Indexed OCR Text

Pages 1-20

مِنْد ألى وَاوُ دَالطِيَالِىّ
سُلِيمَان بنْ دَاوُدبنَّ الجَارُودَ
المتوفى سنة ٢٠٤هـ
تحقيق
الدكتور محمد بن عَبد المجْن التُركىّ
بالتعاون مع
مركز البحوث وَالدراسات العربية والإسلامية
بدار مجد
الجزء الأول
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
المكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
= ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس ٣٢٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - @ ٣٢٥٢٩٦٣
ص . ب ٦٣ إمبابة

تقديم
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر
بقلم الأستاذ الدكتور / عبد السند حسن يمامة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا ؛ أمَّا بعد :
فإنه فى إطار خطة مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار
هجر لتحقيق كتب تراث أمتنا الإسلامية العريقة ، كان خَريًّا بنا أن نُعنى
بتحقيق أجَلٌ كتبها بعد كتاب اللَّه تعالى، وأعمها نفعًا للأمة، وهى كتب
السنة الشريفة التى حملتْ إلينا هَدى النبى معَ له، فما ترك أصحابه الكرام ،
رضى الله عنهم ، شيئًا من أحواله وأقواله وأفعاله إلا حفظوه ونقلوه عنه إلى
التابعين، ثم نقله التابعون إلى من بعدهم فتناقلوه جيلاً بعد جيل حتى دونوه
فى أسفارٍ جليلة ، حفظًا للسنة من الضياع، وأقاموا لها عِلمًا خاصًّا لم يسبقهم
إليه أحد من الأمم، وهو علم الرجال الذين رووا الأحاديث عن النبى معَ اهٍ ،
فتناول رجال السند جرحا وتعديلًا لبيان حال كل راو، وبه يظهر الصحيح من
السقيم .
فنظرنا فى كتب السنة التى لم تحقق بعدُ ، فوقع اختيارنا على أقدم
المسانيد، وهو مسند أبى داود الطيالسى، إذ هو من كتب السنة بمكان ،
وحاجة أهل العلم إليه محققًا ماسة، وعلى الرغم من ذلك لم تمتد إليه يد
بتحقيق نصه تحقيقًا علميًّا ، وتخليصه من قيد تلك الطبعة الوحيدة ، التى
اعتراها النقص والتصحيف والتحريف ، والتى طبعت فى الهند بمطبعة مجلس

دائرة المعارف النظامية فى عام ١٣٢١ هـ، والتى صار العزو إليها يُحدث أمّاً
فی النفس، وحسرة لا تفارقها ، ونحن نری کمّا كبيرًا من الكتب قد محقق -
وهى لا تزن فى ميزان العلم شيئًا - وبقى كتاب من أهم كتب السنة حبيس
هذه الطبعة .
ولما كان الأمر كذلك اقترحنا على معالي الدكتور / عبد اللَّه التركى أن
يشاركنا فى تحقيق هذا السفر العظيم - إذ هو من أولئك النفر القليل المَغْنِىّ
بتحقيق كتب التراث ؛ حديثًا وفقهًا وتاريخًا وتفسيرًا ويشار كنا تحقيق كل
أعمالنا - فأحال الأمر إلى أخيه الأستاذ الدكتور / محمد التركى ، الذى كان
قد حصل على درجة الماجستير فيه ومعه مجموعة من إخوانه ، فالتقت رغبتنا
ورغبته فى تحقيقه ونشره، فاتفقنا على منهج التحقيق - إذ إن العمل الأكاديمي
يفارق الأعمال التى تنشر فى كثير من الأمور - من ضبط النص وتوثيقه ،
وتخريج أحاديثه مع الحكم على الحديث وعلى إسناده، فى غير إطالة مملة ، ولا
اختصارات مخلة ، فخرج العمل - بفضل الله - غاية فى الإتقان؛ إذ نال من
العناية فى تحقيقه ما لم ينله كتاب قبله .
فاللَّه نسأل أن يثبت أقدامنا على هذا الدرب ، وأن يشفى بهذا العمل غُلَّةً
طلاب العلم، وأن يجعله لنا ذخرًا يوم القيامة ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ،
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد .
الد کتور
عبد السند حسن مامة
مدير مركز البحوث والدراسات
العربية والإسلامية بدار هجر

