Indexed OCR Text
Pages 161-180
مرعاة المفاتيح ج ١ ١ - كتاب الإيمان ٣ - باب الايمان بالقدر وأسجد لك ملائكته وأسكنك فى جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض. قال آدم: أنت موسى الذى اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شئى، وقربك نجیا، فبكم وجدت اللّه ولا يد فيه لأحد (وأسجد لك ملائكته) أنى أمرهم أن يسجدوا لك، والسجود فى الأصل التذلل والتواضع مع النظامن، وفى الشرع وضع الجبهة وغيرها من أعضاء السجود على الأرض على قصد العبادة، والمراد هنا المعنى الشرعى، والدليل عليه ما رواه أحمد ومسلم مرفوعا من حديث أبى هريرة: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى ويقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود فأبيت فلى النار. قيل كانت هذه السجدة لآدم تحية وسلاما وإكراما واحتراما وإعظاما، وهى طاعة لله عزو جل لأنها امتثال لأمره، وقد كان هذا مشروعا فى الأمم الماضية، ولكنه نسخ فى ملتنا. وقد قواه الرازى فى تفسيره ورجحه وضعف ما عداه. وقيل إن المسجود له فى الحقيقة هو الله تعالى وجعل آدم قبلة تفخيما لشأنه، واللام فى لك حينئذ بمعنى إلى. وقيل المراد به المعنى اللغوى أى التواضع والتذلل لآدم تحية وتعظيما كسجود إخوة يوسف. قال البغوى: هذا القول أصح، قال ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض، إنما كان انحناء، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام - انتهى (فى جنته) الخاصة به ، والمراد بها جنة الخلد التى هى دار الجزاء فى الآخرة، وهى موجودة من قبل آدم، هذا هو الحق (أهبطت الناس) أى كنت سيا لإحباط الناس وإنزالهم ، فإنهم وإن لم يكونوا موجودين لكنهم كانوا على شرف الوجود، فكأنه جعلهم مهبطين منها (بخطيتك) أى التى صدرت عنك غير لائقة بعلو مقامك، وهى أكله من الشجرة وإن كان نسيانا أو خطأ فى الاجتماد لأن الكمل یعاتبون ويؤاخذون بما لا يؤاخذ به غيرهم، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وليس فيه ما يخل بالأدب مع الأب لأنه يغتفر فى بعض الأحوال مالا يغتفر فى بعض، كمالة الغضب والأسف والاحتجاج والمناظرة، وخصوصا ممن طبع على حدة الخلق وشدة الغضب، ولذلك لم يجترى على هذا السوال والاحتجاج من أولاد آدم غير موسى فإنه كان فى طبعه شدة وحدة، وهذا من اختلاف الطبائع والأحوال (اصطفاك) أى اختارك (برسالته) بالإفراد لإرادة الجنس ، وفى بعض النسخ برسالاته بالجمع لإ رادة الأنواع، وليس فيه ما ينفى رسالة آدم لأن كلا ذكر ما هو الأشرف من صفات صاحبه ، وتخصيص الشئى بالذكر لا ينفى ما عداه (وبكلامه) اختص بذلك لأنه لم يسمع كلام الله من غير واسطة أحد فى الأرض غيره (واعطاك الألواح) أى ألواح التوراة (فيها تبيان كل شئى) أى بيان كل شئى مما يحتاج إليه فى أمر الدين، وهذا مستمد من قوله: ( وكتبنا له فى الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئى ٠ - ٧: ١٤٥} (وقربك نجيا) النجى المناجى، يستوى فيه الواحد والجمع، وهو حال من الفاعل أو المفعول أى وكلمك ألقه من غير واسطة ملك، أو المعنى وخصك بالنجوى (فبكم) ميزه محذوف أى فبكم زمانا (وجدت اللّه) أى علمته ١٦١ 3: مرعاة المفاتيح ج ١ ١- كتاب الإيمان ٣ - باب الإيمان بالقدر كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها «وعصى آدم ربه فغوى))؟ قال نعم. قال: أفتلومنى على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله (كتب التوراة) أى أمر بكتب التوراة فى الألواح (قبل أن أخلق) بصيغة المجهول (وعصى آدم ربه) أى فعل خلاف ما أمربه ربه (فغوى) أى تخرج بالعصيان من أن يكون راشدا فى فعله، والفى ضد الرشد، ويطلق على مجرد الخطأ أيضا أى أخطأ صواب ما. أمر به، وليس المراد أن لفظه بهذا التركيب بل معناه بالعبرية (أفتلومنى) أى تجد هذا فى التوراة فتلومنى ( كتبه الله على) أى فى الألواح (أن أعمله) بدل من ضمير كتبه المنصوب. قال التور بشتى: ليس معناه أنه ألزمه إياى وأوجبه على فلم يكن لى فى تناول الشجرة كسب واختيار، وإنما المعنى أن الله حكم قبل کونی بأنه كائن لا محالة ، فهل يمكن أن يصدر عنى خلاف على اللّه، فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذى هو السبب وتنسى الأصل الذى هو القدر وأنت من المصطفين الذين يشاهدون سر الله؟ ولا يجوز للعاصى أن يعتذر بمثل هذا ويتمسك بالتقدير لأنه باق فى دار التكليف وعالم الأسباب الذى لا يجوز فيه قطع النظر وصرفه عن الوسائط والأسباب، جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم والتوبيخ وغيرها ، وفى لومه وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل ، وأما آدم فهو خارج عن هدا العالم المشهود وعن الحاجة إلى الزجر، فلم يبق فى لومه سوى الايذاء والتخجيل، ولأن الاحتجاج بالتقدير يكون على طريقين: الأول للاجتراء على المعاصى ودفع العار عن نفسه والتشجع على الفواحش ، ولا شك أنه وقاحة ودليل لعدم استحياء العاصى من ربه تبارك وتعالى، وذلك لا يجوز عقلا ولا شرعا. والثانى ما يكون لتسلية النفس ودفع اضطرابها وقلقها الحاصل بسبب ارتكاب الخطيئة، ولا قبح فيه شرعا ولا عقلا ، فلا بأس به ، فمن أذن وظلم على نفسه اضطربت نفسه وانزعجت، فيها، يكشف همه ويزيل حزنه بتذكر القدر، فهذا التمسك بالقدرليس لعدم المبالاة بالمعاصى ، بل لتسلية النفس، واحتجاج آدم بالقدر كان من القسم الثانى. وتمسك العصاة بالقدر يكون من القسم الأول غالبا. قال الإمام ابن القيم فى مدارج السالكين (ج ١: ص ١٨٩، ١٩١،١٩٠): اعلم أنه لا عذر لأحد ألبتة فى معصية الله تعالى ومخالفة أمره مع علمه بذلك وتمكنه من الفعل والترك، ولو كان له عذر لما استحق العقوبة واللوم لا فى الدنيا ولا فى العقي، فالاعتذار بالقدر غير مقبول ولا يعذر به أحد ، بل يزيد فى ذنب الجانى ويغضب الرب عليه، ثم إن الاعتذار بالقدر يتضمن تنزيه الجانى نفسه وتنزيه ساحته وهو الظالم الجاهل ، والجهل على القدر نسبة الذنب إليه، وتظليمه بلسان الحال أو القال بتحسين العبارة وتلطيفها كما قيل : إياك إياك أن تبتل بالماء ألقاه فى اليم مكتوفا وقال له منى نفعلى كله طاعات وقال آخر: أصحت منفعلا لما تختاره ١٦٢ مرعاة المفاتيح ج ١ ١ - كتاب الايمان ٣ - باب الايمان بالقدر قبل أن يخلقنى بأربعين سنة؟ قال رسول اللّه ◌َ بفى: فج آدم موسى، وقال آخر شا كيا متظلما : فا حسناته إلا ذنوب إذا كان المحب قليل حظ وخصماء الله هناك تظلمات وشكايات ولو فتشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك خصما متظلما شاكيا يقول لا أقدر أن أقول شيئا وإنى فى صورة ظالم، ويقول بحرقة وتنفس الصعداء مسكين بن آدم لا قادر ولا معذور، وقال آخر: ابن آدم كرة تحت صولجانات الأقدار يضربها واحد ويردها الآخر ، وهل تستطيع الكرة الانتصاف من الصولجان؟ ومن له أدنى فهم وبصيرة يعلم أن هذا كله تظلم وشكاية وعتب ، فتبا له ظالما فى صورة مظلوم ، وشاكيا والجناية منه، وقد جد فى الإعراض وهوينادى طردونى وأبعدونى، ولى ظهره الباب بل أغلقه على نفسه وأضاع مفاتيحه وكسرها ويقول: دخولى سبيل بينوا لى قضيتى دعانی وسد الباب دونی فھل إلی يأخذ الشفيق حجزته عن النار، وهو يحاذبه ثوبه ويغابه ويقتحمها ويستغيث ما حيلتى وقد قدمونى إلى الحفيرة وقذفونى فيها. والله كم صاح به الناصح: الحذر الحذر إياك إياك، وكم أمسك بثوبه وكم أراه مصارع المقتحمين وهو يأبى إلا - الاقتحام : وقد يستفيد البغضة المتنصح وكم سقت فى آثاركم من نصيحة. ياويله ظهرا للشيطان على ربه، خصما لله على نفسه، جبرى المعاصى قدرى الطاعات، عاجز الرأى مضياع الفرصته، قاعد عن مصالحه معاتب لأقدار ربه، يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده و امرأته وأمته إذا احتجوا به فى التهاون فى بعض أمره ، فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه أو نهاه عن شئى فارتكبه وقال القدر ساقى إلى ذلك لما قيل منه هذه الحجة ولبادر إلى عقوبته، فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل فى ترك حق ربك ، فهلا كان حجة لعبدك وأمتك فى ترك بعض حقك؟ بل إذا أساء إليك مسئ وجنى عليك جان واحتج بالقدر لاشتد غضبك عليه وتضاعف جرمه عندك ورأيت حجته داحضة ، ثم تحتج على ربك به وتراه عدزا لنفسك، فمن أولى بالظلم والجهل من هذه حاله؟ (إلى آخرما قال) (قبل أن يخلقنى بأربعين سنة) قيل المراد بالأربعين سنترما بين قوله تعالى: ﴿إنى جاعل فى الأرض خليفة). إلى نفخ الروح فيه، أو هى مدة لبثه طينا إلى أن نفخت فيه الروح، والأظهر أن ابتداء المدة وقت الكتابة فى الألواح وآخرها ابتداء خلق آدم (لحج آدم موسى) تقدم بيان وجه غلبة آدم على موسى. وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: لم يعذر الله أحدا قط بالقدر، ولو عذره به لكان أوليائه وأنبيائه أحق بذلك، وآدم إنما حج موسى لأنه لامه على المصيبة التى أصابت الذرية، فقال له لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة، كما فى بعض الروايات، وما أصاب العبد من المصائب فعلية أن يسلم فيها ته تعالى ويعلم أنها مقدرة عليه، والحاصل أنه حصل من موسى ملام على المصيبة التى أصابت الذرية ١٦٣ مرعاة المفاتيح ج ١ ١- كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر رواه مسلم. ٨٢ - (٤) وعن ابن مسعود قال: حدثنا رسول اللّه مؤلّم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار المشقة والبلوى بسبب خطيئة أبيهم ، فذكر موسى الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال إن هذه البلية التى أصابت ذريتى بسبب خطيئنى كانت مكتوبة على بقدره قبل أن أخلق بكذا وكذا سنة. والقدر يحتج به فى المصائب والبلايا دون القبائح والمعاصى، وارجع لتوضيح هذا الجواب إلى شفاء العليل لابن القيم (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٢٤٩، ٢٦٥، ٢٦٩، ٢٨٨) والبخارى والترمذى والنسائى وأبو داود وابن ماجه بألفاظ مختلفة مختصرا ومطولا. ولعله لم يعزه المصنف إلى البخارى لكونه رواه مختصرا وإن كان الأحسن العزو مع التنبيه، وفى الباب عن عمر عند أبى داود وأبى عوانة وغيرهما ، وجندب بن عبد الله عند النسائى، وأبى سعيد عند البزار .. ٨٢ - قوله (وهو الصادق) الأولى أن تجعل هذه الجملة اعتراضية لا حالية لتعم الأحوال كلها وأن يكون من عادته ذلك فما أحسن موقعه ههنا، ومعناه الصادق فى أقواله المتحرى للصدق فى جميع أفعاله، والمراد أنه الكامل فى الصدق ، أو الظاهر كونه صادقا بشهادة المعجزات الباهرة، وذکر ذلك تبركا وتلذذا وافتخارا (المصدوق) فى جميع ما أتاه من الوحى، يقال صدقه زيد راست كفت باوزيد. قال النبي محو ◌ّ فى أبى العاص بن الربيع ((فصدقنى)) وقال فى حديث أبى هريرة ((صدقك وهو كذوب)) وقال على فى حديث الإفك ((سل الجارية تصدقك)) ونظائره كثيرة، و کذا قال السيد جمال الدين (إن خلق أحدكم) بكسر الهمزة على الحكاية، ويجوز فتحها أى مادة خلق أحدكم أو ما يخلق منه. أحدكم وهو الماء (يجمع فى بطن أمه أربعين يوما) أى يتم جمعه فى الرحم فى هذه المدة ، وهذا يقتضى التفرق (نطفة) حال من فاعل يجمع، أى النطفة إذا وقعت فى الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشرا طارت فى جسم المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة ثم تنزل دما فى الرحم فذلك جمعها، كذا فسره ابن مسعود فيما رواه ابن أبى حاتم وغيره، ويجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة فى الرحم أربعين يوما يتخمر فيه حتى يتهيأ للخلق والتصوير، ثم يخلق بعد الأربعين، كذا فى النهاية (ثم يكو علقة) بفتح العين واللام أى دما غليظا جامدا (مثل ذلك) إشارة إلى محذوف أى مثل ذلك الزمان يعنى أربعين يوما أى ثم يبقى ويمكث دما أربعين يوما (مضغة) أى قطعة لحم قدر ما يمضغ (مثل ذلك) ويظهر التصوير فى هذه الأربعين. قال المظهر: فى هذا التحويل مع قدرته على خلقه فى لمحة فوائد وعبر ، منها أنه لو خلقه لشق على الأم لعدم اعتيادها ، وربما تظن علة جعل أولا نطفة لتعتاد بها مدة، وهكذا إلى الولادة. ومنها إظهار قدرته ونعمته ليعبدوه ويشكروه حيث قلبهم من تلك الأطوار إلى كونهم إنسانا حسن الصورة متحليا بالعقل والشهامة. ١٦٤ ١ مرعاة المفاتيح ج ١ ١ - كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر ثم يبعث اللّه إليه ملكا بأربع كلمات ، فيكتب عمله ومنها إرشاد الناس وتنبيهم على كمال قدرته على الحشر، لأن من قدر على خلق الإنسان من ماء مهين ثم من علقة ثم من مضغة مهيأة لنفخ الروح فيه، يقدر على حشره ونفخ الروح فيه. ومنها تعليم العباد فى تدريج الأمور وعدم تعجيلهم فيها فإنه تعالى مع كمال قدرته وقوته على خلقه دفعة حيث خلقه مدرجا فإن الإنسان أولى به التأنى فى فعله. ومنها تنبيههم وتفهيمهم أصلهم وفرعهم ، فلا يغتروا بقوة أبدانهم وأعضائهم وحواسهم ، ويعرفوا أنها كلها عطايا وهدايا، بل على وجه العادية موجودة عندهم لينظروا إلى مبدأهم (ثم يبعث الله إليه ملكا) أى يرسل، أى فى الطور الرابع حين يتكامل بنيانه ويتشكل أعضائه، والمراد بالبعث والإرسال بهذه الأشياء أمره بها وبالتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا فقد صرح فى الحديث بأنه مؤكل بالرحم، وأنه يقول يا رب نطفة يا رب علقة. وقيل ذلك ملك آخر غير ملك الرحم (بأربع كلمات) أى بكتابتها (فيكتب) أى بين عينيه كما ورد مرفوعا عن ابن عمر فى مسند البزارو فى صحيفته أيضا كما تدل عليه حديث حذيفة بن أسيد عند مسلم فى باب كيفية خلق الآدمى فى بطن أمه من كتاب القدر. وورد فى رواية أخرى لحذيفة عند مسلم أيضا أنه إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولتها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك - الحديث. وظاهر هذا أن تصوير الجنين وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه وكتابة الملك يكون فى أول الأربعين الثانية ، وهو مخالف لحديث ابن مسعود هذا. ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنة، فبعضهم يصور ويكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة. وقال النووى: التصرف الملك أوقات: أحدها حين يخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة، وهو أول على الملك بأنه ولد وذلك عقب الأربعين الأولى، وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته أوسعادته وخلقته وصورته ، ثم لللك فيه تصرف آخر فى وقت آخر وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه وكونه ذكرا أو أنثى، وذلك إنما يكون فى الأربعين الثالثة ، وهى مدة المضغة وقبل انقضاء هذه الأربعين وقبل نفخ الروح، فالمراد بتصويرها وخلق سمعها بعد الأربعين الأولى أى فى أول الأربعين الثانية أنه يكتب ذلك ثم يفعله فى وقت آخر لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجودة فى العادة، وإنما يقع فى الأربعين الثالثة ، وهى مدة المضغة ، ثم يكون لللك فيه تصرف آخر وهو وقت نفخ الروح عقب الأربعين الثالثة حين يكل له أربعة أشهر - انتهى مختصرا. وأما الاختلاف فى وقت الكتابة كما هو ظاهر من ملاحظة الروايات، فقال بعض العلماء فى دفعه؛ إنه يكتب ذلك مرتين: أحدهما فى السماء والآخرة فى بطن الأم. وقد يقال إن لفظة «ثم، فى حديث ابن مسعود إنما يراد به ترتيب الأخبار لا ترتيب المخبر عنه فى نفسه. وقال بعضهم: قوله ثم يبعث الله ملكا فيكتب عمله إلخ عطف على يجمع فى بطن أمه)) لا على «ثم يكون مضغة، وإنما أخر ذكرها إلى ما بعد ذكر المضغة لثلا ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التى يتقلب فيها الجنين، فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب وأحسن، والأظهر ١٦٥ مرعاة المفاتيح ج ١ ١ - كتاب الايمان ٣ - باب الايمان بالقدر وأجله ورزقه وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذى لا إله غيره إن أحدكم لعمل بعقل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ، متفق عليه. ٨٣ - (٥) وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد هو الأول (وأجله) أى مدة حياته وانتهاء عمره (وشقي أو سعيد) خبر مبتدأ محذوف، أى ويكتب هو شق أو سعيد، والظاهر أن يقال ويكتب سعادته وشقاوته، فعدل إلى الصفة حكاية لعين ما يكتب ، أو التقدير : يعلم لللك أن المقضى فى الأزل هكذا، حتى يكتب على جبهته مثلا، ثم الترديد فى الحكاية لا فى المحكى، وإنما جاءت الحكاية على لفظ الترديد نظرا إلى التوزيع والتقسيم على آحاد المولود فمنهم شتى وسعيد، والأمر بكتابة الأمور الأربعة لا ينفى كتابة شئ آخر مما قدر له فيه (ثم ينفخ) على البناء للمجهول، وقيل إنه معلوم (فيه الروح) على الوجهين أى ثم بعد هذا البعث لا قبله (وإن أحدكم) وفى المصابيح: وإن الرجل أى الشخص (حتى ما يكون) بالنصب بحتى ، وما نافية غير مانعة من العمل، ويجوز بعضهم كون حتى ابتدائية فيكون بالرفع. قال ابن الملك: الأوجه أنها عاطفة ويكون بالرفع عطف على ما قبله (إلاذراع) تمثيل لغاية قربها (فيسبق عليه الكتاب) أى يغلب عليه، والكتاب بمعنى المكتوب أى المقدر أو التقدير (فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) المعنى أنه يتعارض عمله فى اقتضاء السعادة، والمكتوب المقدر فى الأزل فى اقتضاء الشقاوة فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبر عن ذلك بالسبق لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق (فيعمل بعمل أهل الجنة) بأن يستغفر ويتوب ، وفى الحديث تصريح بإثبات القدر، وأن التوبة تهدم الذنوب، وأن من مات على شئ حكم له بذلك من خير أوشر إلا أن أصحاب المعاصى غير الكفر فى المشيئة (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه. قال الحافظ فى شرح حديث ابن مسعود فى أول القدر: رواه عن النبى مَّ مع ابن مسعود جماعة من الصحابة. ثم ذكر أحاديثهم. ٨٣ - قوله (وعن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصارى الساعدى المدنی، یکنی أبا العباس، وكان اسمه حزنا، فسماه النبى مَّ سهلا، وهو من مشاهير الصحابة. مات النبي عَو ◌َّه وهو ابن خمس عشرة سنة. له مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخارى بأحد عشر. روى عنه جماعة من التابعين، مات سنة (٨٨) وقيل بعدها وقد جاوز المائة. ويقال إنه آخر من بقى بالمدينة من أصحاب رسول الله مؤ يّة (إن العبد) أى عبد من ١٦٦ مرعاة المفاتيح ج ١ ١ - كتاب الايمان ٣ - باب الايمان بالقدر ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإمما الأعمال بالخواتيم ، متفق عليه. ٨٤ - (٦) وعن عائشة رضى الله عنها قالت: دعى رسول اللّه مؤفيه إلى جنازة صبى من الأنصار عبيد الله (ليعمل عمل أهل النار) أى ظاهرا وصورة أو أولا أو فى نظر الخلق (وإنه من أهل الجنة) أى باطنا ومعنى أو آخرا أو فى على اللّه، والواو حالية وإن مكسورة بعدها (ويعمل) أى عبد آخر (إنما الأعمال بالخواتيم) أى اعتبار الأعمال بالعواقب والأواخر ، وهو جمع خاتمة، وهذا تذييل الكلام السابق مشتمل على معناه لمزيد التقرير ، يعنى أن العمل السابق ليس بمعتبر، وإنما المعتبر العمل الذى ختم به كما لوح به حديث ابن مسعود حيث قال «فيسبق عليه الكتاب إلخ. وفيه حث على المواظبة بالطاعات ومحافظة الأوقات عن المعاصى خوفا من أن يكون ذلك آخر عمله ، وفيه زجر عن العجب والتفرح بالأعمال فإنه لا يدرى ماذا يصيبه فى العاقبة، وفيه أنه لا يجوز الشهادة لأحد بالجنة ولا بالنار ، فإن أمور العبد بمشيئة الله وقدره السابق، وفيه أيضاً أن الله يتصرف فى ملكه ما يشاء وكيف يشاء. وكل ذلك عدل وصواب، وليس لأحد اعتراض عليه، لأنه مالك والمخلوق ملوك، واعتراض المملوك على المالك قبيح موجب للتعذيب، قال تعالى: ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون - ٢١: ٢٣) وفيه حجة قاطعة على القدرية فى قولهم: إن الإنسان يملك أمر نفسه ويختار لها الخير والشر. وهذه القطعة من الحديث لم يروها مسلم من حديث سهل بل روى معناها من حديث أبى هريرة (متفق عليه) أى على أصل الحديث وإلا فقوله «وإنما الأعمال بالخواتيم)، ليس عند مسلم، وكذا أخرجه أحمد (ج ٥: ص ٣٣٢) بغير هذه الزيادة، وفى الباب عن أبى هريرة عند مسلم، وعائشة عند أحمد وابن حبان، وابن عمر والعرس بن عميرة عند البزار، وعمرو بن العاص وأ کتم بن أبىالجون عندالطبرانى، وأنس عند أحمد، وصححه ابن حبان ، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد والنسائي والترمذى، وعلى عند الطبرانى، ومعاوية عند ابن حبان ٨٤ - قوله (وعن عائشة) هى أم المؤمنين الصديقة بنت أبى بكر الصديق التيمية، تكنى أم عبد الله، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر، أفقه النساء مطلقا وأفضل أزواج النبي ◌َّ إلا خديجة، ففيها خلاف شهير. خطبها التى مَّ وتزوجها بمكة فى شوال سنة (١٠) من النبوة، وقبل الهجرة بثلاث سنين ، وقيل غير ذلك، وبنى بها بالمدينة فى شوال سنة (٢) من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرا، ولها تسع سنين. وبقيت معه تسع سنين، ومات عنها ولها. ثمانى عشرة سنة، ولم يتزوج غيرها بكرا. وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن رسول الله عارفة بأيام العرب وأشعارها. روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين. وماتت بالمدينة سنة (٥٧) ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان ، وأمرت أن تدفن ليلا فدفنت بالقيع، وصلى عليها أبو هريرة، وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة فى أيام معاوية قال الخزرجى: لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث، اتفقا على مائة وأربعة وسبعين ، ١٦٧ مرعاة المفاتيح ج ١ .١ - كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر فقلت يا رسول اللّه طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه. فقال أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم فى أصلاب آباءهم ، وخلق للنار أهلا ، خلقهم لها وهم فى أصلاب آباءهم، زواه مسلم. ٨٥- (٧) وعن على رضى اللّه عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وانفرد البخارى بأربعة وخمسين، ومسلم ثمانية وستين. ومناقبها وفضائلها كثيرة جدا، بسط ترجمتها المحافظ فى الإصابة مــ (ج ٤: ص ٣٥٩، ٣٦١) وابن عبد البر فى الاستيعاب (طوبى لهذا) طوبى فعلى من طاب يطيب طيبا، قلبت الياء واوا الضمة قبلها ، واختلفوا فى معناه فقيل هو اسم الجنة ، وقيل اسم شجرة فيها ، وقيل معناه أطيب معيشة له ، وقيل فرح له وقرة عين ، وقيل معناه أصيب خيرا لأن إصابة الخير مستلزمة لطيب العيش ، فأطلق اللازم وأراد الملزوم (عصفور من عصافير الجنة) يعنى هو مثلها من حيث أنه لا ذنب عليه، وينزل فى الجنة حيث يشاء. قال ابن الملك: شبهته بالعصفور كما هو صغير لكونه خاليا من الذنوب من عدم كونه مكلفا (ولم يدركه) أى أو انه بالبلوغ لموته قبل التكليف فضلا عن عمله (أو غير ذلك) بفتح الواو وضم الراء وكسر الكاف، هو الصحيح المشهور من الروايات، والتقدير: أتعتقدين ما قلت؟ والحق غير ذلك، وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنة ، فالواو للحال ، قاله القارى. وقيل الهمزة للاستفهام الإنكارى والواو عاطفة، و((غير) مرفوع بعامل مضمر تقديره: أقلت هذا؟ ووقع غير ذلك، وقيل يجوز أن يكون أو بسكون الواو التى لأحد الأمرين أى الواقع هذا أو غير ذلك ، ويجوز نصب غير أى أو يكون غير ذلك، وقيل يجوز أن يكون أو بمعنى بل، أى بل غير ذلك أحسن وأولى وهو التوقف. قال التور بشتى: وكأنه عليه السلام لم يرتض قولها لما فيه من الحكم بالغيب والقطع بإيمان أبوى الصبى أو أحدهما، إذ هو تبع لهما. وفيه إرشاد الأمة إلى التوقف عند الأمور المهمة، والسكوت عم لا علم لهم به، وحسن الأدب بين يدى علام الغيوب. قلت: الصواب أن النبى ◌َّ قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين فى الجنة، وقد أجمع من يعتد به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو فى الجنة، ودل عليه الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة ، فلا معنى للتوقف فيه، وإنما نهى عائشة عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع (وهم فى أصلاب أباءهم) قيل عين أهل الجنة من أهل النار فى الأزل ، فعبر عن الأزل بأصلاب الآباء تقريبا لأنهام العامة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه. ٨٥ - قوله (وعن على) هو أمير المؤمنين على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الحسن الهاشمى القرشى ابن عم رسول اللّه مَّ وزوج ابنته الفاطمة، كناه رسول مَّ أبا تراب، والخبر فى ذلك مشهور. وأمه فاطمة بنت أسد ١٦٨ مرعاة المفاتيح ج ١ ١ - كتاب الإيمان ٣ - باب الإيمان بالقدر ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. قالوا: يا رسول اللّه أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، ابن هاشم، أسلمت وماتت فى حياة رسول اللّه مَّه وصلى عليها ونزل فى قبرها. وهو أول من أسلم من الصبيان، جمعا بين الأقوال. وأحد العشرة. وقد اختلففىسنه یوم إسلامه فقیل کانله (١٥) سنة، وقيل(٨) سنين، وقيل (١٠) سنين، وقيل (١٣) سنة. صلى القبلتين وشهد بدرا وسائر المشاهد، وأيلى بيدرو أحد والخندق وخيبر البلاء العظيم، وكان لواء رسول الله ◌َّ بيده فى مواطن كثيرة ولم يتخلف إلا فى تبوك فإنه خلفه فى أهله، وفيها قال له ((أنت منى بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نى بعدى)). مناقبه وفضائله شهيرة كثيرة جدا ، وقد روى عن أحمد بن حنبل أنه قال : لم يرو لأحد من الصحابة من الفضائل ما روى لعلى١. وكذا قال النسائى وغير واحد، وفى هذا كفاية. استخلف يوم قتل عثمان، وهو يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذى الحجة سنة (٣٥) قال ابن عبد البر: بويع لعلى يوم قتل عثمان، فاجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار إلا نفرا منهم لم يهجهم على وقال: أولئك قوم قعدوا عن الحق ، ولم يقوموا مع الباطل. وتخلف عنه معاوية فى أهل الشام ، فكان منهم فى صفين بعد الجمل ما كان ، ثم خرجت عليه الخوارج وكفروه بسبب التحكيم ، ثم اجتمعوا وشقوا عصى المسلمين وقطعوا السبيل خرج إليهم بمن معه فقاتلهم بالنهروان فقتلهم واستأصل جمهورهم فانتدب لهم من بقاياهم عبد الرحمن بن ملجم المرادى وكان فاتكا فقتله (بالكوفة) ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت، وقيل بقيت من رمضان سنة (٤٠) وله من العمر (٦٣) سنة، وهو يومئذ أفضل الأحياء من بن آدم بالأرض بإجماع أهل السنة. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأياما. روى عنه خلائق من الصحابة والتابعين. قال الخزرجى: له خمس مائة حديث وستة وثمانون حديثا، اتفقا على عشرين، وانفرد البخارى بتسعة، وسلم بخمسة عشر (ما منكم من أحد) من مزيدة لاستغراق النفى (إلا وقد كتب) الواو للحال والاستثناء مفرغ أى ما وجد أحد منكم فى حال من الأحوال إلا فى هذه الحالة أى إلا وقد قدر مقعده من النار (مقعده من النار ومقعده من الجنة) أى موضع قعوده، كنى عن كونه من أهل الجنة أو النار باستقراره فيها ، والواو المتوسطة بينها بمعنى أو التى تكون للتنويع، وقد ورد فى بعض الروايات بلفظ ((أو)) وهى قرينة لحمل الواو على معنى أو وهى أوفق بالمقصود (أفلا نتكل على كتابنا) المقدرلنا فى الأزل، قيل الفاء جواب الشرط أى إذا كان الأمر كذلك أفلا نعتمد على ما كتب لنا فى الأزل (وندع العمل) أى نترك السعى فى العمل، يعنى إذا سبق القضاء لكل أحد منا بالجنة أو النار فأى فائدة فى السعى فإنه. لا يرد قضاء الله وقدره (اعملوا فكل) الفاء السببية، والتنوين عوض عن المضاف إليه (ميسر لما خلق له) يعنى من خلق للجنة مثلا يسر عليه عملها ألبتة ، فالتيسر علامة كونه من أهلها ، فمن لم ييسر على عملها فليعلم أنه ليس من أهلها بل من أهل النار. قال السندى: نبه مَّ على الجواب عن قولهم بأن الله تعالى دبر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها ١٠ - قال الامام ابن تيمية فى المنهاج (ج ٤: ص ٢٥٣): لكن أكثر ذلك من نقل من على كذبه أو خطؤه ـ اهـ. وقال أيضا (ج ٤: ص ٩٩): إن فی تقتل منا عن أحمد كلاما راه. و کته معحته، ١٦٩ ٠ مرعاة المفاتيح ج١ ١ - كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة ، ثم قرأ: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى - الآية) متفق عليه. - يغض وجعلها أسبابا ومسببات ، ومن قدره من أهل الجنة قدر له ما يقر به إليها من الأعمال ووفقه لذلك بإقداره ويمكنه منه ويحرضه عليه بالترغيب والترهيب، ومن قدر له أنه من أهل النار قدر له خلاف ذلك وخذله حتى اتبع هواه وترك أمر مولاه، والحاصل أنه جعل الأعمال طريقا إلى نيل ما قدره له من جنة أو نار فلا بد من المشى فى الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسر له ذلك المشئ لكل فى طريقه ويسهل عليه - انتهى. وقال القارى ملخصا لكلام الخطابى والنور بشتى والطبى: لم يرخص لهم النبى وَّم فى الاتكال وترك العمل بل أمرهم بالتزام ما يجب على الحد من امتثال أمر مولاه عن العبودية آجلا وتفويض الأمر إليه بحكم الربوبية آجلا وأعلمهم بأن ههنا أمرين لا يبطل. أحدهما الآخر، باطن وهو حكم الربوبية، وظاهر وهو سمة العبودية، فأمر بكليهما ليتعلق الخوف بالباطن المغيب والرجاء بالظاهر البادى ليستكمل العبد بذلك صفات الايمان ومراتب الإحسان، يعنى أنتم عبيد ولا بد لكم من العبودية فعليكم التزام ما أمرتم واجتناب ما نهيتم من التكاليف الشرعية بمقتضى العبودية، وإياكم والتصرف فى أمور الربوية ولا تجعلوا الأعمال أسبابا مستقلة للسعادة والشقاوة بل أمارات لهما وعلامات، فكل مهيأً وموفق لأمر قدر ذلك الأمر له منَ الخير والشر، والحاصل أن الأمر المبهم الذى ورد عليه البيان من هذا الحديث عنه ◌َّ هو أنه بين أن القدر فى حق العباد واقع على تدبير الربوبية ، وذلك لا يبطل تكليفهم العمل بحق العبودية. فكل من الخلق ميسر ما دبر له فى الغيب فيسوقه العمل إلى ما كتب له فى الأزل من سعادة وشقاوة ، فمعنى العمل التعرض للثواب والعقاب - انتهى. قال الخطابى: ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب ، والأجل المضروب مع التعالج بالطب المأمور به، فإنك تجد الباطن منها على موجبه والظاهر سببا مخيلا، وقد اصطلح الناس خاصتهم وعامتهم على أن الظاهر منهما لا يترك بسبب الباطن - انتهى. وهذا الحديث أصل لأهل السنة أن السعادة والشقاوة بتقدير اللّه القديم وخلقه، بخلاف القدرية الذين يقولون إن الشر ليس بخلق الله وتقديره، وفيه رد على الجبرية لأن التيسير ضد الجبر، لأن الجبر لا يكون إلا عن كره، ولا يأتى الانسان الشئى بطريق التيسير إلا وهو غير كاره (أما من كان) تفصيل لما أجمل قبله (من أهل السعادة) أى فى علم الله أو فى كتابه أو فى آخر أمره وخاتمة عمله (فسييسر) أى يسهل ويوفق ويهياً (من أهل الشقاوة). وفى المصابيح بلفظ «الشقوة) بكسر الشين وهو مصدر بمعنى الشقاوة (ثم قرأ) أى النبى مؤتم استشهادا على أن التيسير منه تعالى (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى الآية) أى من كان متصفا بهذه الصفات فى علمنا وقدرنا فسنيسره لتلك الأعمال فى الخارج ، وبهذا التوجيه ينطبق عليه الحديث (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى فى الكبرى وابن ماجه وغيرهم مطولا ومختصرا بألفاظ متقاربة. ١٧٠ . مرعاة المفاتيح ج ١ ١- كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر ٨٦ - (٨) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه مَ له: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهى، والفرج يصدق ذلك ويكذبه ، متفق عليه. وفى رواية لمسلم قال: ب، على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك ٨٠ - قوله (إن الله كتب) أى أثبت فى اللوح المحفوظ (على ابن آدم) أى هذا الجنس أو كل فرد من أفراده، واستقتنى الأنبياء (حظه) أى نصيبه (من الزنا) من بيانية، وما يتصل بها حال من حظه، وقيل تبعيضية. قال التوربشتى: أى أثبت عليه ذلك بأن خلق له الحواس التى يحد بها لذة ذلك الشئ، وأعطاه القوى التى بها يقدر على ذلك الفعل ، فبالعينين وبما ركب فيهما من القوة الباصرة تجد لذة النظر وعلى هذا ، وليس المعنى أن ألجأه وأجبره عليه بل ركز فى جبلته حب الشهوات، ثم إنه تعالى برحمته وفضله يعصم من يشاء. وقال الطبي: يحتمل أن يراد بقوله (( كتب، أثبت، أى أثبت فيه الشهوة والميل إلى النساء، وخلق فيه العينين والأذن والقلب والفرج، وهى التى تجد لذة الزنا، وأن يراد به قدر أى قدر فى الأزل أن يجرى عليه الزنا فى الجملة، فإذا قدر فى الأزل أدرك ذلك لا محالة (أدرك) أى أصاب (ذلك) أى المكتوب عليه المقدر له أو حظه (لا محالة) بفتح الميم ويضم أى لابد له ولا احتيال منه ، فهو واقع ألبتة (فرنا العين النظر) إلى ما لا يحل الناظر (وزنا اللسان المنطق) أى الحرام كالمواعدة، وفى بعض النسخ النطق ، بضم النون بغير ميم فى أوله (والنفس) أى القلب كما فى الرواية الآتية، ولعل النفس إذا طلبت تبعها القلب (تمنى) بحذف أحدى التائين (وتشتهى) لعله عدل عن السنن السابق لإفادة التجدد أى زنا النفس تمنيها واشتهاتها الزنا الحقيقى، والتمنى أعم من الاشتهاء لأنه قد يكون فى الممتنعات دونه (والفرج يصدق ذلك) أى عمل الفرج يصدق ذلك النظر والتمنى بأن يقع فى الزنا بالوطأ (ويكذبه) بأن يمتنع من ذلك خوفا من ربه، سمى هذه الأشياء باسم الزنا لأنها من دواعيه، فهو من إطلاق المسبب على السبب. وقال الطبى: لأنها مقدمات له موذنة بوقوعه، ونسب التصديق والتكذيب إلى الفرج لأنه منشأه ومكانه أى يصدقه الفرج بالإتيان بما هو المراد منه ويكذبه بالكف عنه والترك ، وقيل ذلك إشارة إلى ما اشتهته النفس ورأته العين وتكلم به اللسان يعنى إن رأها بالعين واشتهتها النفس وتكلم اللسان يذكرها وعمل بها فعلا بالفرج فقد صار الفرج مصدقا لتلك الأعضاء، وصار الزنا الصغير كبيرا ، وإن لم يفعل شيئا بالفرج فقد كذب الفرج تلك الأعضاء ولم يصر الزنا كبيرا، ويرفع بالاستغفار والوضوء والصلاة (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الاستذان وفى القدر، ومسلم فى القدر، وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى (وفى رواية) أخرى (لمسلم) تفرد بها (كتب) بصيغة المجهول (مدرك) بالتنوين ويجوز الإضافة (ذلك) يعنى هو أى ابن آدم واصله حظه ونصيبه أو نصيبه المقدر يدركه ١٧١ مرعاة المفاتيح ج ١ ١- كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش ، والرجل زناها الخطى ، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه. ٨٧ - (٩) وعن عمران بن حصين أن رجلين من مزينة قالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه ، أشهى قضى عليهم ومضى فيهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون به ١ ويصيبه (لا محالة) لأنه ما كتبه الله لابد أن يقع (الاستماع) أى إلى كلام الزانية أو الواسطة أو صوت الأجنبية بشرط الشهوة (زناها البطش) أى الأخذ واللس، ويدخل فيها الكتابة إليها ورمى الحصا إليها ونحوهما (زناها الخطى) بضم المعجمة، جمع خطوة وهى ما بين القدمين ، يعنى زناهما نقل الخطى أى المشى أو الركوب إلى ما فيه الزنا (يهوى) من سمع بوزن يرضى ، أى يحب ويشتَهَى ، وفى الحديث دليل على أن الزنا ودواعيه مكتوبة مقدرة على العبد غير خارجة عن سابق القدر، وأن الإنسان لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه إلا أنه يلام إذا وقع ما نهى عنه بحجب ذلك عنهوتمكينه من التمسك بالطاعة، فبذلك يندفع قول القدرية والمجبرة، ويؤيده قوله ((والنفس تمنى وتشتهى)، لأن المشتهى بخلاف الملجأ. ٨٧ - قوله (وعن عمران بن حصين) مصغرا ابن عبيد بن خلف الخزاعى الكعبى ، يكنى أبا تجيد بنون وجيم مصغرا، أسلم أيام خيبر ، سكن البصرة إلى أن مات بها سنة (٥٢) وقيل سنة (٥٣) كان من فضلاء الصحابة وفقهاءهم، يقول عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى، وقال ابن سعد: كانت الملائكة تصالحه قبل أن يكتوى، وفى الخلاصة وكانت الملائكة تسلم عليه. وهو ممن اعتزل الفتنة، كان الحسن البصرى يحلف بالله ما قدمها أى البصرة راكب خير من عمران بن حصين ، وكذا قال ابن سيرين نحوه. له مائة وثلاثون حديثا، اتفق على ثمانية وانفرد البخارى بأربعة ومسلم بتسعة. روى عنه جماعة من التابعين (من مزينة) بالتصغير اسم قبيلة (أرأيت) أى أخبرنى من إطلاق السبب على المسبب، لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقررة أى قد رأيت ذلك فأخبرنى به (ما يعمل الناس) من الخير والشر (اليوم) أى فى الدنيا (ويكدحون فيه) أى يسعون فى تحصيله جهد و کد ، يقال کدح فى العمل أى جهد نفسه فیه و کد حتى يؤثر فيه (أشئى) خبر مبتدأ محذوف أى هو شئى (قضى عليهم) بصيغة المجهول أى قدر فعله عليهم (ومضى فيهم) بصيغة المعلوم أى نفذ فى حقهم (من قدر سبق) أى فى الأزل. قال القارى: من بيانية لشئى، ويكون القضاء والقدر شيئا واحدا كما قاله بعضهم، وإما تعليلية متعلقة بقضى أى قضى عليهم لأجل قدر سبق، وإما ابتدائية أى القضاء نشأً وابتدأ من خلق مقدر ، فيكون القدر سابقا على القضاء - انتهى (أو) كذا فى صحيح مسلم ومسند أحمد، ووقع فى تفسير ابن جرير ونسخ المصابيح ((أم)) قيل على كلنا الروايتين ليس السوال عن أحد الأمرين ، فأم منقطعة وأو بمعنى بل أى للإضراب (فيما يستقبلون به) قال ١٧٢ مرعاة المفاتيح ج ١ ١ - كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر ما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شئ قضى عليهم ومضى فيهم ، وتصديق ذلك فى كتاب الله عز وجل ﴿ونفس وما سواها فألهمها بجورها وتقواها) رواه مسلم. ٨٨ - (١٠) وعن أبى هريرة قال قلت: يا رسول الله إنى رجل شاب وأنا أخاف على نفسى العنت السيد جمال الدين: كذا وقع بصيغة المجهول فى أصل سماعنا من صحيح مسلم، وهو الأرجح معنى أيضا، لكن وقع فى أكثر نسخ المشكاة بصيغة المعروف - انتهى. والمعنى أخبرنا أن ما يعمله الناس من الخير والشر أشئى قضى عليهم ومضى فيهم من الأزل ويجرى فيهم فى وقت معلوم، أم شئ لم يقض عليهم فى الأزل بل يجرى عليهم كل فعل فى الوقت الذى يستقبله الرجل ويقصده من غير أن يجرى عليه التقدير؟ والحاصل أن ما يفعله الإنسان من الشر والخير أهو مبنى على قضاء وقدر سابق أى مقدر ومقضى سابقا فى الأزل أم هو أمر مستأنف ليس مبنيا على قدر وقضاء سابق، وشئى أنف لم يقض ولم يقدر عليهم فى الأزل بل هو كائن فيما يستقبلون من الزمان فيه يتوجهون إلى العمل ويقصدون بقدرتهم الحقيقية واختيارهم المستقل من غير سبق تقدير قبل ذلك، فقوله ((فيما يستقبلون)) فى محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هو كائن فى الزمان الذى يستقبلونه، معطوف على قوله ((شئى قضى عليهم» (بما أتاهم به نبيهم) الباء للتعدية، ولفظ «من» فى مما أتاهم بيان لما فى قوله ما يعمل الناس، أو بيان لما فى قوله ما يستقبلون، والأول أولى كماقال السيد جمال الدين (وثبتت الحجة عليهم) بظهور صدق نبيهم بالمعجزات، وفى تفسير ابن جرير: أم شئ مما يستقبلون ما أتاهم به فيهم مؤلّ وأكدت به عليهم الحجة (فقال) مَ ◌ّ (لا) أى ليس الأمر أنفا فى المستقبل (بل) هو (شئى قضى عليهم) فى الأزل، أو المعنى لا تردد فإن الأمر مبنى على قدر وقضاء سابق جزما ، وزاد فى رواية ابن جرير وغيره ((قال فلم يعملون إذن؟ قال من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه لعملها، (وتصديق ذلك) إشارة إلى ما ذكر أنه قضى عليهم (ونفس) بالجر على الحكاية، والمراد بها جميع النفوس، والتنوين للتنكير أو التكثير، وقيل المراد نفس آدم (وما سواها) ما مصدرية أو موصولة، . ورجحه ابن جرير ، ومعنى سواها أى خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة ، وقيل عدلها على هذا القانون الأحكم فى أعضاءها وما فيها من الجواهر والأعراض والمعانى، وغير ذلك (فألهمها فجورها وتقواها) أى أرشدها إلى تجورها وتقواها أى بين لها طريق الخير والشر وهداها إلى ما قدر لها فى الأزل. قال الواحدى: هذاَ صريح فى أن الله خلق. فى المؤمن تقواه وفى الكافر لجوره. قال القارى: وجه الاستدلال بالآية أن ألهمها بلفظ الماضى يدل على أن ما يعملونه من الخير والشر قد جرى فى الأزل (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٤٣٨) وابن جرير وغيرهما. ٨٨- قوله (وأنا أخاف) وعند الكشمهينى ((وإنى أخاف)) (العنت) بفتحتين الفساد والإثم والهلاك ودخول ١٧٣ مرعاة المفاتيح ج ١ ١ - كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر ولا أجد ما أتزوج به النساء، كأنه يستأذنه فى الاختصاء. قال: فسكت عنى، ثم قلت مثل ذلك فسكت عنى، ثم قلت مثل ذلك فسكت عنى، ثم قلت مثل ذلك. فقال النبى معَّ: يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر، رواه البخارى. ٨٩ - (١١) وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول اللّه مؤ فيه: إن قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن المشقة على الإنسان واكتساب المأثم والزنا، والمراد هنا الوقوع فى الهلاك بالزنا (كأنه يستأذنه فى الاختصاء) هذا كلام أحد الرواة ، وقيل هو قول الراوى عن أبى هريرة ، وليس هذا فى البخارى. وعند أبي نعيم («فائذن لى أختص، والاختصاء بالمد هو الشق على الأنثيين وانتزاعهما (فسكت عنى) أى عن جوابى (ثم قلت مثل ذلك) أى فى الرابعة إلحاحا ومبالغة (جف القلم) قال التور بشتى: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضاءها والفراغ منها. قال الطيبي: هذا من باب إطلاق اللازم على الملزوم لأن الفراغ يستلزم جفاف القلم عن مداده، والمعنى أن ما كان وما يكون قدر فى الأزل ونفذ المقدور بما كتب فى اللوح المحفوظ، فبقى القلم الذى كتب به جافا لا مداد فيه لفراغ ما كتب به. قال عياض: كتابة اللّه ولوحه وقلبه من غيب عليه الذى نؤمن به ونكل عليه إليه (بما أنت لاق) أى جف القلم بالفراغ من كتابة ما هو كائن فى حقك ، أى قد كتب عليك وقضى ما تلقاه فى حياتك، والمقدر لا يتبدل بالأسباب، فلا يجوز ارتكاب الأسباب المحرمة لأجله، نعم إذا شرع الله تعالى سببا أو أوجبه فالمباشرة به شئ آخر (فاختص) أمر من الاختصاء (على ذلك) فى موضع الحال ، یعنی إذا علمت أن كل شئی مقدر فاختص حال كون فعلك وتر کك واقعا على ماجف القلم ، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف أى اختص على حال استعلاء ك على العلم بأن كل شئ بقضائه وقدره (أوذر) أی إن شئت اختصیت بلا فائدة ، وإن شئت تر کته ، وليس هو من باب التخیر والا ذن فى الخصاء، بل توبيخ وتهديد كقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر - ١٨: ٢٩) والمعنى إن فعلت أو لم تفعل فلا بد من نفوذ القدر، ومحصل الجواب أن جميع الأمور بتقدير الله فى الأزل، فالخصاء وتركه سواء، فإن الذى قدر لا بد أن يقع فلا فائدة فى الاختصاء، فأو للتسوية، ووقع فى أكثر نسخ المصابيح ((فاختصر)) بزيادة الراء بمعنى أن الاختصار على ما ذكرت لك من التقدير والتسليم له ، وتركه والإعراض عنه سواء، فإن ما قدر لك فهو لا محالة لاقيك وما لا فلا (رواه البخارى) فى النكاح ، وأخرجه أيضا النسائى. ٨٩ - قوله (بين إصبعين من أصابع الرحمن) هذا من أحاديث الصفات التى تؤمن بها ونعتقد أنها حق من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى، فالإيمان بها فرض والامتناع عن الخوض فيها واجب ، فالمهتدى من سلك فيها طريق ١٧٤ مرعاة المفاتيح ج ١ ١- كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر كقلب واحد يصرفه كيف يشاء، ثم قال رسول اللّه مَّ: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ، رواه مسلم . ٩٠ - (١٢) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه عنه: ما من مولود إلا يولد على الفطرة التسليم ، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيف مشبه، قال الله تعالى: (ليس كمثله شئى - ٤٢: ١١) وقيل هذا الحديث من أحاديث الصفات التى تقبل التأويل ، فيتأول حسب ما يليق بجلاله الأقدس وكماله الأنفس ، فعلى هذا إطلاق الإصبع عليه تعالى مجاز، وهو كما يقال ((فلان فى قبضتى)) أى فى كفى، لا يراد به أنه حال فى كفه بل المراد تحت قدرتى، ويقال «فلان بين إصبعى أقلبه كيف شئت، أى إنه مين على قهره والتصرف فيه كيف شئت، ومعنى الحديث أن تقليب القلوب فى قدرته يسير ، يعنى أنه تعالى متصرف فى قلوب عباده وغيرها كيف شاء، ولا يمتنع عليها منها شئى ولا يفوته ما أراده ، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه، نخاطب العرب بما يفهمونه ، ومثله بالمعانى الحسية تأكيدا له فى نفوسهم، وقيل غير ذلك فى تأويله، وعندنا التفويض هو المتعين. قال النووي: فإن قيل فقدرة الله واحدة والإصبعان للنثنية. فالجواب أنه قد سبق أن هذا مجاز واستعارة فوقع التمثيل بحسب ما اعتادوه غير مقصود به التثنية والجمع ـ انتهى. وقال فى المجمع: هو تمثيل عن سرعة تقلبها، وأنه معقود بمشيئة الله، وتخصيص الأصابع كناية عن أجزاء القدرة والبطش لأنه باليد، والأصابع أجزاءها ( كقلب واحد) بالوصف، يعنى كما أن أحدكم يقدر على شئ واحد، الله تعالى يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة لا يشغله شأن) ونظيره قوله تعالى: (ما خلفكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة - ٣١: ٢٨ ) وليس المراد أن التصرف فى القلب الواحد أسهل بالقياس إليه تعالى إذلا صعوبة بالقياس إليه تعالى، بل ذلك راجع إلى العباد وإلى ما عرفوه فيما بينهم (يصرفه) بالتشديد أى يقلب القلب الواحد أو جنس القلب. وفى بعض نسخ المصابيح بتأنيث الضمير أى القلوب ( كيف يشاء) حال عن تأويل هينا سهلا لا يمنعه مانع، أو مصدر أى تقليا سريعا سهلا. وفى بعض نسخ صحيح مسلمٌ حيث يشاء (صرف قلوبنا على طاعتك) أى إليها أو ضمن معنى التثبيت. ويؤيده ما ورد ثبت قلبي على دينك. وفيه إرشاد للأمة وإعلام بأن نفسه القدسية الطاهرة المطهرة إذا كانت مفتقرة إلى اللجأ إليه كان غيره أولى وأحرى (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والنسائى. ٩٠ - قوله (ما من مولود) أى من بنى آدم، كما فى رواية (إلا يولد) قيل مولود مبتدأ ويولد خبره أى ما من مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على هذا الأمر (على الفطرة) الفطر الابتداء والاختراع، والفطرة الحالة والهيئة منه. واختلف السلف فى المراد بالفطرة فى الحديث على أقوال كثيرة ، أشهرها أن المراد بها الإسلام ، وبه جزم البخارى ورجحه كثير من السلف، ويؤيده ما فى رواية ((الملة» بدل الفطرة لأن ماصدقهما واحد ، وحديث عياض بن حمار مرفوعا من الحديث القدسى: إنى خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم - الحديث. وقد رواه غيره ١٧٥ مرعاة المفاتيح ج١ ١- كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة فزاد فيه ((حنفاء مسلمين)) ويدل عليه استشهاد أبى هريرة بقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها - ٣٠: ٣٠) فقد أجمع أهل التأويل أن المراد بالفطرة فى الآية الاسلام. والحديث سبق لبيان ما هو فى نفس الأمرلا لبيان أحكام الدنيا فلا عبرة للايمان الفطرى فى أحكام الدنيا ، وإنما يعتبر الايمان الشرعى المكتسب بالإرادة ألا ترى أنه يقول فأبواه يهودانه