قومه يتعرى من ثيابه، ويشير بها ليعلم أن قد بيأم أمرمهم ، ثم صار مثلا لكل ما يخاف مفاجأته
(فالنجا" النجاء) بالمد والهمز فيهما ، وبالقصر فيهما ، وبمد الأولى وقصر الثانية تخفيفا، مصدر نجا إذا أسرع، نصب على
الإغراء أى اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب، إشارة إلى أنهم لا يطيقون مقاومة ذلك الجيش، أو على المصدر أى أنجوا
النباه، وهو الاسراع، كرر للتأكيد (فأطاعه) الإطاعة تتضمن التصديق فيحسن مقابلته بقوله ((كذبت)) (فأدلجوا)
من الإدلاج بهمزة قطع، أى ساروا أول الليل أو كله (على مهلهم) بفتح الميم والهاء ويسكن ، أى بالسكينة والتأنى
٢٤٤
٠٣٠
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥- باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل مره
أطاعنى فاتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ماجئت به من الحق. متفق عليه.
١٤٩ - (١٠) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه حتى: مثلى كمثل رجل استوقد نار!، فلما
أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب التى تقع فى النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه
فيتقحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم
(وكذبت) التكذيب يستتبع العصيان (فأصبحوا مكانهم) أى دخلوا وقت الصباح فى مكانهم (فصبحهم الجيش) أى
أتاهم صباحا للغارة، هذا أصله ثم كثر استعماله حتى استعمل فى من طرق بغتة فى أى وقت كان (واجتاحهم) بالجيم فى
الأولى، والمهملة فى الثانية، أى استاصلهم وأهلكهم بالكلية بشؤم التكذيب (فذلك مثل من أطاعنى) إلخ، قيل: هذا من
التشبيهات المفروقة، شبه ذاته معَ ◌ّ بالرجل، وما بعثه الله به من إنذار القوم بعذاب الله القريب، بإنذار الرجل قومه
بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه، بمن صدق الرجل فى إنذاره وكذبه (متفق عليه) أخرجه البخارى
فى الرقاق، وفى الاعتصام، ومسلم فى الفضائل.
١٤٩ - قوله (استوقد) أى أوقد، وزيدت السين التأكيد (أضاءت) الإضاءة فرط الإنارة (ما حولها) هذه
رواية مسلم، والضمير النار، و((أضاءت)) متعدية أى أضاءت النار جوانب تلك النار، وفى رواية البخارى ((ماحوله))
فالضمير للمستوقد، ويجوز أن تكون أضاءت غير متعدية فيسند الفعل إلى ((ما)) على تأويل: أضاءت الأماكن التى حول النار
أوحول المستوقد. قال القارى: ماظهر لى وجه عدول صاحب المشكاة إلى رواية مسلم عن رواية البخارى مع كونها
أصح، ومع ثبوت موافقتها للفظ القرآن الأفصح، ودلالتها على المقصود بالطريق الأوضح، مع قوله فى آخر الحديث:
هذه رواية البخارى - انتهى. (جعل) أى شرع (الفراش) بفتح الفاء وتخفيف الراء دوية طير تتساقط فى النار، يقال فى
الفارسية: بروانه (وهذه الدواب) قيل: عطف تفسير للفراش، وأنته نظرا لخبره أو لكون الفراش اعم جنس. وقال
ابن الملك: إشارة إلى غير الفراش (التى تقع فى النار) أى عادتها إلقاء نفسها فى النار، كالبرغش والجندب ونحوهما (يقعن)
أى الفراش والدواب (وجعل) المستوقد (يحجزهن) بضم الجيم، أى يمنعهن من الوقوع فيها. وفى البخارى ((يزعهن))
بالتحتانية والزاى وضم المهملة أى يدفعهن (ويغلبنه) أى على الوقوع فيها (فيتقحمن فيها) أى يدخلن فيها بشدة ومزاحمة ،من
· التقم، وهو الإقدام والوقوع فى أمر شاق من غير روية وتثبت، وفى البخارى ((فيقتحمن)) من الاقتحام (فأنا) الفاء
فصيحة، أى إذا صح هذا التمثيل بأنى كالمستوقد وأنتم كالفراش فيما ذكر فأنا (آخذ) اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال ،
ويروى بصيغة المضارع من المتكلم ، والأول أشهر وهما صحيحان (بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم، جمع الحجزة، وهى
٢٤٥
مرعاة المفاتيح ج ١
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١- كتاب الايمان
عن النار، وأتم تقحمون فيها. هذه رواية البخارى، ولمسلم نحوها، وقال فى آخرها: قال فذلك .
مثلى ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبونى، تقحمون فيها.
متفق عليه.
معقد الازار ومن السراويل موضع التكة، وخص ذلك بالذكر لأن أخذ الوسط أقوى وأوثق من الأخذ بأحد الطرفين
فى التبعيد (عن النار) وضع المسبب موضع السبب لأن المراد أنه يمنعهم من الوقوع فى المعاصى التى تكون سببا لولوج
النار (وأنتم تقحمون) من باب التفعل بحذف إحدى التائين، وفى نسخة صحيحة ((تقتحمون)) من باب الافتعال (هذه)
أى هذه الألفاظ، أو ما ذكر من أول الحديث إلى هنا، والتأنيث باعتبار الخبر، وفى نسخة «هذا، أى هذا اللفظ
(رواية البخارى) أى فى باب الانتهاء عن المعاصى من الرقاق (ولمسلم نحوها) أى نحو رواية البخارى معنى (وقال)
أى مسلم (فى آخرها) أى فى آخر روايته (قال) أى النبي ◌َّم (فذلك) أى المثل المذكور (مثلى ومثلكم أنا آخذ) روى
بالوجهين (هلم عن اثنار) أى أسرعوا إلى وأبعدوا أنفسكم عن النار، وهو فى محل النصب على الحال، أى آخذ بحجزكم
وأمتعكم قائلا علم (فتغلبونى) النون مشددة، إذ أصله «تغلبونى، فأدغم نون الجمع فى نون الوقاية، والفاء للسبية والتقدير:
أنا آخذ بحجزكم لأخلصكم من النار، فعتم الغلبة مسببة عن الأخذ (تقحمون فيها) حال من فاعل تغلبونى، وقيل بدل
بما قبله. وفى مسلم (وتفحمون)) أى بزيادة الواو. قال النووى: مقصود الحديث أنه مَفّ شبه تساقط الجاهلين والمخالفين
بمعاصيهم وشهواتهم فى نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع فى ذلك مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم ، بتساقط
الفراش فى نار الدنيا لهواه، وضعف تميزه، فكلاهما حريص على هلاك نفسه، ساع فى ذلك لجهله - انتهى. وقال
الطبي: تحقيق التشبيه الواقع فى هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله تعالى: ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد
حدود الله فأولئك هم الظالمون - ٢: ٢٢٩ ) وذلك أن حدود الله محارمه ونواهيه، كما فى الحديث الصحيح: ألا إن حى
الله محارمه، ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها، واستيفاء لذاتها وشهواتها، فشبه مضيه إظهار تلك الحدود بياناته الشافية
الكافية من الكتاب والسنة باستيقاد الرجل النار، وشبه فشو ذلك فى مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول
المستوقد، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان، وتعديهم حدود الله، وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات،
ومنعه إياهم عن ذلك بأخذ حجزهم، بالفراش التى يقتحمن فى النار ، ويغلبن المستوقد على دفعهن عن الاقتحام، كما أن
المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاستضاءة والاستدفاء وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سببا لهلاكها،
فكذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واجتنابها ما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها مقتضية
لترديهم، كذا فى الفتح (متفق عليه) فيه أنه مستغنى عنه بما سبق، فإيراده لمجرد التأكيد، على أن المراد بالاتفاق هنا
بحسب المعنى فى الأكثر. وأخرجه أيضا الترمذى، وصححه، وأخرج أحمد ومسلم نحوه عن جابر.