داي الحالي
تقديم
بقلم : معالي الدكتور / عبد الله بن عبد المحسن التركى
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف
والدعوة والإرشاد
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم
وبارك على نبينا محمد، البشير النذير، والسراج المنير ، الهادى إلى الصراط المستقيم،
صراط اللَّه الذى له ما فى السموات وما فى الأرض، ألا إلى اللَّه تصير الأمور.
أما بعد: فلقد كانت حياة نبينا محمد عَ ل محل الحفاوة والاهتمام، من
صحابته والأمة من بعدهم، حفاوة ما لقيتها شخصية على مر التاريخ، واهتمامًا
لا یکاد یعرف له نظیر فی الدنیا .
لقد رصد الصحابة الأبرار دقائق أفعاله عَليه، وحفظوا غرر أقواله، ونقلوا
شمائله العبقة، وصفاته الأخاذة ، فاجتمع من مروياتهم ثروة عظيمة ، هى ميراث
محمد عَ الِ ، الذى أبقاه لأمته من بعده، فتبارى القوم وتنافسوا فى اقتسام هذا
الميراث، والنهل من ذلك الزُّلال، وبَذْلِ الوسع فى مضاعفة الأخذ وتكثير
النصيب حسب الطاقة والجهد .
لقد عاش لهذا الميراث - سنة رسول اللَّه عَطم - الجهابذة من علماء الأمة فى
مختلف العصور، الزكية نفوسهم، النضرة وجوههم، الذين كانوا أنضاء طلب
وأوعية علم، حتى لكأنما خلقوا لهذا الشأن، فحفظوها فى صدورهم،
٥

وتذاكروها فى مجالسهم، وعلّموها فى دروسهم، وعملوا بها فى حياتهم،
وزبروها فى كتبهم، فإذا كتبهم خزائن السنة، وصناديق ميراث النبوة .
إن المرء لا يكاد يسرح طرفه فى تلك الخزائن والصناديق، حتى يطوى حقب
الزمن ، ليشرف على رياض فينانة ، يفوح عبقها، ويبهر ألقها ، وإذا به يعايش سنة
رسول اللَّه مَهم، حتى لكأنما حياته عَ ل ملء سمعه وبصره.
لقد توارثت الأمة جيلًا إثر جيل مسؤولية صيانة هذا الإرث النبوى العظيم،
فتنوعت وسائلهم فى خدمته، وتكاثرت أعمالهم فى صيانته، ومن ذلك العناية
بدواوينه وحفظها وصيانتها، فرويت كتبه بالأسانيد، ووثقت بالسماعات،
وتداولتها أیدی العلماء توثيقًا وتحریرًا .
إن صيانة خزائن كنوز السنة النبوية وخدمتها - بما يتناسب وعظيم قدرها ،
وشدة الحاجة إليها - أمر ينبغى أن تستنهض له همم طلبة العلم فى هذا الزمان ،
اقتفاء الأثر النخبة الطيبة من أئمة الهدى، الذين خدموا الملة، وحفظوا السنة ،
وأقام الله بهم الدین .
إن من غير المناسب أن تتجه جهود كثير من الباحثين إلى خدمة كتب لا
تقدم إضافة علمية تذكر، بينما لا تزال دواوين السنة تتداول فى طبعات تفتقر إلى
أدنى نوع من أنواع التحقيق العلمى، والتوثيق النصى .
ومن هذه الكتب - وهى كثيرة - كتاب المسند للإمام الحافظ أبى داود
سليمان بن داود الطيالسى ، المتوفى سنة ٢٠٤هـ، رحمه الله، على الرغم من أنه
من كتب السنة الأصيلة المعتمدة عند أهل العلم .
ومن هنا توجهت همة الأخ الأستاذ الدكتور محمد بن عبد المحسن التركى،
٦