فى حكم الدنيا، فهو مع وجود الإيمان الفطرى فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين، ومعنى قوله عليه السلام ((طبع كافرا) فى حديث موسى والخضر أى خلق وقدر وجبل أنه لو عاش يصير كافرا ، وأن الله علم أنه لو بلغ لكان كافرا، لا أنه كافر فى الحال ولا أنه يحرى عليه فى الحال أحكام الكفار. وقوله تعالى ((لا تبديل لخلق الله) يؤل بأنه من شأنه أو الغالب فيه أنه لا يبدل، أو يقال الخبر بمعنى النهى ، ولا يجوز أن يكون إخبارا محضا لحصول التبديل. وقيل المراد بالفطرة فى الحديث وكذا فى الآية ما فطر الله الخلق عليه من الهيئة مستعدة لمعرفة الخالق ، ومتهيأة لقبول الدين، ومتمكنة من الهدى، ومتأهلة لقبول الحق والتمييز بين حسن الأمر وقبيحه ، فلو ترك المولود على ما فطر عليه من التمكن على الهدى والتأهل لقبول الحق والتهيأ لقبول الدين فى أصل الجبلة ولم يتعرضه آفة من قبل الأبوين وغيرهما لاستمر على لزومه ولم يفارقه إلى غيره ولم يختر غير هذا الدين الذى حسنه ظاهر عند ذوى العقول وثابت فى النفوس. والفطرة بهذا المعنى لا يتهيأ لأحد تبديلها لأن هذا الاستعداد والتهيؤ لا يتبدل، وإن ذهب ذاهب إلى خلاف مقتضاها كانت بحالها حجة عليه، وليس هذا تبديلا له بل عدم ظهور أثره بالفعل، وهذا أرجح الأقوال عندى وأولاها ، ولا يخالفه لفظ الملة ولا حديث عياض بن حمار كما لا يخفى على المتأمل، وإلى هذا القول مال القرطبى فى المفهم فقال: المعنى أن الله خلق قلوب بنى آدم مؤهلة لقبول الحق كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة المرئيات والمسموعات ، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام ، وهو الدين الحق. وقد دل على هذا المعنى بقية الحديث حيث قال كما تنتج البهيمة إلخ يعنى أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة فلو ترك كذلك كان برئيا من العيب، لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلا فيخرج عن الأصل ، وهو تشبيه واقع وجهه واضح، وهو الذى رجحه التور بشتى فى شرح المصابيح، واختاره الطبي فى شرح المشكاة، والشاهولى الله الدهلوى فى حجة الله وقال فى شرح المؤطا: إنه أصح ما قيل فى هذا الحديث (يهودانه) بتشديد الواو أى يعلمانه اليهودية ويجعلانه يهوديا إذا كانا من اليهود، وذلك بتقدير الله وقضائه لا بخلقهما فلا حجة فيه للقدرية، وكذا ينصرانه ويمجسانه، والفاء فى «فأبواه)، إما للتعقيب وهو ظاهر، أو للتسبيب أى إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبويه غالبا (كما تنتج) أى تلد (البهيمة) بالرفع، وقوله ((كما، إما حال من الضمير المنصوب فى يهودانه مثلا أى يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة مشبها بالبهيمة التى جدعت بعد أن خلقت سليمة، أو من الضمير المرفوع فى (يولد)) شبه ولادته على الفطرة بولادة البهيمة السليمة، غير أن السلامة حسية ومعنوية، ١٧٦ مرعاة المفاتيح ج ١ ١ - كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر بهيمة جمعا هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول: ﴿فطرة الله التى فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم) متفق عليه. ٩١ - (١٣) وعن أبى موسى قال قام فينا رسول ملثم بخمس كلمات فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، أو صفة مصدر محذوف، وما مصدرية أى يولد على الفطرة ولادة مثل نتاج البهيمة ، أو يغيرانه تغييرا كتغييرهم النهيمة، وعلى التقديرين فالأفعال الثلاثة أعنى يهودانه وما عطف عليه تنازعت فى ((كم)، وتنتج يروى على بناء الفاعل وبناء المفعول، يقال نتج الناقة ينتجها إذا تولى نتاجها حتى وضعت فهو ناتج، وهو البهائم كالقابلة للنساء، والأصل نتجها أهلها ولدا، ولذا يتعدى إلى مفعولين فإذا بنى للفعول الأول قيل نتجت ولدا إذا وضعته وولدته ، وإذا بنى للمفعول الثانى قيل نتج الولد أى وضع وأنتحت البهيمة ولدا أى وضعته وولدته. والجمعاء التى لم يذهب من بدنها شئ، سميت بذلك لاجتماع سلامة أجزاءها من نحو جدع وكى، والجدعاء التى قطعت أذنها أو غيرها من الأعضاء، زاد فى المصابيح ((حتى تكونوا أنتم تجدعونها، وكذا فى رواية للبخارى (بهيمة) بالنصب على أنه مفعول ثان لتنتج، والأول أقيم مقام فاعله ، وقيل إنه منصوب على الحال بتقدير كون تنتج مجهولا أى ولدت فى حالة كونها بهيمة، أو على أنه مفعول إذا كان معروفا من نتج إذا ولد (هل تحسون) أى تدركون وهو بضم التاء وكسر الحاء (فيها) أى فى البهيمة الجمعاء، والمراد بها الجنس، والجملة فى موضع الحال أى بهيمة سليمة مقولا فى حقها هذا القول (ثم يقول) أى أبو هريرة كما فى رواية استشهادا بقوله تعالى (فطرة الله) أى ألزم وها (ذلك) أى التوحيد الذى هو معنى الفطرة، هو (الدين القيم) أى المستقيم الذى لا عوج له ولا ميل إلى تشبيه وتعطيل ولا جبر ولا قدر (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والترمذى، وفى معنى الحديث عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم الحافظ ابن كثير فى تفسيره. ٩١ - قوله (قام فينا بخمس كلمات) أى بخمس فصول ، والكلمة لغة تطلق على الجملة المركبة المفيدة أى قام فيما بيننا بتبليغ خمس كلمات أى بسببه ، فالجاران متعلقان بالقيام ، وقيل المعنى قام خطيا فينا مذكرا بخمس كلمات لنا ، فقوله (((فينا)) و((بخمس، حالان مترادفان أو متداخلان، ويحتمل أن يكون ((فينا، متعلقا بقام على تضمين معنى خطب، و((خمس)) حال أبى خطب قائما مذكرا بخمس كلمات ، وقيل غير ذلك (إن الله لا ينام) إذ النوم لاستراحة القوى والحواس، وهى على الله تعالى محال (ولا ينبغى له أن ينام) أى لا يصح ولا يستقيم ولا يمكن له النوم ، فالكلمة الأولى دالة على عدم صدور النوم، والثانية للدلالة على استحالته عليه تعالى ، ولا يلزم من عدم الصدور استحالته فلذلك ذكرت الكلمة الثانية بعد الأولى (يخفض القسط ويرفعه) هذه هى الكلمة الثالثة ، قيل أريد بالقسط الميزان ، وسمى الميزان قسطا لأنه يقع به 1 23 .١٧٧ مرعاة المفاتيح ج ١ ١ - كتاب الايمان ٣ - باب الايمان بالقدر يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور أو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ، رواه مسلم. العدل فى القسمة وغيرها، وهو الموافق لحديث أبى هريرة الآتى (يرفع الميزان ويخفضه)، والمعنى أن الله يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة إليه وأرزاقهم النازلة من عنده كما يرفع الوزان يده ويخفضها عند الوزن ، فهو تمثيل وتصوير لما يقدر اللّه تعالى وينزل، ويحتمل أنه أشار إلى قوله تعالى: ﴿ كل يوم هو فى شأن -٥٥: ٢٩﴾ أى إنه يحكم بين خلقه بميزان العدل ، فأمره كأمر الوزان الذى يزن فيخفض يده ويرفعها، وهذا المعنى أنسب بما قبله كانه قيل كيف كان يجوز عليه النوم وهو الذى يتصرف أبدا فى ملكه بميزان العدل، وقيل أريد بالقسط الرزق لأنه قسط كل مخلوق ونصيبه، وخفضه تقليله ورفعه تكثيره، يخفضه تارة بتقتير الرزق والخذلان بالمعصية، ويرفعه أخرى بتوسيع الرزق والتوفيق للطاعة، تقيه رد على القدرية (يرفع إليه) أى للعرض عليه وإن كان هو تعالى أعلم به لأمر الملائكة بإمضاء ما قضى لفاعله جزاء له على فعله أو يرفع إلى خزائنه ليحفظ إلى يوم الجزاء (قبل عمل النهار) أى قبل رفع عمل النهار (وعمل النهار) عطف على عمل الليل (قبل عمل الليل) أى قبل أن يشرع العبد فى عمل الليل أو قبل أن يرفع العمل بالليل، والأول أبلغ لأن الزمن أقصر ولما فيه من الدلالة على مسارعة الملائكة المؤكلة إلى رفع الأعمال وسرعة عروجهم إلى ما فوق السماوات (حجابه النور) هذه هى الكلمة الخامسة، وأصل الحجاب هو الستر الحائل بين الراقى والمرئى، والمراد ههنا هو المانع للخلق عن إيصاره فى دار الفناء، والكلام فى دار البقاء فلا يرد أن الحديث يدل على امتناع الرؤية فى الآخرة، و کذا لا يرد أنه ليس له مانع عن الإدراك فكيف قيل حجابه النور؟ يريد أن حجابه خلاف الحجب المعهودة فهو محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلاله وسعة عظمته وكبريائه ، وذلك هو الحجاب الذى تدهش دونه العقول وتذهب الأبصار وتتحير البصائر (لو كشفه) أى رفع ذلك الحجاب وأزاله، هذا هو المتبادر من كشف الحجاب، وقيل المراد لو أظهره (سبحات وجهه) بضمتين جمع سبحة بالضم كغرفة وغرفات، وفسر سبحات الوجه بجلاله وأنواره وبهائه، وقيل محاسنه لأنك إذا رأيت الوجه الحسن قلت سبحان الله (ما انتهى) أى وصل (إليه) الضمير لما (بصره) أى بصر اللّه تعالى، والمعنى لأحرقت سبحات ذاته كل مخلوق انتهى إلى ذلك المخلوق بصره تعالى، ومعلوم أن بصره محيط لجميع الكائنات فكيف إذا كشف، فهذا كناية عن هلاك المخلوق أجمع، وقيل الضمير فى ((بصره)، راجع إلى «ما)، وهو موصول مفعول به لأحرقت، وضميره إليه)، راجع إلى وجهه تعالى، والمرادما انتهى بصره إلى الله تعالى أى كل من يراه يهلك فكانهم راعوا أن الحجاب مانع عن إبصارهم فعند الرفع ينبغى أن يعتبر إبصارهم وإلا فايصاره تعالى دائم (من خلقه) بيان لما فى قوله «ما انتهى، والمعنى لو زال المانع من رؤيته وهو الحجاب المسمى نورا فتجلى لما وراءه من حقائق الصفات وعظمة الذات لأحرق جلال ذاته ونور وجهه جميع مخلوقاته (رواه مسلم) فى الايمان وأخرجه أيضا أحمد (ج٤ ص ٣٩٥، ٤٠٥) ١٧٨ مرعاة المفاتيح ج ١ ١- كتاب الايمان ٣ - باب الايمان بالقدر ٩٢ - (١٤) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه مؤلّى: يد الله ملائى لا تغيضبا نفقة سماء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما فى يده، وكان عرشه على الماء ويده الميزان يخفض ويرفع ، وابن ماجه فى السنة وابن حبان. قيل معنى الحديث مسبوك من معنى آية الكرسى نهو سيد الأحاديث كما أنها سيد الآيات، ذكره الطيبى ثم بينه وأوضحه فارجع إليه. ٩٢ - قوله (يد الله) الواجب فى هذا اللفظ وفى أمثاله الإيمان بما جاء فى الحديث والتسليم وترك التصرف فيه العقل، وهو مذهب السلف، واختلف المأولون فى تأويله نقيل المراد باليد النعمة وفسرها بعضهم بالخزائن وقال أطلق اليد على الخزائن لتصرفها فيها، والمعنى بالخزائن قوله (كن فيكون﴾ ولذلك لا يفتقص أبدا (ملائى) على زنة فعلى تأنيث ملأن، قالوا المراد به لازمه ، وهو أنه فى غاية من الغنى وعنده من الرزق ما لا نهاية له فى على الخلائق ، فهو كناية عن كثرة نعمته وغزارتها وجزالة عطاياه وعمومها (لا تغيضها) بفتح الفوقية وقيل بالياء أى لا تنقصها، لازم ومتعد (حاء) يفتح المهملتين مثقل مدود على زنة فعلا. لا أفعل لها كهطلاء أى دائمة الصب بالعطاء من سح يسح بكسر السين فى المضارع ويجوز ضمها أى سال وانصب متنابعا غزيرا، وضبط فى مسلم سحامنونا بلفظ المصدر أى تسح بها (الليل والنهار) منصوبان على أنهما ظرف لسحاء ، والمراد به عدم الانقطاع لمادة عطائه كالعين التى لا يغيضها الاستقاء ولا ينقصها الامتياح ، وفى الحديث إشارة إلى أنها المعطية عن ظهر غنى لأن الماء إذا انصب من فوق انصب بسهولة وعفو، وإلى جزالة عطاياه لأن السح يستعمل فيما ارتفع عن حد التقاطر إلى حد السيلان ، وإلى أنه لا مانع لها لأن الماء إذا أخذ فى الانصباب من فوق لم يستطع أحد أن يرده، وإلى أنه لا انقطاع لها لوصف السح بالدوام (أرأيتم) أى أخبرونى، وقيل أعلتم وأبصرتم ؟ (ما أنفق) ما مصدرية أى إنفاق اليد، وقيل ما موصولة متضمنة معنى الشرط (فإنه) أى الإنفاق (لم يغض) بفتح الياء وكسر الغين المعجمة أى لم ينقص (ما فى يده) موصولة مفعول، وقال الطبي: يجوز أن تكون ملاى ولا تغيضها وسحاء وأرأيتم على تأويل القول أى مقول فيها، أخبارا مترادفة ليد الله، ويجوز أن تكون الثلاثة الأخيرة أوصافا لملأى وأن يكون ((أرأيتم)) استينافا فيه معنى الترقى. وقال أيضا: لما قيل ملأى أوهم جواز النقصان فأزال بقوله «لا تغيضها)، وربما يمثلاً الشئى ولم يغض فقيل ((سماء، ليوذن بالفيضان، وقرنهما بما يدل على الاستمرار من ذكر «الليل والنهار، ثم أتبعها ما يدل على أن ذلك مقرر غير خاف على كل ذى بصر وبصيرة لقوله ((أرأيتم؛ فإنه خطاب عام والهمزة للتقرير (وكان عرشه) حال من ضمير خلق إلى آخر ما قال (ويده) وفى رواية ((ويده الأخرى، (الميزان) أى ميزان الأعمال والأرزاق (يخفض ويرفع) أى يخفض من يشاء ويرفع من يشاء، أو ينقض الرزق ويفتره على من يشاء، ويزيده ويوسعه على من يشاء بمقتضى قدره الذى هو تفصيل لقضائه السابق ، أو يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد ١٧٩ مرعاة المفاتيح ج ١ .١- كتاب الايمان ٣ - باب الإيمان بالقدر متفق عليه. وفى رواية لمسلم: يمين اللّه ملاى. قال ابن نمير: ملآن سماء لا يغيضها شفى الليل والنهار. ٩٣ - (١٥) وعنه قال سئل رسول اللّه مؤلّ عن ذرارى المشركين، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، المرتفعة إليه ، يقللها لمن يشاء بالخذلان ويكثرها لمن يشاء بالتوفيق للطاعة كما يصنعه الوزان عند الوزن يخفض مرة ويرفع أخرى. وأئمة السنة على وجوب الايمان بهذا وأشباهه من غير تفسير ، بل يجرى على ظاهره، ولا يقال كيف. وقال الخطابى: الميزان هنا مثل، والمراد القسمة بالعدل بين الخلق (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى والنسائى فى التفسير، وأبو داود وابن ماجه وغيرهم (وفى رواية لمسلم) فى الزكاة (يمين الله) معنى هذا اللفظ كما ذكره المأولون فى اليد من المجاز فليتأمل، والوجه مذهب السلف، قيل خص اليمين لأنها مظنة العطاء، وورد فى بعض الأحاديث ((وكلتا يديه يمين) أى مباركة قوية قادرة لا مزية لإحداهما على الأخرى (قال ابن نمير) بضم النون هو محمد بن عبد الله بن غمير الهمدانى الخازنى، أبو عبد الرحمن الكوفى، ثقة حافظ فاضل. روى عن خلق كثير، وعنه البخارى ومسلم وأبو داود وابن ماجه، مات سنة (٢٣٤) (ملآن) أى روى محمد بن عبد الله بن نمير ملآن بالنون وسكون اللام بعدها همزة، وقيل يفتح اللام بلا همز، قالوا: وهو غلط منه، وصوابه ملائى بالتأنيث كما فى سائر الروايات، ووجهها بعضهم بأن اليمين يذكر ويؤنث كالكف (الليل والنهار) ظرف لسحاء. ٩٣ - قوله (عن ذرارى المشركين) جمع ذرية، وهى نسل الإنس والجن، ويقع على الصغار والكبار إما من الذر بمعنى التفريق أو من الذره بمعنى الخلق، فتركت الهمزة أو أبدلت، والمراد عن حكم أولادهم إذا ماتوا قبل البلوغ أنهم من أهل النار أو الجنة (الله أعلم بما كانوا عاملين) أى لو أبقاه، فلا تحكموا عليهم بشئى، وهو صريح فى الأمر بالتوقف فيهم، وتمسك به من قال هم في مشيئة الله، وقد اختلفوا فى حكمهم على أقوال كثيرة، أشهرها التوقف، فسب ذلك إلى الأئمة الثلاثة، وعن أحمد روايتان، ثم اختلفوا فى معنى التوقف فقيل المراد به عدم العلم أو عدم الحكم بشتى، وقال بعضهم: المراد به التوقف فى الحكم الكلى، فبعض أولاد المشركين ناج وبعضهم هالك. والصواب عندى أن جميع أولاد المشركين فى الجنة، واستدل لهذا بأشياء، منها حديث إبراهيم الخليل مَ ه حين رآه النبى محمد فقه فى الجنة وحولة أولاد الناس ، وفيه أنه قال الملكان: وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. قال (الراوى) فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال وأولاد المشركين، رواه البخارى فى آخر تعبير الرؤيا من صحيحه. ومنها قوله تعالى ﴿ وما كنا معذ بين حتى نبعث رسولا ١٧: ١٥ ) ولا يتوجه على المولود التكليف حتى يبلغ ، وهذا متفق عليه . ومنها حديث أنس أخرجه أبو يعلى مرفوعا: سألت ربى اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم. قال الحافظ : إسناده حسن، قال وورد تفسير اللاهين بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعا أخرجه البزار. ومنها ما رواه أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن مريم عن عمتها قالت: قلت يا رسول الله من فى الجنة؟ قال: النبى ١٨٠