٢٤٦
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٥٠ - (١١) وعن أبى موسى قال قال رسول مَ له: مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل
الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبقت الكلا والعشب الكثير،
وكانت منها أجادب أمسكت الماء. فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا،
١٥٠ - قوله (والعلم) عطف على ((الهدى)) من عطف المدلول على الدليل، لأن الهدى هو الدلالة الموصلة إلى
المقصد، والعلم هو المدلول، وهو صفة توجب تميزا لا يحتمل النقيض، والمراد به هنا الأدلة الشرعية (كمثل الغيث)
أى المطر، واختار اسم الغيث ليؤذن باضطرار الخلق إليه إذ جاءهم على فترة من الرسل ، وضرب المثل بالغيث للشابهة
التى بينه وبين العلم، فإن الغيث يحيى البلد الميت والعلم يحيى القلب الميت (أصاب) صفة للغيث على أن اللام لتعريف الجنس
ومدخوله كالنكرة فيوصف بالجملة كما فى قوله: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارا -٥:٦٢ ) ويجوز أن يكون حالا منه (أرضا)
أى هى محل الانتفاع، وهذا القيد متروك ههنا اعتمادا على فهمه من التفصيل، وبقرينة ذكر ضده فى مقابل هذا القسم وهو
قوله: وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى قيعان، إلخ. لأن قوله «وأصاب منها طائفة أخرى، معطوف على جملة (أصاب
أرضاء وهذا ظاهر، وعلى هذا فضمير «منهاه فى ((وأصاب منها)) لمطلق الأرض المفهوم من الكلام، لا الأرض المذكورة
أولا فى قوله: أصاب أرضا، فصار الحاصل أنه قسم الأرض بالنسبة إلى المطر إلى قسمين لا إلى ثلاثة كما توهمه كثير
من الفضلاء، فظهر انطباق المثل بالممثل له ، واندفع إيراد أن المذكور فى المثل ثلاثة أقسام وفى الممثل له قسمان ، كما لا
يخفى، إلا أنه قسم القسم الأول من الأرض الذى هو محل الانتفاع أيضا إلى قسمين: قسم ينتفع بنتائج مائه النازل فيه
وثمراته لا بعين ذلك الماء، وقسم ينتفع بعين مائه، تنبيها على أن الذى ينتفع بعلمه الواصل إليه قسمان من الناس: قسم
ينتفع بثمرات علمه ونتائجه كاهل الاجتهاد، والاستخراج، والاستنباط، وقسم ينتفع بعين عليه ذلك كأهل الحفظ
والرواية، والحاصل أنه مَالله شبه ما أعطاه الله من أنواع العلوم بالوحى الجلى أو الخفى، بالماء النازل من السماء فى التطهير، وكمال
التنظيف، والنزول من العلو إلى السفل، ثم قسم الأرض بالنظر إلى ذلك الماء قسمين: قسما هو محل الانتفاع، وقسمالااتفاع فيه،
وكذا قسم الناس بالنظر إلى العلم قسمين على هذا الوجه، إلا أنه قسم القسم الأول من الأرض إلى قسمین، وا کتفى به فى
قسمة القسم الأول من الناس إلى قسمين لوضوح الأمر ، وعلى هذا فأصل المثل تام بلا تقدير فى الكلام ، قاله السندهى
(فكانت منها طائفة طيبة قبلت) («منها، صفة ((طائفة، قدمت عليها فصارت حالا، و((طية)) مرفوع على أنها صفة طائفة،
و ((قبلت)) منصوبة بخبر كانت (الكلاً) بفتح الكاف واللام، آخره مهموز مقصور، النبات رطبا ويابسا، والكلا مقصور بغير
الهمزة مختص بالرطب منه، فالكلاً بالهمز أنسب ليكون عطف الأخص على الأعم (والعشب) بضم العين، وهو مختص
بالرطب من النبات (وكانت منها) أى من الأرض التى هى محل الانتفاع (أجادب) جمع جدب، وهى الأرض الصلبة
التى تمسك الماء ولا تنبت الكلا (فنفع الله بها) أى بالأجادب (وسقوا) أى دوابهم (وزرعوا) أى ما يصلح للزرع،
٢٤٧
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هى قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلاً. فذلك مثل من فقه فى
دين الله ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذى
أرسلت به. متفق عليه.
١٥١ - (١٢) وعن عائشة قالت: تلا رسول اللّه مح مع: (هو الذى أنزل عليك الكتاب منه
آيات محكمات)
وهذه رواية البخارى ، ولمسلم: رعوا من الرعى، وكذا للنسائى (وأصاب) أى الغيث (منها) الجملة عطف على ((أصاب
أرضا)) وضمير «منها)) لمطلق الأرض المفهوم من الكلام لا للأرض المذكورة أولا فى قوله: أصاب أرضا (إنما هى)
. أى تلك الطائفة (قيعان) بكسر القاف جمع قاع، وهى الأرض المستوية الملساء (فذلك) أى المذكور من الأنواع
(مثل من فقه) بضم القاف وكسرها، والمشهور الضم، إذا فهم وأدرك الكلام (فعلم وعلم) الأول بكسر اللام مخففة ،
والثانى بتشديدها، وهذا مثل الأرض التى هى محل الانتفاع. فأهل الاجتهاد منهم كالأرض الطيبة التى قبلت الماء
فأنبتت العشب والكلا ، وأهل الحفظ والرواية الذين لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد والاستخراج كالأجادب التى أمسكت
الماء فتفع الله بها الناس فشربوا، وسقوا، وزرعوا (ومثل من لم يرفع بذلك) أى بما بعثنى الله به (رأسا) أى للتكبر،
ولم يلتفت إليه منن غاية تكبره، وهذا مثل الأرض التى ليست محل الانتفاع لعدم إمساك الماء وعدم إنبات الكلا
(ولم يقبل هدى الله) بضم الهاء وفتح الدال (الذى أرسلت به) قال الطيبي: عطف تفسيرى. وفى الحديث إشارة إلى أن
الاستعدادات ليست بمكتسبة بل هى مواهب ربانية، وكمالها أن تستفيض من مشكاة النبوة فلا خير فى من يشتغل بغير
الكتاب والسنة، وأن الفقيه من علم وعلم (متفق عليه) أخرجه الخارى، فى العلم، ومسلم فى فضائل النبي، وأخرجه
أيضا أحمد (ج ٤: ص ٣٩٩) والنسائى فى العلم .