إلی تحقيقه وخدمته، خدمة تليق به ، وبمنزلة مؤلفه، وذلك بتوثیق نصه، وتخريج
.أحاديثه، والحكم على أسانيده، وذلك لأهمية الكتاب، وما يحفل به من ميزات
مهمة .
فعسى أن يكون بعمله هذا أسهم فى خدمة السنة، وقدم ما يكون فيه نفع
لطلبة العلم، سائلًا اللَّه تعالى له العون والتوفيق وحسن المثوبة ، مؤملاً أن يستمر
فى هذا الميدان الشريف ، الذى يخدم به دينه وأمته .
وأسأله تعالى أن يوفق محقق الكتاب، الأخ الدكتور محمد التركى، لما
يكون فيه الخير والصلاح له ولإخوانه من طلاب العلم، وصلى الله وسلم وبارك
على نبينا محمد .
عبد الله بن عبد المحسن التركى .
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف
والدعوة والإرشاد
٧
١

13
مقدمة التحقيق
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ،
ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد : فلقد امتن اللَّه على المؤمنين بنعمة هى أفضل النعم، أن أرسل إليهم
رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة،
ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا
مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن
كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤ ].
فأنجز رسول اللّه ◌ِ لِّ المهمة على أكمل وجه، جلى للأمة الكتاب ، وأبان لها
أحكام الإسلام، وأنار لها الطريق، وهداها لأقوم سبيل، كل ذلك بسنته
الكريمة ؛ قولًا ، وفعلًا، وتقریرًا، فكان الكتاب والسنة أساسی الدین، ومصدری
تشريعه وأحكامه، لا غنى لأحدهما عن الآخر، ولا غنى للأمة عنهما ، لتحظى
بالفوز والنجاة، وتعصم من الضلال والخسران: ((تركت فيكم ما إن اعتصمتم
به فلن تضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه))(١).
(١) أخرجه الحاكم ٩٣/١ من حديث ابن عباس وأبى هريرة ، وأصله فى صحيح مسلم .
٩

وقد تلقى الصحابة هذين المصدرين بالعناية والفهم والتطبيق، ونقلوهما
بأمانة وعناية إلى من بعدهم، ثم التابعون كذلك، وهكذا فعل كل جيل؛ ليسلم
الدين، وتقوم الحجة ، وتدوم إلى يوم القيامة ، فالقرآن وصل إلينا بالنقل المتواتر
جيلًا إثر جيل، فلم يحدث له بحمد اللَّه ما حدث للكتب السابقة، فما بين دفتى
المصحف اليوم، نقطع يقينا أنه الذى أنزل على محمد عّ للم قبل أربعة عشر قرنًا .
وأما السنة فكانت منتشرة بين آحاد الصحابة، متفرقة فيهم، يتفاوتون قلة
وكثرة فى حفظها، حسب حضورهم من رسول اللَّه عَّهِ وملازمتهم له، يتفقون
على أحاديث ، وينفرد آحادهم بأحاديث، وكذا الشأن فى نقل التابعين، ونتيجة
لهذا، ولكثرة السنة واتساع مروياتها ، تسبب البعض خطأ، وتقصد آخرون خبثًا
أو جهلاً أن يسيئوا إلى الإسلام، ويفسدوا السنة، بالكذب والتحريف ، أو الوهم
والغلط ، فيدخلوا فى السنة ما ليس منها، ويفقدوا الأمة بعض ما ثبت منها، وأَنّى
لهم ذلك، وقد تكفل الله بحفظ الذكر المنزل، ومِن حِفْظِه حِفْظُ السنة التى هى
بیان القرآن ، ولا غنى له عنها .
ولقد قيض اللَّه رجالًا صنعوا الأعاجيب لخدمة السنة ، والعناية بها وحفظها ،
ووهبوها حياتهم كلها، وأموالهم جميعها، رضية بها نفوسهم ، طيعة بها
أيديهم، مسارعة إليها أقدامهم، كأنما خلقوا لهذا الشأن وحده .
فأوجدوا علمًا ضخمًا، وخدموه بعلوم كثيرة ، هو علم الإسناد ، فطلبوا من
الرواة أن يسموا رجالهم الذين أخذوا الحديث من طريقهم ، وردوا كل حديث
بلا إسناد ، أوله إسناد غير قائم.
روى مسلم فى مقدمة صحيحه، عن ابن عباس، قال: إنما كنا نَحْفَظُ
١٠
١