١٥١ - قوله (هو الذى أنزل عليك الكتاب) أى القرآن (منه) أى بعضه ( آيات محكمات) وبعده (من))
أى تلك الآيات المحكمات ﴿أم الكتاب﴾ أى أصله الذى يعول عليه فى الأحكام، ويعمل به فى الحلال والحرام، ويرجع
إليه غيره، فإن وافقه يقبل، وإلا فيحكم ببطلان ما فهمنا منه ( وأخر﴾ أى آيات أخر ﴿متشابهات -٧:٣) قال الحافظ
فى الفتح: قيل المحكم من القرآن ما وضح معناه، والمنشابه نقيضه، وسمى المحكم بذلك لوضوح مفردات كلامه، وإتقان
تركيه، بخلاف المتشابه. وقيل: المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور، وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه
كقيام الساعة ، وخروج الدجال ، والحروف المقطعة فى أوائل السور. وقيل فى تفسير المحكم والمتشابه أقوال أخر غير
هذه نحو العشر ليس هذا موضع بسطها، وما ذكرته أشهرها وأقربها إلى الصواب. وذكر أبو منصور البغدادى: أن
٢٤٨
مرعاة المفاتيح ج ١
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١ - كتاب الايمان
وقرأ إلى (وما يذكر إلا أولو الألباب) قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الأخير هو الصحيح عندنا، وابن السمعانى: أنه أحسن الأقوال، والمختار على طريقة أهل السنة، وعلى القول الأول جرى
المتأخرون. قال: ودلت الآية على أن بعض القرآن محكم، وبعضه متشابه ، ولا يعارض ذلك قوله: ﴿أحكمت آياته -
١١: ١) ولا قوله ﴿كتابا متشابها مثانى-٢٣:٣٩) لأن المراد بالإحكام فى قوله ((أحكمت، الإتقان فى النظم،
وأن كلها حق من عند الله، والمراد بالمتشابه كونه يشبه بعضه بعضا فى حسن السياق والنظم أيضا ، وليس المراد اشتباه
معناه على سامعه، وحاصل الجواب: أن المحكم ورد بإزاء معنيين، والمتشابه ورد بإزاء معنيين - انتهى. وقال العلامة
القنوجى البوفالى فى فتح البيان (ج ١: ص ٦) أخذاً من فتح القدير (ج ١: ص ٢٨٤، ٢٨٧) للعلامة الشوكانى بعد
ذكر الأقوال المختلفة فى معنى المحكم والمتشابه ما نصه: والأولى أن يقال: إن المحكم هو الواضح المعنى ، الظاهر الدلالة ،
إما باعتبار نفسه، أو باعتبار غيره، والمتشابه ما لا يتضح معناه، أو لا يظهر دلالته، لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار غيره.
وإذا عرفت هذا عرفت أن الاختلاف الذى قدمناه ليس كما ينبغى، وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته،
وعرفوا المتشابه بما يقابلها . ثم بين ذلك مفصلا من شاء الوقوف عليه رجع إليه ، ثم قال: إن من جملة ما يصدق عليه
تفسير المتشابه الذى قدمناه، فواتح السور فإنها غير متضحة المعنى ، ولا ظاهرة الدلالة ، لا بالنسبة إلى أنفسها لأنه لا
يدرى من يعلم بلغة العرب ويعرف عرف الشرع، ما معنى الم، المر، طس، طسم، ونحوها. لأنه لا يجد بيانها فى شئ من كلام
العرب ، ولا من كلام الشرع، فهى غير متضحة المعنى لا باعتبارها فى نفسها ، ولا باعتبار أمر آخر يفسرها ويوضحها ،
ومثل ذلك الألفاظ المنقولة عن لغة العجم، والألفاظ العربية التى لا توجد فى لغة العرب ولا فى عرف الشرع ما
يوضحها، وهكذا ما استاثر الله بعلمه كالروح وما فى قوله: ﴿إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما فى
الأرحام - ٣١: ٣٤) إلى آخر الآية، ونحو ذلك، وهكذا ما كانت دلالته غير ظاهرة لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار
غيره، كورود الشئى محتملا لأمرين احتمالا لا يترجح أحدهما على الآخر باعتبار ذلك الشئى فى نفسه، وذلك كالألفاظ
المشتركة مع عدم ورود ما يبين المراد من معنى ذلك المشترك من الأمور الخارجة ، وكذلك ورود دليلين متعارضين
تعارضا كليا بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر باعتبار نفسه، ولا باعتبار أمر آخر يرجحه. وأما ما كان واضح
المعنى باعتبار نفسه بأن يكون معروفا فى لغة العرب، أو عرف الشرع، أو باعتبار غيره ، وذلك كالأمور الجملة التى ورد
بيانها فى موضع آخر من الكتاب العزيز أو السنة المطهرة ، والأمور التى تعارضت دلالتها ثم ورد ما يبين راجحها من
مرجوحها فى موضع آخر من الكتاب، أو السنة، أو سائر المرجحات المعروفة عند أهل الأصول، المقبولة عند أهل
الإنصاف، فلا شك أن هذه من المحكم لا من المتشابه، ومن زعم أنها من المتشابه فقد اشتبه عليه الصواب - انتهى.
(وقرأ إلى: وما يذكر إلا أولو الألباب) والتمة ﴿فأما الذين فى قلوبهم زيغ) أى ميل عن الحق إلى الباطل
﴿فيتبعون ما تشابه منه) أى يبحثون عنه، ويتعلقون به، لينزلوه على مقاصدهم الفاسدة (ابتغاء الفتنة) أى طلبا منهم لفتنة
الناس فى دينهم، والتليس عليهم، وإفساد ذوات بينهم ، لا تحريا للحق ﴿وابتغاء تأويله) أى تفسيره على الوجه الذى
٢٤٩
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الإيمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فإذا رأيت، وعند مسلم: رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم.
متفق عليه.
١٥٢ - (١٣) وعن عبد الله بن عمرو، قال: مجرت إلى رسول اللّه مؤ خيل يوما، قال: فسمع أصوات
رجلين اختلفا فى آية، خرج علينا رسول اللّه مؤلم يعرف فى وجهه الغضب، فقال: إنما هلك من
كان قبلكم
يشتهونه، ويوافق مذاهبهم الفاسدة { وما يعلم تأويله إلا اللّه) أى والحال أنه ما يعلم تأويله أى ما هو الحق، أو حقيقته
إلا الله ( والراسخون فى العلم﴾ مبتدأ، أى الثابتون فى علم الدين، الكاملون فيه ﴿يقولون﴾ خبر ﴿آمنا به) أى بالمتشابه،
ووكلنا علىه إلى عالمه ﴿ كل) أى من المتشابه والمحكم (من عندربنا﴾ أى نزل من عنده وهو حق وصواب (وما يذكر
إلا أولو الألباب - ٣: ٧) أى العقول الخالصة وهم الراسخون فى العلم، الواقفون عند متشابهه، العاملون بمحكمه بما
أرشدهم الله إليه فى هذه الآية. وحكمة وقوع المتشابه فيه إعلام للعقول بقصورها لتستسلم لبارتها ، وتعترف بعجزها ،
وتسلم من العجب والغرور والتكبر والتعزز (فإذا رأيت) بفتح التاء، على الخطاب العام أى أيها الرائى. ولهذا جمعه فى
(فاحذروهم، وحكى بالكسر على أنها خطاب لعائشة يانا لشرفها وغزارة عليها، وإن كان الخطاب عاما (وعند مسلم رأيتم)
( أى بدل «رأيت)) وهو يؤيد الأول (فأولئك) بفتح الكاف وقيل بالكسر (الذين سماهم الله) بأهل الزيغ أو زائغين بقوله:
﴿فى قلوبهم زيغ﴾ (فاحذروهم) أى لا تجالسوهم، ولا تكالموم أيها المسلمون، فإنهم أهل البدعة ، فيحق لهم الامانة.
وقيل: أمر بالحذر منهم احترازاعن الوقوع فى عقيدتهم، فالمقصود التحذير من الإصغاء إليهم. قال النووي: فى الحديث
التحذير من مخالطة أهل الزيغ ، وأهل البدع، ومن يتبع المشكلات للفتنة. فأما من سأل عما أشكل عليه للاسترشاد،
وتلطف فى ذلك فلا بأس عليه، وجوابه واجب. وأما الأول فلا يحاب بل يزجر ويعزر كما عزر عمر بن الخطاب
صبيغ بن عسل حين كان يتبع المتشابه -انتهى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى التفسير، ومسلم فى القدر، وأخرجه أيضا
أحمد ، والترمذى فى التفسير، وأبو داود ، وابن ماجه فى السنة .
١٥٢ - قوله (هجرت إلى رسول اللّه مَّ) بالتشديد، أى أتيته فى الهاجرة أى الظهيرة. قال المظهر: التهجير
السير فى الهاجرة، وهى شدة الحر، ولعل خروجه فى هذا الوقت ليدر كه مَثّم عند خروجه من الحجرة فلا يفوته شئى من
أقواله وأفعاله (فسمع) أى النبى مَّم من حجرته (اختلفا) صفة («رجلين)) أى تنازعا واختصما (فى آية) أى فى معنى آية
متشابهة، ويحتمل أن يكون اختلافهما فى لفظها اختلاف قراءة (يعرف) على بناء المجهول (فى وجهه الغضب) الجملة حالية
من فاعل ((خرج) وكان ◌َّه لا يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب الله فنضب ههنا زجرا عن المراء فى القرآن (إنما هلك من كان قبلكم)
٢٥٠
١
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
باختلافهم فى الكتاب. رواه مسلم.
١٥٣ - (١٤) وعن سعد بن أبى وقاص قال قال رسول اللّه مَله: إن أعظم المسلمين فى المسلمين
جرما من سأل عن شئى لم يحرم على الناس، حرم من أجل مسئلته.
من اليهود والنصارى (باختلافهم فى الكتاب) أى المنزل على نيهم، وإنما كان الاختلاف سببا للهلاك لأنه من أمارات التردد
فى أمر المبعوث به، وإساءة الأدب بين يديه. قال النووى: المقصود من الحديث التحذير عن اختلاف يؤدى إلى الكفر
والبدعة كاختلاف اليهود والنصارى، وذلك مثل الاختلاف فى نفس القرآن ، أو فى معنى منه لا يسوغ الاجتهاد فيه ، أو
فيما يوقع فى شك وشبهة، أو فتنة وخصومة، أو شحناء، ونحو ذلك. وأما الاختلاف لإظهار الصواب، وإيضاح
الخطاء، وإحقاق الحق، وإزهاق الباطل فليس منهيا عنه ، بل هو مأمور به، وقد أجمع المسلمون عليه من عهد الصحابة
إلى الآن - انتهى كلام النووى مختصرا (رواه مسلم) فى القدر، وأخرجه أيضا النسائى، وأخرج البخارى عن ابن
مسعود نحوه فى الأشخاص وفى فضائل القرآن .
١٥٣ - قوله (وعن سعد بن أبى وقاص) بتشدید القاف، واسم أبى وقاص ، مالك بن وهيب بن عبد مناف بن
زهرة، يكنى سعد أبا إسحق الزهرى القرشى المدنى، أسلم قديما وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان سابع سبعة فى الإسلام،
وروى عنه أنه قال: كنت ثالث الإسلام. وأول من رمى بسهم فى سبيل الله، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد،
وهو أحد العشرة المبشرة وآخرهم مونا. وأحد ستة الشورى، وفارس الإسلام، ومقدم جيوش الإسلام فى فتح العراق ،
وجمع له النبي مَّ أبويه، وحرس النبي ◌َّله، وكوف الكوفة وطرد الأعاجم، وافتح مدائن فارس ، وهاجر قبل
النبي ◌َّ، وكان مجاب الدعوة، مشهورا بذلك، تخاف دعوته، وترجى لاشتهار إجابتها. له مائنا حديث وخمسة عشر
حديثا اتفقا عليها ، وانفرد البخارى بخمسة ، ومسلم بثمانية عشر ، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين.
مات فى قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة. وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة. ودفن بالقيع سنة (٥٥)
وقيل (٥٦) وقيل (٥٧) وله بضع وسبعون سنة (فى المسلمين) أى فى حقهم وجهتهم (جرما) تمييز أى ذنبا وظلا،
والمعنى: أن أعظم من أجرم من المسلمين جرما كائنا فى حق المسلمين، فقوله ((فى المسلمين)) حال عن ((جرما)) مقدمة عليه
(من سأل) أى نيه (لم يحرم) صفة لشئى (على الناس) هذا لفظ مسلم فى رواية، وفى رواية أخرى له (على المسلمين» (محرم)
بصيغة المجهول من التحريم (من أجل مسئلته) أى لأجل سؤاله. قال الخطابي، والتيمى: هذا الحديث فى حق من سأل تكلفا
وعبثا، أو تعنتنا فى ما لا حاجة له به إليه، فأما من سأل لضرورة فيما يحتاج إليه من أمر الدين ، بأن وقعت له نازلة فسأل
عنها فلا إثم عليه، ولا عتب، كسؤال عمر وغيره من الصحابة فى أمر الخمر حتى حرمت بعد ما كانت حلالا ، لأن الحاجة
دعت إليه، وسبب تخصيصه ثبوت الأمر بالسؤال ما يحتاج إليه لقوله: ﴿فاسئلوا أهل الذكر - ٧:٢١) فكل من الأمر
٢٥١
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
متفق عليه.
١٥٤ - (١٥) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه مَلتم: يكون فى آخر الزمان دجالون كذابون
يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباءكم، فاإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم.
رواه مسلم .
١٥٥ - (١٦) وعنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل
الإسلام. فقال رسول اللّه مَاتيم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم،
بالسؤال والزجر عنه مخصوص بجهة غير الأخرى ، وإنما كان هذا أعظم جرما لأن سراية هذا الضرر عمت المسلمين إلى
انقراض العالم ، فالقتل وإن كان من أكبر الكبائر فإنه يتعدى إلى القاتل أو إلى عاقته، ولكن جرم من حرم ما سأل
لأجل مسألته، فإنه تعدى إلى سائر المسلمين ، فلا يمكن أن يوجد جرم ينتهى فى معنى العموم إلى هذا الحد. ويؤخذ منه
أن من عمل شيئا أضر به غيره كان إثما ، وأن الأصل فى الأشياء الإباحة حتى يرد الشرع بخلاف ذلك (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى الاعتصام، ومسلم فى الفضائل، وأخرجه أيضا أبو داود فى السنة، ولفظ ((فى المسلمين)) ليس للبخارى،
وكذا لفظ «على الناس)).
١٥٤ - قوله (يكون فى آخر الزمان) أى آخر زمان هذه الأمة (دجالون) من الدجل وهو تليس الباطل بما
يشبه الحق، يقال: دجل إذا موه ولبس، أى مزورون، وملبسون، وخداعون، يقولون للناس: نحن علماء ومشائخ،
ندعوكم إلى الدين وهم كاذبون فى ذلك، ويتحدثون بأكاذيب، ويبتدعون أحكاما باطلة، وإعتقادات فاسدة، فاحذروهم.
ويجوز أن تحمل ((الأحاديث)) على المشهور عند المحدثين ليكون المراد بها الموضوعات (فإياكم) أى أبعدوا أنفسكم عنهم
(وإياهم) أى أبعدوهم عنكم (لا يضلونكم) استئناف، جواب لقائل لم نبعدهم؟ لئلا يضلوكم، حذف الجار والناصب،
فعاد الفعل إلى الرفع كذا ذكره بعضهم. وقال الطبي: كأنه قيل ماذا يكون بعد الحذر؟ فأجيب لا يضلونكم - انتهى.
وقيل: هو خبر فى معنى النهى مبالغة فيكون تأكيدا للأمر بالحذر (ولا يفتنونكم) أى لا يوقعونكم فى الفتنة (رواه مسلم)
فى مقدمة صحيحه ، وأخرجه أيضا أحمد .