الحديثَ، والحديثُ يُحْفَظُ عن رسول اللَّه ◌ِلّهِ، فأما إذ رَكِبْتُمْ كلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ
فهيهاتَ(١) .
ويقول ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنةُ قالوا :
سَمُوا لنا رجالَكم، فَيَنْظَرُ إلى أهل السنة فيؤخذُ حديثُهُمْ، ويُنْظَرُ إلى أهل البدع
فلا يُؤْخَذُ حديثُهُم(١٢).
ومن هنا أصبح الإسناد من الدين، ولولاه لقال فى الدين من شاء بما شاء،
وهو خصيصة منحها الله أمة محمد عَ لٍ؛ ليحفظ لها دينها كما وعدها جل
وعلا .
فأمكن من خلاله معرفة صحيح حديث رسول اللَّه ◌ِظلم من ضعيفه، وأصيله
من دخيله، وما كان الإسناد وحده كافيا لذلك ، لولا ما قدمه له أولئك الأئمة
من خدمات عظيمة، وعلوم جليلة، اقتضت منهم معرفة كل الرواة، بتتبع
أخبارهم، والإحاطة بدقائق حياتهم، وسبر كل مروياتهم، ثم الحكم على كل
واحد بما يناسبه من حيث العدالة والضبط، والسماع وعدمه .
ومهما قيل عما يحتاجه مثل هذا العمل من وقت وجهد، فلن يبلغ البيان
تصويره، ولا القلم إيضاحه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل
العظیم .
وكان مما قدمه أولئك الأئمة لسنة رسول اللَّه ◌َاقومٍ ، أن ألفوا كتبا، أودعوها
(١) مقدمة صحيح مسلم ص : ١٣.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ص : ١٥.
١١

مروياتهم من حديث رسول اللَّه عَّامٍ، بالأسانيد التى وصلتهم من طريقها؛
لتصبح هذه المصنفات خزائن سنة الحبيب المصطفى مَ اه ، وليتتابع أهل العلم فى
كل عصر على خدمة هذه المصنفات والعناية بها ، حتى وصلت إلينا على صورة
بهية ، مصانة محفوظة، مستتبعة علومًا ضخمة ، ومصنفات كثيرة .
وجاء عمل أهل هذا العصر فى خدمة سنة رسول اللّه عَ لّهِ بخدمة تلك
المصنفات ، التى يجب علينا المحافظة عليها، وإخراجها إخراجًا سليمًا كما وضعه
مصنفوها؛ ليستفيد الناس منها، وينتفعوا بما حوته من حديث خير البرية معَ له.
وإن من نفائس كتب السنة النبوية، وأصولها المهمة مسند الإمام أبى داود
سليمان بن داود الطيالسى، المتوفى سنة ٢٠٤هـ، رحمه الله، فاختصصته
بالعنایة ، ورغبت أن أدلى بدلوی فی خدمته، خدمة تليق به وبمصنفه، و کان مما
دفعنى إلى ذلك :
١- إمامة مؤلفه ومكانته وحفظه وإتقانه ، وتواطؤ كلام الأئمة على توثيقه والثناء
عليه .
٢- كون هذا الكتاب من أقدم كتب السنة بعامة ، وأقدم كتب المسانيد بخاصة .
٣- علو إسناد هذا الإمام وتقدم زمانه، فهو من أتباع التابعين .
٤- حاجة هذا الكتاب إلى الإخراج العلمى ، حيث إن طبعته الوحيدة المتداولة ،
كثيرة السقط والخرم والغلط والتصحيف والتحريف ، ويظهر ذلك لكل من
تأملها من ذوى الاختصاص ، وقارنها بهذه الطبعة التى أقدم لها .
لقد كانت بداية صلتى بهذا الكتاب، عندما اخترت قسمًا من أوله، ليكون
تحقيقه رسالة الماجستير، التى تقدمت بها لقسم السنة وعلومها بكلية أصول الدين
١٢

بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فحققت الكتاب من أوله إلى نهاية
مسند سعيد بن زيد ، ثم تتابع على التسجيل فى تحقيقه زملاء فضلاء، فأتوا على
جل الكتاب .
ولقد أبان لى عملى فى هذا الكتاب أهميته، وسوء النسخة المطبوعة منه ،
وشدة الحاجة إلى الاعتناء به كله، وإخراجه للناس إخراجًا يتناسب مع ما له من
مكانة وقدر، لكن المنهج الذى سرت عليه مع إخوانى المشاركين معى فى
تحقيقه، كان على حال من التوسع والبسط والتفصيل، الذى يحسن فى الرسائل
الجامعية، ولا يناسب الإخراج العام ، لما فيه من إطالة للكتاب، وإثقال على
المستفيدين غير المختصين ؛ لذا عمدت إلى تحقيقه وإخراجه إخراجًا يحقق الغاية
من خدمته ، ويتحاشى الإطالة المؤثرة على انتشاره وتداوله، فعنيت بضبط النص
ضبطًا دقيقًا، معتمدًا فى ذلك على عدة نسخ خطية، ثم حكمت على أسانيده
حكمًا موجزًا، مبينًا ما قد يوجد فيه من علة أو مطعن، مع بيان الدرجة العامة
للحديث، باعتبار ما أتيح لى من طرقه الأخرى، ثم أبنت باختصار غير مخل
مواضع تخريج أحاديثه من كتب السنة الأخرى، وقد أفصل بعض التفصيل عند
وجود الاختلاف المقتضى لذلك ، ثم ختمته بفهارس مفصلة تيسر الوصول إلى ما
يحتاج إليه منه، وقد بدأته بتمهيد تضمن ترجمة للمؤلف، ودراسة للكتاب،
ووصفًا لنسخه الخطية، وبيانًا لخطة العمل فيه .
وإننى لأدين بالفضل الكبير فى هذا العمل وغيره لوالدى الجليل معالى
الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركى - حفظه الله - الذی ربانی صغیرًا،
وتعاهدنی کبیرًا، فكان له بعد اللَّه الفضل الأول فى كل ما وصلت إليه، كما
أدين بالفضل والشكر لشيخى الفاضل الدكتور أحمد معبد عبد الكريم، الذى
١٣

كان مشرفًا علىَّ فى رسالة الماجستير، فأكرمنى من علمه وفضله بالكثير، ولا
أنسى شكر زملائى الأعزاء، الذين سجلوا فى المسند بعدى، فقد استفدت فی
أثناء العمل من رسائلهم، كما لا يفوتنى أن أشكر الإخوة الباحثين بمركز البحوث
والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر على تعاونهم الكريم فى هذا .
والله أسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفعنا بما علمنا،
ويعلمنا ما ينفعنا، ويغفر لنا ولوالدينا، ولكل من دعا لنا بخير، وصلى الله وسلم
وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
محمد بن عبد المحسن بن عبد الرحمن التركى
١٤

ترجمة المصنف
أولًا : اسمه، ونسبته، وكنيته.
ثانيًا : مولده ونشأته .
ثالثًا : أبرز شيوخه.
رابعًا : مكانته العلمية.
خامسًا : أبرز تلاميذه.
سادسًا : وفاته .
٠٠