١٥٥ - قوله (كان أهل الكتاب) أى اليهود (بالعبرانية) بكسر العين (ويفسرونها) أى يترجمونها
(لا تصدقوا) أى فيما لم يتبين لكم صدقه، لاحتمال أن يكون كذبا، وهو الظاهر من أحوالهم (أهل الكتاب) أى اليهود
والنصارى (ولا تكذبوهم) أى فيما حدثوا من التوراة والإنجيل، ولم يتبین لکم کذبه لاحتمال أن يكون صدقا وحقا
وإن كان نادرا، لأن الكذوب قد يصدق، كذا فى المرقاة. وقيل: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، أى إذا
٢٥٢
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الإيمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وقولوا: ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا) الآية. رواه البخارى.
١٥٦ - (١٧) وعنه قال قال رسول اللّه ◌َ ◌ّم: كفى بالمرءكذبا أن يحدث بكل ما سمع. رواه مسلم.
١٥٧ - (١٨) وعن ابن مسعود قال قال رسول اللّه ◌َؤ تى: ما من نبى بعثه الله فى أمته قبلى إلا
كان له فى أمته حواريون
كان ما يخبرونكم به محتملا لئلا يكون فى نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه فتقعوا فى الحرج، ولم يرد النهى
عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه (وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) من
القرآن (الآية) تمامها: ﴿ وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل، وإسحق، ويعقوب، والأسباط وما أوتى موسى، وعيسى)
أى من التوراة والانجيل ، وهذا محل الشاهد يعنى إن كان ما تحدثونه حقا آمنا به، لأنا آمنا بجميع الرسل ، وما أنزل
إليهم من الله تعالى، وإن لم يكن حقا فلا نؤمن به ولا نصدقه أبدا ﴿وما أوتى النيون من ربهم ) تعميم بعد تخصيص
﴿لا تفرق بين أحد منهم﴾ أى فى الإيمان بهم وبكتبهم (ونحن له)، أى اللّه أو لما أنزل فر مسلمون - ٢: ١٣٦) أى
مطيعون أو منقادون. قال البغوى فى شرح السنة: هذا الحديث أصل فى وجوب التوقف فيما يشكل من الأمور فلا يقضى
فيه بجواز ولا بطلان ، وعلى هذا كان السلف (رواه البخارى) فى تفسير البقرة، والاعتصام ، والتوحيد.
١٥٦ - قوله ( كفى بالمرء) هو مفعول ((كفى)) والباء زائدة، و((كذباء تميز، و((أن يحدث)) فاعل («كفى،
( كذبا) إلخ. يعنى لولم يكن الرأ كذب إلا تحديثه بكل ما سمع من غير تبينه أنه صدق أم كذب يكفيه وحسبه من
الكذب، لأن جميع ما يسمع الرجل لا يكون صدقا بل يكون بعضه كذبا . وهذا زجر عن التحديث بشئى لم يعلم صدقه ،
بل يلزم أن يبحث فى كل ما سمع من الحكايات والأخبار، خاصة من أحاديث الرسول مرّة، فإن علم صدقه يتحدث
به، ولذا أورد هذا الحديث فى باب الاعتصام بالكتاب والسنة (رواه مسلم) فى مقدمة صحيحه، وأخرجه أيضا أبو داود فى
الأدب، والحاكم، وأخرج أيضا الحاكم نحوه عن أبى أمامة .
١٥٧ - قوله (ما من نبى) زيادة «من» لاستغراق النفي، وهو يحمل على الغالب لأنه جاء فى حديث: أن نيا يحثى
يوم القيامة ولم يتبعه من أمته إلا واحد (بعثه الله فى أمته) كذا وقع فى أكثر النسخ بالهاء بعد التاء، وكذا وقع فى بعض
نسخ المصابيح. قيل: والصواب ما وقع فى بعض نسخ المشكاة والمصابيح (فى أمة)) بغير هاء موافقا لما فى صحيح مسلم
(قبلى) قيل: على رواية ((أمته، بالهاء يتعلق ((قبلى)) ببعث، أو يكون حالا من ((أمته)، وعلى رواية ((أمة)) يكون ((قبلى، صفة
لأمة (حواريون) بتشديد الياء، جمع حوارى أى ناصرون. قال الطيبي: حوارى الرجل صفوته وخالصته الذى أخلص
ونقى من كل عيب، من الحور بفتحتين وهو شدة البياض. وقيل: الحوارى القصار بلغة النبط، وكان أصحاب عيسى
٢٥٣
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون،
ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم
بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل. رواه مسلم .
١٥٨ - (١٩) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه عليه: من دعا إلى هدى كان له من الأجر.
مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة،
قصارين يقصرون الثياب، أى يحورونها ويبيضونها ، فلما صاروا أنصاره غلب عليهم الاسم ، ثم استعير لكل من ينصر
نيا ويتبع هداه تشبيها بأولئك، لأنهم خاصان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (وأصحاب) عطف تفسيرى، أو الأصحاب
غير الحواربين أعم منهم (بسنته) أى بهديه وسيرته (ويقتدون بأمره) أى يتبعونه فى أمره ونهيه (ثم إنها) الضمير للقصة
(تخلف) بضم اللام، أى تحدث (خلوف) بضم الخاء، جمع خلف بسكون اللام مع فتح الخاءكعدل وعدول، وهو الردى
من الأعقاب، أو ولد السوء. والخلف بفتحتين يجمع على أخلاف كسلف وأسلاف، وهو الصالح من الأعقاب والأولاد.
والمعنى أنه يحقى من بعد أولئك السلف الصالح أناس لا خير فيهم، ولا خلاق لهم فى أمور الديانات (فن جاهدهم) جزاء شرط
محذوف، أى إذا تقرر ذلك فمن حاربهم وأنكر عليهم إلخ (فهو مؤمن) قال الطيبي: التفكير للتنويع، فالأول دل على كمال
الإيمان، والثالث على نقصانه. والمتوسط على القصد فيه. وفى ((حبة خردل، على نفيه بالكلية (ومن جاهدهم بقلبه) أى
أنكر عليهم بقلبه بأن يكره، ويغضب عليهم، ولو قدر لحاربهم باليد أو باللسان (وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل)
هى اسم ((ليس)) و((من الايمان)) صفته قدمت فصارت حالا منها، و ((وراء ذلك)) خبره. ثم ذهب المظهر إلى أن الإشارة
بذلك إلى الإيمان فى المرتبة الثالثة. قال الطبى: ويحتمل أن يشار إلى المذكور كله من مراتب الإيمان ، أى ليس وراء
ما ذكرت من مراتب الايمان مرتبة قط، لأن من لم ينكر بالقلب رضى بالمنكر، والرضا بالمنكر كفر ، فتكون هذه الجملة
المصدرة بليس معطوفة على الجملة قبلها بكمالها . قال القارى: والأول هو الظاهر، أى وراء الجهاد بالقلب (رواه مسلم)
فى الا يمان.
١٥٨ - قوله (من دعا إلى هدى) أى دعا غيره إلى ما يهتدى به من الأعمال الصالحة (كان له) أى الداعى
(لا ينقص) بضم القاف (ذلك) إشارة إلى مصدر (كان)) وقيل: الأظهر أنه راجع إلى ((الأجر)) (من أجورهم شيئا) هو
مفعول به لينقص، أى لا ينقص شيئا من أجورهم، أو مفعول مطلق أى شيئا من النقص. وهذا دفع لما يتوهم أن أجر]
الداعى إنما يكون مثلا بالتنقيص من أجر التابع، وبضم أجر التابع إلى أجر الداعى (إلى ضلالة) أى إلى فعل إثم .
٢٥٤
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا. رواه مسلم.
١٥٩ - (٢٠) وعنه قال قال رسول اللّه عليه: بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء.
(من آثامهم) ضمير الجمع فى ((أجورهم، و«آ ثامهم، يعود ((من)) باعتبار المعنى. قال القاضى: أفعال العباد وإن لم تكن موجبة
للثواب والعقاب إلا أن عادة الله جرت بربطها بها ارتباط المسيات بأسبابها، فكما يترتب الثواب والعقاب على ما يباشره
يترتب أيضا على ما هو مسبب عن فعله، كالإشارة إليه ، والحث عليه. ولما كانت الجهة التى استوجب بها المسبب
الأجر غير الجهة التى استوجب بها المباشر، لم ينقص من أجره شيئا - انتهى. واختلفوا فى أنه إذا تاب الداعى للإثم ،
ويبقى العمل به فهل ينقطع إثم دلالته بتوبته أو لا؟ والظاهر هو الأول، لأن التوبة تجب ما قبلها، والله أعلم
(رواه مسلم) فى العلم، وأخرجه أيضا أحمد، والترمذى فى العلم، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه فى السنة ..
١٥٩ - قوله (بدأ) روى بالهمزة، أى ابتدأ، وروى بدونها، أى ظهر، والأول هو الأشهر على الألسنة،
ويؤيده المقابلة بالعود، فإن العود يقابل بالابتداء. وقال النووى: ضبطناه بالهمزة، من الابتداء. والروايتان بالفعل
المبنى للمعلوم ، المسند إلى فاعله، واستشكل بعضهم كونه بالهمزة من البدأ بمعنى الابتداء، لأن بدأ المهموز متعد ، ولذلك
رجح ضبطه بالقصر من البدو بمعنى الظهور (الإسلام غريبا) أى فى آحاد من الناس وقلة ، ثم انتشر، يعنى كان الإسلام
فى أوله كالغريب الوحيد الذى لا أهل له، لقلة المسلمين يومئذ، وقلة من يعمل بالإسلام. وأصل الغريب البعيد عن
الوطن (وسيعود كما بدأ) أى وسيلحقه النقص والاختلال لفساد الناس ، وظهور الفتن والبدع، واندراس رسوم
السنة، وعدم القيام بواجبات الايمان حتى لا يبقى إلا فى آحاد وقلة أيضا كما بدأ (فطوبى) أى فرحة وقرة عين ، أو
سرور وغبطة، أو الجنة، أو شجرة فيها (للغرباء) فسرهم مَّم فى حديث عمرو بن عوف عند الترمذى: بأنهم الذين
يصلحون ما أفسد الناس بعده من سنته، كما سيأتى، وفى حديث ابن مسعود عند ابن ماجه: بالنزاع من القبائل ، وهو
جمع تزيع ونازع ، وهو الغريب الذى أنزع عن أهله وعشيرته الذين يخرجون عن الأوطان لإقامة سنن الإسلام ، وقد
جاء عن بعض السلف أنهم أهل الحديث، قاله السندهى. وفيه تنيه على أن نصرة الإسلام، والقيام بأمره يصير محتاجا
إلى التغرب عن الأوطان، والصبر على مشاق الغربة كما كان فى أول الأمر. قال الطيبي: أما أن يستعار الإسلام للمسلمين
والغربة هى القرينة، فيرجع معنى الوحدة والوحشة إلى نفس المسلمين، وأما أن يجرى الإسلام على الحقيقة فالكلام على
التشبيه، والوحشة باعتبار ضعف الإسلام وقلته، فعلى هذا ((غريبا) إما حال أى بدأ الاسلام مشابها للغريب، أو مفعولا
مطلقا أى ظهور الغرباء فريدا وحيدا، لا مأوى له حتى تبوأ دار الايمان، أى طيبة، ثم أتم الله نوره فى المشارق والمغارب
فيعود آخر الأمر وحيدا شريدا إلى طيبة كما بدأ. هذا، وقد أطال الشاطى الكلام فى بيان معنى الحديث فى مقدمة
٢٥٥
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رواه مسلم.
١٦٠ - (٢١) وعنه قال قال رسول اللّه عَّه: إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى
جحرها. متفق عليه. وسنذكر حديث أبى هريرة: ذرونى ما تركتكم، فى كتاب المناسك،
وحديثى معاوية وجابر: لا يزال من أمتى، ولا يزال طائفة من أمتى، فى باب ثواب هذه الأمة،
إن شاء اللّه تعالى.
الفصل الثانى %
م
١٦١ - (٢٢) عن ربيعة الجرشى قال:
٠
كتاب الاعتصام (ص ٣ - ١٧) وأجاد وأحسن، فعليك أن تراجعها (رواه مسلم) فى الايمان، وأخرجه أيضا ابن
ماجه فى الفتن ، وأخرج نحوه الترمذى، وابن ماجه عن ابن مسعود، ومسلم عن ابن عمر ، وأحمد عن سعد بن أبى
وقاص ، وابن ماجه عن أنس ، والطبرانى فى الكبير عن سلمان ، وسهل بن سعد ، وابن عباس .
١٦٠ - قوله (إن الإيمان ليأرز) بكسر الراء عند الأكثر، ويروى بالفتح، وحكى بالضم ، أى يأوى ويضم،
وينقبض ويلتجنى (إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) أى ثقبها، وهو بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، والمراد أن
أهل الإيمان يفرون بإيمانهم إلى المدينة وقاية بها عليه، أو لأنها وطنه الذى ظهر وقوى بها، وهذا إخبار عن آخر الزمان
حين يقل الاسلام وينضم إلى المدينة فيقى فيها. قال الطيبي: شبه الايمان وفرار الناس من آفات المخالفين والتجاءهم
إلى المدينة ، بانضمام الحية وانقباضها فى جحرها، ولعل هذه الدابة أشد فرارا وانضماما من غيرها فشبه بها بمجرد هذا
المعنى، فإن المائلة يكفى فى اعتبارها بعض الأوصاف - انتهى. قال صاحب اللعات: الظاهر أنه إخبار عن زمان خروج
الدجال كما يدل عليه الأحاديث - انتهى. وحمله عياض، والقرطبي، والنووى، والحافظ ، وغيرهم على جميع الأزمنة،
والأول أظهر. والمراد بالمدينة هى وجوانبها وحواليها ليشمل مكة فيوافق رواية الحجاز الآتية فى الفصل الثانى
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى فضل المدينة من الحج، ومسلم فى الإيمان، وأخرجه أيضا أحمد، وابن ماجه فى الحج
(وسنذكر) إلخ. هذا اعتذار متضمن لاعتراض فتأمل (حديث أبى هريرة ذرونى ما تركتكم) أى إلى آخره
(فى كتاب المناسك) متعلق بقوله سنذكر (وحديثى معاوية) عطف على حديث أبى هريرة (وجابر) عطف على معاوية
(لا يزال من أمتى) أى أحدهما أوله هذا (و) وفى بعض النسخ: والآخر (لا يزال طائفة من أمتى) كلاهما (فى باب
ثواب هذه الأمة) لكنه لم يف بما وعد ، فلم يذكر هناك حديث جابر .
١٦١ - قوله (عن ربيعة الجرشى) بضم الجيم وفتح الراء المهملة بعدها معجمة ، نسبة إلى جرش کزفر، مخلاف
٢٥٦
١
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
أتى فى اللّه عَلَّه، فقيل له: لتنم عينك، ولتسمع أذنك، وليعقل قلبك. قال: فنامت عينى، وسمعت
أذناى، وعقل قلبى. قال: فقيل لى: سيد بنى دارا، فصنع فيها مأدبة وأرسل داعيا، فن أجاب
الداعى، دخل الدار، وأكل من المأدبة، ورضى عنه السيد. ومن لم يجب الداعى، لم يدخل
الدار، ولم يأكل من المأدبة، وسخط عليه السيد. قال: فالله السيد، ومحمد الداعى، والدار الإسلام،
والمأدبة الجنة.