أولًا : اسم المصنف ، ونسبته ، وكنيته(١):
هو سليمان بن داود بن الجارود، ولم أجد من زاد على هذا .
یکنی أبا داود، وهو بها أشهر، ويشاركه هذه الكنية من طبقته أبو
داود الحَفَرِى، ويشترك معه فى كثير من شيوخه، وإذا أطلق أبو داود
ءُ
قال ابن الغلابى: وأمه مولاة لبنى نصر بن معاوية(٢).
ضمن أسانيد كتب الحديث، وكان فى طبقة الطيالسى، فالذى ظهر لى
أنهم يعنون الطيالسى .
وهو ينسب إلى أكثر من نسبة، بحسب مهنته، وولائه، وأصله ،
(١) ينظر فى ذلك: طبقات ابن سعد ٢٩٨/٧، تاريخ ابن معين (رواية الدُّورى) ٢٢٩/٢، من
كلام ابن معين (رواية الدقاق) ص: ١٢٠، تاريخ خليفة ص: ٧٦٧، طبقات خليفة ص:
٥٧١، التاريخ الكبير للبخارى ١٠/٤، التاريخ الصغير ٢٩٩/٢، كنى مسلم ٣٦١، الجرح
والتعديل ١١١/٤ - ١١٣، تاريخ الثقات ٢٠١، طبقات المحدثين بأصبهان ١٨٢/٢ (٩٣)، كنى
الحاكم ١٥١/١- ب، كنى ابن منده ١١٠- أ، ذكر أخبار أصبهان ٣٣٢/١، ٣٣٣، تاريخ
بغداد ٢٤/٩، السابق واللاحق ص: ٢١٥، الرحلة فى طلب الحديث ١٨١، كنى ابن عبد البر
٦٠٥/١، التعديل والتجريح ١١١٢/٣، الجمع بين رجال الصحيحين ١٨٤/١، الأنساب ٩/
١١٣، ١١٤، التقييد ١/٢، الكامل ١١٢٧/٣ - ١١٢٩، اللباب ٢٩٣/٢، تهذيب الكمال ١١/
٤٠١، السير ٣٧٨/٩ - ٣٨٤، تذكرة الحفاظ ٣٥١/١، ٣٥٢، العبر ٢٧٠/١، ٢٧١، الميزان ٢/
٢٠٣، ٢٠٤، المعين فى طبقات المحدثين ص: ١١٠، تاريخ الإسلام ١٧٩/١٤، دول الإسلام ١/
١٢٧، مرآة الجنان ٢٩/٢، البداية والنهاية ١٤٠/١٤، تهذيب التهذيب ١٨٢/٤ - ١٨٦،
طبقات الحفاظ ص: ١٤٩، شذرات الذهب ١٢/٢، الأعلام ١٢٥/٣.
(٢) تاريخ بغداد ٢٤/٩، تهذيب الكمال ٤٠١/١١ .
١٧

وبلده، فيقال فى نسبته: الطَّيَّالِسِى، وصاحب الطَّالِسَة، والزُّبَيْرِى،
والأَسَدِى، والقُرَشِى، والفَارِسِى، والبَصْرِى.
فالطيالسى وصاحب الطيالسة : نسبة إلى الطيالسة، وهى التى تكون
.(١)
فوق العمامة(١).
قال فى اللسان: الطَّيْلَس والطَّيْلَسَان: ضَرْبٌ من الأَكْسِية، وهو
فارسى معرب(٢). ولم أقف على سبب نسبته إليها .
ويشاركه فى هذه النسبة عصريه أبو الوليد الطيالسى هشام بن عبد
الملك، غير أن المصنف أشهر منه .
والزبيرى، والأُسدى، والقرشى؛ لأن ولاءه لآل الزبير بن العوام،
رضى الله عنه، والزبير من بنى أسد من قريش.
والفارسى؛ لأن أصله فارسى. والبصرى؛ نسبة إلى بلده البصرة .
ثانيًا : مولده ونشأته :
اتفق المترجمون على أن ولادته سنة ١٣٣هـ، ولم أقف على مكان
ولادته، ولا كيف نشأ وطلب، ولا متى وإلى أى البلاد رحل.
غير أن الذى يمكن استنتاجه - وذلك من قراءة عاجلة لتراجم بعض
شيوخه - أنه بَكْر فى طلب العلم، فقد أدرك ابنَ عون وسمع منه
(١) الأنساب ٩/ ١١٣.
(٢) اللسان ، مادة ( ط ل س ) .
١٨