باليمن، وهو ربيعة بن عمرو، ويقال: ابن الحارث، ويقال: ابن الغاز بمعجمة وزاى، أبو الغاز الدمشقى، وهو جد هشام
ابن الغاز بن ربيعة ، مختلف فى صحبته، ذكر ابن عبد البر فى الاستيعاب عن الواقدى ، قال: ريعة الجرشى قد سمع من النبي
وَطّ أحاديث. وقال البخارى فى تاريخه: له صحبة، وذكره فى الصحابة المصنف، وابن حبان، وابن مندة، وأبو نعيم،
والباوردى ، والبغوى ، وابن سعد، وغيرهم ، وقال أبو حاتم: ليست له صحبة ، وذكره أبو زرعة الدمشقى فى التابعين.
وقال الدار قطنى: فى صحبته نظر. وقال الصورى فى حاشية الطبقات: لا أعلم له صحبة. واتفقوا على أنه قتل بمرج راهط
مع الضحاك بن قيس سنة (٦٤) وكان فقيها، وثقه الدار قطنى فى الجرح والتعديل، ووثقه أيضا غيره (أنى) بصيغة
المجهول (فى اللّه مَّ) أى أناه آت (فقيل له) أى النبى (التنم عينك، ولتسمع أذنك، وليعقل قليِك) قال المظهر: أى
أتی ملك إلیه وقال له ذلك ، ومعناه: لا تنظریعینك إلى شئ، ولا تصغ بأذنك إلى شتى ، ولا تجر شيئا فى قلبك ، أى
كن حاضراً حضورا تاما لتفهم هذا المثل (قال: فنامت عينى) بالإفراد، وفى بعض النسخ ((عيناى)» بالتثنية موافقا لما فى
الدارمى (وسمعت أذناى وعقل قلبى) يعنى فأجابه بأنى قد فعات ذلك. قيل الأوامر الثلاثة واردة على الجوارح ظاهرا،
وهى فى الحقيقة له تَّ بأن يجمع بين هذه الخلال الثلاث: نوم العين، وحضور السمع والقلب ، وعلى هذا جوابه
بقوله («فنامت)، أى امتثلت لما أمرت به. وقيل: المراد بالأمر به الاخبار عنه، أى أنت نائم، سامع، داع، لأن
الملك إنما جاءه وهو نائم ، فقال له ذلك، وقيل: الأمر للاستمرار فى الكل (فقيل لى) أى بطريق المثل من جهة الملك
(سيد) خبر مبتدأ محذوف يعنى (هو)، وقوله (بنى دارا) صفته، أى مثل سيد بنى دارا، ويجوز أن يكون مبتدأ و((بنى)
خبره والتنوين للتعظيم، أو سوغه كونه فاعلا معنى ، قاله القارى (ورضى عنه السيد) بسبب الاجابة واللام للعهد
(ومن لم يجب الداعى) تكبرا وعنادا، أو جهلا واستبعادا (قال) أى النبى مؤ لّ، أو الملك. والأول أظهر، والتقدير:
إن أردت بيان هذا المثل (فاقه السيد، ومحمد الداعى، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة) فإن قلت: كيف شبه فى
حديث جابر السابق الجنة بالدار ، وفى هذا الحديث الإسلام بالدار وجعل الجنة مأدبة؟ أجيب بأنه لما كان الإسلام
سيا لدخولها اكتفى فى ذلك بالمسبب عن السبب، ولما كانت الدعوة إلى الجنة لا تتم إلا بالدعوة إلى الإسلام استقام
٢٥٧
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رواه الدارمى .
١٦٢ - (٢٣) وعن أبى رافع، قال: قال رسول اللّه ◌َّى: لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه
الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدرى، ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه.
رواه أحمد ، وأبو داود، والترمذى،
وضع كل منهما مقام الآخر، ولما كان نعيم الجنة وبهجتها هو المطلوب الأصلى جعل الجنة نفس المأدبة مبالغة فيها، كذا
حققه الطبي (رواه الدارمى) وأخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير، وسنده جيد، قاله الحافظ .
١٦٢ - قوله (وعن أبى رافع) مولى رسول اللّه رؤيتى، اختلف فى اسمه فقيل: أسلم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت
وقيل: إبراهيم، وقيل غير ذلك. والأول هو الأشهر، غلبت عليه كنيته، كان قبطيا، وكان للعباس، فوهبه للنبي تَّه ،
فلما بشر النبى رَوَّ بإسلام عباس أعتقه. وكان إسلامه قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد أحدا وما بعدها. له ثمانية
وستون حديثا، انفرد البخارى بحديث، ومسلم بثلاثة. روى عنه خلق كثير، مات فى أول خلافة على على الصحيح
(لا ألفين) بصيغة المتكلم المؤكدة بالنون الثقيلة، من ألفيت الشفى أى وجدته (أحدكم) ظاهره نهى النبي مؤتم نفسه عن
أن يجدهم على هذه الحالة، والمراد نهيهم عن أن يكونوا على هذه الحالة، فإنهم إذا كانوا عليها يجدهم مؤمن كذلك، من
باب إطلاق المسبب (متكئا) حال أو مفعول ثان (على أريكته) أى سريره المزين بالحلل والأثواب فى قبة أو بيت كما
للعروس ، يعنى الذى لزم البيت ، وقعد عن طلب العلم. قيل: المراد بهذه الصفة الترفه والدعة كما هو عادة المتكبر القليل
الاهتمام بأمر الدين (يأتيه) حال أخرى من المفعول، ويكون النهى منصبا على المجموع، أى لا ألفين أحدكم والحال أنه
متكثى ويأتيه الأمر فيقول: لا أدرى، إلخ (الأمر) أى الشأن فيم الأمر والنهى فوافق البيان بقوله: مما أمرت به أو نهيت عنه.
(من أمرى) بيان الأمر، وقيل: اللام زائدة فى ((الأمر)) ومعناه أمر من أمرى، أى شأن من شئون دينى (مما أمرت به
أو نهيت عنه) بدل من أمرى (ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه) ما موصولة مبتدأ خبره ((اتبعناه)» يغنى الذى وجدناه فى
القرآن اتعناه، وما وجدناه فی غیزه لا تتبعه، أى وهذا الأمر الذى أمر به ێے أو نهى عنه ليس فى كتاب الله فلا
تبعه، ويحتمل أن تكون ((ما)) نافية، والجملة كالتأكيد لقوله ((لا أدرى، وجملة («اتبعناه)) حال أى وقد اتبعنا كتاب الله
فلا تتبع غيره، والمقصود النهى عن الإعراض عن حديثه ◌َّ لأن المعرض عنه معرض عن القرآن، فالحديث حجة
شرعية كالقرآن. قال السندى: وقول بعض أهل الأصول: لا يجوز الزيادة على الكتاب بخبر ، فى الصورة أشبه شئی
بهذا المنهى عنه، وإن كان معناه لا يجوز تقييد إطلاق الكتاب بخبر الآحاد، فالاحتراز عن إطلاق ذلك اللفظ أحسن
وأولى-انتهى. والحديث دليل من دلائل النبوة، وعلم من أعلامها، فقد وقع ما أخبر به كما لا يخفى على أهل الهند سيما أهل
الفتجاب من باكستان (رواه أحمد) رجاله رجال الحسن (وأبو داود) فى السنة (والترمذى) فى العلم، وقال ((حسن))
٢٥٨
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وابن ماجه، والبيهقى فى دلائل النبوة.
١٦٣ - (٢٤) وعن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول اللّه مَّم: ألا إنى أوتيت القرآن
ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من
حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام حرموه. وإن ما حرم رسول الله
(وابن ماجه) فى السنة (والبيهقى فى دلائل النبوة) وأخرجه أيضا الحاكم.
١٦٣ - قوله (وعن المقدام) بكسر ميم (بن معد يكرب) بفتح الكاف وكسر الراء، وأما الباء فيجوز كسرها مع
التنوين على الإضافة، ويجوز فتحه على البناء، كذا فى تهذيب الأسماء. قال القارى: والثانى هو الصحيح من النسخ ،
وهو المقدام بن معدی کرب بن عمرو بن يزيد بن معد یکرب الکندی یکنی ، أبا كريمة ، وقيل: کنيته أبو يحيى ، صحابى
مشهور، نزل الشام، وحديثه فيهم. مات سنة (٤٧) على الصحيح، وله (٩١) سنة. روى له أربعون حديثا ، انفرد له
البخارى بحديث، روى عنه خلق (ألا أنى أوتيت) أى آثانى اللّه (القرآن، ومثله معه) أى أعطيت القرآن ومثل القرآن
حال كونه منضما معه. قال البيهقى: هذا الحديث يحتمل وجهين: أحدهما أنه أوتى من الوحى الباطن غير المتلو، مثل ما
أوتى من الظاهر المتلو ، والثانى أن معناه أنه أوتى الكتاب وحيا يتلى ، وأوتى مثله من البيان ، أى أذن له أن يبين ما فى
الكتاب فيم ويخص، وأن يزيد عليه فيشرع ما ليس فى الكتاب له ذكر، فيكون ذلك فى وجوب الحكم ولزوم العمل
به كالظاهر المتلومن القرآن يعنى أوتيت القرآن، وأحكاما، ومواعظ، وأمثالا، تماثل القرآن فى كونها واجبة القبول ،
أو فى المقدار (ألا) قال الطيبي: فى تكرير كلمة التنبيه توبيخ وتقريع نشأ من غضب عظيم على من ترك السنة والعمل
بالحديث استغناء بالكتاب، فكيف بمن رجح الرأى على الحديث؟ انتهى (يوشك) بكسر الشين مضارع أوشك أى
يقرب (شبعان) بالضم من غير تنوين كناية عن البلادة وسوء الفهم الناشئ من الشبع وكثرة الأكل ، أو من الحماقة
اللازمة للنعم والغرور بالمال والجاه (على أريكته) أى متكئا أو جالسا عليها، وفيه تأكيد لحماقة القائل وبطره، وسوء
أدبه. قال الأبهرى: المتكثى القاعد المتقوى على وطاء متمكنا، والعامة لا تعرف المتكثى إلا من مال فى قعوده معتمدا
على أحد شقيه-انتهى (يقول) أى لأصحابه فى رد الحديث حيث لا يوافق هواه، وهو خبر ((يوشك)) (عليكم بهذا القرآن)
أى الزموه واعملوا به، ولا تلتفتوا إلى غيره (فما وجدتم فيه) أى فى القرآن (من حلال) بيان لـ «ما» (فأحلوه) أى
اعتقدوه حلالا، أو احكموا بأنه حلال، واستعملوه (خرموه) أى اعتقدوه حراما واجتذبوه. قال الخطابي: يحذر بذلك
مخالفة السنن التى سنها رسول اللّه مَّع مما ليس له ذكر فى القرآن على ما ذهب إليه الخوارج، فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن
وتركوا السنن التى ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا (وإن ما حرم رسول اللّه) أى وأحل ، وهذا ابتداء الكلام من
٢٥٩
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
كما حرم الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا
أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم، فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه.
النبىِ مَِّ، والواو الحال، وفيه التفات، أى الذى حرمه رسول الله فى غير القرآن (كما حرم الله) أى وأحل، أى فى
القرآن .. وفى ابن ماجه: ألا وإن ما حرم رسول اللّه مثل ما حرم الله. قال السندى (وإن ما حرم)) عطف على مقدر،
أى ألا إن ما فى القرآن حق، وإن ما حرم، إلخ. مثل ما حرم الله، أى فى القرآن، وإلا فما حرم رسول اللّه مؤقّمه هو عين
ما حرم الله، فإن التحريم يضاف إلى الرسول باعتبار التبليغ وإلا هو فى الحقيقة لله. والمراد أنه مثله فى وجوب الطاعة
ولزوم العمل به - انتهى (ألا لا يحل لكم) شروع فى بيان ما ثبت بالسنة ، ولم يوجد له ذكر فى الكتاب على سبيل
التمثيل لا التحديد (الحمار الأهلى) التخصيص بالصفة لنفى عموم الحكم لأن البرى حلال (ولا كل ذي ناب من السباع)
أى سباع الوحوش كالأسد والذئب (ولا لقطة) بضم اللام وفتح القاف ، مما يلتقط ما ضاع من شخص بسقوط أو غفلة
(معاهد) أى كافر بينه وبين المسلمين عهد بأمان فى تجارة ، أو رسالة ، وفى معناه الذمى (إلا أن يستغنى عنها صاحبها)
أى يتركها لمن أخذها استغناء عنها، وهذا تخصيص بالإضافة، ويثبت الحكم فى لقطة المسلم بطريق الأولى. وقيل: وجه
التخصيص، الاهتمام بشأن المعاهد لعهده لأن النفس ربما تتساهل فى لقطنه لكونه كافرا، ولأنه بعيد عن المسامحة، بخلاف
المسلم (ومن نزل بقوم) أى من استضاف قوما (فعليهم أن يقروه) بفتح الياء وضم الراء، أى يضيفوه من قريت الضيف قرى
إذا أحسنت إليه. وفيه دليل على وجوب القرى ، وإليه ذهب أحمد ، وحمله الأئمة الثلاثة على الندب (فإن لم يقروه فله)
أى فلنازل (أن يعقبهم) من الاعقاب بأن يتبعهم ويجازيهم من صفيعه. يقال: أعقبه بطاعته إذا جازاه، وروى بالتشديد
(بمثل قراه) بالكسر والقصر لا غير. قال الجزرى فى النهاية: أى فله أن يأخذ منهم عوضا عما حرموه من القرى،
يقال: عقبهم مشددا ومخففا، وأعقبهم، إذا أخذ منهم عقبى وعقبة، وهو أن يأخذ عنهم بدلا عما فاته - انتهى. وفيه
تأكيد لوجوب القرى، فإنه يدل على إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك، وهذا لا يكون فى غير واجب. وأجاب
القائلون بندب الإضافة عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن الأمر بأخذ مقدار القرى من مال المنزول به كان من جملة
العقوبات التى نسخت بوجوب الزكاة ، ورد بأن الفسخ لا يثبت بالاحتمال. وأجابوا أيضا بأنه محمول على المضطر،
فإنه يجب إطعامه إجماعا. ورد بأنه لا دليل على هذا الحمل ولا دعت إليه حاجة، فلا يلتفت إليه. وأجابوا أيضا بأنه
کان فیبدأ الاسلام حین کانت الضيافة واجبة وقد نسخ وجوبها . ورد بأنه لم يقم دليل على أن ذلك كان فى أول
الإسلام ثم صار منسوعا. وأجابوا أيضا بأنه محمول على من مر بأهل الذمة الذين شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من
المسلين. ورد بأن هذا الحمل ضعيف بل باطل، لأنه إنما صار هذا فى زمن عمر بن الخطاب. والراجح عندى
ما ذهب إليه أحمد لحديث المقدام وغيره مما يدل على وجوب الضيافة، وهو مخصص لحديث حرمة الأموال إلا بطية
٢٦٠