أحاديث، كما قال الذهبى، وابنُ عون توفى بالبصرة سنة ١٥١هـ (١)
وكذا سمع هشاما الدستوائى وأكثر عنه، وهشام توفى بالبصرة سنة
(٢)
١٥٢ هـ(٢).
وإذا عرفنا أنه قد رحل بُعَيْد هذا التاريخ بقليل إلى بغداد - كما
سيأتى - تبين لنا تبكيره فى الطلب وجدُّه فيه، فمن المعروف عند أهل
الحديث أن الطالب لا يبدأ الرحلة حتى يستنفد مشايخ بلده غالبًا (١) ، وبلدٌ
كالبصرة فى كثرة مشايخها وعلمائها لا يمكن أخذ ما عندهم واستنفاده
إلا بانقطاع، وجهد، واجتهاد ، يحتاج معه إلى وقت ليس بقصير من أجل
الفراغ منه .
ويؤيد ذلك أنه روى عن شعبة بن الحجاج وحده سبعة آلاف
حديث(٤) ، وعن عثمان البُرِّى اثنى عشر ألف حديث(٥)، وهما
بصريان .
وقد رحل الطيالسى مبكرا فى طلب العلم، جاء فى ترجمة
عبد الرحمن بن عبد اللَّه المسعودى، أن الطيالسى قد سمع منه سنة
-
(١) العبر ٢٧١/١، التذكرة ٣٥٢/١، طبقات الحفاظ ص : ٦٩.
(٢) تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٤، طبقات الحفاظ ص : ٨٤.
(٣) تدريب الراوى ٢/ ١٤٢.
(٤) السير ٢١٦/٩.
(٥) السير ٣٨٣/٩.
١٩

١٥٧ هـ ببغداد) ، وقال الخطيب: وقدم بغداد، وشعبة والمسعودى بها،
فسمع منهما(٢).
كما أنه قد رحل إلى الكوفة، ففى ترجمة وَرْقَاء بن عمر اليَشْكرى
الكوفى : قال أبو داود: قال لى شعبة: عليك بورقاء؛ فإنك لا تلقى بعده
مثله(٢). كما أنه سمع من متقدمى الكوفة ؛ كالثورى، وإسرائيل بن
يونس، فإنهما توفيا سنة ١٦١هـ (٤).
ورحل أيضا إلى المدينة، فقد سمع من فُليح بن سليمان الخزاعى، وهو
مدنى لم يرحل، وكذلك سمع من الإمام مالك بن أنس وغيره من
مشايخ المدينة .
ومما لاريب فيه أن أبا داود قد جدَّ فى الطلب مبكرا، ورحل من
أجله، وأفنى عمره فى سبيل خدمته والعناية به، وانقطع له، وإلا لما وصل
إلى ما وصل إليه، وأصبح أحفظ أهل البصرة فى وقته، وقد قال عن نفسه
أنه كتب عن ألف شيخ(١)، وحدَّث بخراسان بمائة ألف حديث من
حفظه(٧) .
(١) السير ٩٥/٧.
(٢) تاريخ بغداد ٢٤/٩.
(٣) السير ٧/ ٤٢٠.
(٤) تذكرة الحفاظ ٢٠٣/١ - ٢٠٧، ٢١٤، تهذيب التهذيب ١١١/٤.
(٥) السير ٣٥١/٧.
(٦) السير ٩/ ٣٨١.
(٧) تهذيب التهذيب ١٨٦/٤.
٢٠